الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

12 يوليو 2017
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
395 زيارة

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قضايا وإشكاليّات

حيدر حبّ الله(*)

تمهيد

الكلام حول مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعدِّد الجوانب والحيثيات. ونحن لا نريد أن نتكلَّم عن أهمِّية الأمر بالمعروف، أو عن وجوبه، أو أحكامه الفقهيّة. وإنّما سوف نعالج مجموعة من النقاط، التي نعتقد بأنّها تحظى بأهمِّيةٍ وضرورة يمكن أن تسلِّط الضوء على موضوعٍ مهمّ للغاية في هذا الإطار.

وقبل الدخول في أصل البحث، أودُّ أن أشير إلى نقطةٍ جديرة بالذكر، وهي أنّ المستشرق الإنجليزي مايكل كوك ـ وهو مستشرقٌ بريطاني معاصر، مختصٌّ بالدراسات الإسلاميّة، وأستاذ في جامعة بريستون الإنجليزيّة، والذي لديه مؤلَّفات كثيرة حول الإسلام ـ ألَّف كتاباً بعنوان: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي». وسبب تأليفه هذا الكتاب أنّه في يومٍ من الأيّام كان في بلد غربي، وشاهد مجموعة رجالٍ في محطّة القطار يغتصبون امرأةً، ولم تتمكَّن من الدفاع عن نفسها، ولم يقُمْ أحدٌ بالتدخُّل، والجميع واقفون في الطريق غير مبالين وغير معنيّين، ثمَّ بعد فترةٍ جاءت الشرطة.

فكَّر مايكل كوك في هذه الظاهرة، وصَدَمه هذا الحَدَث، وكيف أنّ كلّ الناس لم يتدخّلوا، ولم ينهوا عن منكرٍ من هذا النوع؟! ثمّ تأمَّل أكثر في خلفيّات هذه الثقافة، وقارن بينها وبين الإسلام؛ فوجد أنّ في الإسلام فريضةً في غاية الأهمِّية غير موجودة في الثقافة الغربيّة، بل يمكن أن يوجد نقيضها في الثقافة الغربيّة من وجهة نظره، وهي فريضة: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). إنّه يقول: إنّ مَنْ سبَّب لي أن أبحث في هذا الموضوع هو أنّني تفاجأت: لماذا لا يحدث مثل هذا الأمر في بلاد المسلمين؟ حيث يقوم المسلمون باستنكار حَدَثٍ من هذا النوع، والتدخُّل مباشرةً؛ لمنع وقوعه فوراً، بينما عندنا في الغَرْب لا توجد عملياً في أرض الواقع حركةٌ أو ردّة فعلٍ عفويّة ذاتيّة نابعة من قلب الإنسان تجاه المنكر في الخارج.

وانطلاقاً من هذه الحادثة كتب مايكل كوك كتابه الضخم، وتمَّتْ ترجمته ونشره بالعربيّة والفارسيّة وغيرها من اللغات. وقد درس فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند جميع مذاهب الإسلام، معتمداً على مئات المصادر. وهو أهمّ وأكبر وأوسع دراسة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ حتّى عند المسلمين ـ استقصاءً وبحثاً وتتبُّعاً ونقداً. والكاتب لم يتناول المسألة فقهياً؛ لأنّه ليس فقيهاً، وإنّما استقرأ نظريّة مهمّة على امتداد 1400 سنة من خلال عدّة أسئلة: كيف تطوّرت؟ كيف فهمها المسلمون؟ كيف تعاملوا معها؟ كيف ربطوها بالحياة السياسيّة والاجتماعيّة؟ كيف أصبحت في داخلهم المسؤوليّة تجاه الآخر؟

إذن هذه الفريضة ليست فقط للنهي عن معصيةٍ أو الأمر بواجب جزئيّ هنا أو هناك، وليست مسألةً جزئيّة، وإنّما هي تمثِّل عنوان (الحسّ الاجتماعي عند المسلمين)، وهي عنوانٌ للإصلاح (إصلاح المجتمع أخلاقياً، اجتماعياً، تربوياً، فكرياً، وثقافياً). فالعنوان كبيرٌ جدّاً، لكنّنا نحن المسلمين مع الأسف صغّرنا هذا العنوان في ممارساتنا، فأصبح مجرّد تصوّر بسيط قد يتصوّره بعضنا لفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما لو سمعت صوت أغنية في سيارة أجرة فتقول له: هذا حرامٌ.

نماذج من إشكاليّات تتّصل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وبعد الذي قدّمناه يمكن أن نبيِّن مجموعة من الإشكاليّات في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي إشكاليّات تواجه هذه الفريضة، التي كان يسمِّيها بعض رموز التيّار الإخواني قديماً (الفريضة الغائبة)، وإذا جُمعت مع الجهاد كانتا: الفريضتين الغائبتين (أُطلقت هذه التسمية في كتاب ألّفه الشيخ المهندس محمد عبد السلام فرج، بعنوان: «الفريضة الغائبة»، ويعدُّ هذا الكتاب أحد الأسس الفكريّة الأولى للإخوان المسلمين. وقد أُعدم مؤلِّفه عام 1982م في قضيّة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات).

الإشكاليّة الأولى: غياب التنظير الموسَّع والاجتهادات المعمَّقة

لو استقرأنا قليلاً بحوث العلماء والمفكِّرين والفقهاء نجد أنّ الدراسات حول هذه الفريضة محدودة وقليلة، ولا توجد عناية في الدراسات الفقهيّة أو الكلاميّة اليوم بهذا الموضوع بالشكل اللائق به.

في فترةٍ من الفترات كانت هذه الفريضة شعاراً للمسلمين، وخصوصاً المعتزلة والزيديّة؛ لأنّ المعتزلة، كثيراً منهم، كان يعتقد بأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلٌ من أصول الدين الخمسة، وليس فرعاً، وكانوا يقولون: إنّ دليل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو العقل، وليس النصّ، وإنّ النصّ مجرّد مؤيِّد (انظر: شرح الأصول الخمسة: 89، 501). لذلك تجدهم يفهمون الأمر بالمعروف شاملاً لكلّ جوانب الحياة السياسيّة، فأدخلوا مفهوم الثورة على الظلم ضمن فكرة الأمر بالمعروف وإنكار المنكر. وهذا ما تراه بوضوحٍ من خلال مسألة فقهيّة وهي: الموقف الفقهي من شخصٍ أنكر أو تخلّى عن الأمر بالمعروف؟

إنّ المعتزلة والزيديّة متشدِّدون للغاية في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنّهم يعتقدون أنّ الإمام الحقّ هو الذي يأمر بالمعروف، وكلُّ إمامٍ أسدل ستارَه ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر فليس بإمامٍ. فالإمامة من وجهة نظرهم تكليفٌ، وليست تشريفاً. وعليه، إذا قرأنا التاريخ بموضوعيّةٍ نجد أنّ المعتزلة والزيديّة كان لهم دورٌ في مناصرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنْ عموماً لا توجد متابعةٌ اجتهاديّة بحثيّة علميّة لهذا الموضوع منذ حوالي سبعة قرون.

ولو قمنا بمقارنةٍ بين النتاج الفقهي لمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وباقي المسائل ـ كالطهارة وغيرها ـ لوجدنا الفارق شاسعاً، أي لا توجد إضافةٌ نوعيّة على بحث الأمر بالمعروف، مقارنةً بما حصل في موضوعات أُخَر. وعلى سبيل المثال: لو أخذنا البيع أو أصول التجارات (قضايا البيع والمكاسب) في الفقه الإسلامي نجد أنّه تطوّر خلال القرون الأربعة الأخيرة تطوّراً مذهلاً، خاصّةً في الفقه الإمامي. فلو قرأنا كتاباً في أصول التجارات قبل أربعة قرونٍ، وقارنّاه بالموضوع عينه اليوم، سنجد قفزةً خياليّة مذهلة. أمّا لو قرأنا كتاباً عن الأمر بالمعروف قبل خمسة قرون، وآخر حديث الظهور في الموضوع عينه، فإنّنا لن نجد أيَّ فارقٍ يُذْكَر. وهذا يعني أنّه لم تحصل قفزاتٌ واهتمامات نوعيّة بهذا الموضوع كما ينبغي.

ولعلّ أهمَّ قفزةٍ ـ في تقديري الشخصي ـ شهدها الفقه الشيعي الإمامي في هذا الموضوع كانت كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من «تحرير الوسيلة»، للإمام الخميني. فلو قمنا باستقراء فقه الأمر بالمعروف من زمن الشيخ الكليني(329هـ) إلى زمن الإمام الخميني، وتابعنا كتب الاستفتاء والفتاوى الفقهيّة، سنجد أنّنا مع كتاب «تحرير الوسيلة» نشاهد قفزةً جديدة مختلفة، حيث وسَّع الإمام الخميني الفكرة لتشمل الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والعلاقة مع السلطة.

وللإنصاف هناك قفزاتٌ أخرى، ولكنّها قليلةٌ ومحدودة، وليست بالشَّكْل الذي نشهده مع سائر الأبواب الفقهيّة، ولا سيَّما أبواب الطهارة والعبادات والمكاسب والبيع.

اذن لا بُدَّ من تطويرٍ، من عدّة جهاتٍ تقتضيها المرحلة التي نعيشها، لموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: اجتهاديّة، علميّة، قرآنيّة، فقهيّة، تفسيريّة، وحديثيّة.

