إشكاليّة مصادر القرآن الكريم

22 يونيو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
86 زيارة

إشكاليّة مصادر القرآن الكريم

من وجهة نظر الشيخ معرفت

د. الشيخ محمد إبراهيم روشن ضمير(*)

ترجمة: حسن علي مطر الهاشمي

زبدة المقال ــــــ

حيث لا يؤمن المستشرقون بسماويّة القرآن الكريم، فإنهم سعَوْا إلى التعامل معه كما يتعاملون مع سائر الظواهر الاجتماعية، فتعاملوا مع نصوص الإسلام والقرآن كما يتعاملون مع أيّ كتابٍ أو نصّ آخر. ومن هنا فقد بذلوا كل جهدهم وسعيهم لإثبات مصدر للقرآن من خارج وحي السماء، وتشبّثوا لذلك ـ مثل الغريق ـ بكلّ قشّ وحشيش، فأعادوا اجترار كلمات المشركين المعاصرين لنزول القرآن، ولكنْ بثوبٍ جديد.

ونحن نسعى في هذا المقال إلى استخلاص الإجابة عن هذه الشبهات، من مؤلَّفات الأستاذ المبدع والباحث والمحقِّق في الشأن القرآني الشيخ معرفت&.

ومع الالتفات إلى محدوديّة حجم هذا المقال سوف نضطرّ إلى رعاية الاختصار، رغم أننا سنضطرّ في بعض الموارد إلى تفصيل مباحث المستشرقين؛ لضرورة إيضاح المسألة.

مقدّمة ــــــ

منذ أن صدع النبيّ الأكرم| بالآيات الأولى من الوحي الإلهي الذي نزل عليه، ودعا الناس إلى عبادة الله الواحد، وقف قادة المشركين في وجه هذه الدعوة، وسخَّروا كلّ إمكاناتهم من أجل إيقاف هذا النداء السماوي. ولم يَأْلُوا جهداً في ذلك، فأخذوا يقولون تارةً: إن آيات القرآن ما هي إلا أساطير الأوّلين تُتْلى عليه في الليل والنهار([1])؛ ووصفوها تارةً أخرى بأنها أشعارٌ وسحر وما إلى ذلك([2]). وعلى الرغم من جميع ذلك واصل القرآن إشعاعه، ليضيء القلوب، ويجتذب إليه أرواح الوالهين.

وقد أخذت هذه الشبهات، بعد تطاول القرون، تُطْرَح من جديدٍ، ولكنْ لا على لسان المشركين في عصر الجاهلية هذه المرّة، وإنّما على لسان مَنْ يدَّعي الثقافة والحضارة، من الذين صكَّتْ دعوتهم إلى طلب الحقيقة أسماع العالم، ونسبوا التخلُّف والهمجية والانحطاط إلى كلّ مَنْ سواهم!

لقد عمد هؤلاء إلى تأطير التُّهَم القديمة بأطر جديدة، وأضفَوْا على كلمات الجاهليين صبغةً علمية حديثة. وهكذا قاموا ـ على حدِّ زعمهم ـ بتضييق الخناق على المؤمنين لفترةٍ من الزمن، وأثاروا الغبار في الأجواء. بَيْدَ أنه بفضل جهود العلماء والمحقِّقين كانت شمس الحقيقة تسطع على العالم من جديد، أكثر توهّجاً وإشراقاً من قبل.

وقد كان العلاّمة الأستاذ معرفت من جملة العلماء والمحقِّقين الذين تصدّوا خلال طرح المباحث القرآنية للإجابة بشكلٍ دقيق عن شبهات المستشرقين.

وفي هذا المقال سوف نتعرَّض لمناقشة شبهة مصادر القرآن من وجهة نظر الأستاذ معرفت.

ومن المناسب قبل الدخول في صُلْب البحث أن نقدِّم رؤيةً عابرة عن أهداف ومقاصد المستشرقين من وجهة نظر الأستاذ معرفت.

 

أهداف المستشرقين ــــــ

لقد أشار الأستاذ معرفت إلى أهداف المستشرقين في العديد من أبحاثه، واستعرض ضمن ذلك أهمّ شبهاتهم. يرى سماحته أن المستشرقين قد نشطوا منذ البداية بدوافع تبشيرية، وكانت طلائع هذه الحركة من أبناء الفاتيكان وأتباع الكنيسة، الذين نشدوا على الدوام الأهداف التالية:

1ـ ضرب الإسلام وتشويه حقائقه.

2ـ تحصين المسيحيين أمام المدّ الإسلامي، والمنع من مواجهة الحقائق الإسلامية اللاحبة والتأثُّر بها.

3ـ العمل على تنصير المسلمين، أو إضعاف عقيدتهم الدينيّة في الحدّ الأدنى.

كما يمكن إضافة عناصر ودوافع أخرى للموارد المتقدّمة، من قبيل: الدافع الاستعماري والسياسي والاقتصادي أيضاً([3]).

أذكر أن الأستاذ معرفت كان في أثناء التدريس يُشير إلى نقطتين هامّتين في ما يتعلّق بالمستشرقين:

الأولى: الحذر من أساليب المستشرقين، وعدم الانخداع بمديحهم للإسلام والثناء على النبيّ الأكرم|. فكان يقول على سبيل المثال: إذا رأيتَ في كتابات بعضهم ما يتضمَّن مديحاً للنبيّ، بوصفه نابغةً أو عبقرياً، وأنه قد توصَّل إلى أمور لم يتوصَّل إليها أبناء جلدته من العرب، فإنّ هذا النوع من الكلام وإنْ كان ينطوي على جانبٍ من الحقيقة، ولكنّه يُخفي في طيّاته نوايا خبيثة؛ إذ إنهم يريدون من وراء ذلك القول بأن اتّساع الرقعة الإسلامية السريع في شبه الجزيرة العربية لا يتعلَّق بإرادة الله والوحي والنبوّة، وإنّما هو مسألةٌ تعود إلى مجرَّد اتّصاف النبيّ بالعبقرية الخاصة.

الثانية: إن هؤلاء المستشرقين، حتّى إذا لم يكن في قلوبهم مرضٌ، ولم يكونوا يرمون إلى أهداف استعمارية أو غيرها، إلاّ أنهم مع ذلك، حيث لا يتمتَّعون بالطهارة الباطنية في تعاطيهم مع الإسلام والقرآن الكريم، لا يكونون ـ بحكم قوله تعالى: ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (الواقعة: 79) ـ مؤهَّلين للوصول إلى عمق وعظمة القرآن، ولا يدركون منه سوى السطح والظاهر.

يعمد الأستاذ معرفت في مستهلّ البحث عن مصادر القرآن الكريم إلى التوجُّه نحو القرآن مباشرة، ويطلب منه الحكم في ذلك.

وهذا ـ بالالتفات إلى سعي بعض المستشرقين إلى إظهار أن القرآن نفسه يؤيِّدهم في ما ذهبوا إليه بشأن مصادره ـ ينطوي على أهمِّية بالغة. يقول الأستاذ معرفت: «وأما إنْ كنا نستنطق القرآن الكريم فإنه يشهد بكونه موحىً إلى نبيّ الإسلام محمد|، كما أوحى إلى النبيّين من قبله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً * رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ِلئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً * لَكِنْ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (النساء: 163 ـ 166)، و﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ ِلأَنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: 19).

ونقرأ في سورة النجم قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ (النجم: 4 ـ 12).

والآيات بهذا الشأن كثيرةٌ، ناطقة صريحاً بكون القرآن موحىً إلى نبيّ الإسلام| وحياً مباشراً؛ ليُنْذِر قومه ومَنْ بلغ كافّة.

وبعد أن ذكر سماحته هذه الآيات الكريمة استطرد قائلاً: كانت الدلائل على أن القرآن كلّه ـ بلفظه ونظمه ومحتواه جميعاً ـ كلام ربّ العالمين وافرة ظافرة. وقد تكفَّل عرضها مباحث الإعجاز القرآني باستيفاءٍ وإحكام. كما وأصبحت سفاسف المعاكسين لذلك الاتجاه الناصع هباء منثوراً تذروه عواصف الرياح»([4]).

وأمّا أن يكون النبي الأكرم| قد وجد ذلك في الكتب السابقة، أو تعلَّمه من علماء بني إسرائيل، فهو أمرٌ عجيب، لا يؤيِّده النسيج المتين والثابت للقرآن الكريم.

 

إشكاليّة أخذ القرآن الكريم من النصارى واليهود في شبه الجزيرة العربية ــــــ

يذهب الكثير من المستشرقين إلى الادّعاء بأن النبيّ الأكرم| كان على علاقةٍ مع بعض النصارى، وأنّه قد استقى تعاليم القرآن منهم.

وقد سعى بعضهم إلى تقديم أدلّة وشواهد خارجية (من خارج القرآن والنصوص الدينية) لكي يُثْبتوا هذا الادّعاء، بينما ذهب البعض الآخر إلى أبعد من ذلك، وقال بأن الكثير من الآيات القرآنية تُثبت أن النبيّ قد أثنى على الأسس الأخلاقية للدين المسيحي، والتوحيد في الديانة اليهودية، واعتبر المصادر الدينية لهاتين الديانتين وليدة الوحي، وبالتالي فإنه قد أخذ منهما تعاليمه الدينية.

