الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

9 أغسطس 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
152 زيارة

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قضايا وإشكاليَّات

ـ الحلقة الثانية ـ

حيدر حبّ الله(*)

الإشكاليَّة الثالثة: حصر فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ــــــ

يتصوّر الكثير من الناس ـ على خلاف ما هو ثابتٌ في الفقه والإفتاء ـ أنّ هذه الفريضة هي وظيفة الفقهاء والمشايخ والعلماء، فهم يعرفون الحلال والحرام، أما سائر الناس فكأنّه لا شأن لهم بذلك، ولو فرضنا أنّهم معنيّون بهذه الفريضة فليس ذلك إلاّ بشكلٍ فرديّ محدود جدّاً، لا يشكّل جزءاً من برنامج حياتهم.

هذا المفهوم خاطئٌ تماماً وفقاً لرأي جمهور علماء المسلمين، باستثناء نزرٍ يسير منهم قديماً؛ فواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا فرق فيه بين العالم الديني وغيره، ولا بين الرجل والمرأة؛ هذه فريضةٌ عامّة. والنصوص القرآنيّة والحديثيّة واضحةٌ في عدم وجود تمييز في هذه الفريضة، بل لو تأمّلنا قليلاً نصوص الكتاب والسُّنَّة سنجد أنّ هذه الفريضة لها ثلاثة وجوه:

وجه فردي: الإنسان يأمر أخاه الإنسان.

وجه سلطويّ حكومي: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلله عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحجّ: 41). فالدولة أو السلطة في الإسلام عليها مسؤوليّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يجوز لها أن تتَّخذ موقف الحياد في ذلك؛ فإنّ التمكين في الأرض يعني السلطة، سواء كانت عشائريّةً أم دينيّة أم إعلاميّة أم سياسيّة أم اقتصاديّة أم غير ذلك. والدولة أبرزُ أشكال التمكُّن، وكلُّ مَنْ مكَّنه الله في الأرض، سواء كان فرداً أم جماعةً، فهو مُطالبٌ بالقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح شؤون مجتمعه ومحيطه.

وجهٌ مجتمعيّ، أي إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفةٌ مجتمعيّة، فالمجتمع برمّته معنيٌّ بهذا الأمر، سواء كانت هناك سلطةٌ أم لا.

ثمّة رأيٌ للشيخ محمد مهدي شمس الدين يقول بأنّ التكاليف على قسمين في الإسلام: التكاليف الفرديّة، ويكون خطاب الكتاب والسنّة فيها خطاباً للأفراد؛ والتكاليف المجتمعيّة التي يكون الخطاب فيها موجَّهاً للأمّة (شمس الدين، جهاد الأمّة: 47 ـ 59).

إنّ الكثير ممّا يسمّيه الفقهاء بالواجبات الكفائيّة يسمّيه العلاّمة شمس الدين بالواجبات المجتمعيّة، أو واجبات الأمّة. ومثال ذلك: فريضة الجهاد. فهذه الفريضة ليست موجَّهةً لي وحدي؛ إذ لا معنى لأن أجاهد وحدي؛ لأنّ طبيعة الجهاد هي طبيعة جماعية (أعني بالطبع الجهاد الحربي العسكري)، فهذا الخطاب موجَّهٌ للجماعة، وهي المطالبة بالجهاد، بصرف النظر عن كلّ فردٍ وحده. وعلى منوال الجهاد يقع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو من الوظائف التي أُمرت بها الأمّة بما هي أمّة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110)، ولم يقُلْ: كنتَ أيّها المسلم خير فردٍ أُخرج للناس.

إذن هذه الفريضة تختلف عن فريضة أداء الصلاة في جوف الليل؛ فأداء الصلاة شأنٌ فردي يقوم به المكلَّف وحده، وإنْ كانت له انعكاساته الاجتماعيّة الأخرى. أمّا فريضة الأمر بالمعروف فتارةً تلاحظ على أنّها فريضة فرديّة؛ وأخرى على أنّها فريضة أُسريّة: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: 132)؛ وتارةً تلاحظ على أنّها وظيفة سلطويّة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾؛ ورابعةً تلاحظ على أنّها فريضة جماعيّة، بحيث تكون هناك جماعةٌ في الأمّة مستنفرة ـ بما هي جماعة ـ للأمر والنهي: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾؛ وخامسةً تلاحظ على أنّها فريضةُ الأمّة بأجمعها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ…﴾.