الإشكاليّة الثانية: أزمة الوسائل والأدوات

هذا كلُّه في جانب البحث العلمي في هذه المسألة. أمّا على خطِّ الوسائل والأدوات فثمّة إشكاليّة أخرى تواجهنا، وهي الأساليب والطرق والوسائل والآليات التي تُستخدم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يقول الشيخ مرتضى المطهَّري قبل حوالي أربعين عاماً: ينبغي اليوم إغلاق الأمر بالمعروف والنهي عن النكر وإلغاء هذه الفريضة؛ لأنّ الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في أيّامنا يصدّون الناس عن الدين بأساليبهم وطرقهم. (انظر: رؤى جديدة في الفكر الإسلامي 3: 94 ـ 95). فهناك حاجةٌ ـ من وجهة نظر المطهَّري ـ لأن نُبدع ونطوِّر في الأساليب؛ حيث لا يزال بعضنا يستخدم الطرق القديمة. وعلى سبيل المثال: هناك فكرةٌ موجودة، وهي أنّ الأمر بالمعروف يجب أن يكون بصيغة الأمر، مثلاً: صَلِّ. فهذا هو الأمر بالمعروف، أمّا إذا قلنا له: الصلاة جيِّدةٌ، ومن المناسب أن تصلِّي، فهذا وعظٌ، وليس أمراً بالمعروف! فكأنّ فكرة الأمر بالمعروف مرتَكَز فيها العنصر المباشر بالأمر أو النهي. وأمّا العناصر غير المباشرة فهي غائبةٌ عن وعينا؛ لأنّ الناس قديماً كانت هذه وسائلهم؛ إذ لم يكن هناك إعلامٌ أو مدرسة أو وسائل تربويّة أو معلوماتيّة. وما زال بعضنا يستعمل نفس تلك الطرائق القديمة في الأمر بالمعروف. وليست المشكلة في استعمال القديم، ولكنْ لنفكِّر في الطرائق الجديدة أيضاً.

الشيخ المطهَّري استشعر أنّ أساليبنا فجَّةٌ، ولهذا وصل إلى مرحلةٍ يُطالِب فيها بإغلاق الأمر بالمعروف. المطهَّري لم يكن يقصد أن نغلق فريضة الأمر بالمعروف، وإنّما يقصد التذمُّر من أساليبنا الفجَّة، التي أبعدت الناس عن الدين. يقول بعض العلماء: عندما تريد أن تصطاد سمكةً ينبغي أن تضع طعاماً يناسبها هي، وتستلذّه، لا أن يكون طعاماً يناسبك أنتَ. فيجب أن نغيِّر الأساليب تَبَعاً لقناعات الناس وثقافتهم. اليوم يلعب الإعلام دَوْراً حتّى في تذوُّقنا للجمال. نحن غائبون عن هذا المشهد، ما زلنا نتكلَّم بطريقةٍ مباشرة مع الطرف الآخر.

وعليه، هناك ضرورةٌ كبيرة للتطوير، وخاصّةً أنّ هناك ظاهرةً موجودة في الغرب، وهي ما يُسمَّى بـ «الإلحاد الجديد». وهذا الإلحاد لا يتكلَّم عن وجود الله فحَسْب. إنّه لا يقوم فقط على أساس إنكار الأسس الميتافيزيقيّة أو عدم إنكارها، وإنّما الإلحاد الجديد، الذي شهد قفزةً كبيرة بعد الحادي عشر من سبتمبر، يقوم على فكرةٍ مركزيّة، وهي: «الدِّين مُضرٌّ بالإنسان». والدليل: شاهِدْ ماذا فعل الدين بالمسلمين! وشاهد القَسْوة والعُنْف التي سبَّبها لنا الدين في مختلف أنحاء العالم. هذا ما أرادوا أن يركِّزوه، مستفيدين من تعثُّرنا، وتعثُّر أمم متديّنة كثيرة، واستغلوا حادثة الحادي عشر من سبتمبر وغيرها، ليقولوا: ما ينتجه الإسلام ـ بل كلُّ دينٍ ـ إنّما هو عنفٌ، قسوة، صلافة، قتل، دمار، فُرْقة… الدِّين ليس فيه محبّة أو تواصل، بل فيه قطيعة وبُغْض. والنتيجة هي تحوُّل الدين إلى فزَّاعة من وجهة نظرهم.

من هنا يجب علينا أن نطوّر أساليبنا لمَحْو هذه الصورة التي يُراد لها أن تُخلَعَ على الدِّين، دون أن نغيِّر من الأحكام الشرعيّة شيئاً، ودون أن نتراجع عن معتقداتنا ومفاهيمنا وأفكارنا وأصولنا. وإنّما الكلام في الأساليب والطرق والوسائل والآليات، وإنْ كنتُ أعتقد أنّ الكثير من مفاهيمنا وتصوّراتنا وفقهيّاتنا ورؤانا لها دورٌ عميق أيضاً في وضعنا الحالي الذي وصلنا إليه، وأنّ المشكلة لا تقف عند حدود الأساليب، بل تتعدّاها، لكنَّ مسألة الأساليب ضروريّة جدّاً أيضاً.

وخلال القرن الأخير، صار هناك نشاطٌ حول هذه الفريضة من ثلاث جهات:

الجهة الأولى: هبَّ فريقٌ من العلماء والمفكِّرين والمثقَّفين والفقهاء ليقولوا بضرورة إحياء هذه الفريضة؛ لأنّها فريضة ميّتة ونائمة، لا أحد يمارس الأمر بالمعروف، بل ليست جزءاً من أدبيّاتنا. الجهة الثانية: تطوير الأساليب أيضاً. وقد كُتب في هذا الموضوع كثير، لكنْ أعتقد أنّ ما كُتب يختلف عمَّا تحتاجه مرحلتنا هذه (مرحلة العولمة) أو ما بعد سقوط المعسكر الاشتراكي؛ حيث تغيَّر العالم، وتغيَّرت قواعد اللعبة، وعلينا أن نغيِّر وضعنا وتموضعنا، تَبَعاً لتغيُّر قواعد اللعبة في العالم. الجهة الثالثة: توظيف فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار مفهوم النهضة الإسلاميّة؛ لأنّنا ـ منذ أواسط القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا ـ نشهد مجموعةً من العلماء الكبار المنظِّرين لموضوع النهضة الإسلاميّة، الذين قالوا: إنّ موضوع الأمر بالمعروف أحد الوسائل الكبرى والأساسيّة التي تمكِّننا من تحقيق النهضة الإسلاميّة المنشودة.

إذن نحن بحاجة إلى: 1ـ اجتهادات فقهيّة موسَّعة في هذا الموضوع، كلٌّ من موقعه. 2ـ نحن بحاجةٍ إلى مؤتمرات وندوات حول تطوير وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستعين بأهل الاختصاص في مختلف المجالات، وخاصّةً مجالات العلوم الإنسانيّة في قضايا التربية والتعليم والإعلام والإدارة والتأثير النفسي وغيرها. 3ـ نحن بحاجة إلى ندوات (ولو مغلقة) للمراجعة والنقد الذاتي، تظلّ متواصلةً؛ لنرى أين هي نقاط ضعفنا؟ لماذا أخفقنا في المكان الفلاني؟ كيف يمكن تطوير عناصر القوّة وتجاوز عناصر الضعف؟ 4ـ لا بُدَّ لنا من نشاطٍ لاستحضار هذا المفهوم القرآني، والدعوة إليه، والترويج له، ونشر هذا المصطلح في حياة الناس؛ لأنّه غائبٌ نوعاً ما.

 

الإشكاليَّة الثالثة: حصر فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يتصوّر الكثير من الناس ـ على خلاف ما هو ثابتٌ في الفقه والإفتاء ـ أنّ هذه الفريضة هي وظيفة الفقهاء والمشايخ والعلماء، فهم يعرفون الحلال والحرام، أما سائر الناس فكأنّه لا شأن لهم بذلك، ولو فرضنا أنّهم معنيّون بهذه الفريضة فليس ذلك إلاّ بشكلٍ فرديّ محدود جدّاً، لا يشكّل جزءاً من برنامج حياتهم.

هذا المفهوم خاطئٌ تماماً وفقاً لرأي جمهور علماء المسلمين، باستثناء نزرٍ يسير منهم قديماً؛ فواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا فرق فيه بين العالم الديني وغيره، ولا بين الرجل والمرأة؛ هذه فريضةٌ عامّة. والنصوص القرآنيّة والحديثيّة واضحةٌ في عدم وجود تمييز في هذه الفريضة، بل لو تأمّلنا قليلاً نصوص الكتاب والسُّنَّة سنجد أنّ هذه الفريضة لها ثلاثة وجوه:

وجه فردي: الإنسان يأمر أخاه الإنسان.

وجه سلطويّ حكومي: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلله عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحجّ: 41). فالدولة أو السلطة في الإسلام عليها مسؤوليّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يجوز لها أن تتَّخذ موقف الحياد في ذلك؛ فإنّ التمكين في الأرض يعني السلطة، سواء كانت عشائريّةً أم دينيّة أم إعلاميّة أم سياسيّة أم اقتصاديّة أم غير ذلك. والدولة أبرزُ أشكال التمكُّن، وكلُّ مَنْ مكَّنه الله في الأرض، سواء كان فرداً أم جماعةً، فهو مُطالبٌ بالقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح شؤون مجتمعه ومحيطه.

وجهٌ مجتمعيّ، أي إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفةٌ مجتمعيّة، فالمجتمع برمّته معنيٌّ بهذا الأمر، سواء كانت هناك سلطةٌ أم لا.

ثمّة رأيٌ للشيخ محمد مهدي شمس الدين يقول بأنّ التكاليف على قسمين في الإسلام: التكاليف الفرديّة، ويكون خطاب الكتاب والسنّة فيها خطاباً للأفراد؛ والتكاليف المجتمعيّة التي يكون الخطاب فيها موجَّهاً للأمّة (شمس الدين، جهاد الأمّة: 47 ـ 59).

إنّ الكثير ممّا يسمّيه الفقهاء بالواجبات الكفائيّة يسمّيه العلاّمة شمس الدين بالواجبات المجتمعيّة، أو واجبات الأمّة. ومثال ذلك: فريضة الجهاد. فهذه الفريضة ليست موجَّهةً لي وحدي؛ إذ لا معنى لأن أجاهد وحدي؛ لأنّ طبيعة الجهاد هي طبيعة جماعية (أعني بالطبع الجهاد الحربي العسكري)، فهذا الخطاب موجَّهٌ للجماعة، وهي المطالبة بالجهاد، بصرف النظر عن كلّ فردٍ وحده. وعلى منوال الجهاد يقع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو من الوظائف التي أُمرت بها الأمّة بما هي أمّة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110)، ولم يقُلْ: كنتَ أيّها المسلم خير فردٍ أُخرج للناس.

