الأخبار المشكوك في أمرها في المأثور الأخلاقي

21 يوليو 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
190 زيارة

الأخبار المشكوك في أمرها في المأثور الأخلاقي

الشيخ جويا جهانبخش(*)

ترجمة: حسن مطر

 

قال المسيح×: «خذوا الحقّ من أهل الباطل، ولا تأخذوا الباطل من أهل الحقّ. كونوا نقّاد الكلام، فكم من ضلالةٍ زخرفت بآيةٍ من كتاب الله، كما زخرف الدرهم من نحاس بالفضّة المموَّهة؟! النظر إلى ذلك سواء، والبُصراء به خبراء»([1]).

1ـ إن الرؤية الناقدة والبصيرة في المأثور الإسلامي من أهمّ المسائل الملقاة على عاتق العلماء والمفكِّرين المسلمين.

هناك ركامٌ هائل من الأقوال المأثورة، ولا سيَّما الأخبار المنسوبة إلى الأئمة المعصومين^، في الكثير من الكتب، دون أن تطالها يد التحقيق الجادّ؛ للتعرُّف على الصحيح والخطأ منها، والتأكُّد من صحّة نسبتها، ومناشئها في حدود سعة الباحثين.

إن هذا الركام الكبير يتمّ وضعه في أغلب الأحيان تحت تصرُّف بعض الكتاب أو الخطباء والمتكلِّمين، دون أدنى تمييز وتنقية وغربلة، فيقوم هؤلاء بترتيب الكلمات على ما يوافق أمزجتهم، فيصوغون كلاماً ـ فيه من الخلط والتقديم والتأخير في تلك الأقوال المأثورة والأخبار المنقولة ـ على أنه مثالٌ للتعاليم الدينية والمفاهيم الإسلامية، ولكنّه؛ حيث لم يخضع للفحص والتحقيق من قبل الخبراء، يؤدّي في أغلب الأحيان إلى نتائج معكوسة. ولطالما رأينا وسمعنا بعض الكتاب والخطباء، بأقوالهم وكتاباتهم، يزيدون من الغموض والظلمة المحيطة بهذا النوع من الأخبار والمأثورات، وبذلك يخلقون المرتع الخصب لطعن الطاعنين وإثارة ظنون الظانّين في الفكر الديني، وأثاروا بذلك مشكلةً جديدة في فضاء التديُّن التحقيقي.

إن المرويات المتراكمة لا تعمل على قرصنة الكثير من الباحثين من خلال الأخبار الموضوعة، والأحاديث المشبوهة، والمأثورات التي ليس لها أساسٌ من الصحة، والمنقولات غير الثابتة فحَسْب، بل وتؤدّي أيضاً إلى ضياع الكثير من الدرر النادرة والجواهر القيِّمة، وخفائها عن أعين الباحثين، وفي الجملة لا تظهر التعاليم الدينية في مجتمعنا بالشكل المناسب واللائق.

2ـ في دائرة المعرفة الدينية يحوز الفقه، من بين التعاليم الدينية الأخرى ـ المتمثِّلة بالعقائد والأخلاق ـ، بالحظوة الكبرى، حيث يتمّ تمحيص الأخبار والروايات الفقهية ـ أو بتعبيرٍ أدقّ وأصحّ: الجوانب الفقهية من الأخبار ـ بشكلٍ أكبر. وحيث إنّه يتعيَّن على الفقهاء الخوض والإفتاء في الحلال والحرام، وما «يجوز» وما «لا يجوز»، فقد بذلوا كلّ ما بوسعهم في نقد وتمحيص الأحاديث في هذا الحقل، ودقَّقوا النظر في متن وسند أغلب الأحاديث ذات الصلة بحقل اهتمامهم.

وفي المقابل نجد المتكلِّمين قلَّما يسعَوْن إلى نقد وتمحيص الأخبار، وذلك:

أوّلاً: لخروج خبر الواحد عن دائرة الاستدلال الكلامي، الأمر الذي أدّى إلى نوع من قلّة الاهتمام بنقد أخبار الآحاد من قبل المحقِّقين في علم الكلام، ولم يتمّ الاهتمام بضرورة التحقيق في هذه الأخبار، بغضّ النظر عن حجّيتها الكلامية([2]).

وثانياً: حيث إن نقد بعض الأخبار العقائدية يستلزم إثارة الحَشْوية والعوام؛ فإنه ينطوي على الكثير من المشاكل، فقد آثر بعض المتكلِّمين عدم الخوض في تمحيص ونقد هذه الأخبار، إلاّ في الحالات التي تقتضيها المصالح العامة القصوى. وإذا كان لدى البعض من الشجاعة الكافية لخوض غمار هذه البحوث لم يكن كلامهم على تلك الصراحة والوضوح.

وإلى جانب الفقه والكلام كانت الأخلاق هي الأكثر بُعْداً عن الاهتمام؛ إذ كان الكثيرون من المتصدِّين للأخلاقيات في المجتمع الديني منذ القِدَم يفتقرون إلى الإدراك والتخصُّص الكافي لتكوين رؤية ناقدة للتراث المعرفي والركام الهائل من الموروث في هذا المجال، للأسف الشديد. وحتّى الآن نجد الكثير من المتكلِّمين في الشأن الديني وأصحاب المنابر ـ رغم اعتمادهم الكامل على الموروث العلمي والمعرفي ـ لا يمتلكون الحدّ الأدنى من علم الحديث وسائر الأمور الأخرى الضرورية للناقد للتراث، ولم ينالوا قسطاً كافياً في فنون الدراية والرجال والبيبليوغرافيا وما إلى ذلك.

إن هذه الحقيقة المؤسفة ـ التي لا شَكَّ في كونها مدعاةَ خِزي للمؤسَّسات الدينية والتبليغية ـ لا تختصّ بعصرنا، بل تمتدّ بجذورها إلى الأزمنة السحيقة أيضاً. فمنذ القدم كان القصّاصون ـ الذين يمتهنون تسويق الوعظ وتبليغ الآداب والمعارف والتاريخ وما إلى ذلك لعامّة الناس في إطار الأساطير ـ أكثر ارتباطاً بجمهور الناس من المتكلِّمين والفقهاء وغيرهم من علماء الدين([3]).

في بعض المراحل المختلفة من تاريخ الحضارة الإسلامية ـ سواء على المنابر وفي المساجد وحتّى المنازل، من طريق الخطب، أو من طريق التأليف والكتابة ـ كان هناك جماعةٌ من الحَشْوية والصوفية من الذين يفتقرون إلى الأهلية والكفاءة في مجال رواية الأخبار، وكذلك نقدها، بل المندسّين والمغرضين في هذا المجال، هم الذين يتولَّون مهمة تعليم المفاهيم الأخلاقية لعامّة الناس.

إن تصدّي أمثال هؤلاء في مجال الأخلاقيّات لم يؤدِّ إلى مجرّد عدم إخضاع التراث الأخلاقي إلى التحقيق المناسب فحَسْب، بل فتح الباب للكثير من الموضوعات والمختلقات العامية والقصص التافهة والأقوال السقيمة والآراء العقيمة على الآراء والكتابات الأخلاقية أيضاً؛ ليتمّ تشويه وتشويش أذهان وألسنة المتكلِّمين والمؤلِّفين في هذا الحقل بمجوعةٍ من المنامات المسمومة والكرامات الموهومة.

إن التوسعة الاعتباطية والمفرطة في التمسُّك بقواعد من قبيل: قاعدة «التسامح في أدلّة السنن»([4])، وقلة الاهتمام بالتعاليم الأخلاقية بالقياس إلى التعاليم الكلامية والفقهية ـ والتي أخذت تبحث على ما يبدو أكثر الأمور حتمية ومصيرية في الحياة الدينية([5]) ـ، من الأسباب التي دعَتْ حتّى بعض الكبار من الفقهاء والمتكلِّمين إلى عدم إيلاء غربلة وتشذيب التراث الأخلاقي ذلك الاهتمام المناسب، بل أخذوا هم أنفسهم يتساهلون أحياناً ويتسامحون في حقل الأخلاق، ولا يتحدَّثون بنفس الدقّة التي يتحدَّثون بها عندما يتناولون مسائل الفقه والكلام.

إن الحماس في حقل الأخلاق، ونقل وترويج الكثير من الأخبار والمأثورات، قبل أن يعود إلى ذات الخبر ـ الذي يتَّضح من خلال عرضه على النقد، ولا سيَّما في حقل علوم الحديث ـ، يعود إلى مذاق بعض المتكلِّمين والمؤلِّفين. وقد يكون للعناصر الأدبية والسبك القصصي التأثير الكبير في هذا الشأن أحياناً.

وفي سائر حقول المعرفة الدينية ينتشر الخبر لمجرّد ذكر بعض النُخَب له وروايته في مؤلَّفاتهم وكلماتهم ـ للأسف الشديد ـ، ويكتسب شهرة تفوق الوصف، دون أن يكون في حدّ ذاته قابلاً للاشتهار أو أن يحظى بذلك الاهتمام المبالغ به([6]).

ومن ذلك: الكثير من الأخبار الجارية على ألسنة ومؤلَّفات الصوفيين والوعّاظ والأدباء، والتي اكتسبت لذلك شهرةً واسعة وشاملة.

إن عامّة الناس، وبَدَلاً من أن يأنسوا بالمصادر الروائية المعتبرة، يألفون الكتب الأدبية والعرفانية وأقوال الواعظين والحكماء، وهذا أمرٌ طبيعي. بَيْدَ أن أصحاب هذه الكتب والأقوال ـ مهما كانوا من ذوي الشأن والاختصاص في علم الحديث ـ غالباً ما يتسامحون في تأليف الكتب الأدبية والعرفانية وعرض المواعظ الروحانية، فينقلون الكثير من الأمور التي لا يذكرونها في كتبهم التخصُّصية. وقد أدّى هذا التسامح إلى انتشار الكثير من الأقوال والأخبار التي لا تستند إلى أساسٍ من الصحّة.

فعلى سبيل المثال: يمكن الإشارة إلى العلاّمة الفريد والفذّ الشيخ بهاء الدين محمد العاملي&(1030هـ)؛ إذ إن بعض مؤلَّفاته، من قبيل: «الحبل المتين»، و«مشرق الشمسين»، و«الوجيزة»، وما إلى ذلك من المؤلفات التي لا تجدها إلاّ عند الخاصّة من العلماء، في حين لا يأنس عامّة الناس، بل وحتّى أكثر أهل العلم، إلاّ بكشكوله ومزدوجاته، مما يعتبر ميداناً لتسامحه الصوفي في نقل الأخبار، والتي لا يمكن اعتبارها عملاً علمياً دقيقاً وتخصُّصياً لهذا العالم العلم، والتي لم يكن في أغلب الأحيان ضامناً لصحّة مضمونها، فضلاً عن صحّة سندها ونقلها.

والكشكول ـ كما هو واضحٌ من اسمه ـ يحتوي الكثير من الغثّ والسمين، بل إنّما تمّ تأليفه لغرض مراكمة الغثّ والسمين فيه. ولكنْ ما الذي يمكن فعله إذا كان عامّة الناس لا يلاحظون مثل هذه المسائل الدقيقة عند مطالعتهم لأمثال هذه الكتب والتأثُّر بها؟! بل حتّى بعض كبار أهل العلم يتسامحون ويتساهلون في هذا الشأن أيضاً!

