إرث الزوجة

7 أغسطس 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
604 زيارة

إرث الزوجة

محاكماتٌ في سياق الجدل الفقهي القائم

ـ القسم الثاني ـ

الشيخ فخر الدين الصانعي(*)

ترجمة: حسن علي الهاشمي

تقدَّم ذكرُ أربعٍ من الروايات التي استدلّوا بها على حرمان الزوجة من إرث الأرض والعقار (الأرض والدُّور)، وهي:

1ـ صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر× قال: «النساء لا يرِثْنَ من الأرض، ولا من العقار شيئاً»([1]).

2ـ صحيحة زرارة، عن أبي جعفر× قال: «إن المرأة لا ترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئاً، وترث من المال والفرش والثياب ومتاع البيت مما ترك، وتقوَّم النقض والأبواب والجذوع والقصب، فتُعْطى حقَّها منه»([2]).

3ـ موثَّقة زرارة، عن أبي جعفر×، والتي هي مثل الصحيحة، مع فارق أنها تذكر «الرقيق» بدل الفرش، مع عدم ذكرها لـ «الأبواب»([3]).

4ـ رواية طربال بن رجاء، التي هي مثل موثَّقة زرارة([4]).

كما ذكرنا الإشكال على الاستدلال بهذه الروايات. وبقي الحديث في بقيّة الروايات، وهي:

5ـ صحيحة الفضلاء الخمسة: زرارة وبُكَيْر وفُضَيْل وبريد ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله’ ـ منهم مَنْ رواه عن أبي عبد الله×؛ ومنهم مَنْ رواه عن أحدهما’ ـ، قال: «إن المرأه لا ترث من تركة زوجها من تربة دارٍ أو أرض، إلاّ أن يقوّم الطوب والخشب قيمةً، فتُعطى ربعها أو ثمنها ـ إنْ كان لها ولد ـ من قيمة الطوب والجذوع والخشب»([5]).

ومن الجدير بالذكر أن عبارة «لها ولد» لم تَرِدْ في كتاب «التهذيب»([6]) و«الاستبصار»([7])، وإنما وردت في كتاب «الكافي» بعد عبارة «إنْ كان».

مناقشة الاستدلال بالرواية الخامسة

هناك في ما يتعلَّق بمرجع الضمير في عبارة «ربعها أو ثمنها» احتمالان:

الاحتمال الأوّل: إن الضمير «ها» يعود إلى «المرأة»، ونتيجة لذلك يكون معنى الرواية: إن المرأة ترث الثمن أو الربع من جميع تركة الميت (الزوجة)، وذلك بأن يتمّ تقييم الخشب والطوب الموجود، ويدفع منه قيمة سهم المرأة من جميع التركة، بشرط أن تفي قيمة هذا الخشب والطوب بمقدار قيمة سهم المرأة من جميع تركة الميّت، وإلاّ ففي غير هذه الحالة يُكْتَفى بإعطائها ما تفي به قيمة الخشب والطوب فقط.

الاحتمال الثاني: أن يكون مرجع الضمير «ها» إلى «التربة» و«الأرض»، بمعنى أن الزوجة ترث من قيمة أرض الدار، والأراضي الأخرى، ولا ترث من أعيانها. وعلى كلا الاحتمالين تُؤْخَذ عبارة «إنْ كان» بمعنى «إنْ كان وفى»([8]).

وعليه يكون معنى الحديث على أساس هذين الاحتمالين هو أن المرأة لا ترث من عين الأرض، ولكنّها تأخذ سهم الربع أو الثمن من قيمة الطوب والخشب إنْ وفت قيمتهما بسهم إرث الزوجة. وعلى هذا الأساس إذا لم يكن في تركة الميت طوب أو خشب، أو لم تكن لهما قيمةٌ، لم ترث الزوجة من الأرض (لا من عينها، ولا من قيمتها).

والخلاصة أنّه بالالتفات إلى كون الاستثناء متصلاً يكون مضمون الحديث مخالفاً للإجماع؛ إذ لم يُفْتِ أحدٌ بأن الزوجة لا ترث من عين الأرض، ولكنها ترث من قيمتها بشرط أن تدفع لها من قيمة الطوب والخشب.

الإشكال في الاحتمال الثاني

إن الإشكال الذي يُطْرَح في الاحتمال الثاني هو أن أساس هذا الاستدلال على مخالفة مفاد الرواية للإجماع منوطٌ بأن يكون الاستثناء متصلاً؛ إذ لو كان الاستثناء منقطعاً لن يكون هناك معنىً لاحتمال أن يكون المراد من عدم إرث الزوجة من الأرض هو عدم إرثها من عين الأرض، لا من قيمتها؛ إذ بناءً على الاستثناء المنقطع سيكون معنى الرواية ما يلي: «إن المرأة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار أو أرض (لا عيناً، ولا قيمة)، إلا أن يقوّم الطوب والخشب قيمةً، فتُعْطى ربعها أو ثمنها».

ويمكن إثبات كون الاستثناء منقطعاً بأحد وجهين:

1ـ أن يعود اسم «كان» ـ وهو الضمير المستتر ـ إلى «الربع» و«الثمن» معاً.

2ـ أن يعود الضمير المستتر في «كان» إلى «الثمن» فقط.

دفع إشكال

لا يمكن اعتبار الاستثناء في الرواية منقطعاً؛ لعدم تمامية الوجهين المذكورين لإثباته.

أما الاحتمال الأوّل: إنْ كان مرجع الضمير إلى «الربع» أو «الثمن» فسوف تكون الجملة التالية لـ «كان» مستدركة عما قبلها، أي إن الإمام× قال: تُعْطى الزوجة الربع أو الثمن من قيمة الطوب والخشب، إنْ كان الربع والثمن سهمها وحقها. وهنا يطرح هذا السؤال نفسه: هل كان الإمام× غافلاً ـ والعياذ بالله ـ عن مقدار سهم الزوجة، حتّى يعيده ثانيةً على نحو القضية الشرطية، مع شيءٍ من التردُّد؟!

أما الاحتمال الثاني: إذا كان مرجع الضمير إلى «الثمن» فقط كان معنى الرواية ما يلي: «تعطى الزوجة الثمن إذا كان حقّها أو سهمها». في حين أن هذا الاحتمال بعيدٌ للغاية؛ إذ لا وجه للتقييد بـ «الثمن» وحده، وترك تقييد «الربع».

وخلاصة القول: لو أردنا اعتبار الاستثناء منقطعاً نكون قد ارتكبنا ما يخالف الظاهر، وعليه نكون بحاجةٍ إلى قرينة، ولا توجد هنا مثل هذه القرينة، أو دليل على ما يخالف الظاهر. وعليه يكون الاستثناء متصلاً. وعلى هذا الأساس يكون مفاد الرواية دالاًّ على مضمونٍ لم يُفْتِ به أحدٌ. وطبقاً لهذا الكلام لا تكون الرواية حجّةً.

6ـ صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر× قال: «لا ترث النساء من عقار الأرض شيئاً»([9]).

مناقشة الاستدلال بالرواية السادسة

حيث إن هذه الرواية تقصر حرمان الزوجة على عقار الأرض ـ الذي هو أخصّ من مطلق الأرض؛ بسب إضافتها إلى العقار ـ، من هنا فإنها تعارض الرواية الأولى والخامسة والحادية عشرة، الدالّة على عدم إرث الزوجة من مطلق الأرض.

دليلُنا على هذا الاختصاص هو أن الإمام المعصوم× كان في مقام بيان استثناءات حكم توريث الزوجة، وإذا كان المتكلِّم في مقام بيان استثناء موارد من الحكم الثابت كان ذلك معبِّراً عن أن لهذا الاستثناء مفهوماً وانحصاراً في الموارد المذكورة. وعليه يكون مفهوم اللقب والموضوع هنا حجّة؛ لكون الرواية في مقام البيان.

7ـ رواية عبد الملك بن أعين، عن أحدهما’ قال: «ليس للنساء من الدُّور والعقار شيء»([10]).

مناقشة سند الرواية السابعة

تعاني هذه الرواية من ضعف السند؛ بسبب وجود شخصٍ في سندها باسم «مثنى»، وهو مشتركٌ بين مجاهيل، أو أنه مشتركٌ بين أشخاص مجهولين وآخرين ورد الكلام في تحسينهم، دون تمييز مَنْ هو المقصود من بينهم. وبذلك تكون ضعيفة من هذه الناحية، ولا يمكن الاستدلال بها.

8ـ رواية يزيد الصائغ، عن أبي عبد الله×، قال: سألتُه عن النساء هل يرثن من الأرض؟ فقال: «لا، ولكنْ يَرِثْنَ قيمة البناء»، قال: قلتُ: إن الناس لا يرضَوْن بذا، قال: «إذا ولينا فلم يرضَوْا ضربناهم بالسوط، فإنْ لم يستقيموا ضربناهم بالسيف»([11]).

