استحالة التحريف في القرآن الكريم

6 أغسطس 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
61 زيارة

استحالة التحريف في القرآن الكريم

أ. بهاء الدين خُرَّمشاهي(*)

ترجمة: حسن مطر

مدخلٌ ــــــ

إن المباحث التي حظيت باهتمام الأستاذ معرفت في كتابه «صيانة القرآن من التحريف» هي: تعريف ابن حزم الأندلسي؛ بوصفه أوّل مَنْ قال بتحريف القرآن الكريم، وبيان تقرير عن التعريف لغةً واصطلاحاً، والقرآن ولغة التحريف، والتصوُّر الخاطئ في ما يتعلَّق بنسخ التلاوة، ومسألة الإنساء، وأهمّ أدلّة المؤلِّف في ردّ شبهة التحريف (ستّة أدلة)، وتصريح ثلاثين شخصية من كبار علماء الشيعة، وبحثٌ متمِّم في شرح أقوال مدَّعي التحريف، وموقفنا من الفئة الأخبارية المتطرِّفة، والمراد من التحريف في كتب العهدين، والتحريف من وجهة نظر الحَشْوية والظاهرية من أهل السنة، والتحريف من وجهة نظر الأخباريين، ومزاعم صاحب الفصول (عشرة مزاعم وجوابها)، وفصلٌ في عدم اعتبار المصادر المعتمدة من قبل المحدِّث النوري (1122 حديثاً اعتمدها الشيخ النوري)، حيث رأى المؤلِّف أن دلالة 61 منها دلالةً عامة، وأن دلالة 1061 حديثاً منها دلالةً خاصة، وأكثرُها (815 حديثاً منها) واردٌ في مصادر غير معتبرة، وأنّها مستقاةٌ من 307 مصادر، يعود أكثرها إلى اختلاف القراءات، وأن ما تبقى من هذه الأحاديث (200 حديث) ينقسم إلى سبعة أقسام، وقد أجاب المؤلِّف عنها جميعاً.

لا بُدَّ من الالتفات إلى أن مؤلَّفات الباحثين من علماء الشيعة في الشأن القرآني ليست كثيرة.

وبطبيعة الحال علينا أن نستثني تفسير القرآن من هذه القاعدة، حيث قام العلماء الأعلام من الشيعة ـ حتّى قبل تأليف الشيخ الطوسي لتفسير التبيان، إلى الشيخ جوادي الآملي، الذي ألَّف تفسير «تسنيم» ـ، ولله الحمد، بتأليف الكثير من الكتب القيِّمة في هذا الشأن.

كما يُعَدّ كتاب «التمهيد في علوم القرآن» من أكثر المؤلَّفات الموسوعية على المستوى العلمي والتحقيقي، حيث عمد فيه الأستاذ معرفت إلى بيان تاريخ القرآن، وبيان ظاهرة الوحي، والمتشابهات، وغير ذلك من العلوم القرآن، في ستّة مجلدات، بلغة عربية سلسة. ولا نشكّ في أن الأَجَل لو كان قد أمهل سماحته لأضاف حتماً أجزاء أخرى إلى مجموع أجزاء هذا الكتاب القيِّم.

كما ألَّف سماحته كتاباً آخر تحت عنوان «التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب»، في مقابل ما كتبه الدكتور محمد حسين الذهبي تحت عنوان «التفسير والمفسِّرون»، فجاء تأليف الأستاذ معرفت في إطار تكميل وتعديل ما قام به الدكتور الذهبي.

ومن مؤلَّفات هذا المحقِّق القرآني كتابٌ صغير في حجمه، كبير في محتواه ومضمونه، تحت عنوان «صيانة القرآن من التحريف».

وفي هذا المقال سنقدِّم تقريراً عن هذا الكتاب، مقروناً بمسائل تأتي في سياق شرح آرائه، وأدلّته العقلية والنقلية المتينة.

لقد صدر هذا الكتاب في سنة 1410هـ، في قم المقدّسة، من قبل مؤسسة «دار القرآن»، للسيد الكلبايكاني، في 243 صفحة من القطع الوزيري.

وقد قال سماحته في مقدّمة هذا الكتاب: إن تأليفه يأتي كتكملة لمباحثه في أدلة إعجاز القرآن، ورفع الشبهات المثارة حول حجّية ظواهر القرآن الكريم.

ثم عمد إلى التعريف بابن حزم الأندلسي؛ بوصفه أوّل القائلين بتهمة تحريف القرآن، ونسبة هذا الاعتقاد الخاطئ إلى الشيعة. فقد كان من القائلين بوجود آية الرجم، ثمّ قال بنسخ تلاوتها [وكتابتها]، وبقاء حكمها([1]).

ثمّ قام سماحته بشرح المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة التحريف، وذهب إلى القول بأن التعريف الاصطلاحي على سبعة أنحاء:

أـ تحريف مدلول الكلام، بمعنى التفسير غير المتطابق مع اللفظ، أي تأويله بشكل غير مناسب.

ب ـ التحريف الموضعي، من قبيل: إثبات آية أو سورة في غير موضعها.

ج ـ تحريف القراءة، وهو الذي عليه أكثر اجتهادات القرّاء (السبعة أو العشرة أو غيرهم).

د ـ التحريف في اللهجة أو التلفُّظ، حيث يراه الأستاذ جائزاً ما لم يغيِّر في أصل الكلمة أو العبارة.

هـ ـ التحريف بتغيير الكلمة أو الكلمات واستبدالها بما يرادفها، كما كان عبد الله بن مسعود يجيز مثل هذا الاستبدال.

