الأسس الكلامية الإسلامية للتغيير

11 مارس 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
703 زيارة

الأسس الكلامية الإسلامية للتغيير

مقاربة لنظرية “السنن التاريخية” عند العلامة محمد باقر الصدر

ريتشارد لوكس [1]

يشكل هذا البحث الذي كتبه عالم الاجتماع الأميركي ريتشارد لوكس Richard Lux ، محاولة معرفية لاستقراء فكرة التغيير التي طرحها العلامة الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه: “السنن التاريخية في القرآن الكريم”. وليس من ريب في أن محاولة كهذه وإن كانت تقترب من أطروحة شائكة كهذه الأطروحة، إلا أنها تكتسب أهمية علمية استثنائية كونها تشكل إحدى أبرز القراءات الغربية المعاصرة في فكر الشهيد الصدر. الى ذلك كما يؤسس الباحث مقالته على النظر الى رؤية السيد الصدر باعتبارها مساهمة عميقة في تفعيل فلسفة التاريخ من وجهة نظر إسلامية. وهو في هذا السياق يبيِّن ثلاثة مدارج للرؤية الصدرية على النحو التالي:

– طبيعة التغيُّر التاريخي بوصفها قانوناً ينطوي على ثوابت وتحولات.

– حضور الإرادة البشرية في التغيير التاريخي، وشروط هذا الحضور.

– التدخل الإلهي في مسار الحضارات البشرية وعنايته بها، من خلال تمكين الإنسان بواسطة العقل والإرادة والإيمان من إحداث التغيير وتحقيق الخلاص ودولة العدل.

وفي ما يلي نص البحث.

(دائرة التحرير والترجمة)

* * * * *

لدى مقاربة المساعي الفلسفية والكلامية عند علماء المسلمين الشيعة، من المرجح أن تتعرض أي محاولة للجمع بين علم الكلام وأي نوع من الفلسفة غير الفلسفة المشتقة من علم الكلام نفسه، إلى عقبات كؤود قد لا يسهل تجاوزها. الأمر ذاته ينطبق على أي علم كلام يجري اشتقاقه من الفلسفة. سبب ذلك يرجع الى عدد من العوامل، لكن الأساسي بينها هو نتيجة الفرضيات المتباينة التي تنبني عليها كل من طريقتي التفكير والاستنباط هاتين. فالفلسفة اليونانية عموماً والأفلاطونية المحدثة خصوصاً تنطلق من فرضيات تم التوصل إليها عبر فترات زمنية طويلة. فقد جرى إنشاء التعاريف والحجج والردود في خلالها ضمن الإطار الذي تطور حتى صار يميز طبيعة هذه المدرسة الفلسفية من تلك؛ أما حين يتم إسقاط هذه المنظومة على نسق فلسفي أو لاهوتي آخر مختلف، فقد يؤدي ذلك إلى تحولات لا مناص منها سواء على مستوى استخدام المفاهيم أو ما يخصُّ الاشتقاقات اللغوية. على سبيل المثال: فإن إثبات الإله والحجج التي يتم من خلالها إثبات وجوده وصفاته في نسق فلسفي وكلامي ما، قد لا يشترك إلا بأقل القليل مع نسق آخر. الأمر ذاته ينطبق على التصور الفلسفي أو الكلامي للإنسان، وكذلك على مفاهيم أكثر تجريدية مثل “التقدم” وسوى ذلك. كذلك قد يكون لدينا مفاهيم معينة في نسق فلسفي وعقائدي تفتقد إلى أي مقابل في نسق آخر، أو حيث يكون التشابه بينها جزئياً فقط.

مع حلول عصر الكندي (توفي عام 866 ميلادية) –إن لم يكن قبل ذلك- كان الفلاسفة المسلمون قد انغمسوا في محاولة بناء فلسفة إسلامية تنطلق من الأعمال الأفلاطونية المحدثة المترجمة إلى اللغة العربية. وبينما نجح الكندي في الحفاظ على أركان عقيدته الأساسية نجد من ناحية بعض الفلاسفة اللاَّحقين، مثل أبي بكر الرازي، قد أخطأوا في فرضياتهم الفلسفية لمّا فتحوا الباب على تهمة الزندقة. من ناحية أخرى نجد مفكرين مثل الغزالي من الذين تراجعوا عن هذا الطريق الشائك بعد محاولات أولية للخوض فيه. كان لهذا التفرُّع أن أدى ببعض الفلاسفة المتأخرين إلى الابتعاد تدريجياً عن محاولة إثبات حججهم من النصوص الإسلامية، مقابل ردة فعل عنيفة مضادة لهذا التوجه بل للفلسفة عموماً.

لربما كان مرد ذلك، إلى أن علم الكلام أو الحجج اللاهوتية الدينية ليست مضطرة إلى الاتساق العقلي التام مع نفسها حتى تكون صحيحة. جلُّ ما كان عليها فعله هو التوافق مع حدود الدين و/ أو النصوص الدينية أو التقاليد والمفاهيم المؤسسة على أركان هذه النصوص. أما مدى الاتساق العقلي أو المنطقي فهو اعتبار ثانوي عارض في هذا المضمار. بالنسبة الى الفلسفة فلديها مجال أوسع لناحية الأسس والتشكيل، بينما هنالك حدود أضيق فيما يتعلق بالاتِّساق. سبب ذلك، أن الفلسفة يمكنها أن تكون أي شيء، فهي بطبيعتها مرنة، ولذلك يمكنها التعرض إلى التفحص والنقد على نحو أكبر مما يستطيعه علم الكلام؛ وعلى هذا الأساس علينا ألا نخلط بين حدود علم الكلام كعلم كلام، والفلسفة كفلسفة حتى لا نفترض في علم الكلام مرونة هو بطبيعته لا يمتلكها، أو ان نفترض في الفلسفة ثباتاً لا يمكنها تحقيقه. لا يعني هذا بالطبع أن النصوص الدينية تناقض نفسها، بل لربما كانت تامة الانسجام مع نفسها، لكن التناقضات تنشأ إذا ما نُظر الى هذه النصوص وفق أسس مفاهيم ومصطلحات أجنبية لتفسر على أساسها.

