آليّات الوحدة الإسلاميّة في نهج أئمّة الشيعة

4 يناير 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
161 زيارة

آليّات الوحدة الإسلاميّة في نهج أئمّة الشيعة

د. علي آقا نوري(*)

ترجمة: نظيرة غلاّب

 

يتمحور موضوع هذا المقال حول البحث في المبادئ النظريّة وآليات الوحدة الدائمة والأصول المشتركة للتقريب بين المذاهب في سيرة وخطابات أئمّة الشيعة، ناظرين في هذا إلى مجموعة من المصادر التاريخيّة، الروائية والتفسيريّة.

الإقرار العامّ بين مختلف المذاهب بالأصول المشتركة، والتي من جملتها: القرآن؛ والسيرة النبويّة؛ والأحاديث النبويّة الشريفة؛ وكذا وجوب إطاعة الزعامة الدينيّة والمرجعيّة الدينيّة لعترة النبيّ الأكرم، والمتمثِّلة في الأئمّة من أهل بيته^. وهي الأركان التي تمثِّل في مجموعها جملةً من المحاور المشتركة التي ينطلق منها الكاتب في تثبيت مبدأ الوحدة الإسلاميّة، باعتباره أصلاً من أصول الفكر الدينيّ والتوجُّه العقديّ في نهج أئمّة أهل البيت^. منهجه في كلّ هذا قراءة للموروث الروائيّ الصادر عن أئمّة أهل البيت^.

 

مقدّمة ــــــ

لا أحد يستطيع إنكار ممارسة الأئمة^ لكلّ الأخلاقيّات التي تعمل على تثبيت مبدأ الوحدة الإسلاميّة على المستويين النظريّ والعمليّ، والتزامهم الدؤوب بعدم إيجاد ما يستتبع أو يستلزم الفرقة والتفرقة بين المسلمين كافّة. والقدر المتسالم عليه هو كون إيجاد الوحدة في المجتمع المسلم بمختلف مكوّناته المذهبيّة والفكريّة لا يتيسَّر بمجرّد سنّ القوانين، بل لابدّ من النظر في الأصول المشتركة لكلّ هذه المكوّنات والأطياف، والتأكيد على ما به الاشتراك، سواءٌ في مجال العقيدة أو في مجال الفقه، وغيره من المحاور التي تقوم عليها المنظومة الدينيّة للمجتمع المسلم.

من هنا فإنّ أئمّة الشيعة عملوا على عرض مجموعة من القواعد والأصول الدينيّة، والتي من خلال العمل بها والاستناد العمليّ عليها يتسنّى للفكر الإسلاميّ والعقل الجمعيّ للمسلمين استخلاص آليات الوحدة، أو في الحدّ الأدنى التقليل من مساحة الاختلاف، وبالتالي تقصير مسافة الفرقة، وسدّ باب العداوة والنزاعات المذهبيّة والفرقية.

ومجموع هذه الأصول والمحاور التي تأسَّست عليها الوحدة في نهج الأئمّة، والتي تظل اليوم النظريّة والسلوك العمليّ الوحيد الكفيل بجمع شتات الأمّة ورأب صدعها، ترتكز على ضروريّات أربع:

1ـ الاعتراف الرسميّ بالاختلاف في الأفكار والأذواق.

2ـ محوريّة القرآن.

3ـ محوريّة السيرة والأحاديث النبويّة الشريفة.

4ـ إطاعة الزعامة الدينيّة، والإقرار بسنّة أهل البيت وسيرتهم؛ باعتبارهم المؤهَّل الأوّل لتفسير القرآن الكريم، ولبيان سنّة وسيرة النبيّ الأكرم|؛ انطلاقاً من حديث الثقلين، الذي تقرّ الفرق الإسلاميّة بصحّة صدوره من النبيّ الأكرم|.

 

 1ـ الاعتراف الرسميّ بالاختلاف الفكريّ، وفي المعتقد ــــــ

إنّ الإقرار والاعتراف الرسمي باختلاف وتنوّع الفكر، وطبيعيّة اختلاف الطبائع والذوق التعبُّدي وفق ما يختاره الفرد من مذهب أو توجُّه دينيّ داخل المنظومة الإسلاميّة، لعمري هي أوّل خطوة نحو الوحدة، بل يعتبر هذا أعظم أصل في إيجاد الوحدة والتكافل والتماسك بين مختلف المذاهب الإسلاميّة. فهذا البند الأصل إذا تمّت مراعاته وتبنّيه بالشكل الصحيح ضمن الأصول الأخلاقيّة وما به الاشتراك المذهبيّ سيقف مانعاً أمام العديد من الاختلافات والنزاعات الاجتماعيّة. و بلحاظ تأثيره الإيجابيّ في إزالة موجبات الاختلاف الثقافيّ والأخلاقيّ فإنّ باستطاعته إيجاد نوع من الوحدة تكون ديناميكيّة وفعّالة، وبالتالي الدفع بالمجتمع المسلم إلى الرفع من مستوى سقف الرشد الفكريّ الجمعي، وهو المستوى الذي يجعل العقل الجمعي المسلم ينظر إلى نقاط الاشتراك أكثر من اهتمامه بنقاط الاختلاف، وستصبح معه رغبته في الوحدة أشدّ وأقوى.

وقد اهتمّ أئمّة أهل البيت^ بهذا الأصل، وأشاروا إليه حين تحدَّثوا في تقسيمهم البشر إلى مجموعاتٍ بلحاظات مختلفة. وكذلك أشاروا إلى اختلاف درجات الإيمان بين الناس، واختلاف مستوى الاعتقاد والاقتناع، ومن جهة أخرى قسَّموا المعارف الدينيّة إلى أقسام متعدِّدة. و هو ما يعطي إحساساً وإدراكاً لطبيعة الاختلاف بين بني البشر، وأن الاختلاف مسألة طبيعيّة، وبالتالي فإنّ مراعاته والإقرار به حقٌّ عقلائيّ.

 

 أـ تقسيم عموم الناس بلحاظ القابليّات وخصوصيّات أخرى مختلفة ــــــ

لقد تعدَّدت الروايات الصادرة عن أئمّة أهل البيت^ والتي تبيِّن أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق، وجعل بعضه يختلف عن بعض، وفق اختلاف القدرات وتفاوت درجة الفهم والإدراك. نقرأ في هذا الموضوع رواية عن الامام الصادق× تفسِّر نوعية هذا الاختلاف، بحيث لو تمّ التمعُّن فيه لما بقيت حاجة إلى الاختلاف. فقد قال×: «لو علم الناس كيف خلق الله تبارك وتعالى هذا الخلق لم يلُمْ أحدٌ أحداً، فقلتُ: أصلحك الله، فكيف ذاك؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى خلق أجزاء بلغ بها تسعة وأربعين جزءاً، ثم جعل الأجزاء أعشاراً، فجعل الجزء عشرة أعشار، ثم قسَّمه بين الخلق، فجعل في رجل عشر جزء، وفي آخر عشرَيْ جزء، حتى بلغ به جزءاً تامّاً، وفي آخر جزءاً وعشر جزء، وآخر جزءاً وعشرَيْ جزء، وآخر جزءاً وثلاثة أعشار جزء، حتى بلغ به جزءين تامّين، ثم بحساب ذلك حتّى بلغ بأرفعهم تسعة وأربعين جزءاً. فمَنْ لم يجعل فيه إلاّ عشر جزء لم يقدر على أن يكون مثل صاحب العشرين، وكذلك صاحب العشرين لا يكون مثل صاحب الثلاثة أعشار، وكذلك مَنْ تمّ له جزءٌ لا يقدر على أن يكون مثل صاحب الجزءين، ولو علم الناس أن الله عزّ وجلّ خلق هذا الخلق على هذا لم يلُمْ أحدٌ أحداً، لو علم الناس كيف ابتدأ الخلق ما اختلف اثنان»([1]).

ويمكن تلخيص مضامين هذه الرواية في كون تقسيم الناس ناظراً إلى القابلية لدى كلّ واحد منهم. لكن إلى جانب هذا هناك روايات أخرى تبيِّن أنّ اختلاف الناس وتفاوتهم البعض عن الآخر يأتي بلحاظ معتقداتهم ومصيرهم في الآخرة، وهم بهذا اللحاظ ينقسمون إلى عدّة مجموعات. ولابدّ من الإشارة إلى أنّ التقسيم في هذه الروايات لا يتمحور حول المؤمن والكافر والضالّ فقط، بل إنّ الأئمة الأطهار^ قسَّموا الناس في ظلّ هذا المعيار بلحاظاتٍ تتفاوت بين مَنْ عرض عليه الحقّ فأنكره تعصُّباً وعناداً، أو لم يعمل طاقاته وجهده في البحث عنه والوصول إليه، وبين فئة أخرى لم تصِلْ إلى الحقّ بسبب قصور فهمها؛ إما لضعف قدرات الإدراك عندها أو لأسباب أخرى، فلم تؤمن، وأنكرت جزءاً أصيلاً من الحقّ ومن الدين. ووفق العدل الإلهيّ فإنّ حساب هذه الفئة يختلف عن حساب الفئتين السابقتين، فهم لن يكونوا في صفّ المعاندين، ولا من المنكرين جحوداً وكفراً، لكنّهم سيكونون ضمن من أسماهم القرآن بـ «المستضعفين»، و«المرجون لأمر الله». ويلاحظ على الكثير من الروايات أنّ الأئمّة قد جعلوا أكثرية الناس ضمن فئة «المستضعفين»، يعني طبقة العاجزين والفقراء المحرومين، و«المرجون لأمر الله»، وبمعنى آخر: الذين ترك عملهم إلى الله، والله سبحانه وتعالى يحكم في أمرهم، وفق ما تقتضيه حكمته ورحمته. ويلاحظ أن كلا التعبيرين قد اقتبسا من القرآن الكريم([2]).