3ـ وفي ما يتعلَّق بدراسة أسباب وكيفيات وطرق رواج وانتشار الأخبار المشكوك في أمرها لا ينبغي بطبيعة الحال أن نغفل عن الأرضية الاجتماعية الخصبة لتقبُّل مثل هذه الأخبار.

وكأنّ التمسّك بالأخبار المشكوك في أمرها وانتشار الروايات ذات الحدَّين في المجتمع الديني يتأثَّر أيضاً بالدوافع النفسية الشعورية واللاشعورية المعقَّدة بين عامّة المتديِّنين. إن المتديِّن الذي يواجه حدوداً وثغوراً واضحة في كتاب الله والسنة القطعية يبحث في الأخبار المشكوك في أمرها، وكذلك في التراث القابل للتأويل ـ عالمياً أو جاهلاً ـ، عن مَهْرَب يساعده في التوفيق والمواءمة بين بعض رغباته وأهوائه وبعض العناوين الدينية الثابتة، أو أن يحصل في الحدِّ الأدنى على مبرِّر ديني لما يريده ويبحث عنه، ولا يجده في التعاليم الصريحة والنصوص الدينية الثابتة، أو التي تمّ إنكارها فيها.

إن الإقبال الواسع على بعض الأخبار الغالية والمشكوك في أمرها، أو التراث القابل للتأويل بالنسبة إلى عقائد الغُلاة والحَشْوية طوال القرون الأربعة الأخيرة، يمثِّل ـ من وجهة نظري ـ نموذجاً لهذه الدوافع الغالية، التي أرادت أن تبني لنفسها وآرائها وأهوائها على الدوام قاعدة من خلال التمسُّك بمثل هذه الأخبار والمأثورات.

إن التترُّس وراء مختلف الأخبار، واعتبارها «ملجأ» و«مفرّاً» للتهرُّب من الخطوط الدينية القطعية، حقيقةٌ أثارت اهتمام وقلق الأئمّة^ والنُخَب الدينية منذ القِدَم.

لقد كان سلمان، أمين أهل بيت الوحي^، واحداً من النُّخَب الذين وقفوا في وجه هذه النزعة الخطيرة. والعجيب أن هذه الشخصيّة الفذّة والسامية أضحَتْ فيما بعد ـ على الرغم من ذلك ـ ذريعةً للضالّين الذين اهتمّوا بكلّ قحَة بوضع واختلاق أو الترويج للأخبار الغالية والتراث ذي النزعة الصوفيّة.

فقد ورد في كتاب اختيار معرفة الرجال ـ المعروف بـ «رجال الكشي» ـ ما يلي: «حدَّثنا أحمد بن هلال، عن عليّ بن أسباط، عن العلاء، عن محمد بن حكيم، قال: ذكر عند أبي جعفر× سلمان، فقال: ذلك سلمان المحمدي، إنّ سلمان منّا أهل البيت، إنه كان يقول للناس: هربتم من القرآن إلى الأحاديث، وجدتُم كتاباً رقيقاً حوسبتم فيه على النقير، والقطمير، والفتيل، وحبّة خردل([7])، فضاق ذلك عليكم وهربتم إلى الأحاديث التي اتَّسعت عليكم»([8]).

كما وجدنا هذه الدقّة والحساسية من سلمان ـ رضي الله عنه ـ في موضعٍ آخر أيضاً. فقد روى الحافظ أبو نعيم الإصفهاني(439هـ) في حلية الأولياء: «…حدَّثنا إبراهيم بن عبد الله: حدَّثنا أبو العباس السرّاج: حدَّثنا قتيبة بن سعيد: حدَّثنا جرير، عن الأعمش، عن عبيد بن أبي الجعد، عن رجلٍ من أشجع، قال: سمع الناس بالمدائن أن سلمان في المسجد، فأتَوْه، فجعلوا يثوبون إليه حتّى اجتمع إليه نحواً من ألف. قال: فقام، فجعل يقول: اجلسوا اجلسوا، فلمّا جلسوا فتح سورة يوسف يقرؤها، فجعلوا يتصدَّعون ويذهبون، حتّى بقي في نحوٍ من مائة، فغضب، وقال: الزخرف من القول أردتُم، ثمّ قرَأتُ عليكم كتاب الله فذهبتُم!

كذا رواه الثوري عن الأعمش، وقال: الزخرف تريدون آيةً من سورة كذا، وآية من سورة كذا»([9]).

4ـ وها نحن اليوم نواجه عالماً من الفوضى في نقل وتدوين وترويج الأخبار المشكوك في أمرها، بل إنّ منها ما نحن على يقينٍ من وضعه واختلاقه، ومع ذلك يتمّ الترويج له ـ جهلاً أو تساهلاً ـ من قبل الكثير، بل قد أسمح لنفسي بالقول ـ صراحةً ـ: إن هناك مَنْ يقوم بذلك عالماً وعامداً ومغرضاً.

هناك موارد هامّة وعجيبة وملفتة للانتباه، ولا سيَّما في دائرة العقائد (وتاريخ الإسلام)، إلاّ أن الحديث عنها خارجٌ موضوع هذه المقالة. كما هناك الكثير من الموارد ـ الخاصّة والعامة ـ في دائرة الأخلاق، التي نحتاج إلى مقالةٍ طويلة وعريضة من أجل فهرسة عناوينها فقط.

إن إبراز موارد ومواضع الشكّ أو الضعف أو الخطأ في بعض الأخبار والتراث المشهود أو المشهور هو أدنى ما يمكن الاحتياط بشأنه في مواجهة أمواج شيوع التراث المشكوك في أمره (وحتّى المختلق)، وامتزاج هذا التراث في سدى ولحمة الثوب القشيب للتديُّن([10]).

ونحن هنا سنكتفي بالخوض في ثلاثة نماذج من الروايات، التي يصدف أن تعود لأقدم المواريث الإسلامية الروائية، وحازت في مرحلةٍ متأخِّرة على نسبةٍ من الشهرة في الكتب والمنابر.

إن هذه الموارد التي تذكر كنماذج تعود بأجمعها إلى مواقف وسلوكيات لأحد أولياء الله الكبار وعظماء الدين الإسلامي، وهو سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ. وإن مراد بعض رواة هذه الأخبار في الحدّ الأدنى هو لفت الانتباه إلى رسوخ الإيمان والاعتقاد الديني في شخصيّة هذا الرجل العظيم، وظهور ذلك في سلوكه الاجتماعي، والتأسّي والاعتبار بهذه السلوكيات والمواقف.

وبغضّ النظر عن كون سلمان ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ؛ بدلالة الحديث المشمور والمعتبر: «سلمان منا أهل البيت»([11]) من المنتسبين لأهل بيت الرسالة، ولا يبعد إمكان اعتبار قوله وفعله؛ حيث يعتبر ـ بطبيعة الحال ـ تالي تلو المعصومين^، أسوةً للمتديِّن المسلم، ودعوة الناس إلى التأسّي به ـ كما أن هذا ما فعله الكثير من الكبار على طول التاريخ، حيث دعوا إلى التأسّي به ـ، فإن تقرير بعض هذه الأخبار ـ على ما سترَوْن ـ قد نسب بشكلٍ خاصّ إلى المعصومين^ أنفسهم، وتمّ نقلها عن لسان الإمام المعصوم× مباشرة.

إن عظم منزلة سلمان، ومكانته الرفيعة في الإسلام، وأهمّية انتساب بعض هذه الأخبار إلى المعصومين^، لا يَدَع مجالاً للشكّ في تدقيق النظر والتدبُّر فيها. وسوف نرى أن هذه الأخبار، على الرغم من ظاهرها الخلاّب، جديرةٌ بالتأمُّل. ومن المستبعد حقّاً التصديق بقضيتها المحورية، مع نسبة تفاصيلها إلى شخص سلمان الفارسي رضوان الله عليه.

روى الشيخ الصدوق&، في كتابه القيِّم عيون أخبار الرضا×، فقال: «حدَّثنا عليّ بن أحمد بن عمران الدقاق ـ رضي الله عنه ـ قال: حدَّثنا محمد بن هارون الصوفي قال: حدَّثنا أبو تراب محمد بن عبد الله بن موسى الروياني قال: حدَّثنا عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن الإمام محمد بن عليّ، عن أبيه الرضا عليّ بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدِّه’ قال: دعا سلمان أبا ذرّ ـ رحمة الله عليهما ـ إلى منزله، فقدَّم إليه رغيفين؛ فأخذ أبو ذرّ الرغيفين فقلَّبهما، فقال سلمان: يا أبا ذرّ، لأيّ شيء تقلِّب هذين الرغيفين؟ قال: خفتُ أن لا يكونا نضيجين([12])، فغضب سلمان من ذلك غضباً شديداً، ثم قال: ما أجرأك! حيث تقلِّب هذين الرغيفين، فوالله لقد عمل في هذا الخبز الماء الذي تحت العرش([13])، وعملت الملائكة حتّى ألقوه إلى الريح، وعملت فيه الريح حتّى ألقَتْه إلى السحاب، وعمل فيه السحاب حتّى أمطره إلى الأرض، وعمل فيه الرعد والبرق والملائكة حتّى وضعوه مواضعه، وعملت فيه الأرض والخشب والحديد والبهايم والنار والحطب والملح وما لا أحصيه أكثر، فكيف لك أن تقوم بهذا الشكر؟! فقال أبو ذرّ: إلى الله أتوب وأستغفر إليه ممّا أحدَثتُ، وإليكَ أعتذر مما كرهْتَ.

قال ودعا سلمان أبا ذرّ ـ رضي الله عنه ـ ذات يومٍ إلى ضيافة؛ فقدَّم إليه من جرابه كسرة يابسة، وبلَّها من ركوته([14]). فقال أبو ذرّ: ما أطيب هذا الخبز، لو كان معه ملح! فقام سلمان، وخرج، ورهن ركوتة بملح، وحمله إليه، فجعل أبو ذرّ يأكل ذلك الخبز ويذرّ عليه ذلك الملح، ويقول: الحمد لله الذي رزقنا هذه القناعة، فقال سلمان: لو كانت قناعةً لم تكن ركوتي مرهونةً»([15]).

تشتمل هذه الرواية في واقع الأمر على قصَّتين تعكسان العلاقة التي تربط بين سلمان وأبي ذرّ الغفاري. والقسم الأول من الرواية المشتمل على القصّة الأولى ذكرها الشيخ الصدوق في أماليه أيضاً([16])، ونقلها الشيخ المحدِّث النوري في مستدرك الوسائل نقلاً عن عيون أخبار الرضا×([17]).

وقد نقل العلاّمة المجلسي كلا شطرَي الحديث بلا فصلٍ بينهما في بحار الأنوار، نقلاً عن عيون أخبار الرضا×([18]).

وقد نقل السيد علي خان المدني الشيرازي& الحكاية الأولى عن أمالي الصدوق في كتابه (الدرجات الرفيعة)([19]).

