الأستاذ معرفت وتفسير القرآن بالقرآن

6 سبتمبر 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
773 زيارة

الأستاذ معرفت وتفسير القرآن بالقرآن

السيد مهدي علمي الحسيني(*)

ترجمة: وسيم حيدر

المقدّمة ــــــ

تحظى ظاهرة النسخ في مسار الأحكام بأهمّية خاصة في دائرة الدراسات الإسلامية. كما أن السابقة التاريخية للنسخ المفعمة بالمنعطفات، واتجاه الباحثين في علم الأصول والتفسير، وحتّى علم الكلام، يؤكّد الموقع الهام والمتميّز الذي تتمتع به هذه الظاهرة، بحيث ربما أمكن اعتبار النسخ من المباحث المعقدة والمثيرة للبحث في مجال التحقيق القرآني.

إن اختلاف الآراء في بيان مفهوم النسخ، وشرائطه، وعدد الآيات المنسوخة [حيث تختلف الآراء بهذا الشأن بين حصر النسخ في آية واحدة في الحدّ الأدنى، وبين القول بأن عدد الآيات المنسوخة يصل إلى 228 آية في الحدّ الأقصى]، واختلاف الآراء في بيان الأنواع المتصوّرة للنسخ في القرآن، وطرح الشبهات بشأن النسخ، وردّ وإنكار وقوع النسخ في القرآن الكريم، يؤكّد ضرورة الخوض في هذا البحث.

تعود بداية الأبحاث بشأن النسخ في القرآن إلى مصحف الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×([1]). وتتواصل الجهود على هذه الوتيرة، حتّى نصل إلى عصر الإمام الصادق×، حيث نشهد تدوين أصول النسخ في رسالة «الناسخ والمنسوخ» من قبل تلميذ الإمام الصادق× أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الأصمّ المسمعي. وفي المرحلة التالية تواصلت الجهود على يد أصحاب الإمام الرضا×([2]). ومنذ ذلك الحين وحتّى هذه المرحلة كان يظهر في كلّ قرن مجموعة من العلماء ليؤلِّفوا في هذا المجال([3]). ومن الضروري التنبيه إلى أن دور العلماء المؤثِّرين في هذه الحركة العلمية العظيمة لم يقتصر على خصوص الباحثين في الشأن القرآني فقط، بل يعود الكثير من التحقيقات والجهود العلمية إلى الأبحاث الفقهية والأصولية أيضاً.

نسعى في هذا المقال إلى بحث مسألة نسخ القرآن بالقرآن من وجهة نظر المفسِّر والفقيه الفذّ محمد هادي معرفت. من هنا فإن بحث سائر الأقسام المتصوَّرة للنسخ في القرآن، ونقد الآراء في معرفة مفهوم النسخ، وشرائط وأنواع النسخ، وعدد الآيات المنسوخة، يحتاج إلى فرصةٍ أخرى. كما أن التدقيق في خصوص إمكان أو عدم إمكان وقوع أو عدم وقوع النسخ في القرآن يستحقّ بدوره بحثاً مستقلاًّ أيضاً. وفي هذه المقالة المقتضبة سوف لا نشير إلى هذه المسائل، إلاّ عند الضرورة.

 

البحث اللغوي ــــــ

إن من بين المعاني المتعدِّدة التي ذكرها علماء اللغة لمفهوم النسخ نجد المعاني الثلاثة، وهي: الإزالة؛ والنقل؛ والإبطال، هي القابلة للبحث عندهم، حيث يذهب كلٌّ من: الخليل بن أحمد الفراهيدي(القرن الهجري الثاني) في كتابه «العين»، وأحمد بن فارس(القرن الهجري الرابع) في كتابه «معجم مقاييس اللغة»، وجار الله الزمخشري(القرن الهجري السادس) في كتابه «أساس البلاغة»، والراغب الإصفهاني(القرن الهجري السادس) في كتابه «مفردات ألفاظ القرآن»، وجمال الدين بن منظور الأفريقي(القرن الهجري الثامن) في كتابه «لسان العرب»، إلى تفسير النسخ بالإزالة والنقل. وانفرد الفيروزآبادي(القرن الهجري التاسع) في كتابه «القاموس المحيط» إلى تفسيره بالإبطال، مضافاً إلى تفسيره بالإزالة والنقل أيضاً.

لم يُبْدِ الشيخ معرفت اهتماماً كبيراً بالبحث اللغوي للنسخ، سوى أنه فسّر النسخ بمعنى الفسخ وفصل المتّصل([4]). ويبدو أن مراده من الفسخ هو الإزالة. ويتعزّز هذا الفهم من خلال كلماته اللاحقة؛ إذ إنّه ذكر الفسخ مقروناً بالمحو الكامل. من هنا يبدو أن المعنى الأوّل الذي يتبادر إلى ذهن السامع لكلمة النسخ هو الإزالة، وعليه عند عدم وجود القرينة يحمل النسخ على هذا المعنى.