بَيْدَ أن الأستاذ معرفت لا يراه جائزاً؛ لأنه يرى إعجاز القرآن قائماً على أساس اللفظ والمعنى.

و ـ التحريف بالزيادة. وأوّل القائلين بهذا النوع من التحريف هم العجاردة، أتباع عبد الكريم بن عجرد، وهو من علماء الخوارج. وقد سبقه في ذلك عبد الله بن مسعود، حيث كان يذهب إلى اعتبار المعوذتين (الفلق والناس) مجرَّد تعويذتين، ولذلك لم يدرجهما في مصحفه.

ز ـ التحريف بالنقيصة، كما كان يقرأ عبد الله بن مسعود بعض الآيات القرآنية، من قبيل: «والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلّى، والذكر والأنثى»، بحذف عبارة «وما خلق» قبل «الذكر والأنثى». [ثم سار على ذلك الكثير من القائلين بهذا القول في موارد أخرى من القرآن الكريم، سواء من محدِّثي أهل السنّة أو الشيعة]([2]).

ثم ذكر بعد ذلك بحثاً تحت عنوان «القرآن ولغة التحريف»([3])، والبحث التالي «مزعومة نسخ التلاوة»([4])، ثم يليه بحث «مسألة الإنساء»، حيث يقال كما في البحث السابق: إن من الآيات ما نُسيت من القلوب، ولم يَعُدْ لها ذكرٌ في الصدور والأذهان. وبعد أن شرح الأستاذ معرفت مفهوم ذلك، رفض أن يكون لها مصداق متحقِّق([5]).

أما البحث اللاحق فيشتمل على «أهمّ أدلة المؤلف [والعلماء المجتهدين الشيعة قديماً وحديثاً] في دحض شبهة التحريف»:

1ـ آية الذكر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، وحيث أن الله لا يخلف وعده؛ بحكم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: 9؛ الرعد: 31). وطبقاً لقاعدة اللطف يكون تقريب العباد من الطاعة، وإبعادهم عن المعصية، من شؤون الله سبحانه وتعالى.

2ـ آية عدم إتيان الباطل: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصّلت: 41 ـ 42).

3ـ ضرورة تواتر القرآن: حيث تمّ منذ البداية الحفاظ على عين الحروف والكلمات والعبارات والآيات قراءةً وكتابةً وحفظاً، وإنّ كلّ ما ورد من ادعاءات التحريف في مقابل هذا التواتر إنما هو مردودٌ؛ لأنه في حكم خبر الواحد.

4ـ مسألة عرض الأحاديث على القرآن الكريم، فما وافقه منها كان صادقاً وصحيحاً، وما خالفه منها لا يكون صادقاً وصحيحاً. وقد أجاب الأستاذ معرفت عن كلام المحدِّث الشيخ النوري ـ القائل: إن هذا الحديث قد صدر في حياة النبيّ‘، والتحريف إنما حدث بعد رحيله ـ، قائلاً: إن هذا الحديث يمثِّل قاعدة دائمة الاعتبار، وقد ذكرها جميع المعصومين الأربعة عشر^، ولم يذكروها إلاّ خشية من القول بالتحريف.

5ـ مسألة الإعجاز: إن إعجاز القرآن مفهومٌ تمّ التحدّي به في القرآن نفسه. وإن ما يقوله العجاردة من إضافة سورة يوسف إلى القرآن، أو ما كان يعتقده عبد الله بن مسعود من القول بأن سورتي الفلق والناس مجرَّد تعويذتين أو دعاءَيْن مضافين إلى القرآن، يتنافى مع دعوى التحدّي والإعجاز القرآني؛ إذ إن ذلك يعني بالتالي إمكانية أن يأتي البشر بسورٍ مماثلة لسور القرآن الكريم، في حين أن الذين يدّعون التحريف لا ينكرون إعجاز القرآن.

من هنا يكون ما قاله بعض العلماء، أمثال: المحدِّث النوري، وقبله السيد نعمة الله الجزائري، الذي كان يرى أن الصحيح في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110) أن يُقال: «كنتم خير أئمّة…»، أو قوله في ﴿أُمَّةً وَسَطاً﴾ (البقرة: 143) أن الأصل هو «أئمّة وسطاً»، ونظائر ذلك، باطلاً؛ لأنه يخالف الأدلة المتقدّمة، والأدلة التي سنأتي على ذكرها.

وإن ما قيل في بعض الادّعاءات من أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة: 67) كان في الأصل: «ما أنزل إليك ـ في عليٍّ ـ من ربك» هو أن هذه الإضافة إنما كانت منظورة في بيان شأن النزول، دون الآية نفسها. [وإن القرآن الكريم يشتمل على مئات الموارد بشأن مئات الأشخاص، وقد تمّ لحاظ أسمائهم وحفظها في معرض بيان شأن نزولها، دون نصّ القرآن الكريم].

6ـ نصوص أئمة أهل البيت^: لقد ذكر الأستاذ معرفت تحت هذا العنوان تصريحات الأئمّة الأطهار^، ضمن أحاديث وروايات معتبرة، أنّ أيدي التحريف لم تَطَل القرآن الكريم، وأنه بقي سليماً، كما هو في يد المسلمين([6]).

ثم ذكر فصلاً تحت عنوان: «تصريحات أعلام الطائفة وكبار علماء الشيعة [بصيانة القرآن من التحريف]». ونقل عن صاحب القوانين: إجماع المجتهدين من الشيعة على عدم تحريف القرآن الكريم. ثم عمد إلى نقل كلمات كبار العلماء في هذا الشأن، من أمثال:

1ـ القاضي نور الله التستري(1019هـ).