 

استدلال المستشرقين بالقرآن ــــــ

يدَّعي كاتب مقال «القرآن» في (دائرة معارف إسلام) أن القرآن يؤيّد وجود شخصٍ أو عددٍ من الأشخاص الذين كانوا يوصلون أخبار المسيحيين إلى النبي، مستدلاًّ لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل: 103). حيث يستفيد الكاتب من هذه الآية عكس مرادها تماماً، ويقول: إن هذه الآية تنكر أن تكون ألفاظ القرآن مأخوذة من الآخرين، وأما أخذ مضمون القرآن ومحتواه من الآخرين فإن هذه الآية لا ترفضه، ولا تنكره، بل تؤيِّده أيضاً([5])!

وقد تعرَّض الأستاذ معرفت إلى كلام الأسقف «يوسف درّة الحداد»، إذ قال: «استفاد القرآن من مصادر شتّى، أهمّها: الكتاب المقدَّس، ولا سيَّما كتاب موسى، وذلك بشهادة القرآن ذاته، كما في قوله:

ـ ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (الأعلى: 18 ـ 19).

ـ ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَنْ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (النجم: 36 ـ 38).

ـ ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الشعراء: 196 ـ 197).

قال: فآية محمد الأولى هي مطابقة قرآنه للكتب السابقة عليه. وآيته الثانية استشهاده بعلماء بني إسرائيل، وشهادتهم له بصحّة هذه المطابقة. ولكنْ ما الصلة بين القرآن وكونه في زبر الأوّلين؟! هذا هو سرّ محمد! فيكون من ثمّ أنه نزل في زبر الأوّلين بلغة أعجمية يجهلونها، ثمّ وصل إلى محمد بواسطة علماء بني إسرائيل، فأنذر به محمد بلسان عربي مبين…

وكذلك الآية: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (الأحقاف: 12) فيها صراحة بأنه تتلمذ لدى كتاب موسى، وجعله في قالب لسان العرب، الأمر الذي يجعل من القرآن نسخةً عربية مترجمة عن الكتاب الإمام.

والآية: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (فصِّلت: 3)، التفصيل هنا يعني النقل من الأصل الأعجمي إلى العربي. فالقرآن موحىً، والتفصيل العربي للكتاب منزَّلٌ؛ لأن الأصل وحيٌ منزَّل».

وقد أجاب الأستاذ معرفت عن كلام الأسقف درّة بالقول: «وأما ما تذرَّع به صاحبنا الأسقف درّة فملامح الوَهْن باديةٌ عليه بوضوحٍ:

قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (الأعلى: 18 ـ 19).

هذا إشارةٌ إلى نصائح تقدَّمت الآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (الأعلى: 14 ـ 17). وذلك تأكيد على أن ما جاء به محمد| لم يكن بِدْعاً ممّا جاء به سائر الرسل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: 9). فليس الذي جاء به نبيُّ الإسلام جديداً لا سابقة له في رسالات الله… هذا ما تعنيه الآية، لا ما زعمه صاحبنا الأسقف.

وهكذا قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (النجم: 36 ـ 37).

يعود الضمير إلى مَنْ وقف في وجه الدعوة مستهزئاً بأن سوف يتحمَّل آثام الآخرين إنْ لم يؤمنوا بهذا الحديث، فيردّ عليهم القرآن الكريم: ألم يبلغهم أن كلّ إنسان سوف يُكافَأ حَسْب عمله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: 164)([6]).

مؤشِّرٌ آخر على أحقِّية رسالة النبيّ الأكرم| ــــــ

﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الشعراء: 197).

وآيةٌ أخرى على صدق الدعوة المحمدية أنّ الراسخين في العلم من أهل الكتاب يشهدون بصدقها ممّا عرفوا من الحقّ: ﴿لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (النساء: 162)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (المائدة: 83).

وهؤلاء هم القساوسة والرهبان الذين لا يستكبرون، ومن ثمّ فهم خاضعون للحقّ أينما وجدوه، وبالفعل فقد وجدوه في حظيرة الإسلام: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأحقاف: 10)»([7]).

وكما سبق أن أشَرْنا فإنّ بعض المستشرقين سعى، من خلال التمسُّك ببعض الآيات القرآنية، ليُثبت أن القرآن نفسه يشهد بأنه قد أخذ معلوماته من العهدَيْن. وحيث عزّّهم الدليل من القرآن لجأوا إلى المصادر الروائية عند أهل السنّة والجماعة، وهي ـ للأسف الشديد ـ تحتوي على الكثير ممّا يحتاجه المستشرقون في هذا الشأن، حيث قدَّموا بعض الشواهد في هذا الشأن([8]). ومن بينها: قصة ورقة بن نوفل.

قال ويل ديورانت في كتابه «قصّة الحضارة»: «كان في بلاد العرب كثيرون من المسيحيين، وكان منهم عددٌ قليل في مكة، وكان محمد على صلةٍ وثيقة بواحدٍ منهم على الأقلّ، هو ورقة بن نوفل، ابن عمّ خديجة، الذي كان مطَّلعاً على كتب اليهود والمسيحيين المقدَّسة»([9]).

 

قصة ورقة بن نوفل ــــــ

مضمون هذه القصّة أن النبي الأكرم| عندما بُعث بالرسالة لم يكن مشكِّكاً بنزول الوحي والرسالة عليه فحَسْب، بل تصوَّر أنه قد خولط في عقله، وأنه أصيب بالجنون! حتّى طمأنه شخصٌ مسيحيّ من أقرباء السيدة خديجة، اسمه ورقة بن نوفل، وبشَّره بالنبوّة، وعندها زال القلق والاضطراب عن رسول الله، وتأكَّد له أنه نبيٌّ.

 

قصّة ورقة بن نوفل من منظار المستشرقين ــــــ

لقد عمد الكثير من المستشرقين إلى توظيف هذه القصة المنقولة في الكتب المعتبرة عند أهل السنة([10])، بوصفها شاهداً على صحّة آرائهم.

وقال كاتب مقال «محمد|» في (دائرة معارف إسلام)، بعد نقل آراء الأوروبيين في العصور الوسطى بشأن نبيّ الإسلام، ونقده لهذه الآراء؛ بسبب عدم توثيقها: «إن خير مصدر لمعرفة أبعاد حياة نبي الإسلام هو القرآن… والذي يُستفاد من القرآن بشأن نموّ وتكامل محمد|، الذي تؤيِّده السنّة، هو أن محمداً لم يكن وحده هو الذي يبحث عن دينٍ توحيدي. فقد ورد الكثير من أسماء الأشخاص الذين لم يكونوا مقتنعين بالشرك العربي القديم، وكانوا يبحثون عن دينٍ أكثر عقلانية من عبادة الأوثان. وبشكلٍ خاصّ يمكن لنا أن نشير إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عم السيدة خديجة، والذي يَرِدُ ذكره في الكثير من القصص البديعة بشأن محمد|، وهناك احتمالٌ كبير أن يكون قد لعب دَوْراً في ظهور الإسلام، أكبر من ذلك الدَّوْر المذكور في المصادر الإسلامية»([11]).

وقال مونتغمري واط: «جاء في السيرة أن ورقة بن نوفل قد طمأن محمداً، مؤكِّداً له أن تجاربه شبيهةٌ بتجارب موسى، وقد كانت لهذه الطمأنة ونظائرها ـ من دون شَكٍّ ـ أهمِّية بالغة بالنسبة له»([12]).

وقال كاتب مقال «محمد|» في (دائرة المعارف بريتانيكا): «قيل: إن محمداً| لدى أوّل مكاشفة وشهود (رؤية) للوحي استولى عليه الاضطراب، بَيْدَ أن زوجه السيدة خديجة عملت على طمأنته. وفي التجارب اللاحقة لنزول الوحي لم يكن هناك كشفٌ وشهود بشكلٍ طبيعي، وإنّما كان هناك من حينٍ لآخر بعض الملازمات الجسدية (الفيزيقية)، من قبيل: التعرُّق في اليوم البارد، وهذا الأمر أدّى إلى القول بأنه مصاب بالصرع، وأحياناً يسمع في أذنه مثل صوت الجرس، دون أن ينطوي ذلك على كلامٍ مفهوم. وكان جوهر هذه التجربة أنه يحصل في قلبه وضميره الواعي على رسالةٍ شفهية. وبمساعدةٍ من ورقة بن نوفل فسَّر ذلك النداء بالرسائل التي سبق لله أن أنزلها إلى اليهود والنصارى بواسطة الأنبياء السابقين، وأيقن بأنه مرسَلٌ إلى أمّته بدينٍ جديد»([13]).

وقال مونتغمري واط في كتابه «محمد| في مكّة»: «ليس هناك من دليل على رفض القول بأن السيدة خديجة قد عملت على طمأنة محمد|. بل هناك أدلة على أن محمداً| في تلك المرحلة كان يفتقر إلى الثقة بالنفس. ويصعب تصوُّر حدوث الاختلاق في هذه القصّة، وإنْ كنا لا نستبعد إضافة بعض الجزئيّات والتفاصيل على أساس الحَدْس والتصوُّر. كما كان لطمأنة ورقة بن نوفل أهمِّية كبيرة… وقد كان لورقة مكانة ومنزلة مرموقة؛ بسبب قراءته للإنجيل. وعندما كان محمد| يتلو آيات القرآن يجب أن يكون مديناً فيها لورقة بن نوفل. من هنا يمكن لنا أن نتصوَّر أن محمداً| كان في بداية أمره قد أكثر من الاتّصال بورقة بن نوفل، وأنه أخذ منه الكثير من المسائل العامّة، ويحتمل أن تكون الكثير من المفاهيم والتعاليم الإسلامية قد أخذت على نطاقٍ واسع من عقيدة ورقة بن نوفل، ومن بينها ـ على سبيل المثال ـ: علاقة الوحي الذي نزل على محمد بالوحي الذي نزل على الأنبياء السابقين»([14]).