9ـ رواية يزيد الصائغ قال: سمعتُ أبا جعفر× يقول: «إن النساء لايَرِثْنَ من رباع الأرض شيئاً، ولكنْ لهنَّ قيمة الطوب والخشب، قال: فقلتُ له: إن الناس لا يأخذون بهذا، فقال: إذا وليناهم ضربناهم بالسوط، فإنْ انتهوا وإلاّ ضربناهم بالسيف عليه»([12]).

الإشكال في الروايتين الثامنة والتاسعة

إن هاتين الروايتين تشتملان على إشكالٍ سندي، وإشكالٍ دلالي أيضاً.

أما الإشكال السندي في الرواية فيكمن في وجود «يزيد الصائغ»([13]) في سلسلة السند، وهو مجهولٌ. وقد ورد ذكره في كلا سندي الرواية. كما أن وجود شخص باسم «شعيب» ـ وهو مجهولٌ ـ يضرّ بحجّية الرواية الثامنة. وهكذا فإنّ وجود رجلٍ باسم «مثنى» في الرواية التاسعة، يستوجب ضعف السند وعدم حجّية تلك الرواية؛ وذلك لذات العلّة المذكورة في الرواية السابعة.

أما الإشكال الدلالي في هاتين الروايتين،فيكمن في ذيلهما، حيث تنسبان إلى المعصوم× كلاماً لا ينسجم مع أيٍّ من القواعد والموازين الثابتة والمعهودة من الأئمة الأطهار^، بل إنه لا ينسجم مع أساليبهم عندما حكموا المسلمين؛ إذ تقوم ولايتهم ـ عندما استلموا السلطة ـ على الرحمة والعدل ورعاية المصالح والإرشاد والهداية، وكانوا في إبلاغ الأحكام الشرعية والدينية يعتمدون على منهج الإقناع، مصحوباً ببيان أدلة الأحكام، لا من طريق الإكراه واستعمال السوط والسيف؛ إذ حيث تنسجم أحكام الله مع العدل والحبّ والرحمة وموافقة الفطرة الإنسانية لا تكون هناك من حاجةٍ إلى القَسْر والإكراه. بل عندما يدرك الإنسان حقيقة الأحكام الواقعية للإسلام، البعيدة عن جميع أنواع الخرافات والتزوير، يجدون أنفسهم يميلون إلى اعتناقها تلقائياً. ومن الواضح أن الإكراه بالسوط والسيف لا يؤدّي إلى غير العداوة والبغضاء، في حين أن الدين الإسلامي الحنيف لا يقوم على غير المحبّة والشغف بالدين وأولياء الدين؛ إذ ورد في الحديث عن الإمام أبي جعفر الصادق× قوله: «وهل الدين إلاّ الحبّ؟»([14]).

10ـ صحيحة الأحول، عن أبي عبد الله×، قال: سمعتُه يقول: «لا يرِثْنَ النساء من العقار شيئاً، ولهُنَّ قيمة البناء والشجر والنخل»، يعني (من البناء) الدُّور، وإنما عنى من النساء الزوجة.

الإشكال في الرواية العاشرة

بالالتفات إلى مفاد هذه الرواية الدالّ على أن النساء لا يرِثْنَ إلاّ من قيمة البناء، فإنها تتعارض مع ظاهر صحيحة زرارة وابن مسلم (الرواية رقم 15)، الدالة على إرث النساء من عين البناء: «يرِثْنَ ذلك البناء». والقاعدة في التعارض هي التساقط وعدم الحجّية.

11ـ صحيحة أبان الأحمر قال: لا أعلمه إلاّ عن ميسر بياع الزطي، عن أبي عبد الله×، قال: سألتُه عن النساء، ما لهنَّ من الميراث؟ قال: «لهنَّ قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب، فأما الأرض والعقارات فلا ميراث لهنّ فيه، قال: قلتُ: فالبنات؟ قال: البنات لهنّ نصيبهنّ (منه). قال: قلتُ: كيف صار ذا ولهذه الثمن ولهذه الربع مسمّى؟ قال: لأن المرأة ليس لها نسبٌ ترث به، وإنما هي دخيلٌ عليهم، إنما صار هذا كذا لئلا تتزوّج المرأة، فيجيء زوجها أو ولدها من قومٍ آخرين فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم»([15]).

الإشكال في الرواية الحادية عشرة

أوّلاً: إن هذه الصحيحة تدلّ على إرث الزوجة من قيمة الطوب والخشب والقصب والبناء، بينما تدل صحيحة الفضلاء الخمسة (الرواية الخامسة) على إرث الزوجة من قيمة الطوب والخشب فقط، ولا تشتمل على ذكر قيمة البناء. ومن الواضح أن قيمة البناء تختلف عن قيمة الموادّ المستعملة فيه. وعلى هذا الأساس تكون هاتان الصحيحتان متعارضتين، والقاعدة المتَّبعة في التعارض هي التساقط.

ثانياً: هناك في هذه الرواية احتمالان: الاحتمال الأول: أن يكون المراد من «الأرض» و«العقارات» في الرواية مطلق الأرض، وبطبيعة الحال فإن هذا هو ما يدلّ عليه ظاهر لفظ «الأرض» أيضاً. والاحتمال الثاني: أن يكون المراد من هذه الألفاظ ـ بقرينة ذكر قيمة الأشياء الخاصّة بالمنازل السكنية ـ هو أرض الدُّور السكنية. وعليه يكون للرواية احتمالان، ولا يمكن الاستدلال بها.

12ـ صحيحة محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله×: «ترث المرأة الطوب، ولا ترث من الرباع شيئاً، قال: قلتُ: كيف ترث من الفرع، ولا ترث من الرباع شيئاً؟ فقال: ليس لها منه نسبٌ ترث به، وإنما هي دخيلٌ عليهم، فترث من الفرع، ولا ترث من الأصل، ولا يدخل عليهم داخلٌ بسببها»([16]).

الإشكال في الرواية الثانية عشرة

إن العلّة المذكورة في هذا الحديث تشتمل على اضطرابٍ؛ إذ إن التعليل المذكور لحرمان الزوجة من الرباع هي أن الزوجة لا ترتبط بالميت برباطٍ نسبي، إنما الرباط بينها وبينه سببي، ولذلك لا ترث من الأصل (الأرض)، وترث من الفرع (الطوب). ويمكن لهذه العلة أن تشمل إرث الزوجة من الطوب أيضاً.

ولو قيل: إن المراد من الطوب قيمته.

قلنا: حيث يحتاج هذا المعنى إلى التقدير فإنه يكون مخالفاً للظاهر.

13ـ صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله× قال: «لا ترث النساء من عقار الدُّور شيئاً، ولكنْ يقوَّم البناء والطوب، وتُعْطَى ثمنها أو ربعها، قال: وإنما ذلك لئلاّ يتزوَّجْنَ، فيفسدْنَ على أهل المواريث مواريثهم»([17]).

الإشكال في الاستدلال بالرواية الثالثة عشرة

إن التعليل المذكور في هذه الرواية (إن النساء لا يرِثْنَ من الأرض؛ إذ قد يتزوَّجْنَ بعد وفاة أزواجهنّ بزوجٍ جديد يأتين به إلى البيت، وبذلك يعمَلْنَ على تضييع حقوق سائر الورثة، الأمر الذي يُثقل عليهم) لا يمكن أن يكون تامّاً لحرمان النساء من عقار الدار؛ إذ إن هذا التعليل إنما يصحّ إذا قلنا بأنهن يرِثْنَ من عين الأرض، وأما إذا قلنا بأنهنّ يرِثْنَ من قيمتها فلا يكون هناك وجهٌ لهذا التعليل، كما ورد عن الإمام نفسه في ما يتعلَّق بالبناء والطوب، قوله: إنهنّ يرِثْنَ من قيمتهما. ولا فرق بين عقار الدور وأرضها من ناحية الإرث من القيمة.

14ـ صحيحة حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله× قال: «إنما جعل للمرأة قيمة الخشب والطوب لئلاّ يتزوَّجْنَ، فيدخل عليهم ـ يعني أهل المواريث ـ مَنْ يفسد مواريثهم»([18]).

الإشكال في الاستدلال بالرواية الرابعة عشرة

إن العلّة المذكوة في مورد هذه الرواية يجب أن تجري في مورد البنات أيضاً؛ إذ إنهنّ بزواجهنّ قد يُحْدِثْنَ مفسدةً ونزاعاً بين سائر الورثة. وعلى هذا الأساس فإن العلة سوف تتخلَّف عن معلولها في إرث البنات. ثم إن هذه العلة إذا كانت علّةً تامّة يجب أن تجري حتّى بالنسبة إلى إرث الزوج من عين غير منقولات الزوجة أيضاً، وهو كما ترى.

