أصول المجاز في القرآن الكريم

15 مارس 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
488 زيارة

أصول المجاز في القرآن الكريم

د. مهرناز گلي(*)

مقدّمة ــــــ

إن القرآن الكريم آخر كتاب سماوي ووحي إلهي نزل على خاتم النبيّين‘، وهو يشتمل على جميع قواعد الفصاحة والبلاغة، ومحسِّنات الكلام، بحيث لا مثيل له في نوعه، ولم يقم أحدٌ أمام تحدّي القرآن إلى يومنا هذا.

لفهم مكانة المجاز واستعماله في القرآن تأثيرٌ عميق في فهم الآيات، وتفسيرها الجمالي. ومن حسن الحظّ أنه قد كانت خطواتٌ جبّارة في هذا المجال([1]).

حيث إن للمجاز في القرآن، فضلاً عن جانبه الجمالي والإعجاز، التأثير العميق في معاني الآيات والتفسير الجمالي للقرآن فنحن في هذا المقال نركِّز على بيان هذا الجانب الأدبي في الوحي الإلهي.

يمكن أن نقول في بيان تاريخ البلاغة: إنها أحد أهمّ شعب الأدب، ولها ماضٍ طويل عند العرب والفرس.

اهتمّ العرب في الجاهلية بالخطابة والفصاحة اهتماماً بالغاً، لذلك يوجد في الشعر الجاهلي مختلف أنواع المجاز والكناية والتشبيه والاستعارة. ولأجل ما كان عليه العرب من المهارة في فصيح الكلام وبليغه تحدّاهم الرسول‘ بعد نزول آيات من القرآن([2]).

والجدير بالذكر أن البلاغة اليونانية أثّرت تأثيراً كبيراً في البلاغة العربية. وأرسطو كان من متقدّمي هذا العلم، حيث كان لكتابَيْه: فنّ الخطابة؛ وفنّ الشعر، المعرَّب من السريانية، كبير التأثير في تدوين علم البلاغة.

أما تعريفه للمجاز في كتابه فنّ الشعر فهو: المجاز عبارةٌ عن نقل اسم شيءٍ لشيءٍ. وهذا النقل إمّا من الجنس إلى النوع، أو من النوع إلى الجنس، أو من النوع إلى النوع؛ لمناسبةٍ أو مشابهة([3]).

وكان للفرس أيضاً خطوات في تدوين علوم البلاغة، من التدوين والترتيب والتبويب وتأليف الكتب، وكانوا من المتقدِّمين في هذا العلم.

أول مَنْ استعمل هذه العلوم في آثاره شعراء الفرس وكتّابهم، ومنهم: بشّار بن بُرْد التُخارستاني، وأبو نوّاس الأهوازي، وفي النثر ابن المقفّع، وهو بإبداعه في الكتابة يعدّ أحد المبدعين في النثر([4]).

أوّل مَنْ استعمل المجاز من المسلمين هو أبو عبيد معمر بن مثنى، في كتابه مجاز القرآن([5]). ولكنّ أوّل مَنْ ألّف في المجاز الشريف الرضيّ، وكتابه تلخيص البيان في مجازات القرآن، وقد تكلّم فيه عن مجازات القرآن على ترتيب السور، وفي كتابه المجازات النبوية تكلّم عن المجاز والكناية والاستعارة في 360 من أحاديث الرسول([6]).

وكما تقدّم فإن الله تعالى استعمل المجاز في كتابه، الذي احتوى على أفصح لغات العرب. ولكنْ ما هي الأصول والمباني في هذا الاستعمال؟

بإمكاننا أن نقول: من جملة هذه المباني المؤثِّرة في استعمال المجاز شمولُ المعنى، إبداعُ الجمال، والتناسبُ بين القرآن والثقافة الاجتماعية.

معنى المجاز ــــــ

1ـ اللغة ــــــ

مجاز من (ج ـ و ـ ز)، على وزن مفعل، من جاز يجوز؛ إما مصدر ميمي، بمعنى العبور من مكانٍ؛ وإما اسم مكان، بمعنى محل العبور([7]).

والمجاز في الرأي المشهور استعمال اللفظ؛ لقرينةٍ، في غير المعنى الموضوع له؛ لعلاقةٍ بينه وبين المعنى الموضوع له([8]).

