أولويّاتٌ في التبليغ الديني المعاصر

5 أغسطس 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
72 زيارة

أولويّاتٌ في التبليغ الديني المعاصر

حيدر حبّ الله([1]

تحرير وتنظيم: الشيخ سعيد نورا

تمهيد

ربّما ينصرف الذهن من العنوان الذي تمّ اختياره هنا إلى معالجة القضايا الفكريّة المعاصرة، لكنّ هذا ليس هو المقصود، بل سأتكلّم بعضَ الشيء عن همومٍ ميدانيّة أكثر من بحوثٍ فكريّة أو نظريّة، وسأحاول أن أجعل مدخل البحث ومساره في ضوء رواية أوردها الشيخ الكليني (328 أو 329هـ) في الكافي، دون أن أقصد الإستدلال بهذه الرواية، بل أهدف لجعلها بمثابة إضاءةٍ لمفاهيم دينيّة وعقليّة وعقلائيّة وميدانيّة ومنطقيّة.

هذه الرواية هي صحيحة الحلبي([2]) عن أبي عبد الله× قال: «قال أمير المؤمنين×:‏ ألا أُخبركم بالفقيه حقّ الفقيه‏، من لم يُقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمّنهم من عذاب الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبةً عنه إلى غيره، ألا لا خيرَ في علمٍ ليس فيه تفهّمٌ، ألا لا خير في قراءةٍ ليس فيها تدبّرٌ، ألا لا خير في عبادةٍ ليس فيها تفكّرٌ»، وفي رواية أخرى: «ألا لا خير في علمٍ ليس فيه تفهّم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادة لا فقه فيها، ألا لا خير في نُسك لا ورع فيه«.

تشير هذه الرواية في مطلعها إلى علاقة الفقيه بالناس ليحدِّد وظيفته تجاههم، عبر ثلاثة أمور:

1 ـ لا يقنطهم من رحمة الله.

2 ـ لا يؤمّنهم من عذاب الله.

3 ـ لا يرخّص لهم في معاصي الله.

وسوف أتناول في ضوء هذه الرواية، أربعةَ موضوعات، هي:

المقدّمة: جوانب أساسيّة من هويّة التبليغ الديني.

المحور الأوّل: التبليغ ومشكلة القنوط من رحمة الله.

المحور الثاني: التبليغ الديني والأمن من مكر الله.

المحور الثالث: المرجعيّة القرآنيّة في الخطاب الدعوي الديني.

أوّلاً: جوانب أساسيّة من هويّة التبليغ الديني

تتحدّث هذه الرواية عن الفقيه من زاوية علاقته بالناس في سياق ربطهم بالقيم الدينيّة، وهذا ما يسمح لنا بأن نستفيد منها توضيحاً لوظائف مبلِّغ الدين، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).

إنَّ التبليغ ليس مسألة فكريّة محضة أو قناةً لنقل المعلومات إلى الناس، بل هو أكثر بكثير من ذلك وأبعد، إذ هو في حقيقة أمره وفي مفهومه الديني، منهجٌ للتغيير والإصلاح الاجتماعي، فالمبلِّغ هو الذي يذهب إلى مجتمعٍ ليقومَ بعمليّة تغيير اجتماعي فيه، لا ليقومَ بعمليّة نقل الأفكار فقط، ولهذا عبّرت الآية الكريمة بكلمة «ليُنذروا» ولم تعبّر بمثل كلمة «ليُعَلِّموا»؛ لأنّ الإنذار يحمل خاصية التأثير النفسي لا مجرّد خاصية التعليم، ولهذا كان من وظائف الأنبياء في النصّ القرآن كلٌّ من التعليم والتزكية.

إنَّ الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وتبليغ دينه، ليست عمليّة معلوماتيّة بقدر ما هي عمليّة تغييريّة، تكون المعلومات فيها مجرّدَ مقدّمة لفعل التغيير في النفوس والمجتمع، فلا يكفي أن تكون عالماً لقيامة التبليغ الناجح في المجتمع، فقد تكون عالماً ولكنّك فاشلٌ من الناحيّة التبليغيّة، وقد لا تكون عالماً ولكنّك ناجحٌ من تلك الناحية، فلا يوجد تلازمٌ بين المفهومين بالضرورة. فالتبليغ يحتاج إلى قدر من العلم، لكنّ روحه وجوهره ليسا المعرفة وحدها.

يتعامل الكثير منّا مع التبليغ على أنّه مجرّد قناةٍ لنقل المعلومات، ومن ثمّ فالمهمّ أن ألقي معلوماتٍ دينيّة كثيرة للناس، وينتهي المطلوب، بينما المهمّ هو غرس وإحياء القِيم الموجودة في هذه المعلومات إحياءً حقيقيّاً، ليكون باعثاً على إيجاد حراكٍ في النفوس، وإلا فهذا التبليغ سوف يكون فاشلاً.

الدين قضيّة روحيّة تتعلّق بأرواح الناس، قبل أن تتعلّق بأبدانهم، فكلّ مشروعٍ دَعوي إلى الله سبحانه وتعالى لا يكتفي بإيصال المعلومات، بل الأهمّ من ذلك إحياء القلوب؛ ولذلك قد نجد شخصاً عالماً في أعلى مستوياته لكنَّه غير قادر على التأثير في أقرب المحيطين به، وفي المقابل نجد شخصاً أقلّ علماً، لكنَّه شديد التأثير في الآخرين؛ لأنّ التأثير وعدمه لا يقومان فقط على حجم المعلومات الموجودة في الذهن، بل أيضاً على طريقتك في إيصال هذه المعلومات لجعلها تَنبعث في القلوب لتغيّر الفرد والأسرة والمجتمع.