 

الإجابة عن مدَّعيات المستشرقين ــــــ

هناك رؤيتان في ردّ هذا الادّعاء:

الرؤية الأولى: هي رؤية الذين آمنوا بصحّة وأصالة أصل القصة، بالالتفات إلى ذكرها في المصادر الهامّة، بَيْدَ أنهم في الوقت نفسه لا يقبلون بفهم المستشرقين، وسوء توظيفهم لها؛ إذ قالوا في الجواب: يكفي في ردّ هذه الشبهة أن النبيّ لم يكن على علاقةٍ وثيقة بورقة بن نوفل، وأنّه إنّما التقاه بعد نزول الوحي، وذلك برفقة السيدة خديجة، وإنّ ورقة بدلاً من تعليم النبيّ شهد له بالصِّدْق، ولم يَرِدْ في أيّ مصدرٍ أنه قد رأى النبيَّ قبل ذلك([15]).

ومن الواضح أنّ هذا الجواب لا يمكنه كشف الالتباس عن جميع الأسئلة المنبثقة عن هذه القصة. لذلك توجد هناك رؤيةٌ أخرى في هذا الشأن، وهي الرؤية التي تنكر أصل هذه القصّة وترفضها من الأساس.

الرؤية الثانية: يقول الأستاذ معرفت: «إن هذه القصة واحدةٌ من عشرات القصص المختلقة، التي قام بوضعها الحاقدون على الإسلام في القرنين الأوّلين، وكان الوضّاعون ـ الذين ينسبون أنفسهم إلى الإسلام زوراً ـ يعملون من خلال وضع هذا النوع من القصص على إلهاء العامة، ويشوِّشون في الوقت نفسه على الخاصّة، وذلك في محاولةٍ منهم لاجتثاث جذور الإسلام. وفي السنوات الأخيرة بدأ أعداء الإسلام يتّخذون من هذه القصة ونظائرها ـ ومن بينها: قصة الآيات الشيطانية ـ مستمسكاً يستشهدون به على ضعف الأسس الأولى للإسلام؛ إذ كيف يمكن لنبيٍّ ارتقى أعلى ذُرى مدارج الكمال، وكان منذ أمدٍ بعيد يستشعر إرهاصات النبوّة من نفسه، أن لا تكون الحقائق منكشفةً له، في حين أنه كان يتمتَّع بأعلى درجات العقل وأفضلها، على ما ورد في الحديث: «إن الله وجد قلب محمد أفضل القلوب وأوعاها؛ فاختاره لنبوَّته»، فكيف يمكن لمثل هذا الإنسان الكامل أن يستشعر القلق في تلك اللحظة الحسّاسة، ويستولي عليه الشكّ في نفسه، ليرتفع شكّه بعد ذلك بتجربة امرأةٍ وشخصٍ آخر لا يمتلك من المعرفة غير النَّزْر اليسير؛ ليطمئنّ بعدها إلى أنه نبيّ؟! إن هذه القصة، بالإضافة إلى منافاتها لمقام النبوّة الشامخ، تخالف ظواهر الآيات والروايات الصادرة عن أهل البيت^»([16]).

ثم استطرد الأستاذ معرفت ـ بعد التذكير بكلام القاضي عيّاض وأمين الإسلام الطبرسي في رفض هذه القصة ـ قائلاً: «بشكلٍ عامّ تصرّ الآيات القرآنية على حقيقة أن الأنبياء منذ بداية نزول الوحي عليهم كانوا يدركون الرسالة بوضوحٍ، ولا يطرأ عليهم الشكّ أبداً. إن مقام المثول في حضرة الله لا يكون فيه موضع للوَهْم أو الخوف. وقد حظي النبيّ موسى× برعايةٍ خاصة من قبل الله في بداية بعثته، إذ يقول الله له: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: 11 ـ 14). ثمّ يقول له الله تعالى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ…﴾، ومن هنا يعاتبه الله بالقول: ﴿يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ (النمل: 10)».

وهكذا نجد أن العناية الإلهية تتدخَّل بمجرّد عروض الخوف على النبيّ، لتخليصه من تلك الحالة، وهذا يشكِّل قانوناً عاماً. وعليه فإن كل مَنْ يرقى إلى هذا المستوى الرفيع، الذي يستحقّ معه أن يكون ظَرْفاً لنزول الوحي، يكون في مأمنٍ من الخوف والفزع، وسوف يشمله الأمن والطمأنينة الإلهية.

ولكي يحصل النبيّ إبراهيم الخليل× على هذه الحالة المتقدِّمة من الاطمئنان، ويصل إلى عين اليقين، يكشف الله الحجاب عنه؛ ليرى حقائق عالم الملكوت، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: 75).

تثبت هذه الآيات أن الأنبياء يتمتَّعون في محضر الله برؤيةٍ واضحة، ومجرَّدة من أيّ نوع من أنواع الشكّ والريبة، كما تنكشف لهم حقائق ملكوت السماوات والأرض؛ كي يكونوا من الموقنين. فهل كان النبيُّ الأكرم| مستثنىً من هذه القاعدة، ليترك إلى شأنه وشكوكه في تلك اللحظات الحَرِجة والمصيرية، وتستولي عليه الشكوك والظنون، ويعيش حالة الخوف والارتباك؟!

هل كان مقام النبي الأكرم| دون مقام النبي موسى وإبراهيم الخليل’؛ كي يمنعه الله من الرعاية التي أَوْلاها لهما؟

رُوي عن مولانا أمير المؤمنين× أنه قال في وصف رسول الله|: «ولقد قرن الله به| من لَدُنْ أنْ كان فطيماً أعظم مَلَكٍ من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره…»([17]).

وبالإضافة إلى الإشكالات المتقدِّمة، تَرِدُ أمورٌ أخرى على القصّة المذكورة، يمكن بيانها على النحو التالي:

1ـ إن سلسلة سند القصة لا تصل إلى الشخص الأوّل الذي شهد القصّة، وعليه تعتبر روايتها مرسلةً من هذه الناحية.

2ـ إن اختلاف نقل القصة يشهد على اختلاقها. ففي واحدة من الروايات أن السيدة خديجة ذهبت إلى ورقة بن نوفل بمفردها؛ وفي روايةٍ ثانية أنها اصطحبت النبي الأكرم| معها؛ وفي روايةٍ ثالثة أن ورقة بن نوفل شاهد النبيّ الأكرم يطوف حول الكعبة، فسأله عن الأمر، ثم طمأنه؛ وفي روايةٍ رابعة أن أبا بكر دخل على خديجة، وأشار عليها بأن تأخذ النبيّ الأكرم إلى ورقة.

إن اختلاف المتن يصل إلى درجةٍ تورث الحيرة لدى القارئ، حتّى لا يعرف بأيّ الروايات يأخذ، كما لا يمكنه الجمع والتوفيق بينها.

3ـ في نصّ أغلب الروايات أن ورقة بن نوفل، علاوة على بشارته للنبيّ بالنبوة، قال: «ولئن أدركْتُ ذلك لأنصرنَّكَ نصراً يعلمه الله. فإنْ يُبعث وأنا حيٌّ فأعزره وأنصره وأؤمن به…».

وقد ذكر محمد بن إسحاق ـ كاتب السيرة الشهير ـ أشعاراً لورقة بن نوفل تكشف عن إيمانه الراسخ بمقام رسالة النبيّ. ويغفل عن أن ورقة عاش إلى ما بعد ظهور الدعوة، ولكنَّه لم يعتنقْ الإسلام أبداً، ومات كافراً. فقد ورد في حديث ابن عباس: «فمات ورقة على نصرانيَّته»([18]).

وعن برهان الدين الحلبي، في كتاب «السيرة النبوية»، أن ورقة بن نوفل مات لأربع سنوات خلَوْنَ من البعثة. ونقل عن كتاب «الاتباع»، لابن الجوزي، أنه آخر من مات في الفترة (التي امتدَّتْ لثلاث سنوات بعد البعثة)، ولم يُسْلم، ثمّ نقل عن ابن عباس قوله: «إنه مات على نصرانيّته».

وقال ابن حجر: «لا أعرف أحداً قال: إنه أسلم»([19]).

ونقل ابن حجر عن «تاريخ ابن بكار» قوله: كان بلال لجاريةٍ من بني جمح، وكانوا يعذِّبونه برمضاء مكّة، يلصقون ظهره بالرمضاء؛ لكي يشرك، فيقول: أحد أحد، فيمرّ به ورقة، وهو على تلك الحال، فيقول: أحد أحد يا بلال، والله لئن قتلتموه لأتَّخذنَّه حناناً… ثمّ قال ابن حجر: والجمع بين هذا وبين حديث عائشة أن يحمل قوله: ولم ينشب ورقة أن توفي ـ أي قبل أن يشتهر الإسلام ـ، وأنه مات على نصرانيّته… فلماذا لم يُسْلم يا ترى؟!

