أزمة المثقَّف الإيراني مع الحداثة

13 سبتمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
111 زيارة

أزمة المثقَّف الإيراني مع الحداثة

قراءةٌ في ازدواجيّة الموقف

د. مهرزاد بروجردي(*)

ترجمة: محمد عبد الرزّاق

 

تمهيد ــــــ

في العام (1301هـ.ش) أصدر الكاتب حسن مقدم كتابه (جعفر خان أز فرنگ برگشته) (السيد جعفر عائداً من الغرب). ومع أن هذا الكاتب الفطن كان في سنّ السابعة والعشرين من عمره حينها إلا أن عمله الروائي التهكُّمي تجاه السيد جعفر ـ ذي النزعة الغربية ـ لا يزال موضوع اهتمام جميع الإيرانيين.

يعود جعفر خان من إقامته القصيرة في الغرب إلى وطنه الأم بعد أن رأى واطّلع على نتاجات الغربيين المادية والعلمية، فينظر إلى الثقافة التقليدية والتقاليد والعادات باحتقارٍ وانتقاص. فيجد أوروبا مهداً للتطوّر والرقي. ومع أن شخصية جعفر خان تبدو للوهلة الأولى قريبة من شخصية (بازاروف) (Bazarov) في (الآباء والأبناء)، إلا أنه في الواقع مختلف عن الممثل (ivan turgenev). وينتمي الاثنان إلى موجة الأجيال النرجسية التي كثيراً ما تعترض على تصرُّفات الآباء، ويصعب عليها تفهُّم الأقران من أبناء جلدتهم، ويتفهمون القيم المحلية، ويمجِّدون الغرب؛ بسبب تطوره العلمي، ويعودون باللوم على آبائهم إذا خالفوا أو تجاهلوا الغرب. أما جعفر خان فلم يكن يتمتع بعصامية (بازاروف)، وروح التمرد على السنن والأعراف، فكان «الأبله المقلِّد» يردّد ويقلد الغرب كالببغاء، دون أن يكون على معرفة حقيقية بماهية «الغرب». وفي هذا يكمن السبب في أن يبدي القارئ لكتاب (تورغنيف) تعاطفه مع بازاروف، فيسلط الضوء على مزاعم اللاجدوائية والتتفيه، ويوعزها إلى نظرته الحاذقة.

أما غرور ونرجسية جعفر خان فهي ممّا لا يطاق أبداً. وهنا نتساءل حقاً عن شغف المثقّفين بهذا الكتاب بعد مرور ثمانين عاماً على تأليفه، وما هو السرّ في هذا الإقبال الواسع؟

قد يكون من الممكن ربط جاذبية هذا الكتاب بشخصية مؤلّفه الأسطورية، فهو كاتب درس في سويسرا في عنفوان شبابه، وودع الحياة دون أن تتجاوز سنّه الثلاثين من العمر. ولعله غازل بذلك سجية الإيرانيين في الاستمتاع بالضحك والسخرية من الرزء والإخفاق والعجز الحاصل؛ وقد يكون من الممكن أيضاً أن يحسب طعن الكاتب برؤية جعفر خان الهازئة بالتقاليد والثقافة المحلية انعكاساً لما كان يدور من أحاديث مسمومة على لسان الوالي العثماني في الماضي، حين وصف ما اقتناه العائدون من الدراسة في الغرب بـ «السفلس»، وليس «الحضارة» الأوروبية([1]).

والمحصِّلة أن هذا النص الروائي من وجهة نظرنا بات يستهوي قلوب الإيرانيين لأمرين: حديثه الأخّاذ عن «الهوية» و«اللاانتماء»، الذي ما انفكّ يؤرق خاطر المثقف الإيراني تجاه الحداثة([2])، وسبل تطبيقها([3]).

أما مقالنا الحالي فسيسلّط الضوء على النقطة الثانية. وسنستعرض الظاهرة السابقة التاريخية لظاهرة الاغتراب في إيران([4])، قبل التأكيد على مسألةٍ هامة في هذا المضمار، وهي أن المثقف الإيراني المتنور ـ خلال القرن الماضي ـ كان قد سمح للحداثة بالتسلُّل إلى أفكاره من جهة، لكنه بقي من جهةٍ أخرى على مسافة معينة من هذا الضيف الثقيل الظلّ، فبدأ بانتقادها، وصار ينظر لها في كل عصر بما يحكمه من أجواء السياسة في إيران. لقد فرضت الطبيعة المتقلّبة للأوضاع الداخلية والخارجية السياسية ـ طيلة هذا القرن ـ على المثقفين الإيرانيين أن يبقى قبولهم للحداثة مشروطاً دائماً، فيستقون منها بطريقة نفعية (utilitarian) وصفتهم الخاصة، ثم يركّزون فيها على صنفهم المحبَّب. وبعبارة أخرى: هم يتعاملون مع الثقافة الفلسفية والعلمية الغربية بطريقة التاجر الحذر. ويمكن القول بشكل عام: إن المتنوّر الإيراني يرى في المتاجرة مع الحداثة الغربية تجارة مع الشيطان «faustian bargain»، ولم يُخْفِ مخاوفه من عواقب الأمور. ولهذا يجدر بنا حقّاً مراجعة هذه الفكرة أكثر من ذي قبل.

 

السابقة التاريخية لظاهرة الاغتراب في إيران ــــــ

يمكن البدء بتتبع علاقات إيران بأوروبا في حكم الشاه عباس الصفوي في القرن السادس عشر الميلادي؛ إذ كانت إيران حينها على أعتاب انضمامها إلى المجتمع الدولي، على الرغم من انقطاع علمائها عن معطيات الثورات الفكرية (1600 ـ 1800م) التي خاضها الأوروبيون، وتجسَّدت في كتابات البعض منهم، أمثال: بيكون، ديكارت، غاليون، هوبز، هيوم، كانط، منتسكيف، نيوتن، باسكال، راسو، فولتر.