15ـ صحيحة محمد بن مسلم وزرارة، عن أبي جعفر×: «إن النساء لا يرِثْنَ من الدُّور ولا من الضياع شيئاً، إلاّ أن يكون أحدث بناءً، فيرِثْنَ ذلك البناء»([19]).

الإشكال في الاستدلال بالرواية الخامسة عشرة

إن هذه الرواية ـ كما تقدَّم بشأن الرواية العاشرة ـ؛ حيث تدلّ على توريث الزوجة من البناء، فإنها تعارض الرواية العاشرة والرواية الثامنة الدالتين على إرث الزوجة من قيمة البناء. والقاعدة في التعارض هي التساقط.

16ـ ما رواه الشيخ في «التهذيب و«الاستبصار»، والصدوق في «مَنْ لا يحضره الفقيه» و«علل الشرائع» و«عيون أخبار الرضا»، بإسنادهما إلى محمد بن سنان، أن الرضا× كتب إليه في ما كتب من جواب مسائله: «علّة المرأة أنها لا ترث من العقار شيئاً إلاّ قيمة الطوب والنقض؛ لأن العقار لا يمكن تغييره وقلبه، والمرأة قد يجوز أن تقطع ما بينها وبينه من العصمة، ويجوز تغييرها وتبديلها. وليس الولد والوالد كذلك؛ لأنه لا يمكن التفصّي منهما، والمرأة يمكن الاستبدال بها. فما يجوز أن يجيء ويذهب كان ميراثه في ما يجوز تبديله وتغييره إذا أشبهه، وكان الثابت المقيم على حاله كمَنْ كان مثله في الثبات والقيام»([20]).

الإشكال في الاستدلال بالرواية السادسة عشرة

هناك إشكالان في هذه الرواية:

1ـ إن العلّة أو الحكمة المذكورة في هذه الرواية ـ كما تقدَّم في الرواية الرابعة عشرة ـ ليست تامّةً؛ إذ إن التغيير في البيت وإدخال الغرباء فيه يصدق على البنات والأمهات أيضاً، بل يصدق حتّى على الزوج في ما يتعلَّق بإرثه من غير منقولات زوجته أيضاً. ومن الواضح أن العلّة إنْ وُجدَتْ (وكانت تامّة) تحقّق المعلول. في حين لم يُفْتِ أيُّ فقيهٍ بعدم إرث هذه الجماعات الثلاث من البيت.

ولو قيل: إن ما ذكر إنما هو حكمةٌ، وليس علّةً.

قلنا في الجواب: إن الفرق الوحيد بين العلّة والحكمة يكمن في أن انعدام الحكمة لا يلازم عدم الحكم (بخلاف العلة). بَيْدَ أن وجود الحكمة ملازمٌ لإثبات الحكم.

2ـ إن ظاهر ألفاظ هذه الرواية بحيث يمكن لمَنْ كان له أدنى إلمامٍ بألفاظ أحاديث الأئمة المعصومين^ أن يدرك أن هذه الألفاظ والكلمات لا يمكن أن تكون صادرةً عن الأئمة. وهذا ما أكَّد عليه الفقيه المتتبِّع السيد البروجردي&، وذلك في التقرير الذي كتبه عنه الشيخ الاشتهاردي؛ إذ قال: «وهذه الرواية تنادي بأعلى صوتها: إنها ليست بهذه الألفاظ من الإمام×، كما يعرف ذلك مَنْ كان له أدنى بصيرةٍ في ألفاظ الأحاديث المنقولة عنهم^، ولذا قلنا في أول الحديث: إنه زعم أنه سمعه من الإمام×»([21]).

عدم تمامية الإشكال في سند الرواية

لقد ذهب السيد البروجردي إلى اعتبار هذا الحديث ـ طبقاً لنقل الشيخ الصدوق([22])؛ بسبب اشتمال سندها على عليّ بن العباس وقاسم بن الربيع الصحّاف الكوفي، اللذين ضعَّفها العلاّمة الحلي([23]) ـ غير صحيح وضعيف.

بَيْدَ أنه بالالتفات إلى رواية هذا الحديث ـ مضافاً إلى نقل الشيخ الصدوق في «مَنْ لا يحضره الفقيه» ـ في «التهذيب» و«الاستبصار»([24]) أيضاً، كما سبق أن ذكرنا، وأن سند الشيخ إلى محمد بن سنان ـ طبقاً لما جاء في الفهرست([25]) ـ صحيحٌ أيضاً، تكون هذه الرواية صحيحةً من حيث السند.

17ـ رواية موسى بن بكر الواسطي قال: قلتُ لزرارة: إن بُكَيْراً حدَّثني عن أبي جعفر×: «إن النساء لا ترث امرأةٌ مما ترك زوجها من تربة دارٍ، ولا أرض، إلاّ أن يقوَّم البناء والجذوع والخشب، فتعطى نصيبها من قيمة البناء. فأما التربة فلا تعطى شيئاً من الأرض، ولا تربة دار. قال زرارة: هذا لا شَكَّ فيه»([26]).

الإشكال في الاستدلال بالرواية السابعة عشرة

إن الإشكال الوارد على هذه الرواية هو ذات إشكال المعارضة الوارد على الرواية العاشرة المتقدِّمة.

18ـ ما رواه الصفّار في (بصائر الدرجات)، بإسناده عن عبد الملك قال: دعا أبو جعفر× بكتاب عليٍّ×، فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطويّاً، فإذا فيه: «إن النساء ليس لهنّ من عقار الرجل (إذا توفي عنهنّ) شيءٌ، فقال أبو جعفر×: هذا واللهِ خطُّ عليٍّ× بيده، وإملاء رسول الله|»([27]).

الإشكال في الاستدلال بالرواية الثامنة عشرة

أوّلاً: تشتمل هذه الرواية على ضعف في السند من جهة وجود «أبي مخلد»([28]).

وثانياً: تشتمل هذه الرواية على حرمان الزوجة من «عقار الأرض»، وحيث إن «العقار» يشمل الأراضي العامرة والدار يكون «عقار الأرض» أخصّ منه، وبذلك سيقع التعارض بينها وبين الروايات التي تجعل من «الأرض» ـ الشاملة لجميع الأراضي، الأعمّ من البوار والعامرة ـ موضوعاً لحرمان الزوجة من الإرث. إلاّ إذا قلنا: إن العقار يعني خصوص الأراضي العامرة، والتي تمّ إحياؤها، سواء بالزراعة أو البناء، وفي زمن صدور الروايات كانت الأراضي المملوكة هي العامرة، والتي تمّ إحياؤها، ولم تكن الأراضي البوار شيئاً يُمْلَك. وعليه فإن «العقار» في هذه الرواية يتّحد مع ما ورد في سائر الروايات الأخرى بلفظ «الأرض» من الناحية المصداقية، فلا يكون هناك تعارضٌ في البين.

إشكال التعارض، ودفعه

ليس هناك تعارضٌ بين هاتين المجموعتين من الروايات؛ وذلك لأمرين:

الأمر الأوّل: أن يُقال: إن كلتا هاتين المجموعتين من الروايات وإنْ كانت إحداها عامّة والأخرى خاصّة، إلاّ أنها توافق نفي إرث الزوجة من قسمٍ من أموال الزوج (أرض الدار والأراضي العامرة). وكما أن التوافق في الإثبات بين كلامين يوجب رفع التعارض، كذلك الأمر بالنسبة إلى التوافق في النفي أيضاً، من قبيل: «لا تضرب الرجال، ولا تضرب زيداً»، حيث إن كلا الصيغتين تشتمل على عدم ضرب زيد، أو «أكرم العلماء، وأكرم زيداً العالم».

الأمر الثاني: لو قيل: لا ضرورة لذكر الخاصّ في مثل هذه الموارد؛ لأن الأمر بعدم ضرب زيد متحقّق مع وجود العامّ أيضاً.

فجوابُه: هناك احتمالان في ذكر الخاصّ، وهما:

أوّلاً: اشتمال الخاصّ على خصوصية لدى المتكلِّم.

وثانياً: ما يُقال من أن الخاصّ يخصِّص العام. وفي ما نحن فيه؛ حيث تكون (الرواية الثامنة عشرة) خاصّة، فإنها تخصِّص الروايات الدالّة على الحرمان من مطلق الأرض، ويتمّ تقديم الخاصّ على العامّ، ويتمّ رفع التعارض، والعمل بالرواية الخاصّة.

بَيْدَ أنه لا شيء من هذين الاحتمالين يمكنه رفع التعارض بين هاتين المجموعتين من الروايات.