إن هذه الأمور مجتمعة تشكِّل دليلاً على تعارض هاتين المجموعتين من الأخبار، وكون هذه القصة مختلقةً من الأساس.

وعلى أيّ حال فإن انتشار هذا النوع من القصص، وما يترتَّب عليها من المفاسد، هي ثمرة فجّة من ثمار التمسُّك بغير أهل البيت^ في نقل الروايات وفهم الإسلام([20]).

 

الاستدلال على وجوه الشبه بين تعاليم القرآن والعهدين ــــــ

إن من أهمّ الأدلّة التي أقامها المستشرقون على دعوى أخذ القرآن تعاليمه من العهدين هو وجود التشابه الكبير والكثير بين القرآن والعهدين.

فقد تحدَّث القرآن ـ كما هو الحال بالنسبة إلى التوراة ـ عن خلق السماوات والأرض، وبعث الأنبياء.

كما يمكن أن نلاحظ أوجه شبه كبيرة بين قصص القرآن وسيرة الأنبياء وقصص الإنجيل في هذا الشأن.

وكلّ هذه الأمور تثبت ـ بزعمهم ـ أن النبيّ الأكرم| قد أخذ تعاليمه من اليهود، الذين كانوا يسكنون في شبه الجزيرة العربية، بوصفهم أصحاب شريعة وكتاب، وقام بصبِّ هذه التعاليم في قالبٍ جديد.

يقول الأستاذ معرفت: «وعلى هذا الغرار جرى كلٌّ من: «تسدال» و«ماسيه» و«أندريه» و«لامنز» و«جولدسيهر» و«نولدكه»([21]) إلى أن القرآن استفاد كثيراً من زبر الأوّلين، وحجّتهم في ذلك محض التشابه بين تعاليم القرآن وسائر الصحف. فالقصص والحكم في القرآن هي التي جاءت في كتب اليهود، وكذا قضايا جاءت في الأناجيل، وحتّى في تعاليم زرادشت والبرهمية، مثل: حديث المعراج، ونعيم الآخرة، والجحيم، والصراط، والافتتاح بالبسملة، والصلوات الخمس، وأمثالها من طقوس عبادية، وكذا مسألة شهادة كلّ نبيٍّ بالآتي بعده، كلّها مأخوذة من كتب سالفة كانت معهودة لدى العرب.

زعموا أن القرآن صورة تلمودية وصلت إلى نبيّ الإسلام عن طريق علماء اليهود وسائر أهل الكتاب، ممَّنْ كانت لهم صلةٌ قريبة بجزيرة العرب. فكان محمد| يلتقي بهم قبل أن يُعلن نبوَّته، ويأخذ منهم الكثير من أصول الشريعة.

ثم استطرد الشيخ معرفت بعد ذلك إلى بيان موقف «ويل ديورانت»، وأنه كان ـ مثل سائر المستشرقين ـ يعتقد بأن بعض التعاليم والعبادات الإسلامية تشبه التعاليم اليهودية»([22]).

وقد تعرَّض أحد الكتّاب([23]) في مقال «محمد[|]» في (دائرة معارف إسلام)، تحت عنوان: «تأسيس الحكومة الدينية في المدينة»، إلى دَوْر اليهود في ظهور الأحكام والتعاليم الإسلامية، وذهب إلى حدِّ القول بأن ظهور الإسلام بوصفه ديناً مستقلاًّ هو الذي دفع اليهود إلى الاختلاف مع نبيّ الإسلام، ورفض تعاليمه وأحكامه. ثمّ استطرد قائلاً: لقد عمد النبيّ إلى استمالة اليهود في المدينة إلى صفِّه من خلال إدخال بعض أشكال العبادات اليهودية في الإسلام، من قبيل: إعلانه الصيام في اليوم العاشر من المحرَّم، الذي يعدّ واحداً من الأيام المقدَّسة عند اليهود. بل أضاف العبادات اليومية اليهودية الثلاث إلى ما كان يقوم به أغلب المسلمين في الحدّ الأدنى في مكّة من الصلاة في الفجر وبداية الليل. وإن أعمال صلاة الجمعة هي شبيهةٌ بما كان يقوم به اليهود في غروب يوم الجمعة، استعداداً ليوم السبت([24]).

 

سرّ التشابه بين بعض تعاليم القرآن والعهدين ــــــ

لا شَكَّ في وجود شَبَه بين تعاليم وأحكام القرآن والعهدين. وهنا لا بُدَّ من التساؤل عن منشأ هذه الظاهرة؟

يقول الأستاذ معرفت في هذا الشأن: «إن ائتلاف الأديان السماوية واتّحاد كلمتها لا بُدَّ أن يكون عن سببٍ معقول. وهذا يحتمل أحد وجوه ثلاثة:

1ـ إما لوحدة المنشأ، حيث الجميع منبعثٌ من أصلٍ واحد، فكان التشابه في الفروع المتصاعدة طبيعياً.

2ـ أو لأن البعض متَّخَذٌ من البعض، فكان التشاكل نتيجة ذاك التبادل يداً بيد.

3ـ أو جاء التماثل عن مصادفةٍ اتفاقية، وليس عن علّةٍ حكمية.

ولا شَكَّ [في] أن الأخير مرفوضٌ، بعد مضادّة الصدفة مع الحكمة الساطية في عالم التدبير. بقي الوجهان الأوّلان، فلنسأل القوم: ما بالهم تغافلوا عن الوجه الأوّل الرصين، وتواكبوا جميعاً على الوجه الهجين؟! إنّ هذا لشيءٌ غريب!

هذا، والشواهد متضافرة تدعم الشقّة الأولى؛ لتهدم الأخرى من أساسٍ:

أوّلاً: صراحة القرآن نفسه بأنه موحىً إلى نبيّ الإسلام وحياً مباشراً، نزل عليه ليكون للعالمين نذيراً. فكيف يكون الاستشهاد بالقرآن لإثبات خلافه؟! إنْ هذا إلاّ تناقضٌ في الفهم، واجتهادٌ في مقابل النصّ الصريح!

وثانياً: قدَّم القرآن معارف فخيمة إلى البشرية، بحثاً وراء فلسفة الوجود، ومعرفة الإنسان ذاته. ولم يَكَدْ يدانيها أيّ فكرةٍ عن الحياة قد وصلت إليها البشرية حتّى ذاك العهد، فكيف بالهزائل الممسوخة التي شُحنَتْ بها كتب العهدين؟!

وثالثاً: عرض القرآن تعاليم راقية، لا تتجانس مع ضآلة الأساطير المسطَّرة في كتب العهدين، وهل يكون ذاك الرفيع مستقىً من الوضيع؟!»([25]).

 

الاختلاف العميق بين القرآن والعهدين ــــــ

إن الذي يدعو إلى العَجَب ـ قبل كلّ شيء ـ ادّعاء هؤلاء أن تعاليم القرآن مأخوذة من العهدين، رغم وجود الاختلافات العميقة والجوهرية بين القرآن والعهدين؟! من قبيل: عدم التناغم الكبير بين تعاليم القرآن والعهدين بشأن مقام الألوهيّة، والنبوّة، والاختلاف العميق في قصص الأنبياء، من أمثال: إبراهيم الخليل، والنبيّ داوود، والنبيّ يعقوب، والنبيّ لوط، والنبيّ عيسى^. والأهمّ من كلّ ذلك الاختلاف الجذري بين القرآن والعهدين من حيث الإعجاز. الأمر الذي يدفع كلّ إنسانٍ منصف إلى الإذعان بأن القرآن لا يمكن أن يكون مأخوذاً من العهدين.

 

اختلاف القرآن عن العهدين في الشأن الإلهي([26])ــــــ

قال الأستاذ معرفت ضمن إشارته إلى الاختلافات العميقة بين القرآن والعهدين بشأن الذات الإلهية: إن وصف الله تعالى في القرآن الكريم يفوق مستوى فهم الإنسان في ذلك العصر، بل لولا ورود هذا الوصف في القرآن لما أمكن للإنسان أن يصل إلى معرفة حقيقة الله؛ لأن أدقّ وصف لله تعالى هو ذلك الذي نجده في القرآن الكريم نفسه، ولا نجده في أيّ كتابٍ سماوي آخر.

ـ قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الحشر: 22 ـ 24).

ـ وقال تعالى في سورة التوحيد: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: 1 ـ 4).

ـ وقال في سورة الرعد: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (الرعد: 9).

ـ وقال الله تعالى في سورة الشورى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الشورى: 11 ـ 12).

ـ وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة: 255).

إلى غيرها من جلائل صفات زخر بها القرآن الكريم، واختلى عنها سائر الكتب، اللهمّ إلاّ النزر اليسير. فيا ترى هل يصلح أن يكون هذا النزر اليسير منشأً لذلك الجمّ الغفير؟!([27]).

ثم انتقل الأستاذ معرفت إلى بيان صفات الله في التوراة، وقال: أدنى مراجعة لكتب العهدين تكفي للإشراف على مدى الوَهْن في وصفه تعالى، بما يجعله في مرتبة أخسّ مخلوق، ويتصرَّف تصرّفات لا تليق بساحة قدسه الرفيع.