ولم يكن علماء إيران في القرنين السابع والثامن عشر ينظرون إلى الغرب كفلسفة منافسة لهم، بل كانوا يعدّونها بمثابة ثقافة ثانية، يسافرون إلى مراتعها، ويتجولون في غاباتها في بعض الأحيان. إذن هكذا كان ديدن المثقّف الإيراني، ولم يتمكّن أبداً من استقبال البراغماتية العلمية والواقعية الإنجلوساكسونية بانسيابية، بعيداً عن الهواجس والقلق، خلافاً لنظيره التركي.

كان لهزائم إيران العسكرية ـ ولا سيَّما مع روسيا ـ في مطلع القرن التاسع عشر، المقترن بنفوذ الاستعمار الغربي وتدخله بالشأن الداخلي، دورٌ في تغيير صورة الغرب في أذهان الكثير من الإيرانيين. فجاء قرنٌ من التحقير والمعاداة أعقب تلك الهزائم؛ لينقل الغرب من وجودٍ مجهول إلى خصم سياسي ثقافي غير مرحّب به، وخطر أيديولوجي محدق([5]). وسرعان ما تحوّلت نظرة الاحترام للغرب إلى شعور بالمساس بالحيثيات القومية، وجرح عميق ممتزج باستكراه الأجنبي([6]). وقد انتشرت «فوبيا الإنجليز» «وفوبيا الروس» بشكلٍ واسع في محاولة للتغطية على الإخفاقات الاجتماعية والانتكاسات الوطنية.

وإذا ألقينا نظرة على ظاهرة الغربنة (westernization) في هذه الحقبة وجدنا أن المثقّف الإيراني ظلّ متمسكاً بالتقاليد وهو ذاهب في طريقه إلى اختيار منظومة ومفردات حداثوية. وعلى أيّ حال فإن أبرز ما كان يشغل بال المجتمع الكلاسيكي في موقفه تجاه الحداثة هو رغبته الجامحة في ترويض هذا الثور الهائج. وكما قال المؤرّخ المفكّر مانجول بايات (Mangol Bayat) فإن رواد الفكر والحداثة في إيران قد أصابوا في تحليلهم سرّ تقدّم الغرب وقدرته حين اختاروا «المشروطة» (الحركة الدستورية) و«العلم والفنّ»، إلا أنّه لم يتخلَّ أحدٌ منهم عن جذور أفكاره الموغلة في الثقافة الإيرانية، أمثال: ميرزا فتح علي آخوند زاده(1812 ـ 1878)، ميرزا تقي خان أمبير كبير(1807 ـ 1881)، وحتى الميرزا عبد الرحيم طالبوف(1834 ـ 1910).

يقول بايات في هذا الصدد: «لقد كان الفكر التقدّمي بين الإيرانيين في مطلع القرن التاسع عشر ينبض فعلاً بقلب «تقليدي» وكلاسيكي. فعلى الرغم من مطالبة هذه المجموعة من مفكّريهم بـ «الغربنة»، والدعوة إليها، إلاّ أن قليلاً منهم كان قد دعا إلى تقليد الغرب في عاداتهم بشكلٍ مطلق وتجاهل التراث الإيراني والإسلامي».

ويضيف على ذلك: «لقد كان المثقفون والإصلاحيون في القرن التاسع عشر بصدد البحث عن تعريف جديد للمجتمع. وعلى الرغم من رغبتهم ـ المضمرة أو الظاهرة ـ في تجارب أوروبا الاجتماعية والسياسية إلاّ أنهم اتّجهوا في نهاية المطاف إلى الفكرة التقليدية في الأفلاطونية الجديدة، التي تركز على بناء المدينة السماوية على الأرض، والمدينة الفاضلة لدى فلاسفة القرون الوسطى، وهي المدينة التي سيحكمها «الإنسان الكامل» أو «الفيلسوف الحاكم». ولا وجود هنا للمجتمع القائل بالأكثرية والحكم المؤسّس على إرادة الشعب»([7]). وبعبارة أخرى: على الرغم من لجوء العديد من المتنورين الايرانيين إلى القيم الحداثوية في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين؛ هروباً من التصادم مع الخرافات الموجودة في التفكير والتقاليد الكلاسيكية، لكنهم في الوقت ذاته كانوا يذهبون وراء معالم «الحداثة الصحيحة» بحذر وأناة، وكانوا يضعون شروطاً وتنقيحات عديدة في قبول المفاهيم، من قبيل: النزعة الإنسانية (humanin)، والدور الحيوي للإنسان، والتغلب على الطبيعة، وأن التاريخ هو مسار تطور البشر، واعتبار العقل وسيلة في التقييم.

أما بالنسبة إلى جدلية العلم والدين فهي أيضاً لم تقدهم إلى هجر تراث المجتمع الديني، ولا إلى توجيه نقود جادة في صميم الفقه والعرفان الإسلامي([8]).

وقد بقي المثقف الديني الرافض للعلمنة متمسّكاً بعقيدةٍ مفادها: إن عملية إحياء المفاهيم الإسلامية، والرجوع بالمجتمع الإسلامي إلى سابق عهده في الازدهار والرقيّ، رهينٌ بـ «فهم المسلمين الصحيح للإسلام الأصيل»، وتجريده من شوائب الخرافات والأفكار المنحرفة. وهذا ما توضِّحه لنا آراء (إدوارد شيلز) في كيفية قضاء هذه المجموعة من المفكّرين([9]) على «التاريخ الفعلي» (actual history)؛ بداعي مفهوم «الدين المنحرف» (revelation betrayed). فهو يعتقد أن الدول غير النامية ـ التي لا تزال شعوبها «تتحسَّر على ماضيها الزاهر، ونتاجات أسلافهم المبهرة»، وتعيش تحت وطأة الشعور بالنقص والعجز ـ ستكون حياتها السياسية أكثر تقدّماً في ظلّ «الاندفاع الحماسي نحو هيكلة وترميم المفاهيم الأخلاقية والدينية([10]).