عدم تمامية الاحتمال الأوّل: إن استثناء إرث الزوجة من بعض أموال الزوج ـ كما تقدَّمت الإشارة إليه في معرض مناقشة الاستدلال ببعض الروايات ـ إنما هو استثناءٌ من عموم قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (النساء: 12)، و﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (النساء: 12)، وفَهْمُ العقلاء لمفهوم الإرث (شمول الإرث لجميع تركة الميت)، وكذلك الاستثناء من قول العامّة (عدم حرمان الزوجة من جميع أموال الزوج). وعليه فإن هذا النوع من الاستثناء الصادر من جهة المشرِّع والمقنِّن يدلّ على حصر المستثنى، يعني أن حرمان الزوجة من بعض أصناف الأرض (أرض الدار والأراضي العامرة) يثبت أن الشارع قد اكتفى بمجرّد حرمان الزوجة من هذه الموارد المستثناة من العمومات، وستبقى سائر الموارد الأخرى من الأموال تحت شمول عمومات إرث الزوجة من جميع تركة الزوج. وإنْ كان مراد الشارع موارد ومصاديق أخرى أيضاً وجب عليه أن يذكرها أيضاً. من هنا لا يكون ذكر هذه الروايات من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ كي تكون من الروايات المتوافقة، بل كلتا المجموعتين من هاتين الروايات قد صدرت في عرض بعضها، فتكونان متعارضتين.

أما عدم تمامية الاحتمال الثاني فإن لازم تخصيص روايات الحرمان المطلقة بهذه الروايات هو تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ إذ إن هذه الروايات قد صدرت في زمن الصادقين’. وكما سبق أن ذكرنا فإنه بالالتفات إلى ظروف وشرائط ذلك العصر، ومشقّة الوصول إلى الأئمة^، وأنهم كانوا في مقام بيان أحكام الله، فإن بيان العامّ دون بيان الخاصّ في زمنٍ واحد، وترك بيان الخاصّ إلى زمن الإمام اللاحق، يؤدّي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو قبيحٌ، ولا سيَّما إذا صدر من الشارع الحكيم والمقنِّن.

أدلة الأقوال الستّة

المقدّمة: لقد سلك الفقهاء العظام في بيان الأقوال في مسألة حرمان الزوجة من الأموال غير المنقولة للزوج طريقين:

الطريق الأول: تبويب الأقوال من خلال دراسة الكتب الفقهية. وقد سلكنا هذا الطريق في بداية البحث.

الطريق الثاني: بالالتفات إلى اختلاف الأقوال يتمّ ذكر عنوانين يمكن تطبيقهما على تلك الأقوال، والعمل على بحث الأقوال والقائلين بها تحت ذينك العنوانين. وهذان العنوانان هما:

1ـ ما لا ترثه الزوجة من تركة الزوج.

2ـ هل يختصّ حرمان الزوجة من بعض تركة الزوج بغير ذات الوَلَد أم يشمل ذات الوَلَد أيضاً؟

ولكي نكون قد سلكنا كلا هذين الطريقين في بيان الأقوال نختار هنا سلوك الطريق الثاني في دراسة أدلّة القائلين بالأقوال الستّة المتقدّمة.

العنوان الأول: ما هي الأمور التي لا ترثها الزوجة من تركة زوجها؟

هناك في هذه المسألة ثلاثة أقوال، بل إذا أمعنّا النظر يمكن القول: هناك أربعة أقوال. وإنّ رابعها يظهر ـ كما قال صاحب كتاب «مستند الشيعة» ـ من خلال التتبُّع في آراء الفقهاء والكتب([29]).

القول الأوّل

عدم توريث الزوجة من جميع أراضي الزوج، سواء المزروع منها وغير المزروع، وسواء أكان المزروع منها مزروعاً بالحنطة والشعير أو غيره، وسواء تلك العامرة بوجود الشجر أو البناء وغير ذلك. وعلى أيّ حال لا ترث الزوجة من عين هذه الأمور، ولا من قيمتها، وإنما ترث من قيمة الأدوات المستعملة في البناء، من قبيل: الأبواب والشبابيك والآجر والخشب والطوب وما إلى ذلك، كما ترث من قيمة البناء أيضاً.

القائلون بهذا القول

لقد ذهب إلى هذا القول جماعةٌ من الفقهاء، من أمثال: الشيخ الطوسي في «الخلاف»([30])، والقاضي ابن البرّاج في «المهذّب»([31])، وابن حمزة في «الوسيلة»([32])، وأبي الصلاح الحلبي في كتاب «الكافي في الفقه»([33]). كما اختار هذا القول فقهاء آخرون، مثل: المحقق الحلّي في «شرائع الإسلام»([34])، والعلامة الحلّي في «مختلف الشيعة»([35])، و«إرشاد الأذهان»([36])، والشهيد الأول في «اللمعة الدمشقية»([37])، و«الدروس الشرعية»([38])، والذي عمد الشهيد الثاني إلى تقويته في «مسالك الأفهام»([39])، والفيض الكاشاني في «مفاتيح الشرائع»([40]). وهناك من الفقهاء مَنْ ادّعى اشتهار هذا القول، ومن هؤلاء: العلامة الحلّي في «تحرير الأحكام الشرعية»([41])، و«قواعد الأحكام»([42])، وفخر المحقِّقين في «إيضاح الفوائد»([43])، وصاحب كتاب «نكت الإرشاد»([44])، والصيمري في «غاية المرام»([45])، والمحقّق الأردبيلي في «مجمع الفائدة والبرهان»([46])، والشهيد الثاني في «مسالك الأفهام»([47])، وصاحب كتاب «مفاتيح الشرائع»([48])، وصاحب كتاب «كفاية الأحكام»([49])، رغم أن الشيخ الطوسي ذهب في كتاب «الخلاف»([50]) إلى ادّعاء الإجماع على هذا القول.

ومن الجدير بالذكر أن بعض هؤلاء الفقهاء الذين قالوا بهذا القول قد قيّد الزوجة بأن لا يكون لها وَلَدٌ من الزوج المتوفّى، كالمحقّق الحلّي في «شرائع الإسلام»([51])، والعلامة الحلّي في «قواعد الأحكام»([52])، والشهيد الثاني في «مسالك الأفهام»([53])، حيث نسب هذا القول المقيّد إلى المشهور من المتأخِّرين.

وظاهرُ هذا القول أن الزوجة ترث من عين الشجر؛ لأن الحرمان في هذا القول متعلّق بعين الأرض، والأرض لا تصدق على الشجر.

أدلة القائلين بهذا القول، وكيفية الاستدلال بها

لقد استند القائلون بهذا القول إلى بعض الروايات التي تقدَّم ذكرها، من قبيل: الروايات الأولى، والثانية، والخامسة، والحادية عشرة، وكذلك الروايات([54]) التي تقتضي عدم توريث الزوجة من الأراضي التي تحتوي على أشياء ثابتة، مثل: الدور، والنخيل، والأراضي العامرة، دون سائر الأراضي الأخرى.

قال صاحب الجواهر([55])، بشأن الاستدلال بهذه الروايات الأخيرة: إن اقتصار الروايات([56]) الدالّة على مجرّد حرمان الزوجة من «الرباع»، و«رباع الأرض»، و«العقار» و«عقار الدور»، لا تتنافى مع الروايات الدالّة على حرمان الزوجة من مطلق الأرض؛ إذ كلا هاتين المجموعتين من الروايات يدلّ على نفي التوريث، فتكون من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ، من قبيل: «لا تضرب الرجال، ولا تضرب زيداً».

الإشكال في سند الروايات

إن الإشكال المشترك بين جميع روايات حرمان الزوجة ـ كما سبق أن ذكرنا في معرض مناقشة الروايات ـ؛ من حيث مرجوحية هذه الروايات عند تعارضها مع الأخبار الدالّة على عدم الحرمان، يكمن في مخالفتها للكتاب. وأما الإشكالات الخاصة بكلّ واحدة منها فقد تقدَّم تفصيلها في الصفحات السابقة. وعليه لا نرى ضرورةً لإطالة الكلام فيها. وأما جواب صاحب الجواهر فقد اتّضح مما تقدَّم في ذيل الرواية الثامنة عشرة.

القول الثاني([57])

حرمان الزوجة من عين وقيمة الأراضي ذات الأبنية، فلا ترث إلاّ من قيمة الأبنية والآلات والأدوات المستعملة فيها. كما ترث من عين سائر أراضي الزوج، من قبيل: المزارع والحدائق والضياع أيضاً.

 

القائلون بالقول الثاني

لقد ذهب إلى هذا القول بعض الفقهاء، مثل: الشيخ المفيد في «المقنعة»([58])، وابن إدريس الحلّي في «السرائر»([59])، والمحقّق الحلّي في «المختصر النافع»([60])، والفاضل الآبي في «كشف الرموز»([61]). هذا وقد مال العلامة الحلّي في كتاب «مختلف الشيعة»([62]) إلى هذا القول. كما ذهب صاحب «كفاية الأحكام»([63]) إلى عدم خلوّ هذا القول من القوّة، بعد قول السيد المرتضى.