وقال سماحته بعد بيان قصّة آدم وحواء، كما وردت في التوراة: وهكذا إله التوراة يخشى منافسة مخلوقٍ صنعه بيده، فيماكر ويُخاتل؛ كي يصرفه عنها، ويجهل ويكذب كذبةً عارمة افتضحت على يد إبليس منافسه الآخر! الأمر الذي يشفّ عن عجزٍ وضعف، مضافاً إلى الوَهْن في التدبير، والعياذ بالله!

ثمّ أشار سماحته إلى ثلاثة موارد من الاختلافات الهامّة بين القرآن والعهدين في ما يتعلَّق بقصّة آدم×، فقال: فالذي كذب وافتضح هو إبليس، كما جاء في القرآن، على عكس ما جاء في التوراة. وفارقٌ آخر: كان آدم وحواء متلبسين بلباس يستر سوآتهما قبل أن يغويهما الشيطان، لينزع عنهما لباسهما، ويريهما سوآتهما([28]). وهذا على عكس التوراة (المصطنعة) تفرضهما عُريانين من غير شعور بالعراء، حتّى إذا ذاقا الشجرة فعند ذلك شعرا بالعراء، وحاولا التستُّر بورق الجنة. وفارقٌ ثالث: القرآن يُمجِّد الإله برحمته الواسعة على العباد، ويدعو الذين أسرفوا على أنفسهم أن لا يقنطوا من رحمة الله… على خلاف ما ذكرته التوراة بامتداد سخطه تعالى على آدم، وجعل الأرض ملعونة عليه وعلى زوجه وذراريهما عبر الحياة أبداً([29]).

ثم تطرّق الأستاذ معرفت إلى بيان سائر الاختلافات الأخرى بين القرآن الكريم والعهدين. ولكنّنا؛ رعايةً للاختصار، نحيل القارئ الكريم إلى مظانّها في كتاب سماحته، تحت عنوان «شبهات وردود».

 

أهمّ محاور الاختلاف بين القرآن والعهدين بشأن الأنبياء ــــــ

لقد بحث الأستاذ معرفت في بيان الاختلاف والتفاوت بين القرآن الكريم والعهدين في ما يتعلَّق بمكانة الأنبياء، قائلاً: «يمتاز القرآن بالحفاظ على كرامة الأنبياء، بينما التوراة تحطّ من كرامتهم. لم يأتِ ذكر نبيٍّ من الأنبياء في القرآن إلا وقد أحاط بهم هالة من التبجيل والإكرام، كما ونزَّههم عن الأدناس على وجه الإطلاق.

خُذْ مثلاً سورة الصافات، جاء فيها ذكر أنبياء عظام، مرفقاً بعظيم الاحترام:

ـ ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصافّات: 75 ـ 81).

ـ ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [وينتهي إلى قوله] وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ…﴾ (الصافّات: 83 ـ 113).

ـ ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ * وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصافّات: 114 ـ 122).

ـ ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ [إلى قوله تعالى:] وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصافّات: 123 ـ 132).

وهكذا كلّما يمرّ ذكر نبيٍّ تصحبه لُمّة من الإجلال والتكريم. وأما التوراة فلا تمرّ فيها بقصّةٍ من قصص الأنبياء إلاّ وملؤها الإهانة والتحقير، وربما بلغ إلى حدّ الابتذال والتعيير، ممّا لا يليق بشأن عباده الله المخلصين!»([30]).

ثم ذكر الأستاذ معرفت وصف الأنبياء في التوراة قائلاً: «هذا نوح شيخ الأنبياء تصفه التوراة رجلاً سكِّيراً، مستهتراً، لا يرعوي شناعة حال، ولا فظاعة بال»([31]).

وقال أيضاً: «وهذا إبراهيم ـ خليل الرحمن، وأبو الأنبياء، وصاحب الشريعة الحنيفة، والتي أورثها الأنبياء من بعده ـ نجده في التوراة رجلاً أرضياً، يتاجر بزوجه الحسناء «سارة»؛ ليفتدي بها، لا لشيءٍ إلاّ ليحظى بالحياة الدنيا، على غرار سائر المرابين، يفعلون الفجور للحصول على القليل من حطام الدنيا»([32]).

وقد ذكرت التوراة أن الذي ضحّى به إبراهيم الخليل× هو إسحاق، في حين يذهب القرآن الكريم إلى تضحية النبيّ إبراهيم الخليل بولده إسماعيل.

وقد نسب الباب التاسع عشر من سفر التكوين من التوراة إلى النبيّ لوط× أموراً يخجل القلم عن كتابتها؛ إذ لا يمكن تصديق صدورها عن الفرد العادي من أفراد المجتمع، فضلاً عن أن يكون نبيّاً من أنبياء الله. في حين نجد القرآن الكريم يتحدّث عن النبيّ لوط× بأسمى أنواع التنزيه والتطهير، ومن ذلك قوله تعالى:

ـ ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ (الأنبياء: 74 ـ 75).

ـ ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ﴾ (الصافّات: 133 ـ 135).

تتحدَّث التوراة عن احتيال يعقوب وتزويره الخبيث، حيث سرق النبوّة من أخيه عيسو، الذي سبق لأبيه أن رشَّحه للحصول على النبوّة، وتحمّل أعباء هذه المسؤولية. وإثر هذه اللعبة الصبيانيّة انتقلت النبوّة من إسحاق إلى يعقوب!

والكذبة الأخرى التي نسبوها إلى يعقوب×، قولهم: إنه تصارع مع الله الليل بطوله، ولمّا أوشك الصباح أن ينبلج خشي الله افتضاح أمره، وعدم تمكُّنه من التغلُّب على يعقوب؛ فضرب حُقَّ وركه، ولم يَجِدْ في نهاية الجولة بُدّاً من مباركته([33]).

في حين نجد القرآن الكريم يتحدّث عن إسحاق ويعقوب بأجمل وأرقّ العبارات والأوصاف، ومن ذلك قوله تعالى:

ـ ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ (ص: 45 ـ 47).

ـ ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 83 ـ 88).

هناك الكثير من الآيات في القرآن الكريم بشأن المكانة الرفيعة والمنزلة السامية للنبي إبراهيم× وأبنائه إسماعيل وإسحاق ويعقوب^، وذلك خلافاً لما هو مذكورٌ عنهم في التوراة، والتي تصبّ بأجمعها في إطار الحطّ من شأنهم وشأن سائر الأنبياء والإساءة إليهم.

ثم انتقل الأستاذ معرفت إلى بيان الاختلافات الكبيرة والفاحشة بين القرآن الكريم والعهدين في بيان قصّة النبيّ موسى×، بالتفصيل.

تنسب التوراة أبشع التُّهَم وأقذعها لنبيّ الله داوود×، وتتَّهمه بارتكاب موبقة الزنا بامرأةٍ محصنة، وانعقاد نطفة هذا الزنا بحمل تلك المرأة بالنبيّ سليمان×! في حين نجد القرآن الكريم يرسم أروع صورةٍ للنبيّ داوود، حيث يضعه ضمن هالة كبيرة من التقديس والخضوع لله، إذ يقول تعالى:

ـ ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (ص: 17 ـ 20).

ـ ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: 30).

ـ ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: 13).

 

القرآن والأناجيل ــــــ

ثمّ انتقل الأستاذ معرفت من هذا البحث إلى الإشارة إلى كلام بعض المستشرقين، من الذين ذهبوا إلى الادّعاء بأن القرآن قد أخذ تعاليمه من الأناجيل، ليذكر ضمن بحثٍ واسع أهمّ الاختلافات بين القرآن والأناجيل. من قبيل: السيدة مريم العذراء، وما تتّصف به من الخصائص التي يثبتها لها القرآن، وألوهيّة مريم ومخالفة القرآن لذلك، وبشارة النبيّ عيسى بمجيء النبيّ الأكرم، وحادثة الصليب، وما إلى ذلك.

ومع كلّ مواطن الاختلاف هذه كيف يمكن لأحدٍ أن يدّعي أن القرآن مأخوذ من العهدين؟!

بَيْدَ أن الذين لا يريدون الإذعان للحقّ يتشبَّثون بالقشّ ليُثبتوا ادّعاءهم الباطل!

 

شبهة الوحي النفسي ــــــ

سعى بعض المستشرقين إلى تجنُّب المواجهة المباشرة مع وحيانية رسالة النبي الأكرم، بل وهناك منهم مَنْ تظاهر بتصديق النبيّ، وسماوية دعوته، ولكنّهم في الحقيقة أرادوا أن يجدوا للقرآن مصدراً آخر غير الوحي. ومن هنا كان التفسير الذي يقدِّمونه للوحي ينتهي في الحقيقة إلى إنكار الوحي.

قال العلاّمة محمد حسين الطباطبائي في هذا الشأن: «كان النبي يتصوّر أن أفكاره الطاهرة هي كلامٌ إلهيّ ووحي سماوي يلقيها الله تعالى في روعه، ويتكلم بها معه، كما كان يتصوَّر روحه الخيِّرة التي تترشَّح منها هذه الأفكار لتستقرّ في قلبه هي «الروح الأمين»، و«جبرئيل» والملك الذي ينزل الوحي بواسطته. وسمَّى النبيّ بشكل عامّ القوى التي تسوق إلى الخير وتدلّ على السعادة بـ «الملائكة»، كما سمَّى القوى التي تسوق إلى الشرّ بـ «الشياطين» و«الجنّ». وقد سمّى أيضاً واجبه الذي أملاه عليه وجدانه بـ (النبوّة) و(الرسالة)»([34]).