مع هذا كلّه لا يزال من الممكن أيضاً نسبة هذا الجيل من المثقّفين في إيران إلى الحداثة والتجديد، لا إلى الكلاسيكية. وليس هذا نتيجة ما قدّموه من أجوبة وحلول على مشاكل المجتمع؛ بل لأنّهم قدّموا تساؤلات جديدة. وعلى أيّ حال لا يصح ولا يمكن تجاهل دور وأهمّية هذه المجموعة في إنعاش الحياة السياسية في المجتمع.

يقول شيلز: إن ظهور واستمرار الدول الجديدة في آسيا وأفريقيا ـ على رغم المدّ والجزر ـ يبقى مديناً لنهضة المثقّفين والمفكّرين في تلك البلدان([11]).

وبناءً عليه من الصعب جدّاً قراءة وفهم مسارات الحداثة وظهور الدولة القومية وتطبيقات العلمنة في مجتمعاتٍ كإيران دون تسليط الضوء على دور المثقّف داخل المجتمع. لقد سعى هؤلاء المفكّرون ـ بوصفهم حملة مفاهيم الثقافة والضمير التاريخي، والحداثة والقومية ـ إلى مدّ جسور فوق الهوّة الاجتماعية والفكرية التي أحدثتها عمليات الغربنة أو الأفكار الغربية؛ تقليلاً لوطأة اغتراب الذات الحاصل([12]).

وحقّاً نجح هؤلاء المثقّفون ـ صنّاع الترابط ـ في تثوير الأفكار؛ نظراً لما يتمتعون به من نفوذ اجتماعي أو سياسي. وقد تعاملوا وتفاوضوا بمهارةٍ مع الحداثة الغربية من جهة، كما حرصوا أيضاً على منع قوى السياسة الغربية من اقتحام حدود بلادهم من جهة أخرى([13]). ومن خلال تمجيد وخلق الرموز الوطنية والأساطير القومية حافظوا على هوية الإيرانيين القومية([14]). وكان أبرز هذه الشواهد التجارب الحاصلة بين الأعوام (1300 ـ 1330هـ.ش)، وتحديداً في عهد (إيرك هوبزبام) (Eric Hobsbawm)، حين أعلن أن العصر «عصر القومية» في جميع أنحاء العالم.

وهذا ما يدلّ عليه كلام (شيلز) أيضاً: «يعدّ «المغتربون» النواة الأولى لجيل الرعيل الأول من زعماء السياسة الديمقراطيين في معظم الدول غير النامية، لكن النزعة المعهودة في مقارعة الجيل السابق هي التي حملت الجيل اللاحق من المثقّفين على مواقف أكثر معارضة مع «الثقافة الغربية». وهذا ما فسح المجال أمام الثقافة المحلية والتقليدية للاستيلاء على أذهانهم أكثر من ذي قبل. وهكذا تتنامى فكرة الثقافة المحلية القديمة، فتقود الشعوب إلى النهضة والوعي»([15]).

مع مرور السنوات الأولى من القرن العشرين بدا العديد من مثقّفي إيران المتأثّرين بالأحداث الجارية والتجارب المختلفة متردِّدين في تقييم الحوار القائم حول موضوعة التنوير الأوروبي والرؤية العالمية، فقرّروا الاهتمام بالثقافة والتقاليد العريقة، ولا سيَّما الجيل الذي عاش بين سنوات الحربين العالميتين، حيث شاهد وقائع مفجعة، كقيام الأنظمة الفاشية، ومذابح الحرب، والمحرقة البشرية، والقنبلة الذرية، ومهاجمة جيوش الحلفاء، وطرد (رضا شاه). وهكذا عانى وقاسى هذا الجيل تفاصيل المأساة، فأحسّ بمخاطر الحضارة الغربية على جميع الأبعاد والصعد([16]). وقد وجّهت أحداث شهر مرداد 1332هـ.ش ـ التي أدت إلى الإطاحة بحكومة الدكتور محمد مصدق ـ صدمة أخرى لجيل المثقّفين عقب الحرب العالمية الثانية([17]). وكان تدخل الولايات المتحدة الفاضح في هذه الأحداث من جهة، ومواقف زعماء حزب (توده) (الشيوعي) المذلّة أمام الاتّحاد السوفياتي من جهة أخرى، عاملاً في تشاؤم وتشكيك أوساط النخبة الإيرانية بمصداقية علاقات هذه الدول العظمى، الأمر الذي أذكى جذوة القومية في نفوسهم بشكلٍ مضاعف.

وزاد في الطين بلة الأحداث الداخلية في إيران في العقدين 1340 و1350، فتعززت نظرة المثقّفين المزدوجة تجاه الغرب.

ثم إن هناك عوامل أخرى ألقت بظلال الشكّ على مصداقية الحداثة الغربية، من قبيل: أوامر الشاه غير المدروسة بتفعيل الحداثة، بروز الفجوة بين التعليم الحديث والتعاليم الدينية من جهة، وبين التقنية الجديدة والقديمة من جهةٍ أخرى، وكذلك دور الحركات المناهضة للاستعمار في العالم الثالث، واتساع الانتقادات والتشكيك الصادرة عن مفكّري الغرب تجاه نتاجات الحداثة([18]).

ولا شكّ أن جميع هذه العوامل والأحداث كانت ستحول دون مراجعة المثقّف الإيراني لإخفاقاته وأفهامه الخاطئة([19]).

