الأمور الحسبية في اطروحات السيد الخباز.. نظرة نقدية (الجزء الثاني)

2 فبراير 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬324 زيارة

الأمور الحسبية في اطروحات السيد الخباز.. نظرة نقدية (الجزء الثاني)

التثقيف العكسي والمسكوت عنه

قبل الدخول في صلب الموضوع، وهو الحديث عن المسكوت عنه لدى السيد منير الخباز –حفظه الله- بخصوص الفرق بين الولاية العامة والأمور الحسبية، فإنه من المهم الحديث عن إشكالية أخرى نعاني منها في مجتمعاتنا تتعلق بهذه المسألة؛ غير ما ذكرناه سابقاً من  استعمال (سلطة) الولاية العامة حتى من قبل بعض الذين لا يرون ثبوتها، حيث ذكرنا بأن بعض هؤلاء يستعمل الولاية العامة فقط (كسلطة) لفرض إرادته على الآخرين، ولكنه يتبرأ منها إذا ما طُولب ببعض (المسؤوليات والأدوار) التي يتطلب منه القيام بها.

وفي هذا الجزء أود أن ألفت الانتباه إلى إشكالية أخرى نُعاني منها أيضاً، وهي ما أسميه بـ (التثقيف العكسي) إن صح التعبير، ومرادي من ذلك أن بعض من لا يرى ثبوت الولاية العامة للفقيه لا يكتفي بممارسة (سلطة) الولاية العامة فحسب، بل نجده أيضاً من أشد الناس حرصاً على تثقيف عموم المجتمع بمضمونها، وقد يتساءل البعض: كيف يكون التثقيف على مضمون الولاية العامة من قبل بعض الذين يعارضونها وينتقدونها؟!

وللإجابة أقول: أن هناك تناقضاً بين ما يطرحه البعض في الكتب والأبحاث الاستدلالية بخصوص هذه المسألة، وبين ما يطرحه على عموم الناس في الخطابات العامة، وبالخصوص في الخطابات المنبرية، فمثلاً نجد هؤلاء عندما يريدون تعزيز مكانة العلماء لدى عموم أفراد المجتمع يرددون على مسامعهم هذه الروايات “وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله”، “العلماء ورثة الأنبياء”، “العلماء أمناء الرسل”، “مجاري الأمور بيد العلماء” وغيرها من الروايات الأخرى، بيد أنهم أنفسهم قد يكونون ممن يتبنون اتجاهاً لا يرى صحة ثبوت هذه الروايات، لأن العلماء المحسوبين على الاتجاه الذي يتبنونه ينقدونها في كتبهم وأبحاثهم الاستدلالية، حيث يناقشونها رواية رواية ويردونها بأجمعها، وذلك لعدم ثبوت صحتها لديهم، وهذا أمر طبيعي، لأنه لو ثبتت لديهم صحة هذه الروايات لكانوا من القائلين بالولاية العامة، لأن هذه الروايات هي من أهم الأدلة التي يستدل بها القائلون على ثبوت الولاية العامة للفقيه.

ولا أنسى أن أحدهم خطب ذات يوم خطبة للدفاع عن السيد الخوئي -قدس سره- في وجه أحد الذين انتقدوا منهجه في التعامل مع الروايات، إذ عد هذا الخطيب هذا النقد إساءة بالغة للسيد الخوئي ولمقامه العلمي، ولأجل ذلك أورد في مقدمة حديثه بعض هذه الروايات التي تدعم موقفه في إثبات منزلة العلماء بشكل عام ومنزلة السيد الخوئي بشكل خاص، ولكنه غفل عن كون السيد الخوئي نفسه ناقش هذه الروايات في كتبه الاستدلالية وضعفها، وذلك عندما كان بصدد بحث مسألة الولاية المطلقة للفقيه، حيث قال: “وتفصيل الكلام في ذلك: أن ما يمكن الاستدلال به على الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة اُمور: الأول: الروايات كالتوقيع المروي عن كمال الدين وتمام النعمة، والشيخ في كتاب الغيبة والطبرسي في الاحتجاج: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله …» نظراً إلى أن المراد برواة حديثنا هو الفقهاء دون من ينقل الحديث فحسب. وقوله (عليه السّلام): «مجاري الاُمور والأحكام بيد العلماء بالله الاُمناء على حلاله وحرامه…». وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «الفقهاء اُمناء الرسل…» وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أللّهم ارحم خلفائي ثلاثاً قيل يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الّذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنتي» وغيرها من الروايات. وقد ذكرنا في الكلام على ولاية الفقيه من كتاب المكاسب أن الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند أو الدلالة وتفصيل ذلك موكول إلى محلّه”[1].