وفي تفسير الآية 106 من سورة التوبة: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ﴾ يقول الإمام الباقر×: «المرجون قومٌ كانوا مشركين، فقتلوا مثل حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين، ثمّ إنهم بعد ذلك دخلوا في الإسلام، فوحَّدوا الله، وتركوا الشرك، ولم يكونوا يؤمنون فيكونوا من المؤمنين، ولم يؤمنوا فتجب لهم الجنّة، ولم يكفروا فتجب لهم النار، فهم على تلك الحال مرجَوْن لأمر الله»([3]).

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق×، حيث سئل عن المستضعفين، فأجاب: «هؤلاء ليسوا ضمن زمرة المؤمنين، وليسوا من الكافرين، هم «المرجون لأمر الله»»([4]).

ومهما يكن فهؤلاء لا يختصّون بغير المسلمين، بل قد يكونون كذلك من المسلمين. روى زرارة أنّه دخل على الإمام الباقر×، وقال له: إنّا نمدّ المطمار، قال: وما المطمار؟ قلتُ: مَنْ وافقنا من علويّ أو غيره تولّيناه، ومَنْ خالفنا تبرّأنا منه، فقال لي: يا زرارة، قول الله أصدق من قولك، فأين الذين قال الله عزّ وجلّ فيهم: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾؟ أين المرجون لأمر الله؟ أين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً؟ أين أصحاب الأعراف؟ أين المؤلَّفة قلوبهم». وزاد حماد في الحديث قال: فارتفع صوت أبي جعفر× وصوتي، حتّى كان يسمعه مَنْ على باب الدار. وزاد فيه جميل بن درّاج، عن زرارة: فلمّا كثر الكلام بيني وبينه قال لي: يا زرارة، حقّاً على الله أن لا يدخل الضلاّل الجنّة»([5]).

ووصفوا في بعض الروايات الأخرى بأنّهم ليسوا من أهل الإيمان والتسليم والنجاة، كما أنهم ليسوا من أهل الإنكار والهلاك: «نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلاّ معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا. مَنْ عرفنا كان مؤمناً، ومَنْ أنكرنا كان كافراً، ومَنْ لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاًّ حتّى يرجع إلى الهدى الذي افترضه الله عليه من طاعتنا الواجبة، فإن يمُتْ على ضلالته يفعل به الله ما يشاء، (وهم المرجون لأمر الله)».

وجاء في بعض الروايات أن من المستضعفين مَنْ يكون من أهل الصلاة والصيام، كما يكون من المتقّين أيضاً([6]).

ونعتقد أنّ الملاك في تعيين الاستضعاف يكمن في عدم استقلال الفكر، وعدم القدرة على تشخيص الحقيقة من غيرها. وفقدان هذه القدرة لا تتعلَّق بنفس الشخص بشكل مباشر.

ونستند في هذا إلى بعض الروايات الواردة في الموضوع، والتي تبين بشكلٍ صريح مراتب الكفر والإيمان والضلال. وهي روايات كثيرة([7]). والظاهر أن تشخيص الاختلاف والتمييز بين الحقّ والباطل غير ميسَّر للكلّ.

جاء في نهج البلاغة، في تفسير معنى «الاستضعاف»، أنّ مَنْ قامت له الحجّة، وسمع كلام الله وخطابه، وعقل ما سمعه بعقله وقلبه، فليس من المستضعفين([8]).

كذلك ورد في الكافي عن الإمام موسى الكاظم× أنّه سئل عن مصاديق الاستضعاف فقال: مَنْ لم ترفع إليه الحجّة، ولم يعرف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف فليس من المستضعفين([9]).

لكنْ هناك من الناس مَنْ ليست له القدرة على التمييز بين الحقّ والباطل، ومعرفة الصحيح من السقيم، لذا فإثبات الحجّة عليهم ليس من العمل السهل.

نعم، ذكرت مراتب ودرجات مختلفة للمستضعفين والضالّين، وشملت بعض مصاديقهم الكفّار، كما شملت أخرى البعض من المسلمين، كما يكون من مصاديقه النساء والأطفال. لكنّ الملاك الذي يجتمع في كلّ تلك المصاديق يكمن ـ كما أشرنا ـ في «عدم تشخيص الحقّ»، بشرط أن لا يكون عن طريق الجحود والعناد، بل عن طريق الجهل وعدم الإدراك.

وقد تحدَّث العلاّمة الطباطبائي صاحب الميزان عن الاستضعاف ومَنْ يشمله من الناس، بعد أن ذكر العوامل الخارجيّة للاستضعاف، فقال: «وهذا المعنى كما يتحقَّق في مَنْ أحيط به في أرض لا سبيل فيها إلى تلقّي معارف الدين؛ لعدم وجود عالم بها خبير بتفاصيلها، أو لا سبيل إلى العمل بمقتضى تلك المعارف؛ للتشديد فيه بما لا يطاق من العذاب مع عدم الاستطاعة من الخروج والهجرة إلى دار الإسلام والالتحاق بالمسلمين؛ لضعفٍ في الفكر أو لمرض أو نقص في البدن أو لفقر ماليّ ونحو ذلك، كذلك يتحقَّق في مَنْ لم ينتقل ذهنه إلى حقٍّ ثابت في المعارف الدينيّة، ولم يهتدِ فكره إليه، مع كونه ممَّنْ لا يعاند الحقّ، ولا يستكبر عنه البتّة، بل لو ظهر له الحقّ لكان له من التابعين، لكنْ خفي عنه الحقّ لسبب من الأسباب الخارجة عن اختياره. فهذا مستضعفٌ لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلاً، لا لأنّه أعيت به المذاهب بكونه أحيط به من جهة أعداء الحقّ والدين بالسيف والسوط، بل إنّما استضعفته عوامل أخر سلطت عليه الغفلة، ولا قدرة مع الغفلة، ولا سبيل مع هذا الجهل. هذا ما يقتضيه إطلاق البيان في الآية، الذي هو في معنى عموم العلّة، وهو الذي يدلّ عليه غيرها من الآيات، كقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَهَا مَا كَسَبَتْ وعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: 286). فالأمر المغفول عنه ليس في وسع الإنسان، كما أنّ الممنوع من الأمر بما يمتنع معه ليس في وسع الإنسان. فهذه الآية الشريفة من سورة البقرة كما ترفع التكليف بارتفاع الوسع كذلك تعطي ضابطة كلّية في تشخيص مورد العذر وتمييزه من غيره، وهو أن لا يستند الفعل إلى اكتساب الإنسان، ولا يكون له في امتناع الأمر الذي امتنع عليه صنعٌ. فالجاهل بالدين جملةً أو بشيء من معارفه الحقّة إذا استند جهله إلى ما قصَّر فيه وأساء الاختيار استند إليه الترك، وكان معصيةً، وإذا كان جهله غير مستند إلى تقصيره فيه أو في شيء من مقدّماته، بل إلى عوامل خارجة عن اختياره أوجبت له الجهل أو الغفلة أو ترك العمل، لم يستند الترك إلى اختياره، ولم يعدّ فاعلاً للمعصية، متعمِّداً في المخالفة، مستكبراً عن الحقّ، جاحداً له، فله ما كسب وعليه ما اكتسب، وإذا لم يكسب فلا له ولا عليه»([10]).

 

ب ـ تقسيم الإيمان إلى درجات ومراتب ــــــ

لقد وصلتنا روايات متعدِّدة حول تقسيم الإيمان إلى درجات ومراتب، تتفاوت بعضها عن بعض وما يلازمها من أسباب. وقد خصّ المؤلِّفون في الحديث باباً مستقلاًّ لهذا الموضوع، أدرجوه تحت عنوان: «درجات الإيمان وحقائقه»، وضموا في هذا الباب كلّ الأحاديث والآيات التي يشملها نفس العنوان، وتتحدث في نفس الموضوع([11]). وانطلاقاً من التعريف الخاصّ للإيمان فهو درجات ومراتب مختلفة، تجد المؤمنين يتفاوتون في مراتبهم بلحاظ كماله ونقصانه، وبالنظر إلى النقص والكمال صنّفوا درجات ومراتب، ووفق ما بيَّنته الروايات نصبح أمام قاعدة تنفي أيّ قدرة على حمل الناس على الاعتقاد والتعبُّد وفق مذهب من المذاهب، كما تسحب من الناس جميعاً أيّ سلطة في تكفير مخالفهم، فليس لأحد الحقّ في تكفير الناس ورميهم بالكفر، لمجرّد أنّهم يخالفونه في التوجّه المذهبيّ أو الفكريّ. ولمزيدٍ من تثبيت هذا المبدأ نرى ضرورة التذكير ببعض الروايات المتعلِّقة بالموضوع:

1ـ عن عبد العزيز القراطيسي قال: قال لي الإمام الصادق×: «يا عبد العزيز، إن الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم، يصعد منه مرقاة بعد مرقاة، فلا يقولنّ صاحب الاثنين لصاحب الواحد لستَ على شيء، حتّى ينتهي إلى العاشر. فلا تُسقِط مَنْ هو دونك فيُسقِطك مَنْ هو فوقك. وإذا رأيت مَنْ هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفقٍ، ولا تحملنّ عليه ما لا يطيق، فتكسره؛ فإنّ مَنْ كسر مؤمناً فعليه جبره».