2ـ شيخ المحدِّثين أبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه، المعروف بالشيخ الصدوق(381هـ)، حيث ذكر القول باستحالة تحريف القرآن بوصفه جزءاً من العقائد القطعية الثابتة عند الشيعة الإمامية.

3ـ عميد الطائفة الشيخ محمد بن محمد بن النعمان، المعروف بـ «الشيخ المفيد»(413هـ)، في كتابه القيِّم «أوائل المقالات»، وفي كتابه الآخر «أجوبة المسائل السروية».

4ـ الشريف المرتضى، عليّ بن الحسين، المعروف بـ «علم الهدى»(436هـ)، في رسالته الجوابية الأولى، المعروفة بـ «الرسالة الجوابية عن المسائل الطرابلسيات».

5ـ شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي(460هـ).

6ـ أبي عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي(548هـ)، صاحب تفسير مجمع البيان، في مقدّمة تفسيره.

7ـ جمال الدين، أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهَّر، المعروف بـ «العلاّمة الحلي»(726هـ)، في كتابه «أجوبة المسائل المهناوية».

8ـ المولى المحقّق الأردبيلي(993هـ).

9ـ شيخ الفقهاء، الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء(1228هـ).

10ـ الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء(1373هـ)، في كتابه «أصل الشيعة وأصولها».

11ـ شيخ الإسلام، بهاء الملة والدين، محمد بن الحسين الحارثي العاملي، المعروف بـ «الشيخ البهائي»(1031هـ).

12ـ المحدِّث العارف المحقّق محمد بن المحسن، المشتهر بـ «الفيض الكاشاني» (1090هـ)، في المقدّمة السادسة من تفسير الصافي.

13ـ خاتمة المحدِّثين محمد بن الحسن بن عليّ، المشتهر بـ «الحُرّ العاملي» (1104هـ)، صاحب موسوعة وسائل الشيعة الروائية، في رسالةٍ كتبها باللغة الفارسية.

14ـ المحقِّق التبريزي(1307هـ)، في تعليقته على مكاسب الشيخ الأنصاري.

15ـ المحقق الآشتياني(1319هـ)، في شرحه على رسائل الأنصاري.

16ـ السيد حسين الكوهكمري(1299هـ).

17ـ العلاّمة الحجّة البلاغي(1352هـ).

18ـ المولى عبد الله بن محمد، المعروف بـ «الفاضل التوني»(1071هـ)، في رسالة «الوافية».

19ـ السيد محسن الأعرجي، المعروف بـ «المحقِّق البغدادي»(1227هـ)، في شرح الوافية.

20ـ قاضي القضاة عليّ بن عبد العالي، المعروف بـ «المحقِّق الكركي» (940هـ)، في رسالةٍ مستقلّة في نفي الزيادة والنقصان في القرآن الكريم.

21ـ الشيخ محمد إبراهيم الكلباسي الإصفهاني(1180 ـ 1261هـ).

22ـ السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي(1381هـ).

23ـ السيد محسن الأمين العاملي(1371هـ)، صاحب موسوعة أعيان الشيعة.

24ـ السيد محمد هادي الميلاني(1395هـ)، في مقالٍ له بعنوان: تتميم في هذا الشأن للكتاب النافع، للسيد علي الميلاني، وسنذكره تالياً.

25ـ السيد علي الحسيني الميلاني، في كتابه المستقلّ والهام «التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف([7]).

26ـ السيد محمد رضا الكلبايكاني.

27ـ السيد مهدي الحائري(1304 ـ 1380هـ).

28ـ السيد روح الله الخميني(1409هـ).

29ـ السيد أبو القاسم الخوئي، في كتابه «البيان في تفسير القرآن»، المشتمل على تفسير سورة الحمد. وهو من أهمّ الكتب القرآنية التي ألَّفها واحدٌ من كبار المجتهدين والمراجع العظام الشيعة، وقد ترجم إلى اللغة الفارسية أيضاً.

30ـ السيد جعفر مرتضى العاملي، صاحب كتاب «حقائق هامّة حول القرآن الكريم»([8])، في موضوع الردّ على شبهات مَنْ يدّعي التحريف في القرآن. وهو على الإطلاق واحدٌ من أهمّ مؤلَّفات الشيعة الإمامية في هذا الشأن([9]).

ثم ذكر الأستاذ معرفت بحثاً تكميلياً في بيان أقوال دعاة التحريف([10])، وفصلاً آخر تحت عنوان: «موقفنا من الفئة المتطرِّفة»، وقد ذكر فيه نماذج من سذاجة وسطحية بعض رؤوس التيار الأخباري، من أمثال: السيد نعمة الله الجزائري.