2ـ في الاستعمال القرآني ــــــ

استعمل المجاز في القرآن الكريم في معنيين:

أـ بمعنى التفسير ومدلول الآية. حيث استعمل إلى القرن الثاني. وأوّل مَنْ استعمل هذا المعنى أبو عبيد معمر بن المثنى، في كتابه مجاز القرآن([9]).

ب ـ استعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي. وأوّل مَنْ استعمله في هذا المعنى الجاحظ([10])، مع أن الشريف الرضي أوّل مَنْ تكلّم فيه مستقلاًّ، وعلى ترتيب القرآن([11]).

تقسم أقوال العلماء حول المجاز في القرآن إلى خمسة أقسام:

1ـ الجواز مطلقاً. قال به جمهور العلماء([12]).

2ـ عدم الجواز مطلقاً. اختاره بعض العلماء([13]).

3ـ عدم الجواز في القرآن. اختاره جماعةٌ([14]).

4ـ عدم الجواز في القرآن والسنّة. اختاره ابن داوود الظاهري([15]).

5ـ لا مجاز في الأحكام الشرعية، وفي غيرها لا يمنع. قال به ابن حزم الأنصاري([16]).

أقسام المجاز ــــــ

للمجاز عند علماء البيان أقسام، وهي:

المجاز المرسل: المجاز الذي تكون العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي غير المشابهة والقرينة الصارفة([17]).

الاستعارة: استعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي؛ لعلاقة المشابهة مع القرينة الصارفة([18]).

الكناية: استعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي لعلاقةٍ وقرينةٍ صارفة، مع جواز إرادة المعنى الحقيقي([19]).

مجاز الحذف ومجاز الاستعارة: وهذا الحذف إما في الاسم، بحيث يختلف إعراب اللفظ بحذفه؛ وإما في الفعل؛ وإما في الجملة.

المجاز اللغوي: وهذا المجاز في الكلمة وحكمها، يعني استعمال اللفظ في غير المعنى الموضوع له، أو نقل الكلمة من حكمها إلى حكمٍ آخر([20]).

مباني استعمال المجاز في القرآن ــــــ

لماذا جعل الله المجاز في القرآن، ولم يجعل القرآن الكريم حقيقةً بأجمعه؟

وفي ما يلي تفصيل الكلام في ذلك:

1ـ استعمال لغة العرب ــــــ

اللغة هي ما يعبِّر الإنسان به عمّا في ضميره([21])، وهي نظام منضبط يميّز بين الصحيح وغيره، ويجعل لكلّ جملةٍ أو كلمة من المعاني ما يناسبها([22]).

أكّد القرآن الكريم على أن اللغة واللسان من أهمّ أسباب العلاقة بين الناس والرُّسُل([23]). وقد جعل الأنبياء في خطابهم لأقوامهم المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية؛ ليسهل لهم التواصل وإبلاغ الرسالة([24])؛ لأن المجاز؛ بسبب ما يوجده في أذهان المخاطبين، يكون الأبلغ في بيان الكلام. يقول ابن رشيق في وصف المجاز: العرب كثيراً ما تستعمل المجاز، وتعدّه من مفاخر كلامها؛ فإنه دليل الفصاحة، ورأس البلاغة، وبه بانت لغتها عن سائر اللغات([25]).

هنا ينزل القرآن الكريم، ويتكلّم عمّا وقع في عصر النزول. ويشتمل القرآن على لغاتٍ وإيماء وتشبيه ومجازات شائعة في ثقافة العرب وكلامهم، ويبدع بهذا الكلام إبداعاً غريباً. وهذا وجهٌ من إعجاز كتاب الله الكريم.

2ـ اتّساع المعنى ــــــ

هو نوعٌ من العلاقة بين ما يحمل عليها. وفي هذه الحال معنى محمول يشمل معنى محمول آخر. مثلاً: الغنم يشمل الضأن والنعج والمعز، فيكون الغنم اللفظ الشامل، والضعن والمعز والنعج كلّ واحد يشمل الآخر([26]). ويكون الاتّساع في اللفظ، وفي الجملة([27]).

3ـ علاقة المعنى في مستوى اللفظ ــــــ

وهي علاقة بين الألفاظ المحمولة، بحيث يكون اللفظ واحداً والمعاني متعددة (hyponomy)([28])، نحو: ما ورد في القرآن الكريم حول لفظ (جزاء)([29])، ولفظ (صفح)([30])، بحيث يكون لفظ (جزاء) لفظاً شاملاً، يشتمل على معنى الثواب والعقاب، ولفظ (صفح) يشتمل على العفو والمغفرة.