وظاهر الحديث واضحٌ في بيان أنّ الناس تختلف درجاتهم تبعاً لقابليّاتهم. فالله سبحانه وتعالى جعل الخلق، وجعل فيه القابلية والاستعداد، فلا يستطيع أن يتجاوز هذه القابلية. وهذا لا يعني أنّ الانسان يولد بهذه القابلية وهذا الاستعداد، لكنّه أمرٌ لابدّ من السعي والعمل للوصول إليه. فالفيوضات الرحمانية تحتاج إلى بذل الجهد وتحمّل مشقة السعي حتّى يغترف منها العبد بحسب قابليته وما وهبه الله المتعالي من قوّة واستعداد.

2ـ وعن الإمام الباقر×: «إنّ المؤمنين على منازل: منهم على واحدة؛ ومنهم على اثنتين؛ ومنهم على ثلاث؛ ومنهم على أربع؛ ومنهم على خمس؛ ومنهم على ستّ؛ ومنهم على سبع. فلو ذهبتَ تحمل على صاحب الواحدة اثنتين لم يقوَ، وعلى صاحب الثنتين ثلاثاً لم يقوَ، وعلى صاحب الثلاثة أربعاً لم يقوَ، وعلى هذه الدرجات».

3ـ وعن الإمام الصادق× قال: «ما أنتم والبراءة؟! يبرأ بعضكم من بعض. إنّ المؤمنين بعضهم أفضل من بعض، وبعضهم أكثر صلاة من بعض، وبعضهم أنفذ بصراً من بعض، وهي الدرجات، حيث قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾»([12]).

4ـ وفي حديثٍ آخر أنّ شخصاً قال لأبي عبد الله×: إنّ عندنا قوماً يقولون بأمير المؤمنين×، ويفضِّلونه على الناس كلّهم، وليس يصفون ما نصف من فضلكم، فقال لي: نعم، في الجملة، أليس عند الله ما لم يكن عند رسول الله، ولرسول الله| عند الله ما ليس لنا، وعندنا ما ليس عندكم؟ إنّ الله وضع الإسلام على سبعة أسهم، على الصبر، والصدق، واليقين، والرضا، والوفاء، والعلم، والحلم. ثم قسَّم ذلك بين الناس. فمَنْ جعل فيه هذه السبعة الأسهم فهو كاملٌ محتمل. ثم قسَّم لبعض الناس السهم، ولبعضهم السهمين، ولبعض الثلاثة أسهم، ولبعض الأربعة أسهم، ولبعض الخمسة أسهم، ولبعض الستة أسهم، ولبعض السبعة أسهم، فلا تحملوا على صاحب السهم السهمين، ولا على صاحب السهمين ثلاثة، ولا على صاحب الثلاثة أربعة أسهم، ولا على صاحب الأربعة خمسة أسهم، ولا على صاحب الخمسة ستة أسهم، ولا على صاحب الستة سبعة أسهم، فتثقلوهم، وتنفِّروهم، ولكن ترفَّقوا بهم، وسهِّلوا لهم المدخل، فلا تخرقوا بهم؛ أما علمتَ أنّ إمارة بني أمية كانت بالسيف والعسف والجور، وأنّ إمامتنا بالرفق والتألف والوقار والتقية وحسن الخلطة والورع والاجتهاد. فرغبوا الناس في دينكم، وفي ما أنتم فيه»([13]).

5ـ وفي رواية أخرى: عن رجلٍ، عن أبي عبد الله× ـ في حديث ـ، أنّه جرى ذكر قومٍ قال: فقلتُ له: إنّا نبرأ منهم، لا يقولون ما نقول. قال: فقال: يتولّونا، ولا يقولون ما تقولون، تبرؤون منهم؟ قلتُ: نعم، قال: فهو ذا، عندنا ما ليس عندكم، فينبغي لنا أن نبرأ منكم، إلى أن قال: فتولّوهم، ولا تبرؤوا منهم؛ إن من المسلمين من له سهم، ومنهم من له السهمان، ومنهم من له ثلاثة أسهم، ومنهم من له أربعة أسهم، ومنهم من له سبعة أسهم»([14]).

وفي بقية الرواية ينهى الإمام عن أن يحمِّل صاحب الأسهم الكثيرة عقيدته لمَنْ هو أقلّ منه سهماً ومرتبة.

6ـ ونقل كذلك قاسم بن طفيل أنّه كان عند الإمام الصادق×، فتكلَّمنا عن رجلٍ من أصحاب أهل البيت، فقال بعضهم: إنه رجل ضعيف، فتوجَّه إليه الإمام وقال: إنْ كان لا يقبل ممَّن دونكم حتّى يكون مثلكم لم يقبل منكم حتّى تكونوا مثلنا»([15]).

7ـ وفي تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ روى داوود بن كثير عن الإمام الصادق× قوله: «قُلْ للذين مننّا عليهم بمعرفتنا أن يغفروا للذين لا يعلمون، فاذا عرفوهم فقد غفر لهم».

ولعلّ هذا هو السرّ في نهي الإمام علي× عن قتل الخوارج بعده، وقال: «ليس مَنْ طلب الحقّ فأخطأه كمَنْ طلب الباطل فأدركه».

فوفق نظرة الإمام الملكوتية إنّ مَنْ مشى وراء الحقّ يبحث عنه، فاشتبه عليه الأمر، فاختلط عليه الحقّ بالباطل، ليس كمثل مَنْ طلب الباطل؛ جحوداً وعناداً.

8 ـ وعن الإمام السجّاد×: لا تعيِّرنّ أحداً بذنب. وإنّ أحبّ الأمور إلى الله ثلاثة: القصد في الجدة، والعفو في المقدرة، والرفق بعباد الله. وما رفق أحدٌ بأحد في الدنيا إلاّ رفق الله به يوم القيامة. ورأس الحكمة مخافة الله عزّ وجلّ»([16]).

وقد كان الأئمّة الأطهار على اطّلاع ومعرفة كاملة بأحوال المؤمنين، من حيث استقبالهم وفهمهم للدين. فالإيمان تختلف درجاته وتتفاوت من شخص إلى آخر، بحسب قابليته واستعداداته. ثم إنّ تديُّن المؤمن تختلف غاياته وأهدافه الأخرويّة عن مثله عند الآخر. فهناك من المؤمنين مَنْ يتديَّن بالدين طلباً للحصول على ما وعد الله عزّ وجلّ من نعم وثواب في الآخرة؛ وآخر تديَّن خوفاً من العقاب الأخرويّ، وخوفاً من النار؛ لكنّ هناك فئة ـ على قلّتها ـ إنّما عبدت الله وتدين بدين الإسلام مخلصةً فيه؛ حبّاً لله وعشقاً لذاته المقدّسة، لا خوفاً من النار، ولا رغبة في الجنّة، إنّما طلباً للوصال بمعشوقها، فقد آمنت بأنّه أحقّ أن يُعبَد فعبدته، ووجدته أحقّ في الحبّ فأحبّته، وفنت فيه: «إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجار؛ وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد؛ وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار».

والمؤمن، على اختلاف درجاته ومراتبه، ومع اختلاف حيثيات عبادته وتديّنه، غير خارج من عرصة الإيمان، وغير محروم من المأدبة الإلهيّة الممتدّة لهم بالجملة، لا إقصاء فيها لأحد، ولا تبعيد لهذا أو ذاك.

ولا نفوِّت الفرصة هنا أن نذكِّر بإحدى الروايات المرويّة عن النبيّ عيسى×، والتي تبيِّن كيف أنّ الله يشمل بعطائه وعفوه وحبّه كل المؤمنين، ويعطي لكل واحد ما سأل وما عمل له: يروى أنّ النبيّ عيسى× مرّ على ثلاثة أشخاص، وقد أخذ منهم الضعف كلّ مأخذ، حتّى بدا بدنهم ضعيفاً ولونهم شاحباً، فسألهم: مَنْ حملكم على هذا؟ فقالوا: الخوف من العقاب ومن النار. فقال لهم عيسى: حقّ على الله أن يرزق الخائف الأمان، فودَّعهم ومضى. ثم وقف على ثلاثة أشخاص آخرين، ووجدهم على حالة تفوق حالة النفر الأوّل، فسألهم عن السبب؟ فقالوا: إنّه الشوق إلى الجنة ونعيمها هو الذي دفعنا إلى حرمان أنفسنا من نعم الدنيا وزخرفها. فقال لهم عيسى×: حقّ على الله أن يعطيكم الذي من أجله حرمتم أنفسكم ويهبكم الجنّة ونعيمها، فسلَّم عليهم ومضى. ثم مرّ على ثلاثة أشخاص آخرين، فوجدهم على حال تخالف ما كان عليه مَنْ سبقهم، كانوا كأنّ وجوههم أشعّة من نور، فسألهم عن السبب؟ فقالوا: محبة الله وامتلاء قلوبنا وكلّ كياننا حبّاً وعشقاً لله، فقال لهم: أنتم المقرَّبون، أنتم المقربون حقّاً.