وقد استشهد الفقيد الملاّ هادي السبزواري(1212 ـ 1289هـ) بجزءٍ من القصة الأولى في كتابه (شرح الأسماء)([20]). كما ذكر سَلَفُه صدر الدين محمد الشيرازي (صدر المتألِّهين) القسم الأوّل من الرواية في تفسيره، نقلاً عن عيون أخبار الرضا([21]).

إن مضمون كلا هاتين القصّتين مثيرٌ للعَجَب حقّاً. ففي كلا القصتين يصدر عن سلمان سلوكٌ بعيد عن الأناس العاديين، الذين يتحلَّون باللباقة، فَضْلاً عن رجل يلقَّب بـ (لقمان هذه الأمّة)، كما عُرف في بعض الروايات والمأثورات بوصفه مثالاً للصبر ولين الجانب وحسن القول ومتانة الفعل.

ففي كلا القصتين يعمد سلمان إلى تقريع ضيفه ـ بل في القصّة الأولى يغلظ له القول ـ، ولا يراعي أبسط حقوق الضيافة، من إكرام الضيف والتبسُّط معه.

وفي القصّة الأولى، على الرغم من اشتمالها على ما ظاهره تلقين سلمان لأبي ذرّ فضيلة الشكر، إلاّ أنّه يغفل عن أمرين:

الأوّل: إن الشكر لا يتنافى مع البصيرة والرؤية الواقعية. ولازم «الشكر» لا يكمن في عدم سعي المرء إلى معرفة ما إذا كان الخبز ناضجاً بشكلٍ جيِّد أم لا؟! أو أنه يتناول طعاماً لذيذاً أو تعافه النفس؟!

إن الذي يقوم سلمان بتعليمه لأبي ذرّ الغفاري في هذه القصّة ليس هو فضيلة الشكر على المنهج الإسلامي، بل هو التغافل والرضا بالعيش الوبيل!! وهي الرؤية الصوفية والجَبْرية للأمور، والتي تبدو في صورتها الأوسع في دعوة عامة الناس إلى الخضوع والصبر والسكوت على ضَيْم حكّام الجَوْر والطغاة والمستكبرين، واعتبار الرزوح تحت مطرقة الجَوْر وسندان الظلم عين الشكر والعبودية أمام الله تبارك وتعالى!

والثاني: يقوم سلمان نفسه في هذه القصّة بـ «كسر قنديلٍ من أجل منديل»! بمعنى أنه يعمد لإصلاح عدم الشكر المزعوم الذي بدر من أبي ذرّ بارتكاب سلوكٍ فجّ وقبيح، يُسيء إلى الضيف، ولا يتناسب مع روح الضيافة.

وأما القصّة الثانية فهي لا تقلّ عن القصّة الأولى، حيث يتمّ التعريض للضيف بعيبٍ أو خطأ صدر عنه، واتّهامه صراحة بالافتقار إلى فضيلةٍ تصوَّر أنه يتحلّى بها، مع ما تنطوي عليه القصّة من إظهار التفضُّل والمِنَّة من المضيِّف على الضيف، حيث يصرِّح له بالمشقة التي أوقعه فيها؛ بسبب عدم قناعته، مما يُعَدّ بأجمعه سلوكاً غير لائقٍ من سلمان تجاه ضيفه! فعلى فرض صحّة القصّة ـ وهي تبدو بعيدةً للغاية ـ لا شَكَّ في أن أبا ذرّ كان يفضِّل أن يلازم سلمان مكانه، ولا يرهن ركوته من أجل «الملح» الذي سيمنّ عليه به، على أن يخجله بمثل هذا الكلام اللاذع!!

كيف يمكن لنا أن نقبل صدور مثل هذا السلوك ـ في ذلك المجتمع الذي يعرف فيه حتّى الأعرابي البوّال على عقبَيه أصول الضيافة، ويرى إكرام الضيف فرضاً عليه ـ عن شخصٍ تربَّى في مدرسة النبيّ الأكرم|؛ إذ يعامل ضيفه بهذا الأسلوب الفجّ، وأن يسعى إلى تعليمه الأدب بهذا الأسلوب غير المؤدَّب؟!

لقد ورد في جملة تعاليم النبيّ الأكرم|، في باب أخلاق الضيافة في الإسلام، قوله: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»([22]). ولا يخفى أن السلوك المنسوب في هذه القصّة إلى سلمان يتنافى مع هذا الحديث. وعليه لا بُدَّ من التشكيك بشكلٍ جادّ بصحّة متن الحديث الوارد في عيون الأخبار.

إن سلوك سلمان في هذه القصة يذكِّرنا ببعض السلوكيات المنقولة عن مشايخ الصوفيّة، الذين يعملون على تقريع المريد بأنواع اللوم والعتاب والكَبْت؛ من أجل غرس فضيلة أخلاقية لدى هذا المريد. وهو أمرٌ مستقبح في الشرع. أو أنهم كانوا يطلبون منه إيذاءَ نفسه وتعذيبها، وأن يُذلّ نفسه أمام الآخرين، وأن ينتهك عزّةَ نفسه التي نالت الحظوة في تقديسها من قبل الله!

إن هذه القصة الواردة في عيون أخبار الرضا× أشبه بالقصص الواردة في كتب الصوفية منها إلى أساليب السلوك الإسلامية. وهل من باب الصدفة أن يكون في سند هذه الرواية مَنْ يُلقَّب بـ «الصوفي» رسميّاً وبشكلٍ صريح؟!

وللأسف الشديد فإنّ هذا الحديث المشكوك في أمره لا يبدو أنه قد اعتبر مشكوكاً في أمره من قبل عددٍ من أهل الفضل، بل تسلَّل إلى العديد من المؤلَّفات والمنتخبات الروائية والأخلاقية أيضاً([23]).

بل هناك من الفضلاء مَنْ ذهب ـ ضمن نقله لمضمون القصّة الثانية من حديث عيون أخبار الرضا× ـ إلى اعتبارها نموذجاً من «سلوك أهل السماء»!([24]). وكأنّ أكثر الذين نظروا في هذه الرواية، واختاروا روايتها، إنما اقتصروا على التعاليم الحسنة فيها، من قبيل: «الشكر» و«القناعة» وما إلى ذلك، ولم يستوقفهم ما فيها من السلوكيات الشاذّة الأخرى المنسوبة إلى سلمان، ممّا يتنافى ويتعارض مع الأخلاق والآداب الإسلامية، بل الأخلاق والآداب الإنسانية.

وبطبيعة الحال فإنّ سلمان هذه القصة هو في حدِّ ذاته آيةٌ لهذه الغفلة أو التغافل! ومصداقٌ لقول أبي نؤاس: «حفظْتَ شيئاً وغابَتْ عنك أشياءُ»([25])!

لقد ذكر السيد محمد الرازي في كتابه «زندگاني حضرت عبد العظيم الحسني»([26]) الرواية المشتملة على قصّة استضافة سليمان لأبي ذرّ، وعلَّق عليها قائلاً: «إن هذا الحديث الشريف الوارد في خصوص استضافة سلمان لأبي ذر الغفاري يعلمنا مفهومين أخلاقيين ودينيين: الأوّل: ما هي وظيفة العبد تجاه النعم والمواهب الإلهية؟ وهذا في حدّ ذاته يمثِّل قانوناً دينياً؛ والآخر: وظيفة الضيف تجاه مضيفه، وهذا أيضاً قانونٌ أخلاقي.

…إن هذه الرواية تعلمنا ـ كما قال سلمان لأبي ذر ـ أن رغيف الخبز لم يصِلْ إلى ما وصل إليه اعتباطاً، بل عمل على صنعه الآلاف من العناصر والكائنات حتّى صار خبزاً.

والآن لك أن تتصوَّر ما الذي ينبغي عليك فعله في مقابل كلّ هذه الجهود، وما إذا كنت ستختار بين الشكر والكفر؟ أو بين الطاعة والمعصية؟ رحم الله الشاعر والأديب الفارسي سعدي الشيرازي؛ إذ يقول:

تنشط السُحُب والقمر والشمس والأفلاك دائبةً *** لتحصل أنتَ على رغيف خبزٍ؛ فلا تأكله غافلاً

يتشرَّد الكلّ من أجلك صاغراً ومطيعاً *** أليس من الظلم أن لا تكون مطيعاً؟!([27])

الأمر الآخر: إن على الضيف أن يلتزم الصمت في بيت مضيّفه؛ كي لا يصدر عنه ما يستوجب إيقاع المضيِّف في العناء والمشقّة، وعلى الضيف أن يقنع بما يقدِّمه له مضيّفه».

وقد عمد الفقيد الملا محمد إسماعيل الكزازي الآراكي الفدائي(1263هـ)، في كتابه (جنات النعيم)، إلى نقل رواية (عيون أخبار الرضا×). وعلى الرغم من شرحه لبعض المفردات الصعبة، إلاّ أنه لم يقدِّم أيّ توضيح عن محتواها ومضمونها([28]).

كما قام الفقيد الشيخ محمد باقر الكلباسي بترجمة هذه الرواية في كتابه (التذكرة العظيمية)([29])، دون أن يقيِّم مضمونها ومحتواها([30]).

بل حتّى الواعظ المفضال الحاج محمد باقر الطهراني الكجوري المازندراني(1255 ـ 1313هـ)، الذي لا يحجم عن بسط الكلام وإطالة المقال في جميع مواضع كتابه (رَوْحٌ وريحان)، قد اكتفى بنقل نصّ هذا الحديث عن (عيون أخبار الرضا×) وترجمته فقط([31]).

والأغرب من ذلك أن التسامح بشأن مضمون الحديث قد تسلَّل إلى السند، حيث نلاحظ حدوث التسامح والتساهل فيه أيضاً.

فقد عمد الحاج الميرزا خليل كمره إي&، الذي نظر إلى مجرّد الجانب الإيجابي من معاملة سلمان لأبي ذرّ بشأن أقراص الخبز، تحت عنوان «حبّة قمح تحت مجهر سلمان»، إلى إيراده في كتابه (فتاوى الصحابي الكبير)، معتبراً سند ابن بابويه في رواية هذا الحديث عن المعصوم× «معتبراً»([32]).

إن أوّل راوٍ لحديث (عيون أخبار الرضا×)، بعد السيد عبد العظيم الحسني، هو أبو تراب عُبَيْد الله بن موسى الروياني، ولم يَرِدْ ذكرٌ له في الكتب الرجالية، لا توثيقاً ولا تضعيفاً([33]).

وهناك في سند الحديث راويان لم أجِدْ ما يمكنه التعريف بهما، غير الترضِّي من قبل الشيخ الصدوق على الذي يرويان عنه مباشرة.

وعليه كيف يصحّ القول بأن هذا السند «معتبرٌ»؟!