4ـ علاقة المعنى في مستوى الجملة ــــــ

في هذه العلاقة تكون الجملة ذات شمول، أي تكون للجملة معانٍ غير المعنى الظاهري([31])، نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 277). في هذه الآية تشتمل جملة (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) على (وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ)، حيث إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من الأعمال الصالحة([32]).

5ـ الجانب الجمالي والجاذبيّة في القرآن ــــــ

الجمال والإبداع ممّا يهتدي إليه الإنسان فطرةً؛ ورغبة من الإنسان ببليغ من الكلام يهدي الفطرة إليه. وأحسن أسلوب إلى إبلاغ الخطاب استعمال أحسن الأساليب وأجملها عند المخاطب([33]).

6ـ المجاز وتحسين الكلام ــــــ

مَنْ تعرّف على لغة العرب وأدبها يعرف لا محالة أن القرآن الكريم مليءٌ بالفصاحة والبلاغة والجمال.

جميع مَنْ يعتقد من الخطباء والأدباء بالقرآن يعترفون أن الكلمات والجمل الواردة في القرآن في منتهي الإحكام والإعجاز.

الخصائص والميزات، مثل: الإيجاز، والإطناب المناسب، والجناس، والطباق، والتشبيه، والكناية، والمجاز، والاستعارات، الموجودة في القرآن هي في أعلى مراتبها([34]).

يرى علماء القرآن أن للمجاز علاقة وثيقة بالجمال. مثلاً: يعتقد البعض أنه لو سلب المجاز من القرآن يسلب منه نصف جماله([35]).

يكون للكلام في جانبه الجمالي ثلاث مراحل: الجمال الصوري؛ الجمال المعنائي؛ والجمال السياقي. وهذه المراحل الثلاثة توجد في القرآن الكريم، حيث القرآن في منتهى الفصاحة والبلاغة.

مثلاً: في جانب الجمال الصوري: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (الأعراف: 85).

وفي جانب الجمال المعنائي: كلّ ما يصدر عن عليمٍٍ فصيح، له قوّة أدبية رفيعة، يكون في مستوى جمالي عالٍ. وما يزيد المجاز جمالاً هو تقدّم المجاز في البيان على الظاهر بخطوةٍ، ويسوق المخاطب إلى معنىً أدقّ وأعمق من المعنى الظاهري، نحو: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (الأحزاب: 32).

السبب في جمال السياق أساليب كشف المعنى، وسوق الذهن لدرك المعنى؛ لأن الذهن كي يصل إلى المعنى الحقيقي لا بُدَّ أن يبحث عن القرائن، وأن يرتِّبها ليبلغ إلى المعنى الحقيقي. لذلك يعتقد الأدباء أن المجاز أبلغ من الحقيقة.

يقول ابن رشيق: العرب كثيراً ما تستعمل المجاز، وتعدّه من مفاخر كلامها؛ فإنّه دليل الفصاحة ورأس البلاغة، وبها بانت لغتها عن سائر اللغات([36]). مثلاً: ورد في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (الأعراف: 51). هنا يبحث الذهن أنه ما معنى نسيان الله؛ إذ معلومٌ أن النسيان من الخصائص الإنسانية، ومن النقص، ولله الكمال، ولا ينسب إليه النقص. لذلك يقول أبو عبيد: مجازه: نؤخّرهم ونتركهم([37])، يعني نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا.

ممّا سبق فهمنا أن في المجاز شوقٌ ورغبة مضاعفة للبحث وطلب الفهم، وهذا ما يجعل المعنى أجمل، ويزيد الكلام تأثيراً.

7ـ المجاز وفهم القرآن ــــــ

في أساس اللغة وخواصّها رأيان:

1ـ ظاهر الكلام، بحيث لا يجوز العدول إلى غيره([38]).

2ـ باطن الكلام، ووجود التأويل فيه، بحيث يكون ظاهر الكلام صورة عن حقيقة يمكن العدول إليها([39]). لكن السؤال هنا: هل يمكن أن نتجاوز ظاهر القرآن، ونتوسّل المجاز؛ للوصول إلى الحقيقة، أم لا؟

من المعلوم أن المعيار في بيانات القرآن وتأويلها عن المعنى الظاهري إلى غيره وجود القرينة؛ لأن القرينة هي التي تدلّ على جواز عدم الأخذ بالظاهر. مثلاً: في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾.