يقول هؤلاء: نحن لا نشكّ في صدق محمد| في ما رآه وسمعه، ولكنّنا نقول: إن مصدر النبيّ كان يكمن في قرارة نفسه، ولا ربط له بعالم الغيب ـ مما يُسمّونه بما وراء عالم المادّة والطبيعة ـ أبداً؛ لأن عالم الغيب غير ثابت بالنسبة لنا، وعلينا لذلك أن نفسِّر الظواهر غير العادية بما نعرفه وثبت لدينا، لا بما لم يثبت عندنا.

قال «مونتغمري واط»، في بيان فرضية أستاذه «ريتشارد بل» بشأن الوحي، ضمن بحثٍ واسع، ومن خلال التمسّك بآيات من القرآن الكريم: «إن هذا الادّعاء [ادّعاء النبي نزول الوحي عليه] يُشبه ما يدَّعيه الشعراء من خطور الخيال الشعري عليهم، كما يُشبه إلى حدٍّ كبير ما يصفه المتديِّنون من الحصول على الهداية بعد النظر والبحث عن الله».

ثمّ استطرد قائلاً: «ليس هناك من شكٍّ في إخلاص محمد|. ولكنْ مع ذلك لا حاجة إلى المبالغة في إضفاء القداسة عليه. فقد عاش في حقبة تختلف عمّا نعتقده، حتّى بالنسبة إلى الكثير من بقاع العالم المتحضِّر، الذي لم تكن شبه الجزيرة العربية جزءاً منه»([35]).

وقال الأستاذ معرفت خلال بحثه الواسع عن الوحي، في بيان ونقد آراء علماء الغرب بشأن الوحي: «خلاصةُ ما سبق من الأبحاث أن الإنسان يملك في وجوده جانبين: هو من أحدهما جسمانيّ، ومن الآخر روحانيّ. فلا غرو أن يتَّصل ـ أحياناً ـ بعالم وراء المادة، ويكون هذا الاتصال مرتبطاً بجانبه الروحي الباطن. وهو اتّصالٌ خفيّ. الوحي ظاهرة روحية قد توجد في آحاد من الناس، يمتازون بخصائص روحية تؤهِّلهم للاتصال بالملأ الأعلى؛ إما مكاشفة في باطن النفس؛ أو قرعاً على مسامع يحسّ به الموحى إليه إحساساً مفاجئاً يأتيه من خارج وجوده، وليس منبعثاً من داخل الضمير. ومن ثم لا يكون الوحي ظاهرة فكرية تقوم بها نفوس العباقرة ـ كما يزعمه ناكرو الوحي ـ، بل إلقاءٌ روحاني صادر من محلّ أرفع إلى مهبطٍ صالح أمين: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا…﴾ (يونس: 2).

نعم، شيءٌ واحد لا نستطيع إدراكه، وإنْ كنا نعتبره واقعاً حقّاً، ونؤمن به إيماناً صادقاً، وهو: كيف يقع هذا الاتصال الروحي؟ هذا شيءٌ يخفى علينا…

أما علماء الغرب فقد قدَّموا للوحي تفسيراً يختلف عمّا قرَّره علماء الدين الإسلامي…، وقالوا: الوحي عبارةٌ عن إلهامات روحية تنبعث من داخل الوجود، أي الروح الواعية هي التي تعطينا تلكم الإلهامات الطيّبة الفجائية في ظروفٍ حَرِجة، وهي التي تنفث في روع الأنبياء ما يعتبرونه وَحْياً من الله. وقد تظهر نفس تلك الروح المتقبّعة وراء جسمهم متجسّدة خارجاً، فيحسبونها من ملائكة الله هبطَتْ عليهم من السماء، وما هي إلاّ تجلّي شخصيتهم الباطنة، فتعلِّمهم ما لم يكونوا يعلمونه من قبل…

ودليلهم على ذلك أنّ الله أجلّ وأعلى من أن يقابله بشرٌ، أو يتّصل به مخلوق!…

وبهذه النظرية حاولوا حلّ ما عسى أن يُصادفوه في بعض الكتب السماوية من أنواع المعارف المناقضة للعلم الصحيح طبيعيّاً وإلهيّاً. فهم لا يقولون بأن تلك الكتب قد حُرِّفت عن أصلها الصحيح النازل من عند الله، ولكنَّهم يقولون بأن الشخصية الباطنة لكلّ رسول إنّما تؤتي صاحبها بالمعلومات على قدر درجة تجلّيها وعبقريّتها، وعلى قدر استعداده لقبول آثارها، من ثمّ قد تختلط معارفها العالية بمعارف باطلة آتية من قبل شخصيته العادية؛ فيقع في الوحي خلطٌ كثير بين الغثّ والسمين!

وبعد، فإن العلماء الغربيين قد توصَّلوا إلى حقيقةٍ علميّة على طريقة تجريبية قاطعة، بأن وجود الإنسان الحقيقي هو شخصيته الثانية القابعة وراء هذا الجسد، وأنه يبقى خالداً بعد فناء الجسد. فما عساهم امتنعوا من الاعتراف بحقيقة الوحي كما هي عند المسلمين؟!…

فعلى ضوء هاتين المقدّمتين لا مبرِّر لعدم فهم حقيقة اتّصال روحي خفيّ يتحقّق بين ملأ أعلى وجانب روحانية هذا الإنسان، فيتلقى بروحه إفاضات تأتيه من ملكوت السماء، وإشراقات نورية تشعّ على نفسه من عالم وراء هذا العالم المادي، وليس اتصالاً أو تقارباً مكانياً؛ لكي يستلزم تحيّزاً في جانبه تعالى.

وأظنّهم قاسوا أمور ذاك العالم غير المادي بمقاييس تخصّ العالم المادي، مع العلم أن الألفاظ هي التي تكون قاصرةً عن أداء الواقع، وإن التعبير بنزول الوحي أو الملك تعبيرٌ مجازي، وليس سوى إشراق وإفاضة قدسية ملكوتية يجدها النبيّ× حاضرةً في نفسه، ملقاةً عليه من خارج روحه الكريمة، وليست منبثقة من داخل كيانه هو.

هذه هي حقيقة الوحي الذي نعترف به، من غير أن يقتضي تحيُّزاً في ذاته تعالى.

أما التعليل الذي يعلِّلون به ظاهرة الوحي فهو في واقعه إنكار للوحي، وتكذيب ملتوٍ للأنبياء بصورةٍ عامّة. تماماً كما فسَّروا معجزة إبراء الأكمه والأبرص بظاهرة الهيبنوتيزم([36])!

إن من بين الموارد التي استدلّ بها المستشرقون لإثبات ادّعائهم القائل بأن الوحي ينبثق من داخل النبي، وليس له من مصدرٍ خارجي، هو «أسطورة الغرانيق»، أو «الآيات الشيطانية».

أسطورة الغرانيق أو «الآيات الشيطانية» ــــــ

لقد قام الأستاذ معرفت ببيان «أسطورة الغرانيق» على النحو التالي: لقد كان النبيّ يتمنّى على الدوام حدوث اندماج بينه وبين قريش، وكان قلقاً من حدوث الشقاق بين أبناء قومه. وفي يومٍ من الأيام، حيث كان جالساً إلى جوار الكعبة، مستغرقاً في التفكير في هذا الشأن، وكان بالقرب منه جماعةٌ من قريش، نزلت عليه سورة «النجم»، وقد قرأها النبيّ كما نزلت عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى…﴾ (النجم: 1 ـ 5)، حتّى إذا بلغ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى…﴾ (النجم: 19 ـ 20) تدخَّل الشيطان، وأقحم كلمات من عنده، دون أن يشعر النبيُّ بذلك، وهي الكلمات التي تقول: «تلك الغرانيق العُلى، وإنّ شفاعتهُنَّ لتُرتجى».

وما أن سمع المشركون هذه الكلمات التي تمجِّد آلهتهم تخرج من فم الرسول حتّى شعروا بالسعادة والغبطة، وغيّروا من موقفهم تجاه المسلمين، ومدّوا إليهم يد الإخاء والوحدة والمودّة، وغمرت الجميع موجةٌ من الأفراح العارمة، واستبشروا بهذه الحادثة خيراً. وقد وصلت أصداء هذا الخبر إلى الحَبَشة، حيث سبق لبعض المسلمين أن هاجروا إليها؛ فراراً من قبضة قريش، فسرَّهم سماع هذا الخبر، وسارعوا بأجمعهم إلى العودة إلى مكّة المكرَّمة، وتعايشوا بعد ذلك مع المشركين متآخين. عاد النبيُّ| إلى بيته، فنزل عليه جبرائيل×، وطلب منه قراءة السورة التي نزلت عليه آنفاً، فقرأها النبيُّ، حتّى وصل إلى الآيات التي أقحمها الشيطان، فانتفض جبرائيل، وأنكر عليه هذه الإضافات. وهنا أدرك النبيُّ| حقيقة الخطأ الذي وقع فيه، وعلم أن إبليس قد لبس عليه الأمور، فاستاء لذلك بشدّةٍ، وهانت عليه نفسه؛ إذ نسب إلى الله سبحانه وتعالى ما لم يقُلْه!