ثم تحدَّث عن تأليف كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب ربّ الأرباب»([11])، للمحدِّث الشيخ حسين النوري، صاحب كتاب «مستدرك الوسائل»، والذي يعدّ تذنيباً لموسوعة وسائل الشيعة، للشيخ الحُرّ العاملي، وما تبع ذلك من صيحات الاعتراض عليه؛ بسبب تأليف هذا الكتاب، من قبل علماء الشيعة في كلٍّ من: النجف الأشرف وكربلاء المقدسة وسامراء، وما كتبوه في الردّ عليه. ومن أهمّ تلك الردود: «البرهان»، للميرزا مهدي البروجردي، المنشور سنة 1371هـ في قم المقدّسة. وقبله قام الفقيه المحقّق الشيخ محمود بن أبي القاسم، الشهير بـ «المعرِّب الطهراني»(1313هـ)، بتأليف رسالةٍ قيّمة تحت عنوان: «كشف الارتياب في عدم تحريف الكتاب»، الأمر الذي دعا الشيخ النوري إلى التراجع عن موقفه ورأيه [بعض الشيء]، بحيث قال: إن مراده لم يكن هو التحريف بالزيادة والنقصان في القرآن الكريم بعد الجمع العثماني، وهو الموجود بين الدفتين، بل أراد بذلك وقوع التحريف بعد نزول القرآن، وقبل تدوين وتوحيد النصّ، وتحوُّل القرآن الكريم إلى مصحفٍ مجموع بين دفتين. وأضاف أيضاً: أنه لا يسمح بعد ذلك لأحدٍ بقراءة كتابه «فصل الخطاب»، إلاّ ويضمّ إليه قراءة كتاب «كشف الارتياب»([12]).

كما كتب في الردّ عليه العلاّمة السيد محمد حسين الشهرستاني(1315هـ) ـ وهو من المعاصرين للمحدِّث النوري ـ كتاباً هامّاً تحت عنوان «حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف». وهو ردٌّ علمي وتحقيقي على كتاب «فصل الخطاب»([13]).

ومن جهةٍ أخرى عمد الشيخ آغا بزرگ الطهراني، صاحب كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» ـ وهو من تلاميذ المحدِّث النوري ـ، إلى تأليف كتاب تحت عنوان «النقد اللطيف في نفي التحريف عن القرآن الشريف». وعمد فيه إلى تأويل مراد أستاذه في «فصل الخطاب». وقال: إن مراد أستاذي (المحدِّث النوري) هو أن القرآن الموجود حالياً، والذي يمثِّل الجمع العثماني، لم يتعرَّض للتحريف بالزيادة والنقصان، وقال: «إن الناس قد فهموا مراده على نحوٍ معكوس، وأنه كان الأجدر بي تسمية كتابي (فصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب). إنما مرادي هو نبذ قسمٍ من الوحي النازل، ويمكن لك أن تسمّي كتابي: (القول الفاصل في إسقاط بعض الوحي النازل)»([14]).

بَيْدَ أن الحقّ هو أن الميرزا حسين النوري، المعروف بالمحدِّث النوري ـ خاتم المحدِّثين ـ، عمد إلى مقارنة القرآن الكريم من حيث التحريف بالعهدين، وقال في الوقت نفسه: إن القرآن الكريم لم يشهَدْ تحريفاً وتبديلاً كذلك الذي نجده في العهدين [التوراة والإنجيل]! وكما يُقال في المَثَل: إن تبرير الخطأ بالخطأ خطأٌ آخر([15]).

ثم عقد الأستاذ معرفت بحثاً تحت عنوان: «ماذا يعني التحريف في كتب العهدين؟». وخلاصته أن التحريف الذي تحدّث عنه القرآن الكريم بشأن العهدين يعني التفسير الاعتباطي، والذي يعني ـ في الحقيقة ـ التحريف المعنوي، كما ورد ذلك في حديث عن الإمام محمد الباقر×، إذ يقول: «أقاموا حروفه، وحرَّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه»([16]).

ثمّ ذكر نماذج من التحريفات في تراجم العهدين، دون ألفاظ النصّ الأصلي لهما([17])، وبعد ذلك قام بنقل لمحةٍ خاطفة عن تاريخ العهدين([18]).

وفي الختام تحدَّث الأستاذ معرفت حول بيان المراد من تشابه الأحداث بين أمة الإسلام والأمم السالفة ـ وهو الذي تطرَّق إليه المحدِّث النوري من خلال ذكره رواية بهذا الشأن؛ ليثبت وقوع تحريف القرآن الكريم، كما حصل ذلك بالنسبة إلى العهدين ـ، قائلاً: «أما مسألة تشابه ما بين حوادث الماضي والحاضر فهي تعني تشابهاً في أصول الحياة العامة، لا في أساليبها المتَّخذة، المختلفة حَسْب اختلاف [المجتمعات] البشرية في طول الزمان وعرضه، إنها رهن شرائط وظروف تتفاوت حسب تفاوت الأوضاع والأحوال في كلّ دَوْر وفي كل عصر»([19]).

ثم عقد فصلاً تحت عنوان: «التحريف عند حشوية العامة» [من الظاهرية من أهل السنّة]. ونقل فيه قول عمر بن الخطاب المعروف، الذي يقول فيه بوجود آية الرجم في القرآن الكريم، وهو قوله: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة»، نقلاً عن أمهات المصادر الروائية لدى أهل السنّة. وكذلك كلام زيد بن ثابت الذي كان يعدّ هذا الكلام حديثاً.

ثم أضاف إلى ذلك بعض الآيات المدَّعيات الأخرى من هذا القبيل، مثل: آية الرغبة: «أن لا ترغبوا عن آبائكم؛ فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم»، وقال: ربما تكون هذا العبارات أحاديث سمعها عمر بن الخطّاب من النبي الأكرم‘، فظنّها قرآناً.

وكذلك آية الجهاد: «…أن جاهدوا كما جاهدتُم أوّل مرّة…».

وآية الفراش: «الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر» [الذي تمّ التصريح في المجامع الحديثية لدى الفريقين بكونه حديثاً].

وهكذا ادّعاء عمر بن الخطاب القائل بأن القرآن الكريم يشتمل على (1027000) حرفاً، في حين يقول ابن عبّاس [وهو المعروف بترجمان القرآن]: إن عدد حروفه (323671). فإذا صحّ كلام عمر لا بُدَّ من القول بضياع ما يقرب من ثلثي القرآن الكريم. وقال الذهبي صاحب «ميزان الاعتدال»: «تفرَّد محمد بن عبيد بهذا الخبر الباطل»([20]).