إذن هذه الفريضة تختلف عن فريضة أداء الصلاة في جوف الليل؛ فأداء الصلاة شأنٌ فردي يقوم به المكلَّف وحده، وإنْ كانت له انعكاساته الاجتماعيّة الأخرى. أمّا فريضة الأمر بالمعروف فتارةً تلاحظ على أنّها فريضة فرديّة؛ وأخرى على أنّها فريضة أُسريّة: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: 132)؛ وتارةً تلاحظ على أنّها وظيفة سلطويّة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾؛ ورابعةً تلاحظ على أنّها فريضة جماعيّة، بحيث تكون هناك جماعةٌ في الأمّة مستنفرة ـ بما هي جماعة ـ للأمر والنهي: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾؛ وخامسةً تلاحظ على أنّها فريضةُ الأمّة بأجمعها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ…﴾.

وبناءً عليه، فهذه الفريضة متعدِّدة الجهات، من الفرديّة إلى الأُسريّة إلى السلطويَّة إلى تشكيل جماعات داخل الأمّة وظيفتها الأصليّة هذا العمل، إلى أن تكون هذه وظيفة الأمّة بما هي أمّةٌ، أي كلّ أمّة الإسلام لها رسالة إزاء ذاتها، وإزاء باقي الأمم الأخرى، عليها أن تقوم بها، فهي وظيفة الكلّ، كلٌّ بحسب سعته، وبحسب المكان الذي يحلُّ فيه في هذه الدنيا. بل قد يتعدّى الأمر أكثر من هذا في زماننا ـ كما يقول بعض من العلماء ـ، حيث تصبح بعض الواجبات الكفائيّة أحياناً واجباتٍ عينيّة، تماماً كحال شخص في الصحراء مسافر مع صديقه، وتوفّي صديقه، يجب أن يقوم بتجهيزه من الدفن والتكفين والصلاة عليه، وهذه كلّها واجبات كفائيّة، لكنْ باعتبار عدم وجود شخصٍ آخر غيره ينقلب هذا التكليف من واجب كفائي إلى واجب عيني، فكلّما لم يكن هناك متصدٍّ بمقدار الكفاية تصبح الظروف أقرب إلى العينيّة.

في عصرنا هذا يعتقد بعض العلماء أنّ هذه الفريضة انقلبت من الحالة الكفائيّة إلى الحالة العينيّة؛ لقلّة حجم المتصدِّين اللائقين نسبةً إلى حجم التحدّيات، بمعنى أنّك لو قارنت حجم المتصدِّين ـ على كثرتهم ـ في قضايا الأمر بالمعروف مع حجم التحدِّيات والغزو الثقافي وحجم الانحراف الأخلاقي الموجود في المجتمع تجد أنّ هؤلاء غير قادرين على تغطية هذه المساحة، إذن فالآخرون أيضاً مطالبون بالتصدِّي؛ لأنّ نسبة التصدّي إلى التحدّي غير متكافئة، والمطلوب أن يكون هناك تكافؤٌ ولو في حدّه الأدنى.

ولا بأس أن نشير هنا إلى أنّ سورة العصر تقدِّم مبدأً مهماً جدّاً، وهو: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، أي التوصية المتبادلة (أنت توصيني، وأنا أوصيك)، من المواصاة (مفاعلة) بين طرفين، فهذا أيضاً مبدأٌ من مبادئ الأمر بالمعروف، وينتج مفهوماً مجتمعياً لفكرة ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، بدل المفهوم الفردي الخاصّ، كما سنشير إليه، وهو مبدأٌ يفتح على نهي العلماء للناس عن المنكر ونهي الناس للعلماء عن المنكر لو فعله أحد الطرفين، دون اختصاص النهي والتوصية بطرفٍ منهما.

والأمر المهمّ على هذا الصعيد، هو أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندما لا يختصّان بعلماء الدين، فهذا معناه أنّ آحاد المسلمين من حقّهم بل من واجبهم ممارسة هذا الدور، ليس تجاه بعضهم بعضاً فقط، بل تجاه علماء الدين أنفسهم. فلا يوجد عندنا نصٌّ في الكتاب أو السنّة الثابتة يوقف هذه الفريضة إذا أُريد تطبيقها تجاه رجال الدين أنفسهم. ومن ثم فعلى عموم الناس إذا رأَوْا منكراً صدر من عالم من علماء الدين أن ينهوه عن المنكر هذا. وكونه منتسباً إلى سلك علماء الدين لا يمنحه أيّ حصانة في أن يُرشده الناس أو ينكروا عليه، طبقاً للقواعد الشرعيّة التي يلزم توفّرها هنا أيضاً. وعلى هذا فما يطرحه بعض الناس، من أنّ رجال الدين وفقهاءهم ومراجعهم هم فوق ممارسة فريضة الإرشاد أو النهي عن المنكر أو الأمر بالمعروف في حقّهم، لا أساس له سوى بعض الاعتبارات الاجتماعية، مثل: حفظ مكانتهم، وأنّ قيمة الدين بهم، وأنّ نقدهم أو الإنكار عليهم أو إرشادهم لأمرٍ هنا أو هناك هو توهينٌ لهم أو تضعيفٌ للدين… إنّ الأمر على العكس تماماً، حيث يجب على علماء الدين تربية الأمّة على نصحهم والإنكار عليهم وتقويمهم لو صدر منهم ما هو غير مناسب.

 

الإشكاليّة الرابعة: الأمر بالمعروف وثقافة اللامبالاة

في مقابل هذا كلّه توجد مشكلة تواجهنا أحياناً، وتؤسِّس لمنطق يشبه المنطق الذي انتقده (مايكل كوك)، وهي فكرة (اللامبالاة)، التي قد يستند بعضهم فيها إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: 105). هذه الآية مطروحةٌ بين العلماء، فهل تريد أن تؤسِّس لمبدأ اللامبالاة إزاء الآخرين أو لا؟ إنّ الآية واضحة ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي لست معنيّاً إلاّ بنفسك، وقدَّم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ على ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ للإشارة إلى الحصر، وفق قواعد لغة العرب، بمعنى أنّه ليس عليكم سوى هذه النفس. ففكرة اللامبالاة موجودةٌ، سواء بمبرِّر ديني؛ اعتماداً على هذه الآية، أم بمبرِّرات أُخَر، وهي تكرِّس المبدأ الذي يقول: أنا غير معنيّ، أو إنّ التدخُّل في حياة الآخرين فكرةٌ خاطئة، وليس لي أن أتدخَّل في شؤونهم.

تشير بعض الروايات التاريخيّة إلى أنّ فكرة الاعتماد على هذه الآية القرآنيّة لتأسيس منطق اللامبالاة إزاء قضايا الأمّة وقضايا الانحراف جاءت من جماعةٍ من المسلمين أعلنوا هذا المنطق، معتمدين على هذه الآية بعد وفاة الرسول الأكرم. ولعلّ الذي قال هذا شاهد انقساماً في الأمّة، فقال: لا علاقة لي. هذه الجماعة لا يُعرف اسمها، لكنّها مذكورةٌ في رواية تاريخيّة أوردها الإمام أحمد بن حنبل (مسند ابن حنبل 1: 5).

والسؤال هنا: كيف نفهم منطق اللامبالاة في الآية؟ وكيف نتعامل مع هذا المنطق الموجود في أوساطنا هذه الأيّام؟

توجد أجوبةٌ ومحاولات متعدِّدة لتفكيك دلالة هذه الآية الكريمة. وبعضها لا نوافق عليه، وإنْ لم يكن المجال مجال المناقشة التفصيليّة. وأهمُّها:

الجواب الأوّل: ما ذكره بعض العلماء، حيث قال بأنّ الآية واضحة في مناقضتها لمبدأ الأمر بالمعروف، وحيث لا يمكن فكّ هذا التناقض قالوا: هذه الآية نُسخت بآيات الجهاد والحرب والآيات اللاحقة (محمد حسن النجفي، جواهر الكلام 30: 34).

إلا أنّ المشكلة أنّ هذه الآية من آيات سورة المائدة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن الكريم، الأمر الذي استدعى القول بأنّ الآية مكيّة، لكنّها وُضعت في سورة مدنيّة، وهذا أمرٌ موجودٌ نظائره في علوم القرآن وكتب التفسير.

الجواب الثاني: ما ذكره بعض العلماء (الفخر الرازي، التفسير الكبير 12: 112)، من أنّه يمكن التوفيق أو إجراء مصالحة بين هذه الآية وسائر آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك أنّ هذه الآية تريد أن تقول: يا أيّها الذين آمنوا، إنّ ضلال الآخرين وانحرافهم لا يضرّكم في شيءٍ، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بمعنى أنّ انحراف أحد الأقرباء أو الجيران أو عامّة الناس لا يضرّكم في شيء: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: 164).

إلا أنّ هذه المحاولة الجوابيّة يمكنها أن تفسِّر لنا قوله تعالى: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، ولكنّها لا تفسِّر لنا قوله سبحانه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ إذ هذه الجملة تحتوي على فعل أمر، ومن ثم فإنّها تعني: إنّك معنيٌّ فقط بنفسك.

الجواب الثالث: ما أفاده بعض العلماء أيضاً، من أنّ (اللام) في هذه الآية القرآنيّة هي لام النهي، فتعني الآية: يا أيّها الذين آمنوا، حافظوا على دينكم وتقواكم وعدالتكم وإيمانكم، ولا تسمحوا للآخرين بأن يلحقوا الضرر بدينكم وإيمانكم بعد أن اهتديتم، فهذا لا ينافي مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن ثمّ فأنا ملزمٌ بأن أراعي نفسي، وأنتبه إليها، ولا أسمح للآخرين أن يُلحقوا الضرر المعنوي والروحي والسلوكي بي، وفي الوقت عينه أنا ملزمٌ بأن أصلحهم، فلا تنافي في البَيْن.