وبناءً عليه، فهذه الفريضة متعدِّدة الجهات، من الفرديّة إلى الأُسريّة إلى السلطويَّة إلى تشكيل جماعات داخل الأمّة وظيفتها الأصليّة هذا العمل، إلى أن تكون هذه وظيفة الأمّة بما هي أمّةٌ، أي كلّ أمّة الإسلام لها رسالة إزاء ذاتها، وإزاء باقي الأمم الأخرى، عليها أن تقوم بها، فهي وظيفة الكلّ، كلٌّ بحسب سعته، وبحسب المكان الذي يحلُّ فيه في هذه الدنيا. بل قد يتعدّى الأمر أكثر من هذا في زماننا ـ كما يقول بعض من العلماء ـ، حيث تصبح بعض الواجبات الكفائيّة أحياناً واجباتٍ عينيّة، تماماً كحال شخص في الصحراء مسافر مع صديقه، وتوفّي صديقه، يجب أن يقوم بتجهيزه من الدفن والتكفين والصلاة عليه، وهذه كلّها واجبات كفائيّة، لكنْ باعتبار عدم وجود شخصٍ آخر غيره ينقلب هذا التكليف من واجب كفائي إلى واجب عيني، فكلّما لم يكن هناك متصدٍّ بمقدار الكفاية تصبح الظروف أقرب إلى العينيّة.

في عصرنا هذا يعتقد بعض العلماء أنّ هذه الفريضة انقلبت من الحالة الكفائيّة إلى الحالة العينيّة؛ لقلّة حجم المتصدِّين اللائقين نسبةً إلى حجم التحدّيات، بمعنى أنّك لو قارنت حجم المتصدِّين ـ على كثرتهم ـ في قضايا الأمر بالمعروف مع حجم التحدِّيات والغزو الثقافي وحجم الانحراف الأخلاقي الموجود في المجتمع تجد أنّ هؤلاء غير قادرين على تغطية هذه المساحة، إذن فالآخرون أيضاً مطالبون بالتصدِّي؛ لأنّ نسبة التصدّي إلى التحدّي غير متكافئة، والمطلوب أن يكون هناك تكافؤٌ ولو في حدّه الأدنى.

ولا بأس أن نشير هنا إلى أنّ سورة العصر تقدِّم مبدأً مهماً جدّاً، وهو: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، أي التوصية المتبادلة (أنت توصيني، وأنا أوصيك)، من المواصاة (مفاعلة) بين طرفين، فهذا أيضاً مبدأٌ من مبادئ الأمر بالمعروف، وينتج مفهوماً مجتمعياً لفكرة ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، بدل المفهوم الفردي الخاصّ، كما سنشير إليه، وهو مبدأٌ يفتح على نهي العلماء للناس عن المنكر ونهي الناس للعلماء عن المنكر لو فعله أحد الطرفين، دون اختصاص النهي والتوصية بطرفٍ منهما.

والأمر المهمّ على هذا الصعيد، هو أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندما لا يختصّان بعلماء الدين، فهذا معناه أنّ آحاد المسلمين من حقّهم بل من واجبهم ممارسة هذا الدور، ليس تجاه بعضهم بعضاً فقط، بل تجاه علماء الدين أنفسهم. فلا يوجد عندنا نصٌّ في الكتاب أو السنّة الثابتة يوقف هذه الفريضة إذا أُريد تطبيقها تجاه رجال الدين أنفسهم. ومن ثم فعلى عموم الناس إذا رأَوْا منكراً صدر من عالم من علماء الدين أن ينهوه عن المنكر هذا. وكونه منتسباً إلى سلك علماء الدين لا يمنحه أيّ حصانة في أن يُرشده الناس أو ينكروا عليه، طبقاً للقواعد الشرعيّة التي يلزم توفّرها هنا أيضاً. وعلى هذا فما يطرحه بعض الناس، من أنّ رجال الدين وفقهاءهم ومراجعهم هم فوق ممارسة فريضة الإرشاد أو النهي عن المنكر أو الأمر بالمعروف في حقّهم، لا أساس له سوى بعض الاعتبارات الاجتماعية، مثل: حفظ مكانتهم، وأنّ قيمة الدين بهم، وأنّ نقدهم أو الإنكار عليهم أو إرشادهم لأمرٍ هنا أو هناك هو توهينٌ لهم أو تضعيفٌ للدين… إنّ الأمر على العكس تماماً، حيث يجب على علماء الدين تربية الأمّة على نصحهم والإنكار عليهم وتقويمهم لو صدر منهم ما هو غير مناسب.

