الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

12 يوليو 2017
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
793 زيارة

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قضايا وإشكاليّات

حيدر حبّ الله(*)

تمهيد

الكلام حول مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعدِّد الجوانب والحيثيات. ونحن لا نريد أن نتكلَّم عن أهمِّية الأمر بالمعروف، أو عن وجوبه، أو أحكامه الفقهيّة. وإنّما سوف نعالج مجموعة من النقاط، التي نعتقد بأنّها تحظى بأهمِّيةٍ وضرورة يمكن أن تسلِّط الضوء على موضوعٍ مهمّ للغاية في هذا الإطار.

وقبل الدخول في أصل البحث، أودُّ أن أشير إلى نقطةٍ جديرة بالذكر، وهي أنّ المستشرق الإنجليزي مايكل كوك ـ وهو مستشرقٌ بريطاني معاصر، مختصٌّ بالدراسات الإسلاميّة، وأستاذ في جامعة بريستون الإنجليزيّة، والذي لديه مؤلَّفات كثيرة حول الإسلام ـ ألَّف كتاباً بعنوان: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي». وسبب تأليفه هذا الكتاب أنّه في يومٍ من الأيّام كان في بلد غربي، وشاهد مجموعة رجالٍ في محطّة القطار يغتصبون امرأةً، ولم تتمكَّن من الدفاع عن نفسها، ولم يقُمْ أحدٌ بالتدخُّل، والجميع واقفون في الطريق غير مبالين وغير معنيّين، ثمَّ بعد فترةٍ جاءت الشرطة.

فكَّر مايكل كوك في هذه الظاهرة، وصَدَمه هذا الحَدَث، وكيف أنّ كلّ الناس لم يتدخّلوا، ولم ينهوا عن منكرٍ من هذا النوع؟! ثمّ تأمَّل أكثر في خلفيّات هذه الثقافة، وقارن بينها وبين الإسلام؛ فوجد أنّ في الإسلام فريضةً في غاية الأهمِّية غير موجودة في الثقافة الغربيّة، بل يمكن أن يوجد نقيضها في الثقافة الغربيّة من وجهة نظره، وهي فريضة: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). إنّه يقول: إنّ مَنْ سبَّب لي أن أبحث في هذا الموضوع هو أنّني تفاجأت: لماذا لا يحدث مثل هذا الأمر في بلاد المسلمين؟ حيث يقوم المسلمون باستنكار حَدَثٍ من هذا النوع، والتدخُّل مباشرةً؛ لمنع وقوعه فوراً، بينما عندنا في الغَرْب لا توجد عملياً في أرض الواقع حركةٌ أو ردّة فعلٍ عفويّة ذاتيّة نابعة من قلب الإنسان تجاه المنكر في الخارج.

وانطلاقاً من هذه الحادثة كتب مايكل كوك كتابه الضخم، وتمَّتْ ترجمته ونشره بالعربيّة والفارسيّة وغيرها من اللغات. وقد درس فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند جميع مذاهب الإسلام، معتمداً على مئات المصادر. وهو أهمّ وأكبر وأوسع دراسة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ حتّى عند المسلمين ـ استقصاءً وبحثاً وتتبُّعاً ونقداً. والكاتب لم يتناول المسألة فقهياً؛ لأنّه ليس فقيهاً، وإنّما استقرأ نظريّة مهمّة على امتداد 1400 سنة من خلال عدّة أسئلة: كيف تطوّرت؟ كيف فهمها المسلمون؟ كيف تعاملوا معها؟ كيف ربطوها بالحياة السياسيّة والاجتماعيّة؟ كيف أصبحت في داخلهم المسؤوليّة تجاه الآخر؟

إذن هذه الفريضة ليست فقط للنهي عن معصيةٍ أو الأمر بواجب جزئيّ هنا أو هناك، وليست مسألةً جزئيّة، وإنّما هي تمثِّل عنوان (الحسّ الاجتماعي عند المسلمين)، وهي عنوانٌ للإصلاح (إصلاح المجتمع أخلاقياً، اجتماعياً، تربوياً، فكرياً، وثقافياً). فالعنوان كبيرٌ جدّاً، لكنّنا نحن المسلمين مع الأسف صغّرنا هذا العنوان في ممارساتنا، فأصبح مجرّد تصوّر بسيط قد يتصوّره بعضنا لفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما لو سمعت صوت أغنية في سيارة أجرة فتقول له: هذا حرامٌ.