الجواب الرابع: ما ذكره الشيخ المنتظري، من أنّ هذه الآية فُهمت خطأً، فكلُّ ما تريد أن تقوله هو: يا أيّها الذين آمنوا، أنتم تتحمَّلون مسؤوليّة أنفسكم، أنتم يوم القيامة عندما تأتون تحملون مسؤوليّة أوزاركم التي فعلتموها، ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ أي إذا انحرف الآخرون فأنتم لا تتحمّلون مسؤوليّتهم ووزر أعمالهم يوم القيامة (حسين علي المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه 2: 240). فكلُّ واحدٍ يتحمّل مسؤوليّة نفسه، وما تفعله نفسه هو يتحمّل وزرَه يوم القيامة، أمّا ما يفعله الآخرون فليس في رقبتك.

ونترك مجال التفصيل في دلالة هذه الآية الكريمة إلى ما تعرَّضنا له في كتابنا (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 86 ـ 98)، فليراجع.

 

الإشكاليّة الخامسة: الأمر بالمعروف وأزمة التوتُّر النفسي عند الدعاة والمبلِّغين

فهذه الآية التي تثير فكرة اللامبالاة هي في الحقيقة تشبه مجموعةً من الآيات التي تؤسِّس لمبدأ مهمّ في الأمر بالمعروف، وهو أن لا نُتعب أنفسنا وأعصابنا. فهناك بعض الناس في أوساطنا الدينيّة عندما يرَوْن انحرافاً من أيّ نوعٍ يسعَوْن لتغييره، والآخرون لا يستجيبون لهم، فيصبحون وكأنّهم مسؤولون عنهم، فينفعلون ويحرقون أعصابهم ويُصابون بضغطٍ نفسيٍّ شديد، وهذه القضية نبَّه اللهُ رسولَه إليها عدّة مرّاتٍ في القرآن:

قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ (الكهف: 6)، أي لعلّك مُتلفٌ نفسك عليهم؛ لأنّهم ما آمنوا، فالهداية بيد الله، وليست بأيدينا، وعليك دعوتهم.

وقال سبحانه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: 3)، فالإنسان بطبيعته عادةً مترقِّبٌ لنتائج الأعمال، فتجده متوتِّراً وعجولاً؛ لذلك تجيبه الآية اللاحقة بأنّ الله لو أراد أن ينفعل مثلك أو يغضب أو يذهب بنفسه لنزَّل عليهم آيةً من السماء، وحسم الأمور: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: 4).

إذن هذا مبدأٌ مهمّ نستطيع أن نسمِّيه: (مبدأ الوَسَطيّة في حمل الهَمّ الديني)، حتى لا نبدو متوتِّرين وكأنّنا فقدنا أعصابنا. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام: 66)، فأنا لست المتوكِّل لأموركم، وإنّما ربّكم هو المتوكِّل لها. فنحن ندعو الآخرين، وإنْ استجابوا فبها ونعمت، وإنْ لم يستجيبوا فالأمر إليهم. وهذا هو منطق التوكُّل على الله؛ لأنّ مقاليد الأمور بيده سبحانه وتعالى، وعالم الأرواح والنفوس تحت سلطانه، فالتوتُّر والعصبيّة والانفعال وفقدان الأعصاب ليست هي الاستراتيجية عندنا. بل على العكس، نحن نضع خطّةً وبرنامجاً، عارفين بأن أمر القلوب بيد الله تبارك وتعالى، وليس بأيدينا، والمهمّ أن نقوم بوظائفنا، مَنْ اهتدى فلنفسه، ومَنْ لم يهتدِ فأمره إلى الله سبحانه، وندعو له بالهداية والتوفيق.

والنتيجةُ أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفةٌ اجتماعيّة وسياسيّة وفرديّة وأُسريّة وأمميّة، مطالبٌ بها الجميع. ولا يحقّ لنا رفع هذه المسؤوليّة ووضعها على كاهل العلماء فقط؛ فكلُّ واحدٍ منّا مطالبٌ، بل لا يبعد أن تكون هذه المسؤوليّة قد دخلت حيِّز الواجب العيني، ولا توجد في الثقافة الدينيّة فكرة اللامبالاة العامّة، بل المسؤوليّة كبيرةٌ على الجميع، دون أن تُدخلهم في حالةٍ من التوتُّر والضغط النفسي غير المبرَّرين.

 

الإشكاليَّة السادسة: تعطيل الفريضة لفقدان التأثير

ذكر الفقهاء شروطاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن بين هذه الشروط كان شرط وجود احتمال التأثير؛ فلو لم يُحتمل التأثير في الطرف المقابل فلا يجب أمره ونهيه. وهذه الفكرة صحيحةٌ، لكنّها فُهِمَتْ عملياً أو طُبِّقت بصورةٍ ملتبسة.

قال الفقهاء ـ كما يشير إلى ذلك السيد الخميني (تحرير الوسيلة 1: 469) ـ بأنّ احتمال التأثير له أوجه متعدِّدة. فمثلاً: زيد يشرب الخمر، فأقول له: هذا حرامٌ، وأنا أعلم أن كلامي معه غير مؤثِّرٍ فيه، فهنا نقول: لا يوجد احتمالٌ للتأثير، والنتيجة عدم وجود تكليفٍ إلزامي في حقّي تجاهه بعد ذلك في هذه القضيّة ما دامت الحال كذلك.

هذه هي النظرة الفرديّة التي كان السيد الصدر يسمِّيها بـ (النزعة الانكماشيّة في الفقه). فهناك مَنْ يفكر بأنَّ الأحكام تُدار بهذه الطريقة تطبيقيّاً، بينما يلزمنا أن نفكِّر ونحن نتعامل مع فريضة الأمر والنهي بوصفنا جماعةً كبيرة منتشرة في الأُمَّة، كلُّ فردٍ من أفراد هذه الجماعة يأمر وينهي واحداً أو اثنين. وهنا يجب أن أنظر إلى حالتي بوصفي جماعةً. فهل قيام جميع أفراد الجماعة يمكن أن يُحْدِث تأثيراً على المستوى الفردي أو الاجتماعي، حتّى لو كان هذا الفرد أو ذاك في هذه الحالة أو تلك لا يَجِدُ احتمال التأثير في هذا الفرد من الناس أو غيره؟

إنّ وجود حالة الأمر بالمعروف في المجتمع، حتّى مع فقدان التأثير الجزئي هنا أو هناك، هو بنفسه له تأثيرٌ على الناس، بمعنى أنَّ مَنْ يفعل المنكر لا يشعر بطمأنينةٍ نفسيَّة. وهذا أيضاً شكلٌ من أشكال التأثير. وفكرة التأثير ليس مستندها ـ في نظري ـ نصٌّ ديني ثابت السند والدلالة يحكي عنها، وإنّما عمدتها المقاربة العقلانيّة لطبيعة الفريضة وملابساتها (انظر: حيدر حبّ الله، فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 339 ـ 348). إنّ سكوت الآمرين بالمعروف يجعل شريحةً كبيرة من الناس لا تشعر بأنَّ ما تفعله هو ذنبٌ، وهذا معنى الرواية التي قالت: «كيف بكم إذا صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً» (تفصيل وسائل الشيعة 16: 122). فعندما يسكت الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، ويروج الانحراف الأخلاقي والاجتماعي في الأُمَّة، لا يلتفت الناس إلى أنَّ ما يفعلونه هو المنكر. فنفس وجود ظاهرة الأمر بالمعروف حالةً جماعيَّة يؤدّي إلى شعور المذنبين بأنَّ هناك وجهة نظر (على الأقلّ) تقول بأنَّ ما يفعلونه غيرُ صحيحٍ.

سأقف قليلاً عند قصَّةٍ وردت في القرآن الكريم، اهتمَّ بها بعض المفسِّرين في موضوع الأمر بالمعروف، وهي قصَّة (أصحاب السبت). فقد كانت هناك جماعةٌ من بني إسرائيل يعيشون على شاطئ البحر، وكانوا فَسَقةً، فأراد الله ـ لأنَّهم فاسقين ـ أن يبتليهم، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ…﴾ (النساء: 160). والباء في الآية سببيَّة، أي إنّه بسبب ظلمهم حُرِّمت عليهم (طَيِّبَاتٌ أُحِلَّتْ لَهُمْ). فأراد الله أن يعاقبهم، فحرَّم عليهم الصيد يوم السبت، فكانت الأسماك لا تأتي شواطئهم سائر أيّام الأسبوع، بينما كانت في يوم السبت (شُرَّعاً)، أي أسراباً على شاطئ البحر، تبدأ تتابع على مرأىً منهم ومشهد. وقعت المعصية منهم بالصيد يوم السبت، بعد أن حرّمه الله عليهم، فتشكَّلَتْ فيهم أمَّة عاصية معتدية. وهنا انقسم سائر الناس قسمين: فريقاً يقول: يجب أن نأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر؛ وفريقاً يقول: لا فائدة من ذلك، فهؤلاء سينزل بهم العذاب لا محالة، ولن يصلح حالهم قبل ذلك.

وبهذا أصبحت لدينا ثلاث مجموعات: المجموعة المعتدية؛ والمجموعة الواعظة؛ والمجموعة الساكتة. وهنا قال تعالى: ﴿واسألْهُم عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (النساء: 163 ـ 165). وهذا يعني أنَّ الأمَّة الواعظة قد ذكَّرتهم، فنسوا وأهملوا ما ذُكِّروا به، وأنجينا خصوص الذين ينهَوْن عن السوء.