الإشكاليّة الرابعة: الأمر بالمعروف وثقافة اللامبالاة ــــــ

في مقابل هذا كلّه توجد مشكلة تواجهنا أحياناً، وتؤسِّس لمنطق يشبه المنطق الذي انتقده (مايكل كوك)، وهي فكرة (اللامبالاة)، التي قد يستند بعضهم فيها إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: 105). هذه الآية مطروحةٌ بين العلماء، فهل تريد أن تؤسِّس لمبدأ اللامبالاة إزاء الآخرين أو لا؟ إنّ الآية واضحة ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي لست معنيّاً إلاّ بنفسك، وقدَّم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ على ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ للإشارة إلى الحصر، وفق قواعد لغة العرب، بمعنى أنّه ليس عليكم سوى هذه النفس. ففكرة اللامبالاة موجودةٌ، سواء بمبرِّر ديني؛ اعتماداً على هذه الآية، أم بمبرِّرات أُخَر، وهي تكرِّس المبدأ الذي يقول: أنا غير معنيّ، أو إنّ التدخُّل في حياة الآخرين فكرةٌ خاطئة، وليس لي أن أتدخَّل في شؤونهم.

تشير بعض الروايات التاريخيّة إلى أنّ فكرة الاعتماد على هذه الآية القرآنيّة لتأسيس منطق اللامبالاة إزاء قضايا الأمّة وقضايا الانحراف جاءت من جماعةٍ من المسلمين أعلنوا هذا المنطق، معتمدين على هذه الآية بعد وفاة الرسول الأكرم. ولعلّ الذي قال هذا شاهد انقساماً في الأمّة، فقال: لا علاقة لي. هذه الجماعة لا يُعرف اسمها، لكنّها مذكورةٌ في رواية تاريخيّة أوردها الإمام أحمد بن حنبل (مسند ابن حنبل 1: 5).

والسؤال هنا: كيف نفهم منطق اللامبالاة في الآية؟ وكيف نتعامل مع هذا المنطق الموجود في أوساطنا هذه الأيّام؟

توجد أجوبةٌ ومحاولات متعدِّدة لتفكيك دلالة هذه الآية الكريمة. وبعضها لا نوافق عليه، وإنْ لم يكن المجال مجال المناقشة التفصيليّة. وأهمُّها:

الجواب الأوّل: ما ذكره بعض العلماء، حيث قال بأنّ الآية واضحة في مناقضتها لمبدأ الأمر بالمعروف، وحيث لا يمكن فكّ هذا التناقض قالوا: هذه الآية نُسخت بآيات الجهاد والحرب والآيات اللاحقة (محمد حسن النجفي، جواهر الكلام 30: 34).

إلا أنّ المشكلة أنّ هذه الآية من آيات سورة المائدة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن الكريم، الأمر الذي استدعى القول بأنّ الآية مكيّة، لكنّها وُضعت في سورة مدنيّة، وهذا أمرٌ موجودٌ نظائره في علوم القرآن وكتب التفسير.

الجواب الثاني: ما ذكره بعض العلماء (الفخر الرازي، التفسير الكبير 12: 112)، من أنّه يمكن التوفيق أو إجراء مصالحة بين هذه الآية وسائر آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك أنّ هذه الآية تريد أن تقول: يا أيّها الذين آمنوا، إنّ ضلال الآخرين وانحرافهم لا يضرّكم في شيءٍ، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بمعنى أنّ انحراف أحد الأقرباء أو الجيران أو عامّة الناس لا يضرّكم في شيء: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: 164).

إلا أنّ هذه المحاولة الجوابيّة يمكنها أن تفسِّر لنا قوله تعالى: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، ولكنّها لا تفسِّر لنا قوله سبحانه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ إذ هذه الجملة تحتوي على فعل أمر، ومن ثم فإنّها تعني: إنّك معنيٌّ فقط بنفسك.

الجواب الثالث: ما أفاده بعض العلماء أيضاً، من أنّ (اللام) في هذه الآية القرآنيّة هي لام النهي، فتعني الآية: يا أيّها الذين آمنوا، حافظوا على دينكم وتقواكم وعدالتكم وإيمانكم، ولا تسمحوا للآخرين بأن يلحقوا الضرر بدينكم وإيمانكم بعد أن اهتديتم، فهذا لا ينافي مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن ثمّ فأنا ملزمٌ بأن أراعي نفسي، وأنتبه إليها، ولا أسمح للآخرين أن يُلحقوا الضرر المعنوي والروحي والسلوكي بي، وفي الوقت عينه أنا ملزمٌ بأن أصلحهم، فلا تنافي في البَيْن.