على خطٍّ آخر، للتبليغ أهدافٌ معيّنة، ومن ثمّ يمكن اختباره لمعرفة مدى نجاحه وفشله من خلال دراسة النتائج التي يقدّمها، فإذا استطاع أن يؤثّر في المجتمع، فهذا جيّد، وإذا أخفق من جميع النواحي أو ارتدَّ عكساً على ما هو المطلوب منه فهذا معناه أنّه فاشلٌ.

إنَّ المحاسبة (الاختبار) من المفاهيم التي أكّدت النصوص الدينيّة عليها كثيراً، لكنّها ـ للأسف الشديد ـ مفهومٌ غابَ عن حياتنا الفرديّة والعلميّة والاجتماعيّة وكذلك الدينيّة، فالإنسان عبرَ محاسبة نفسه أو فئته أو مجتمعه، يستطيع أن ينمو أكثر فأكثر؛ لأنّه سوف يتعرّف من خلال المحاسبة هذه على نقاط قوّته وضعفه معاً، فيستطيع أن يرسم خطّة أكثر نجاحاً للوصول إلى غاياته المنشودة، وهذا الشعور ـ أي شعور التقدّم والوصول إلى الأهداف ـ يدفعه بنفسه إلى الأمام، فعلينا أن نقومَ باختبار ذواتنا ومجتمعاتنا اختباراً دائميّاً.

من هنا، على المبلِّغ أن يرسم أهدافه، ثمّ يضع خططاً عمليّة للوصول إليها، والأهمّ من ذلك أنّ عليه أن يختبر عمله يوميّاً وشهريّاً وسنويّاً، ليعرف مدى نجاحه، وما هي الأغراض التي تحقّقت؟ فيستطيع ـ من ثمّ ـ أن يتقدّم أو أن يغيّر من الخطّة تِبعاً لتغيير نسبة تحقيق الأغراض التي وضعها لهذا المشروع.

بعد أن علمنا شيئاً عن هويّة العمل التبليغ، نرجع مرةً أخرى إلى الحديث الذي ذكرناه في مطلع بحثنا، لنرى ما هي وظيفة الفقيه والمبلِّغ للدين؟ حيث جاء في صدره: «ألا أخبركم بالفقيه حقّ الفقيه».

ما يُلفت نظرنا في هذا الحديث أنّه مرويٌّ عن الإمام علي×، وهذا يعني أنّه لا يمكن أن نفهمه كما نفهم هذه الجمل اليوم؛ لأنّ كلمة «الفقيه» في اللغة لا تعني المتخصّص في الفقه الإسلامي ابتداءً من الطهارة ووصولاً إلى الديات؛ إذ استعمال الفقه في هذا المعنى هو استعمالٌ متأخّر([3])، يرجع على أبعد التقادير إلى القرن الثاني الهجري بعد تطوّر المدارس الفقهيّة.

إنّ علينا ونحن نواجه رواية ترجع للقرن الأوّل الهجري، أن نراجع الجذر اللغوي لها، والفقه في اللغة يعني الفهم والوعي، يقول العرب: فَقِه فقهاً، وشخصٌ فقيهٌ، أيّ يفهم الأمور بدقّة ويعيها، وله خبرة بها، وبهذا تتحدّث الرواية عن الفقيه الذي يفهم الدين حقيقةً ويعي قضاياه، ويُدرك أغراض الدعوة الدينيّة، وليس المراد من الفقيه مجرّد تعلّم كتاب الطهارة أو الصلاة أو الطلاق أو الديات، فهذا استعمالٌ متأخّر، بينما الرواية علويّة صدرت في القرن الهجري الأوّل، فالفقيه الذي هو الفاهم والواعي الحقيقي بقضايا الدين، هو ذلك الشخص الذي يتّصف بهذه الصفات، أي لا يقنط الناس من رحمة الله ولا يؤمنهم من مكره سبحانه و..

ثانياً: التبليغ الديني وإشكالية خلق الإحباط والتعسير

أوّل صفة يذكرها هذا الحديث الشريف من صفات الداعي إلى الله، هو أن لا يقنط الناس من رحمته تعالى، أي لا يوصلهم إلى مرحلةٍ يشعرون فيها بعبثيّة أعمالهم، فالذي يصاب بالقنوط من رحمة الله لا يشعر بأيّ فائدة من وراء عمله، فيترك العمل من أصله. ولا يختصّ هذا الأمر بالآخرة، أي الجنّة والنار، بل يشمل الدنيا أيضاً، كما تشير إلى ذلك آيات أخَر بل وبعض الروايات كذلك.

عندما يقنط الإنسان من رحمة الله، يدخل في مرحلة العبثية؛ لأنّه لا يرى أيّ جدوى من وراء سعيه، فالقنوط يساوي الشعور بالعبثيّة والإحباط والكسل والإحساس بعدم الجدوى من العمل. هذا هو القنوط بمفهومه النفسي والاجتماعي، إذ لا نتكلّم هنا فقط عن المعنى الفقهي للكلمة، وهذا يعني أنّه عندما يصل الإنسان إلى مرحلة القنوط فهو لا يستجيب للقيم الدينيّة؛ لأنّه مهما اُلقي عليه من قيم دينيّة فهو لا يشعر بجدوى العمل؛ لأنّه لا يرى فائدة من وراء عمله وجهده.

لكن لماذا يقوم الداعية إلى الله أو المبلّغ الديني بجعل الناس قانطين من رحمة الله؟! ما هو السبب الذي يدفعه لفعل ذلك؟ إنّ الأمر ليس عبثيّاً، فليس ثمّة داعية إلى الله يجلس ليقول مباشرةً للناس: أنتم لا خلاص لكم في الآخرة. ولايوجد أيّ داعية يصعد المنبر ليقول: مهما فعلتم فلا نجاة لكم من عذاب الله.