والسؤال: أين ذهبت (الأُمَّة الساكتة)؟ إنّ بعض الروايات تقول: ذهبت مع الذين ضلّوا بعذابٍ بئيس؛ لأنَّ الأُمَّة الواعظة حصلَتْ على العُذْر، لكن الأُمَّة الساكتة لم تحصَلْ على العُذْر، فلحقها عذاب القوم: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ.

هذه القصَّة تعطينا أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضةٌ، على الرغم من الاحتمال الضئيل في هداية هذه الأُمَّة. فترك الأمر بالمعروف ـ ولو مع الاحتمال الضئيل للتأثير ـ من الكبائر؛ بناء على تفسير الكبائر بما توعَّد الله عليه في القرآن بالعذاب.

ما نهدف إليه هو أنّه لا يصحّ تضخيم فكرة احتمال التأثير، بحيث نختلق منها لأنفسنا أعذاراً للتخلّي عن مسؤوليّاتنا. ولهذا نجد أنّ بعض الفقهاء تحدَّثوا عن كفاية الاحتمال في التأثير، ولو في المستقبل، على تقدير تكرار الأمر والنهي، ولو لمدّةٍ غير قصيرة (انظر ـ على سبيل المثال ـ: الخميني، تحرير الوسيلة 1: 468؛ وفضل الله، فقه الشريعة 1: 627 ـ 628).

بل لعلّ مستوحٍ يستوحي من هذه القصّة أنّ وجود ظاهرة الأمر بالمعروف من المنجيات من العذاب، وأنّ فقدانها قد يجعل العذاب لاحقاً حتّى للمؤمنين الصالحين.

وربما يُستوحى هذا أيضاً من سورة العصر، حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَصْر* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فالخارجون عن دائرة الخسران هم المتَّصفون بصفاتٍ ثلاث: أـ الإيمان؛ ب ـ العمل الصالح؛ ج ـ التواصي بالحقّ والصبر، بمعنى دعوة بعضنا بعضاً للإيمان والصبر والفضيلة.

 

الإشكاليَّة السابعة: الجمود على المنكر الفرديّ

واحدة من القضايا التي تسود أدبياتنا هي أنَّ المنكرات مسلكيّات فرديَّة، يمكن أن نواجهها في الحياة. وعادةً ما لا ننتبه إلى أنَّ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لها أوجه عامَّة (غير سلوكيَّة) أيضاً. فلها وجه اجتماعي، وآخر سياسي، ومحاربة الظلم والاستبداد، ومحاربة الطبقيَّة المنتشرة في أوساط المسلمين، بمَنْ فيهم أهل الإيمان والصلاح والتديُّن، والفساد المالي والإداري والطبقي، والفساد الأخلاقي وغيره. لكنْ هناك جانبٌ مهمّ في هذه الفريضة لا نلتفت إلى ضرورته، وهو الجانب الفكري والثقافي.

إنّ الكثير منَّا يتصوَّر أنَّ هذه الفريضة هي محاولة لتغيير معصيةٍ صدرَتْ من شخصٍ، لكنّ مفهوم الدعوة إلى الخير، وإرشاد الجاهل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مفاهيم تشمل حتَّى إلفات نظر الآخرين إلى الانحراف الفكري والثقافي الذي يُعانون منه.

لقد ميَّز الفقهاء بين فكرة الأمر بالمعروف وإرشاد الجاهل، حيث قالوا: لو فعل شخص فعلاً غير حقٍّ، ولكنّه لا يعرف أنَّه باطلٌ، فوظيفتنا تجاهه هي (إرشاد الجاهل)، أمَّا إذا فعله وهو يعلم أنَّه غير صحيح فوظيفتنا تجاهه هي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). نحن هنا لا نتحدَّث بالمفهوم الفقهي، بل نتحدَّث عن الأمر بالمعروف بمفهومه الواسع: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: 104)، أي بالمفهوم العامّ. وهنا لا فرق بين أن أصرف شخصاً عن فعلٍ حرام وهو يعلم أنَّه حرام وبين أن أوضِّح له الحقَّ من الباطل، فكبرى مهمّات الأنبياء^ هي مواجهة الانحراف العقائدي والثقافي والفكري عبر مثل: التوحيد، والمعاد، والنبوّات، وغيرها.

إنّنا كثيراً ما نعتقد بأنّ الحوار الفكري والثقافي والعقائدي ليس جزءاً من عمليَّة الأمر بالمعروف، بينما الصحيح هو أنّه يقع في سياقه، ولا ينفصل عنه. وفي تقديري كلُّ نشاطٍ علميٍّ يُراد منه تصحيح الأفكار والمفاهيم فهو يصبُّ في نهاية المطاف في عنوان الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأمر بالمعروف ليس فقط إصلاح فرد في منكرٍ سلوكيٍّ يفعله وهو يعلم به، وإنَّما أيضاً إصلاح ثقافة مجتمع ووَعْيه وأفكاره.

يذهب بعض المفكِّرين المعاصرين، مثل: الدكتور حسن حنفي، إلى أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجوز أن ندخلهما في عالم المفاهيم والأفكار، وهما من الأمور الاجتماعيَّة؛ لأننا إذا أقحمنا فكرة الأمر بالمعروف في قضايا الفكر والثقافة والخلاف العلمي فسيوجب ذلك سلب الحُرِّيات. فكلُّ شخصٍ يختلف مع الآخر يجب أن يقمعه ويصادر حرِّيته؛ لأنَّه يعتقد بأنَّه يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر. وهذا ما سيؤدِّي إلى سدِّ باب الاجتهاد في الفقه والتاريخ والكلام والفلسفة وعلوم التفسير والحديث والأصول والرجال، وسائر العلوم الإنسانيّة (انظر: حنفي، من العقيدة إلى الثورة 5: 257 ـ 258). وعليه يجب تحييد هذه الفريضة عن عالم الفكر؛ لأنَّه عالم مفتوحٌ ليس للأمر بالمعروف علاقة به، ولا يجوز حظر الأفكار بحجَّة الأمر بالمعروف. هذه الفكرة استشهد لها الدكتور حسن حنفي بالتاريخ الإسلامي، حيث اعتبر أنّ المعتزلة أخطأوا هنا. فكلُّنا يعرف أنَّ المعتزلة إحدى الفِرَق التي دَعَتْ إلى الحُرِّيات والمنطق والعقل والتفكير، وآمنت بإرادة واختيار الإنسان، وقد تعرَّض المعتزلة للسجن والقمع والحصار والتنكيل، إلى أن قيَّض الله لهم أحد الخلفاء العبَّاسيّين ليكون معهم، وعندما آمنت الدولة العبَّاسيّة بالفكر المعتزلي أصبح كلّ القضاة والمفتين والعلماء وكلّ دارسي الكلام والمناظرة في بغداد وغيرها تحت رحمة المعتزلة، فشهد مذهبهم نهضةً عظيمة في القرن الثالث الهجري.

لكنّ الخطأ الذي ارتكبه المعتزلة ـ من وجهة نظر هؤلاء الأشخاص الذين يقولون بتحييد الأمر بالمعروف عن عالم الفكر ـ هو أنَّهم عندما جعلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الدين قالوا بأنّ إصلاح الأفكار أحد أهم معالم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبهذا سوَّغوا لأنفسهم أن يضربوا بيدٍ من حديدٍ كلَّ مَنْ خالفهم الرأي، فقتلوا كلَّ مَنْ خالفهم، وزجّوا بهم في السجون، ووقعَتْ مآسٍ في التاريخ الإسلامي في تلك الفترة. ليستمرّ الوضع على هذه الحال حتّى قيَّض الله لأهل الحديث خليفةً عبَّاسيّاً آخر بعد ذلك، فاستعمل مع المعتزلة نفس ما استعمله المعتزلة مع خصومهم، فقضى عليهم. ومنذ القرن الرابع الهجري وحتّى مطلع القرن الرابع عشر الهجري انتهى الاعتزال في تاريخ المسلمين، فقُتِلوا وشُرِّدوا وأُحْرِقت كتبهم، ولم يُسْمَح لهم بالكلام.

لو تأمَّلنا في وجهة النظر هذه ـ وهي عدم إقحام الأمر بالمعروف في عالم الفكر ـ سنجد أنَّ مصدر القلق الأساسي فيها هو القمع. وبالاصطلاح الفقهي هو المرتبة الثالثة من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (مرتبة اليد)؛ فإنَّ للأمر بالمعروف ثلاث مراتب: 1ـ مرتبة القلب؛ 2ـ مرتبة اللسان؛ 3ـ مرتبة اليد. فإذا أقحم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمراتبه الثلاث في باب الإصلاح الفكري، وفي باب المواجهة العقائديّة والثقافيّة، فسينجرّ ذلك إلى القمع والضرب والتنكيل والعنف ومصادرة الحُرِّيات. إذن، فمصدر القلق هو (القمع). وهو ما يشكِّل الفَرْق بين عصور المعتزلة وأهل الحديث القمعيّة وعصر آل بُوَيْه الذين سمحوا للمفكِّرين من جميع المذاهب والاتِّجاهات الإسلاميّة أن يكون لهم رأيٌ، وأن ينشروا كُتُبهم، وأن يكون لهم كرسيُّ الكلام في بغداد، وأن يشهدوا المناظرات في البلاط. ولذلك عُرِف القرن الذي حكم فيه آل بُوَيْه، من عام (320هـ) وحتّى عام (447هـ)، لحظة سقوط بغداد على يد السلاجقة، بـ (العصر الذهبيّ للإسلام)، حتّى باعتراف المستشرقين، حيث نجد من الناحية الفكريّة ظهور أكثر المصنَّفات والعلوم الإسلاميّة في هذا القرن، بخلاف القرن الذي سبقه، ومارس فيه أهل الحديث والمعتزلة ما مارسوه.

فالمشكلة ليست في مبدأ الأمر بالمعروف، بوصفه حواراً فكريّاً لإقناع الآخرين بما أراه الحقّ والصواب والسلامة، وإنَّما تكمن في المرتبة الثالثة من مراتبه، إذا أقحمناها في الأمر بالمعروف، فيفضي بنا الخلاف الفكري إلى القمع المتبادل، ومَنْ له القوَّة سيكون معه الحقُّ بناءً على هذه المعادلة.