ولم يَرِدْ توضيحٌ بشأن هذه الرواية إلاّ في طبعة السادة (الغفاري والمستفيد) لعيون أخبار الرضا، حيث نجد بعد ترجمة هذا الحديث شرحاً ـ يحتمل أن يكون للأستاذ علي أكبر الغفاري ـ قال فيه: «علينا أن ندرك أن إشكال سلمان على أبي ذرّ ليس وارداً، فصحيحٌ أن جميع العناصر والكائنات قد تدخَّلت في صناعة الخبز، إلاّ أن هذا لا يمنع من تدخل الخبّاز في نهاية المطاف؛ ليهمل واجبه، ولا يتقن صنعته، فيقدِّم للناس خبزاً رديئاً، ويضيِّع بذلك جهود جميع الكائنات والعناصر. ولا يخفى أن هذا الحديث هو من اختلاق الصوفية، كما يبدو من سنده»([34]).

والملفت أن القصة الثانية لرواية (عيون أخبار الرضا×) كان لها مشابهٌ متداول ومعروف بين أهل السنَّة منذ القدم.

وبعبارةٍ أخرى: يبدو أن القصة المذكورة من قصص الصوفية، روى نسختها السنِّية المشهورة شقيق [الكوفي]، ويحتمل أن الرواية الشيعية قد استنسخت منها، لتجد طريقها من خلال نسبتها إلى الأئمّة المعصومين^ إلى مصادرنا الروائية القديمة، مثل: الأمالي، وعيون أخبار الرضا×، للشيخ الصدوق&.

فقد ورد في تاريخ دمشق لابن عساكر: «…عن أبي وائل ـ وفي حديث: حاتم عن شقيق ـ قال: ذهبتُ أنا وصاحب لي إلى سلمان، فقال: لولا أن رسول الله| نهانها عن التكلُّف لتكلَّفت لكم، قال: ثمّ أتى ـ وفي حديثٍ: قال: فجاءنا ـ بخبزٍ وملح، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر([35])، فبعث سلمان بمطهرته فرهنها فجاء بصعتر، فلمّا أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعْتَ لم تكن ـ و[في رواية]: ما كانت ـ مطهرتي مرهونة»([36]).

وقد رُويت هذه القصة في «قوت القلوب»، للمكّي([37])، و«إحياء علوم الدين» للغزالي([38]) ـ وتَبَعاً له في «المحجة البيضاء»([39])، [للفيض الكاشاني] ـ، و«سير أعلام النبلاء»، للذهبي([40])، و«الدرجات الرفيعة»، للسيد علي خان المدني&([41])، عن أبي وائل، و«في المعجم الكبير»، للطبراني([42])، عن شقيق. وبطبيعة الحال يجب أن لا يخفى أن شقيق بن سلمة الكوفي كان يكنّى بأبي وائل. ويبدو ـ كما حكم الزبيدي بصراحة([43]) ـ أن «أبا وائل» الوارد ذكره في هذه القصّة هو نفسه شقيق بن سلمة. وعليه فإن ابن عساكر إذ ينقل القصة بشكلٍ مستقلّ كأنّه يريد بذلك توجيه الأذهان إلى اختلاف تعابير الرواة اللاحقين عن هذا الشخص، لا غير.

ولكي لا نبتعد كثيراً فإن هذه الرواية يمكن لك مشاهدتها في الدرِّ المنثور، للسيوطي، أيضاً، وفي ضمنها المصادر التي نقل الحديث عنها([44]).

كما يمكن لنا مشاهدة صيغة ورواية أخرى لحكاية بهذا المضمون تمّ تفصيلها على مقاس شخصيّة «سليمان الداراني» في النصوص القديمة أيضاً.

فقد أورد سديد الدين محمد العوفي في كتابه «جوامع الحكايات ولوامع الروايات» الحكاية على النحو التالي: «قيل: إنّه عندما دخل ضيفٌ على سليمان الداراني وضع أمامه ما عنده من الخبز الجافّ والملح، وتمثَّل له ببيتٍ من الشعر [الفارسي] على سبيل الاعتذار: قلتُ له: لا تؤاخذني؛ إذ جئت على غير موعد، وما عندي غير خبز يابس وعين مرحّبة ووجه جديد([45]).

وحيث وقعت عين الضيف على الخبز قال متمنِّياً: حبذا لو كان مع هذا الخبز بعض الجبن. فقام سليمان وقصد السوق، ورهن رداءه وجاء بجبنٍ. وبعد أن أكل الضيف الخبز [والجبن] قال: الحمد لله ـ عزَّ وجلَّ ـ الذي جعلنا من القانعين والراضين بما قسم لنا، فقال سليمان له: لو كنت راضياً بما قسم الله لك ما كان ردائي الآن مرهوناً في السوق»([46]).

وعلى أيّ حال يُحتمل أن يكون التصوُّف ـ بمعناه المعروف في تلك المرحلة ـ الذي يعود كما لا يخفى إلى جذورٍ سنّية([47]) هو المنشأ لرواية هذه الحكاية بمختلف صورها المتنوّعة.

قال الحافظ أبو نعيم الإصفهاني(430هـ) في حلية الأولياء: «حدَّثنا محمد بن علي: حدَّثنا عبد الله بن محمد المنيعي: حدَّثنا علي بن الجعد: أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختري، أن سلمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ دعا رجلاً إلى طعامه، فجاء مسكينٌ، فأخذ الرجل كسرةً فناوله؛ فقال سلمان: ضَعْها من حيث أخذتها، فإنَّما دعوناك لتأكل، فما رغبتك أن يكون الأجر لغيرك والوِزْر عليك؟!»([48]).

وكما يمكن لنا أن نلاحظ فإن أبا نعيم الإصفهاني قد روى هذا الحديث عن عليّ بن الجعد(134 ـ 230هـ) بواسطتين. ونصّ الرواية موجودٌ في مسند ابن الجعد([49]).

كما ذكر هذه الرواية ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق([50])، والذهبي في سير أعلام النبلاء([51]) أيضاً.

أما ضعف سند هذا الحديث فهو من الوضوح بحيث لا نحتاج معه إلى مزيدٍ من الكلام! فإن أبا البَخْتري من أشهر الرواة بالكذب في تاريخ الإسلام، ويكفي أن يَرِدَ ذكره في سلسلة السند كي يسقطه عن الاعتبار.

إن هذا الرجل من الاشتهار بالكذب والاختلاق بحيث لا نحتاج معه هنا إلى ذكر تفاصيل الحديث عن تضعيفه وتجريح الرجاليين له، ولكنْ قد لا يخلو التعرُّف الإجمالي على سيرة هذا الكذّاب من الفائدة.

قال الحاج محمد باقر الواعظ الكجوري بشأن «أبي البَخْتري»: «واحد من مشاهير المحدِّثين أبو البَخْتري ـ بفتح الباء ـ وهب بن وهب القرشي المدني، يعرف بالمحدِّث، وكان معاصراً لهارون الرشيد، وساكناً في بغداد، وقد مارس القضاء في بعض محلاّتها، وتولّى القضاء لفترةٍ في المدينة المنوّرة أيضاً. وعلى الرغم من أن أمه كانت زوجةً للإمام الصادق×، وكان ملازماً له، إلاّ أنه مع ذلك بلغ من خبث السريرة وقبح العمل ما لا يمكن بيانه واستيعابه في هذه الصفحات، وقد وضع على لسان الإمام الصادق× [من الأحاديث المنكرة] حتّى قال فيه النجاشي: له أحاديث عن جعفر بن محمد× كلُّها لا يُوثَق بها.

كما قال علماء الرجال في حقِّه: أبو البختري كذّاب وجعّال ووضّاع. بل قالوا: إنه أكذب من جميع الناس.

ومن بين أحاديثه المختلقة أن هارون الرشيد حجّ في سنةٍ. وحيث كان هارون قد لبس قباءً أسود، وقد وضع عليه المنطقة([52])، خجل من صعود المنبر على هذه الهيئة. فقال أبو البختري؛ لكي ينقذه من هذا الموقف الحَرِج: قال الإمام الصادق×: نزل جبرائيل على النبيّ وفي قَدَمَيْه خفٌّ، وعليه منطقة فيها خنجر.

وكان هناك شاعرٌ بين الحاضرين، فأنشد في ذمِّه والقدح هذه الأبيات:

وَيلٌ وعَولٌ لأبي البختري *** إذا توافى الناسُ للمحشرِ
من قوله الزور وإعلانه *** بالكذب في الناس على جعفرِ
والله ما جالسه ساعةً *** للفقه في بدوٍ ولا محضرِ
ولا رآه الناس في دهره *** يمرّ بين القبر والمنبرِ
قد قاتل الله ابن وهبٍ لقد *** أعلن بالزور وبالمنكرِ
يزعم أن المصطفى أحمداً *** أتاه جبريل التقيُّ البري
عليه خفٌّ وقبا أسود *** مُخنجراً في الحقو بالخنجر

وكانت عاقبة أمره [وفاته] أن التحق بأقرانه سنة 200هـ. وهو الذي بالإضافة إلى وضعه للأحاديث والأخبار، ونسبتها إلى الإمام الصادق×، أفتى بإهدار دم يحيى بن عبد الله، صاحب الديلم، فصار سبباً في قتل ذلك السيد الجليل (حشره الله تعالى مع مواليه)»([53]).

كما قال الكجوري في ذات الشأن: «واعلم أنا أبا البختري كان مؤدِّباً لأولاد الحجّاج بن يوسف الثقفي، وهو غير أبي البختري المعروف بسعيد بن فيروز، الذي هو من أصحاب أمير المؤمنين»([54]).

وأما في ما يتعلَّق بمضمون الخبر ومحتواه فنقول: من الواضح أنه لا ينسجم مع أبسط التعاليم الإسلامية والإنسانية في ما يتعلَّق بالضيافة وإكرام الضيف. إن مثل هذا السلوك مع الضيف، وذلك في ما يتعلَّق بمعاملة شخصٍ غريب (وهو ذلك «المسكين») في القصّة؛ بغية تعليم الضيف مسألة أخلاقية مفادها أن الضيف لا يحقّ له أن يطعم شخصاً آخر من مائدة المضيِّف، لا يصدر عمَّنْ يتحلّى بأبسط قواعد التربية والأدب، وإذا صدر مثل هذا السلوك عن شخصٍ كان ذلك الشخص مصداقاً للقول القائل: «حفظْتَ شيئاً وغابَتْ عنك أشياءُ».

لا شَكَّ في أن هذه القصة هي من تلك القصص الصوفية ذات البُعْد الواحد، التي تخلط وجهاً حسناً بوجهٍ قبيح آخر (أو عدد من الوجوه الأخرى) القبيحة، وعند النقل لا يتمّ التركيز في الغالب إلاّ على ذلك الوجه الحَسَن([55]) [بينما تحتجب الوجوه القبيحة في الظلّ]([56]).

ثم إن مصدر هذه الحكاية من الأساس هو كتاب (حِلْية الأولياء)، وهو مصدر له جذور متطرِّفة وصبغة صوفية طاغية، والتي يجب الحَذَر من تدخُّل بعض أفكار ومشارب الصوفيين في ما يتعلَّق بروايتهم عن أحداث صدر الإسلام.

إن احتمال عودة هذه القصة إلى المناشئ الصوفية إنَّما يتعزَّز في ذهن القارئ الكريم عندما يدرك أن خصوص هذا السلوك المذكور في هذه القصّة (بشأن آداب مائدة الضيافة) من جملة السلوكيات والآداب المطروحة ضمن التعاليم الصوفية.