إذن، لماذا يذهب الداعية نحو توريط الناس في اليأس من رحمة الله تعالى وجعلهم يشعرون بالعبثيّة والفراغ وفقدان الإحساس بالجدوائيّة والنشاط؟

ثمّة أسباب جرّته لذلك، منها:

أ ـ الرغبة الجامحة في هداية الناس، والصورة المجتزءة عن الله

عندما يذهب المبلّغ إلى مجتمعٍ مّا بوصفه إنساناً مؤمناً متديّناً يحمل الهمّ الديني، تنتابه رغبة جامحة في شدّ الناس إلى الإيمان، وكما ورد في القرآن الكريم: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ..﴾ (الأنبياء: 37).. إنّه يريد من الناس أن تؤمن بما آمن به في أقرب وقت ممكن. وهذه الرغبة الجامحة القويّة تشدّه بعنف ـ نتيجة ضغطها ـ لاستخدام أسلوب التخويف أكثر من الترغيب؛ لأنّ الإنسان يفترض أنّ أسلوب التخويف أفعل وأسرع في التأثير، فإذا أراد الأب أن يمنع طفله من عملٍ غير صالح مستعجلاً في منعه، فهو يستخدم عادةً أسلوب التخويف والتهديد؛ لأنّه أسرع في التأثير وتحقيق الغاية المنشودة.

عندما يشتغل الداعية إلى الله برغبة جامحة مستعجلة من هذا النوع فهو ينجرّ ـ في بعض الأحيان ـ لاستخدام أيّ وسيلة ممكنة لتحقيق غاياته، فيستعجل أسلوبَ التخويف أكثر من استخدامه أسلوب الترغيب، فيخوّف الناس منه تعالى؛ لأنّه يرى أن ذلك يؤثّر فيهم أسرع، فيُرهبهم ويسبّب لهم الصدمة والدهشة، بما يمكّنه من السيطرة على نفوسهم؛ لدفعهم في أقرب وقت للإيمان والعمل الصالح.

أظنّ أنّ هذا هو أحد الأسباب الأساسيّة النفسيّة التي تدفع الكثير من الدعاة لتفضيل تصوير الله للناس بأنّه يبطش دائماً، ويده التي تضرب أكثر حضوراً من يده التي ترحم، فينتابهم شعور دائمٌ بالوَجل والخوف، وتسيطر عليهم حالة من القنوط إذا كان الخطاب كلّه متّجهاً على هذه الوتيرة.

أضف إلى ذلك، الصورة المجتزءة عن الله سبحانه وتعالى في ثقافتنا الشعبيّة، فالله في ثقافتنا وأدبياتنا ـ وليس في القرآن والسنّة ـ هو البطّاش، القويّ، الجبّار، المدمّر، الذي يضرب بالزلازل، وينزل الصواعق على رؤوس الناس، ويدفع بالأنهار إلى الفيضانات لإغراق البشر. هذه هي صورة الله في الثقافة الشعبيّة أحياناً.

عندما يتمّ التركيز على هذه الصورة فقط، يصبح الله مصدرَ رهبة وخوف، وعندما يخاف الإنسان من شخصٍ قد يبتعد منه؛ إذ يشعر دوماً أنّه من الصعب أن يرضيه، أو أن يتودّد إليه؛ لأنّ الوجه العنفي لله سبحانه أظهرُ من الرحمة، وعادةً ما لا نُظهر الله على أنّه الذي يخرج لنا الورود من الأرض أو ينقذ المرضى، أو يساعد الفقراء، أو يمنحنا في كلّ لحظةٍ قدرةَ التنفّس، أو يدفع عنّا المصائب.. هذا الشعور بالطمأنينة مع الله يدفع الإنسان إلى الارتياح معه، ويعطيه الأمل في إمكان أن تزداد الرحمة الإلهيّة.

أمّا عندما يترجّح الشعور بالخوف من الله سبحانه وتعالى على الشعور بالأمل، فهو يخلق في الإنسان إحساساً بالخوف الدائم، ويضرب حاجزاً بينه وبين ربّه، وقد يتنامى هذا الأمر ليُحدث في الإنسان شيئاً من القنوط من رحمته سبحانه.

إذن، المشكلة الأساسيّة تكمن في هذه المعرفة المجتزءة غير الصحيحة، حيث تقدّم الله مخوّفاً أكثر ممّا تقدّمه راحماً. وشعوبنا اليوم في العالم الإسلامي في الشرق والغرب لا تريد مستبدّاً ولا شخصاً تخاف منه، حيث تعبت من الديكتاتوريّات والقمع، فإذا صوّرتَ لها الله أنموذجاً آخر للقمع، فستخاف منه وتهرب، ولن تتودّد إليه، ولن تعمل من أجله.

إنّ شعوبنا اليوم تبحث عن الرحمة، وأينما تجد في الدين عنصراً من الرحمة تندفع إليه؛ لأنّها تعبت من القمع والبطش والرهبة والخوف نفسيّاً وروحياً، فهي لا تريد أن تجد ذلك الديكتاتور المستبدّ الذي لطالما كان تفرّ منه، متمثّلاً في شخصيّة الله سبحانه، ولا تريد أن ترى مرةً أخرى ذلك القمع الذي حاولت أن تنقذ نفسها منه، متمثّلاً في شخصيّته تعالى، فإذا جاء الخطاب الديني ليمثّل لها الله بالصورة نفسها التي كانت تفرّ منها، فسوف تفرّ منه ولن تستجيب؛ لأنّها تشعر بأنّه لا فائدة من وراء العمل له، وحتى لو عملت فلن تعمل بحماس وشوق وقناعة، وهذا هو القنوط والإحباط.

هذه نقطة مهمّة في التعامل مع الحالة النفسيّة للناس في عصرنا الحاضر، فإنّ الناس اليوم تعبت من الصورة القمعيّة، والمبلّغ حيث إنّه يريد أن يخاطب النفوس قبل العقول، فإنّ عليه أن يراعي الحالات النفسيّة عندهم، فلا نقدّم الله للناس على أنّه ديكتاتور متجبّر؛ لأنّهم سيهربون منه، أو يطيعونه على مضض، ولن يندمجوا معه.