 

 ج ـ تصنيف وترتيب المعارف والتعاليم الدينيّة ــــــ

لقد تعدَّدت الروايات عن النبي الأكرم| وأهل بيته^ التي تبيِّن أنّ تعاليم الدين والمعارف القرآنيّة على مستويات مختلفة، بلحاظ ما تتضمَّنه من معانٍ ومفاهيم، فلا تقتصر على الجانب الظاهريّ الذي توحيه ألفاظها، والذي يتوصَّل إليه بمقتضى العرف والاستعمال اللغويّ، وإنّما إلى جانب الظاهر هناك معانٍ وحقائق باطنيّة عميقة([17]).

يقول النبي الأكرم|، كاشفاً هذه الحقيقة: إنّ للقرآن ظهراً وبطناً، ولبطنه سبعة أبطن»([18]).

ويقول أمير المؤمنين عليّ×: «ظاهره أنيق، وباطنه عميق»([19]).

وعن الإمام الصادق× أنه قال: كتاب الله عزّ وجلّ على أربعة أشياء: على العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق. فالعبارة للعوامّ؛ والإشارة للخواصّ؛ واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء».

كذلك بيَّن الأئمّة الأطهار أنّ كلامهم، والذي يأتي بعد القرآن والحديث النبويّ كمصدرٍ ثالث للتعاليم الإسلاميّة والمفاهيم الدينيّة، أنّ كلامهم لا يقف عند المعاني الظاهريّة، بل له معانٍ باطنية عميقة، وجهازا مفاهيمياً مستعصياً على عوام الناس، لا يدركه إلاّ الخواصّ ممَّنْ وهبهم الله طاقة تحمله. وفي هذا يقولون: «إنّ حديثنا صعبٌ مستصعب».

نجدهم في أكثر من رواية يقسِّمون أحاديثهم بلحاظ درك معانيها وفهم مرادها الحقيقيّ إلى طبقات. وخصّوا كلّ طبقة منها بفئة خاصّة من المؤمنين، اقتصر فهمها عليهم، واستيعابها بما لديهم من مواهب في الفهم وما تحمله قلوبهم من معارف يستشرفون بها لبّ أحاديثهم، ويتوصَّلون إلى المراد من وراء اللفظ، حتّى أن هناك من كلامهم ما لا يدركه إلاّ ملكٌ مقرَّب أو نبيٌّ مرسل.

وما يبيِّنه هذا التفسير أنّه لا يقتصر على تقسيم حقائق القرآن إلى: ظاهرة؛ وباطنة، بل لحقائقه الباطنة أيضاً مراتب وطبقات، تتعدَّد وفقها مراتب الناس في تلقّيها واستيعاب مفاهيمها. وهذه الحقائق الباطنية خاصّة بمَنْ وهبوا النظر الثاقب والتفكر العميق، وعوامّ الناس من معرفتها في الخارج تخصُّصاً.

وهذا يكشف أنّ كل طبقة من معاني القرآن خصّ لها أناسها، ولها فرسانها الذي يملكون سلاح فهمها وسبر أغوارها، ممّا يعني أنّ الجمود على المعاني السطحية من شأنه أن يغيب جانباً عظيماً من المعاني والمفاهيم التي لا يعدّ اللفظ سوى آلة اقتضتها شأنيّة التواصل، وإلا فإن المعاني المجرَّدة لا تصل إليها إلاّ العقول التي تتجرَّد عن المادّة، ولا تحبس نفسها بين قضبان اللفظ، بل تراها تتطلَّع إلى ما وراء الحروف، وتكتفي بالإشارة لتسبح في عالم المعنى، وترتوي من فيوضاته رواءً رويّاً. وهنا جديرٌ أن نقول: لكل مقام آذان صاغية، ونفوس متفانية.

 

 درجات إيمان الصحابة، واقترانها بمراتب فهمهم للخطاب الدينيّ ــــــ

تفاوتت درجات إيمان الصحابة بعضهم عن بعض، شأنهم شأن سائر الناس. يوضح لنا هذا بعض الروايات الواردة عن أهل البيت الكرام^.

فعن الإمام السجاد× يصف تفاوت أبي ذرّ عن سلمان، وكان كلاهما من أجلّة وعظماء الصحابة، وأثبتهم على الدين، وأشدّهم فناء في اتّباع الحقّ، قال×: إنّ النبي الأكرم| قال: «والله لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله»([20]).

وقد نقل الإمام الصادق نفس الرواية، عن أبيه الإمام الباقر×، أنّ عليّاً× كان يتحدَّث يوماً عن التقيّة، وقال: «إنْ علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله، وقد آخى رسول الله بينهما، فما ظنّك بسائر الناس»([21]).

مع التذكير بأنّ سلمان كان من الصحابة المخلصين، حتّى أنّ النبيّ الأكرم| قال فيه: «سلمان منّا أهل البيت». وكذا كان أبو ذرّ من خلّص الصحابة، وأكثرهم بصيرة، فقد قال فيه النبيّ الأكرم|: «ما أظلَّتْ الخضراء ولا أقلَّتْ الغبراء أصدق من أبي ذرّ»([22]).

وفي رواية أخرى يحكي فيها سلمان قصّة إسلامه، وكيف أنه نهل من العلوم المختلفة والمعارف العميقة والمتنوِّعة الكثير، حتى قال: «لو أخبرتكم بكلّ ما أعلم لقالت طائفة: إنّه لمجنون، وقالت طائفة أخرى: اللهم اغفر لقاتل سلمان»([23]).

وكذلك جاء في حديث آخر أنّ النبي الأكرم| قال لسلمان: «لو عُرض علمُك على المقداد لكفر»([24]).

إنّ من ضمن التعاليم الجليلة التي نستشفّها من هذه الروايات كون علم ومعرفة الإنسان على قدر ما يحتمل، وبلحاظ ما له من استعداد، وأن لا أحد يستطيع أن يفرض علماً، فكراً أو تصوّراً، على الآخر، ما لم تكن له قابلية استيعابه ودركه. فلا أحد مجبورٌ في ما لا يستطيع، أو لا يملك له القدرة والطاقة. فكلّ ظرف إنّما يحوي على قدر سعته.

وقد روي أنّ أبا ذرّ دخل على سلمان، وكان يطبخ على النار قدراً له، وبينما هما يتحدثان إذ انكبّ القدر على وجهه على الأرض، فلم يسقط من مرقه ولا من ودكه شيء، فعجب لذلك عجباً شديداً، وأخذ سلمان القدر فوضعها على النار على حالتها ثانية، وأقبلا يتحدّثان، وبينما هما كذلك إذ انكبَّت القدر على وجهها، فلم يسقط منها شيء من مرقها ولا من ودكها، قال: فخرج أبو ذرّ مذعوراً من عند سلمان، وبينما هو متفكِّر إذ لقي أمير المؤمنين علياً× على الباب، فلما أبصره عليٌّ× قال له: يا أبا ذرّ، ما الذي أخرجك من عند سلمان؟ وما الذي أذعرك؟ قال له أبو ذرّ: يا أمير المؤمنين، رأيتُ سلمان صنع كذا وكذا، فعجبت من ذلك، فقال أمير المؤمنين×: يا أبا ذرّ، إنّ سلمان لو حدَّثك بما يعلم لقلتَ: رحم الله قاتل سلمان. يا أبا ذرّ، إنّ سلمان باب الله في الأرض، مَنْ عرفه كان مؤمناً، ومَنْ أنكره كان كافراً. إنّ سلمان منّا أهل البيت»([25]).

ونظير هذه الروايات يمكن العثور عليها في كتب الرجال، وهي كثيرة([26]).

إن الاقتناع والإيمان بهذا المبنى، وإدراك أبعاده، سيخمد الكثير من البؤر المشبعة بالتعصُّب ولغة التكفير، وما ينتج عنها من ممارسات قبيحة في العنف والتقتيل والتجهيل. وفي المقابل سيشغل فكر الإنسان عن البحث في الاختلافات الفرقية أو المذهبيّة، بل سيفسح المجال أمام تصدّر علاقات وروابط التسامح والأخوة، تحت المبادئ الكلّية للدين، وسيرفع كل العراقيل أمام النظرة الإنسانيّة إلى الآخرين، مهما اختلفت توجّهاتهم أو مذاهبهم ومشاربهم الفكريّة.

ويلاحظ من كلّ تلك الروايات أنّ الأئمّة الأطهار^ سعوا طوال مسيرة حياتهم إلى بناء الفرد المسلم، الذي يملك القدرة على استيعاب الآخر، مهما اختلف معه في الأفكار وفي المعتقد. كانت تربيتهم منصبّة على أنّ المخالف وإنْ خالفك في بعض الأمور فحتماً هناك أمورٌ كثيرة يشترك فيها معك، ويجب أن لا ننتظر من كلّ الناس أن يكونوا على مستوى واحد ومماثل في الفهم. وكذلك الناس في تقبُّلهم للحقائق، وفي ممارستهم للتديُّن، ليسوا على درجة واحدة. فالطاقات والقابليّات تختلف من فرد إلى فرد. فكما حصل الفرق في درجات إيمان وفهم واستعداد الناس كذلك حصل التفاوت والتفريق بين المعارف القرآنيّة والتعاليم الدينيّة، فظهر منها أنواع وأقسام، اختلفت بين الظاهر والباطن، العبارات والإشارات، الحقائق واللطائف. ولكلّ قسم ونوع رجالاته، كما لكل ميدان فرسانه.