لقد قام السيد محمد باقر الصدر بمحاولة جادة للانغماس في مضمار التوفيق بين الإسلام والفلسفة. ومن بين الألقاب العديدة التي حازها نتيجة أعماله فيمكننا بكل تأكيد أن نسميه: فيلسوفاً إسلامياً حديثاً بامتياز. لم يقم السيد الصدر بمحاولة لتقديم تفسير كامل للقرآن الكريم، ولكن بالمقابل أدت  محاولاته في هذا الاطار، والتوفيق بين الإسلام والحداثة والخطاب غير الإسلامي، إلى حلبة الفلسفات العالمية لا محالة، وما نجح فيه إنما جاء نتيجة الحدود التي رسمها لنفسه في استخدام النصوص الدينية في بناء الحجج التوفيقية التي سعى إليها.

فلقد اختار السيد محمد باقر الصدر طوعاً إبراز الفلسفة الإسلامية وجعلها موضوع محورياً في أكثر أعماله تفصيلاً، مثل عمله المشهور: “فلسفتنا” وعمله الآخر الأكثر كثافة في مادته وصعوبة في فهمه: “جواهر الأصول”، والذي لم ينشر إلا بعد وفاته.

إشكالية الميتافيزيقا الجبرية

قد يكون الثوريون معقَّدي التفكير في بعض الأحيان، وقد يكونون بسطاء العقول أو يائسين، ومن وجهٍ آخر قد يكونون منظمين، أو عنيفي الوسائل، وربما يتبعون في كل هذا وذاك وسائل خفية غير ظاهرة. ولكن، وبغض النظر عما سبق، يشترك الثوريون جميعهم في إيمانهم بإمكانية التغيير، وبالتزامهم بتحقيق ذلك التغيير. ليس هذا الإيمان محصوراً بمعناه الإيماني المجرد، بل بإمكانية تنوع نتائج أعمالهم. والأهم من ذلك إيمانهم بقدرة الإنسان على العمل وتأثير عمله على نتائج الأمور المتوقعة. بدون هذا الإيمان لا توجد ثورة أصلاً، وما ثمة “تحرير” إلا بتدخل مباشر من السماء. ما الذي تقدر أيدي الناس على فعله إذا أمسكت بالسيف أو البندقية أو حتى القلم؟ وهل يمكنها أن تغير كل شيء في هذا البحر الموَّاج الحافل بالاضطراب بين الأفعال وردود الأفعال. ثم ما الذي يمكن فعله في فضاءات تمتزج فيه الأشياء المتضادة المتباينة بين نورها وظلمتها الذي نسميه “الواقع”؟ بل هل يمكن للإنسان، بعد سيل هائل من التقلبات والتبدلات، أن يغير نفسه؟

من النادر على الحكام وأصحاب السلطة أن يضيِّعوا فرصة التوظيف الإجتماعي والسياسي لمفاهيم مثل “القضاء والقدر” كتجليات للإرادة الإلهية لصالحهم، سواء في مفاهيم مثل “حق الملوك الإلهي” في أوروبا القرون الوسطى، أو مفهوم “مرسوم السماء” في الصين، أو النزعات الجبرية التي شهدت مداً وجزراً في العالم الإسلامي. إن هذه المفاهيم تؤمن موقع الحاكم وتمهد الطريق أمام “الرعية المرَّوضة”، خاصة إذا ما اقتنعت الجماهير أن حاكمها إن لم يكن قد نال موقعه بناء على أساس الحق الشرعي، فعلى الأقل حصل عليه بموجب “مرسوم السماء”، وبالتالي فإن أي محاولة لإسقاطه أو اغتياله أو التخلص منه بأي شكل من الأشكال لن تكون مجرد ثورة على “السلطة الأرضية”، بل على الله نفسه. كما يستحيل على الإنسان أن يضاد “الإرادة الإلهية” ولذا فإن من يملك من الحماقة ما يجعله يرغب في ذلك فإنه لن يتعرض للدمار الدنيوي فحسب، بل لعذاب أبدي في الآخرة. لكن التاريخ الإنساني يحفل بأمثلة حية على انقلابات على الدولة واغتيالات وثورات تشير إلى كون شريحة من المجتمع على الأقل لم تفهم “الإرادة الإلهية” على أنها مجرد مفهوم يتيح المجال أمام الطغاة كي يناموا قريري البال في قصورهم من دون انتباه إلى حاجات رعاياهم وآلامهم ومصادر قلقهم.

لقد شهد القرن العشرون ثلاث ثورات كبرى على الأقل: الثورة السوفيتية (1917)، والثورة الصينية (1919 و1949 ثم 1966-1976) وثورة إيران الإسلامية (1978)؛ وفيها لم يعتقد لينين أن قيصر روسيا يحكم بأمر السماء، بل رأى فيه مجرد سفاك للدماء، أما ماو تسي تونغ فقد اعتبر تشانغ كاي شك والكومنتانغ وحليفهم الرئيسي: الولايات المتحدة، بل والإمبراطور السابق وحتى كونفوشيوس كامتدادات للطبقة الاستغلالية ذاتها؛ أما آية الله الخميني فلم يتبنَ قط اللقب المفخم الذي أضفاه محمد رضا بهلوي على نفسه: “شاهنشاه” (ملك الملوك).

إن ما يجمع الثوريين في كل مكان، هو أنهم يرون الوضع الراهن كإشكالية، وكون هدفهم هو قلبه رأساً على عقب، وكثيراً ما يكون ذلك من دون دون النظر إلى ما يمكن أن يحل محله. ومن أوجه قلب الوضع الراهن إثبات خطأ، إن لم نقل اقتلاع المعتقدات التي تتبناها الفئة المتنفعة من “المرسوم السماوي” المثبت للوضع الراهن والمفروض على الناس.