ألا ترى أنّ أحد أهمّ أسباب الإلحاد والتشكيك في عصرنا الحاضر، هي مسألة الشرور في هذه الدنيا والعقاب في الآخرة؛ لأنّ الإنسانيّة تبحث عن مصدرٍ للرحمة، وعلى الخطاب الديني أن لا يقدّم الله تعالى في هذه اللحظة الزمنيّة بطريقة خاطئة، قد تؤدّي إلى عكس المقصود، ونقض الغرض.

إنّ هذا ما نجده بأمّ أعيننا، فأيّ مبلغ ديني يقدّم الدين على أنّه نوع من الرحمة والطمأنينة والتخفيف والشعور بالارتياح.. سيجمع الناس من حوله، ليس فقط لأنّ الناس تريد الراحة، بل لأنّها تعبت ـ في عصرنا الحاضر خاصّة ـ من القمع والشدة والإصر والأغلال التي على ظهور الشعوب، فهي تريد ديناً يستطيع أن يمنحها ما تفتقده، وأنت موجود في دينك جزءٌ من هذه الصورة، فاستغلّه في هذه اللحظة وقدّمه للناس.

هذا هو مركز الخطأ الذي يؤدّي إلى القنوط من رحمة الله والهرب من الإستجابة للخطاب الديني استجابة تفاعلية حارّة، حيث يقدّم الخوف والعقاب على الرحمة والثواب، مع أنّ النصوص الدينيّة في الكتاب والسنّة مليئة بنصوص الرحمة والثواب، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53).

وعليه، فالمطلوب إعادة التعريف بالله سبحانه تعريفاً كامل الصورة، مستعينين بجميع النصوص الدينيّة، فلا نصوّرنَّ الله شخصاً قمعيّاً يعذّب الناس فقط ولا يرحمهم، فإنّ هذه الصورة ـ إضافةً إلى أنّها صورة مجتزءة وناقصة ولا تعكس الصفات الإلهيّة بالكامل ـ باتت ثقيلة على إنسان اليوم وعلى نفوس كثير من الناس، فلم يعودوا قادرين نفسياً على تحمّلها، والمبلّغ الديني عليه أن يراعي الحالات النفسيّة لمخاطَبيه، إذا أراد أن يهديهم إلى صراط الحقّ.

لا أعني من هذا كلّه إعادة تقديم الدين والله بالطريقة المتناسبة مع الناس، أو تغييب الجانب الجلالي فيه سبحانه وتعالى، بقدر ما أعني ضرورة إحضار الجانب الجمالي من الصورة، وجعله فاعلاً أساسيّاً فيها.

كما لا أنتصر هنا لبعض التوجّهات المعاصرة التي أعتبرها إفراطيّةً في نظريّة «الإسلام الرحماني»، وهي توجّهات تغيِّب كلَّ صفات الجلال في الله والدين، ولا تريد أيّ عنصر قوّة أو رهبة فيهما، بل أدعو لنبذ حصريّة «الإسلام غير الرحماني»، بمعنى أنّني أطالب بالإسلام الجامع بين الرحمة والرهبة، والإله الجامع بين الجلال والجمال، كما قدّمهما القرآن الكريم، كلّ ما أنا مقتنعٌ به هو أنّ التبليغ الديني يبدو لي مقصّراً أحياناً بعضَ الشيء في إبداء الجانب الرحماني من الله والدين، وميّالاً أكثر لإبداء الجانب الآخر.

ب ـ التبليغ بين التيسير والتعسير (ثقافة المنع والاحتياط وسدّ الذرائع)

السبب الثاني الذي يوجب قنوط الناس من رحمة الله، وشعورهم بصعوبة التعامل معه ومع دينه، هو الضغط عليهم بتکالیف زائدة ليست ثابتة في الشرع، بحجّة حماية الدين والأحكام الإلهيّة، فنجد بعض الفقهاء مثلاً، يقدّمون الحرام على غيره، ويتحدّثون عن قاعدة «دفع المفسدة المحتملة أولى من جلب المصلحة المحتملة»، ويطبّقون ذلك في غير مورد من المسائل الفقهيّة، كما نجد ثقافة الاحتياط الوجوبي شائعةً بين الفقهاء، الأمر الذي يضيّق على المكلّفين ويسبّب لهم بعض المشاكل أحياناً كثيرة، مع أنّ مصاديق الاحتياط في كثيرٍ من الموارد تتعلّق بعلم إجمالي حصل للفقيه نفسه دون المكلّف، فيفتي الفقيه على أساس حالته الداخليّة الشخصيّة ليطبّق النتيجة على جميع الناس! مع أنّ الحكم مختصّ به، غاية الأمر بإمكانه أن يُخبرهم عن لزوم الاحتياط المعلّق على مثل العلم الإجمالي وملحقاته، ولا أريد أن أدخل في أمثلة هنا، فهي برأيي المتواضع ليست قليلة.

في اعتقادي الشخصي، هذا التصرّف في عصرنا الحاضر بات خطأ إستراتيجيّاً في التعامل مع سيكولوجيا مجتمعاتنا الإسلاميّة المقموعة والمتعبة التي تبحث عن شيء من الاستجمام، فلا تحوّل ـ أيّها الداعية المبلّغ ـ الدينَ مركزاً للتعب، بل أظهر عناصر التخفيف والرحمة فيه، واجعله دواءً لداء الناس، حتى يأتي الناس إلىه ويشعرون معه بالخلاص والطمأنينة.