وطبقاً لبعض النقول: إن النبي الأكرم| قال لجبرائيل: إن الذي ألقى إليَّ هذه الكلمات كان على شاكلتك. فقال جبرائيل: أعوذ بالله أن أكون قلتُ ذلك! وبعدها استولى على النبيّ حزنٌ عميق أقضَّ عليه مضجعه، وقيل: إن الآيات التالية نزلت في هذا الشأن: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْت‌‌َّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ (الإسراء: 73 ـ 75).

وقد زادَتْ هذه الآية من حزن النبيّ الأكرم، وكان في حسرةٍ دائمة، حتّى أسعفَتْه عنايةُ الله تعالى، حيث أنزل عليه الآيات التالية؛ لترفع عنه ما أصابه من ثقل الهَمّ والحزن والقلق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحجّ: 52)»([37]).

وقد ورد ذكر هذه الأسطورة في المصادر الإسلامية الشهيرة، من قبيل: تاريخ الطبري، وتفسير الطبري، وطبقات ابن سعد، وأسباب النزول للواقدي. وقد استند إليها المستشرقون على نحوٍ متكرِّر.

 

المستشرقون وأسطورة الغرانيق ــــــ

لقد عمد «مونتغمري واط» في كتابه «مكّة محمد» إلى الدفاع عن هذه الأسطورة، معتبراً إيّاها حقيقةً لا يمكن إنكارها. وقال في هذا الشأن: «إن الشيء الأوّل الذي يجب قوله بشأن هذه القصّة هو أنها لا يمكن أن تكون محض أكذوبة. يجب أن يكون محمد في فترةٍ من الزمن قد قرأ ـ ما تمّ رفضه لاحقاً بوصفه من الآيات الشيطانية ـ بوصفه جزءاً من القرآن. لا يمكن لأيّ مسلمٍ أن يكون قد اختلق هذه القصّة، واتَّهم بها محمداً|، ولا يمكن لأيّ عالم مسلم مرموق أن يقبلها من غير المسلم، إلاّ إذا كان على يقينٍ من حدوثها. يميل المسلمون المتأخِّرون إلى إنكارها؛ لأنها تخالف تصوُّرهم المثالي عن محمد، ولكنْ يمكن لنا من جهةٍ أخرى أن نعتبر هذه الآية شاهداً على أن محمداً لم يكن إلاّ بشراً مثلهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ…﴾ (الكهف: 110)، وآيات أخرى».

ثمّ استطرد قائلاً: «لا شَكَّ في أن النبيّ لم يتنبه إلى ضرورة إعادة النظر في هذه الآيات، إلاّ بعد أن أيقن أن المشركين لا يريدون تغيير نمط حياتهم، واتّباع النمط الذي يريده لهم. وقد يكون طوال تلك المدة قد عاش حالةً من الضَّجَر؛ بسبب تصديق هذه الآلهة، حتى لو كانت على شكل ملائكة»([38]).

كما تعرّض في الكتاب الذي أصدره حول ترجمة القرآن لـ «آربيري» إلى قصة الغرانيق في عدّة مواضع([39]).

وفي موضعٍ آخر قام بالدفاع عن «سلمان رشدي» المرتدّ، معتبراً قصّته مستندة إلى حقيقةٍ تاريخية ثابتة، ويعني بذلك «أسطورة الغرانيق»([40])!

 

نقد أسطورة الغرانيق «الآيات الشيطانية» ــــــ

لقد عمد الأستاذ معرفت إلى نقد هذه الأسطورة من جميع الجهات، ولكنّنا؛ رعايةً للاختصار، سوف نقتصر على ذكر أهم موارد هذا النقد:

1ـ عدم ثبوتها من حيث السند. فإن هذه الأسطورة لم يقبل بها أيّ واحد من المحققين من علماء الإسلام، حيث ذهبوا جميعاً إلى اعتبارها مجرّد خرافة. وقد قام بردها من الناحية السندية، أشخاص من أمثال: القاضي عياض، والقاضي بكر بن العلاء، وأبي بكر بن العربي، ومحمد بن إسحاق، ومحمد حسين هيكل.

2ـ التهافت بين صدر هذه الأسطورة وذيلها؛ لأن هذه السورة تبدأ بالآيات التالية: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى…﴾ (النجم: 1 ـ 5)، حيث تؤكد هذه الآيات على عدم ضلالة وغواية النبيّ الأكرم|، وعدم نطقه عن الهوى. كما تمّ التصريح بأن كلّ ما يقوله النبيّ إنّما هو من الوحي الإلهي: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 4). فإذا كان بإمكان إبليس أن يُلبس على النبيّ للزم من ذلك تكذيب كلام الله، في حين لا يمكن لإرادة الشيطان أن تتغلَّب على إرادة الله؛ إذ يقول تعالى:

ـ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ (النساء: 76).

ـ ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21).

والعزيز يطلق على الذي لا يمكن لغيره أن يتغلَّب عليه، فكيف يمكن للشيطان الضعيف ـ والحال هذه ـ أن يكون أقوى من الله، الذي ينطلق من موقع العزّة.

3ـ لقد تمّ التصريح في القرآن الكريم بنفي كلّ نوعٍ من أنواع السلطة لإبليس على المؤمنين، الذين يحتمون بحصن التوكُّل على الله. وفي ذلك يقول الله تعالى:

ـ ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99).

ـ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ (الإسراء: 65).

وقال على لسان الشيطان نفسه: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (إبراهيم: 22).

وعليه كيف يمكن لإبليس أن يستولي على مشاعر النبيّ الأكرم|؟!

4ـ لقد ضمن الله سبحانه وتعالى صيانة القرآن من التحريف؛ إذ يقول تعالى:

ـ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).

ـ ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصِّلت: 42).

وتشير هذه الآيات إلى استحالة أن ينسب النبيّ الأكرم| إلى الله تعالى كلاماً من عنده، حيث يُستفاد من مفردة «لو» أن النبيّ لا ينسب هذا المعنى إلى الله أساساً، وبذلك يكون هذا الأمر بحسب المصطلح شَرْطاً محالاً، ولن يتحقَّق جزاؤه أصلاً، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (يونس: 15).

وأما الآية 52 من سورة الحج، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، التي ذكرها أصحاب هذه الدعوى بوصفها تأييداً لما ذهبوا إليه، فلا رَبْطَ لها بالأسطورة أيضاً، وإنما هي إشارةٌ إلى حقيقةٍ تقول: ما من نبيٍّ وصاحب شريعة إلاّ وهو يتمنّى أن تؤدّي جهوده إلى نتيجة، وأن يصل إلى تحقيق أهدافه المنشودة، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بَيْدَ أن الشيطان في المقابل يسعى على الدوام إلى عرقلة هذه الأهداف السامية وإعاقتها، على ما قال تعالى:

ـ ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، إلاّ أن ﴿اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

ـ و﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ (النساء: 76).

إذن فإن الله يحبط جميع محاولات إبليس وتلبيساته، ولن يتحقَّق له ما يريد، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18).

والآية الأخرى التي وقعت مورد استشهادهم، فهي آية التثبيت([41]). وهي الأخرى لا ربط لها بهذه الأسطورة، وإنما هي بصدد إثبات العصمة للأنبياء^. فلو لم تكن العصمة ـ التي تعني العناية الإلهية الشاملة لحال الأنبياء ـ ثابتة كان هناك إمكانية لتسلُّل الشكّ إلى صدور الناس، وكان ذلك مرتعاً خصباً لحرفهم، حيث لا حدود لقدرات الطواغيت في إثارة الأجواء وتعكير المياه بما يتناسب وأهدافهم الشيطانية، بحيث قد يمكن لهم إضلال أكثر الأشخاص وَعْياً وذكاءً. من هنا لا بُدَّ من تدخُّل العناية والرعاية الإلهية لتحصين عباده الصالحين؛ لضمان عدم وقوعهم في وساوس الشيطان. وعلى أيّ حال فإن آية التثبيت تدلّ على عدم حصول الزَّلَل والانحراف، وهذا ما تدلّ عليه كلمة «لولا» الامتناعية (لو لم يحصل هذا لحصل ذاك).

5ـ إجماع الأمّة على عصمة النبيّ الأكرم|، ولا سيَّما في نزول الوحي، وتبليغ الشريعة. فلا يمكن لحبال الشيطان وأساليبه أن تقع مؤثِّرة من هذه الناحية. إن النبيّ لا يسهو، ولا يقع في الخطأ، ولا يمكن لأحدٍ أن يستحوذ على عقله، أو يسلبه تفكيره ونباهته؛ فهو محاطٌ بحصنٍ منيع من العناية والرعاية الإلهية. قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (الطور: 48).

ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى لا يتركه أسيراً في مخالب الشيطان. إن الذين تصوَّروا أن الشيطان قد ألقى آياتٍ على لسان الرسول لا يمتلكون معرفة عن الله تعالى والتوحيد، ولا إدراك لديهم لحقيقة القرآن والنبيّ الأكرم|. ومن خلال التدقيق في مقولة الوحي والتوحيد والنبوّة ندرك أن القرآن الكريم والوحي ليس من الكنوز التي يمكن للشيطان أن يسطو عليها من حينٍ لآخر([42]).