ثمة طرائق كثيرة تقود الناس إلى ما قد يسمى بـ”تصور جبري” للكون. بعض هذه الطرائق ديني قائم على نُسُقٍ كلامية لاهوتية وبعضها الآخر يعود إلى مدارس معاصرة في علم النفس السلوكي التي تختصر الإنسان في “كائن حي” لا يملك من أمره شيئاً إلا آليات الاستجابة للمحفزات من حوله، لا يختلف بذلك عن “جرثومة الأميبا”، اللهم إلا بمقدار تعقيد تركيبته وإن كان معادلاً لها في مستواه الوجودي والتي منها مدرسة علم النفس السلوكي الأميركية التي أسس لها سكينر وزملاؤه، والذين لم يروا في الإنسان إلا ردود فعل أوتوماتيكية بحسب آلية اتخاذ القرارات “المركبة” داخله، أي مجرد مجموعة من التشابكات العصبية و”آلات البث” الكهرو-كيميائية التي لا يمكنها إلا أن تستجيب للمحفِّزات بطريقة محددة تنتج عن “بنية الإنسان العقلية البيولوجية”. وبالتالي فمن الممكن لنا – بناء على هذه النظرة- التنبؤ بسلوكيات الإنسان وأفعاله “المجبور عليها” والمقررة له سلفاً في عين تركيبه البيولوجي الناجم عن الموروث الجيني والعوامل البيئية. كذلك يمكن للناس الوصول إلى نظرة جبرية للعالم إذا ما فهموا إحاطة قدرة الله وسعة علمه بأنهما يلغيان دور الفعل الإنساني إلغاءً تاماً.

لكن حتى في هذه النماذج الجبرية يظل لدينا بعض النتائج الأخلاقية والعقائدة والفلسفية “غير المرغوب بها”. وهي النتائج التي لا يمكننا دعم وجودها على أساس الجبر. في سياق مدرسة علم النفس السلوكي ستؤدي بنا هذه الإدعاءات الجبرية إلى إلغاء الفرق العلمي بين قوى الإنسان العقلية والإدراكية العليا وغرائزه وشهواته السفلى. كذلك علينا –على المستوى الأخلاقي- أن نقر ضمناً جميع ضروب الجموح الشهواني والإجرامي والأناني التي يقدر الإنسان على ارتكابها. أما في السياق الديني، فبالإضافة إلى إلغاء فكرة الاختيار التي يقوم عليها التكليف بالشرائع أصلاً فإن الجبر يعني منع الناس عن اتخاذ أي عمل سياسي ضد الهيكلية الطبقية الموجودة، وعلى تقبل حتى أكثر ضروب الحكم فساداً على أنها مفروضة إلهياً على الناس.

وبالطبع فقد جرت محاولات عدة لـ”معالجة” هذه النتائج السلبية، وهو ما سيتطرق اليه السيد باقر الصدر في أعماله الفلسفية والمنطقية. ففي حالة الفلسفة المادية رفضت الماركسية منطق الجبرية السلوكية، ذلك لأنها –وكما هو واضح- تتعارض مع أبسط مبادئ الماركسية حول صراع الطبقات وشروط التغيير الثوري، وقد فعلوا ذلك عبر التسويغ للوعي الإنساني وتمثيله كنتاج للمباني التاريخية والحضارية وكأداة للغة. أما في السياق الإسلامي فقد حاول المعتزلة البرهنة على عدل الله وتوحيده عبر تقرير قدرة الإنسان على الفعل، فهو يتحمل مسؤولية فقد أفعاله، وفي بعض الحالات المتطرفة، حتى لو كان ذلك على حساب علم الله الأزلي بالأشياء وقدرته عليها. بالطبع أدى ذلك إلى قراءة مختلفة –إن لم نقل مشكلة- لمفهومي القضاء والقدر وأثرهما.

ليس علينا هنا أن نعالج جميع أوجه علم الكلام أو الميتافيزيقا الجبرية، بل سنكتفي فقط بمعالجة كيفية تطبيقها على مجالين: المجال المتعلق بالإشكاليات الأخلاقية، والآخر –وهو إلى حد ما امتداد للأول- كيفية تعلُّقه بالتغيير سواء أكان ثورياً أم لا.

النموذج العبقري عند الصدر

إن رسالة السيد محمد باقر الصدر: “السنن التاريخية في القرآن”، لافتة للنظر بقدر ما هي قصيرة. فلقد حاول أن يصل إلى حل –في الإطار الإسلامي طبعاً- للمشكلة الكلامية القديمة المتعلقة بالقضاء والقدر وحرية الإنسان. ولربما كان الاختصار الذي امتاز به تصوره في هذا العمل هو سبب نجاح نموذجه المرسوم فيه.

ولكن قبل دراسة آليات هذا النموذج وطريقة الصدر الممتازة في عرضها، من المهم أن نأخذ بعين الاعتبار الهدف العام الذي يسعى هذا الجهد إلى تحقيقه؛ فهذه الرسالة في الأساس هي إسلامية في أساسها ومنظورها يدور حول طبيعة التغير التاريخي حين تتزاوج الإرادة الإنسانية مع توجهات غائية نحو مثال أعلى في العقل الإنساني. وبهذا يصبح تغيير مسار التاريخ ممكناً، ويشكل هذا بحد ذاته “سنَّة إلهية” هي في نفس الآن السنَّة التاريخية. باختصار شديد، إن عمل الصدر الفريد هذا يتركز على فهم معضلة التغيير في علم الكلام الإسلامي. وهكذا يبدأ الصدر عمله من دون كثير مناقشة للسنن الإلهية التاريخية هذه والنظريات حولها ومصادرها وتطوراتها.

والموضوع الأول الذي سوف نختارهمما أفدنا منه من كتاب “سنن التاريخ في القرآن الكريم” يتعلق بالأسئلة التالية: هل للتاريخ البشري سنن وقوانين في مفهوم القرآن الكريم تتحكم في مسيرته وفي حركته وتطوره؟ ما هي هذه السنن؟ كيف بدأ التاريخ البشري؟ كيف نما؟ كيف تطوَّر، وما هي العوامل الأساسية في نظر التاريخ؟ ما هو دور الإنسان في عملية التاريخ؟ وبالتالي، ما هو موقع السماء أو النبوة على الساحة البشرية؟[2]

يعكف السيد الصدر على الأجوبة، ليصف سنن التاريخ هذه بأنها مشتقة من القرآن نفسه، سواء من حيث أهمية آياته، أو من حيث الاصطلاحات المستخدمة لتوصيفها. لذا يبدأ بإيضاح وجهين أو اعتبارين لهذه السنن، الأول يتعلق بالله تعالى فقط، ولذلك فهو “فوق” منظور التاريخ، أما الثاني فهو مرتبط بالبشر وتالياً بالمساعي الإنسانية القائمة على الإرادة والاختيار، يقول في هذا الصدد:

… “القرآن الكريم ليس كتاباً كسائر الكتب، ولم يقدم نفسه ليجمِّد في الإنسان طاقات النمو والإبداع والبحث، وإنما هو كتاب هداية. لكن مع هذا يوجد فرق جوهري بين الساحة التاريخية وبقية ساحات الكون. هذا الفرق الجوهري يجعل من هذه الساحة ومن سننها أمراً مرتبطاً أشد الارتباط بوظيفة القرآن ككتاب هداية، وذلك خلافاً لبقية الساحات الكونية الأخرى للمعرفة البشرية. ومع أن القرآن الكريم كتاب هداية إلا أنه يختزن عملية تغيير عُبِّر عنها في الآيات بإخراج الناس من الظلمات إلى النور. وعملية التغيير هذه فيها جانبان: الجانب الأول: جانب المحتوى والمضمون، في ما تدعو إليه هذه العملية التغييرية من أحكام ومناهج وما تتبناه من تشريعات. وهذا الجانب من عملية التغيير هو جانب رباني سماوي يمثل شريعة الله سبحانه التي نزلت على النبي محمد (ص) وتتحدى بنفس نزولها كل سنن التاريخ المادية، لأن هذه الشريعة كانت أكبر من الجو الخاص الذي نزلت فيه، ومن البيئة التي حلت فيها، ومن الفرد الذي كلف بأن يقوم بأعباء تكليفها.

الجانب الثاني: عملية التغيير التي أطلقها النبي (ص) وأصحابه الأطهار. هذه العملية ينبغي أن تُلحظ بوصفها عملية اجتماعية متجسدة في جماعة من الناس هم النبي والصفوة من الصحابة، وبوصفها عملية واجهت تيارات اجتماعية مختلفة من حولها واشتبكت معها في ألوان من الصراع والنزاع العقائدي الاجتماعي والسياسي والعسكري. حينما تؤخذ هذه العملية التغييرية بوصفها تجسيداً بشرياً واقعاً على الساحة التاريخية، ومترابطاً مع الجماعات والتيارات الأخرى التي تكتنف هذا التجسيد، والتي تؤيد أو تقاوم هذا التجسيد، من هذه الزاوية تكون عملية بشرية، حيث يكون هؤلاء أناساً كسائر الناس تتحكم فيهم إلى درجة كبيرة سنن التاريخ التي تتحكم في بقية الجماعات وفي بقية الفئات على مر الزمن.

إذن، عملية التغيير القرآنية التي مارسها النبي (ص) ذات وجهين كما يبين السيد باقر الصدر: أولاً، من حيث صلتها بالشريعة وبالوحي هي ربانية، فوق التاريخ؛ وثانياً، من حيث كونها عملاً قائماً على الساحة التاريخية، أو من حيث كونها جهداُ بشرياً يقاوم جهوداً بشرية أخرى تعتبر عملاً تاريخياً تحكمه سنن التاريخ، وتتحكم به الضوابط التي وضعها الله سبحانه لتنظيم ظواهر الكون في هذه الساحة المسماة بالساحة التاريخية… لذا لا تتخيلوا – كما يذكر الصدر- أن النصر حق إلهي لكم، وإنما النصر حق طبيعي لكم، بقدر ما يمكن أن توفروا الشروط الموضوعية لهذا النصر بحسب السنن والشروط المنطقية التي وضعها الله سبحانه كونياً لا تشريعياً… فالكلام هنا كلام مع بشر، مع عملية بشرية لا مع رسالة ربانية. بل ان القرآن الكريم يذهب إلى أكثر من هذاـ يهدد هذه الجماعة البشرية التي كانت أنظف وأطهر جماعة على مسرح التاريخ باستبدالها بغيرها ما لم تقم بدورها التاريخي، أو إذا لم تكن على مستوى مسؤولية رسالة السماء. هذا لا يعني أن تتعطل رسالة السماء، ولا يعني أن تسكت سنن التاريخ عنهم، بل ثمة عملية تغيير تتم عبر عملية الاستبدال الإلهي للجماعة البشرية المقصَّرة. إن سنن التاريخ سوف تعزل تلك الجماعة، وسوف تأتي بأمم أخرى تهيأت لها الظروف الموضوعية الأفضل كي تلعب هذا الدور لكي تكون شهيدة على الناس إذا لم تتهيأ لهذه الأمة الظروف الموضوعية لهذه الشهادة: “إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)” (سورة التوبة 39) “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)” (سورة المائدة: 54).

إذن، فالقرآن الكريم إنما يتحدث من خلال هذا الوجه الثاني في عملية التغيير، مع البشر في ضعفه وقوته، في استقامته وانحرافه، في توفر الشروك الموضوعية له وعدم توفرها[3].

إن ما صاغه الصدر هنا، بالإضافة للكلمات التي اختارها، ومع أنه مستمد من القرآن مباشرة إلا أن مضامينه راديكالية بكل معنى الكلمة. وما أعنيه براديكالية هو أن الذين كانوا سيتوصلون إلى هذه النتائج المنطقية من هذه الآيات القرآنية لا يتجاوزون القلة اليسيرة. أي القول بأن المسؤولية الإنسانية القائمة على تكليف الإرادة البشرية إنما يشمل حتى النبي وأصحابه؛ أي في سياق إيصال “الرسالة السماوية” التي تقول ان الناس إذا فشلوا في إيجاد الظروف الموضوعية المؤدية للنصر وإيصال الرسالة، فمن المتصور أن تؤخذ الرسالة منهم وتعطى مسؤولية تبليغ الإسلام إلى مجتمع آخر. بالطبع يظهر التاريخ أنهم نجحوا آخر الأمر، ولكن التكليف الوارد في الآيات يشير إلى أن هذا –وعلى الأقل بالنسبة لمتلقِّي الرسالة- لم يكن أبداً أمراً مفروغاً منه خاصة أنه يعتمد على صراع الإنسان مع نفسه ومع الآخرين. وبالطبع فإن المضمون الأكبر لهذه النظرة، هو أن التاريخ حمّال أوجه بالنسبة إلى البشرية جمعاء؛ يتماهى هذا مع طبيعة القرآن الجوهرية ككتاب هداية يسعى إلى إخراج الناس “من الظلمات إلى النور”، أي إنه ببساطة: كتاب تغيير.