أو الادّعاء القائل بأن الكثير من القرآن قد ضاع بقتل الكثير من حفّاظ القرآن في حرب اليمامة([21])، ونظائر هذه الادّعاءات.

وكذلك الادّعاء الواهي بأن عائشة كان لها مصحفٌ خاصّ ـ تمّ نسخه لها ـ، وأنه كان يحتوي على إضافاتٍ أسقطت منه عند قيام القوم بمشروع توحيد المصاحف، من قبيل: إضافة عبارة «وعلى الذين يصلّون في الصفوف الأولى» إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (الأحزاب: 56). وقد تمّ إسقاط هذه الزيادة الموجودة في مصحف عائشة؛ لعدم تطابقها مع ما حفظه الحفّاظ، أو مع النسخ الأخرى. ولنغضّ الطرف عن عدم اشتمال هذه الزيادة على الفصاحة المعهودة في القرآن الكريم [الأمر الذي لا يؤيِّد هذه الزيادة بطبيعة الحال]([22]).

إلى القول بأن سورة الأحزاب كانت أكبر من سورة البقرة([23]).

ودعاء القنوت الذي كان رسول الله‘ يقرأه في صلواته، وتوهَّم أُبَيّ بن كعب أنه من القرآن، فأضافه في نهاية مصحفه، وقسَّمه على سورتين، أسماهما: «الخلع»؛ و«الحفد»([24]).

ودعوى أن سورة براءة «التوبة» لم يبْقَ منها سوى ربعها([25]).

وما إلى ذلك من الادّعاءات الباطلة، التي لم تقم على دليلٍ أو سند، ممّا نجده في الكتب والمصادر الحديثية لأهل السنّة، والتي ورد الحكم بشأن ردّ أكثرها. وقد نقل جلَّها الأستاذ معرفت.

وللأسف الشديد فقد ذهب المحدِّثون من أهل السنّة إلى اشتمالها على أسانيد حسنة، الأمر الذي يحكي عن أن التصوُّر الواهي في القول بتحريف القرآن كان له أنصار وقائلون بين الحشوية [أهل الرواية من غير دراية] من أهل السنّة. ولربما ذهب بعضهم إلى اعتبار ذلك وأمثاله ـ من قبيل: زيادة حرف الواو ـ من قبيل: الاختلاف في القراءات، وهو أمرٌ مختلف من الناحية الموضوعية عن مسألة التحريف.

وغالباً ما عبَّر الأستاذ معرفت عن هذا النوع من الأقوال بأنها من مقولة الاجتهاد في مقابل النصّ، الأمر الذي يتجاهله العلماء([26]).

ثم تعرَّض إلى بعض الشبهات النحوية المثارة على بعض آيات القرآن، زاعمين أن هناك لحناً في القرآن اكريم.

وقد ذكر العلاّمة معرفت أربعة موارد منها، ومن بينها:

قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (طه: 63)، حيث أشكل ـ وأوّل هؤلاء المستشكلين هو عروة بن الزبير ـ بالقول: لماذا ورد رفع اسم إن في هذه الآية؟

أو لماذا ورد «المقيمين» في قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ﴾ (النساء: 162)، وكان حقّه الرفع «المقيمون»، عطفاً على قوله: ﴿لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾.

أو في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ (المائدة: 69) كان يجب؛ طبقاً للقاعدة النحوية، أن يقول: «الصابئين»، بدلاً من «الصابئون»؛ لكونها اسم إنّ.

وما إلى ذلك من الموارد الأخرى، التي أجاب عنها الأستاذ معرفت بذكر أقوال النحاة والمفسِّرين الكبار، ومن خلال قياسها إلى الموارد المشابهة في القرآن الكريم([27]).

ثم انتقل بعد ذلك إلى نقل أسطورة سورة «الولاية» المختَلَقة، عن صاحب كتاب «دبستان المذاهب»، قائلاً: إن هذه السورة وأمثالها من السور المختلقة في بيان فضائل أهل البيت، وقيل: إن عثمان بن عفان عمد إلى إحراقها وإتلافها، ليست سوى مختلقات لا أساس لها من الصحّة. مضافاً إلى اشتمالها على مضامين في غاية السخف والوَهْن، بحيث إنها تبطل نفسها بنفسها؛ لاشتمالها على الكثير من العبارات الخاطئة والمفتقرة إلى المعنى([28]).

وفي الفصل التالي تعرَّض سماحته إلى «التحريف عند متطرِّفة الأخبارية». وقد تناول فيه أوّلاً أدلة السيد نعمة الله الجزائري، التي أوردها في كتابه «منبع الحياة». واستعرض أخطاءه في مجال تاريخ جمع وتدوين المصاحف واحدةً واحدة. ومن ذلك:

تصوّره أن عثمان بن عفان قد كتب مصحفه أو مصاحفه بخطّ يده!

أو قوله: إن الإمام علي× عندما جمع مصحفه، وجاء به إلى جماعةٍ من الصحابة، رفضوه، وقالوا له: إن بأيدينا مصحف عثمان، فلا حاجة بنا إلى مصحفك، مع أن الإمام عليّ× قد جمع مصحفه قبل ما لا يقلّ عن خمسة عشر عاماً من جمع المصحف في عهد عثمان.