قال أبو المفاخر يحيى الباخرزي في كتابه (أوراد الأحباب وفصوص الآداب): «قال أكثر المشايخ بكراهة إطعام الخادم من الخوان، ولا سيَّما إذا كان المُطْعِم (بكسر العين) هو الضيف؛ إذ لا ينبغي للضيف أن يزيد شيئاً على تناول الطعام… وقد اختلف العلماء في اللحظة التي يدخل فيهه الطعام في ملكية الضيف؛ فقال بعضهم: إنه يمتلكه عندما يضعه في فمه؛ وقال آخرون: إنه إنما يمتلكه عندما يزدرده ويدخل في حلقه»([57]).

من الواضح أن بحثنا هنا لا يدور حول حدود جواز تصرُّف الضيف في الطعام الموجود على الخوان. فعلى فرض أن يكون سلمان قد تبنّى مثل هذه التعاليم واعتقد بها، إلاّ أن الأدب الأخلاقي والإسلامي، بل وحتى الإنساني، كان يفرض عليه أن يتصرَّف بشكلٍ أكثر لياقة وتهذيباً، أو أن يؤجِّل تقريعه لضيفه إلى فرصةٍ أخرى، وبأسلوبٍ آخر أكثر رقّةً، وعلى نحو مضمر وكنائي، وليس من خلال إيقاف اللقمة، وحرمان المسكين منها!! إلاّ إذا كان سلمان معتقداً وعاملاً بتلك الطريقة، التي هي مصداق للعبارة القائلة: «حفظْتَ شيئاً وغابَتْ عنك أشياءُ»([58])، وبذلك سوف يكون بعيداً كلّ البُعد عن أن ينال شرف اللقب الذي لقَّبه به رسول الله، حيث قال: «سلمان منّا أهل البيت».

كان نقّاد الأخبار والمأثورات يلاحظون على الدوام الدقّة في دراسة وتقييم هذه المأثورات، حيث يأخذون بنظر الاعتبار مدى مطابقة وانسجام مضمون الخبر مع شخصيّة وسجيّة المخبر عنه.

من الجدير أن نشير ـ كما يدرك القارئ الكريم ـ إلى الاختلاف في تحقيق شأن نزول الآيات الأولى من سورة عبس، حيث احتدم البحث والكلام بين المفسِّرين في مَنْ يكون العابس؟ فهل الذي عبَّس وجهه، وأعرض عن ذلك الأعمى هو رسول الله|، كما قال بعض الرواة، أو هو رجلٌ آخر، كما تقول بعض الروايات الأخرى؟

لا يوجد هناك اتِّفاق في هذا الشأن بين المفسِّرين من السنّة والشيعة. وإن الذين يذهبون إلى الاعتقاد بأن العابس والمُعرِض هو شخصٌ آخر غير رسول الله| إنما يستندون في ذلك إلى الخلق السامي والرفيع لنبيّ الرحمة.

قال الشيخ أبو الفتوح الرازي& في هذا الشأن: «إلاّ أن الخلاف وقع بين المفسِّرين في المراد من الموصوف بالعبوس وهذه الصفات. ذهب بعض إلى القول بأن المراد منه هو رسول الله، بينما ذهب المحقِّقون إلى القول بأنه شخصٌ آخر؛ وذلك لأن هذه الصفات صفات مذمومة، وأنها لو قيلت بحقّ بعض الفقهاء والعلماء لكانت منفِّرة، فكيف إذا قيلت في حقّ رسول الله×، الذي نزَّهه الله سبحانه وتعالى عن هذه الصفات المذمومة بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159)، ووصفه بحسن الخلق وكرم الطبع، إذ يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4). والأخبار المتواترة في أن تعامل الرسول× حتّى مع أعدائه ومع الكفّار كان على خلاف ذلك، فكيف مع أصحابه والمؤمنين؟! وقد ورد في الأخبار أن رسول الله× كان يضع يده في يد غلامٍ أسود كريه الخلق والرائحة، فلا يستسيغ سحب يده من فَرْط الحياء وكريم الخلق، حتّى يكون ذلك الغلام هو الذي يسحب يده من يد رسول الله. ثمّ لا شَكَّ في أن هذا التصرُّف منفِّرٌ، ورسول الله× منزَّهٌ عن منفِّرات الأخلاق»([59]).

وفي أغلب التفاسير الشيعية التي راجعْتُها شخصياً وجَدْتُ هذا المنهج التحقيقي في تحليل الخبر ومواجهة المفسِّرين الذين يدَّعون بأن الذي عبس والذي أعرض بوجهه هو رسول الله|([60]).

لنعُدْ إلى موضوع بحثنا: لسنا هنا في مقام تفسير الآيات الأولى من سورة عبس، أو في الحدّ الأدنى لسنا بصد التحقيق في شأن نزول هذه الآيات.

إن الذي أعنيه، بوصفي خادماً متواضعاً للكتاب والسنّة، هو أنه كما يصلح اليقين برفعة المكانة الأخلاقية والعظمة الشخصيّة التي يتمتَّع بها النبي الأكرم|؛ ليكون دليلاً ومؤيداً على إنكار ورفض مَنْ ينسب العبوس الوارد في الآية الأولى من السورة إلى شخص النبيّ الأكرم|، كذلك لا يمكن لنا في الحدّ الأدنى أن ننسب لشخصٍ مثل سلمان، الذي تشهد لعظمته الروايات المأثورة عن النبيّ الأكرم والأئمّة من أهل البيت^، مثل هذه السلوكيات الغريبة والعجيبة والغليظة والمشكوك في أمرها، مضافاً إلى ما تشتمل عليه من الإشكال في السند وما إلى ذلك، بحجّة وجود مصلحة أو فائدة أخلاقية مدرجة في ضمن الحكاية!

لقد كان سلمان ـ طبقاً للروايات الإسلامية ـ حتّى قبل إسلامه شخصية بارزة وممتازة، ويتمتَّع بنظرة دقيقة ورؤية ثاقبة، فكيف يمكن لنا أن نقبل بأن هذه الشخصية المحنكة والحكيمة تتكشف في مقام تعليم وتهذيب الآخرين عن هذه الغلظة والقسوة، دون أن يُدرك أو يُبصر ما يترتَّب على أسلوبه الفجّ من المفاسد الواضحة.

إن شطراً كبيراً من الأخبار المشكوك في أمرها هي الأخبار التي تهدف إلى معالجة مصلحة حقيقية، وتغفل عن المفسدة أو المفاسد الواقعية الهامّة الواقعة في مسير تلك المصلحة. إن هذه الأحادية في البُعْد ـ ولا سيَّما إذا اقترنت بضعف السند أو غموضه ـ تكفي لقرع جرس الإنذار في آذان الناقدين من ذوي البصائر؛ إذ إن التفكير السائد والسلوك الغالب على النظام التعليمي للقصّاص والصوفيين الذين كانوا ـ كما قلنا ـ منشأً للكثير من الأخبار والروايات المشكوك في أمرها هو هذا النوع من الرؤية. ويمكن لنا أن نرى في الكثير من الشواهد أن هذا النوع من التفكير لا يُبالي بالتضحية بالكثير من المصالح من أجل مصلحةٍ واحدة، دون أن يطيل الوقوف على المفاسد المترتِّبة على ذلك.

أستبعد أن يطَّلع شخصٌ على تراث الصوفية وأصحاب التكايا ـ ولا سيَّما تلك التي تتحدَّث عن أحوال ومقامات مشايخهم وشيوخ طريقتهم ـ ولا يتبادر إلى ذهنه مضمون القول القائل: «حفظْتَ شيئاً وغابَتْ عنك أشياءُ».

في بعض هذه الحكايات يتمّ في الغالب ـ من أجل التعليم أو التوجيه لهدف شريف ـ سلوك طريقٍ وَعْر أو حتّى مظلم وناكب، ويتمّ السعي إلى الوصول لغايةٍ سامية وهدفٍ طاهر من خلال سلوك طريقٍ مشبوه أو موبوء أحياناً.

وإن من أكثر الأمثلة شيوعاً في هذا الأسلوب العمل على إظهار الكرامات غير المعقولة؛ بغية إثبات فضيلة أو جلالة قدر لهذا الشيخ أو ذاك الولي… وبطبيعة الحال لا إشكال في إثبات كرامة أو فضيلة لصاحبها، إلاّ أن هذا يجب أن لا يكون من خلال الحكايا الخرافية وغير المعقولة، ممّا يكون له نتائج معكوسة.

وفي كتاب تذكرة الأولياء، المنسوب إلى الشيخ فريد الدين العطّار النيسابوري، تمّ التأكيد في عدّة مواضع على أهمّية إخلاص النيّة وصفاء الطويّة في الأعمال العبادية، وذلك من خلال الحديث عن ذهاب الكعبة (البناء الحجري المعروف) إلى استقبال الوليّ الفلاني أو الشيخ الكذائي([61])!! كما تمّ الحديث عن تشييع جنازة شخصٍ كان ـ على حدِّ تعبير الكاتب ـ من الأولياء الكبار، وقد أسلم ببركة دعائه اثنان وأربعون ألف مجوسي ونصراني ويهودي([62])!! كما ورد الحديث عن نفوذ كلام وجلال قدر شيخ بحيث إنه عندما تكلَّم عن ذهاب الجبل في جملةٍ خبرية سمعها الجبل، ولكنّه تصوَّرها في سياق الإنشاء، فما كان منه إلاّ أن لبَّى أمر ذلك الشيخ، وانطلق ذاهباً([63])!! كما جاء أن ذلك الوليّ حيث رأى في حبِّ الولد ما ينافي إخلاص الحبِّ لله وحده سأل الله إما أن يقبض روحه أو يقبض روح ولده، فاستجاب الله دعاءَه مباشرةً وقبض روح الولد من فوره([64])!!

ليس هناك من شَكٍّ في أن إخلاص النية، وسلامة الطويّة، وبركة دعاء العظام، ومقبولية العباد الصالحين عند الله تعالى، ولزوم تخليص القلب لعبادة الباري تعالى، مفاهيم دينية سامية بأجمعها، بَيْدَ أن جميع ذلك لا ينافي حبّ الولد وما إلى ذلك، ولا يمكنه إقناع الإنسان بما يخالف المسلَّمات التاريخية والبديهيات العقلية!

إن الدافع إلى إثبات تلك المفاهيم والتأكيد عليها من قبل الذين وضعوا تلك القصص كان من القوّة بحيث لم يلتفتوا إلى سائر النواحي الأخرى من القصّة، ولم ينظروا إلى نقاط الضعف والخلل الكبيرة والمدمِّرة فيها. وإن مرادنا من أسلوب «حفظْتَ شيئاً وغابَتْ عنك أشياءُ» هو هذا الأسلوب العجيب والنظرة المجتزأة والغريبة إلى الأحداث.

ويمكن العثور على العشرات من هذا النوع من الحكايات في (تذكرة الأولياء)، والمئات في غيره من كتب التراث الصوفي.