وعلى ما أورده السيد الصدر، فإن التاريخ الإنساني قابل لمجموعة مميزة للغاية من السنن المتعلقة باجتماع الإرادة الإنسانية مع الجهد الموجَّه نحو هدف مستقبلي. ولعل أحد أبرز وجوه هذه النظرية هي أن النصر أو الهزيمة في جميع مساعي الإنسان يعتمد على توفير الإنسان “الشروط الموضوعية”، أو الظروف الموضوعية لتحقيق مسعاه.

آلية السنن بين الإلهي والطبيعي

يقول الصدر عن كتابه “السنن التاريخية في القرآن” بأنه عمل قصير في التفسير الموضوعي، ويعالج موضوعاً واحداً ومحدداً في القرآن، هو بالأساس نموذج لنظرية تاريخية بالإضافة إلى ضرب من ضروب علم نشأة الكون؛ فالله تعالى خلق الكون وجعله قائماً على مجموعة غير محددة العدد من “السنن الكلية” أو “الطبيعية” تساوق جميع القوانين الطبيعية التي توصلت إليها الفيزياء والكيمياء وعلوم التشريح وجميع العلوم الطبيعية الأخرى وتتجاوزها. وكذلك ثمة سنن محددة تحكم سير تاريخ الإنسان، أسماها السيد الصدر: “السنن التاريخية” أو “سنن التاريخ”. تتميز هذه السنن عن غيرها بناحيتين: الأولى: تعلقها بأفعال الإنسان الموجهة نحو هدف أو غاية لم تتحقق بعد، هذا يجعلها نتاجاً للاتحاد بين الفكر والإرادة؛ والثانية: هي أنها بخلاف الظواهر الطبيعية –مثل غليان المياه عند درجة حرارة 100 مئوية- والتي تمثل علاقة بين سابقة أو سبب في الماضي أدى إلى نتيجة في الحاضر. لذا فإن السنن التاريخية إنما هي نتيجة “الوجود الذهني”، وما يتسبب بها هو ذلك الهدف المستقبلي الذي لم يوجد بعد. وإذن، فهي تمثل علاقة تقدمية غائية مع الهدف المستقبلي بدلاً من علاقة سببية مع أمر حصل في الماضي القريب أو البعيد؛ ولا بد أن يكون لذلك أثر اجتماعي خارج منظور الفرد حتى يمكننا أن نصنف ظاهرة ما على أنها “سنة تاريخية”. ما يعنيه هذا التقرير الفلسفي أن الفرد يمكنه أن يتصرف على أساس “غاية لم تتحقق بعد” قد تكون ببساطة أن يسعى رجل عطشان إلى شرب الماء، ولكن هذا لا يجعل من هذا التصرف “سنة تاريخية” لأن “موجة” هذا الفعل لا تتجاوز هذا الفرد إلى فرد آخر ناهيك عن المجتمع ككل. بخلاف هذا لدينا التاجر الذي يبيع المعدات في السوق، أو القائد العسكري الذي يقود جنوده إلى القتال، فهذه قد تعتبر “سنناً تاريخية” لأن امتداد التأثير ينبسط إلى أشخاص آخرين، والتاريخ كله يتحرك وتتوجه دفته بهذه السنن الموجودة في ما أسماه السيد: “المحتوى الداخلي” للإنسان، وهذا بدوره يشكل الأساس الذي يقوم عليه المجتمع: فإذا كان البناء الداخلي في الفرد سليماً وسوياً فسوف يكون البناء الخارجي في المجتمع بدوره سليماً وسوياً.

تعمل السنن التاريخية بالترافق مع السنن الطبيعية، لذا يمكن لبعض السنن التاريخية، ان تؤدي إلى حصول سنن كلية أو طبيعية أخرى، ويمكن لهذه الأخيرة أن تكون لها نتائج إيجابية أو سلبية للإنسان، فالله تعالى يُظهر قدره من خلال سننه هذه، بل يمكن القول إن عمل هذه السنن هو عمل القدر نفسه.

ان ما ينتج عن هذه النظرية هي أن الإنسان يشكل أفكاره وأهدافه، وبالتالي أفعاله، على أساس غايته، أو ما أسماه السيد الصدر: “مثله العليا”. قد تكون هذه المثل هي الله تعالى نفسه، أو قد تكون الشر، أو قد تكون الكسب الدنيوي، ولذلك يتوجب على المسلم أن يقوم بالجهاد الأكبر، جهاد النفس، حتى يستوثق من أن محتواه الداخلي متوجه إلى الله تعالى وليس إلى الحياة الدنيا. على جميع الأحوال فليس بالكافي أن يغير فرد أو فردان أو عدد محدود من الأفراد محتواهم الداخلي ليؤثروا في التاريخ، بل يتطلب الأمر عدداً كافياً من الأفراد من أصحاب العقليات المتشابهة، أن يعملوا سوية ليؤثروا في مجتمع كامل من الناس وبالتالي ليغيِّروا مسار التاريخ.

في المقطع قبل الأخير من كتابه، يعطينا السيد الصدر تلخيصاً مثيراً للاهتمام حول الماركسية، وتحليلاً للإشكاليات الإنسانية الجوهرية؛ بحسب ما قاله الصدر، فقد كان ماركس محقاً في عدد من ملاحظاته الأساسية، ولكنه فشل في توسعة فئات التناقضات التي رآها، إلى ما هو أبعد من صراع الطبقات، كما فشل في التحرر من وجهة نظره المتمركزة على أوروبا. الى هذا بدا أن السيد كان يمهد الطريق أمام ما أورده الإمام الخميني لاحقاً حول أن الصراع الإنساني يمكن له أن يلخص بالصراع بين المستضعفين والمستكبرين، ولكن المصطلحين اللذين استخدمهما السيد الصدر كانا: المستضغف والقوي. كما يبدو من الواضح أن تفكيره في هذا الشأن يطابق آراء الخميني حول الفضاء المعرفي للتغيير التاريخي من وجهة نظر القرآن الكريم..