 

مزيدٌ من الاغتراب الذاتي ــــــ

ذكر الباحث المغربي (عبد الله العروي) في كتابه (أزمة المثقفين العرب) أن الغرب لم يكن مصدر الأزمة الفكرية وحَسْب، بل كان هو المنتج لأزمة المثقفين أيضاً. ورأى هذا الباحث أنه لا يمكن فهم مديات ردّة فعل المثقف العربي تجاه الغرب دون النظر إلى مفهوم التخلف التاريخي والثقافي: «لا شكّ أن المفكّر هو ربيب ثقافة مجتمعه، وهي الثقافة المرتكزة على محورَيْ: السياسة؛ والوعي. وهناك نوعان أيضاً لاغتراب الذات: أحدهما بارز، فهو عرضة للنقد والتحليل؛ والآخر مضمر وغير معترف به من الأساس. وفي الواقع فإن الغربنة هي عبارة عن نوع من اغتراب الذات و«الغيرية»، وهي الاتجاه نحو الانشقاق الداخلي ـ وإن كانت صحة أو بطلان هذا التحول مرتبطة تماماً بأيديولوجية الفرد نفسه ـ، لكنّ ثمة اغتراباً آخر للذات مستتر في المجتمع العربي المعاصر، وهو آخذٌ في الاتساع والتنامي. ولا بُدَّ من تصنيف هذا النوع في عداد إفرازات المبالغة في الإيمان بعظمة الماضي، والانبهار الفائق بالثقافة العربية الكلاسيكية»([20]).

لقد تجسَّد كلا النوعيين المذكورين لاغتراب الذات في مواجهة المثقف الإيراني مع الغرب أيضاً. فإذا كان جعفر خان المتنكِّر لجذوره نموذجاً للنوع الأول من المثقف المغترب فإنّ نموذج النوع الثاني سيكون رجل الدولة المحافظ (مخبر السلطنة مهدي قلي خان هدايت)، الذي عاصر النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، فخبرته التجارب والأحداث؛ إذ كان كناقد متتبع للحداثة والحضارة الغربية يرفض بعض القرارات، كإلغاء الملكية الخاصة، وظهور المدن الكبرى، وتغييرات الحداثة في المحيط العائلي، وظهور الطبقة البروليتارية، وكذلك كان معارضاً أيضاً للحركات الثورية والنهضات النسوية. لقد كان لرؤى وأفكار هذا السياسي المحافظ، والأديب الدارس في ألمانيا ـ والشاغل منصب رئيس الوزراء في حكم رضا شاه التجديدي ـ، تقارب وثيق من أفكار الألمان المعارضين للتجديد والحداثة في ذلك العصر([21]). وكان مخبر السلطنة كثير المقارنة بين عصره المنكوب والماضي، ويلوم على إرباكات الحداثة ومعضلاتها وما خلفته من انهيار للأخلاق، والتمايز الطبقي، وإلغاء الفردية، وهتك الحيثيات والحرمات، والانجرار وراء الرؤى المادية والنفعية الفردية، فرأى أن معالجة كلّ هذا تكمن في العودة الجماعية إلى السجايا الطيبة، وتهذيب النفس والأخلاق([22]).

وهنا تجدر الإشارة إلى وجود مفكِّرين في عصر مخبر السلطنة هدايت ـ الذي طالب بالعودة إلى الماضي ـ أمثال: ماكس هورخايمر (Max Horkheimer) وتيودور أديرنو (Theodor Adorno) ممَّنْ وجَّه نقوداً في خضم دياليكتية التنوير إلى العقل العملي، الذي يزعم أن الذات هي الغاية بغضّ النظر عن القيم الأخلاقية([23]).

لم تكن الغالبية من المفكّرين والمثقّفين الإيرانيين على خلاف مع المفكرين المعارضين والمؤمنين بمبدئية الأخلاق، كمخبر السلطنة هدايت([24])، الذي وجه انتقادات لاذعة وجريئة للحداثة الغربية. وكان البعض منهم أيضاً لا يرى جدوى حقيقية في هذه المعارضات. لكنّ الثنائية التليدة بين الشرق المعنوي والغرب المادي، وبين البراغماتية العلمية في أوروبا ونزعات الجمال والعشق في آسيا، أو بين التقاليد ومبادئ الغرب الشمولية، لم تفقد بريقها أبداً. ولعله يمكن القول بأن مخبر السلطنة وكثيراً من معاصريه لم يتمكَّنوا من فهم تعقيدات ماهية وأبعاد الحداثة الغربية بشكلٍ صحيح؛ نظراً لقلة الوعي، وضعفهم في مجال تاريخ الفلسفة الغربية([25]).

ولهذا ظلّت أفكار هذا الجيل تجاه الغرب في دوّامة طويلة بين الرفض والقبول، وبين الرغبة والخوف، والتقاليد أو الاجتناب.

 

استمرار الشكوك وعوائد التجربة ــــــ

وبناءً على ما ذُكر يبدو ـ بشهادة التاريخ الواقعي، وليس الخيالي ـ أن مسار الغربنة في إيران لم يشهد العديد من أمثال جعفر خان. ففي الواقع كان عددٌ قليل من المثقّفين على استعداد للتخلّي عن تراثهم الثقافي؛ شغفاً بالثقافة الغربية ودورها في رفع التخلف الاقتصادي أو الاجتماعي والعلمي([26]).

فحتى عقب الضمور التدريجي لزهو الحضارة الإيرانية لم يتجرّد أكثرية المثقفين من هواجس وهموم الثقافة المحلية. وهنا من المناسبة بمكانٍ أن ننظر إلى نتيجة هذه الشكوك، ونقيم عائدات إيران من هكذا نظرة مزدوجة تجاه الحداثة. ففي رأينا أن أهمّ دروس هذه التجربة الطويلة هو الوعي بلا جدوائية التقليد المتهور للغرب من جهة، والتمجيد الأعمى لتاريخ إيران وما فيها من جهة أخرى.