وقوله الآخر: إن الصحابة عندما رفضوا مصحف عليّ قام الله برفع المصحف إلى السماء، ثمّ ادّعى بعد ذلك أن هذا المصحف محفوظٌ عند الأئمّة الأطهار^، وأنهم يقرأونه في خلواتهم.

وما إلى ذلك من أنواع التهافت([29]).

والفصل اللاحق «مزاعم صاحب فصل الخطاب»، حيث تعرَّض فيه إلى مزاعم المحدِّث النوري وادعاءاته، باختصارٍ، وذلك على النحو التالي:

1ـ قد وقع التحريف في كتب العهدين، فكانت ضرورة تشابه الأحداث تقضي بأن يحدث الشيء نفسه بالنسبة إلى الأمة الإسلامية نفسها.

[وحيث تقدّم منا بحث هذا الأمر لا نرى هنا حاجة إلى الخوض في تفاصيله].

2ـ إن الأساليب التي قام بها جامعو القرآن في ذلك العهد تستدعي ـ بالنظر إلى عدم إمكانية الإحاطة بجميع القرآن ـ انفلات شيءٍ من كلماته وآياته، ولا سيَّما بالنظر إلى عدم إمكانية الإحاطة بجميع القرآن لمَنْ لم يستكمل الجمع على عهد رسول لله‘.

وفي الجواب عن هذه المسألة أشار الأستاذ معرفت إلى تاريخ القرآن ومراحل جمعه، وأنه كان مجموعاً على عهد رسول الله‘ بشكلٍ كامل، ولكنّه لم يكن مدوَّناً على شكل مصحفٍ، وأن جمعه في مصحفٍ قد تمّ في عهد عثمان بن عفان، الأمر الذي لا يستدعي تغييراً في كلمات القرآن وآياته الكريمة([30]).

3ـ إن ما تذرَّع به أهل السنّة لتوجيه رواياتهم في التحريف بأنها من منسوخ التلاوة لغوٌ باطل؛ إذ فيها صراحة بأن كثيراً من التحريف حصل على يد عثمان نفسه، وفي عهده.

وقد أجاب الأستاذ معرفت عن الإشكال الثالث الذي ذكره المحدِّث النوري، قائلاً: قد ذكرنا أن ما أشار له مجرّد تلفيقات من قبل الحشوية في أصول أهل السنّة، ولا وزن لها في عالم الاعتبار أساساً([31]).

4ـ كان لأمير المؤمنين× مصحف يخصّه، فلا بُدَّ أنه يخالف سائر المصاحف.

وقال الأستاذ معرفت في جوابه: نعم، يخالفها في النظم والترتيب، والاحتواء على شروح وتفاسير على الهامش، وأما من حيث نصوص الآيات فلا فرق بينهما([32]).

5ـ كان لعبد الله بن مسعود أيضاً مصحف يخصّه.

وقد أجاب عنه الأستاذ معرفت بالقول: كان اختلافه مع سائر المصاحف في قراءته بالزيادة التفسيرية أحياناً، وبتبديل كلمات غير مألوفة إلى نظيراتها المألوفة؛ لغرض الإيضاح، وقد أسقط المعوذتين [من آخر المصحف] بزعم أنهما عوذتان، ولم يثبت سورة الفاتحة في مصحفه؛ نظراً لأنها عدل القرآن، وليست منه([33]).

وهذه من المسائل الواضحة في تاريخ القرآن، وليست من التحريف في شيءٍ.

[كما يمكن لنا أن نضيف بأن المحدِّث النوري لم يكن من أتباع وأنصار مصحف عبد الله بن مسعود. والأهمّ من ذلك أن عبد الله بن مسعود عمد في نهاية المطاف إلى سحب مصحفه من منافسة المصحف العثماني، وأيَّد المصحف العثماني].

6ـ مصحف أُبَيّ بن كعب كان يشتمل على إضافاتٍ غير موجودة في المصحف العثماني.

وقد قال الأستاذ معرفت في الجواب عن هذه الشبهة: نعم، كان مصحف أُبَيّ بن كعب مشتملاً على دعاءَيْ القنوت، وقد حسبهما سورتين، سمّاهما لاحقاً: سورة الخلع؛ وسورة الحفد.. وكانت له زياداتٌ تفسيرية.

[وإنّ مصحفه ساقطٌ عن الاعتبار في مقابل المصحف العثماني، وإن هذه المصاحف التي ذكرها المحدِّث النوري لا تخدش في اعتبار المصحف العثماني. ولو أن هذه الاختلافات البسيطة قد تسلَّلت إلى المصحف العثماني أيضاً لكان هناك متَّسع لطرح الإشكال، أما حيث لم يتسلَّل إلى المصحف العثماني شيءٌ من ذلك فلا مجال لطرح مثل هذه المسائل].

7ـ زعم المحدِّث النوري أن عثمان بن عفان قد أسقط من المصحف بعض الكلمات ـ بل الآيات ـ، حيث كان وجودها متنافياً مع بقاء سلطانه. وقد غفل عنها صاحباه، فقام هو بتدارك ما فاتهما.. أضِفْ إلى ذلك اختلاف ما بين المصاحف ـ الخمسة أو الستة ـ التي أرسلها عثمان بن عفّان إلى الآفاق([34]).

وقد أجاب الأستاذ معرفت عن ذلك، قائلاً: إن المصحف العثماني قد تمّ جمعه من قبل عددٍ من الصحابة المختصّين في الشأن القرآني، [ولم يتدخّل عثمان بن عفان في إدخال سورة أو آية أو عبارة في هذا المصحف].

وإن ما ذكره المحدِّث النوري بهذا الشأن مجرَّد ادّعاء لا دليل عليه. ولذلك لا يمكن سماعه أو قبوله([35]).