 

 2ـ مركزيّة القرآن ــــــ

كما أسلفنا القول فإنّ القرآن هو حبل الله المتين، الذي يعصم الأمّة عن التفرقة. فقد دعا إلى اجتناب الفرقة وابتغاء الوحدة:  ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103). وكذلك جاء الحديث في سورة النساء ضمن الآيتين 146 و175، وفي الآية 101 من سورة آل عمران، حيث دعا إلى التمسُّك بحبل الله. وقد اختلفت التفسيرات حول المراد الإلهيّ من عبارة «حبل الله»؛ فذهب البعض إلى أنه القرآن؛ وقال آخرون: إنه القرآن والسنّة؛ واختار البعض الآخر القول: إن المراد به التوحيد الخالص؛ ورأى آخرون أنّه القرآن وولاية أهل البيت؛ إلى غيرها من الآراء([27]). ولم يكن الإمام علي× يحصر دور القرآن في قيادة ورئاسة الأمّة، بل كان يرى أنّ العلّة الكبرى والسرّ الأوفى في سقوط الحَكَمين كان هو عدم تمسُّكهم بالقرآن وبما نزل فيه، مؤكِّداً على ضرورة الاجتماع والتمحور حول القرآن: «إنّما حكم الحكمان ـ ويعني بهما: عمرو بن العاص؛ وأبا موسى الأشعري ـ ليحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات القرآن. وإحياؤه الاجتماع عليه، وإماتته الافتراق عنه. فإنْ جرّنا القرآن إليهم اتّبعناهم؛ وإنْ جرّهم إلينا اتّبعونا»([28]).

لقد كان يكفي هذان الحَكَمان أن يتمسَّكا بظواهر القرآن للخروج من الخلاف، لكنهما فضَّلا رأيهما، وافتيا به، دون القرآن، فكان أن سقطا، وقصما بذلك ظهر الأمة، وأعملا فيها التفرقة.

إن تعليمات وأقوال هؤلاء العظماء في وجوب التمركز حول القرآن والتمسُّك به، فهو العروة الوثقى وكهف الله الأعظم الذي يأمن مَنْ لجأ إليه([29])، تلزمنا بالحديث عن بعض خصوصيّاته، نظير: الشمولية، الوضوح، والمرجعيّة.

 

 أـ شمولية القرآن في بيان التعاليم الكلّية للدين ــــــ

يؤكِّد أهل البيت^ أنّ القرآن يشمل كلّ ما تحتاجه الأمّة والمجتمع المسلم من التعاليم والمبادئ الكلّية، وأن كل تعاليم وأسس التشريع تجد لها أصلاً في القرآن([30]).

ففي رواية عن الإمام الصادق×، وبعد أن بيَّن شمولية وجامعية القرآن، قال: «إنّ الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، وما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد، حتّى لا يستطيع عبدٌ يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، إلاّ وقد أنزله الله فيه»([31]).

وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر×: «إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج الأمّة إليه إلاّ أنزله وبيَّنه لرسوله|، وجعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً يدل عليه، وجعل على مَنْ تعدّى ذلك الحدّ حدّاً»([32]).

إنّ تجميع هذه الروايات من هذا القبيل، وضمّها إلى الروايات الأخرى التي تتحدَّث عن شروط وكيفيات صحّة المعاملات والتعهُّدات وغيرها من العقود، بالإضافة إلى تلك الروايات التي تتحدّث عن المعيار في قبول الأحاديث المرويّة عن الأئمّة، والتي يدعون فيها إلى العرض على القرآن([33])، تكشف لنا حقيقة كبرى مفادها أنّ القرآن في الجملة يشمل جميع التعاليم التي تحتاج إليها الأمّة. فكل تلك الروايات، وكذا أغلب الاحاديث النبويّة الشريفة، ناطقةٌ بما في القرآن ومعطوفةٌ عليه. لكن من جهة أخرى تكشف لنا أنّه ليس بمقدور عامّة الناس إرجاع جميع تلك المعاملات والأحكام والتشريعات إلى القرآن؛ لمعرفة الصحيح منها، وتمييز السقيم فيها، بل هذا الأمر يحتاج إلى مقوّمات ذاتيّة وموضوعيّة. ولعل هذا ما نفهمه من كلام الإمام الصادق× حيث قال: «ما من أمرٍ يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصلٌ في كتاب الله، ولكن لا تبلغه عقول الرجال»([34]).

وقد تحدَّث القرآن عن هؤلاء الرجال الذين يملكون القدرة على تشخيص الصحيح من السقيم في ما يخصّ ما تحتاجه الأمّة من تعاليم وتشريعات. فقد جاءت الآيات التي تتحدَّث عن «أهل الذكر»، و«الراسخون في العلم». واعتبر قولهم حجّة تبرأ بها الذمّة. واللجوء إلى القرآن، وإلى فهم وتفسير مَنْ اعتبرهم القرآن حجّة، تحلّ العديد من الاختلافات، وتحفظ العديد من الروابط الإنسانيّة، وترأب الثّأي وترص الصدع([35]). وفي هذا يقول الإمام الصادق×: «مَنْ لم يعرف الحقّ لم يتنكَّب الفتن»([36]).

 

 ب ـ وضوح مفاهيم وتعاليم القرآن وشفافيتها ــــــ

 إنّ النقاش حول ما إذا كانت تعاليم القرآن واضحة وقابلة للفهم بالنسبة إلى الجميع أمرٌ لم يستقرّ الكلام فيه على رأي واحد. وعلى أيّ حال فنحن نشير إلى نظريّتين على طرفي النقيض:

رأت مجموعة أنّ المخاطب بالقرآن هم طائفة خاصّة، وأنّ فهم المراد الأصليّ للخطاب القرآنيّ يقتصر على هذه الطائفة من الناس.

وفي المقابل هناك فئة أخرى تنطلق من مبدأ كون القرآن هو لجميع الناس، وكل النّاس مكلفون بما جاء فيه، وملزمون به، ولأنّ القرآن نزل موافقاً للعرف اللغويّ والبشريّ، فهو قابلٌ للفهم لدى الجميع ـ بطبيعة الحال مع مراعاة الشروط ـ، والكلّ يستطيع فهمه وإدراك مراده الأصليّ.

ولعل ما يقوّي النظريّة أو مذهب الاتّجاه الثاني كون العديد من الروايات، وخاصّة تلك المرويّة عن الإمام عليّ× تذهب في هذا الاتّجاه، وتقوّي من عضده. ومن جملتها: كون القرآن حجّة الله على خلقه([37])، والقرآن هداية للجميع([38])، وهو المبين للخير والشرّ([39])، وهو العروة الوثقى، وشفاء لكلّ داء، ونجاة للمتمسِّك به من الهلكة.

ويقول× في خطبة يصف فيها القرآن: «فإنّه حبل الله المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، والرأي الناقع، والعصمة للمتمسِّك؛ والنجاة للمتعلِّق، والردّ وولوج السمع. مَنْ قال به صدق، ومَنْ عمل به سبق»([40]).

وكذلك يقول ضمن خطبة أخرى: «إنّا لم نحكِّم الرجال، وإنّما حكَّمنا القرآن»([41]).

وجاء في بعض أقواله أنّ القرآن هو الآمر بأوامر الله، والكابح عن نواهيه، واتَّخذه على خلقه حجّة، وأن دعوته× إلى التدبُّر في القرآن لأخذ العبر منه([42])، والتفكّر في كلامه، وتوظيف المحكمات، والعمل بحلاله وتجنُّب حرامه، والتوسُّل واللجوء إليه([43]). وهي ليست دعوة إلى ما ليس ممكناً أو مستحيلاً.

ومن بركات فهم القرآن ما بيَّنه× بقوله: «واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغشّ، والهادي الذي لا يضلّ، والمحدّث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحدٌ إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى؛ أو نقصان من عمى. واعلموا أنّه ليس على أحدٍ بعد القرآن من فاقة، ولا لأحدٍ قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم؛ فإن فيه شفاء من أكبر الداء، وهو الكفر والنفاق والغيّ والضلال، فاسألوا الله به، وتوجَّهوا إليه بحبّه، ولا تسألوا به خلقه؛ فإنّه ما توجَّه العباد إلى الله تعالى بمثله. واستدلّوه على ربّكم، واستنصحوه على أنفسكم، واتَّهموا عليه آراءكم، واستغشّوا فيه أهواءكم»([44]).

ويقول حفيده الإمام الصادق×: «إنّ هذا القرآن فيه منار الهدى، ومصابيح الدجى، فليجل جال بصره، ويفتح للضياء نظره»([45]).

وكذلك كان وصف الإمام الرضا× للقرآن قائلاً: «هو حبل الله المتين، وعروته الوثقى، وطريقته المثلى، المؤدّي إلى الجنّة، والمنجي من النار»([46]).

وفي توضيحات أخرى عنه× كون القرآن برهاناً، وأنه بإمكان الجميع فهم خطابه ودرك المراد منه، فهو لذلك حجّة على جميع الناس([47]). ورأى× أنّ الاعتقاد بعدم وضوح دلالة القرآن موجبٌ للضلالة. وممّا جاء في محاسن البرقي موضِّحاً هذا الكلام: «فمَنْ زعم أنّ كتاب الله مبهمٌ فقد هلك وأهلك»([48]).

ومضافاً إلى ذلك فإننا نجد القرآن نفسه يدعو الناس إلى الاحتكام إليه في منازعاتهم واختلافاتهم، فقد قال تعالى في محكم كتابه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (النساء: 59).

وفي حديث عن أمير المؤمنين عليّ× فسَّر فيه قوله تعالى: «الرجوع إلى الله» بأنّه الرجوع إلى القرآن.