إنّ الضغط على الناس بتكاليف زائدة غير ثابتة هو ـ بنظرةٍ اجتماعيّة نفسيّة ـ خطأ فادح، فقد يميل بعض الفقهاء، انطلاقاً من احترامه ومحبّته للدين، إلى ثقافة الاحتياط، ويحتاط في كثيرٍ من المسائل ويفتي على أساسه، مع أنّها قد تؤدّي إلى نتائج عكسيّة، وتنفّر بعضاً من الناس عن أصل الدين، أو الالتزام بالشريعة. نعم، إنّ الاحتياط حسنٌ عقلاً كما يقول الأصوليّون، ولكنّه حسنٌ في نفسه، فإذا أدّى هذا الاحتياط إلى نتائج سلبيّة فقد يفقد حُسنه، وعندما تريد أن تعمّم ثقافة الاحتياط في المجتمع فسوف تربك الناس بما قد يؤدّي إلى انزجارهم من الدين.

ولذلك عندما يدرسون دليل الانسداد في أصول الفقه، يضعون خيار الاحتياط في جميع المسائل جانباً، حيث سيؤدّي ذلك إلى العسر والحرج، وقد قال السيد محمّد باقر الصدر هناك بأنّ الاحتياط يمكن تطبيقه في الحالات الفرديّة لكن لا يمكن تطبيق منطقه في المجتمع، فلا يمكن قيامة حياة اجتماعيّة على الاحتياط؛ لأنّ ذلك يخلّ بنظام الحياة الاجتماعيّة.

إذا أردتَ أن تمارس الاحتياط على المستوى الشخصي فهذا أمرٌ يرجع إليك، لكن إيّاك ـ بصفتك مبلّغاً ـ أن تتعامل مع جمهور الناس بمنطق الاحتياط بوصفه قاعدة عامّة أو غالبة، ظانّاً أنّك تحمي الدين، فيما حقيقة الأمر بمقاربة واقعيّة ميدانيّة هو ردّ فعلٍ سلبي تجاهَ الدين.

بل عندما نُسأل عن شيء له وجهان: وجهٌ حلال ووجهٌ حرام، نبدأ عادةً بالحرمة، ونجعل الحليّة استثناءً، وقد لا نُخبرهم عن هذا الاستثناء أيضاً بذريعة خوفنا من استغلال الناس هذه الاستثناءات لارتكاب المحرّمات، وهذا ما يسمّيه بعض المعاصرين بـ«عقدة التحريم» أو «شهوة التحريم»، فهناك شهوة قد تتملّك الإنسان فيميل إلى تحريم الأشياء أكثر من ميله إلى تحليلها، ولو لم يكن التحريم بعنوان الفتوى بل بعنوان الصيغة البيانية، فيكون الأصل عنده هو التحريم دوماً، مبرّراً ذلك بحماية للدين، بل قد ظهرت نظريّات في أصول الفقه الإسلامي حاولت تغطية هذا الوضع تحت عنوان «قاعدة سدّ الذرائع».

إنّ على المبلّغ أن يبيّن الدين كما هو للناس، فلا يستطيع أن يُخفي عنهم بعضاً منه بذريعة الاستغلال أو ما شابه ذلك، فإذا كان هناك استثناء في الموضوع فعليه أن يبيّنه، مادام أنّه جزء من الدين، فلماذا نُخفيه عن الناس؟! وكذلك على المبلّغ أن يراعي الحالات النفسيّة للمخاطب، فإذا كان البدء بالتحريم يوجب انزجاره من الدين نفسيّاً، فليبدأ بجوانب الحليّة ثمّ يحدّثه عن الحرمة.

إنّ وضع تكاليف زائدة على الناس، أو جعلها تشعر دائماً بكثرة الممنوعات ولو من غير وجود لغة فتوى، قد يُشعرهم بالعجز عن أداء الواجبات وترك المحرّمات، بل عن العجز عن تحقيق الاندماج السليم في الفضاء الديني، وهذا ما يولّد اليأس والقنوط في نفوسهم، لأنّ بعض الناس عندما يرى أنّه لا يستطيع أن يعمل كما ينبغي، تجده يترك العمل كليّاً، فكلّما أثقلت على الناس بزعم أنّك تريد حمايتهم وحماية الدين، ازداد احتمال انزجارهم من الدين، وتركهم العمل به.

إذن، من المهمّ جداً للمبلّغ أن لا يُقنط الناس من رحمة الله، لا بخلق صورة مجتزءة عن الله سبحانه وتعالى عبر سياسة التخويف، ولا بتحميل الناس مزيداً من التكاليف ليست ثابتة بحجّة أنّك تريد أن تحمي الدين، فالله أولى منّي ومنك بحماية الدين، وهو لم يجعلها، فلماذا تتعب أنتَ نفسك بهذه التكاليف الزائدة؟ ومن ثمّ يحصل عكس المطلوب كما نراه بأمّ أعيننا في مجتمعاتنا في أكثر من مكان.

ثالثاً: التبليغ وإشكاليّة التزهيد بالعمل والتأمين من مكر الله

نرجع مرةً أخرى إلى الحديث الذي نقلناه مطلع بحثنا، حيث نجده يقول: «ألا أُخبركم بالفقيه حقّ الفقيه‏: من لم يُقنّط الناس من رحمة الله، ولم يؤمّنهم من عذاب الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله..». إنّه يشير إلى مبدأ ثانٍ ضروري جدّاً، فالفقيه الواعي الناضج الخبير في التعامل مع الناس، هو الذي لا يؤمن الناس من مكر الله تعالى ولا يرخّص لهم في معاصيه.

لكن ما معنى هذا الكلام بلغة العصر؟ ثمّة ثلاثة عناصر أراها من مصاديق لهذا الكلام، هي:

أ ـ التضحية بالدين من أجل الناس وتلمّس الرخص

قد يضحّي المبلّغ الديني بالدين لكسب أكبر جمهور ممكن من الناس، فهو يحلّل لهم المعاصي ظانّاً منه أنّه يجذب الآخرين إلى الدين، مع أنّه ليس إلا إفساداً للدين، فإنّ الشريعة الإسلاميّة مجموعة مكوّنة من الأحكام المختلفة التي يجب أن تُراعى جميعاً، لا أن نبعّض بين أحكامها بذريعة إرضاء الناس، قال تعالى: ﴿..أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾(البقرة: 85).