لم يكن موضوعنا هو تقييم ونقد التراث الصوفي ـ وإن كان ذلك يستحقّ النقد والتحقيق في موضعه ـ، وإنما غايتنا التذكير بأن هذا الأسلوب الذي هو المصداق الصادق لـ «حفظْتَ شيئاً وغابَتْ عنك أشياءُ» متداوَلٌ وشائع في آراء وكتابات الصوفيين. ويبدو أن هذا الأسلوب الصوفي هو الذي صاغ بعض المأثورات المتناغمة مع الرؤية المذكورة، وأقحمها ضمن الثقافة الشرعية المكتوبة، وحتّى بعض المصادر الروائية أيضاً.

في العديد من تراثنا الأخلاقي الذي يتمّ فيه التأكيد على مفهوم أو قيمة أخلاقية ـ ضمن بعض الأعمال أو الأقوال المشكوك في أمرها، بل وحتّى غير الأخلاقية ـ قد نعثر على آثارٍ واضحة للرؤية الأحادية الجانب حاكمةً على الكثير من هذا النوع من القصص والحكايات التي تدعو إلى النزعة الصوفية.

إن الغفلة عن المصالح أو المفاسد العامة والجانبية لعملٍ ما، وما يُمكن أن نصطلح عليه «كسر القنديل من أجل المنديل»، هو معاكس تماماً للاهتمام بالمقاصد والمصالح الملحوظة في الأحكام الشرعية، وقواعد الحسن والقبح العقلي المنيعة، التي لا يمكن للفقه والكلام أن يستقيم أو يكتب له البقاء من دونها.

وبطبيعة الحال هناك في مقابل الإفراط في هذه الرؤية الأحادية والغفلة عن الجوانب الأخرى، هناك تفريطٌ يمكن تصوُّره، ويجب الانتباه له، ولا سيَّما في ما يتعلَّق بنقد الحديث.

لربما يعمد الشارع أحياناً ـ رعايةً لبعض المصالح الخاصة ـ إلى تجويز بعض الأمور الخلافية ضمن حدود زمنية أو مكانية خاصّة، ولكنّ هذا الأمر ـ كما بيَّنّا بوضوحٍ ـ إنما يخصّ زماناً أو مكاناً معيّناً، ولا يمكن تسريته أو تعميمه.

ولكي نوضح المسألة أكثر، نسوق المثال التالي: ورد في كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه: «رُوي عن معاوية بن وهب قال: قلتُ لأبي عبد الله× إنه ذكر لنا أن رجلاً من الأنصار مات وعليه ديناران ديناً، فلم يُصَلِّ عليه النبيّ| وقال: صلُّوا على أخيكم، حتّى ضمنهما عنه بعض قراباته، فقال أبو عبد الله×: ذاك الحقّ، ثمّ قال: إنّ رسول الله| إنما فعل ذلك ليتَّعظوا، وليردّ بعضهم على بعض، ولئلاّ يستخفّوا بالدَّيْن، وقد مات رسول الله| وعليه دَيْنٌ، وقتل أمير المؤمنين× وعليه دَيْنٌ، ومات الحسن× وعليه دَيْنٌ، وقتل الحسين× وعليه دَيْنٌ»([65]).

لقد تمّ نقل هذه الرواية ـ مع اختلافٍ في عباراتها ـ في الكافي([66])، والتهذيب([67])، ونقلاً عنهما في وسائل الشيعة للحُرّ العاملي([68]) أيضاً([69])، واعتبرت من قبل العلامة الحلي&([70]) والمحقق الأردبيلي&([71]) والشيخ يوسف البحراني&([72]) «صحيحاً» («صحيحة»). وفي الجملة يبدو أن كبار علماء الإمامية قد اعتمدوا عليها([73]).

يمكن لنا أن نستفيد الكثير من الأمور والمسائل من هذه الرواية، ورُبَما كان أهمُّها أنّ النبيّ| أو الإمام× كان يعمد أحياناً، وفي بعض المواطن الخاصّة من دعوته وبنائه للمجتمع، إلى بيان أهمّية أمرٍ من خلال ربطه بسلوكٍ غريب أو موقف غير متوقَّع (وهذا بطبيعة الحال إنما هو فهمي الخاصّ لهذا الحديث).

يبدو من سياق الرواية أن الراوي يستغرب هذا الموقف القاسي والمتشدِّد في أمر الدَّيْن، ويبدو بحَسَب الظاهر متشكِّكاً في صحّة الحديث. ويبدو أن الإمام الصادق× أراد أن يوضِّح له سبب هذا الموقف غير المتوقَّع الصادر من النبيّ| بالقول: إن النبيّ كان يروم لفت انتباه المجتمع الإسلامي الفتيّ إلى أهمِّية بعض الأمور، ومن خلال التنويه إلى الدَّين الذي كان على النبيّ وثلاثة من الأئمّة المعصومين^ عند رحيلهم عن هذه الدنيا، ليُثبت أن أصل المسألة لا يستحقّ هذا الحجم من الموقف المتشدِّد، وإنما الذي دعا إلى هذا الموقف هو المرحلة والمقطع الزمني الخاصّ من الدعوة الإسلامية، وقد أراد النبيّ| بهذا الموقف أن يُلفِت انتباه المسلمين إلى الأهمِّية الأساسية لمسألة الدَّيْن([74]).

وعلى هذا الأساس فإن النبيّ الأكرم| في ذلك الموقف التعليمي والتربوي الخاصّ أراد في الوقت نفسه من خلال قوله: «صلُّوا على أخيكم» أن يُثبت أن هذا الرجل المدين لا يزال منتسباً ومنتمياً إلى المجتمع الإسلامي والإيماني، وأن ارتباطه بالأخوّة الإسلامية لا يزال وثيقاً، وأنّه لا يزال مثل سائر المسلمين يستحقّ أن يُصلّى عليه. ومع ذلك كان يريد من خلال موقفه الابتدائي المتمثِّل بالإحجام عن الصلاة عليه أن يُلفت انتباه المسلمين إلى مفهومٍ حقوقي وأخلاقي هامّ، يجب أن يترسَّخ ويتجذَّر في صلب المجتمع الإسلامي.

وبطبيعة الحال بعد اجتياز المراحل الأولى من الدعوة وانتشار تعاليم الكتاب والسنّة، لم تَعُدْ هناك من حاجةٍ إلى توجيه الأنظار إلى أهمِّية هذه الموارد، من خلال اتِّخاذ هذه المواقف المتشدِّدة. من هنا عندما يبتعد المسلم قليلاً عن عصر النبوة، ويرى موت الكثير من المتديِّنين أمراً متعارفاً، ويرى في الوقت نفسه أهمِّية قضاء الدَّيْن ـ ولو بشرط كفالة الآخرين ـ، يستغرب سماع مثل هذه الرواية؛ لعدم علمه بالغاية الخاصة التي اتَّخذ النبيّ ذلك الموقف من أجلها. إن ذلك الموقف المتشدِّد الذي اتَّخذه النبيّ إنما كان لتوضيح هذا السلوك الدينيّ الذي أصبح لذلك فيما بعد واضحاً وجليّاً، ولم يَعُدْ الآخرون بحاجةٍ إلى أمثال تلك المواقف لإدراك أهمِّية المسألة.

وخلاصة الكلام: إننا لا ننكر وجود مثل هذه المواقف النادرة، التي تبدو مخالفة للعادة في سُنّة النبيّ والأئمة المعصومين، إلاّ أن قبول هذا النوع من الروايات في الوقت نفسه لا يسوِّغ فتح الباب أمام قبول الغرائب والعجائب التي سبق ذكرها ونسبتها إلى سلمان أيضاً؛ وذلك للأسباب التالية:

أوّلاً: إن مجرَّد احتمال حمل تلك الأخبار والروايات الغريبة على تلك المواقف النادرة، واعتبارها من هذا السنخ، غاية ما يؤدِّي إليه هو الكفّ عن التكذيب والإنكار القطعي لهذه الأخبار، بَيْدَ أن هذا كلَّه لا يرفع الشكَّ والإجمال عن تلك الأخبار. وعلى كلّ حال فإن هذا لا يصحِّح الاستناد إلى مضامينها في بناء الثقافة الدينية.

وثانياً: لا يصحّ الاستناد إلى المواقف النادرة في بناء الثقافة الدينية، حتّى إذا كانت ثابتةً وقطعية الصدور، ناهيك عمّا إذا كان أمرها مشكوكاً أو محتملاً؛ وذلك لأنّ هذه المواقف إنما تخصّ مقطعاً زمانياً أو مكانياً أو اجتماعياً خاصّاً، ولم توضَعْ بوصفها قاعدةً وقانوناً عامّاً يشمل جميع الأحوال. وعليه لا يمكن تسرية الأخبار على الثقافة العامّة، إلاّ بعد الالتفات إلى خصوصية وندرة المواقف الخاصة.

وثالثاً: يجب البحث في دائرة هذه المواقف بشكلٍ مستقلّ ـ ومن زاويةٍ كلامية ـ، لبيان حدود امتداداتها على مستوى المكان والزمان، وصدورها عن أيّ واحد من الأئمّة والأولياء، وهل يكون صدورها عن جميع النُخَب الدينية ـ من قبيل: سلمان (الذي تناولنا بعض الأخبار المنسوبة إليه) ـ ممكناً وجائزاً أيضاً؟

«لا نهاية لهذا الكلام»، وليس من المناسب إطالة الكلام فيه أكثر.

كان لبُّ الكلام وجوهره في هذا المقال يدور حول توجيه الأنظار إلى أنواع ونماذج من الأخبار والروايات المشكوك في أمرها، ولا سيَّما في الدائرة الواسعة للأخلاقيّات، والحديث عن مناقشة ودراسة الجذور البعيدة والعميقة لبعض هذه الأخبار، حتّى في المصادر الروائية المشهورة والضاربة في القِدَم.

تكفي ذرّةٌ من البصيرة، وحبّة خردل من الإيمان، ليرتدع المَرْء عن نقل وإشاعة مثل هذه الأخبار الغريبة والمشكوك في أمرها.

إن رواية ونشر الأخبار التي تؤدّي إلى إيقاع الآخرين في الشكِّ والرَّيب جديرةٌ بالتريُّث في نقلها، بل وحتّى الإحجام عن روايتها من وجهة نظر العقل والشَّرع، فما ظنُّك بالأخبار والروايات التي هي في حدِّ ذاتها مشكوكٌ في أمرها، بل آثار الوضع والاختلاق واضحةٌ وبادية عليها.

رُوي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× أنّه قال: «أتحبُّون أن يُكذَّب الله ورسوله؟! حدِّثوا الناس بما يعرفون، وأمسكوا عمّا ينكرون»([75]).

 

الهوامش

(*) باحثٌ متخصِّص في مجال الكلام والحديث، وله دراساتٌ تحقيقيّة وتراثيّة قيِّمة.

([1]) البرقي، المحاسن 1: 230، طبعة المحدِّث الأرموي، ونقلاً عنه في: بحار الأنوار 2: 96.