ووجد الأئمّة في القرآن المحكّ الأصيل الذي يميِّز الحقّ عن الباطل، وأنه المعيار الصادق لمعرفة الصحيح من أقوالهم وأحاديثهم.

فهذه الخصوصيّة والميزة الإلهيّة للقرآن تمدّنا بملاكٍ صادقٍ في معرفة الحقّ وتصفيته من الباطل، وملاكٍ في تشخيص الأحاديث الواردة فعلاً عنهم من المكذوبة والموضوعة عليهم. وهو ما يحلّ معضلة التعارض في الحديث، فما وافق القرآن فهو حديثهم، وما خالف القرآن فليس منهم([49]).

وكلّ هذه الروايات والأحاديث الواردة في شأنيّة القرآن ومقامه تكشف عن حقيقة محوريّة ومركزيّة القرآن، بل مرجعيّته وأصالته بالنظر إلى باقي المصادر والمرجعيّات في التشريع، وفي الدين بشكل عامّ.

وضمن هذا المقال سيتّضح لقرّائنا لماذا تمّ عطف العترة على القرآن في حديث الثقلين. فعلاقتهم بالقرآن تامّة من خلال محورين: أوّلاً: كونهم إنّما يستمدّون حجّية فعلهم وأقوالهم من القرآن. وثانياً: إنهم يقعون في طول القرآن، ممّا يعني أن ما يصدر عنهم من تعاليم وإرشادات لا ينبغي لها مطلقاً أن تخالف القرآن، أو أن تخرج عن كلّياته في الحلال والحرام ونحوهما.

 3ـ التمسُّك بالسنة النبويّة والرجوع إليها ــــــ

لقد تحدَّث القرآن الكريم عن النبيّ الأكرم| وعرَّفه بكونه القبلة التي يلتفّ المسلمون حولها ويجتمعون عليها([50]). وجعل طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله([51])، بل جعل الحكم في حلّ الاختلافات والنزاعات، وتشخيص الصحيح من السقيم، إليه([52])، فقال في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وقد فسَّر أمير المؤمنين عليٌّ هذا الإرجاع بالرجوع إلى سنّته الشريفة.

وانطلاقاً من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21) يتبيَّن أنّ النبيّ الأكرم| قطب القيادة، ومحور الزعامة، الذي تستمدّ من وصيّته باقي الزعامات الدينيّة شرعيّتها، ونور الهداية الذي وجب على المسلمين الاقتداء والاهتداء به وعدم الخروج عن طاعته؛ لأن ذلك يعني خروجاً عن طاعة الله والعياذ بالله. ويلاحظ أن الجوامع الحديثيّة ضمن مصادر الحديث عند الإمامية قد تضمَّنت أبواباً تحمل عناوين: «الردّ إلى الكتاب والسنّة»، و«باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب»، أو بعنوان: «حجّيّة السنّة بعد الفحص»، وهي الأبواب التي شملت العديد من الأحاديث في وجوب التمسُّك بسيرة وسنّة النبيّ الأكرم|، وأن طاعته طاعة لله تبارك وتعالى، ومعصيته معصية لله من دون استثناء. كما تحدَّثت عن مكانة السنّة الشريفة، وأنّها مكمِّلة ومبيِّنة للقرآن الكريم([53]). وكذلك ظهرت قيمة السنّة النبويّة في خطابات وأقوال أئمّة الشيعة، حيث اعتبروها الفيصل بين الحقّ والباطل، ولم يقف اعتبارهم للسنّة القطعيّة في نظرة التقديس، وأنها الفاصل بين الحقّ والباطل، والميزان في معرفة حديثهم، بل صرَّحوا بأن العدول عنها يساوي الكفر والشرك([54]). فمن خلال أقوال الأئمّة وسلوكيّاتهم نسبة إلى السنّة النبويّة نجدهم يصرِّحون غير مرّة أنّها الميزان في معرفة ما صدر عنهم حقّاً، وتمييزه عمّا نسب إليهم عنوة. مضافاً إلى تأكيدهم الدائم أنهم يستنبطون قولهم من السنّة، ولا يخرجون عنها مطلقاً([55]). إضافة إلى إنكارهم وجود عدل ونظير للقرآن والسنّة. فكل ما تحتاجه الأمّة في دينها له أصلٌ في القرآن والسنّة([56]). وكلامهم يكشف عن كون السنّة هي أسلم طريق في فهم الوحي الإلهيّ([57]). ولعل إنكارهم واستهجانهم لبعض المناهج الفقهيّة التي تتبنّى القياس والاستحسان ونحوهما([58])، وكذا رفضهم للانحرافات الكلاميّة، تأكيدٌ على ضرورة الاحتكام إلى السنّة عند ظهور الاختلاف في الأمّة([59])، بل إنّ وقوفهم في وجه البدع، وتعريفهم لهذه الظاهرة بكونها المصداق الكامل للضلالة والانحراف عن طريق الحقّ([60])، لعمري هو السلوك الفعّال في جعل السنّة تتصدّى أمور الدين لدى الأمّة، وطريقاً دائماً في إحياء السنّة النبويّة، وجعلها تتزعَّم الأمّة وتقودها نحو الحقّ، وتنجيها من الباطل والهلكة. وذلك هو سلوكهم وتعاملهم مع القرآن والسنة النبويّة. فهذا الإمام الصادق× يقول في إحدى وصاياه المكتوبة إلى أصحابه: «وقال: أيّتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم، عليكم بآثار رسول الله| وسنّته، وآثار الأئمة الهداة من أهل بيت رسول الله| من بعده وسنّتهم؛ فإنّه مَنْ أخذ بذلك فقد اهتدى، ومَنْ ترك ذلك ورغب عنه ضلّ؛ لأنّهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم، وقد قال أبونا رسول الله|: المداومة على العمل في اتّباع الآثار والسنن وإنْ قلّ أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتّباع الأهواء، ألا إنّ اتّباع الأهواء واتّباع البدع بغير هدىً من الله ضلال»([61]).

ومضافاً إلى ذلك فإنّ سيرتهم العمليّة كانت قائمةً على محوريّة القرآن والسنّة النبويّة، ومؤسَّسة عليها في جميع أبعادها. وكمثال على ذلك: لما وقعت حادثة جعل أمر الخلافة وسياسة الأمّة في ستّة أشخاص، وكان الشرط فيها أن يعمل بسيرة الشيخين، وجدنا الإمام عليّ× يرفض كرسيّ الخلافة القائم على هذا الشرط، وقال×: إنّه إنّما يعمل بأوامر القرآن والسنّة النبويّة الشريفة، كما فهمها وتعلَّمها، كما أنّه× في زمن خلافته كان في احتجاجه مع المخالفين يستند إلى السنّة النبويّة، ويحاجّهم بها، وبالقرآن، ولا يقدِّم عليهما شيئاً آخر.

 

 4ـ الرجوع إلى الزعامة الدينيّة وإطاعة مرجعيّة أهل البيت ــــــ

من خلال العديد من الأحاديث، ومن خلال استقراء للسيرة العمليّة لأهل البيت^، يتبيَّن أنّهم ينظرون إلى كون القرآن والسنّة النبويّة المحور والقطب الذي يوجد أرضيّة الوحدة بين الفرقاء والمذاهب، والضابطة الرئيسية في معرفة الصحيح من غيره. لكنّ مجرّد التمسُّك بالقرآن والسنّة غير كافٍ، ولن يكون ذا جدوى، ما لم يتمّ الإقرار الرسميّ والاعتراف المبدئيّ بالضابطة المعرفيّة، والتي تعني التسلُّط الكافي على المعارف القرآنيّة، والإدراك التامّ لروح معاني الشريعة، حتّى يتمّ الفهم الصحيح، وبالتالي الامتثال الراشد، لمجموع تلك التعاليم. وإنّ القدر المتسالم عليه هو أنّ حصول هذه المعرفة والإحاطة الصحيحة بالمعارف القرآنيّة والتعاليم الدينيّة أمرٌ ليس في مقدور كلّ الناس، مع العلم أنّ النبي الأكرم| لم يبيِّن كلّ جزئيّات الدين، وكلّ موارد الابتلاء بشكل سطحيّ([62])، ممّا يعني أنّ فهم السيرة النبويّة هو الآخر غير ميسَّر لكلّ الفئات والطبقات من الناس. ولعل هذا ما يفسِّر ظاهرة اختلاف الفرق الكلاميّة والفقهيّة. فحتّى مع ادّعائهما التمسُّك بالمصدرَيْن وفهم تعاليمهما واستنباط أحكامهما حصل بينهم الاختلاف، الذي يكشف عن الاختلاف في طبيعة فهمهم لها، وعدم إحاطتهم الإحاطة الواقعيّة والكاملة بتعاليمهما. وهي الظاهرة التي تكشف عن أن فهم القرآن والإحاطة بمعارفه، وكذا السنّة النبويّة، غير ميسَّر للجميع. وقد أرشد القرآن إلى هذا الواقع. ففي الوقت الذي دعا إلى التفكُّر والتدبُّر والتعقُّل والتزام التقوى والتخلُّق بأخلاق الإسلام؛ لأن هذا من شأنه أن يضيِّق رقعة الاختلافات الفكريّة والسياسيّة، نجده في المقابل يدعو إلى وجوب الرجوع إلى مَنْ يسمّيهم بـ «أولي الأمر»([63])، و«أهل الذكر»([64])، وضرورة ملازمة «الصادقين»([65]). والملفت في الأمر أن العديد من أحاديث أئمّة أهل البيت^ في دعوتها الناس إلى ملازمتهم كانوا يستشهدون ويستندون إلى هذه الآيات الشريفة([66])، بل الحديث عن مرجعيّة أهل البيت^ قد انطلق مع النبيّ الأكرم|، الذي كان يوجِّه القوم إلى مكانة أهل البيت، والمتمثِّلة آنذاك في الإمام علي×، حيث بيَّن للناس أنهم القدوة الحسنة التي أشار إليها القرآن ضمن العديد من الآيات، وأن وحدة الأمّة على المستوى النظريّ والعمليّ قائمةٌ على التمسُّك بسيرة وحديث أهل البيت^. فالنبيّ الأكرم| وأهل البيت هما المصداق التامّ والكامل لأولي الأمر، ولأهل الذكر، والصادقين، القادرين ـ دون سواهم ـ على حلّ اختلاف الناس، ورفع سوء الفهم للقرآن والسنّة النبويّة الشريفة. والأمر لا يستدعي الاستشهاد بحديث «المنزلة»، و«باب العلم»، و«الغدير»، بل يكفي الرجوع إلى حديثي: «السفينة»؛ و«الثقلين»، لاستجلاء مكانة الأئمة من أهل البيت العلميّة والسياسيّة والاجتماعيّة، واستبيان مرجعيّتهم الدينيّة، وضرورة الاستفادة من علومهم ومعارفهم.