 

البحث الاصطلاحي ــــــ

لا شَكَّ في أن هذا المقال لا يتّسع لذكر تقرير تفصيلي كامل لمسار التطور الاصطلاحي للنسخ في إطار الدراسات الإسلامية. وقد سبق للباحثين والمحقِّقين أن فصلوا القول في هذا الشأن([5]).

ولكن من الضروري الإشارة إلى أن التعاريف الأولى كانت تخص في الغالب مفهوم الناسخ أو المنسوخ. وإن من أفضل التعاريف التي تمّ بيانها من قبل المختصين في العلوم القرآنية من المعتقدين بوقوع النسخ في القرآن الكريم هو تعريف الأستاذ معرفت، الأمر الذي يُعبِّر عن دقّته وعمق رؤيته. يقول في هذا التعريف: «هو رفع تشريع سابق ـ كان يقتضي الدوام حَسْب ظاهره ـ بتشريعٍ لاحق، بحيث لا يمكن اجتماعهما معاً، إمّا ذاتاً ـ إذا كان التنافي بينهما بيِّناً ـ أو بدليلٍ خاصّ من إجماعٍ أو نصّ صريح»([6]).

تعود أفضلية هذا التعريف الطويل نسبياً أوّلاً: إلى أنه ينظر إلى ذات النسخ، دون الناسخ أو المنسوخ؛ وثانياً: كونه جامعاً ومانعاً للنسخ المتصوَّر بالنسبة إلى القرآن الكريم؛ وثالثاً ـ وهو الأهمّ ـ: إلى أن ظاهرة النسخ على هذا التعريف لا تحدث أي تغيّر في صُلب واقع العلم الأزلي لله سبحانه وتعالى، وتسدّ الطريق على الذين يثيرون الشبهات التي تعتبر النسخ دليلاً أو مؤشّراً على جهل أو خفاء الأمر عن العلم الإلهي.

كما عمد الأستاذ معرفت إلى تقديم تعريف مختصر للنسخ في كتابه «علوم قرآني»، ويأتي اختصار هذا التعريف من باب المراعاة لمستوى المخاطب بهذا الكتاب، إذ يقول فيه: «إن النسخ المصطلح يعني إزالة الحكم الشرعي السابق بتشريعٍ لاحق».

ثم عمد سماحته ـ من خلال بيان مختصر لشرائط النسخ ـ إلى تكميل تعريفه، وهو ما سوف نشير له في القسم التالي من هذا المقال. والجدير بالذكر بشأن هذا التعريف أنه لم يأخذ قيد التنافي بين الحكمين، وهو القيد الذي كان يحظى بمكانةٍ متميّزة في التعريف الأول. ويبدو أن هذا التعريف لم يكن بصدد إثبات وقوع النسخ في القرآن الكريم. وهذا الفهم يأتي من التوضيحات اللاحقة التي أفادها الأستاذ معرفت لاحقاً بشأن شرائط وحقيقة النسخ([7]).

 

شرائط النسخ ــــــ

لقد عمد المختصّون في العلوم القرآنية ـ في ضوء التعريف الذي قدَّموه للنسخ ـ إلى بيان تحقُّقه أيضاً. إنّ رأي أكثر المنظِّرين بشأن النسخ في القرآن واحد في هذا الخصوص، وإن الاختلافات القائمة بينهم تعود إلى ذهاب بعضهم إلى تحديد شرائطه باعتبار الناسخ، وذهب بعضهم إلى تحديدها باعتبار المنسوخ، بينما ذهبت جماعة إلى بيانها بما يتناسب وحقيقة النسخ. وإنّ ما يذكره الأستاذ معرفت تحت عنوان شروط النسخ عبارةٌ عن:

1ـ أن يكون التنافي بين الحكمين كلّياً وفي جميع الجوانب (على نحو ذاتي؛ أو بالاستناد إلى دليلٍ معتبر).

2ـ أن لا يكون الحكم السابق محدوداً بأمدٍ معلوم.

3ـ أن يتعلّق النسخ بالتشريعيات (بمعنى أن لا يكون مرتبطاً بمجال الأخبار).

4ـ وحدة الموضوع والتحفُّظ على نفس الموضوع في كلا التشريعين([8]).

وكما نلاحظ فإنّ الأستاذ معرفت قد اكتفى بمجرّد بيان الشرائط الرئيسة والأساسية، وأعرض عن الإشارة إلى الشرائط البديهية التي ذهب الأكثر إلى الاتفاق عليها، كما تجنَّب ذكر الشروط التي تندرج تحت الشروط الأخرى.