([2]) إن خبر الواحد وإن لم تكن له بما هو خبر واحد «حجِّية عقائدية»، إلا أنه:

أوّلاً: إذا كان ـ على أيّ حال ـ مشعراً بمفهوم عقائدي وجب العمل على نقد محتواه، وإثبات مقبوليته أو عدم مقبوليته؛ تحديداً لتكليف المبلغين والمؤلِّفين وعموم المخاطبين بذلك الخبر، في ما يتعلَّق بفهم وتقييم مضمونه ومحتواه.

وثانياً: إن خبر الواحد، وحتّى سنده الذي تتمّ الغفلة عنه غالباً في البحوث غير الفقهية تماماً، يمكن له أن يعرِّفنا على مسار الاتجاهات والمساعي العقائدية. ومن هذه الناحية يكون جديراً بالنقد والتمحيص. وبعبارةٍ أخرى: إن خبر الواحد حتّى إذا لم يكن حجّةً، وحتّى إذا أحرزنا كونه موضوعاً ومختلقاً، يبقى على ما هو عليه من الاتّصاف بكونه «وثيقة تاريخية»، ويجب لذلك أن يخضع للنقد والتقييم كأيّ وثيقةٍ تاريخية أخرى، والعمل ما أمكن على بيان مناشئه، وما هي العوامل الدخيلة في صدوره أو حتّى اختلاقه؟ وما إلى ذلك من الأمور الأخرى.

([3]) في ما يتعلَّق بظاهرة القصّاصين، وجانب من الظواهر التاريخية الأخرى، بالإضافة إلى مقالات صديقي الفاضل الشيخ رسول جعفريان، والمطبوعة في قم من قِبَل انتشارات دليل ما، انظر أيضاً: علي رضا ذكاوتي قراگزلو، نكته چيني ها أز أدب عربي (مصدر فارسي): 258 ـ 270، ط1.

([4]) في ما يتعلَّق بقاعدة «التسامح في أدلّة السنن» وبعض تفاصيلها وطرق استعمالها، انظر على سبيل المثال: مجلة فقه «كاوشي نو در فقه إسلامي (مصدر فارسي)»، العدد 49: 3 ـ 6، مقال بعنوان: (مقاله تسامح در تسامح، بقلم: محمد حسن نجفي)؛ 7 ـ 34، مقال بعنوان: (مقاله بررسي تسامح در أدله سنن، بقلم: أحمد عابديني).

([5]) يتمّ بحث مسائل الأخلاق والأخلاقيات ـ بالقياس إلى الفقه والكلام ـ بوصفها من المسائل الاستحبابية والفضائل المضافة. بَيْدَ أن هذا التعاطي مع المسائل الأخلاقية مجانبٌ للصواب. من هنا فقد سعى الغزالي من خلال تأليف «إحياء علوم الدين» إلى إحياء الجوهر الأخلاقي للدين، وإعادة الروح لجسم الشريعة، وأن يعمل في هذا السياق على تجديد وإنعاش الحياة الحقيقية لعلوم الدين. وعلى أصحاب الهمم في عصرنا أن يُشمِّروا بدورهم عن سواعدهم من أجل إعادة الحياة وبثِّ الروح في الجسد الديني، ولا سيَّما في الجانب الأخلاقي منه، وأن ينادوا بشمولية التعاليم الإسلامية لهذه الدائرة أيضاً. وقد كتب العلامة الميرزا أبو الحسن الشعراني& في تعليقته على تفسير مجمع البيان، في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 89): «والآية تدلّ على أنه لا تحصل السعادة في الآخرة بأعمال الجوارح فقط، بل يجب أن ينضمّ إليها سلامة القلب. فما هو معروف بين كثير من الناس من أن الأوامر الأخلاقية ليست على الوجوب كالأوامر الفقهية ليس صحيحاً». (پژوهشهاي قرآني علاّمه شعراني 2: 965).

([6]) انظر: د. ناد علي عاشوري تلوكي، پژوهشهاي حديثي در آثار أستاد شهيد مرتضى مطهري (مصدر فارسي): 163.

([7]) إن «النقير» و«القطمير» و«الفتيل» و«حبة الخردل» كنايةٌ عن التناهي في الضآلة والصغر، وهي تعابير ترسَّخت في الثقافة والأدب الإسلامي من خلال استعمال القرآن الكريم لها. وممّا قاله أبو المكارم الحسني الرازي& في هذا الشأن: «…إن هذه الأمور من الأمثال التي تستعمل في بيان الأمور الحقيرة. وأكثر المفسِّرين على أن الفتيل والنقير والقطمير في نوى التمر؛ فالفتيل ما يكون في بطن النواة مثل الحبل؛ والنقير هي النقطة البادية على ظهر النواة؛ والقطمير هي القشرة على ظهر النواة…» (دقائق التأويل وحقائق التنـزيل: 67).

([8]) اختيار معرفة الرجال: 79 ـ 80، طبعة ميبدي وموسويان، نقلاً عنه ـ مع اختلافٍ في ضبط النصّ ـ ما في: بحار الأنوار 2: 385؛ السيد علي خان، الدرجات الرفيعة: 210.

([9]) حلية الأولياء 1: 190 ـ 191، تحقيق الإسكندراني؛ وانظر أيضاً: سلمان محمدي: 208، ترجمه إلى الفارسية ولخَّصه: جويا جهانبخش.

([10]) قال العلاّمة المعاصر الحاج الميرزا أبو الحسن الشعراني في كتابه القيِّم (دمع السجوم): «إن نسبة المسائل المشكوك فيها إلى الإمام المعصوم× من الذنوب الكبيرة، وإن إدخال ما لا نعلم صحته في الدين بدعةٌ. وهناك من الأحاديث التي يجب بالتحديد القول [والتصريح] بعدم صدورها عن الإمام؛ وذلك من أجل تقوية وتعزيز اعتقاد الناس بالدين. ومنذ عصر المحدِّث الإسترآبادي ـ حيث تمَّ اعتبار صحّة جميع الأخبار والأحاديث، وتم التنكُّر للقرآن والسنّة المتواترة ـ تمّ اعتبار الأحاديث الضعيفة أساساً للدين، فأضحى عدم التديُّن لذلك والتهاون في العقيدة أكثر شيوعاً؛ لما رآه الناس من الخرافات والمعاني اللامعقولة في الكثير من الأحاديث الضعيفة. وقال الفقيه المحقِّق ابن إدريس&: «فهل هدم الدين إلاّ أخبار الآحاد؟!». وخاصّة أنّ الأخباريين يجبرون الناس على الأخذ بعين ظاهر ولفظ الحديث، دون توجيهٍ أو تأويل، وأن لا يتَّبعوا العقل في ذلك». (دمع السجوم: 251، الباب الرابع، الفصل الأول، طبعة هجرت). وانظر في هذا الشأن أيضاً: العلامة الحاج للميرزا أبو الحسن الشعراني، المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه: 42، إعداد: رضا الأستادي، ط1، قم، 1373هـ.ش.

([11]) إن هذا الحديث النبوي الشريف القائل: «سلمان منّا أهل البيت» في غاية الشهرة عند السنّة والشيعة، وقد ورد في بعض الكلمات المأثورة عن سائر الأئمّة المعصومين^ أيضاً.

([12]) عبارة: «قال: خِفْتُ أن لا يكونا نضيجين» وضعت في طبعة السادة غفاري ومستفيد لعيون الأخبار داخل قوسين ـ دون أيِّ توضيحٍ ـ، بينما وضعت في الطبعة الحجرية لنجم الدولة داخل قوسين، وكتب فوقها: «نسخة» (مفهومها أن هذه العبارة لم تكن موجودةً في بعض النسخ).

([13]) جاء في القرآن الكريم: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ (هود: 7). ويُحتمل أن يكون الكلام الوارد في هذه الرواية ناظراً إلى هذه الإشارة القرآنية.

([14]) الركوة: إناءٌ صغير من جلدٍ يشرب فيه الماء.

([15]) الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا× 2: 78 ـ 880، طبعة الغفاري والمستفيد؛ وفي الطبعة الحجرية (نجم الدولة): 215 ـ 216، مع بعض الاختلاف في الضبط.

([16]) الشيخ الصدوق، الأمالي: 527 ـ 528، المجلس الثامن والستون، ح6، مؤسّسة البعثة، قم، 1417هـ.

([17]) المحدِّث الميرزا النوري، مستدرك وسائل الشيعة 16: 294، ح19934، مؤسسة آل البيت^ لإحياء التراث.

([18]) انظر: العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 22: 320 ـ 321؛ 68: 45 ـ 46.

([19]) انظر: السيد علي خان المدني الشيرازي، الدرجات الرفيعة: 217.

([20]) انظر: الملا هادي السبزواري، شرح الأسماء: 562، طبعة جامعة طهران.

([21]) انظر: صدر المتألِّهين الشيرازي، تفسير القرآن 1: 136 ـ 137.

([22]) الكليني، الكافي 2: 667؛ 6: 285، طبعة الغفاري؛ المحدِّث النوري، مستدرك الوسائل 16: 259، مؤسَّسة آل البيت^ لإحياء التراث؛ صحيح البخاري 7: 79، 104، 184، دار الفكر (أوفست طبعة إسطنبول)؛ صحيح مسلم 1: 49 ـ 50؛ 5: 138، دار الفكر.

([23]) انظر على سبيل المثال: ولي محمد بيك وردي تركماني عراقي، پنجاه حديث با ترجمه أز حضرت عبد العظيم (مصدر فارسي): 100 ـ 102؛ محمد رازي، زندگاني حضرت عبد العظيم الحسني (مصدر فارسي): 108 ـ 110؛ محمد جواد نجفي، زندگاني حضرت عبد العظيم الحسني (مصدر فارسي): 325 ـ 326؛ پور أميني، آفتاب ري: 438؛ محمد تقي المدرسي، من هدى القرآن 10: 188، القسم الثاني من الحديث فقط.

([24]) انظر: پور أميني، آفتاب ري: 438.

([25]) يعود هذا الشطر الذي ذهب مَثَلاً إلى البيت القائل:

فقُل لمَنْ يدَّعي في العلم فلسفةً *** حفظْتَ شيئاً وغابَتْ عنك أشياءُ

وهو بيتٌ من قصيدةٍ طويلة ومشهورة لأبي نؤاس، مطلعها:

دَعْ عنك لومي فإن اللوم إغراءُ *** وداوني بالتي كانت هي الداءُ

وقد أنشد أبو نؤاس ـ غفر الله له ـ هذه القصيدة مخاطباً بها إبراهيم النظام المعتزلي عندما عاتبه على شرب الخمر. (انظر: ديوان أبي نؤاس: 7 ـ 8، دار صادر).

([26]) محمد رازي، زندگاني حضرت عبد العظيم الحسني (مصدر فارسي): 108 ـ 110.

([27]) والبيتان بالفارسية:

أَبر وباد وَمه وخورشيد وفلَك در كارند *** تا تو ناني به كف آري وبه غفلت نخوري

همه أز بهر تو سرگشته وفرمانبُردار *** شرط إنصاف نباشد كه تو فرمان نبَري

([28]) انظر: الملا محمد إسماعيل الكزازي، جنات النعيم: 259 ـ 260.

([29]) والغريب أن الكلباسي أحال الرواية إلى الكافي!