وهذا العبارات من السيد الخوئي تكشف لنا وبكل وضوح مقدار الازدواجية التي يعاني منها البعض، فمن جهة نجدهم في الخطاب العام يثقفون الناس على مضمون الولاية العامة ويرددون الروايات التي يستدل بها عليها، ومن جهة أخرى نجدهم يتبنون اتجاهاً آخر كاتجاه السيد الخوئي الذي ينفي ثبوت هذه الولاية لعدم ثبوت صحة هذه الروايات!! وفي اعتقادي بأن ما يفعله هؤلاء من تثقيف عكسي قد يكون هو من أهم الأمور التي تجعلهم يتمكنون من ممارسة ما أسميته بـ (سلطة) الولاية العامة، لأن هذا الأمر يهيئ لهم الأرضية الخصبة التي تمكنهم من فرض نفوذهم وسيطرتهم على الآخرين.

وكشاهد آخر على كلامي من قيام البعض بالتثقيف العام على مضمون الولاية العامة؛ هو ما عايشته بنفسي في صغيري، حيث كان أحد رجال الدين الذين لا يؤمنون بولاية الفقيه العامة يدرسنا كتاب (عقائد الإمامية)، على الرغم من أن الشيخ المظفر في هذا الكتاب أكد على الولاية العامة، وذلك بقوله: “وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط: إنّه نائب للامام عليه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، وله ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الامام، والراد على الامام راد على الله تعالى، وهو على حدّ الشرك بالله، كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت عليهم السلام. فليس المجتهد الجامع للشرائط مرجعاً في الفتيا فقط، بل له الولاية العامة، فيُرجع إليه في الحكم والفصل والقضاء، وذلك من مختصّاته؛ لايجوز لاَحد أن يتولاّها دونه، إلاّ بإذنه، كما لا تجوز إقامة الحدود والتعزيرات إلاّ بأمره وحكمه. ويرجع إليه أيضاً في الاَموال التي هي من حقوق الامام ومختصّاته”[2].

فهذا الكلام من الشيخ المظفر يدل دلالة واضحة على كونه ممن يتبنى ولاية الفقيه العامة، والعجيب أن البعض يمتدح ما جاء في هذا الكتاب  وينصح بتدريسه بكامله، وهو ممن لا يتبنى ولاية الفقيه العامة، بل ربما إذا أثيرت أمامه مسألة الولاية العامة نجده من أبرز المتحمسين لنقدها ومهاجمتها، وهذا ما يؤكد ما كررناه سابقاً من أن البعض يريد الولاية العامة فقط (كسلطة) دون الالتزام بأداء مسؤولياتها، ولذلك نجده يحرص على تثقيف الناس على مضمونها لتحقيق هذا الغرض، وأما من ناحية قناعاته فهو يرفضها ويتبرأ منها أيما تبرأ.

 

السيد الخباز والتثقيف العكسي

إن هذه الازدواجية بعينها -أعني التثقيف العكسي- هي ما وقع به السيد منير الخباز أيضاً، حيث رأيناه يثقف الناس بأمر دون أن يكشف لهم وجه الحقيقية فيه كما هو عليه الحال في الأبحاث والكتب الاستدلالية، ففي محاضرته (كيان المرجعية صمام الأمان) وهي نفسها المحاضرة التي حاول فيها إيجاد المقاربة بين الولاية العامة والأمور الحسبية تحدث السيد الخباز عن ما أسماه بـ (المنطلق التخصصي لموقع المرجعية)، وذكر بأنه هناك عدة عناوين وردت في النصوص (الآيات والروايات) وهي: 1.عنوان التفقه في الدين. 2.عنوان النظر.3.عنوان الأمانة”[3].

وبعدها ذهب لشرح المراد منها، وما يهمنا هنا هو ما استشهد به من نصوص في العنوان الثاني والثالث: ففي العنوان الثاني وهو (عنوان النظر) استدل السيد الخباز بمقبولة عمر أبن حنظلة والتي جاء فيها: “أنظروا إلى من كان منكم ممن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا فرضوا به حكماً فأني قد جعلته عليكم حاكم”[4].