لذلك أُريد أن أدخل إلى الإشكاليَّة الثامنة لمعالجة هذه المشكلة، عنيْتُ فكرة العنف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل شُرِّع العنف في هذا السياق أساساً ـ في الفكر أو غيره ـ أو لا؟

 

الإشكاليّة الثامنة: مسألة العنف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إنّ الإضاءة على هذه الإشكاليّة، ووضع جوابٍ يتصل بها، سوف يساعدنا في حلِّ الإشكاليّة السابقة، ومن ثَمَّ سيصبح العمل الفكري في باب الأمر بالمعروف مشروعاً ومشرّعاً.

يتحدّث الفقهاء منذ قرون عن أنّ مراتب الأمر بالمعروف ثلاثة وهي: (القلب، اللسان، اليد).

أمّا مرتبة القلب فلها معنيان: أحدهما ليست له علاقة بالأمر بالمعروف؛ والثاني على صلةٍ وثيقة به.

إنّ معنى مرتبة القلب في تفسيرها الأوّل هو عدم الرضا ـ نفسياً ووجدانياً ـ بالمنكر. إنّ هذا الأمر واجبٌ، لكنّه ليس أمراً بالمعروف؛ لأنّني لا آمر أحداً. والفقهاء المتأخِّرون قالوا: هذا من الواجبات التي دلَّ الدليل عليها، فإذا رأيتُ منكراً في مكانٍ ما فعليَّ أن أستنكر في قلبي، أي إنّ عليَّ أن أربّي نفسي تربية أخلاقيّة بحيث يصبح سماع المنكر بالنسبة إليها فيه نوعٌ من الضيق النفسي والكراهية والانزعاج، فأنا بيني وبين نفسي أحبّ المعروف وأشعر بالسعادة لوجوده، ولا أرضى بالمنكر. هذه هي التربية التفاعليّة الإيجابيّة مع المعروف والتفاعليّة السلبيّة مع المنكر، وهذا واجبٌ من حيث المبدأ، لكنّه ليس له علاقة بالأمر بالمعروف.

أمّا مرتبة القلب التي لها علاقة بالأمر بالمعروف فهي التي وصفوها بأنّها كلُّ ردّة فعلٍ خارجيّة يقوم بها الإنسان تجاه منكرٍ ما، وليس للسان أو اليد بها علاقة، مثل: أن يعبس في وجه فاعل المنكر، أو يصرف نظره عنه، أو يبدي انزعاجه منه، أي هي كلّ أسلوب غير لسانيّ، ولا يستخدم العنف. هذا هو ما يُسمّى بمرتبة القلب هنا، فيما كلُّ أسلوبٍ يستخدم اللسان (البيان اللفظي) فهذا يُسمّى مرتبة اللسان.

من هنا قال العديد من الفقهاء المتأخِّرين: لا يوجد فرقٌ بين مرتبة القلب واللسان، فهي كلُّ إبرازٍ غير عنفي، واللسان يعني البيان، أي: أُبيِّن له بتقاسيم وجهي أو إعراضي عنه أو بعدم استجابتي لطلبه؛ أو أُبيِّن له باللسان والألفاظ، لهذا قال بعض الفقهاء بأنّ مرتبة القلب واللسان واحدةٌ (انظر: الخوئي، منهاج الصالحين 1: 352 ـ 353). بل لو أردنا ـ مصرّين ـ أن نفصلهما عن بعضٍ فيكون القلب كلَّ وسيلةٍ إبرازيّة ليس للسان واليد دَوْرٌ فيها، ويصبح اللسان كلَّ وسيلةٍ إبرازيّة تستخدم اللسان والبيان اللفظي لتوضيح المسألة للطرف الآخر، أمراً أو نهياً.

وأمّا مرتبة اليد (المرتبة الثالثة) فهناك جدلٌ بين العلماء حول معنى (اليد). ويوجد هنا أكثر من تفسير، نذكر بعضها:

التفسير الأوّل: ما ذهب إليه مشهور العلماء من أنّ معنى (اليد) هو العنف. وهو أمرٌ ليس سيِّئاً بالضرورة؛ فكلُّ القوانين في العالم تستخدم العنف (كالسجن مثلاً). والعنف هنا قد يكون ضرباً، أو سجناً، أو حجزاً، أو مصادرةً لأموالٍ، أو إتلافاً لها، أو تصرُّفاً بها، أو غير ذلك. بل هناك مَنْ يرى أنّها تشمل حتّى الجرح أو كسر بعض الأعضاء أو بترها. بل ثمّة مَنْ يرى هنا أنّه لا يوجد دليلٌ على ربط تطبيق هذه المرتبة بإذن الحاكم الشرعي أو أجهزة الدولة الشرعيّة، وإنْ كان هناك رأيٌ آخر يرى ربطها ـ وخاصّةً في مثل: الجرح والكسر ـ بهذا الإذن.

وقد آمن الكثير من العلماء ـ سنّةً وشيعةً ـ بهذا التفسير من حيث المبدأ، لكنّ مجموعةً من العلماء المتأخِّرين أعادوا النظر في هذا الموضوع، وقالوا: مرتبة اليد ـ بهذا المعنى والتفسير ـ لا دليل عليها. ومن العلماء الذين رفضوا هذه المرتبة السيد محمود الهاشمي حفظه الله، والميرزا جواد التبريزي&، والسيّد تقي القمّي&، والمحقِّق الأردبيلي&، الذي قال ـ أعني الأردبيلي ـ: لولا الإجماع، لا دليل على هذه المرتبة (انظر: مجمع الفائدة والبرهان 7: 543)، وهو يقصد أنّه لا توجد بأيدينا آيةٌ كريمة أو حديثٌ شريف يمكن أن يدلاّ على ثبوت هذه المرتبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

التفسير الثاني: إنّ معنى (اليد) هو ممارسة النفوذ؛ للحيلولة دون وقوع الحرام. فمثلاً: لو كان هناك حزبٌ سياسي إسلامي يتدخَّل لإصدار قوانين في البرلمان؛ للحدِّ مثلاً من شُرْب المُسْكِر، فهو هنا يمارس مرتبة اليد، بمعنى أنّه يمارس نفوذه ـ دون أيِّ عنفٍ مباشر ضدّ أحد ـ لكي يحول بين الناس والمعصية.

فاليد هنا هو الممارسة العمليّة التي تعمل للوصول إلى الحيلولة بين العاصي وارتكاب المعصية في المجتمع، دون استخدام العنف بالمعنى السائد.

التفسير الثالث: وهو رأي أحد علمائنا القدامى، وهو سلاَّر الديلمي، صاحب كتاب (المراسم العلويَّة)، حيث قال بأنّ اليد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعني أن يفعل الآمرُ بالمعروف المعروفَ ليقتديَ الآخرون به (المراسم العلوية: 263). فالمفهوم هنا يقع على العكس تماماً من الشيء الموجود في ذهننا. فالأمر بالمعروف باليد هنا يعني بالفعل. فأنت مثلاً لك مكانتك الروحيّة بين الناس، فتصلِّي في المسجد جماعةً، فالناس تقتدي بك وتتحرَّك لتصلِّي جماعةً في المسجد، فهذا أمرٌ بالمعروف، لكنّه أمرٌ عمليّ، وليس قوليّاً، ولا هو مجرّد إبداءٍ للكراهة، دون أن يصل ـ في الوقت عينه ـ إلى استخدام العنف.

ومن بين هذه التفاسير الثلاثة نريد أن نتوقَّف قليلاً مع التفسير الأوّل، فإنّ الذين قالوا بالعنف الجسدي كانت لهم أدلّةٌ كثيرة، أبرزها دليلان:

الدليل الأوّل: إطلاق الآيات القرآنيَّة والروايات، حيث قالت: عليكم أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، فلم تكن مقيَّدةً، بل مطلقة، ولم تحدِّد ذلك باليد أو إبراز الكراهة في الوجه، وإنَّما بأيِّ وسيلةٍ تنهى الآخر عن المنكر، وهذا يعني أنّه لا يوجد تقييد في الآليات، وفي السبل، وفي الوسائل، وفي الطرائق، وإنَّما الأمر بيدي أنا، فالمهم أن يتحقَّق المطلوب. نعم، يأتي هنا في الفقه قانونٌ نسمِّيه (قانون الأيسر)، يعني الأيسر فالأيسر، أي الأخفّ فالأخفّ (من الأسفل إلى أعلى)، فإذا لم تنفع كلُّ الطرق، ولم يبقَ إلاَّ العنف، فنستخدم العنف في هذه الحال.

الناقدون الذين رفضوا فكرة العنف الجسدي يمكنهم أن يقولوا هنا: لا يمكن الاستدلال بمطلقات النصوص؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ عندما يأمرنا بشيءٍ فهو يأمرنا باستخدام كلّ الوسائل ما لم تكن تلك الوسيلة محرَّمة في حدِّ نفسها. فعلى سبيل المثال: إذا قال لي النصّ: أدخل السرور على قلب أخيك المؤمن، فلو كان ذلك الشخص يُسَرُّ باستغابة الناس فهل يجوز أن نستغيبهم لكي نُدْخِل السرور على قلبه؟! بالتأكيد لا، مع أنّ الرواية مطلقة، بل إنّ أدلّة الواجبات منصرفةٌ عن المحرَّمات، يعني عندما يأمرني الله بواجب فيمكن أن أستخدم أيَّ وسيلةٍ لتحقيق الواجب ما لم تكن تلك الوسيلة من المحرَّمات (في حدِّ نفسها عند الله تعالى)؛ إذ لا يُطاع الله من حيث يُعصى، وإلاَّ يلزم ارتكاب كلّ المحرَّمات بالتحايل على الله.