يؤكد السيد الصدر هنا أن تفسير التاريخ كما ورد في القرآن هو الأول من نوعه، وأن جميع المحاولات التالية لفهم التاريخ لم تكن إلا محاولات لتبيان وجود هذه السنن التي لا تتغير ولا تتبدَّل، أو لشرح طريقة عملها، فكتب قائلاً:

من مجموع هذه الآيات الكريمة، يتبلور المفهوم القرآني الذي أوضحناه، وهو تأكيد القرآن على أن الساحة التاريخية لها سنن ولها ضوابط، مثلما هناك سنن وضوابط لكل الساحات الكونية الأخرى. وهذا المفهوم القرآني يعتبر فتحاً عظيماً للقرآن الكريم… ذلك لأننا في حدود ما نعلم أن القرآن أول كتاب عرفه الإنسان أكد على هذا المفهوم وكشف عنه وأصر عليه، وقاوم بكل ما لديه من وسائل الإقناع والتفهيم النظرة العفوية أو النظرة الغيبية الاستسلامية في تفسير الأحداث. الإنسان الاعتيادي كان يفسر التاريخ بوصفه حزمة متراكمة من الأحداث، يفسره على أساس الصدفة تارة، وعلى أساس القضاء والقدر والاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى تارة أخرى. القرآن الكريم قاوم هذه النظرة العفوية الاستسلامية ونبَّه العقل البشري إلى أن هذه الساحة ذات سنن وقوانين. ولكي تستطيع أن تكون إنساناً فاعلاً مؤثراً لا بد لك أن تكتشف هذه السنن، وتتعرف على هذه القوانين حتى تتمكن من أن تتحكم فيها وإلا تحكمت هي فيك وأنت مغمض العينين. افتح عينيك على هذه القوانين لكي تكون أنت المتحكِّم فيها وليس العكس[4].

فإذن، من حيث الوظيفة التي تحملها السنن عموماً والسنن التاريخية خصوصاً فإن هذه النظرية تجعل الإسلام، والقرآن، على علاقة متسقة مع القراءة المادية للتاريخ؛ أو –كما أكد السيد الصدر- فإن القرآن يستبق ويتوقع ويؤكد على قراءة للتاريخ تشابه معها ما أصبح يعرف لاحقاً بـ”المادية التاريخية أو الديالكتيكية”. لذلك تلعب السنن التاريخية دوراً مزدوجاً: فمن ناحية هي تتيح المجال أمام المسلمين كي يقوموا بقراءة “علمية” لجميع الأحداث التي يمكن لها أن تستوعب فقط من خلال “العقل”، كما تحل إشكالية كلامية كبرى هي مفهوم القضاء والقدر على أنه عمل إرادة الله والتي تجري ببساطة عبر ظواهر و”قوانين” موضوعية قابلة للرصد في الكون بدلاً من أن تلعب وظيفة تتطلب تفسيراً غيبياً. أما الدور الثاني والأهم فهو أنه من الواضح أن المراد بهذه النظرية هو توجيه المسلمين إلى العمل في المستوى والمجالات والتوجهات ذاتها التي تشغل الماديين؛ إذ توضح هذه النظرية أن نجاح الماديين (المراد بهم هنا: “الغربيين”) وخاصة في المجال العلمي التكنولوجي هو نتيجة رصدهم الصحيح وتحكمهم بهذه السنن؛ وبينما كان ابن خلدون سباقاً لهذا الفهم، فقد “ضيع” المسلمون جهده بينما قامت المدارس الأوروبية بالتوصل عبر جهودها إلى هذه السنن والقوانين ذاتها التي والتي –بحسب وجهة النظر هذه- ليست إلا ما أعلنه القرآن ودعا إليه. فما يقوله السيد الصدر هنا باختصار أن المدرسة المادية توصلت إلى النتائج ذاتها التي أخبر عنها القرآن، والتي كاد ابن خلدون أن يتوصل إليها في نظريته حول التاريخ.

ميدان السنة التاريخية وأبعادها الثلاثة الضرورية

يميز السيد الصدر بشكل واضح في “السنن التاريخية للقرآن” بين مجالات التاريخ الكلية وبين مجال محدد يسميه: “ميدان السنن التاريخية”. وهذه التفرقة كما يوضح تعود إلى أن المؤرخين يشغلون أنفسهم بالأحداث والحالات التي تحيط بها كامل دائرة التاريخ، ولكن قسماً من هذه الأحداث تعود إلى سنن أخرى غير السنن التاريخية، مثل الفيزياء وعلم التشريح وغيرها من السنن الطبيعية والكلية. يسأل السيد هنا: ما هو ميدان هذه السنن التاريخية؟

في جوابه يبيِّن الصدر بأن هذه السنن تجري على الساحة التاريخية، لكن هل أن الساحة التاريخية بامتدادها هي ميدان للسنن التاريخية، أو أن ميدان السنن التاريخية يمثل جزءاً من الساحة التاريخية، بمعنى أن الميدان الذي يخضع للسنن التاريخية بوصفها قوانين ذات طابع نوعي مختلف عن القوانين الأخرى الفيزيائية والبيولوجية والفلكية. هذا الميدان الذي يخضع لقوانين ذات طابع نوعي هو ميدان مختلف،  فهل تتسع له الساحة التاريخية؟ هل يستوعب كل الساحة التاريخية أم يعبر عن جزء منها؟

لكن قبل الجواب الناجز ينبغي أن نعرف ماذا نقصد بالساحة التاريخية؟

الساحة التاريخية هي عبارة عن الدائرة التي تحوي تلك الأحداث والقضايا التي يهتم بها المؤرخون. فهل أن كل هذه الحوادث والقضايا التي يربطها المؤرخون تدخل في نطاق مهمتهم التاريخية والتسجيلية محكومة بسنن التاريخ ذات الطابع النوعي المتميز عن سنن بقية حدود الكون والطبيعة، أم أن جزءاً معيناً من هذه الحوادث هو الذي تحكمه سنن التاريخ؟