وإنّ تاريخ توحيد المصاحف من الوضوح بحيث يبعث على الاطمئنان بعدم حدوث تغيير في نصّ الأصل، وأما الاختلاف ـ إذا كان ـ فقد وقع في رسم الخطّ، الذي لا يمسّ جانب التحريف.

8ـ إن بعض روايات أهل السنّة تحكي عن وقوع التحريف، وهي مرويةٌ عن الحشوية، ونقلها الحافظ جلال الدين السيوطي في تفسيره، وفي كتابه «الإتقان في علوم القرآن»، وهكذا فعل غيره من أصحاب الحديث.

قال الأستاذ معرفت في الجواب عن ذلك: «وقد ذكرنا شطراً منها عند التعرُّض لمسألة التحريف عند حشوية العامة. وكانت لا وزن لها ولا اعتبار، لا سنداً ولا مدلولاً. [ولا شيء منها إجماعيّ، في حين أن تواتر الصدور القطعي للقرآن إجماعي].

والغريب أنه نقل مزعومة سورة الولاية بأكملها عن كتاب «دبستان مذاهب»، وجعلها من روايات المخالفين في هذا الباب.. ثمّ قال: ظاهر كلامه أنه أخذها من كتب الشيعة، ولم أجِدْ لها أثراً فيها، غير ما حكي عن ابن شهرآشوب في كتاب المثالب.. وقد تكلَّمنا عن هذا الكتاب والحكاية عنه، عند الكلام عن مزاعم الحشوية»([36]).

9ـ إن الله تبارك وتعالى قد ذكر أسماء أوصياء خاتم النبيين وابنته الصدّيقة الطاهرة ـ عليهم سلام الله ـ وبعض شمائلهم وصفاتهم في تمام الكتب [السماوية] المباركة التي أنزلها على رسله.. إذن كيف يحتمل المنصف أن يهمل الله تعالى ذكرهم في القرآن؟!([37]).

وقد أجاب الأستاذ معرفت عن ذلك، قائلاً: إن هذا الكلام لا يَعْدو أن يكون من الأساطير الإسرائيلية التي صاغتها مخيّلة اليهود. [كما أن أسماء الأعلام لا يمكن ترجمتها. وقد نقل القرآن الكريم أسماء: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسليمان وداوود، وغيرهم من الأنبياء السابقين الواردة أسماؤهم في كتب العهدين، دون تصرُّف فيها عند ترجمة تلك الكتب إلى اللغة العربية]([38]).

10ـ لا شَكَّ في أن القرّاء مختلفون في كثير من حروف القرآن، وفي هيئات كلماته.

وقال الشيخ معرفت في الجواب عن ذلك: لقد فصّلنا القول في القرّاء والقراءات، وذكرنا أوجه مغايرة مسألة القراءة المختلف فيها عن مسألة تواتر القرآن، وأنْ لا صلة بينهما في شيءٍ، فإنّ القرآن شيءٌ والقراءات شيءٌ آخر([39]).

أما الفصل اللاحق فيحمل عنوان «كتبٌ اعتمدها النوري لا اعتبار لها»([40]).

وعنوان الفصل التالي «ألف حديث وحديث»، قال فيه الأستاذ معرفت: قد ذكر المحدِّث النوري (1122) حديثاً اعتمدها لإثبات إمكان وقوع التحريف في القرآن الكريم. وقال الأستاذ معرفت: إن دلالة (61) منها دلالة عامة، وإن دلالة (1061) حديثاً منها دلالة خاصّة، وأكثرُها (815 حديثاً منها) واردٌ في مصادر غير معتبرة، وإن المصادر، وهي (307) مصادر، يعود أكثرها إلى اختلاف القراءات، وإن ما تبقى من هذه الأحاديث (200 حديث) ينقسم إلى سبعة أنواع:

النوع الأوّل: روايات تفسيرية، إما توضيحاً للآية أو بيان شأن النزول أو تأويل الآية أو تعيين مصداق من مصاديقها الأجلى المنطبق عليها الآية بعمومها..

وهذا النوع يشمل القسط الأوفر من هذه الأحاديث الـ «200».

بَيْدَ أن الأستاذ معرفت لم يُخْضِع للنقد سوى عشرين حديثاً منها([41]).

النوع الثاني: عبارة عن القراءات المنسوبة إلى بعض الأئمّة^.

وقد نقل منها سماحته ستة موارد([42]).

النوع الثالث: أحاديث جاء فيها لفظ «التحريف»، فزعمه أهل القصور تحريفاً مصطلحاً، في حين أنه تحريف بالمعنى، وتفسير على غير الوجه([43]).

النوع الرابع: روايات تمّ الاستناد إليها، رغم أن الاستناد إليها ليس معتبراً.

وقد نقل الشيخ معرفت ثلاثاً منها، وعرضها على طاولة النقد([44]).

النوع الخامس: روايات وردت بشأن الإمام القائم#، وتلزم الناس بقراءة مصحف الإمام عليّ×، الذي يحتفظ به الإمام المنتظر بعد أن ورثه من آبائه^، حيث يقول المحدِّث النوري: لو أن مصحف الإمام عليّ لم يكن مختلفاً عن المصحف الراهن لما كان هناك معنىً لمثل هذا الإلزام.

وقد ذكر الأستاذ معرفت خمسة منها، وقام بنقدها.