إن هذا التعدُّد والتنوع في عقد الندوات، ومناقشة العديد من المفاهيم والرؤى المطروحة بين مفكّري إيران المعاصرين، لهو خير شاهدٍ ودليل على أن العالم قائم على تعدُّدية الآراء والتمحيص فيها. إن هذا العصر يروي لنا رواية أيديولوجية تكسو مثقّفي إيران حلّة الانسجام والتقارب. أما على صعيد مواجهتهم الحداثة الغربية فهناك أيضاً مؤشّرات كثيرة تدعو إلى التفاؤل، وفيها الشيء الكثير من التحوُّل والتغيير. فلا يوجد اليوم مَنْ يبحث عن استنساخ الثقافة الغربية، ولا عن مقاطعتها بدافع الحقد والضغينة. لقد أبرم المثقّف الإيراني صلحه مع الحداثة؛ إذعاناً منه بالواقع وما تشهده فلسفتها وضروراتها من أبعاد شمولية، فراحت تترك بصمتها في كل أرجاء المعمورة([27]).

تسيِّر نظريات الحداثة في وقتنا الحاضر الاندفاعات المثالية لدى العديد من المثقّفين الإيرانيين. وهذا ما دعاهم إلى التفكير بمصداقية فصل الدين عن الدولة، وتصنيف مسألة الإيمان بالدين في عداد القضايا الفردية الخاصة بالإنسان، فأكَّدوا على ضرورة التعدُّدية السياسية. وفي الوقت الذي يشجبون فيه العالم الغربي؛ لما قام به من تعدّيات ونهب لمقدّرات الشعوب على عهد الاستعمار، نراهم في الوقت نفسه يعارضون الخطاب المناهض للحداثة. ولعلّه يمكن إيعاز هكذا ظاهرة إلى قضية واقعية، وهي أن العديد من المتعلِّمين الإيرانيين ينظرون إلى الغرب بوصفه جزءاً لا يتجزأ من هويتهم الوليدة، ولحمة من وعيهم المتصاعد. وما أبلغ قول المفكِّر الفلسطيني (هشام شرابي) في وصف هذه الحالة: «إنني أنظر اليوم إلى الغرب فأزعمه كثرةً في وحدة، وعبارة عن مقولة ذهنية أو ظاهرة تتقولب في كلّ حينٍ بقالب ما. فهو المسيحية وأوروبا الحديثة، والمجتمع الصناعي. وهو الإمبريالية، والتقنية، والعنف أيضاً. وفي كل مرة يكتسب هوية جديدة، دون أن يكون له محور واحد ثابت، أو وحدة حميمية وداخلية. أما من الوجهة الخارجية فهو ظاهرة متّحدة فقط في نظر المجتمعات غير الغربية ـ كالصين والهند والإسلام ـ ممَّنْ تعرّض إلى سطوة الغرب ومواجهته العنيفة([28]).

ولا شكّ أن مسألة تقديم صورة أحادية البعد عن الغرب لن تكون بالأمر السهل على كتّاب إيران ومثقّفيها. فهم يعرفون بأن الحداثة هي بمثابة ظاهرة ومقولة تاريخية حملت معها ثورات عظيمة استبدل خلالها «الإنسان» بـ «الفرد» أو «المواطن»، و«الوضع الطبيعي» بـ «العقد الاجتماعي».

ومع هذا فإن المجتمعات التي غلب طابع التقنية والصناعة على فهمها للحداثة ـ كإيران ـ تكاد تفتقد الأرضية الثقافية والاجتماعية اللازمة في خوض تلك الثورات. ولهذا ليس مستغرباً أن ترافق الإفادة من معطيات الحداثة المعنوية أو المادية خشية وريبة تكبِّل الأيدي، وشكوك تكبح الجماح. ففي الثقافة التي ترتكز على الميتافيزيقيا، ولا تزال تعشق أمجاد الماضي، سيكون من الصعب التخلُّص من مخاوف أن الحداثة ستترك فجوة في صميم الحياة حين تقتحم عرينها، وستمسّ باستقلالية الفرد وانتمائه حتّى تؤسّس عالماً لا مهرب فيه من تهميش الدين، والحياة الجوفاء على الماكينة والروتين. وحتى بالنسبة إلى أولئك الذين يستبعدون الحصول على نمطٍ آخر من الحداثة تبقى حتمية مجابهة الحداثة قائمة، ولو شكلياً. ويمكن تحليل هذه التوجُّهات في مسألة واقعية، وهي أن الإيرانيين ما فتئوا يستذكرون أساليب العنف، ورغبة الغرب في الهيمنة على الآخرين.

ومع هذا لا ينبغي ـ في رصد تعامل الإيرانيين المزدوج مع الحداثة ـ تجاهل القصور الموجود في الحداثة نفسها، وما لها من مردودات سلبية، والاكتفاء بتسليط الضوء على قصور رؤى المثقّفين. كما لا يمكن اختصار معالم الحداثة في بعض إفرازاتها، كالحرية والحقوق الفردية، فهناك أيضاً البيروقراطية والنفعية وإعمال العنف.