وممّا يسهِّل فهم المجاز في القرآن الاستفادة من القرائن العقلية. مثلاً: ما يراه المفسِّر حول ذات الله والإنسان والدنيا والآخرة يعينه على معرفة المصاديق الحقيقية والمجازية في الآيات.

بعض العلماء، ومع أنهم لا يقولون بجواز التأويل في بيان القرآن، يرَوْن أن القرآن هو المنبع الأساس في بيان أمور الإنسان الهامّة([40])، ويرَوْن أن لغته لغة كناية، حيث إن القرآن يتحدّث عن قصة آدم، وقصة حياته في الجنة، وغواية الشيطان والطمع والحسد والتوبة، حديثاً كنائياً، لا من حيث إن آدم ليس في الحقيقة شخصاً، وبعبارةٍ أخرى: لا يمكن مع وجود وصف عصمة الأنبياء أن نتّهمهم بمثل هذه الخصائص، لذلك لا سبيل إلى فهم الآيات غير سبيل المجاز([41]).

أصول استعمال المجاز ــــــ

لو درسنا المجاز لوجدنا أن مبرّرات عدّة تسبّبت باستعمال المجاز في القرآن الكريم. ونشير هنا إلى بعضها:

1ـ اختلاف مستوى البيان في القرآن ــــــ

من خصائص البيان القرآني أنه ذو مراتب مختلفة، يفوق فهم العامة، بحيث يوصف بظهر القرآن وبطنه. ظهر القرآن هو المعنى الظاهري، الذي يُرى في أول نظرة؛ وبطن القرآن هو معنى وراء المعنى الظاهري، أو معانٍ متعدِّدة وراء هذا المعنى([42]). وعلى هذا يكون بيان القرآن بياناً حيّاً؛ لأنه يناسب كلّ ما يلائم الواقع ويوافقه([43]).

إذن ليس مستوى بيان القرآن مستوى واحداً، حتى يفهمه كلّ الناس فهماً واحداً، بل للقرآن خطاب وبيان لعامة الناس، وبيان لخاصتهم، ويحتاج العامّة في فهم الثاني إلى تبيين وإيضاح. وكلمات القرآن أيضاً بين وضوح وإبهام. كما أن وضوح الآيات وإبهامها ليس في مستوىً واحد، بل الآيات في ظهورها ذات مراتب.

وهذه الآيات تدلّ على اختلاف المستوى في بيان القرآن: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السماء مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ والبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد: 17).

﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاَللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور: 35).

يقول الإمام الخميني: مَنْ أراد التعليم والتربية والإنذار والتبشير لا بُدَّ له أن يستعمل البيانات المتعدِّدة، مثل: القصص والحكايات والتاريخ والنقل والكناية والرموز؛ حتّى يجذب إليه النفوس المختلفة. والقرآن الكريم من حيث إنه لسعادة جميع طبقات البشر والإنسانية، والبشر مختلفون في مستواهم، ولا يمكن خطابهم خطاباً واحداً، لذلك استعمل القرآن في بيانه مختلف الفنون والطرق لدعوة البشرية([44]).

2ـ تناسب القرآن مع الثقافة الاجتماعية ــــــ

يحتاج البشر إلى أسوة تجعلهم في تناسب مع ثقافات المجتمع؛ لصلات اجتماعية تجمع بينهم، صحّت الثقافة أم لم تصحّ.

بعض الثقافات لا تطابق العقل والفطرة السليمة، ولكنّها؛ لممارستها في المجتمع، صارت عادية، وأصبحت ثقافة عالية. يقول الشهيد مطهَّري: كثير من الناس اعتقدوا ما اعتقده المجتمع([45]).

تداول التوافق مع الثقافة في المجتمع، ولكنّ القرآن مع مجموعةٍ ضخمة من العلوم أثَّر تأثيراً عميقاً في مجتمعات الجاهليّة، وأحدث ثورةً فيها، وأخرج الناس من أباطيل الجاهلية إلى ثقافة متعالية([46]).

والجدير بالذكر أن القرآن كان في تعاملٍ مع الثقافات التي كان أصلها في الأمم السابقة، ولم يظهر أيّ تعارض معها([47]).

لغة القوم مادّته الصانعة لثقافته. وطوال التاريخ كلّ مَنْ أراد أن يبدي رأيه توسّل أسباباً، ولم يكن يصل إلى ما يهدفه بدون التخاطب العامّ من المجاز والكناية والتشبيه([48]).