عندما نقول: يجب مراعاة الحالات النفسيّة في المجتمع فهذا لا يعني أن نضحّي بالأحكام الشرعيّة أو نُخفي بعضاً منها، بل يعني أن نطوّر أساليب العمل والخطاب والبيان على أساس سيكولوجيا الجماهير؛ لنحصل على أكبر تأثير ممكن.

هناك قضيّة أطرحها على سبيل المثال، قالوا: إنّ زعماء الدول العربيّة ناضلوا لعقود من الزمن من أجل القضيّة الفلسطينيّة، وعندما كانوا يُسألون: إنّ الشعوب تعاني ولم تعد تتحمّل، والقتلى كثر، والاقتصاد ينهار، فلماذا نستمرّ في الحرب؟ كانوا يجيبون: يجب أن نضحّي بالشعب من أجل القضيّة. وعندما ذهبوا إلى الصلح والسلام مع «إسرائيل»، سألوهم ـ وهذا سؤال تقديري ـ لماذا ذهبتم الآن إلى الصلح والسلام ونسيتم القضيّة الفلسطينيّة؟ أجابوا: يجب أن نضحّي بالقضيّة من أجل الشعب حتى لا نخسره!

دائماً نفترض أنفسنا أمام هاتين الثنائيّتين: إمّا أن نضحّي بالناس من أجل الدين، أو نضحّي بالدين من أجل الناس، فحتى يجلب الداعية ـ في ظنّه ـ أكبر عدد ممكن من الجمهور للدين، يضحّي ـ من حيث لا يشعر أحياناً ـ ببعض القيم الدينيّة، أو يتنازل عنها، وهذا خطأ على المقلبين معاً، فعلينا أن نحافظ على الدين دون أن نضحّي بالناس، فالدين لم يأت ليضحّي بالناس، بل قدّم برنامجاً حقيقيّاً لسعادة الإنسان، وإذا طبّقناه بالكامل نستطيع أن نضمن سعادتنا.

المبرّر الآخر لعدم التضحية بالدين لأجل الناس، هو أنّ صحّة القضية ليس بعدد المنتصرين لها، بل لقد كان أصحاب الحقّ عبر التاريخ في كثيرٍ من الأحيان ثلّة قليلة، فأصحاب نوح× كانوا هم القلّة، حيث قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ومَنْ آمَنَ ومَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ (الهود: 40)، وكذلك يصرّح القرآن الكريم في قضيّة اختبار داود× أنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات قليلون، حيث قال عزّ وجلّ: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وقَلِيلٌ مَا هُمْ وظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ رَاكِعاً وأَنَابَ﴾ (ص: 24).

لكن للأسف الشديد، بعض الأشخاص ـ وهم يمارسون حركة دينيّة دعويّة إلى الله سبحانه وتعالى ـ عندما يشعر بأنّ عدد المستجيبين له قليل أو الناس لا تستجيب أو يرى كثرة النقد على الدين أو أنّ الناس لم تعد تستمع.. فهو يقدّم بعض العروض، مثل البيع والشراء والتجارة، عروضاً تخفيفيّة؛ ليخفّف من السعر، حتى يجلب أكبر عدد من الزبائن ويلمّع صورة السلعة أمامهم!

عندما تتعامل مع القضيّة الدينيّة في نشاطك الدعوي بمنطق العروض التجاريّة، فسوف تلحق الضرر بالدين نفسه، ولهذا علينا أن نتوازن، لا نُلحق الضرر بالناس ونحسب ذلك على الدين، كما لا نلحق الضرر بالدين ظانّين أنّنا بذلك نخدم الناس بهدايتهم له.

إنّ العمل الديني والتبليغي ليس ماكينة انتخابيّة، لكن للأسف أصبح التبليغ اليوم عند بعضٍ مثل الانتخابات، فباتت كثرة الجمهور مؤشّراً على جودة العمل التبليغي، مع أنّ صحة ما نقول ليس بعدد الذين ينتصرون لنا، ولا بعدد الذين يحضرون في محاضراتنا وخطبنا، إنّما المعيار هو التوازن في الأسلوب والمضمون الذي أقدّمه، فإذا لم يقبل الناس بعد ذلك فلا يهمّ أبداً، إنّما المهمّ أنّني لم أقصّر في تقديم صيغة دعويّة تبليغيّة ناجحة في ذاتها، وأمّا الباقي فإلى الله سبحانه وعليه.

من جانب آخر، يتلمّس بعض الناس في زماننا الرخصة في أيّ مكان، وهناك بحث في الفقه السني تحت عنوان «تلمّس الرخص»، وقد طرحه بعض علماء الإماميّة مثل الشيخ محمّد مهدي شمس الدين (2001م). لقد كان هذا الموضوع موجوداً حتى في القرن الهجري الأوّل، حيث توجد نصوص تُنسب لبعض الصحابة والتابعين في النصف الثاني من القرن الهجري الأوّل، تتكلّم عن هذه الظاهرة، وأنّ بعض الناس كانوا يتلمّسون الرخص، رخصةً من هنا وأخرى من هناك، وما ينتج عن ذلك هو دين الرخصة. هذا النوع من التماس الرخص قد يؤدّي إلى الأمن من مكر الله.