وفي ما يلي نذكر ثلاثة أمور في الجواب عن إشكالات المحدِّث النوري، فنقول:

أـ ربما كان إلزام الناس بقراءة مصحف الإمام عليّ× يأتي من ناحية اشتماله على بعض الهوامش التفسيرية، والمسائل الأخرى التي لا شأن لها باختلاف النصّ. وبطبيعة الحال فإن نصّ مصحف الإمام عليّ× كان على ترتيب النزول، خلافاً لترتيب المصحف العثماني الموجود بين أيدينا.

ب ـ من المتعذِّر للمجتمع الشيعي، البالغ عدد أفراده عشرات الآلاف، ويبلغ اليوم الملايين، أن يقرأ في نصٍّ واحد لا يوجد إلاّ عند الإمام الغائب#. وحتّى إذا قلنا بإمكان ذلك من الناحية العقلية نقول بعدم إمكانه من الناحية العملية، والتكليف بما لا يُطاق قبيح.

ج ـ هناك بإزاء هذه الأحاديث عشرات الأحاديث الأخرى، وهي أصحّ سنداً وأوضح اعتباراً، وفيها يُمضي الأئمّة الأطهار^ هذا المصحف العثماني الراهن، ويحثّون الناس على تلاوته. وبذلك يقع التعارض بين هاتين الطائفتين من الأحاديث.

النوع السادس: روايات توهم سقوط آية أو عبارة أو كلمة من القرآن. وقد أوضح المختصّون في نقد الحديث أنها مجرّد إضافات تفسيرية، وشرحاً وبياناً لمترادفات وما إلى ذلك، وليست من نصّ القرآن.

بَيْدَ أن القائلين بالتحريف يجهودن مستميتين في التمسُّك بها؛ لإثبات ما يذهبون إليه.

ثم ذكر الأستاذ معرفت ثلاثة منها، وقام بشرحها، وردّها.

النوع السابع: روايات وردت في فضائل أهل البيت^. ولكنّها ليست صريحة في أن هذه الفضائل جزءٌ من نصّ القرآن([45]).

وقال الأستاذ معرفت، ضمن الإجابة عن هذه الشبهة: إن هذا المصحف العثماني الراهن يشتمل بدوره على آيات في فضل الإمام علي× وأهل البيت الأطهار^، ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: 55)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (الشورى: 23)، ونظائر ذلك.

الهوامش

(*) كاتبٌ ومترجم وباحثٌ معروف في الشأن القرآني والأدبي، وعضو الهيئة العلميّة لدائرة معارف التشيُّع. ويُعَدّ من الوجوه البارزة المعاصرة في الوسط الثقافي في إيران. لديه أكثر من خمسين كتاباً مؤلَّفاً أو مترجماً، وما يقرب من ألف مقالة.

([1]) انظر: ابن حزم الأندلسي، الفصل 4: 182.

([2]) انظر: محمد هادي معرفت، صيانة القرآن من التحريف: 8 ـ 14.

([3]) انظر: المصدر السابق: 14 ـ 16.

([4]) انظر: المصدر السابق: 17 ـ 24.

([5]) انظر: المصدر السابق: 25 ـ 26.

([6]) انظر: المصدر السابق: 27 ـ 42.

([7]) قم، دار القرآن الكريم، 1410هـ.

([8]) قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1410هـ.

([9]) انظر: معرفت، صيانة القرآن من التحريف: 43 ـ 72.

([10]) انظر: المصدر السابق: 72 ـ 84.

([11]) يعود تأليفه إلى عام 1292هـ، وطبع عام 1315هـ.

([12]) انظر: معرفت، صيانة القرآن من التحريف: 90.

([13]) انظر: المصدر السابق: 91.

([14]) انظر: المصدر السابق: 90 ـ 91.

([15]) انظر: المصدر السابق: 92 ـ 93.

([16]) انظر: المصدر السابق: 95.

([17]) انظر: المصدر السابق: 96 ـ 102.

([18]) انظر: المصدر السابق: 102 ـ 120.

([19]) انظر: المصدر السابق: 151، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المقدسة، ط1، 1413هـ.

([20]) الذهبي، ميزان الاعتدال 3: 639، نقلاً عن: معرفت، صيانة القرآن من التحريف: 163.

([21]) انظر: المصدر السابق: 123 ـ 129.

([22]) انظر: معرفت، صيانة القرآن من التحريف: 130.

([23]) انظر: المصدر السابق: 134 ـ 136.

([24]) انظر: المصدر السابق: 136.

([25]) انظر: المصدر السابق: 137.

([26]) انظر: المصدر السابق: 142.

([27]) انظر: معرفت، صيانة القرآن من التحريف: 144 ـ 151.

([28]) لمزيدٍ من التفصيل انظر: معرفت، صيانة القرآن من التحريف: 154.

([29]) انظر: المصدر السابق: 158 ـ 168.

([30]) انظر: المصدر السابق: 210 ـ 211.

([31]) انظر: المصدر السابق: 211.

([32]) انظر: المصدر السابق: 171.

([33]) انظر: المصدر السابق: 211 ـ 212.

([34]) انظر: المصدر السابق: 172.

([35]) انظر: المصدر السابق: 172.

([36]) المصدر السابق: 213 ـ 214.

([37]) انظر: المصدر السابق: 174.

([38]) انظر: المصدر السابق: 175.

([39]) انظر: المصدر السابق: 179.

([40]) انظر: المصدر السابق: 182 ـ 192.

([41]) انظر: المصدر السابق: 197 ـ 208.

([42]) انظر: المصدر السابق: 208 ـ 212.

([43]) انظر: المصدر السابق: 212 ـ 216.

([44]) انظر: المصدر السابق: 216 ـ 218.

([45]) انظر: المصدر السابق: 226 إلى آخر الكتاب.