نماذج من إشكاليّات تتّصل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وبعد الذي قدّمناه يمكن أن نبيِّن مجموعة من الإشكاليّات في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي إشكاليّات تواجه هذه الفريضة، التي كان يسمِّيها بعض رموز التيّار الإخواني قديماً (الفريضة الغائبة)، وإذا جُمعت مع الجهاد كانتا: الفريضتين الغائبتين (أُطلقت هذه التسمية في كتاب ألّفه الشيخ المهندس محمد عبد السلام فرج، بعنوان: «الفريضة الغائبة»، ويعدُّ هذا الكتاب أحد الأسس الفكريّة الأولى للإخوان المسلمين. وقد أُعدم مؤلِّفه عام 1982م في قضيّة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات).

الإشكاليّة الأولى: غياب التنظير الموسَّع والاجتهادات المعمَّقة

لو استقرأنا قليلاً بحوث العلماء والمفكِّرين والفقهاء نجد أنّ الدراسات حول هذه الفريضة محدودة وقليلة، ولا توجد عناية في الدراسات الفقهيّة أو الكلاميّة اليوم بهذا الموضوع بالشكل اللائق به.

في فترةٍ من الفترات كانت هذه الفريضة شعاراً للمسلمين، وخصوصاً المعتزلة والزيديّة؛ لأنّ المعتزلة، كثيراً منهم، كان يعتقد بأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلٌ من أصول الدين الخمسة، وليس فرعاً، وكانوا يقولون: إنّ دليل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو العقل، وليس النصّ، وإنّ النصّ مجرّد مؤيِّد (انظر: شرح الأصول الخمسة: 89، 501). لذلك تجدهم يفهمون الأمر بالمعروف شاملاً لكلّ جوانب الحياة السياسيّة، فأدخلوا مفهوم الثورة على الظلم ضمن فكرة الأمر بالمعروف وإنكار المنكر. وهذا ما تراه بوضوحٍ من خلال مسألة فقهيّة وهي: الموقف الفقهي من شخصٍ أنكر أو تخلّى عن الأمر بالمعروف؟

إنّ المعتزلة والزيديّة متشدِّدون للغاية في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنّهم يعتقدون أنّ الإمام الحقّ هو الذي يأمر بالمعروف، وكلُّ إمامٍ أسدل ستارَه ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر فليس بإمامٍ. فالإمامة من وجهة نظرهم تكليفٌ، وليست تشريفاً. وعليه، إذا قرأنا التاريخ بموضوعيّةٍ نجد أنّ المعتزلة والزيديّة كان لهم دورٌ في مناصرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنْ عموماً لا توجد متابعةٌ اجتهاديّة بحثيّة علميّة لهذا الموضوع منذ حوالي سبعة قرون.

ولو قمنا بمقارنةٍ بين النتاج الفقهي لمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وباقي المسائل ـ كالطهارة وغيرها ـ لوجدنا الفارق شاسعاً، أي لا توجد إضافةٌ نوعيّة على بحث الأمر بالمعروف، مقارنةً بما حصل في موضوعات أُخَر. وعلى سبيل المثال: لو أخذنا البيع أو أصول التجارات (قضايا البيع والمكاسب) في الفقه الإسلامي نجد أنّه تطوّر خلال القرون الأربعة الأخيرة تطوّراً مذهلاً، خاصّةً في الفقه الإمامي. فلو قرأنا كتاباً في أصول التجارات قبل أربعة قرونٍ، وقارنّاه بالموضوع عينه اليوم، سنجد قفزةً خياليّة مذهلة. أمّا لو قرأنا كتاباً عن الأمر بالمعروف قبل خمسة قرون، وآخر حديث الظهور في الموضوع عينه، فإنّنا لن نجد أيَّ فارقٍ يُذْكَر. وهذا يعني أنّه لم تحصل قفزاتٌ واهتمامات نوعيّة بهذا الموضوع كما ينبغي.