الاستدلال على القول الثاني

لقد ذكروا لإثبات هذا القول الثاني ـ المعروف بأنه قول الشيخ المفيد وأتباعه ـ وجهين:

الوجه الأوّل

لقد تمّ بيان هذا الوجه من خلال ثلاثة أدلّة في كلام صاحب «مستند الشيعة» وصاحب «السرائر».

الدليل الأول: تدلّ عموم آيات وروايات الإرث على إرث الزوجة من جميع أموال الزوج. بَيْدَ أن هناك روايات أخرى تستثني بعض الموارد من هذه العمومات. إن هذه الموارد تختلف بسبب اختلاف الروايات، بَيْدَ أن الموارد التي تحرم الزوجة من إرث عينها وقيمتها، وتتّفق جميع الروايات عليها، هي الأراضي ذات الدُّور. كما أن هذه الأخبار تحرم الزوجة من مجرّد الإرث من عين الأنهار، دون قيمتها. وعلى هذا الأساس تبقى سائر تركة الزوج ـ التي لم تتَّفق الروايات بشأنها ـ تحت شمول العامّ.

الدليل الثاني: إن الأصل في الإرث هو الإرث من جميع تركة الميّت. وعليه ففي ما يتعلّق بالموارد التي وردت بشأنها الأدلة على خلاف هذا الأصل يجب الاقتصار على المقدار الذي تتَّفق عليها تلك الأدلة.

الدليل الثالث: إن الكثير من الروايات الدالّة على حرمان الزوجة من تركة الزوج تقتصر على ذكر الأراضي التي تقوم عليها الدُّور. وإذا كان هناك من موارد أخرى غير هذه الموارد المذكورة وجبت الإشارة إليها في هذه الروايات. وبعبارةٍ أخرى: إن ذكر هذه الموارد في العديد من الروايات يدلّ على حصرية المورد المذكور.

الإشكال على الدليل الأوّل

لقد أشكل صاحب «مستند الشيعة»([64]) على هذه الأدلة الثلاثة، وقال: الجواب عن الأول أنه إنْ لم نقُلْ بجواز تخصيص الكتاب بأخبار الآحاد فلا فرق فيه بين ما اتّفقت عليه الأخبار وما ورد في بعضها بعد كون ذلك البعض حجّة.

وإنْ قلنا به فخبر الواحد يخصِّصه، وإنْ لم يكن متكثِّراً.

وبالجملة لا تأثير لكثرة الأخبار وعدمها بعد اشتراك الجميع في كونه خبرَ واحدٍ.

الإشكال على الدليل الثاني

إن المذكور في الفقه بوصفه قاعدةً هو أن الواجب هو الاقتصار في ما خالف الأصل على موضع الدليل، دون الوفاق. والدليلُ على تخصيص غير الرباع أيضاً موجودٌ.

الإشكال على الدليل الثالث

أما الدليل الثالث فلا يمكن الاستناد إليه أيضاً؛ إذ لا يلزم بيان كلّ حكم في جميع الروايات التي تبيِّن ذلك الحكم، بل هناك في الفقه الكثير من الموارد التي تبين المصاديق المختلفة للحكم في رواياتٍ متعدّدة.

ومن الجدير بالذكر أن العلامة الحلّي قد استدلّ لقول الشيخ المفيد في «مختلف الشيعة» قائلاً: يدلّ القرآن على إرث الزوجة من جميع تركة الميت، دون استثناء. وإن تخصيص عمومات الكتاب مخالفٌ لظهور القرآن. وكلما كان تخصيص عمومات الكتاب أقلّ كان ذلك أفضل.

وقد اتّضح الجواب على هذا الاستدلال من إشكال صاحب «مستند الشيعة» على الدليل الأوّل.

الوجه الثاني

في هذا الوجه، المستفاد من تقريرات([65]) درس الفقيه المتتبِّع السيد حسين البروجردي، تَمَّ التمسُّك بأربعة أمور، على النحو التالي:

الأمر الأوّل: إن المراد من العقار في الروايات هو الدُّور السكنية، ولا سيَّما تلك الروايات التي تذكر العقار على نحو الإضافة، من قبيل: «عقار الدُّور»([66])، أو التي تذكر العقار منضمّاً إلى أمور أخرى، من قبيل قول الإمام×: «فأمّا الأرض والعقارات»([67]).

والإشكال في هذا يكمن في أن للعقار معاني كثيرة؛ فهناك من اللغويين مَنْ قال: إن العقار يعني «مطلق الأرض»؛ وهناك مَنْ رأى للعقار معاني أخرى، من قبيل: «الضياع» و«متاع البيت»، وكلّ ما له أصلٌ، مثل «الدار». وعلى هذا الأساس، وبالالتفات إلى تعدّد المعاني المذكورة للعقار ـ ومنها ما هو عامّ، ومنها ما هو خاصّ ـ لا يمكن القول: إن المراد من «العقار» في الروايات هو أرض الدار. وعليه نقول: «إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال».

الأمر الثاني: إن الروايات المشتملة على كلمة «الرباع» أو «عقار الدور» تدلّ على أن المراد من هذين اللفظين هو الدُّور السكنية.

ويشكل على ذلك بما يلي:

أوّلاً: إن عدم دلالة هذه الروايات على حرمان الزوجة من مطلق الأرض موقوف على قولنا بحجّية مفهوم اللقب، وقد ثبت في محلّه أن لا مفهوم للقب.

وثانياً: إن الخاصّ والعام الموجبين لا يتعارضان فيما بينهما؛ إذ ورد في هذه الروايات قوله: إن الزوجة لا ترث أرض الدار، وقالت الروايات الأخرى: إن الزوجة لا ترث من مطلق الأرض.

الأمر الثالث: ورد في بعض الروايات تعليل حرمان الزوجة من الإرث بإزعاجها لسائر الورثة. ومن الواضح أن هذا التعليل أنسب بحرمان الزوجة من عقار الدُّور، دون مطلق الأرض.

ويُشْكَل على هذا الكلام بما يلي:

أوّلاً: إن إزعاج الزوجة للورثة ينطبق على سائر الأراضي أيضاً.

وثانياً: إن عبارة «لئلا يتزوّجْنَ…» ليست علّةً؛ إذ يجب في هذه الحالة أن تجري بالنسبة إلى إرث الزوج من دار الزوجة، وأن يمنع الزوج من أن يرث من دُور الزوجة أيضاً.

الأمر الرابع: بالالتفات إلى الاختلاف في روايات حرمان الزوجة من تركة الزوج يجب الاكتفاء بالقدر المتيقَّن المستفاد من تلك الروايات، والقدر المتيقَّن منها هو عقار الدار، وأما في سائر الموارد الأخرى فيجب التمسُّك فيها بعموم آيات الإرث.

والإشكال على هذا الكلام هو أن القائلين بحرمان الزوجة من مطلق الأراضي إنما يدَّعون ظهور الروايات في حرمان الزوجة من جميع أراضي الزوج، لا أنهم يشكّون في المراد من هذه الروايات، حتّى يُقال: لا بُدَّ من التمسُّك في الموارد المشكوك فيها بعموم آيات الإرث.

القول الثالث([68])

لا ترث الزوجة من عين الأرض التي أُقيمت عليها دار سكنية فقط، ولكنها ترث من قيمة هذه الأرض، وترث من سائر تركة الزوج عَيْناً وقيمةً.

ويعرف هذا القول بأنه قول السيد المرتضى([69]). وذهب صاحب «كفاية الأحكام»([70]) إلى قوّته. وعلى الرغم من ذهاب العلامة الحلّي في «مختلف الشيعة»([71]) إلى القول الأوّل، فإنّه عَدَّ هذا القول حَسَناً أيضاً.

أدلة القول الثالث

دليل السيد على هذا القول هو الجمع بين عموم آيات وروايات الإرث وما أجمع عليه الأصحاب، وهو حرمان الزوجة من أموال الزوج غير المنقولة، والذي تدلّ عليه روايات الحرمان أيضاً.

 

الإشكال على استدلال السيد&

رغم أن الجمع بين الأدلة أسلوبٌ متعارف بين الفقهاء، بَيْدَ أن الجمع الصحيح هو الذي يحظى بشاهدٍ معتبر من الكتاب والسنّة والإجماع، وبعبارةٍ أخرى: يجب أن لا يكون «جمعاً تبرُّعياً». وفي ما نحن فيه لا يوجد على هذا الجمع أيُّ دليلٍ أو شاهد معتبر؛ إذ إن عموم آيات الإرث تدلّ على إرث الزوجة للربع أو الثمن من عين تركة الزوج، وإن القول بأنها في بعض الموارد تُعْطَى من القيمة بَدَلاً من العين لا يُعَدّ عملاً بعموم تلك الآيات، وهذا سيضرّ بسلامة تلك العمومات؛ لأن العمومات تدلّ على إرث الزوجة من عين التركة، لا من قيمتها.