الصحيح أن جزءاً معيناً من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ، هناك حوادث لا تنطبق عليها سنن التاريخ بل تنطبق عليها القوانين الفيزيائية أو قوانين الحياة أو أي قوانين أخرى لمختلف الساحات الكونية الأخرى[5]. ذلك بأن السنن التاريخية بحسب السيد الصدر تتميز عن غيرها بأنها تتعلق بميدان الأهداف أو الغايات الإنسانية، أي ميدان الإرادة الإنسانية. وبخلاف غيرها من السنن فإن سببها هو تلك الغاية، وهي أمر مستقبلي. أما القوانين الأخرى فتحكمها أحداث وأسباب في الماضي، فسبب السنن التاريخية يتعلق بالمستقبل، وسبب السنن الأخرى يرتبط بالماضي، ويتماهى هذا مع ما أسماه أرسطو: العلة الغائية والتي أشار السيد الصدر إليها في سياق تأصيله للأسباب المؤدية لظواهر التاريخ وأحداثه:

وهكذا فإن العلاقة التي يتميز بها العمل الذي تحكمه سنن التاريخ هو أنه عملٌ هادفٌ، ويرتبط بعلة غائية سواء كانت هذه الغاية صالحة أو مذمومة، نظيفة أو غير نظيفة. وهذه الغايات التي يرتبط بها هذا العمل الهادف المسؤول تؤثر من خلال وجودها الذهني في نفس العامل لا محالة، فتمنحه بذلك من الطموح والتطلع المستقبلي ما يستطيع معه أن يجسد ذلك الوجود الذهني حقيقة خارجية. إذن المسستقبل أو الهدف الذي يشكل غاية النشاط التاريخي يؤثر في تحريك النشاط وفي بلورته من خلال الوجود الذهني، أي من خلال الفكر الذي يتمثل فيه الوجود الذهني للغاية، حينئذ يؤثر في إيجاد هذا النشاط.

إذن، لقد حصلنا الآن على مميز نوعي للظاهرة التاريخية غير موجود بالنسبة إلى سائر الظواهر الأخرى على ساحات الطبيعة المختلفة، وهذا المميز يتمثّل بظهور علاقة فعل بغاية، ونشاط بهدف، بحسب التعبير الفلسفي. كون المستقبل يحرك هذا الفعل من خلال الوجود الذهني، أي الفكر الذي يرسم للفاعل غايته. وإذن،فموضوع السنن النوعية للتاريخ هو ذلك الجزء من الساحة التاريخية الذي يمثل عملاً له غاية، عملاً يحمل علاقة إضافية إلى العلاقات الموجودة في الظواهر الطبيعية، وهي العلاقة بالغاية والهدف، وبالعلة الغائية[6].

بعد هذا التوضيح، ينتقل السيد الصدر إلى النقطة الأخيرة التي تميز السنن التاريخية عن غيرها، فبالإضافة إلى كونها ينبغي أن تجد جذورها في الهدف، فإن عليها أن تؤثر في المجتمع وليس في الفرد فقط، يجب أن يكون لها “أثرٌ مَوْجيٌ” يمتد من فرد إلى آخر لتحويل العلة الغائية إلى فعل في الحاضر، ويجمع البشر سوية في ارتباط اجتماعي توجهه هذه العلة الغائية.

ليس معنى ذلك بالضرورة – كما يلاحظ الصدر- أن يكون كل عمل له غاية هو عمل تاريخي تجري عليه سنن التاريخ، بل يوجد بعد ثالث لا بد أن يتوفر لهذا العمل لكي يكون عملاً تحكمه قوانين التاريخ. البعد الأول كان السبب، والبعد الثاني كان الغاية “الهدف، وأما البعد الثالث فهو أن يكون لهذا العمل أرضية تتجاوز ذات الفرد العامل إلى المجتمع الذي يكون هذا الفرد جزءاً منه… [فالأعمال التي تدخل ضمن السنن التاريخية] ذات مواجٍ يتعدى شخص العامل، وهذا المواج يتخذ من المجتمع أرضية له، ويمكننا أن نستعين بمصطلحات الفلاسفة فنقول: المجتمع يشكل علة مادية لهذا العمل. كما علينا ان نتذكر من مصطلحات الفلاسفة، التمييز الأرسطي بين العلة الفاعلية والعلة الغائية والعلة المادية، هنا نستعين بهذه المصطلحات لتوضيح الفكرة. يعني أن المجتمع باعتباره أرضية للعمل يشكل علة مادية له. في حالة من هذا القبيل يعتبر هذا العمل عملاً تاريخياً، بل ويعتبر عملاً للأمة وللمجتمع، وإن لم يكن المباشر في جملة من الأحيان إلا فرداً واحداً أو عدداً من الأفراد… إذن العمل التاريخي هو العمل الذي يكون حاملاً لعلاقة مع هدف وغاية ويكون في الوقت نفسه، عملاً يستند الى أرضية أوسع من حدود الفرد، حيث يتخذ من المجتمع علة مادية له، وبهذا المعنى يصبح عمل المجتمع[7].

أشكال السنن التاريخية الثلاث

بعدما عرَّف السيد الصدر المكونات الأساسية للسنن التاريخية، تابع ليبين الأشكال الثلاثة الرئيسية التي تتخذها هذه السنن في القرآن وفي الواقع. أول هذه الأشكال هي القضية الشرطية التي هي الرابط الثابت السببي والناتج عن وجود سبب سابق أو شرط مسبق، ونتيجته التي لا مناص من حصولها. ففي كل مرة يحصل السبب لا بد وأن يتأتى ذلك عن مسبِّب.

لذا فإن الشكل الأول للسنة التاريخية هو شكل القضية الشرطية، وفي هذا الشكل تتمثل السنة التاريخية في قضية شرطية تربط بين حادثتين أو مجموعتين من الحوادث على الساحة التاريخية، وتؤكد العلاقة الموضوعية بين الشرط الكلي والجزء، وأنه متى تحقق الشرط الكلي تحقق الجزئي… مثل هذه القوانين تقدم خدمة كبيرة للإنسان في حياته الاعتيادية، وتلعب دوراً عظيماً في توجيهه، لأن الإنسان في إطار تعرُّفه على هذه القوانين يصبح بإمكانه أن يتصرف. إذن فالقانون الموضوع بصيغة القضية الشرطية هو موجِّه عملي للإنسان في حياته… [حتى] يتصرف إزاء هذا القانون بوعي واختيار وإرادة. نفس الشيء نجده في الشكل الأول من السنن التاريخية القرآنية، فإن عدداً كبيراً من السنن هذه في القرآن قد تمت صياغتها على شكل القضية الشرطية التي تربط ما بين حادثتين اجتماعيتين أو تاريخيتين… فمثلاً الآية الكريمة: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، ومرجع هذا المفاد القرآني إلى أن هناك علاقة بين تغييرين: بين تغيير المحتوى الداخلي للإنسان وبين الوضع الظاهري للبشرية، ومتى ما وجد ذلك التغيير في أنفس القوم وجد هذا التغيير في بناء القوم وكيانهم[8].