ولعلّ أهمَّ قفزةٍ ـ في تقديري الشخصي ـ شهدها الفقه الشيعي الإمامي في هذا الموضوع كانت كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من «تحرير الوسيلة»، للإمام الخميني. فلو قمنا باستقراء فقه الأمر بالمعروف من زمن الشيخ الكليني(329هـ) إلى زمن الإمام الخميني، وتابعنا كتب الاستفتاء والفتاوى الفقهيّة، سنجد أنّنا مع كتاب «تحرير الوسيلة» نشاهد قفزةً جديدة مختلفة، حيث وسَّع الإمام الخميني الفكرة لتشمل الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والعلاقة مع السلطة.

وللإنصاف هناك قفزاتٌ أخرى، ولكنّها قليلةٌ ومحدودة، وليست بالشَّكْل الذي نشهده مع سائر الأبواب الفقهيّة، ولا سيَّما أبواب الطهارة والعبادات والمكاسب والبيع.

اذن لا بُدَّ من تطويرٍ، من عدّة جهاتٍ تقتضيها المرحلة التي نعيشها، لموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: اجتهاديّة، علميّة، قرآنيّة، فقهيّة، تفسيريّة، وحديثيّة.

الإشكاليّة الثانية: أزمة الوسائل والأدوات

هذا كلُّه في جانب البحث العلمي في هذه المسألة. أمّا على خطِّ الوسائل والأدوات فثمّة إشكاليّة أخرى تواجهنا، وهي الأساليب والطرق والوسائل والآليات التي تُستخدم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يقول الشيخ مرتضى المطهَّري قبل حوالي أربعين عاماً: ينبغي اليوم إغلاق الأمر بالمعروف والنهي عن النكر وإلغاء هذه الفريضة؛ لأنّ الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في أيّامنا يصدّون الناس عن الدين بأساليبهم وطرقهم. (انظر: رؤى جديدة في الفكر الإسلامي 3: 94 ـ 95). فهناك حاجةٌ ـ من وجهة نظر المطهَّري ـ لأن نُبدع ونطوِّر في الأساليب؛ حيث لا يزال بعضنا يستخدم الطرق القديمة. وعلى سبيل المثال: هناك فكرةٌ موجودة، وهي أنّ الأمر بالمعروف يجب أن يكون بصيغة الأمر، مثلاً: صَلِّ. فهذا هو الأمر بالمعروف، أمّا إذا قلنا له: الصلاة جيِّدةٌ، ومن المناسب أن تصلِّي، فهذا وعظٌ، وليس أمراً بالمعروف! فكأنّ فكرة الأمر بالمعروف مرتَكَز فيها العنصر المباشر بالأمر أو النهي. وأمّا العناصر غير المباشرة فهي غائبةٌ عن وعينا؛ لأنّ الناس قديماً كانت هذه وسائلهم؛ إذ لم يكن هناك إعلامٌ أو مدرسة أو وسائل تربويّة أو معلوماتيّة. وما زال بعضنا يستعمل نفس تلك الطرائق القديمة في الأمر بالمعروف. وليست المشكلة في استعمال القديم، ولكنْ لنفكِّر في الطرائق الجديدة أيضاً.

الشيخ المطهَّري استشعر أنّ أساليبنا فجَّةٌ، ولهذا وصل إلى مرحلةٍ يُطالِب فيها بإغلاق الأمر بالمعروف. المطهَّري لم يكن يقصد أن نغلق فريضة الأمر بالمعروف، وإنّما يقصد التذمُّر من أساليبنا الفجَّة، التي أبعدت الناس عن الدين. يقول بعض العلماء: عندما تريد أن تصطاد سمكةً ينبغي أن تضع طعاماً يناسبها هي، وتستلذّه، لا أن يكون طعاماً يناسبك أنتَ. فيجب أن نغيِّر الأساليب تَبَعاً لقناعات الناس وثقافتهم. اليوم يلعب الإعلام دَوْراً حتّى في تذوُّقنا للجمال. نحن غائبون عن هذا المشهد، ما زلنا نتكلَّم بطريقةٍ مباشرة مع الطرف الآخر.