فإنْ قيل: إن لازم التوريث من العين هو التوريث من القيمة أيضاً؛ لأن عين كل شيء إذا ملكها شخصٌ ملك قيمتها أيضاً. وعليه فإن العمومات تدلّ على أن الزوجة ترث الربع أو الثمن من عين وقيمة تركة الزوج، وإن روايات الحرمان تدلّ على أن الزوجة ترث من عين بعض التركة، ولكنّها ترث من قيمتها. ومن هنا فإن روايات الحرمان تعمل على تضييق وتخصيص دائرة شمول عمومات الإرث لعين بعض تركة الزوج، وإن هذا التخصيص يمثِّل الحدّ الأدنى من التخصيص في ما يتعلَّق بالعمومات.

نقول في الجواب: إن ما يقال من أن الشخص إذا ملك عين شيءٍ ملك قيمته أيضاً لا تكون فيه ملكية القيمة ملكيةً أصيلة؛ لأن الأصل يقوم على ملكية العين، وأما ملكية القيمة فهي ملكية فرعية تابعة لملكية عين ذلك الشيء. وبعبارةٍ أخرى: ليس الأمر بأن يجعل الشارع في ملكية الأشياء أمرين مستقلّين: أمراً بالعين؛ وأمراً بالقيمة. وإذا كان لمثل هذا الوضع من وجودٍ لوجب أن يكون بالإمكان القول: يمكن للشخص أن يمتلك قيمة شيءٍ ولا يمتلك عين ذلك الشيء. وهو كما ترى. وعليه فإن الأصل في الملكية هو ملكية عين الأشياء، والقيمة فرعٌ للعين. فإذا منع الشارع من عين مالٍ منع من قيمته أيضاً، تَبَعاً لمنع ملكية العين؛ لأن لازم المنع من الأصل هو المنع من الفرع أيضاً.

وعليه؛ حيث اتّضح أن لا وجود لشاهدٍ أو دليل على هذا الجمع المدَّعى، نتقدَّم خطوةً إلى الأمام، ونقول: مضافاً إلى عدم وجود شاهدٍ ودليل معتبر على هذا الجمع، فإن بعض الروايات([72]) الدالّة على حرمان الزوجة من قيمة الأراضي تدلّ أيضاً على عدم تمامية هذا الجمع.

تقوية استدلال السيد المرتضى&

كما سبق أن ذكرنا فإن بعضهم قد استند في عدم صحّة الجمع المدّعى من قِبَل السيد المرتضى& إلى روايات حرمان الزوجة ومنعها حتّى من قيمة الأرض. بَيْدَ أن هذا الإشكال لا يَرِدُ على السيد المرتضى؛ لأن أخبار الحرمان المطلقة من أخبار الآحاد، والسيد المرتضى لا يؤمن بحجّية خبر الواحد من الأساس. وعليه فمن وجهة نظر السيد المرتضى لا يمكن لهذه الأخبار أن تخصِّص العمومات، وإنما يعمل على تخصيص العمومات بإجماع الفقهاء، على ما تقدَّم بيانه.

ردّ الجواب عن الإشكال

إن الدفاع عن استدلال السيد المرتضى غيرُ تامٍّ؛ وذلك للأدلة الثلاثة التالية:

1ـ إن هذه الأخبار ليست أخبار آحاد، بل هي ـ كما قال بعض الفقهاء([73]) ـ من الأخبار المتواترة معنوياً. ثم إذا سلَّمنا أنها من أخبار الآحاد، إلاّ أنها مقرونة ومحفوفة بقرائن تدلّ على صحّتها. وإن السيد المرتضى يعتبر هذا النوع من الأخبار حجّةً ومخصِّصةً للكتاب. وإن فتاوى الأصحاب على طبق أخبار الحرمان في حدّ ذاتها قرينة على صحّة هذه الأخبار وحجّيتها. وعليه فإن هذه الأخبار تخصِّص عمومات الإرث، حتّى على رأي السيد المرتضى أيضاً.

2ـ نحن لا نرى اقتصار إجماع الفقهاء على حرمان الزوجة من عين التركة، بل إن هذا الإجماع ـ كما صرَّح صاحب «مسالك الأفهام»([74])، ويظهر من التتبُّع في فتاوى الفقهاء([75]) أيضاً ـ يشمل حرمان الزوجة من العين والقيمة أيضاً.

3ـ كما تقدَّم أن ذكرنا فإن استدلال السيد المرتضى إنما يكون صحيحاً إذا تمّ الالتفات في باب الإرث إلى أمرين، وهما: التوريث من العين؛ والتوريث من القيمة. ولذلك يمكن القول: إن الإجماع قائمٌ على عدم التوريث من العين، وإن التوريث من القيمة ـ الذي دلَّت عليه العمومات ـ قائمٌ على حاله. ولكنْ يجب القول: في باب الإرث لا وجود لمثل هذا التقسيم في مال الإرث، بل الذي وُضع من قِبَل الشارع هي الملكية على العين بواسطة التوريث. وإنّ ملكية القيمة فرعٌ عن تلك الملكية المجعولة من قِبَل الشارع. ومن خلال الحكم بعدم ملكية العين من طريق الإرث يُحْكَم تَبَعاً بعدم الملكية من القيمة أيضاً.

القول الرابع([76])

إن هذا القول على غرار القول الأوّل، مع فارق أن الزوجة ـ طبقاً لهذا القول ـ لا ترث من عين الأشجار والنخيل، وإنما ترث من قيمتها فقط.

وقد ذهب العلامة الحلّي في «قواعد الأحكام»([77])، وفخر المحقّقين في «إيضاح الفوائد»([78])، والشهيد الثاني في «مسالك الأفهام»([79])، إلى اعتبار هذا القول هو المشهور. وقد تلقاه فخر المحقّقين في «الإيضاح» بالقبول، ونسبه إلى والده العلامة الحلّي.

أدلة القول الرابع

تمّ الاستدلال لإضافة «الأشجار» إلى موارد الحرمان بالأدلة التالية:

1ـ صحيحة مؤمن الطاق، عن أبي عبد الله×، قال: سمعتُه يقول: «لا يرثْنَ النساء من العقار شيئاً، ولهنّ قيمة البناء والشجر والنخل»([80]).

وقيل في كيفية الاستدلال بهذه الصحيحة: إن في حصر الإمام× إرث النساء بقيمة الأشجار دلالة صريحة على حرمانهنّ من الإرث من عين الأشجار.

2ـ الأخبار الصريحة في عدم إرث الزوجات من أعيان الجذوع([81]).

3ـ ورد في بعض الروايات([82]) تعليل حرمان الزوجة باحتمال أن تتزوَّج من رجل غريب فتدخله على سائر ورثة الزوج الأوّل، الأمر الذي يشقّ عليهم؛ أو لكي لا تستطيع الزوجة إحداث تغيير أو تبديل في الدار، بحيث تخرجه عن حيِّز الانتفاع؛ أو إخراج الشجر بتقسيمه عن حيِّز الانتفاع. وعليه فإن هذه الروايات تشمل الشجر أيضاً.

ومن الجدير بالتوضيح أن الجواب عن كلّ واحدٍ من الأدلّة المتقدِّمة يتّضح من المسائل المذكورة في نقد ومناقشة الروايات المتقدّمة في اختيار القول المختار.

العنوان الثاني([83]): هل يقتصر حرمان الزوجة من بعض تركة الزوج على الزوجة غير ذات الولد أم يشمل ذات الولد أيضاً؟

هناك قولان في هذه المسألة، وهما:

القول الأوّل

إن الحرمان يقتصر على الزوجة التي لا يكون لها وَلَد من الزوج المتوفّى.

وهو مختار المحقّق الحلّي في «شرائع الإسلام»([84])، والعلامة الحلّي في «قواعد الأحكام»([85]). وقال الشهيد الثاني في «مسالك الأفهام»([86]): إن هذا القول هو المشهور بين المتأخِّرين، ثم قال: لا إشكال في هذا القول.

كيفية الاستدلال

لقد استدلّ لهذا القول أوّلاً بأن هذا التفصيل يستوجب تقليل التخصيص في هذه الآية الشريفة. وثانياً: إن صحيحة ابن أُذَيْنة: «إذا كُنَّ لهنَّ وَلَدٌ أُعْطِينَ من الرباع»([87]) صريحةٌ في هذا القول.

ردّ الاستدلال

إن هذا الاستدلال غيرُ تامٍّ؛ وذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: مع وجود المخصِّص ـ الواقع مورداً للقبول ـ لا يكون هناك من مبرِّر لاعتبار قلّة التخصيص خيراً من كثرته، بل الذي يعتبر مضرّاً هو تخصيص الأكثر وندرة المخصّص، هذا أوّلاً.