لقد منحت الحداثة للدولة القدرة على بسط هيمنتها على أبعد نقطة في حياة الإنسان، واختبرت أساليب جديدة في العنف، مستفيدة من مختلف الوسائل، كالتجسُّس واستراق السمع والمراقبة. فجعلت كلّ شيء في حياة المواطنين يسير تحت إشرافها، وامتلكت أحدث وسائل التعذيب والإبادة والحروب العالمية. وكلّ هذا يدل على تعطُّش الحداثة وبحثها عن تطبيق نوع من النظام الاجتماعي قائم على أساس العقاب والثواب. ولا بُدَّ أن نضيف على قائمة سلبيات الحداثة ظاهرة تلوّث البيئة والتضخُّم السكاني([29]). وبعبارة أخرى: علينا أن نذعن بأن الحداثة لم تقضِ على مظاهر العنف في حياة الإنسان، بل راحت تقدِّم لذلك أنماطاً جديدة، يبرِّر ظاهرها الوصول إلى الأهداف وتحقيقها. ووفقاً لمجريات الأحداث العالمية في القرن الأخير لا بُدَّ من الإقرار بأن ما أطلقته الحداثة من شعار في توفير الحلول والخطط الحتمية وحلحلة أزمات الإنسان ومعاناته كان أمراً في غاية السذاجة والخسران والمبالغة أيضاً. يقول أحد الباحثين: «لقد باتت بعض نظريات القرن التاسع عشر ـ كالجبر التاريخي والتقدّم الإنساني الامتدادي ـ كالمعابد المهجورة»([30]).  يُضاف إلى ذلك أنه وعلى الرغم من بلوغ شعاع الحداثة جميع الأرجاء إلاّ أن حجم تلألُئه يبقى رهيناً بالظروف الزمانية والمكانية. فقد أصاب (ماركس) حين اعتقد بأن مدّ السكك الحديد إلى الهند سيكون بمثابة جواز عبور الهنود إلى عصر الحداثة، لكنّ الأجل لم يمهله كثيراً لكي يرى بأمّ عينه أن الحداثة في الهند ـ كالعديد من بلدان العالم النامية ـ لم تتمكَّن من الإطاحة بالعادات والتقاليد المحلية، كما أنها لم تحقِّق هذه المرة ما حقَّقته من مكاسب في الغرب([31]). ولا بُدَّ هنا من الالتفات إلى قضيةٍ أخرى، وهي أنه رغم كون أوروبا هي مسقط رأس الحداثة فإنّها اليوم تعيش في كنف ورعاية الجميع حول العالم. ولهذا باتت تكتسب قالباً خاصاً في كلّ مجتمعٍ تدخله.

لا شكّ أنّه بإمكان المثقّفين الإيرانيين الإفادة من هذه النظرية عن طريق المشاركة في الحوار الدائر حالياً حول فهم الحداثة وقراءتها. وكما بات استكمال حياة الإيرانيين الفكرية يدعوهم إلى الترحيب بالوعي والمفاهيم الجديدة فإنّه ستتولد الثقة لدى المثقّف الإيراني بأن الهوية التعدُّدية المنبثقة عن تلك المفاهيم هي صمّام الأمان الثقافي في تأسيس واستقرار المؤسَّسات الديمقراطية داخل المجتمع؛ لأنّ هذه التعددية والتكاثر الاجتماعي هي بمثابة السدّ المنيع في وجه استبداد وغطرسة النظم الأخلاقية أو القيمية الأحادية، سواء كانت تقليدية كلاسيكية أو تجديدية حداثوية.

 

الهوامش

(*) أستاذٌ جامعي بارز، متخصِّصٌ في مجال علم السياسة والعلاقات الدولية. حائزٌ على شهادة الدكتوراه من الجامعة الأمريكية في واشنطن. له أعمال علميّة مهمة، ولا سيَّما في ما يتعلّق بالعلاقات بين المثقَّف الإيراني والغرب.

([1]) roderic H Davison, “westernized Education in ottoman Turkey”, Middle East Joupnal, Vol. 15(summer 1961) , p. 299.

([2]) يعرف (أنطوني غيدنز) «الحداثة» بأنّها «عبارة عن مجموعة من الظروف التاريخية المساعدة على خلق الاختلاف»، وهي تتأثر بالعوامل التالية: أـ نظرة الإنسان الخاصة تجاه العالم من حوله، أي الاقتناع بقابلية العالم للتغيير على يد البشر. ب ـ مجموعة معقدة ومتداخلة من المؤسّسات الاقتصادية، وخصوصاً الإنتاج الصناعي واقتصاد السوق. ج ـ المؤسسات السياسية الخاصة التي تبني الدولة القومية والديمقراطية:

Anthony Giddens and Christopher pierson, conversations with Anthony giddens: Making Sense of Modernity, Stanford, Calif. Stand Ford University Press, 1988, p. 94.

([3]) اعتمدنا في مقالنا على تعريف (بيرمان) للحداثة في كتابه القيِّم:

Marshall Berman. All Thatissolid Melts into Air, New York, penguim Books, 1988.

ويرى بيرمان أن الحداثة هي عبارة عن «دأب الرجل والمرأة العصريين ليكونا هدفاً وسبباً في خلق التجديد واحتلال ما يناسب من مواقع»(ص 5). ويضيف أيضاً: «إن حياة الحداثة هي عيش في أجواء تعد بالمغامرة والقوة والسعادة والتطور وتحول الإنسان والعالم معاً، كما أنها تهدد في الوقت نفسه بضياع المكتسبات الحالية والأفكار»(ص 25). ويعتقد بيرمان أن (العصرنة) جاءت نتيجة التحوّلات الاجتماعية المتسبّبة في بروز هذه الأجواء العاصفة(ص 16).

([4]) الغربنة والاغتراب هي طريقة التفكير والعمل على شاكلة التقاليد الغربية ـ ولا سيَّما الأوروبية منها ـ، واستبعاد التقاليد المحلية.

([5]) لم تكن ردّة الفعل هذه مختصّة بالإيرانيين وحدهم، فقد شهدت الإمبراطورية العثمانية على عهد الوالي عبد الحميد الثاني ـ قبل ثورة 1908 ـ «تصعيداً حكومياً في محاربة كلّ ما يعدّ تغلغلاً للفكر الغربي، حتّى أمرت السلطة بحذف مفردة «الفلسفة» من قواميس اللغة». راجع في ذلك:

Abdulhak Adnan Adiran, “Islamic and Western Thought in Turkey” Middle East Journal, Vol. 1(July 1974) , p. 275.