الجواب الرابع: ما ذكره الشيخ المنتظري، من أنّ هذه الآية فُهمت خطأً، فكلُّ ما تريد أن تقوله هو: يا أيّها الذين آمنوا، أنتم تتحمَّلون مسؤوليّة أنفسكم، أنتم يوم القيامة عندما تأتون تحملون مسؤوليّة أوزاركم التي فعلتموها، ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ أي إذا انحرف الآخرون فأنتم لا تتحمّلون مسؤوليّتهم ووزر أعمالهم يوم القيامة (حسين علي المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه 2: 240). فكلُّ واحدٍ يتحمّل مسؤوليّة نفسه، وما تفعله نفسه هو يتحمّل وزرَه يوم القيامة، أمّا ما يفعله الآخرون فليس في رقبتك.

ونترك مجال التفصيل في دلالة هذه الآية الكريمة إلى ما تعرَّضنا له في كتابنا (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 86 ـ 98)، فليراجع.

الإشكاليّة الخامسة: الأمر بالمعروف وأزمة التوتُّر النفسي عند الدعاة والمبلِّغين ــــــ

فهذه الآية التي تثير فكرة اللامبالاة هي في الحقيقة تشبه مجموعةً من الآيات التي تؤسِّس لمبدأ مهمّ في الأمر بالمعروف، وهو أن لا نُتعب أنفسنا وأعصابنا. فهناك بعض الناس في أوساطنا الدينيّة عندما يرَوْن انحرافاً من أيّ نوعٍ يسعَوْن لتغييره، والآخرون لا يستجيبون لهم، فيصبحون وكأنّهم مسؤولون عنهم، فينفعلون ويحرقون أعصابهم ويُصابون بضغطٍ نفسيٍّ شديد، وهذه القضية نبَّه اللهُ رسولَه إليها عدّة مرّاتٍ في القرآن:

قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ (الكهف: 6)، أي لعلّك مُتلفٌ نفسك عليهم؛ لأنّهم ما آمنوا، فالهداية بيد الله، وليست بأيدينا، وعليك دعوتهم.

وقال سبحانه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: 3)، فالإنسان بطبيعته عادةً مترقِّبٌ لنتائج الأعمال، فتجده متوتِّراً وعجولاً؛ لذلك تجيبه الآية اللاحقة بأنّ الله لو أراد أن ينفعل مثلك أو يغضب أو يذهب بنفسه لنزَّل عليهم آيةً من السماء، وحسم الأمور: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: 4).

إذن هذا مبدأٌ مهمّ نستطيع أن نسمِّيه: (مبدأ الوَسَطيّة في حمل الهَمّ الديني)، حتى لا نبدو متوتِّرين وكأنّنا فقدنا أعصابنا. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام: 66)، فأنا لست المتوكِّل لأموركم، وإنّما ربّكم هو المتوكِّل لها. فنحن ندعو الآخرين، وإنْ استجابوا فبها ونعمت، وإنْ لم يستجيبوا فالأمر إليهم. وهذا هو منطق التوكُّل على الله؛ لأنّ مقاليد الأمور بيده سبحانه وتعالى، وعالم الأرواح والنفوس تحت سلطانه، فالتوتُّر والعصبيّة والانفعال وفقدان الأعصاب ليست هي الاستراتيجية عندنا. بل على العكس، نحن نضع خطّةً وبرنامجاً، عارفين بأن أمر القلوب بيد الله تبارك وتعالى، وليس بأيدينا، والمهمّ أن نقوم بوظائفنا، مَنْ اهتدى فلنفسه، ومَنْ لم يهتدِ فأمره إلى الله سبحانه، وندعو له بالهداية والتوفيق.

والنتيجةُ أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفةٌ اجتماعيّة وسياسيّة وفرديّة وأُسريّة وأمميّة، مطالبٌ بها الجميع. ولا يحقّ لنا رفع هذه المسؤوليّة ووضعها على كاهل العلماء فقط؛ فكلُّ واحدٍ منّا مطالبٌ، بل لا يبعد أن تكون هذه المسؤوليّة قد دخلت حيِّز الواجب العيني، ولا توجد في الثقافة الدينيّة فكرة اللامبالاة العامّة، بل المسؤوليّة كبيرةٌ على الجميع، دون أن تُدخلهم في حالةٍ من التوتُّر والضغط النفسي غير المبرَّرين.

ـ يتبع ـ

(*) محاضرتان أُلقيتا في جامعة الزهراء، في إيران، بتاريخ: 19 ـ 20 / 4 / 2013م.