التماس الرخص بهذه الطريقة العشوائيّة يؤدّي إلى نوع من تلاشي الهويّة الدينيّة، لا نقول: لا يلتمس الإنسان الرخصة في حالة حرج أو لفضّ مشكلة أو لحلّ أزمةٍ مّا، ما دامت الرخصة وجهة نظر شرعيّة، لكن أن يعيش الناس أو أن نربّيهم دوماً ـ كما يفعل بعضهم ـ على التماس رخصةٍ ومفرّ من الالتزام الديني، فهذا ما سيؤدّي على المدى البعيد إلى عدم شعورهم بدرجة عالية من تحمّل المسؤوليّة الدينيّة وصعوبة رفع مستوى قدرتهم على التحمّل، وهو ما يحمل خطراً تربويّاً.

والنتيجة: إنّ من مصاديق أمن الناس من مكر الله، تلمّس الرخص بطريقة شاذّة لا بطريقة موضوعيّة.

ب ـ جعل الهويّة والانتماء معياراً للخلاص

ثمّة وجهٌ آخر لأمن الناس من مكر الله سبحانه، وكثيرٌ من المسلمين مبتلى به في زماننا بما يؤدّي للزهد في العمل الصالح، ألا وهو جعل الانتماء والهويّة ـ دون العمل ـ معياراً للخلاص.

في كلّ فترة زمنيّة تُجعل فيها هويّة الإنسان وانتماءه معياراً للخلاص وليس عمله وأداءه، فأبشر بترك الناس للعمل الصالح، وأمنهم من مكر الله، وهذا من الموضوعات الطويلة، لا أريد أن أخوض فيه الساعة، لكن لتقريب الفكرة، أشير إلى مسألة «الشفاعة»، فعندما نقدّم للناس مفهوم الشفاعة بطريقةٍ انتمائية محضة خاطئة، فسوف نزهّدهم من العمل تلقائيّاً، وإلا فسوف نقدّم خطاباً متناقضاً. عندما نقول مثلا: إنّ المسلمين بأجمعهم يدخلون الجنّة يوم القيامة بشفاعة نبيّهم محمد‘، فلا يرى المسلم حاجة إلى العمل الصالح؛ لأنّه مهما فعل سوف يدخل الجنّة بشفاعة نبيّه ولو فعل ما فعل من المعاصي! إنّ هذا الخطاب يزهّد الناس بالعمل ويؤمّنهم مكر الله تعالى.

هذا لا يعني إنكار الشفاعة، بل يتضمّن تخطئة تفسيرها بهذه الطريقة، وإلا فهناك تفاسير أخرى للشفاعة لا تؤدّي إلى ذلك، مثل أن نقول: إنّ النبي‘ وأهل بيته^ يشفعون لك إذا تعثّرت خطواتك وأنت تسير في طريق الحقّ، فيشفع لك تعثّر خطوة هنا، وأخرى هناك، ويسامحك الله سبحانه بشفاعة الشفعاء؛ حيث زلّت قدمك هنا أو هناك وأنت في طريق العمل. لكن للأسف الشديد تُقدَّم الشفاعة في بعض الصيغ الخطابية والدعويّة بما يركّز الزهد في العمل، وكأنّك بمجرّد أن وفّقك الله أن خلقك من أبوين مسلمين فإنّ الموضوع قد انتهى!

عندما نركّز على أنّ الخلاص مرهونٌ بالانتماء، وليس مرهوناً ـ مثلاً ـ بضمّ الانتماء إلى العمل، فنحن في حقيقة الأمر ومن الناحيّة الميدانيّة نؤمن الناس من مكر الله، وندفعهم إلى الزهد في قيمة العمل الصالح، وهذه قضيّة مهمّة جداً.

ج ـ تفريغ الأعمال من موقعها في سلّم الهرم الأولويّ في الدين

الوجه الآخر لتزهيد الناس بالعمل الصالح، هو عدم المحافظة على خصوصيات الأعمال الصالحة بنسبة خلوص النيّة والعناء الذي يكون فيها، الأمر الذي يؤدّي إلى عدم مراعاة رتب الأعمال، فيزهد الناس بأداء التكاليف الصعبة؛ إذ يرى الشخصُ أنّه بإمكانه أن يحصل على ثوابٍ موازٍ لأصعب الأعمال بمجرّد قيامه بأعمال بسيطة جداً، فلماذا يُتعب نفسه ليجاهد في سبيل الله، مع أنّه يستطيع أن يحصل على ثواب ذلك المجاهد الذي استشهد في سبيل الله، بقراءة سورة من القرآن مثلاً؟!

قد يقدّم المبلّغ أحياناً بعض الأعمال البسيطة على أنّها تساوي أو تزيد على الجهاد في سبيل الله مثلاً، فكيف يمكن أن نصدّق بأنّ الإنسان يستطيع أن يحصل على ثواب ذاك المجاهد الذي ناضل مخلصاً لله عشرين أو ثلاثين سنة بعيداً عن أهله وعياله متحمّلاً المشاق والضنك، بمجرّد أن يقرأ سورةً من القرآن الكريم أو أن يفعل أحد الأعمال البسيطة جدّاً؟! عندما نروّج بين الناس مثل هذه الثقافة التي لا تحافظ على خصوصيّات الأعمال بنسبة الجهد والعطاء وخلوص النيّة والعناء الذي يكون فيها، فنحن في حقيقة الأمر نقول للناس: انتقوا الأعمال البسيطة ولا حاجة أن تُتعب نفسك بالأعمال الجادّة في وقت التحدّي، إنّ بإمكانك أن تعمل عملاً بسيطاً وتأخذ أجر ذلك العمل الجادّ، وهذا نوع من التزهيد بالأعمال الجادّة كالجهاد والتضحية في سبيل الله سبحانه وتعالى، ومجاهدة النفس، والقرآن الكريم ينادي بأعلى صوته: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214)، ويقول: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 142).