 

تنويهٌ ــــــ

وهنا لا بُدَّ من الإشارة إلى أنّه على الرغم من ذهاب الكثير من المستشرقين إلى توظيف هذه الأسطورة في إطار إثبات مدَّعياتهم، بَيْدَ أن أسس الاستدلال بها كانت من الضعف بحيث دفع القليل ممَّنْ يتمتَّع بشيءٍ يسير من الإنصاف منهم إلى الاعتراف بافتقار هذه الأسطورة إلى الأسس المتينة.

ومن هؤلاء: كاتب مقال «القرآن» في (دائرة معارف إسلام)، إذ قال فيها: «لقد ذهب أكثر الكتاب الغربيين الذين نقلوا هذه القصة (الآيات الشيطانية) إلى اعتبارها حقيقة تاريخية ثابتة؛ لأنهم قالوا باستحالة وعدم إمكان تصوُّر اختلاقها. وعلى الرغم من وجود احتمال أن يكون لهذه القصّة أساسٌ تاريخي، ولكنّها بصيغتها الراهنة لا يمكن أن تكون إلاّ من المختلقات التفسيرية التي طرأَتْ على القصّة لاحقاً. وخلافاً للمدَّعى فإنّ الآيات العشرين الأولى من السورة رقم 53 [النجم] لا يربطها رابط بالآيات الأخيرة منها. كما أن الآية 52 من سورة الحجّ [والتي تقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ…﴾] قد نزلت بعد الآيات من 12 ـ 27 من السورة 53 [سورة النجم]، ويمكن القول، بكلّ ثقةٍ: إنها مدنية، وإن الكثير من تفاصيل القصّة، من قبيل: المسجد والسجدة والجزئيات الأخرى التي لم نأتِ على ذكرها، لا تعود إلى الحقبة المكّية. وقد ناقش «كايتاني» و«جي بريتون» تاريخية هذه القصة من جهاتٍ أخرى؛ حيث ناقشها «كايتاني» من حيث ضعف سندها؛ وتوصل «بريتون» إلى نتيجةٍ مفادها أن الفقهاء قد وظّفوا هذه القصّة بوصفها دليلاً من نصّ القرآن على إثبات فرضية النَّسْخ»([43]).

كما نلاحظ في كلمات بعض المستشرقين حول أسطورة الغرانيق والآيات الشيطانية أنهم في الغالب يعتبرونها حقيقةً تاريخية، ورتَّبوا تنظيراتهم على أساسها. وحيث إننا لا نؤمن بوقوعها من الأساس، ونذهب إلى القول باختلاقها من قبل المغرضين، نكتفي بهذا المقدار، ولا نرى حاجةً للتعرُّض إلى فرضيّاتهم المضحكة([44]).

الهوامش

(*) باحثٌ وكاتبٌ، وعضو الهيئة العلميّة في جامعة علوم إسلامي رضوي. متخصِّصٌ في علوم القرآن والحديث، وخرّيج جامعة تربيت مدرِّس في طهران.

([1]) انظر: الفرقان: 5.

([2]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: الآيتين 24 ـ 25 من سورة المدَّثر.

([3]) انظر: محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 8.

([4]) محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 7.

([5]) The Encyclopedia of Islam, Vol: 5, p: 403.

([6]) وراجع أيضاً: الإسراء: 15؛ فاطر: 18؛ الزمر: 7.

([7]) محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 7.

([8]) إن وجود الكثير من الإسرائيليات في بعض المصادر المعتبرة لدى أهل السنّة قد وفّر ـ للأسف الشديد ـ هذه الفرصة للمستشرقين، بأن يستندوا لها في التشكيك بأصل الإسلام. ويمكن لنا أن نسمّي تاريخ الطبري كمثالٍ في هذا الشأن، حيث اشتمل على الكثير من القصص المختلقة، حتّى قال بعض علماء أهل السنة: لقد كان الطبري مُولَعاً بجمع الإسرائيليات. وقال السيد بهاء الدين خرّمشاهي في هذا الشأن: لقد أكثر الطبري في تفسيره من رواية الإسرائيليات والنصرانيات. والمراد من الإسرائيليات والنصرانيات القصص والأخبار المنقولة عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين أسلموا لاحقاً، من أمثال: وهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ممّا يُشبه قصص الكتاب المقدَّس، أو تلك التي تعود إلى الشروح الشفهية للكتاب المقدَّس. (بهاء الدين خرمشاهي، قرآن پژوهي: 169).

من هنا نجد من بعض المستشرقين، من أمثال: «جولدسيهر» و«مونتغمري واط» وغيرهما، هياماً شديداً بتاريخ الطبري، ويعتبرونه غير قابل للتشكيك. وقد خلقت قصص، من أمثال: قصّة ورقة بن نوفل، الواردة في تاريخ الطبري، وتفسير الطبري، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسيرة ابن هشام؛ وأسطورة الغرانيق، الواردة في تاريخ الطبري، وتفسير الطبري، والدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، وفتح الباري، خلقت الأرضيّة الخصبة لهجوم المستشرقين الواسع على القرآن والإسلام. والملفت أن السيد مونتغمري واط، الذي لا يترك مناسبةً إلا وينقل فيها أسطورة الغرانيق، وأقام الكثير من فرضياته بشأن القرآن والنبيّ على أساس هذه الأسطورة، بوصفها واقعةً تاريخية ثابتة بزعمه، يُثبت صحتها وأصالتها من خلال إسنادها إلى تاريخ الطبري، رافضاً بذلك فكرة اختلاقها؛ إذ يستحيل ـ من وجهة نظره ـ أن يعمد عالمٌ مثل الطبري إلى نقل قصّة مختلقة! وهكذا الأمر بالنسبة إلى الكثير من القصص المختلقة الأخرى، من قبيل: اضطراب النبيّ وقلقه في بداية نزول الوحي عليه، وقيام السيدة خديجة بتهدئة روعه؛ وقصة عبد الله بن سلام؛ وما إلى ذلك من الأمور التي تعود جذورها إلى تاريخ الطبري، وإنْ كانت الكتب الروائية والتاريخية الأخرى لأهل السنّة ليست بأقلّ سوءاً من تاريخ الطبري من هذه الناحية، وهذا أمرٌ واضح بعد أن حرموا أنفسهم من المعين والمنبع الصافي لعلوم أهل البيت^.

([9]) محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 8.

([10]) انظر: سيرة ابن هشام 1: 252 ـ 255؛ صحيح البخاري 1: 3 ـ 4؛ صحيح مسلم 1: 97 ـ 99؛ تاريخ الطبري 2: 298 ـ 303؛ تفسير الطبري 30: 161؛ محمد حسين هيكل، حياة محمد: 95 ـ 96؛ الإتقان 1: 24، نقلاً عن: محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 80.

([11]) The Encyclopedia of Islam, Vol: 7. P: 363.

([12]) Muhammad at Mecca, p: 59.

([13]) The New Encyclopedia Britannica, Vol: 22, p: 2.

([14]) Muhammad at Mecca, p: 50 – 52.

([15]) انظر: محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 26.

([16]) محمد هادي معرفت، علوم قرآني: 32.

([17]) نهج البلاغة: 300، الخطبة 192، المعروفة بـ (القاصعة).

([18]) تاريخ مدينة دمشق 63: 9.

([19]) ابن حجر، الإصابة في معرفة الصحابة 6: 475.

([20]) محمد هادي معرفت، علوم قرآني: 31 ـ 36.

([21]) عمر رضوان، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره 1: 271 ـ 290، 335. وانظر أيضاً: ثيودور نولدكه، تاريخ القرآن: 3 فما بعد، الفصل الأوّل (نبوة محمد ومصادر تعاليمه)، ترجمة: جورج تامر.

([22]) محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 11.

([23]) F. Buhl.

([24]) The Encyclopedia of Islam.

([25]) محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 13.

([26]) لقد تناول الأستاذ هذه الأبحاث بشكلٍ مفصَّل في كتاب «شبهات وردود»: 25 إلى 109.

([27]) محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 17.

([28]) إشارة إلى الآية 27 من سورة الأعراف.

([29]) محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 19 ـ 20.

([30]) محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 25 ـ 26.

([31]) المصدر السابق: 26.

([32]) المصدر السابق: 27.

([33]) انظر: العهد القديم، التوراة، سفر التكوين: 32، الآية 26.

([34]) محمد حسين الطباطبائي، قرآن در إسلام (القرآن في الإسلام): 83، تعريب: السيد أحمد الحسيني.

([35]) Bell’s introduction to the Quran, P: 21 – 35.

([36]) محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 51 ـ 54.

([37]) محمد هادي معرفت، علوم قرآني: 36.

([38]) Muhammad’s Mecca, p. 86, 87, 88.

([39]) Companion to the Quran, based on the Arberry translation, P: 136, 245, 329.

([40]) انظر: برخورد آراي مسلمانان ومسيحيان: 191 ـ 192.

([41]) انظر: الإسراء: 73 ـ 75.

([42]) انظر: محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 85 ـ 98؛ علوم قرآني: 36 ـ 42 (بتلخيصٍ).

([43]) The Encyclopedia of Islam, Vol: 5, P: 404.

([44]) انظر: نقدي بر توطئه آيات شيطاني (نقد مؤامرة الآيات الشيطانية).