([6]) يمكن تلمس هذه الرؤية في كلام (ناصر الدين شاه) القاجاري(1896 ـ 1948) ـ الذي حكم إيران في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ـ، حين قال: «ليت الأوروبيين لم يدخلوا بلادي فيحملونا كل هذا الذل والمهانة، لكنْ بما أنهم اليوم متغلغلون في شؤون البلد لذا علينا أن نسعى في الاستفادة من تواجدهم بأكبر حجمٍ ممكن». نقلاً عن:

William S. Haas, Iran , New York, Ams press , 1961, p. 35.

([7]) Manyol Bayat, Mysticism and Dissent: Socioreligious Thoughtin Qajar Iran, Syracuse, N. Y. ,Syracuse University press. 1982, pp. 173 ـ 4.

([8]) مع أن بعض الباحثين والأدباء كانوا قد تعرضوا لنقد العرب والإسلام في الشعر ونصوص الأدب الساخر ـ أمثال: ذبيح بهروز(1890 ـ 1971) وصادق هدايت(1903 ـ 1951)، ومهدي إخوان ثالث(1928 ـ 1990) ـ إلا أن عمل أحمد كسروي وعلي دشتي كانت عبارة عن دراسات جادّة على طريق التحليل النقدي للإسلام.

([9]) راجع حول هذه المجموعة من المثقفين:

Edward Shils, “The Intellectuals and the powers: Some Per ـ Spctives for Comparative Analysis, “Comparative studies So ـ ciety and History, Vol. (1958 ـ 59) , pp. 5 ـ 22.

([10]) Edward Shils, “The Intellectuals in the political development of the New States”, Political Change in Undr developed Countries: Nationalism and communism,ed. ,Gohn Kaursky, New York, Gohn Wiley and Sons, 1963, p. 223.

([11]) المصدر السابق: 195.

([12]) يمكن أن نفكر هكذا، ونقول بأن عملية الغربنة والاغتراب أسهمت في ولادة طبقات اجتماعية جديدة ـ كطبقة عمال المدينة والطبقة المتوسطة ـ، وإنها أيضاً أحدثت تغييرات في الهيكل العام للأنظمة التعليمية والسياسية والاقتصادية والأدبية والأسرية في إيران ـ وغيرها من الدول ـ.

([13]) ينظر (آرنولد توين بي) إلى المثقفين بوصفهم «الطبقة الوسيطة» التي تفهم ألاعيب الحضارة الوافدة، وبإمكانهم عن طريق ذلك أن يكونوا عاملاً في قدرة المجتمع على العيش في أجواء تنقرض فيها التقاليد المحلية لتحلّ محلها تلك الطرق المفروضة من قبل الحضارة الغازية على مَنْ هم تحت سيطرتهم.

Apnold T. Toynbee, Astudy of History, Vol. 1, abridgeded, New York, Dell Publishing co. , 1917, p. 451.

([14]) هذه النقطة بالذات جديرة بالاهتمام، وهي أن المثقفين ذوي الميولات الغربية ـ في إيران والعديد من الدول شبه النامية ـ كانوا من أشدّ المدافعين عن التيارات القومية.

)[15]( Shills, “Intellectuals in Political Development”, p. 209.

([16]) مع ذلك ترك المفكِّرون الغربيون أثراً بالغاً على أفكار المفكّرين الإيرانيين. ومن أولئك المؤثرين نذكر: آغوست كونت(1798 ـ 1857)، دينـزديدرو(1713 ـ 1784)، ألكسندر دوما(1800 ـ 1970)، آنطول فرانسس(844 ـ 1944)، فيكتور هوغو(1802 ـ 1885)، جان دو لافونتن(1621 ـ 1695)، عمانوئيل كانط(1724 ـ 1804)، ألفونس دو لامارتن(1790 ـ 1869)، غوستاف لوبون(1841 ـ 1931)، فلادمير لينين(1870 ـ 1924)، جون لوك(1632 ـ 1704)، كارل ماركس(1818 ـ 1833)، مولر(1622 ـ 1673)، منتسكيو(1689 ـ 1755)، باسكال(1623 ـ 1662)، جون جاك راسو(1712 ـ 1778)، تولستوي(1828 ـ 1910)، فاميل زولا(1840 ـ 1892).

([17]) لقد هزّ انقلاب 28 مرداد كيان المثقّفين، لكنّه لم يقلِّل من شأنهم الاجتماعي. وكان (يانج) (T ـ culyer Young jr) ـ أستاذ اللغة الفارسية والتاريخ الإيراني في جامعة برينستون ـ معاصراً لتلك الأحداث، ومطلعاً على المجريات عن كثب، فقد عمل لسنوات مبعوثاً للكنيسة، ومن ثم ملحقاً سياسياً وثقافياً في السفارة الإيرانية الأمريكية في إيران. ولهذا كتب في المثقّفين الإيرانيين يقول: «من المتوقّع جداً أن يكون المثقف الإيراني أهم جهة داعمة لسياسات الدولة، ليس في الوقت الحاضر وحَسْب، بل في المستقبل أيضاً. فقد زاد من أهميتهم نشر الأساليب الحديثة في التربية والتعليم، ومساهمات المثقّفين في المجالات السياسية والاجتماعية. وعلى الرغم ممّا قيل في شخصية الإيرانيين العاطفية فإن الثقافة الإيرانية تنبض دائماً بشواخص الكلاسيكية الواعية. فلطالما كانت مسألة شحذ الأذهان وإعداد الفرد من هواجس الإيرانيين وهمّهم الشاغل. ففي الواقع لا يزال الجميع تضرب الأمثال بذكائهم الذاتي، وحبّ الاستطلاع، والمرونة والاستعداد في التنظير. إنّ للمثقّفين المختصّين جذوراً ممتدة في عمق السواد الأعظم من الشعب، وباتوا دعامةً لهم. فطبقة الأمّيين العظمى ـ غير الجاهلة ـ تفخر دائماً بزهو قادة الفكر وآثارهم الأدبية والفنية.