فطبق حديث «السفينة»، والذي عرّف أهل البيت^ بكونهم مثل سفينة النبيّ نوح×، فإنّ هلاك النّاس ونجاتهم كما كان متوقِّفاً على ركوب سفينة نوح× فكذلك أهل البيت^، مَنْ سلك دربهم ونهل من علومهم وتهذب بأخلاقهم كان من الناجين، ومَنْ صدّ نفسه عنهم وصكّ آذانه عن سماع علومهم ومعارفهم أحاطته الهلكة، وكان حظّه الدرك الأسفل من النار وبئس القرار([67]). كما شبَّه أهل البيت^ في بعض الأحاديث بنجوم السماء، ومحل أمن الناس، التي إذا غاب منها نجم طلع الآخر، فاستنار به الناس في ظلمائهم، واستعلموا به مسيرهم([68])، والناس بهم يهتدون، كما بالنجم هم يهتدون.

وكذلك حديث «الثقلين»، وهو الذي اتَّفق على صحّة متنه الفريقين، ورووه بأسانيد متعدّدة، بلغ الرواة فيه من الصحابة 43 صحابياً، و200 راوٍ من الكبار والتابعين والعلماء الأجلاّء عند السنّة والشيعة([69])، وإذا لم يبلغ التواتر فإنّه بلغ الاستفاضة، هذا الحديث يكشف بما لا يبقى معه تردّد أو شكّ كون أهل البيت^ كهف الأمان ومنبع الوحدة، في كنفهم يؤمن الاختلاف، ويغلق الباب أمام كل نوع من الضلالة الفكريّة والسياسيّة، بل هم المحور في الفهم الصحيح للتعاليم والتشريعات الدينيّة بعد النبيّ الأكرم|. والأمر بالتمسُّك بالقرآن وبالعترة النبويّة إلى يوم القيامة، فهما لن يفترقا حتّى يردا حوض الكوثر([70]). وما دام القرآن مصوناً محفوظاً من التحريف والتغيير فبالالتزام بأئمة أهل البيت نكون مصونين عن كل أنواع التحريف والانحراف.

إنّ المتَّفق عليه بين الفريقين في ما يخصّ حديث «الثقلين» أنّ أئمّة أهل البيت لهم الإمامة في الفقه وفي العلم([71]). ويرى أئمة أهل البيت التساوي بين ترك القرآن والسنّة والكفر. وكذا يرون أنّ التنكُّر لمرجعيّتهم وترك الاقتداء بهم وبأوامرهم هو السبب الأول والأهمّ في بروز ونشوء الاختلاف في الأمّة. فطريقهم ونهجهم هو الذي تحدَّث عنه القرآن بـ «حبل الله». والقرآن أمر بإعلان الحرب على كلّ مَنْ تخلَّف وترك هذا الحبل وأعلن الخروج عنه([72]). وتتحدّث عدّة روايات عن اختصاص أهل البيت بفهم المعارف القرآنيّة، وتمكّنهم منها بشكل لا يساوره الخطأ مطلقاً، وإحاطتهم الكاملة بالشريعة الإسلاميّة وتعاليمها([73]). ولم يكن هذا غريباً عنهم، خصوصاً إذا اطّلعنا على الأحاديث التي يبيِّنون فيها كونهم ورثوا هذه العلوم والمعارف عن جدّهم رسول الله|. فهم يصرِّحون بأنّ حديثهم هو نفسه حديث رسول الله|، وأنّهم لم يحدثوا في الأمر شيئاً: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث رسول الله»([74]). فكلّ ما عند رسول الله وصل إليهم، قلباً عن قلب، ويداً بيد، سوى النبوّة والوحي، فهما من اختصاص رسول الله، دون العترة من أهل بيته([75]). كما أنّ دورهم في الجانب السياسيّ يمكن إدراجه تحت عنوان «ساسة العباد». وعموماً فإن القدر المتيقَّن منه في ما يخصّ خطاباتهم وأحاديثهم أنّها تتمحور حول كونهم المرجع الدينيّ و«المفترض الطاعة»، والتي يرجع إليها في أخذ تعاليم الدين وتعاليم الشرع المقدَّس. و هذا القول لا يقوم على مقارنة في الأحاديث الصادرة في شأن الإمامة، بل إنّ عدم انشغالهم بمقام الخلافة وعدم تحيُّزهم لطرف في المعادلة السياسيّة يبيِّن أنّ همّهم الأكبر كان إجراء تعاليم الدين وإرشاد العباد، وكونهم «مفترض الطاعة». ويُلاحظ ذلك منذ القرن الأوّل، وبالأخص زمن الإمامين الصادقَيْن‘، حيث مع مرور الزمان سعت كلّ فرقة ومذهب، بما في ذلك بعض الفرق التي تشعَّبت عن مدرسة الأئمّة^، إلى إيجاد ما يصطلح عليه بالزعامة الدينيّة الخاصّة بكلّ واحد منها، وقد كان أئمّة أهل البيت^ يعملون على دعوة تلك الزعامات إلى التلمذة على يديها، والأخذ من مشربها العلميّ؛ من أجل توضيح مراد النبيّ الأكرم|، وكذلك تفسير بعض الآيات، وتطبيق البعض الآخر على مفاهيم بعينها([76]). ولابدّ من الاعتراف بأنّ كلامهم وتعاليمهم لم تكن في مأمن من تدخُّلات الكذّابين، ووضع المغرضين ومن هم على شاكلتهم، حيث كانت الفئة المعارضة لمبدأ الوحدة بين كلّ مكوّنات الأمّة تشكِّل اليد الثانية في هذا العمل. لكنٍْ مع كلّ ذلك فمن مجموع الروايات التي تعرِّف بأهل البيت^، وتتحدَّث عن سلوكهم وفكرهم، يتبيَّن لماذا كان التأكيد على التمسُّك بمرجعيّة أهل البيت^؛ فهم المعدن الأصيل للعلوم والمعارف الدينيّة التي ورثوها عن رسول الله|، ولأنهم من جهة أخرى المطهَّرين المعصومين عن الزلل والخطأ؛ ولكونهم من جهة أخرى المصداق الأكمل والأتمّ بعد رسول الله| لـ «أولي الأمر»، و«أهل الذكر»، و«الراسخون في العلم»، و«الصادقون»، و«أهل البيت»، والعترة التي أوصى رسول الله بالحفاظ عليها والتشبُّث بها([77]). وفي الحقيقة فكلامهم هو وضع وتنفيذ وتطبيق لتعاليم رسول الله وتعاليم القرآن.

والحديث عن أئمّة أهل البيت^ باعتبارهم المصداق الأتمّ والأكمل للمرجعيّة الدينيّة حقيقة تتلقى شرعيّتها من القرآن أوّلاً، ومن السنة النبويّة ثانياً. كما أنّ شواهد متعدّدة من طرف علماء السنّة البارزين تجعل أئمّة أهل البيت؛ بلحاظ مرجعيّتهم ومكانتهم الدينيّة، في طول القرآن والسنة النبويّة الشريفة.