وينتج عن هذا أنّ الآيات والروايات تأمر بالمبدأ، ولا تحدِّد الطريقة. فالتفاصيل واستخدام العنف وعدم استخدامه مسكوتٌ عنه في النصوص.

الدليل الثاني: وهو الدليل الأقوى هنا، عنيتُ الأحاديث التي تبلغ حوالي خمس عشرة روايةً بحثها الفقهاء في محلّه، ومنها: الرواية المشهورة: (مَن رأى منكم منكراً فليغيِّرْه بيده…)، بل هذه الرواية بالخصوص موجودةٌ في مصادر السنّة والشيعة معاً، ويمكن القول بأنّها تقريباً متَّفقٌ عليها بين المسلمين. إنّ هذه الروايات واضحة، فقد حدَّدت لنا الطريق، وبرَّرت العنف.

العلماء الناقدون يمكن أن يقولوا هنا أيضاً: إنّ غالبيّة الروايات فيها نظرٌ من حيث السند والمصدر. وهذا البحث لا علاقة لنا به حالياً، لكنْ لنتوقّف قليلاً عند هذا الحديث المشهور الراسخ في أذهاننا جميعاً: (مَنْ رأى منكم منكراً فليغيِّرْه بيده، فإنْ لم يستطِعْ فبلسانه، وإنْ لم يستطِعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (صحيح مسلم 1: 50). إنّ هذا الحديث يستحيل أن يكون المراد (باليد) فيه هو العنف؛ لأنّ هذا يعني أنّه إذا رأيت شخصاً يرتكب أمامي معصية فعليَّ مباشرةً أن أضربه، فإنْ لم يقتنع بالضرب أتحدَّث معه. وهذا غير منطقيٍّ، بل هو على عكس فتوى الفقهاء. ولذلك قال سلاَّر الديلمي: لأنّ الرواية ابتدأت باليد، فالمراد باليد هو أن تفعل أنت المعروف.

ومن هنا يطرح الناقدون أنّ هذه الرواية غير واضحةٍ في موضوع العنف؛ لأنّها تخالف النظام المستدلّ عليه في الفقه، وهو نظام (الأيسر)، أي الذهاب من الأدنى إلى الأعلى. مضافاً إلى أنّ هذه الرواية في المصادر الشيعيّة ضعيفة السند لا يعتمد عليها عند العديد من العلماء، بل هي واردة في بعض الكتب غير المعتبرة عندهم. وقد درستُ مختلف هذه الأدلّة والروايات بشكلٍ تفصيلي في كتابي المتواضع (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 470 ـ 516).

من هنا يبدو التحفُّظ العامّ على أدلّة العنف في الأمر بالمعروف. لكنّ السؤال: كيف يمكن أن يفهم الرافضون لهذه المرتبة الموضوعَ؟

إنّنا بوصفنا رافضين لاستخدام وسائل العنف نحلِّل الأمر بالمعروف في إطارٍ عامّ، حيث هناك مفهومان للأمر بالمعروف: عامٌّ؛ وخاصٌّ.

المفهوم العام للأمر بالمعروف هو كلُّ وسيلةٍ تسعى لتطبيق الدِّين؛ لكي يقع الحقّ والمعروف؛ ولكي لا يقع المنكر. فإذا كان كذلك فاليد إذا أردنا تفسيرها بالعنف يصبح معناها مثل (القضاء)؛ لأنّ القاضي يستخدم القوّة، فتصبح اليد بالمعنى العامّ هي القصاص، القوانين الجزائيّة، الحدود، الديات. و(اليد) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تصبح الجهاد أيضاً، وهكذا.

إذن، لو أخذنا المعنى العامّ للأمر بالمعروف تصبح لدينا: مرتبة القلب، ومرتبة اللسان (دعوة الناس إلى الحقِّ)، ومرتبة (القوّة)، والمراد بها القوّة ضمن قنواتها القانونيّة، مثلاً: ضمن شروط الحدود، وشروط الجهاد، وشروط القصاص، وهكذا، فتصبح (اليد) بمعنى السعي لإقامة الشرع الإسلامي بدرجاتٍ متفاوتة. ومعنى ذلك أن أسعى لإقامة الشريعة دون قهر أحد، فإنْ لم أستطِعْ عند ذلك أتكلَّم مع الناس وأدعوهم، فإذا استطعنا أن نجعل الشريعة في الحياة بشكلٍ طبيعي فقد تحقَّق المطلوب، أمّا إذا عجزنا فعلينا أن نقنع الناس بأن تجعل الشريعة قانون حياتها، وأن يلتزموا بالدِّين، وأن يعملوا المعروف… وبهذا يختلف تصوُّرنا لـ (اليد) اختلافاً جَذْرياً عن الجميع، بمَنْ فيهم سلاَّر الديلمي.

وأمّا الأمر بالمعروف بالمعنى الخاصّ، الذي هو أمرٌ مغاير للجهاد والقصاص والقضاء وغير ذلك، فليس منه القوّة العنفيّة أبداً، إلا في حدودٍ استثنائيّة خاصّة جدّاً.

إذا تبنَّيْنا وجهة النظر هذه فلن تكون هناك مشكلة في الحرِّيات الفكريّة؛ حيث سيصبح الخلاف مع الانحراف الفكري خلافاً فكريّاً، عبر إصدار الكتب أو إلقاء المحاضرات أو استخدام الإعلام أو النشاط الاجتماعي في مقابله، ما لم يرتكب الآخر جُرْماً قانونياً، كالقتل أو الزنا، فإذا ارتكب يجب أن يُعاقَب وفقاً للشريعة، ضمن الشروط الموضوعيّة لذلك. وبهذا ينتفي مبرِّر القلق الذي دفع أمثال الدكتور حسن حنفي للتحفُّظ عن سريان هذه الفريضة لمجال الفكر والمعرفة والثقافة، بل الأمرُ والنهيُ هنا فاعلان، دون أن يؤدّي ذلك إلى المخاوف التي يقول بها أمثال حسن حنفي، مثل: سدّ باب الاجتهاد، وقمع الفقهاء والعلماء.

 

الإشكاليّة التاسعة: غياب فقه الأولويّات

إنّ نظريّة فقه الأولويّات موجودةٌ في علم أصول الفقه، ولكنْ بشكلٍ بسيط، ومن أبرز مَنْ ركَّز عليها وأَوْلاها أهمِّيةً هو الشيخ مرتضى مطهَّري، حيث قال بأنّ فقه الأولويّات مثل ميزان الحرارة في الجسم، فإذا اختلّ ميزان الحرارة تعطَّلت الأعضاء، وصار المقدَّم مؤخَّراً والمؤخَّر مقدَّماً، والمهمّ غير مهمٍّ وغير المهمّ مهمّاً.

ويعطي مطهَّري مثالاً، وهو عبارة عن شخص يخرج من طهران لزيارة الإمام الحسين× في كربلاء، فيوقفوه على الحدود؛ ليسألوه، فيكذب؛ نتيجة وجود مشكلة معيَّنة عنده مثلاً، فهنا يكون قد ارتكب حراماً، وهو الكذب؛ لأجل مستحبٍّ، وهو الزيارة.

وهذا مثالٌ بسيط. وكثيراً ما نقع في مثل هذا من حيث لا نشعر؛ لأنّنا لم ننتبه للخارطة الهَرَميّة للأولويّات.

وبهذا خلص مطهَّري إلى أنّه لا يجوز أن أرتكب محرَّماً كي أقدم على أمرٍ مستحبّ، ولو كان مؤكَّداً.

عندما تغيب عن الأمر بالمعروف ـ على المستوى الاجتماعي العامّ ـ نظريّة فقه الأولويّات فمن الممكن أن يشغل الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر كلَّ الساحة بموضوعٍ طفيف ـ يعتبره هو المهمّ ـ، ويترك عشرات الأولويّات الأُخَر التي لا يعرف أنّها أهمّ من الموضوع الذي يشتغل عليه.

وهذا الأمر من المشاكل الأساسيّة في نشاط العاملين في المجال الفكري والثقافي والدعوي والتبليغي والإيماني.

ولكي يكون لنا عقلُ أولويّاتٍ يجب أن نعرف الزمان والمكان وما يريده النصُّ؛ حيث يمثِّل النصُّ والواقعُ ثنائيّاً: فماذا يريد النصُّ مني؟ وماذا يتحمَّل الواقع أو يتطلَّب؟ وبهذا أجمع بين النصِّ والواقع، كما كان ينادي السيد محمد باقر الصدر. يجب أن أعيَ الواقع لأحكِّم النصَّ فيه، بدل أن أحكِّم النصَّ في فراغٍ، ويجب أن أعرف الواقع كي أُنزل القِيَم فيه، وإلاّ فسوف أُضيِّع القِيَم، وأُضحي بالأفكار، وأنا أظنُّ أنّني أخدمها.

إنّ فقه الأولويّات مهمٌّ جدّاً في عالم التبليغ والدعوة، وليس فقط في الأمر بالمعروف؛ بل في كلِّ شيءٍ هو مهمّ. والذي يفقد فقهَ الأولويّات فسوف يفقد وعي الزمان والمكان وكلَّ شيءٍ، ويذهب علمه سدىً، ليس في داخل نفسه، بل في تطبيق علمه على الخارج؛ وتختلّ عنده الموازين، فيرى هذا أهمّ فيشتغل عليه، فيضيع عليه ما هو الأهمّ واقعاً، فيُشْغِلُ الساحةَ بالأقلّ، في حين كان يفترض أن يُشْغِلَها بالأكثر.