والقرآن الكريم أيضاً لغته لغة الهداية والفلاح. وبصدد سعادة البشرية أجمعين استعمل المجاز والكناية والتشبيه والاستعارة؛ لبيان مفاهيمه العالية([49]).

3ـ تعدُّد المعاني ــــــ

المجاز هو الذي يجعل الكلام ومجراه في معانٍ مختلفة، ويهدي إلى جمال في البيان. ذكر المتقدِّمون والمتأخِّرون في هذا المجال معاني متعدّدة يحتاج بيانها إلى تفصيل مستقلّ، لا يَسَعُه هذا المقام، بل نختصر على أمثلةٍ، منها:

1ـ لفظ السلطان في سورة الرحمن بمعنى القوّة والسلطة. والمجاز من حيث تعدُّد المعنى يشمل القوة العلمية أيضاً. وما ورد في القرآن: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ إن لفظ السلطان؛ بسبب اقترانه بلفظ أقطار السماوات، يفيد معنى العلم([50]).

2ـ لفظ الخمر في سورة يوسف بمعنى المسكر، ثم يشتمل على العنب والتمر وكل مسكر؛ بسبب المجاز وتعدّد المعنى. لذلك في ما ورد في القرآن: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لفظ الخمر؛ بسبب اقترانه بلفظ أعصر، صار متعدِّد المعنى.

4ـ الاقتران المعنائي في المجاز ــــــ

الألفاظ المتفاوتة يقترن كلّ واحد منها مع الآخر بسبب الاقتران المعنائي، بحيث يأخذ كلّ واحدٍ معنى الآخر، وينتقل معناه تماماً إلى الآخر، ويمكن أن يجد المَثَل الأعلى لهذا النوع في المجاز([51]). مثلاً: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾؛ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾؛ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.

في الآية الأولى الشاهد أعمى، بحيث لم يبين أيّ قاموس أنّه بمعنى الذي لا بصيرة له. وفي الثانية لم يرِدْ في القاموس أن لفظ جاء بمعنى الوقوع. وفي الثالثة ما ورد في قاموسٍ ما أن العرش بمعنى العالم وتدبيره.

وفي هذه الأمثلة فهم المعنى المجازي موقوف عل التركيب البياني في اقتران المعاني، والظاهر أن المعنى يمكن تغييره باقتران لفظٍ آخر.

النتيجة ــــــ

ممّا سبق تبين أن القرآن الكريم استعمل المجاز في كثير من آياته على أساس اتّساع المعنى والجمال البياني والتناسب الثقافي، على أن يجعل ذهن المخاطب في حالة البحث، مع جمال في بيانه، واتّساع في معاني الكلمات، وتعدُّد في المعاني.

القرآن الكريم من حيث إنه أفصح لغات العرب استعمل ما استعمله العرب في كلامهم من المجاز والكناية، وجعل هذه القواعد على أتمّ وجه، وأكمل صورة؛ ليتدبَّر الناس في هذا الكلام، وعظمة صاحب هذا الكلام.

الهوامش

(*) أستاذةٌ في جامعة سيستان وبلوشستان ـ قسم علوم القرآن.

([1]) الشريف الرضي، تلخيص البيان في مجازات القرآن: ۲، أبو عبيدة، مجاز القرآن: ۱۳۷.

([2]) علوي مقدم، در قلمرو بلاغت: 14.

([3]) أرسطو، فنّ شعر: ۹۰.

([4]) ضيف، تاريخ تطوّر علوم بلاغت: ۳۳.

([5]) علوي مقدم، در قلمرو بلاغت: 629.

([6]) ضيف، تاريخ تطوّر علوم بلاغت: 184.

([7]) شيرازي، آيين بلاغت: 275.

([8]) انظر: التفتازاني، شرح المختصر: 57 ـ ۹۸.

([9]) أبو عبيد، مجاز القرآن ۱: ۱۹ ـ ۱۸.

([10]) انظر: الصغير، مجاز القرآن: خصائصه الفنّية وبلاغته العربية: 150.

([11]) الشريف الرضي، تلخيص البيان في مجازات القرآن: ۲۰.

([12]) البصري، المعتمد: 24؛ انظر: الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام 4: 14؛ 1: 51 ـ 60؛ الشوكاني، إرشاد الفحول: ۲۲؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن ۲: ۸۲؛ انظر: البحراني، البرهان في تفسير القرآن ۱: 4 ـ 24.