لا أريد أن أنكر وجود مثل هذه النصوص في التراث الإسلامي عموماً، لكن أعتقد من الضروري أن نعيد النظر فيها على مستوى الصدور والمضمون والفهم والتفسير، آخذين بعين الاعتبار منطق «فقه الأولويات»، وكذلك النصوص القرآنيّة التي أعتبرها محوراً للدراسات الإسلاميّة، لنصل إلى صورة لا تقنط الناس من رحمة الله من جهة، ولا تؤمنهم من مكره وعذابه من جهة ثانية، كما لا تزهّدهم بالأعمال الصالحة ثالثة.

رابعاً: الخطاب الديني وإشكاليّة غياب المرجعيّة القرآنيّة

الجملة الثالثة التي أتوقّف عندها قليلاً مع هذه الرواية، تؤسّس لمرجعيّة القرآن الكريم، حيث قالت: «ألا أُخبركم بالفقيه حقّ الفقيه‏:.. ولم يترك القرآن رغبةً عنه إلى غيره».

إنّ تعبير «رغب عن» في اللغة العربيّة يعني: زهد به، لكن ما هو المقصود هنا؟ هل يوجد فقيه مسلم يترك القرآن زهداً؟ لا يوجد فقيه مسلم فيما نعلم يقول: إنّني أترك القرآن زهداً به، لكن قد نتعامل مع القرآن بطريقة توحي وكأنّنا تركناه وزهدنا به؛ إذ نذهب خلف مرجعيّات أخرى في الخطاب الديني وننسى القرآن الكريم، ولا نستحضره أبداً إلا للتبرّك و..، فنجد خطباً كثيرة هنا وهناك مليئة بالقصص والحكايات ونصوص العلماء.. لكنّها فارغة أو شبه فارغة من آية قرآنيّة واحدة، وهذا ليس إلا تزهيداً بكتاب الله المنزَل لهداية الناس جميعاً، وهي ظاهرة شائعة اليوم في خطابنا الديني عموماً.

لا إشكال في استحضار الحديث الشريف أو نصوص العلماء، بل هو مطلوب، شرط أن لا يُزهد بكتاب الله في التربيّة التبليغيّة، فعندما نريد أن نخرج إلى الناس داعيين إلى الله، يجب أن يكون القرآن حاضراً بقوّة في خطابنا الديني، هذا معنى «ولم يترك القرآن رغبةً عنه إلى غيره»، فلا يُقصد منه أن يقف المبلغ أمام الجمهور ليقول: أنا لا أؤمن بالقرآن، حيث لا يوجد مثل هذا المبلّغ الديني المسلم، بل المقصود أنّ ممارساته ـ من حيث شعر أو لم يشعر ـ تؤدّي إلى الزهد بكتاب الله تبارك وتعالى، وعدم تكريسه مرجعاً في حياة المسلمين، وإنّما فقط ـ كما كان يقول الإمام الخميني ـ يُقرأ في المقابر وعلى الأموات وما شابه ذلك، ويصبح أقرب إلى «البروتوكول» والأعراف الاجتماعيّة.

إنّ استحضارنا للقرآن الكريم في إطار العمل التبليغي أمرٌ ضروري جداً، خاصّةً في هذه الظروف التي تتّهم فيها بعض الجهات بأنّها لا تؤمن بالقرآن أو لا تحترمه، فيجب أن ننفي هذا المفهوم، ونكرّس مرجعيّة القرآن في خطابنا الديني عموماً، فلا أتكلّم الآن عن مرجعيّة القرآن في الاجتهاد، فهو بحث آخر، إنّما المقصود مرجعيّة القرآن في الخطاب الديني عموماً حتى يصبح في وعي الناس جزءاً أساسياً من استشهاداتنا، بحيث يتربّى المسلمون على مثل هذه الثقافة، وهي ثقافة استحضار النصّ القرآني.

الخلاصة

على المبلّغ والداعي إلى الله سبحانه أن يتبّع ثلاث استراتيجيّات:

1 ـ لا يقنط الناس من رحمة الله، عبر تقديم صورة مجتزءة عن الله سبحانه أو فرض تكاليف زائدة غير ثابتة في الشريعة.

2 ـ لا يؤمن الناس من عذاب الله ولا يرخّص لهم في معاصيه من خلال تلمّس الرخص بغية تحصيل أكبر عدد من الجمهور أو تزهيد الناس بالعمل الصالح عبر جعل الانتماء معياراً للخلاص أو عدم المحافظة على خصوصيّات الأعمال ورتبها.

3 ـ لا يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره، ليجعل مرجعيّات أخرى مكان القرآن الكريم في الخطاب الديني عموماً.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا جميعاً للتعامل بطريقةٍ تجذب الناس إلى الدين دون أن تضحّي به، وتروّج له دون أن تخسر الناس، وتجعل من ثلاثيّة: «الكتاب والسنّة والعقل» أساساً وشعاراً وملاذاً نلجأ إليه في أمورنا.

________________________

([1]) اُلقيت هذه المحاضرة في قاعة المحاضرات في جامعة آل البيت العالميّة في مدينة قم، بتاريخ: 27 / 4 / 2016م، وقد قام الشيخ سعيد نورا بتقريرها وتحريرها، ثم راجعها المحاضرُ (الشيخ حبّ الله)، مجرياً عليها بعض التعديلات والإضافات والتوضيحات.

([2]) والسند هو: عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيد القماط، عن الحلبي.

([3]) وهذا ما صرّح به علماء اللغة أيضاً، فانظر على سبيل المثال: معجم مقاييس اللغة‌ 4: 442. «الفاء والقاف والهاء أصلٌ واحد صحيح، يدلُّ على إدراكِ الشَّيء والعِلْمِ به. تقول: فَقِهْتُ الحديث أفْقَهُه. وكلُّ عِلْمٍ بشيءٍ فهو فِقْه. يقولون: لا يَفْقَه ولا يَنْقَه. ثمّ اختُصَّ بذلك علمُ الشَّريعة، فقيل لكلِّ عالم بالحلال والحرام: فقيه». وكذلك: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربيّة ‌6: 2243.