الشكل الثاني من هذه السنن هي تلك التي تحتوي أساس ما يعتبره الصدر بـ: “توهم التعارض” عند الأوروبيين بين وجود سنن تاريحية وافتراض إرادة حرة لدى الإنسان، وهذا الشكل الثاني هو ما يسميه: القضية الفعلية الناجزة المحققة. مثلاً يمكننا التنبؤ بكسوف شمس أو خسوف قمر في يوم محدد، واللغة التي يستخدمها علماء الفلك هي لغة الاحتمال الرياضي أو ما يشبه اليقين، لأنها بالرغم من أنها لم تحصل بعد، فإنها ستحدث. والفرق بينها وبين الشكل الأول من السنن التاريخية هو أن الشكل الأول يتطلب أسباباً سابقة لحدوثه والتي يمكن للإنسان أن يوفرها، أما الثاني فلا يقوم على أساس الأسباب السابقة ولا يمكن للإنسان أن يقدم أسباباً تجعله يحدث أو يمنعه من الحدوث، وهنا يوضح السيد الصدر تماهي هذا الشكل الثاني مع الأول إذ يقول:

حينما يحتل إبداع الإنسان واختياره موضوع الشرط في القضية الشرطية، تصبح السنّة التاريخية متلائمة تماماً مع اختيار الإنسان، بل إن هذه السنّة حينئذ تزيد الإنسان اختياراً وقدرة وتمكناً من التصرف في موقفه عيناً؛ كما في القانون الطبيعي حيث يزيد من قدرة الإنسان على التحكم في الغليان بعد أن عرف شروطه وظروفه، كذلك السنن التاريخية ذات الصيغ الشرطية التي هي في الحقيقة ليست على حساب إرادة الإنسان، وليست نقيضاً لاختيار الإنسان، بل هي مؤكدة لهذا الاختيار. ذلك بأنها توضح للإنسان نتائج الاختيار لكي يستطيع أن يقتبس ما يريده من النتائج دون غيرها، ويتعرف على الطريق الذي يسلك به إلى ما أراد من هذه النتيجة أو تلك بوعي وإدراك[9].

لكن الصورة لا تزال غير مكتملة، إذ يصف السيد الصدر شكلاً ثالثاً من السنن التاريخية. وخير ما يقال عنها، إنها اتجاه طبيعي في التاريخ بدلاً من أن تكون قانوناً ثابتاً غير متغير. وبخلاف الشكل الأول فيمكن للإنسان تحدِّي هذه السنن مؤقتاً، لكن علينا أن نلاحظ أن تحدي هذه السنن مطولاً سيؤدي آخر الأمر إلى تدمير الإنسان مثل السنة الطبيعية التي تقتضي ارتباط الرجال بالنساء، فقوم لوط تحدُّوا هذه السنة إلى فترة من الزمن، ولكن ذلك أدى إلى دمارهم.

ان المجتمع الذي يتحدى هذه السنة – كما تقرر نظرية الصدر- فإنما يكتب بنفسه فناء نفسه، لأنه يتحدى ذلك عن طريق ألوان من الشذوذ التي رفضها هذا الاتجاه الموضوعي [للتاريخ]، وتلك الألوان من الشذوذ تؤدي إلى فناء المجتمع وإلى خرابه، وهذا ما حصل فعلاً لقوم لوط[10].

في هذا الجزء الحاسم من الكتاب، يبين السيد الصدر أن دور الإنسان في التاريخ مبني على الاتحاد بين الفكر والإرادة في محتوى الإنسان الداخلي، ولهذا السبب فإن البنية العليا لأي مجتمع هي انعكاس أو تجلِّ خارجيٍ، لبنية أعضائه الداخلية، فإذا كانت البنية والدوافع سليمة فإن سلامة بنية المجتمع ستتبع ذلك لا محالة، ولهذا فإن الجهاد الأكبر هو الجهاد ضد النفس، أما جهاد العدو فليس إلا الجهاد الأصغر[11].

ونختم قائلين أن عرض السيد محمد باقر الصدر لنظريته في السنن هو في غاية التعقيد والتنوع، ولعل الرجوع إليها يغني الفهم الإسلامي الحديث عن كثير من القضايا التي شغلت هذا العلامة الإسلامي الكبير خاصة فيما يتعلق بالقضاء والقدر وتجلياته في سنن التاريخ.

__________________

[1]  – باحث في علم الاجتماع- جامعة يوتاه- الولايات المتحدة الأميركية

   – المقالة فصل من كتاب للمؤلف تحت عنوان:

Revolution and the Will to Change: Cosmology, Cognition, and the Mechanics of Transformation in the Thinking of Muhammad Hussein Fadlallah, Muhammad Baqir As-Sadr and Mao Tse Tung, Richard Lux. Department of Languages and Literature, University of Utah, 2007.

(الثورة وإرادة التغيير: علم نشأة الكون، الإدراك، وآليات التحول في فكر محمد حسين فضل الله ومحمد باقر الصدر وماو تسي تونغ)

والفصل تحت عنوان:

Chapter III: An Islamic Theology of Change, Muhammad Baqir As-Sadr’s Al-Sunnan Al-Tarikhiyah Fi Al-Quran.

– ترجمة: رامي طوقان – مراجعة: د. روبير الخوري.

[2]  الصدر، السنن، الصفحات 45-46. 

[3]  الصدر، السنن، 48-51.

[4] الصدر، السنن، 62-63

[5] الصدر، السنن، 73

[6]الصدر، السنن، 75-76.  

[7] الصدر، السنن، 76-77.

[8] الصدر، السنن، 83-86

[9] الصدر، السنن، 86-88.

[10] الصدر، السنن، 88-89

[11] أنظر الصدر، السنن، 105-107