  1. cuyler Young Jr. ”the social support of current Iranian policy”, Middle East journal , 6, no. 2 (spring 1952), p. 129.

([18]) كان المثقفون الإيرانيون في هذه الحقبة يدينون بالفضل إلى كلٍّ من: تشي غورا(1928 ـ 1967)، هانري كوربن(1903 ـ 1978)، فرانتس فانون (1925 ـ 1961)، إريك فروم(1900 ـ 1980)، رينه غنون(1866 ـ 1951)، مارتن هيغر(1889 ـ 1976)، لنين هربت ماركوزه(1898 ـ 1979)، تيبور منده(1915 ـ 1984)، برتراند راسل(1871 ـ 1970)، جان بيل سارتر(1905 ـ 1980)، واسوالد اشبغز(1880 ـ 1936).

([19]) للتحقيق في هذا الموضوع، يراجع:

Meherzad Boroujerdi , Iranian Intellectuuals and the West: the Torrmented Triumph of Nativism, Syracuse, N. Y. , Syracuse University Press, 1996.

)[20]( Abdallah Laroui, the crisis of the Arab Intellectual: Traditionalism or Historicism, Berkeley, calif, University of cali ـ fornia Press, 1976, pp. 156 ـ 55.

([21]) راجع في نقود الألمان للحداثة:

Kevin Repp, Reformers, Critics, and the paths of German Mo ـ dernity: Anti ـ politics and the search for Alternatives, 1890 ـ 1914, cambrudge, ma, Harvard University press, 2000.

([22]) مخبر السلطنة هدايت، تحفه مخبري يا كار بي كاري، طهران، مطبعة المجلس، 1333.

([23]) علماً أن نظرة مخبر السلطنة هدايت للحداثة تختلف في بعدها عن نظرة مفكِّر كـ (راسو)؛ إذ كان الأخير يرى أيضاً بطلان طبيعة المجتمع المدني، ودعا الناس للتخلّص من وباء الحداثة. أما مخبر السلطنة فلم يرَ في الملكية الخصوصية دلالة على الطمع والظلم، ولم يؤمن ـ خلافاً لـ (راسو) ـ بالإدارة الجماعية والعقد الاجتماعي. ومن المفارقات أن انتقاد الاستنارة في الغرب يصدر دائماً من اليساريين، في حين لا يزال اليمينيون في إيران هم المعترضون على العقلانية العالمية في عصر الاستنارة والإنسان العلماني.

([24]) لم يكن مخبر السلطنة هو الوحيد من أبناء جيله الذي انتقد الغربنة في إيران. هناك كتّاب آخرون أيضاً كانوا يدعمون سياسات التجديد في الدولة، وينتقدون في الوقت ذاته الغربنة وتقليد أوروبا في المجتمع، أمثال: محمد علي فروغي(1876 ـ 1942)، قاسم غني(1893 ـ 1952)، السيد ولي الله نصر(1876 ـ 1946)، العلامة القزويني(1877 ـ 1949)، غلام رضا رشيد ياسمي(1896 ـ 1951)، السيد فخر الدين شادمان(1907 ـ 1967)، علي شايگان(1902 ـ 1981).

([25]) Anthony Giddens, Modernity and self ـ Identity: Self and society in the late Modern Age, Stanford,calif, Stanford Uni ـ Versity press ,1991, p. 16.

([26]) يذهب معظم الباحثين إلى أن كلاًّ من: الميرزا فتح علي آخوند زاده، والميرزا ملكم خان، والسيد حسن تقي زاده، كانوا من ضمن المجموعة الأولى من المثقَّفين. علماً أنّ تقي زاده ـ وعلى الرغم من بداياته مطلع القرن 1300هـ.ش في المطالبة بتقليد الغرب والانقياد له ـ سحب كلامه في مشارف العقد 1330هـ.ش، وتراجع عن رأيه السابق. (انظر: سيد حسن تقي زاده، خطابه هاى آقاي سيد حسن تقي زاده در أخذ تمدّن خارجي: 7، طهران، منشورات باشگاه مهرگان، 1339).

([27]) يمكن الاستعانة هنا باستدلال (آنطوني غيدنز) على التفكيك بين مفهوم المساحة (space) ومفهوم المكان (place) في الحداثة؛ إذ يرى أن ظهور الحداثة والترغيب في الاتصال مع الآخرين «الغائبين» لبعد المسافة فصل بين المساحة والمكان، أي المجال المادي للأحداث الاجتماعية. وحسب الحداثة فإن المكان يتحول إلى ظاهرة وهمية (phantas magoric)، بمعنى تأثير القوى الاجتماعية النائية على شكل وماهية المساحات المحدّدة بشكل ملحوظ. وعليه لن يكون هيكل المساحة المعنية متأثّراً فقط بعوامله الداخلية، وإنّ ظاهر هذا الهيكل العام يخفي خلفه تأثير العوامل النائية، ودورها في تحديد ماهيته وطبيعته الواقعية.

Anthony Giddens, the consequences of modernity, Stanford. Calif, Stanford University press,1990, pp. 18 ـ 19.

([28]) Hisham sharabi, “modernity and Islamic Revival: the critical task of Arab Intellectuals”, contention: Debates in society, culture, and science, 2, No. 1 (Fall 1992), p. 129.

([29]) راجع في دراسة نماذج العنف والوحشية:

Anthony Giddens,the Nation ـ state and Violence ,Berkeley, calif, University of California press, 1985, and Jon Keane, Reflections on Violence, London, Verso, 1996.

([30]) O ـ Azizal ـ Azmeh,Islam and Modernities, London , Verso, 1993, p. 20.

([31]) يرى تشادهوري (Nivad chaudhuri)، المفكِّر الهندي، «أن الغرب منحنا الفردية، وأخذ منا المواطنة».