وعليه، هناك ضرورةٌ كبيرة للتطوير، وخاصّةً أنّ هناك ظاهرةً موجودة في الغرب، وهي ما يُسمَّى بـ «الإلحاد الجديد». وهذا الإلحاد لا يتكلَّم عن وجود الله فحَسْب. إنّه لا يقوم فقط على أساس إنكار الأسس الميتافيزيقيّة أو عدم إنكارها، وإنّما الإلحاد الجديد، الذي شهد قفزةً كبيرة بعد الحادي عشر من سبتمبر، يقوم على فكرةٍ مركزيّة، وهي: «الدِّين مُضرٌّ بالإنسان». والدليل: شاهِدْ ماذا فعل الدين بالمسلمين! وشاهد القَسْوة والعُنْف التي سبَّبها لنا الدين في مختلف أنحاء العالم. هذا ما أرادوا أن يركِّزوه، مستفيدين من تعثُّرنا، وتعثُّر أمم متديّنة كثيرة، واستغلوا حادثة الحادي عشر من سبتمبر وغيرها، ليقولوا: ما ينتجه الإسلام ـ بل كلُّ دينٍ ـ إنّما هو عنفٌ، قسوة، صلافة، قتل، دمار، فُرْقة… الدِّين ليس فيه محبّة أو تواصل، بل فيه قطيعة وبُغْض. والنتيجة هي تحوُّل الدين إلى فزَّاعة من وجهة نظرهم.

من هنا يجب علينا أن نطوّر أساليبنا لمَحْو هذه الصورة التي يُراد لها أن تُخلَعَ على الدِّين، دون أن نغيِّر من الأحكام الشرعيّة شيئاً، ودون أن نتراجع عن معتقداتنا ومفاهيمنا وأفكارنا وأصولنا. وإنّما الكلام في الأساليب والطرق والوسائل والآليات، وإنْ كنتُ أعتقد أنّ الكثير من مفاهيمنا وتصوّراتنا وفقهيّاتنا ورؤانا لها دورٌ عميق أيضاً في وضعنا الحالي الذي وصلنا إليه، وأنّ المشكلة لا تقف عند حدود الأساليب، بل تتعدّاها، لكنَّ مسألة الأساليب ضروريّة جدّاً أيضاً.

وخلال القرن الأخير، صار هناك نشاطٌ حول هذه الفريضة من ثلاث جهات:

الجهة الأولى: هبَّ فريقٌ من العلماء والمفكِّرين والمثقَّفين والفقهاء ليقولوا بضرورة إحياء هذه الفريضة؛ لأنّها فريضة ميّتة ونائمة، لا أحد يمارس الأمر بالمعروف، بل ليست جزءاً من أدبيّاتنا. الجهة الثانية: تطوير الأساليب أيضاً. وقد كُتب في هذا الموضوع كثير، لكنْ أعتقد أنّ ما كُتب يختلف عمَّا تحتاجه مرحلتنا هذه (مرحلة العولمة) أو ما بعد سقوط المعسكر الاشتراكي؛ حيث تغيَّر العالم، وتغيَّرت قواعد اللعبة، وعلينا أن نغيِّر وضعنا وتموضعنا، تَبَعاً لتغيُّر قواعد اللعبة في العالم. الجهة الثالثة: توظيف فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار مفهوم النهضة الإسلاميّة؛ لأنّنا ـ منذ أواسط القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا ـ نشهد مجموعةً من العلماء الكبار المنظِّرين لموضوع النهضة الإسلاميّة، الذين قالوا: إنّ موضوع الأمر بالمعروف أحد الوسائل الكبرى والأساسيّة التي تمكِّننا من تحقيق النهضة الإسلاميّة المنشودة.