وثانياً: لو كانت أدلة الحرمان تختصّ بالزوجة غير ذات الولد سيؤدي ذلك إلى حصول تخصيصين: الأوّل: تخصيص في عمومات إرث الزوجة؛ والآخر: تخصيص في روايات الحرمان، وأكثرها مطلقة وعامة. وعليه فإن هذا الاستدلال لا يؤدّي إلى قلة التخصيص.

الوجه الثاني: إن هذه الرواية (صحيحة ابن أذينة) مقطوعةٌ؛ إذ لم يتّصل سندها بالإمام×، لا تصريحاً ولا إضماراً ولا بأيّ شكلٍ آخر. بل إن ظهور هذه الفقرة من الرواية يوحي بأنها كلامٌ أو فتوى من ابن أذينة.

وإذا قال شخصٌ: نحن نظنّ بأن هذا الكلام صادرٌ عن الإمام×.

قلنا في الجواب: إن مظنون الرواية لا يصلح أن يكون حجّة.

دفع الإشكال السندي

لقد ذكروا وجهين لانتساب هذه الرواية إلى الإمام×، وحجّيته، وهما:

1ـ إن هذه المقطوعة هي من قبيل: المرسلات والمقطوعات والمضمرات التي قيل بشأن رواتها: إن شأنهم أرفع من أن يرووا عن غير الإمام المعصوم×. وعليه تكون هذه الروايات الصادرة عن مثل هؤلاء الأشخاص حجّةً. وابنُ أذينة واحدٌ منهم.

2ـ إن شهرة الأصحاب تجبر ضعف السند.

الجواب عن دفع الإشكال السندي

إن الجواب الأوّل غيرُ تامٍّ؛ إذ إن ظاهر الكلام في هذه المقطوعة يبدو أنه فتوى لابن أذينة. والقاعدة الجارية في المراسيل والمضمرات والمقطوعات إنما تجري إذا لم يكن هناك عِلْمٌ بخلاف صدورها عن الإمام المعصوم×، في حين أن ظهور الكلام في هذه الرواية دليلٌ على عدم كون هذا الكلام روايةً.

كما أن الوجه الثاني غيرُ تامٍّ أيضاً؛ إذ كما تقدَّم ـ في معرض بيان الأقوال السابقة ـ لا وجود للشهرة القولية التي تجبر ضعف السند، بل إن تحقُّق هذه الشهرة ممنوعٌ؛ إذ إن الكثير من الأصحاب لا يرَوْن فرقاً بين الزوجة ذات الولد وغيرها، ومن هؤلاء: ثقة الإسلام الكليني في «الكافي»([88])، والشيخ المفيد في «المقنعة»([89])، والسيد المرتضى في «الانتصار»([90])، والشيخ الطوسي في «الاستبصار»([91])، وغيرهم. بل ذهب الشيخ الطوسي في «الخلاف»([92])، وابن إدريس الحلي في «السرائر»([93])، إلى ادّعاء الإجماع على عدم الفرق.

القول الثاني

إن الزوجة مطلقاً ـ سواء أكانت ذات ولد أم غير ذات ولد ـ في ما يتعلَّق بالحرمان ـ بالالتفات إلى اختلاف موارد الحرمان عند الفقهاء من حيث عين وقيمة الأبنية والأشجار ـ تحرم من الإرث.

والقائل بذلك هم: ثقة الإسلام الكليني في «الكافي»([94])، والشيخ المفيد في «المقنعة»([95])، والسيد المرتضى في «الانتصار»([96])، والشيخ الطوسي في «الاستبصار»([97])، وأبو الصلاح الحلبي في «الكافي في الفقه»([98])، وابن إدريس الحلّي في «السرائر»([99])، والمحقّق الحلّي في «المختصر النافع»([100])، والشيخ الطوسي في «الخلاف»([101])، حيث قالوا بوجود الإجماع على ذلك.

كيفية الاستدلال

لقد ذكر لهذا القول، وهو القول الحقّ ـ إذا قبلنا بأصل الحرمان من الأساس ـ، أدلّة، وهي:

1ـ إطلاق جميع روايات الحرمان وعموم الكثير منها، التي لم يذكر فيها قيد «ذات الولد أو عدمه». وإن هذا الإطلاق والعموم مستفادٌ من كلمة النساء ـ بصيغة الجمع ـ مع ترك التفصيل.

2ـ التعليل الوارد في بعض روايات الحرمان، من قبيل: «لئلاّ يتزوَّجْنَ»، و«لا يمكن تغييره وقلبه»، الدالّ على حرمان مطلق الزوجة.

ومن الجدير بالذكر أنّه إذا رفضنا أن تكون هذه العبارات تعليلية فلا أقلّ من إمكانية اعتبارها حكمةً، ويمكن على أساس الحكمة ـ كما تقدَّم ـ القول بدلالتها على عدم تقييد الزوجة بـ «ذات الولد».

3ـ صحيحة الفضلاء الخمسة (الرواية الخامسة)، وصحيحة محمد بن مسلم وزرارة (الرواية الثالثة عشرة)، حيث حكم فيهما بحرمان الزوجة من الإرث من عين الأرض، ولكنّها تُعْطَى سهمها ـ سواء أكان هو الربع أو الثمن ـ من قيمة البناء والأدوات المستعملة في الدُّور. ومن الواضح أن فرض الثمن إنما يكون إذا كان للزوجة ولدٌ من الزوج المتوفّى. فإذا أخذ في مسألة حرمان الزوجة من عين وقيمة الأرض قيد «عدم ذات الولد» وجب أن يذكر في هاتين الروايتين خصوص سهم الربع؛ إذ إن الزوجة ذات الولد ـ طبقاً لادّعائكم ـ لا تمنع من الإرث من مطلق الأرض (أرض الدار وسائر الأراضي الأخرى). في حين أن هاتين الروايتين ـ بالالتفات إلى ذكر الثمن ـ تؤكِّدان صراحةً على أن الزوجة حتّى إذا كانت ذات وَلَد لا ترث إلاّ من قيمة البناء والأدوات والآلات، ولا ترث شيئاً من عين وقيمة الأرض. وبعبارةٍ أخرى: إذا كان ادّعاؤكم صحيحاً سيكون ذكر سهم الثمن للزوجة في هاتين الروايتين لَغْواً؛ إذ بناءً على القيدية يجب أن ترث الزوجة ذات الوَلَد من القيمة ومن العين أيضاً، لا من القيمة فقط، في حين تدلّ هاتان الروايتان على أن الزوجة ـ سواء أكانت ذات وَلَد أم غير ذات وَلَد ـ لا ترث إلاّ من قيمة البناء والآلات والأدوات، ولا ترث من الأرض مطلقاً.

الهوامش

(*) باحثٌ وأستاذٌ في الحوزة العلميّة، من إيران. وهذا البحث مقتبسٌ من آراء المرجع الديني الشيخ يوسف الصانعي.

([1]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 207، الباب 6، ح4.

([2]) المصدر السابق 26: 205، الباب 6، ح1.

([3]) المصدر السابق 26: 207، الباب 6، ح4.

([4]) المصدر نفسه.

([5]) الكليني، الكافي 7: 128، ح3.

([6]) الطوسي، تهذيب الأحكام 9: 297، ح24.

([7]) انظر: الطوسي، الاستبصار 4: 151، ح1.

([8]) هكذا في الأصل.

([9]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 208، الباب 6، ح6.

([10]) المصدر السابق 26: 209، الباب 6، ح10.

([11]) المصدر السابق 26: 208، الباب 6، ح8.

([12]) المصدر السابق 26: 210، الباب 6، ح11.

([13]) وفي كتاب (خلاصة الأقوال): 418 جاء بشأن يزيد الصائغ: يزيد الصائغ ـ بالغين المعجمة ـ قال الكاشي: ذكر الفضل في بعض كتبه: الكذّابون المشهورون: أبو الخطّاب، ويونس بن ظبيان، ويزيد الصائغ، ومحمد بن سنان، وأبو سمينة أشهرهم.

([14]) الكليني، الكافي 8: 79، ح35.

([15]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 206، الباب 6، ح3.

([16]) المصدر السابق 16: 206، الباب 6، ح2.

([17]) المصدر السابق 26: 208، الباب 6، ح7.

([18]) المصدر السابق 26: 209، الباب 6، ح9.

([19]) المصدر السابق 26: 210، الباب 6، ح13.

([20]) انظر: الطوسي، تهذيب الأحكام 9: 300، ح1074؛ الاستبصار 4: 154، ح579؛ الصدوق، مَنْ لا يحضره الفقيه 4: 251، ح808؛ علل الشرائع 2: 572، الباب 372، ح2، تحقيق: السيد فضل الله الطباطبائي اليزدي، ط2، قم، 1384هـ.