نعم، قد يكون القدر المتَّفق عليه بين أهل السنّة والشيعة الإماميّة أن مرجعيّة أهل البيت تكمن في المسائل الدينيّة والعلميّة، لكن لا غبار على كون الاستناد والرجوع إليهم في الأمور السياسيّة والاجتماعيّة كفيلاً بنزع فتيل الاختلاف وإطفاء نار الفرقة والتمزُّق بين الفرقاء أبناء الأمّة الواحدة؛ وذلك لكون العديد من الأمور التي تؤدّي إلى إيجاد هكذا اختلاف إنّما مردّها إلى الفهم السيئ أو غير التامّ للأحكام والتعاليم الدينيّة، ولو ردوه إلى أهل البيت لكان فيه خلاصهم. والتاريخ السياسيّ والفكريّ للعترة الطاهرة^ أثبت أنّ تبيينهم وفهمهم للحقائق القرآنيّة وما يأتي في طولها كان هو الأصحّ، وهو الذي يؤدّي في الواقع إلى النجاة. وكم من علماء أهل السنّة وزعماء مذاهبها قد فهموا وأدركوا هذه الحقيقة، فجلس العديد منهم في حلقات درسهم، يشربون من معينهم الصافي. بل لقد شهد بصفاء معدن أئمّة أهل البيت أعداؤهم وجمعٌ من المخالفين لهم. ورغم كون الأمّة لم تضع أئمّة أهل البيت في المكان المناسب بهم، ولم يحصل لها التوفيق في الاستفادة منهم كما يجب وكما ينبغي أن يكون، إلاّ أنّ تأثيرهم في الجملة في الموروث الفكريّ والمعنويّ الإسلاميّ ظلّ حاضراً. ولا أحد يستطيع إنكار الاستفادة منه بشكل مباشر أو غير مباشر. ومضافاً إلى ذلك إذا تمّ رفض مرجعيّتهم الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة فإنّ مجرّد الإبقاء في تفسير الآيات والأحاديث الصادرة فيهم على كونها إنّما تقتصر على محبّتهم ومحاباتهم([78]) كفيلٌ بلعب دورٍ بارز في توحيد الأمّة، ولمّ شتاتها.

إنّ التحقيق والبحث في موضوع دور الأئمّة في تبيين الموروث الدينيّ والتعاليم القرآنيّة والسنة النبويّة، والدفاع عنها في عرصات الكلام، والحقوق، والأخلاق والعرفان، وسعيهم في تربية مجموعات من الشخصيات العلمائية والدينيّة ذات العيار الثقيل، موضوعٌ يحتاج إلى بحث مستقلّ، وهو أمرٌ لا يتَّسع له مقالنا هذا. إلاّ أنّ هذا لا يمنع من الإشارة إلى كون هذا الموروث قد جاء ضمن قوالب خاصّة في الأحاديث الكلاميّة، والعرفان، وضمن التفسير، والأخلاق، والمحاججات والمناظرات التي كانت تعقد، سواء بطلب من الأئمة أنفسهم أو من خلال تلك التي كان يدعو إليها السلاطين. وبالطبع فإنّ ما وصلنا من أحاديث مستقلّة في الكلام، والعرفان، والفقه السياسيّ والعبادي، وما يختصّ بالتشيُّع الإماميّ، لم يكن إلاّ حصيلة ما بذله الأئمّة أنفسهم، وتلامذتُهم المخلصون، من جهدٍ في الحفاظ على هذا الإرث المعرفيّ، وإيصاله إلينا جيلاً بعد جيل.

ونحن في ختام هذا المقال سنحاول درج فهرسة لأهمّ خطواتهم في هذا الميدان:

1ـ نشر الأحاديث والسنّة النبويّة، والتفسير الصحيح للقرآن، والكشف عن المعايير والضوابط الضروريّة في هذا الفهم.

2ـ محاربة الإسرائيليات، والخرافات، والبدع الدينيّة، ووضع الحديث.

3ـ تبيين وتعزيز التعاليم الروحيّة والعرفانيّة الإسلاميّة، وتربية فئة خاصّة من الصحابة ومن الأتباع ذوي السلوك الشيعيّ الصحيح.

4ـ تبيين نظام فقهيّ وحقوقيّ، مع تبيين المصادر الأصيلة للشريعة الإسلاميّة السمحاء.

5ـ الوقوف في وجه البدع والانحرافات الكلاميّة، نظير: الغلو والغلاة، والتجسيم والتشبيه، والجبريّة، إلى جانب محاربة فكر الخوارج، وبدعة الإرجاء.

الهوامش

___________________

(*) أستاذٌ مساعد في جامعة الأديان والمذاهب.

([1]) أصول الكافي 2: 44، كتاب الإيمان والكفر.

([2]) سورة النساء: 97 ـ 99؛ سورة التوبة: 106.

([3]) أصول الكافي 2: 405.

([4]) المصدر نفسه.

([5]) معاني الأخبار: 202؛ تفسير العياشي 1: 268 ـ 270.

([6]) أصول الكافي، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب أصناف الناس؛ بحار الأنوار 72: 157 ـ 172.

([7]) نهج البلاغة؛ أصول الكافي 2: 406، ح11.

([8]) نهج البلاغة، الخطبة 189.

([9]) أصول الكافي 2: 406.

([10]) الميزان 5: 80.

([11]) أصول الكافي 2: 42؛ وسائل الشيعة 11: 429؛ جامع أحاديث الشيعة 18: 313.

([12]) أصول الكافي 2: 45.

([13]) أصول الكافي 2: 43؛ وسائل الشيعة 11: 427.

([14]) بحار الأنوار 66: 174. وهناك العديد من الموارد يرجع إلى: جامع أحاديث الشيعة 21: 315 ـ 331.

([15]) تفسير القمي 2: 294.

([16]) تفسير العياشي 1: 10 ـ 12؛ تفسير بيان السعادة 1: 12 ـ 13؛ تفسير المحيط الأعظم 1: 203 ـ 205؛ التفسير والمفسِّرون 1: 97 ـ 112.

([17]) تفسير الصافي: 8، المقدمة.

([18]) نهج البلاغة، الخطبة 18.

([19]) بحار الأنوار 2: 190.

([20]) رجال الكشّي، ح40؛ بحار الأنوار 22: 343.

([21]) رجال الكشّي، ح25، 26، 33، 48.

([22]) رجال الكشّي، ح47.

([23]) رجال الكشّي، ح23.

([24]) رجال الكشّي، ح33، 14، 15.

([25]) معجم رجال الحديث 8: 186 ـ 197.

([26]) معجم البيان 2: 536 ـ 537، 805.

([27]) كنـز العمّال 2: 290، ح4029.

([28]) نهج البلاغة، الخطبة 127.

([29]) لمزيد من الاطلاع: أصول الكافي، ج1، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، وأنّه ليس شيء من الحلال والحرام وجميع ما يحتاج الناس إليه إلاّ وقد جاء فيه كتاب أو سنّة».

([30]) المصدر السابق 1: 59، ح1.

([31]) المصدر نفسه، ح2. وبناء على بعض الرويات الأخرى فإنّ النبيّ الأكرم| قد شخَّص للناس وعرَّفهم على المعلّمين والمفسِّرين المحيطين بمجموع تعاليم القرآن.

([32]) لمزيد من الاطلاع راجع: جامع أحاديث الشيعة 1: 188، 199.

([33]) أصول الكافي 1: 60.

([34]) بحار الأنوار 92: 27.

([35]) المصدر السابق 2: 242.

([36]) نهج البلاغة، الخطبة 183.

([37]) المصدر السابق، الخطبة 186.

([38]) المصدر السابق، الخطبة 167.

([39]) المصدر السابق، الخطبة 156.

([40]) المصدر السابق، الخطبة 188.

([41]) المصدر السابق، الخطبة 125.

([42]) غرر الحكم ودرر الكلم، الحكمة1985.

([43]) المصدر السابق، الحكمة1986.

([44]) نهج البلاغة، الخطبة 176.

([45]) أصول الكافي 2: 60، ح5، 6.

([46]) بحار الأنوار 92: 14.

([47]) المصدر نفسه.

([48]) انظر: وسائل الشيعة 18، الأبواب 5، 6، 9 من أبواب صفات القاضي.

([49]) الميزان في تفسير القرآن 3: 82.

([50]) آل عمران: 159.

([51]) كمثال: المائدة: 21؛ الأنفال: 1، 20، 24، 46؛ النجم: 5، 6؛ الجنّ: 32.

([52]) النساء: 59، 83؛ الأنفال: 46؛ الحشر: 7.

([53]) للاطلاع أكثر راجع: أصول الكافي 1: 59 وما بعدها؛ دعائم الإسلام 2: 535.

([54]) أصول الكافي 1: 70؛ وسائل الشيعة 27: 129.

([55]) مستدرك الوسائل 17: 258.

([56]) جامع أحاديث الشيعة 1: 204 ـ 205.

([57]) وسائل الشيعة 27: 129.

([58]) جامع أحاديث الشيعة 1: 368.

([59]) المصدر السابق: 200 ـ 201.

([60]) أصول الكافي 1: 71.

([61]) المصدر السابق 8: 2.

([62]) الشيخ مطهري، الإمامة والزعامة: 52 ـ 54.

([63]) النساء: 59، 83.

([64]) النحل: 43.

([65]) التوبة: 119.

([66]) كمثال: ما جاء في خصوص الآيات في تفسير الصافي ونور الثقلين.

([67]) الصواعق المحرقة: 184.

([68]) جامع أحاديث الشيعة 1: 34 ـ 35؛ ينابيع المودة: 94.

([69]) جامع أحاديث الشيعة 1: 36 ـ 112؛ الصواعق المحرقة: 230؛ المستدرك 3: 359.

([70]) الصواعق المحرقة: 230؛ المستدرك 3: 359.

([71]) الإمام الصادق×: 199.

([72]) كمثال: وسائل الشيعة 18: 24، 45.

([73]) جامع أحاديث الشيعة: 230 ـ 231، 268، 53.

([74]) جامع أحاديث الشيعة 1: 32 ـ 42.

([75]) أصول الكافي 1: 268، 270.

([76]) انظر: جامع أحاديث الشيعة، ج1، روايات الباب 1 إلى الباب 8.

([77]) للاطلاع أكثر راجع: محمد محمدي الريشهري، أهل البيت في القرآن والحديث، الفصل الثالث إلى السادس.

([78]) الشورى: 23؛ الأحزاب: 33؛ الإسراء: 26.