إذن نحن بحاجة إلى: 1ـ اجتهادات فقهيّة موسَّعة في هذا الموضوع، كلٌّ من موقعه. 2ـ نحن بحاجةٍ إلى مؤتمرات وندوات حول تطوير وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستعين بأهل الاختصاص في مختلف المجالات، وخاصّةً مجالات العلوم الإنسانيّة في قضايا التربية والتعليم والإعلام والإدارة والتأثير النفسي وغيرها. 3ـ نحن بحاجة إلى ندوات (ولو مغلقة) للمراجعة والنقد الذاتي، تظلّ متواصلةً؛ لنرى أين هي نقاط ضعفنا؟ لماذا أخفقنا في المكان الفلاني؟ كيف يمكن تطوير عناصر القوّة وتجاوز عناصر الضعف؟ 4ـ لا بُدَّ لنا من نشاطٍ لاستحضار هذا المفهوم القرآني، والدعوة إليه، والترويج له، ونشر هذا المصطلح في حياة الناس؛ لأنّه غائبٌ نوعاً ما.

 

الإشكاليَّة الثالثة: حصر فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يتصوّر الكثير من الناس ـ على خلاف ما هو ثابتٌ في الفقه والإفتاء ـ أنّ هذه الفريضة هي وظيفة الفقهاء والمشايخ والعلماء، فهم يعرفون الحلال والحرام، أما سائر الناس فكأنّه لا شأن لهم بذلك، ولو فرضنا أنّهم معنيّون بهذه الفريضة فليس ذلك إلاّ بشكلٍ فرديّ محدود جدّاً، لا يشكّل جزءاً من برنامج حياتهم.

هذا المفهوم خاطئٌ تماماً وفقاً لرأي جمهور علماء المسلمين، باستثناء نزرٍ يسير منهم قديماً؛ فواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا فرق فيه بين العالم الديني وغيره، ولا بين الرجل والمرأة؛ هذه فريضةٌ عامّة. والنصوص القرآنيّة والحديثيّة واضحةٌ في عدم وجود تمييز في هذه الفريضة، بل لو تأمّلنا قليلاً نصوص الكتاب والسُّنَّة سنجد أنّ هذه الفريضة لها ثلاثة وجوه:

وجه فردي: الإنسان يأمر أخاه الإنسان.

وجه سلطويّ حكومي: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلله عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحجّ: 41). فالدولة أو السلطة في الإسلام عليها مسؤوليّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يجوز لها أن تتَّخذ موقف الحياد في ذلك؛ فإنّ التمكين في الأرض يعني السلطة، سواء كانت عشائريّةً أم دينيّة أم إعلاميّة أم سياسيّة أم اقتصاديّة أم غير ذلك. والدولة أبرزُ أشكال التمكُّن، وكلُّ مَنْ مكَّنه الله في الأرض، سواء كان فرداً أم جماعةً، فهو مُطالبٌ بالقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح شؤون مجتمعه ومحيطه.

وجهٌ مجتمعيّ، أي إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفةٌ مجتمعيّة، فالمجتمع برمّته معنيٌّ بهذا الأمر، سواء كانت هناك سلطةٌ أم لا.

ثمّة رأيٌ للشيخ محمد مهدي شمس الدين يقول بأنّ التكاليف على قسمين في الإسلام: التكاليف الفرديّة، ويكون خطاب الكتاب والسنّة فيها خطاباً للأفراد؛ والتكاليف المجتمعيّة التي يكون الخطاب فيها موجَّهاً للأمّة (شمس الدين، جهاد الأمّة: 47 ـ 59).

إنّ الكثير ممّا يسمّيه الفقهاء بالواجبات الكفائيّة يسمّيه العلاّمة شمس الدين بالواجبات المجتمعيّة، أو واجبات الأمّة. ومثال ذلك: فريضة الجهاد. فهذه الفريضة ليست موجَّهةً لي وحدي؛ إذ لا معنى لأن أجاهد وحدي؛ لأنّ طبيعة الجهاد هي طبيعة جماعية (أعني بالطبع الجهاد الحربي العسكري)، فهذا الخطاب موجَّهٌ للجماعة، وهي المطالبة بالجهاد، بصرف النظر عن كلّ فردٍ وحده. وعلى منوال الجهاد يقع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو من الوظائف التي أُمرت بها الأمّة بما هي أمّة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110)، ولم يقُلْ: كنتَ أيّها المسلم خير فردٍ أُخرج للناس.