إذن، يجب وعي المتطلّبات والأولويّات، وأنّنا في أيِّ مرحلةٍ زمنيّة نعيش؟ وما هي الأصول الأولى التي ينبغي أن نشتغل عليها الآن؟ وما هي الأمور الفرعيّة التي نريد أن نعطيها حقَّها كذلك؟ كيف نوازن؟ وكيف نميِّز؟

هذه قضايا تضيع على كثيرين. بل في رأيي المتواضع إنّ هذه النقطة ناشئةٌ من عدم وعينا ودراستنا للسيرة دراسةً تحليليّة. فدائماً سيرة الأنبياء والأئمّة والصحابة ندرسها دراسةً فرديّة، وبحَسَب تعبير المؤرِّخين (دراسة حوليّة)، أي حَسْب تسلسل الزمن، لكنْ قليلاً ما نرى ـ إلاّ عند العلماء المتأخِّرين، والحمد لله ـ سيرةً تحليليّة، مثل: ما هي الأهداف؟ ما هي الخطط الاستراتيجيّة التي وضعها الأئمّة؟ ما هي الأولويّات التي كانوا يعتمدونها؟ كيف كانوا يضحّون بالأقلّ قيمةً في سبيل الأكثر قيمةً؟ كيف كانوا يوازنون بين المصالح والمفاسد؟ علماً أنّ المصالح هنا هي مصالح القِيَم والمبادئ والدِّين. هذا هو ما نحتاج إليه اليوم. وغياب فقه الأولويّات عن العامل في المجال التبليغي والدعوي يمكن أن يؤدّي ـ بل قد أدّى في غير موضعٍ ـ إلى كوارث عليه وعلى المجتمع من حوله، بل على قِيَمه نفسها.

إنّ فقه الأولويّات يبدأ من وعي الواقع بزمانه ومكانه أوّلاً؛ وثانياً بعرض هذا الواقع على النصِّ، لنعرف ماذا يريد؟ وماذا يطلب؟ من هنا، ينبغي تجهيز ورش عمل تأهيليّة لكلِّ الذين يعملون في المجال التبليغيّ، ولكلِّ الذين يعملون في مجال الأمر بالمعروف؛ لكي يَعُوا الواقع. فلو أردْتُ الذهابَ إلى بلدٍ ما للتبليغ فيجب عليَّ أن أعرف هذا البلد، وما هي مشاكله؟ وما هي إيجابيّاته؟ وما هي سلبيّاته؟ وما هي طبائع الناس فيه؟ ولو أردْتُ أن ألقي محاضرةً على مجموعة أشخاص فيجب أن أسأل: ما هو الموضوع الأفضل بالنسبة إليهم؟ وما هو الهامشي؟ فقد أخطئ، وقد أصيب، لكنْ عليَّ أن أُفكِّر بهذه الطريقة.

واليوم، إحدى أهم الأولويّات بالنسبة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هي آليات المواكبة، أي مواكبة كلّ المستجدّات التي تحصل من الإشكاليّات متعدِّدة الألوان؛ لذلك يجب أن نوزِّع الأدوار؛ بعضنا يعمل على الإشكاليّات التي تأتي من طرف (أ)، وبعضنا يعمل على الإشكاليّات الآتية من طرف (ب)، وهكذا. يجب توزيع الأدوار، ووضع خطط استراتيجيّة من موقع الفعل، لا من موقع ردّة الفعل، وهذا معنى أنّ فقه الأولويّات يفرض المواكبة. من الضروري أن تكون لدينا أولويّة مواكبة وتواصل، وليس أولويّة تباعد وتقاطع، وأولويّة اشتغال على نقد الذات؛ كي نهدم النواقص فينا؛ لأجل بناء ذواتنا.

ونعتقد بأولويّةٍ كبرى جدّاً اليوم في مرحلتنا، أختم بها كلامي، وهي: أولويّة القِيَم الأخلاقيّة والروحيّة.

 

خاتمةٌ في أولويّة القِيَم الروحيّة والأخلاقيّة

لقد أصبح مرتكزاً في أذهاننا أنّ الدِّين عبارةٌ عن الحلال والحرام (الفقه)، مع أنّ الفقه له وجهان: وجهٌ ظاهري، وهو الأمور الشكليّة، من كيفيّة الوضوء أو التيمُّم أو الصلاة والصوم؛ ووجهٌ أخلاقيّ وروحيّ، هو أعمق من الأوّل. ومع الأسف نحن نهتمّ بالجانب الشكليّ أكثر من الروحيّ والأخلاقيّ. لذلك عندما نقيِّم شخصاً إذا كان متديِّناً أو لا ننظر إلى جانبه الشكليّ، هل هو صاحب لحيةٍ ـ مثلاً ـ أو لا؟ فإذا كان حليق اللحية فهو ليس متديِّناً!! أمّا أن يستغيب الناسَ عشر ساعات أمامي فهذا متديِّنٌ، لكنّه استغاب!! مع أنّ الغيبة أكبر معصيةً من حلق اللحيّة.

إنّنا نؤمن بالموضوع الظاهري الشكليّ، لكنْ لا ينبغي أن نجمد عليه. وهذا هو الذي دعا إليه دائماً الأخلاقيّون والعُرَفاء وأصحاب النزعات الروحيّة. إنّ الدِّين ظاهره الفقه، والفقه وسيلةٌ لنزول القِيَم الروحيّة في قلوبنا، قال تعالى: ﴿…وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: 14)، ذكره في القلب، وليس لقلقة اللسان فقط، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ…﴾ (الحجّ: 64)، فلو ذبح شخصٌ البدن أو الهدي في منى فلن تصل هذه اللحوم إلى الله، المهمّ هو الحالة الروحيّة التي ابتعدنا عنها؛ جموداً على الأمور الظاهريّة والشكليّة أحياناً، وهي ـ أي الشكليّات ـ مهمّةٌ، لكنْ لا يجوز الاقتصار عليها، واضمحلال الرسالة الروحيّة بسبب ذلك.

وحتّى في التوحيد، هناك الكثير من المسلمين اليوم لديهم مشكلةٌ، فنحن نتصوَّر أنّ توحيد الله سبحانه وتعالى هو معركة أرقام ـ كما أسمِّيها ـ: هل أنّ الله واحدٌ أو اثنين أو ثلاثة؟ فهل المعركة هنا حقّاً؟! هل أرسل الله كلَّ الأنبياء والرسل وجَرَتْ كلُّ هذه المعارك مع خصومهم؛ لكي يتحارب على رقم (واحد)، وليس (اثنين)؟ الأمر ليس كذلك، فكلُّ هذا التركيز على التوحيد هو لأنّ العرب لم تكن مشكلتها أنّ الله الخالق واجب الوجود واحدٌ، بل هم يؤمنون بأنّ الذي خلق العالم واحدٌ، والقرآن نفسه قال ذلك: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (العنكبوت: 61)، ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (يونس: 31 ـ 32). إنّهم يعرفون الإدراك النظري لوحدانيّة الله، لكنّ الوحدانيّة الشعوريّة تجاه الله غير موجودة، بل الحاضر في حياتهم اليوميّة هو الأصنام، فإليها اللجوء والطمع، ومنها الخوف، ولها تُقَدَّم القرابين، وغير ذلك.

إنّ الله سبحانه وتعالى غيرُ حاضرٍ في حياتنا. فمع أنّ أكثر كلمة تكرَّرَتْ في القرآن، هي وأوصافها، هي كلمة (الله)، لكنْ نحن لا نشعر بالحضور الروحيّ لله سبحانه وتعالى في أرواحنا! إنّ كلَّ المنظومة الدينيّة هي التوحيد، لماذا؟ لأنّ التوحيد هو الطاعة، والعبادة، والتوكُّل على الله. إنّه إحساسٌ بأنّ كلَّ هذا العالم بكلِّ ذراته يتَّجه نحو الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران: 128)، الرضا بقضاء الله، الثقة بوعد الله، الطاعة لله. هذا هو التوحيد. بينما عمليّاً نحن نعبد زيداً وعَمْراً وبَكْراً، أو نعبد ذواتنا…

التوحيدُ يظهر مع شخصٍ مثل إبراهيم×، هل هناك شخصٌ لأنّ الله أوحى له فهو مستعدٌّ أن يذبح ابنَه؟ القصّة والسيناريو سهلٌ، لكنّ التطبيق شيءٌ غير عاديّ أبداً: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (الصافّات: 103)، فقد حصل التسليم، والتسليمُ هو المهمّ عند الله تعالى، إنّه يعني أنّ الأنا غيرُ موجودةٍ أمام الله، وليس ثمّة إلاّ الله الواحد. وقد نجد شخصاً يقبل بالسجن حتّى لا يقع في معصيةٍ، لكنْ أن نجد شخصاً يقول: ﴿…السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ…﴾ (يوسف: 33) فهذا ليس أمراً سهلاً، فإنّ (أَحَبّ) هذه حالةٌ إيمانيَّة فاعليّة، فهي ليست قبولاً بالأمر الواقع الصعب، بل هي محبّةٌ له لأجل طاعة الله.

اليوم هناك الكثير من الاعتبارات تحكمنا ـ مثل: الاعتبارات الماليّة، والوجاهة ـ؛ لأنّ حالة التفاني والتضحية الموجودة مع الله ربما تكون قد تراجعت. لذلك نحتاج إلى هذا الزَّخْم الروحي للدخول في مرحلةٍ أفضل، لتلمُّس الشعور الديني بشكلٍ أفضل، بدل الجمود على الشكليّات. أعتقد أنّ التركيز على القضايا الأخلاقيّة في هذه المرحلة مهمٌّ جدّاً، وأقصد بها الأخلاق الروحيّة والعلاقة مع الله بكلِّ معانيها ـ بعيداً عن بعض الالتباس عند بعضهم في هذا المجال أيضاً ـ، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الحالة الروحيّة وحضورها، وعدم الجمود على الفقه بشكله السائد اليوم، فالفقه ليس إلاّ وسيلةً لتهيئة أرواحنا لنزول القِيَم الروحيّة والارتباط بالله تبارك وتعالى.

(*) محاضرتان ألقيتا في جامعة الزهراء، في إيران، بتاريخ: 19 ـ 20 / 4 / 2013م، ثم نشر المقال على أربع حلقات في الأعداد 42 ـ 47، من مجلّة نصوص معاصرة في بيروت، لعامَي: 2016 ـ 2017م.