تأتي أهمِّية دراسة الآراء بشأن شروط النسخ من أنها ترسم حدودها المفهومية بشكلٍ جيّد. ونجد في تعريف الأستاذ معرفت تأكيده على تشريعية كلا الحكمين، مخرجاً بذلك البداء عن دائرة النسخ، في حين أننا نجد رأي السيد الخوئي([9]) والعلاّمة الطباطبائي([10]) بشأن النسخ من السعة بحيث يشمل البداء أيضاً. لقد ذهب الأستاذ معرفت في بحثه المقارن بين النسخ والبداء ـ ضمن اعتباره كلا الأمرين ناشئاً عن تصوّر خاطئ في ظهور رأي جديد لله تعالى ـ إلى القول بأن ظهور شيء أو أمر للناس بعد أن كان خافياً عليهم في ما يتعلّق بكلٍّ من: النسخ والبداء يمثِّل الخصيصة المشتركة بين هذين المفهومين. ويرى سماحته أن التفاوت بين النسخ والبداء يتحدَّد ضمن الدائرة الاصطلاحية لكلٍّ منهما([11]).

 

أنواع النسخ في القرآن ــــــ

إن الذي ذكره المختصون في العلوم القرآنية تحت هذا العنوان يشمل الأنواع المحتملة للنسخ في القرآن الكريم. ومن هنا يتمّ بحث ونقد كلا نوعَيْ نسخ الحكم والتلاوة، ونسخ التلاوة وبقاء الحكم، رغم عدم مقبوليتهما عقلاً؛ لأنهما يعنيان في واقع الأمر القول بوقوع التحريف بالنقصان في القرآن الكريم.

كما يرى الأستاذ معرفت أن هذين النوعين من النسخ ـ المرفوضين في مجال التحقيق، والبعيدين عن شأن القرآن الكريم ـ فاقدان للتبرير بالمرّة. وقد أشار سماحته في ردّ نسخ الحكم والتلاوة إلى عدم وجود مصداق لهذا النوع من النسخ في القرآن. واستغرب الحديث المنقول عن عائشة بشأن الرضاع، معتبراً نتيجته التلاعب بالقرآن. كما رفض أن تمحى آية من صدور الناس وكتابات كتّاب الوحي لمجرّد أكل الداجن لصحيفة([12])!

وقد استدلّ معرفت لإثبات بطلان نسخ التلاوة دون الحكم بالأدلة التالية:

1ـ إن القائل بهذا النوع من النسخ إنّما يتمسّك بأخبار الآحاد التي زعم أنها صحيحة الأسناد، مع أن نسخ آية محكمة شيء لا يمكن إثباته بأخبار الآحاد، التي لا تفيد سوى الظن.

2ـ إن القول بمثل هذا الأمر يتنافى مع مصلحة نزول الآية أو الآيات؛ إذ لو كانت المصلحة التي كانت تقتضي نزولها هي اشتمالها على حكم تشريعي ثابت فلماذا ترفع الآية وحدها، في حين تقتضي المصلحة بقاءها؛ لتكون سنداً للحكم الشرعي المذكور.

3ـ إن القول بذلك يعني الالتزام بوقوع التحريف في القرآن الكريم، وهو ما يرفضه الشيعة رفضاً قاطعاً.

ثم استطرد الأستاذ معرفت بعد ذلك مبيِّناً آراء المحقِّقين الكبار في مدرسة أهل البيت^، وأسف على عدم استناد الأدلة للأسس، واستغرب تجاهل ابن حزم الأندلسي لقيمة العقل وأفضليّته، رغم اشتهاره بالتحقيق ودقّة النظر([13]).

والملفت للانتباه والتأمُّل في أبحاث الأستاذ معرفت أنه في بداية أبحاثه ذهب إلى الاعتقاد بوقوع النسخ في القرآن، وأثبت وقوع النسخ في عشرين آية من بين مجموع الآيات المنسوخة، إلاّ أنه في العقد الأخير من حياته صار إلى إنكار وقوع النسخ الاصطلاحي([14]) في القرآن الكريم.

إن هذا التنوُّع في المواقف والآراء يعكس الحرّية الفكرية والتحقيقية التي يتحلّى بها الأستاذ معرفت، حيث يمتلك شجاعة التخلّي عن رأي دافع عنه لسنوات، ويتبنى موقفاً ورأياً جديداً ومغايراً للرأي السابق تماماً. وفي الحقيقة فإن سماحته قد أدرك في ظلّ التحقيق ودراساته العلمية عدم وجود شاهد على وقوع النسخ في القرآن الكريم، وأن جميع الآيات المنسوخة يمكن حملها على معنى الثابت والمحكم.

من هنا فإننا سوف نقوم في البداية ببيان الرأي الأول للأستاذ معرفت، مع مناقشة مبانيه، لننتقل بعد ذلك إلى التذكير بأدلّته في خصوص إنكار وقوع النسخ في القرآن الكريم.

 

دراسة الرأي الأول للأستاذ معرفت ــــــ