([30]) انظر: محمد باقر الكلباسي، التذكرة العظيمية: 133 ـ 134.

([31]) انظر: الحاج محمد باقر الواعظ الطهراني الكجوري المازندراني، رَوْح وريحان (جنة النعيم والعيش السليم في أحوال السيد عبد العظيم الحسني عليه السلام والتكريم) 3: 250 ـ 252، ط5، دار الحديث، قم، 1382هـ.ش. وقد أحال الحديث إلى الكافي كما صنع الكلباسي. وهو غريب أيضاً!

([32]) الميرزا خليل كمره إي، فتاوي صحابي كبير سلمان فارسي ـ رضي الله عنه ـ (مصدر فارسي): 119 ـ 120، رسالة صراط مستقيم.

([33]) انظر: عزيز الله عطاردي وعلي رضا هزار، مسند السيد عبد العظيم الحسني×: 82.

([34]) عيون أخبار الرضا× 2: 80، طبعة الغفاري والمستفيد. كما أن احتمال اختلاق هذا الحديث من قبل الصوفية، والقول بأن سلسلة سند رواة الحديث تقوِّي هذا الاحتمال، قد ورد أيضاً في:

The Source of Traditions on Imam Reza (s), vol: 2, p: 675.

(ويحتمل قوياً أن الباحثين والمترجمين قد استفادوا هذا التوضيح من الكلام المذكور في طبعة السادة الغفاري والمستفيد لكتاب عيون أخبار الرضا×).

([35]) الصعتر: نبتٌ من فصيلة النعناع، لأوراقه رائحةٌ زكيّة تصلح للأكل.

([36]) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق 21: 448، دار الفكر.

([37]) المكّي، قوت القلوب 2: 307.

([38]) الغزّالي، إحياء علوم الدين 4: 77، دار الكتاب العربي. وقد أورد الغزالي هذه القصّة للاستدلال على أن من آداب الضيافة أن لا يسأل الضيف المضيف أو يطلب منه شيئاً، أو أن يحكم على شيءٍ معيّن.

([39]) الكاشاني، المحجّة البيضاء 3: 30. ونقرأ في الحاشية التي كتبها الغفّاري على المحجّة البيضاء: «أخرجه الحاكم في المستدرك 4: 123، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد».

([40]) الذهبي، سير أعلام النبلاء 1: 551، مؤسّسة الرسالة.

([41]) السيد علي خان المدني، الدرجات الرفيعة: 216.

([42]) الطبراني، المعجم الكبير 6: 235، مكتبة ابن تيمية.

([43]) انظر: السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي، الشهير بـ «المرتضى»، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 5: 236، دار الفكر، ط2، 1424هـ.

([44]) انظر: جلال الدين السيوطي، الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 5: 322، مكتبة المرعشي النجفي، قم، 1404هـ.

([45]) والبيت بالفارسية:

گفتم كه چو ناگه آمدي، عيب مگير *** چشم تر ونان خشك وري تازه

([46]) خلاصة جوامع الحكايات (مصدر فارسي): 283.

([47]) لا بُدَّ من العلم أن هذا هو كلام صاحب تبصرة العوام، حيث قال بشأن «الصوفية» ـ قبل عصر السيد حيدر الآملي، وذلك الخلط والامتزاج الغريب الذي بدأ بين التصوُّف والتشيع ـ صراحةً: «إن هؤلاء هم من أهل السنّة» (انظر: تبصرة العوام: 122، طبعة عباس الآشتياني).

([48]) الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الإصفهاني(430هـ)، حلية الأولياء وطبقات الأولياء 1: 188، تحقيق: سعيد بن سعد الدين خليل الإسكندراني، ط1، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1421هـ.

([49]) انظر: مسند ابن الجعد: 35، طبعة دار الكتب العلمية.

([50]) تاريخ مدينة دمشق 21: 449، طبعة دار الفكر.

([51]) سير أعلام النبلاء 1: 551، طبعة مؤسّسة الرسالة.

([52]) المنطقة مثل الحزام.

([53]) الحاج محمد باقر الواعظ الطهراني الكجوري المازندراني، رَوْح وريحان (جنة النعيم والعيش السليم في أحوال السيد عبد العظيم الحسني عليه السلام والتكريم) 1: 365 ـ 366.

([54]) المصدر السابق 1: 366.

([55]) لقد تناول الحاج الميرزا خليل كمره إي& قصّة سلمان والمدعوّ إلى الطعام من تلك الزاوية الحسنة فقط، وقد وضع لبحثه بشأن هذه الحكاية في كتابه عنوان: «تجب رعاية الأمانة والدقّة حتّى في اللقمة». (انظر: الميرزا خليل كمره إي، فتاوي صحابي كبير سلمان فارسي ـ رضي الله عنه ـ (مصدر فارسي): 120).

([56]) ما بين المعقوفتين زيادة توضيحية من عندنا. (المعرِّب).

([57]) أبو المفاخر يحيى الباخرزي، أوراد الأحباب وفصوص الآداب 2: 141 (فصوص الآداب)، إعداد: إيرج أفشار، انتشارت دانشگاه طهران، ط2، طهران، 1383هـ.ش.

([58]) كما يمكن الوقوف على نموذجٍ آخر من هذا الأسلوب الذي ينطبق عليه القول القائل: (يكسر القنديل من أجل المنديل) في «فصّ آداب الأكل» من كتاب أبي المفاخر يحيى الباخرزي ـ الذي تقدَّم منا ذكر بعض عباراته ـ؛ إذ يقول: «وحيث مدّ الطعام على السماط يُكره الانتظار. فقلوب الأبرار لا تحتمل الانتظار. في حضرة الشيخ العالم سيف الدين الباخرزي& مدّ الدراويش السماط، وكان أخو نور الدين الدهستاني ـ الذي لازم الشيخ يخدمه لأربعين سنة ـ واقفاً على سطح الخانقاه. فدعوه إلى الطعام لينـزل. وبعد رفع السماط، عاتب الشيخ العالم أخا نور الدين الدهستاني [وعرَّضه في الحقيقة إلى نوعٍ من المؤاخذة والعقوبة الصوفية]، قائلاً له: لقد دعاك الأصحاب، ورأيت أنهم ينتظرونك، ومع ذلك سلكت طريق السلم لتنـزل إليهم! وكان الواجب يقتضي منك في مثل هذه الحالة أن ترمي بنفسك من أعلى السطح! لا أن تسلك الطريق الذي يفرض عليهم انتظار قدومك!! (انظر: أبو المفاخر يحيى الباخرزي، أوراد الأحباب وفصوص الآداب 2: 140 (فصوص الآداب)). ولا شَكَّ في أن «الدهستاني» المسكين لو أراد أن يأخذ هذا النوع من أوامر «الشيخ العالم» على حرفيَّتها لكان قد قُضي عليه منذ زمن بعيد، ولما تسنَّى له أن يحظى بشرف خدمته لأكثر من أربعين سنة!!

([59]) الشيخ أبو الفتوح الرازي، رَوْض الجِنان ورَوْح الجَنان في تفسير القرآن 20: 147 ـ 148، تصحيح وتحقيق: محمد جعفر ياحقي، ومحمد مهدي ناصح، بنياد پژوهشهاي إسلامي قدس رضوي، مشهد المقدّسة.

([60]) ولم أجِدْ من بين المشهورين من مفسِّري الشيعة، سوى الفقيه اللبناني المعاصر السيد محمد حسين فضل الله& والشيخ الأستاذ محمد جواد مغنية&، حيث نظرا إلى الرواية من زاويةٍ مختلفة. وبطبيعة الحال ليس هذا هو موضوع بحثنا.

كما تجدر الإشارة إلى أن لابن طاووس في سعد السعود رؤيةً مختلفة إلى حدٍّ ما، ولا بُدَّ من بيانها ودراستها في موضعها المناسب.

([61]) انظر: ذهاب الكعبة لاستقبال رابعة العدوية؛ وكذلك طواف الكعبة حول الرجل الذي رآه سهل التستري، في تذكرة الأولياء: 75، 310، 311، [المنسوب إلى] الشيخ فريد الدين العطّار النيسابوري، تصحيح وتوضيح: الدكتور محمد استعلامي ، ط7، انتشارات زوار، طهران، 1372هـ.ش.

وهذا المعنى هو الذي أخذه الشاعر سعدي الشيرازي عندما تحدَّث عن تحليق الكعبة وطيرانها حول بعض الأولياء والمشايخ.

([62]) انظر: تذكرة الأولياء: 261 ـ 262، طبعة استعلامي.

([63]) انظر: المصدر السابق: 125.

([64]) انظر: المصدر السابق: 107 ـ 109.

([65]) الشيخ الصدوق، مَنْ لا يحضره الفقيه 3: 182، ح3683، باب الدَّيْن والقرض، تصحيح وتحقيق: علي أكبر الغفاري، ط2، منشورات جماعة المدرِّسين في الحوزة العلمية، 1363هـ.ش ـ 1404هـ.

([66]) انظر: الكليني، الكافي 5: 93، باب الدين، ح2، صحَّحه وقابله وعلق عليه: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1367هـ.ش.

([67]) انظر: الطوسي، تهذيب الأحكام 6: 183 ـ 184، باب الديون وأحكامها، ح3، حقَّقه وعلَّق عليه: السيد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية، ط4، طهران، 1365هـ.ش.

([68]) انظر: الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل الشريعة 18: 319 ـ 320، مؤسّسة آل البيت^، قم.

([69]) وهناك ما يُشبه هذه الرواية أيضاً في (علل الشرائع) 2: 528، طبعة النجف الأشرف.

([70]) انظر: العلاّمة الحلّي(648 ـ 726هـ)، تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية 2: 446، تحقيق: إبراهيم البهادري، مؤسّسة الإمام الصادق×، ط1، قم، 1420هـ.

([71]) انظر: المقدّس الأردبيلي(993هـ)، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان 9: 53، تحقيق: مجتبى العراقي وعلي پناه الاشتهاردي وحسين اليزدي، مؤسّسة النشر الإسلامي، ط1، قم، 1412هـ.

([72]) انظر: الشيخ يوسف البحراني(1186هـ)، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة^ 20: 102، تحقيق: محمد تقي الإيرواني، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم.

([73]) نضيف إلى ذلك أن العلامة المولى محمد باقر المجلسي، في كتابه القيِّم (مرآة العقول 19: 43)، قد اعتبر سند رواية الكافي «صحيحاً». وأما أبوه الآخوند الملا محمد تقي المجلسي، في (روضة المتقين 6: 517)، فقد اعتبر سند الرواية في كتاب الكافي وتهذيب الأحكام «صحيحاً»، وفي كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه «حَسَناً كالصحيح».

([74]) وحيث أدرك العلامة المولى محمد باقر المجلسي خصوصية هذا الموقف الصادر عن النبيّ الأكرم| قال معلِّقاً على ذلك: «…ولعل هذا من خصائص النبيّ والإمام’ أو مطلق الولاة على احتمال». (بحار الأنوار 78: 345).

([75]) محمد بن إبراهيم النعماني، كتاب الغيبة: 34، تحقيق: علي أكبر الغفاري، مكتبة الصدوق، طهران.