إذن هذه الفريضة تختلف عن فريضة أداء الصلاة في جوف الليل؛ فأداء الصلاة شأنٌ فردي يقوم به المكلَّف وحده، وإنْ كانت له انعكاساته الاجتماعيّة الأخرى. أمّا فريضة الأمر بالمعروف فتارةً تلاحظ على أنّها فريضة فرديّة؛ وأخرى على أنّها فريضة أُسريّة: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: 132)؛ وتارةً تلاحظ على أنّها وظيفة سلطويّة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾؛ ورابعةً تلاحظ على أنّها فريضة جماعيّة، بحيث تكون هناك جماعةٌ في الأمّة مستنفرة ـ بما هي جماعة ـ للأمر والنهي: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾؛ وخامسةً تلاحظ على أنّها فريضةُ الأمّة بأجمعها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ…﴾.

وبناءً عليه، فهذه الفريضة متعدِّدة الجهات، من الفرديّة إلى الأُسريّة إلى السلطويَّة إلى تشكيل جماعات داخل الأمّة وظيفتها الأصليّة هذا العمل، إلى أن تكون هذه وظيفة الأمّة بما هي أمّةٌ، أي كلّ أمّة الإسلام لها رسالة إزاء ذاتها، وإزاء باقي الأمم الأخرى، عليها أن تقوم بها، فهي وظيفة الكلّ، كلٌّ بحسب سعته، وبحسب المكان الذي يحلُّ فيه في هذه الدنيا. بل قد يتعدّى الأمر أكثر من هذا في زماننا ـ كما يقول بعض من العلماء ـ، حيث تصبح بعض الواجبات الكفائيّة أحياناً واجباتٍ عينيّة، تماماً كحال شخص في الصحراء مسافر مع صديقه، وتوفّي صديقه، يجب أن يقوم بتجهيزه من الدفن والتكفين والصلاة عليه، وهذه كلّها واجبات كفائيّة، لكنْ باعتبار عدم وجود شخصٍ آخر غيره ينقلب هذا التكليف من واجب كفائي إلى واجب عيني، فكلّما لم يكن هناك متصدٍّ بمقدار الكفاية تصبح الظروف أقرب إلى العينيّة.

في عصرنا هذا يعتقد بعض العلماء أنّ هذه الفريضة انقلبت من الحالة الكفائيّة إلى الحالة العينيّة؛ لقلّة حجم المتصدِّين اللائقين نسبةً إلى حجم التحدّيات، بمعنى أنّك لو قارنت حجم المتصدِّين ـ على كثرتهم ـ في قضايا الأمر بالمعروف مع حجم التحدِّيات والغزو الثقافي وحجم الانحراف الأخلاقي الموجود في المجتمع تجد أنّ هؤلاء غير قادرين على تغطية هذه المساحة، إذن فالآخرون أيضاً مطالبون بالتصدِّي؛ لأنّ نسبة التصدّي إلى التحدّي غير متكافئة، والمطلوب أن يكون هناك تكافؤٌ ولو في حدّه الأدنى.

ولا بأس أن نشير هنا إلى أنّ سورة العصر تقدِّم مبدأً مهماً جدّاً، وهو: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، أي التوصية المتبادلة (أنت توصيني، وأنا أوصيك)، من المواصاة (مفاعلة) بين طرفين، فهذا أيضاً مبدأٌ من مبادئ الأمر بالمعروف، وينتج مفهوماً مجتمعياً لفكرة ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، بدل المفهوم الفردي الخاصّ، كما سنشير إليه، وهو مبدأٌ يفتح على نهي العلماء للناس عن المنكر ونهي الناس للعلماء عن المنكر لو فعله أحد الطرفين، دون اختصاص النهي والتوصية بطرفٍ منهما.

والأمر المهمّ على هذا الصعيد، هو أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندما لا يختصّان بعلماء الدين، فهذا