([21]) الشيخ علي پناه الاشتهاردي، تقريرات ثلاثة (تقرير بحث الأستاذ السيد حسين الطباطبائي البروجردي / ميراث الأزواج): 111، مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدّسة، 1416هـ.

([22]) إن طريق الرواية في (علل الشرائع) إلى محمد بن سنان كما يلي: حدَّثنا علي بن أحمد بن محمد (رضي الله عنه) قال: حدَّثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن عليّ بن العباس قال: حدَّثنا القاسم بن الربيع الصحّاف، عن محمد بن سنان. (انظر: علل الشرائع 2: 231، ح4).

([23]) انظر: العلامة الحلّي، خلاصة الأقوال في معرفة الرجال: 367، رقم 1444، تحقيق: جواد القيومي، مؤسسة النشر الإسلامي، ط1، قم المقدّسة، 1417هـ.

([24]) انظر: الطوسي، تهذيب الأحكام 9: 298، ح1068؛ الاستبصار 4: 152، ح574.

([25]) انظر: الطوسي، الفهرست: 206، رقم 591، 619.

([26]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 211، الباب 6، ح15.

([27]) محمد بن الحسن الصفّار، بصائر الدرجات في مناقب آل محمد: 225، ح4، طليعة النور، ط1، قم المقدّسة، 1384هـ.ش؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 22، الباب 6، ح17.

([28]) انظر: العلامة الحلّي، خلاصة الأقوال في معرفة الرجال: 420، رقم 1704.

([29]) انظر: مهدي النراقي، مستند الشيعة 19: 378.

([30]) انظر: الطوسي، الخلاف 4: 116، المسألة رقم 131.

([31]) انظر: القاضي ابن البرّاج، المهذّب 2: 140.

([32]) انظر: عماد الدين الطوسي (المعروف بابن حمزة)، الوسيلة: 391.

([33]) انظر: أبو الصلاح الحلبي، الكافي في الفقه: 374.

([34]) انظر: المحقق الحلّي، شرائع الإسلام 4: 28 ـ 29.

([35]) انظر: العلامة الحلّي، مختلف الشيعة 9: 56، المسألة 10.

([36]) انظر: العلامة الحلّي، إرشاد الأذهان 2: 125.

([37]) انظر: الشهيد الأول، اللمعة الدمشقية: 248.

([38]) انظر: الشهيد الأول، الدروس الشرعية 2: 358.

([39]) انظر: الشهيد الثاني زين الدين العاملي، مسالك الأفهام 13: 184.

([40]) انظر: محمد محسن (المعروف بالفيض الكاشاني)، مفاتيح الشرائع 3: 329، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، مجمع الذخائر الإسلامية، ط1، 1401هـ (3 مجلدات).

([41]) انظر: العلامة الحلّي، تحرير الأحكام الشرعية 5: 41.

([42]) انظر: العلامة الحلّي، قواعد الأحكام 3: 376.

([43]) انظر: فخر المحقّقين الشيخ أبو طالب بن المطهّر الحلّي، إيضاح الفوائد 4: 240.

([44]) انظر: نكت الإرشاد 3: 587، ضمن: غاية المراد.

([45]) انظر: مفلح الصيمري البحراني، غاية المرام في شرح شرائع الإسلام 4: 183، تحقيق: جعفر الكوثراني العاملي، الناشر: دار الهادي، ط1، 1420هـ (4 مجلدات).

([46]) انظر: المقدَّس الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان 11: 450.

([47]) انظر: الشهيد الثاني، مسالك الأفهام 13: 184.

([48]) انظر: الفيض الكاشاني، مفاتيح الشرائع 3: 329.

([49]) انظر: محمد المؤمن (المعروف بالمحقّق السبزواري)، كفاية الأحكام 2: 853.

([50]) انظر: الطوسي، الخلاف 4: 116، المسألة رقم 131.

([51]) انظر: المحقّق الحلّي، شرائع الإسلام 4: 28 ـ 29.

([52]) انظر: العلامة الحلّي، قواعد الأحكام 3: 376.

([53]) انظر: الشهيد الثاني، مسالك الأفهام 13: 190.

([54]) انظر: الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 207، 210، 211، الباب 6، ح4، 5، 12، 16.

([55]) انظر: محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 39: 213.

([56]) هذه الروايات عبارةٌ عن: الروايات السابعة، والتاسعة، والعاشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة، والتي تقدَّم ذكرها في معرض البحث عن الروايات.

([57]) القول الأول الذي تقدَّم في صفحة سابقة.

([58]) انظر: الشيخ المفيد، المقنعة: 687.

([59]) انظر: ابن إدريس الحلّي، السرائر 3: 275 ـ 276.

([60]) انظر: المحقق الحلّي، المختصر النافع: 272.

([61]) انظر: الفاضل الآبي، كشف الرموز 2: 463.

([62]) انظر: العلامة الحلّي، مختلف الشيعة 9: 54.

([63]) انظر: المحقّق السبزواري، كفاية الأحكام 2: 860.

([64]) انظر: أحمد بن محمد مهدي النراقي، مستند الشيعة 19: 374 ـ 375.

([65]) الشيخ علي پناه الاشتهاردي، تقريرات ثلاثة (تقرير بحث الأستاذ السيد حسين الطباطبائي البروجردي / ميراث الأزواج): 117 ـ 118، حيث نسب حرمان الزوجة من مطلق الأراضي إلى السيد البروجردي، ولكن الشيخ الصافي الكلبايكاني في تقريراته نقل مَيْل أستاذه [السيد البروجردي] إلى قول الشيخ المفيد؛ إذ يقول: «وهو مختار المفيد… ومال إليه سيدنا الأستاذ الفقيه الكبير السيد البروجردي ـ أعلى الله في الخلد مقامه ـ، بل كان يفتي بذلك، إذا لم يتصالح سائر الورثة مع الزوجة». انظر: إبانة المختار، إرث الزوجة: 222. وقد طبع هذا البحث في كتابٍ مستقلّ بعنوان: (صيانة الإبانة) أيضاً.

([66]) انظر: الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 208، الباب 6، ح7.

([67]) انظر: المصدر السابق 26: 206، الباب 6، ح3.

([68]) القول الثاني المتقدّم في صفحة سابقة.

([69]) انظر: علي بن الحسين الموسوي (المعروف بعلم الهدى)، الانتصار: 585.

([70]) انظر: المحقّق السبزواري، كفاية الأحكام 2: 860.

([71]) انظر: العلامة الحلّي، مختلف الشيعة 9: 54، المسألة 10.

([72]) من قبيل: ما تقدّم من الروايات 11 إلى 14. ولمزيدٍ من الاطلاع انظر: الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 209، الباب 6، ح2، 3، 9.

([73]) انظر: السيد علي الطباطبائي، رياض المسائل 14: 378.

([74]) انظر: الشهيد الثاني، مسالك الأفهام 13: 184.

([75]) مثل: القاضي ابن البرّاج في المهذّب 2: 140 ـ 141؛ أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 374.

([76]) القول الثالث المتقدّم في صفحة سابقة.

([77]) انظر: العلامة الحلّي، قواعد الأحكام 3: 376.

([78]) انظر: فخر المحقّقين، إيضاح الفوائد 4: 240.

([79]) انظر: الشهيد الثاني زين الدين العاملي، مسالك الأفهام 13: 185.

([80]) انظر: الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 211، الباب 6، ح16.

([81]) انظر: المصدر السابق 26: 211، الباب السادس، ح16.

([82]) انظر: المصدر السابق، ح15.

([83]) العنوان الأول الذي تقدّم في صفحة سابقة.

([84]) انظر: المحقّق الحلّي، شرائع الإسلام 4: 28 ـ 29.

([85]) انظر: العلامة الحلّي، قواعد الأحكام 3: 376.

([86]) انظر: الشهيد الثاني، مسالك الأفهام 13: 190.

([87]) انظر: الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 213، الباب 7، ح2.

([88]) انظر: الكليني، الكافي 7: 127.

([89]) انظر: المفيد، المقنعة: 678.

([90]) انظر: المرتضى، الانتصار: 585.

([91]) انظر: الطوسي، الاستبصار 4: 154.

([92]) انظر: الطوسي، الخلاف 4: 116، المسألتان 130 ـ 131.

([93]) انظر: ابن إدريس الحلّي، السرائر 3: 276.

([94]) انظر: الكليني، الكافي 7: 127.

([95]) انظر: المفيد، المقنعة: 678.

([96]) انظر: المرتضى، الانتصار: 585.

([97]) انظر: الطوسي، الاستبصار 4: 154.

([98]) انظر: أبو الصلاح الحلبي، الكافي في الفقه: 374.

([99]) انظر: ابن إدريس الحلّي، السرائر 3: 276.

([100]) انظر: المحقّق الحلّي، المختصر النافع: 272.

([101]) انظر: الطوسي، الخلاف 4: 116، المسألتان 130 ـ 131.