([13]) انظر: ابن عماد الحنبلي، شذرات الذهب ۳: 88 ـ ۳۰۹؛ ابن تيمية، الإيمان: 85.

([14]) انظر: ابن عماد الحنبلي، شذرات الذهب ۲: 158؛ العسقلاني، لسان الميزان 5: 291؛ برهان الدين ابن فرحون، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب ۲: ۲۲۹؛ وانظر: أبو الحسين محمد، طبقات الحلايل ۲: ۱۷۹، ۲۷۱؛ ابن عماد الحنبلي، شذرات الذهب ۳: 166.

([15]) الزركشي، البرهان في علوم القرآن 3: 155.

([16]) ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام 4: 531.

([17]) همايي، فنون بلاغت وصناعات أدبي: 250.

([18]) المصدر نفسه.

([19]) الأنصاري، تفسير أدبي وعرفاني قرآن مجيد: ۱۳۸.

([20]) الحلبي، الجوهر النضيد: ۲۱۳ ـ ۲۰۰.

([21]) هادوي تهراني، مباني كلامي اجتهاد: ۱۳۷.

([22]) خرمشاهي، الدراسات القرآنية: سبعون مناقشة: 254.

([23]) سورة إبراهيم: 41.

([24]) انظر: إيازي، شمول معنايي: مجموعه مقالات بزرگداشت ميرزا علي فلسفي: ۸۳.

([25]) ابن رشيق، العمدة في الشعر وآدابه ونقده 1: 165.

([26]) انظر: صفوي، در آمدي بر معنا شناسي: 99، 100.

([27]) لساني فشاركي، وأكبري راد، كاربرد معنا شناسي در قرآن كريم، حيفه مبين، العدد 39، شتاء وربيع 85 ـ 86هـ.ش.

([28]) صفوي، در آمدي بر معنا شناسي: 99، 100.

([29]) البقرة: 85، المائدة: 85، ۳۸، ۳۳، ۲۹، التوبة: 95، ۸۲، 26، يونس: 27، يوسف: 25، الإسراء: 63، الكهف: 88.

([30]) المائدة: 13، البقرة: 109، الزخرف: 5.

([31]) صفوي، در آمدي بر معنا شناسي: 163.

([32]) مختصر تفسير القرطبي ۱: 316؛ الفخر الرازي، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) ۳: ۸۱، ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ۱: ۳۰۲؛ رشيد رضا، المنار ۳: ۱۰۱.

([33]) السيوطي، الإتقان في علوم القرآن ۲: ۱۲۱.

([34]) سعيدي روشن، معجزه شناسي: 146 ـ 170.

([35]) الزركشي، البرهان في علوم القرآن ۲: 255؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن ۲: ۱۲۱.

([36]) انظر: ابن رشيق، العمدة في الشعر وآدابه ونقده 1: 162.

([37]) معمر بن مثنى، مجاز القرآن 1: 215.

([38]) انظر: ابن تيمية، الإيمان: 85؛ الفخر الرازي، التفسير الكبير 1: 346.

([39]) البغدادي، الفَرْق بين الفِرَق: 266؛ الشاطبي، الموافقات في أصول الأحكام 1: 86.

([40]) مطهّري، آشنايي با قرآن 1 ـ 2: 10.

([41]) مطهّري، مجموعه آثار 1: 515.

([42]) الطباطبائي، قرآن در إسلام: 22.

([43]) موسى الحسيني، گرايش علمي در تفاسير معاصر، مجله پژوهشهاي قرآني، العدد 7 ـ 8: 7، خريف وشتاء 1375هـ.ش.

([44]) الخميني، آداب الصلاة: 187.

([45]) مطهري، آشنايي با قرآن: 56.

([46]) مطهري، مقدّمه إي بر جهان بيني إسلامي: 349.

([47]) انظر: مبلغي آبادي، تاريخ أديان ومذاهب جهان: 847؛ لوبون، تمدّن در إسلام وعرب: 464؛ خرمشاهي، الدراسات القرآنية: سبعون مناقشة: 555.

([48]) إيازي، قرآن وفرهنگ زمانه: 83.

([49]) الأردبيلي، مقاله إي مشكل ما در فهم قرآن، نامه مفيد، العدد 8: 11.

([50]) إيازي، شمول معنايي: مجموعه مقالات بزرگداشت ميرزا علي فلسفي: 642.

([51]) صفوي، در آمدي بر معنا شناسي: 247.