والمشكلة هنا أن هذه الرواية غير معتمدة عند السيد الخوئي، لأن عمر بن حنظلة لم يوثق في كتب الرجال، بل إن السيد الخوئي في كتابه معجم رجال الحديث في ترجمته لعمر بن حنظلة قال: “أقول: إنّ الرجل لم ينص على توثيقه، ومع ذلك ذهب جماعة منهم الشهيد الثاني إلى وثاقته، واستدلّ على ذلك بوجوه”[5]. وبعدها ذكر السيد الخوئي الوجوه التي استدل بها على وثاقته وردها بأجمعها واحداً تلو الآخر[6]. ولذلك لا أدري كيف يصح الاستدلال بهذه الرواية لإثبات موقعية المرجعية الدينية عند أتباع السيد الخوئي نفسه؟![7]

والأمر الآخر هو ما استدل به السيد الخباز على ما أسماه بالعنوان الثالث وهو (عنوان الأمانة)، حيث استدل على ذلك برواية عن الإمام الحسين (ع): “مجاري الأمور بيد العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه”[8]. وقد مر بنا بأن السيد الخوئي عد هذه الرواية من ضمن الروايات التي يستدل بها على ولاية الفقيه المطلقة، وأنه يرى بأن هذه الروايات قاصرة السند أو الدلالة[9]، بل إن السيد الخوئي علق على هذه الرواية بالخصوص في مورد آخر من كتابه بقوله: “وكذا قوله (عليه السلام) «مجاري الاُمور بيد العلماء بالله الاُمناء على حلاله وحرامه» فإنّ العالم بالله ليس إلاّ الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) وأنّهم هم الذين بيدهم مجاري الاُمور، فلو تنزّلنا وفرضنا أنّ المراد بالعالم هو الفقيه فقوله (عليه السلام): «الاُمناء على حلاله وحرامه» قرينة على أنّ مجاري الاُمور من حيث الأحكام والحلّية والحرمة بيد الفقيه إذ لو لم يبيّن حلّية بعض الأفعال وحرمة بعضها الآخر لتوقّفت الاُمور وتحيّر الناس لعدم العلم بحكمه، فهو لا يدلّ على الولاية المطلقة بوجه، وإنّما يدلّ على أنّ للفقيه أن يبيّن الحلال والحرام، وأمّا نفوذ تصرّفاته في الأموال والأنفس فلا كما هو أوضح من أن يخفى”[10]. وفي هذا المورد يرى السيد الخوئي بأن المراد بالعلماء في هذه الرواية هم الأئمة (ع)، وبعدها يناقش ما إذا كان المراد بهم العلماء من باب التنزل والافتراض ليس إلا كما هو واضح.

وأما الشيخ التبريزي وهو الذي استشهد به السيد الخباز لشرح مراد السيد الخوئي حول الأمور الحسبية، فقد علق على هذه الرواية بقوله: “أقول لو كان المراد من الحديث ما ذكر لكان الحديث والامور والاحكام بيد العلماء اذ لاحاجة الى اضافة المجاري ليحتاج في معناها الى التكلف بل ظاهر الحديث بملاحظة ما قبله وبعده بان امور الله وناصبه التي وقعت بايدي غير اهلها مجاريها بيد العلماء بمعنى انهم لو اظهروا الحق ولم يتفرقوا عنه ولم يختلفوا في السنة بعد البينة لكانت جارية في مجراها وكان المتصدي لها اهلها المقرر لها في السنة. مع ضعف الرواية سنداً”[11].

ولذلك فمن الغريب جداً أن يستدل السيد الخباز بهذه الرواية على خلاف ما هو موجود في الكتب والأبحاث العلمية الاستدلالية للسيد الخوئي وللشيخ التبريزي، وبالخصوص وأنه كان بصدد المقاربة بين رؤية السيد الخميني في الولاية العامة ورؤية السيد الخوئي في الأمور الحسبية، وأنه أيضاً استعان بشرح الشيخ التبريزي لكلام السيد الخوئي حول هذا الأمر.

والأكثر غرابة من ذلك أنه في مورد آخر من نفس المحاضرة (كيان المرجعية صمام الأمان) عكس الأمر تماماً، إذ تنكر لأمر يؤكد عليه بعض العلماء في كتبهم وأبحاثهم الاستدلالية، وذلك عندما كان بصدد الحديث عن علاقة بعض العلوم ومدخليتها بعملية الاجتهاد والاستنباط الفقهي، حيث قسم العلوم إلى الأقسام التالية[12]:

  • §أولاً: علوم دخيلة دائماً في عملية الاستنباط كعلم أصول الفقه، ولذا يشترط أن يكون الفقيه متخصصاً ومتمرساً من علم الأصول كما هو متخصص في علم الفقه، لأنه لا توجد عملية استنباط يمكن الاستغناء فيها عن علم الأصول.
  • ثانياً: علوم دخيلة ولكن ليست دائماً في عملية الاستنباط كعلوم اللغة أو علم الرجال، ولذا يشترط في الفقيه أن يكون متخصصاً في علم اللغة وفي علم الرجال، لأنها علوم دخيلة في عملية الاستنباط.
  • ثالثاً: علوم دخالتها نادرة في عملية الاستنباط كعلم الفلسفة، ولذا لا يشترط في الفقيه أن يكون فيلسوفاً، لأن الفلسفة نادرة الدخل في عملية الاستنباط، ولو رجعنا إلى علم الأصول لعله ثلاث مسائل لا أكثر يكون علم الفلسفة دخيل فيها.
  • رابعاً: علوم ليس لها دخل في عملية الاستنباط كعلم الكلام (علم العقائد)، ولذا لا يشترط التخصص فيه وليس شرطاً في حجية فتوى الفقيه، ولا دخل له بعملية الاستنباط، لأن علم الكلام تخصص مستقل عن  علم الفقه، ولا يشترط في الفقيه أن يكون متخصصاً فيه، لأنهما تخصصان مختلفان.

ونلاحظ من خلال هذا العرض لرؤية السيد الخباز بأن ما ذكره بخصوص علم الفلسفة من كونها نادرة الدخل في عملية الاستنباط الفقهي وأن مدخليتها قد لا تتجاوز ثلاث مسائل لا أكثر، لا ينسجم أبداً مع ما هو معروف من علاقة الفلسفة بعلم الأصول وتأثيرها البالغ فيه، وهذا الأمر هو مما يجعل للفلسفة مدخلية في علم الأصول الذي هو من العلوم دائمة الدخل في عمليات الاستنباط الفقهي كما يقول السيد الخباز، ولذلك فلابد أن يكون الفقيه ملماً بالفلسفة على الأقل من هذه الجهة، لأن تأثيرها في علم الأصول واسع جداً.

ويذكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر بأن الفلسفة من ضمن مصادر الإلهام في الفكر الأصولي، حيث يتحدث عنها بقوله: “وهي لم تصبح مصدر الإلهام الفكر الاصولي في نطاق واسع إلا في العصر الثالث تقريباً، نتيجةً لرواج البحث الفلسفي على الصعيد الشيعي بدلاً عن علم الكلام، وانتشار فلسفات كبيرة ومجددة، كفلسفة صدر الدين الشيرازي المتوفى سنة (1050هـ)، فإن ذلك أدى إلى إقبال الفكر الأصولي في العصر الثالث على الاستمداد من الفلسفة واستلهامها أكثر من استلهام علم الكلام، وبخاصة التيار الفلسفي الذي أوجده صدر الدين الشيرازي. ومن أمثلة ذلك: ما لعبته مسألة أصالة الوجود وأصالة الماهية في مسائل أصولية متعددة، كمسألة اجتماع الأمر والنهي، ومسألة تعلق الأوامر بالطبائع والأفراد، الأمر الذي لا يمكننا فعلاً توضيحه”[13].

وإذا كانت الفلسفة من مصادر علم الأصول أو من مصادر الإلهام في الفكر الأصولي كما يعبر الشهيد الصدر، فمن الصعب تحجيم تأثيرها  في حدود ثلاثة مسائل لا أكثر كما يقول السيد الخباز !

ومما لا يكاد ينقضي منه العجب أن السيد الخباز نفسه في تقريراته لأبحاث السيد السيستاني في كتاب (الرافد في علم الأصول) أكد على ذلك بقوله: “وقد ركزنا في بحوثنا على بعض الشذرات الفكرية التي تلتقي مع حركة التطوير لعلم الأصول من خلال الاستفادة من العلوم المختلفة قديمها وحديثها كالفلسفة وعلم القانون وعلم النفس وعلم الاجتماع ومن خلال محاولة التجديد على مستوى المنهجية وعلى مستوى النظريات الكبروية استمداداً من كلمات الأعلام (قدهم) في عدة حقول”[14]. وبعدها تحدث عما أسماه بالحقل الفلسفي وذكر بأن “هناك عدة نظريات فلسفية ذكرناها في علم الأصول ورتبنا عليها بعض الأفكار الأصولية”، وذكر منها نظرية التكثر الإدراكي ونظرية وحدة الموجود[15].

وأما في المبحث الرابع من نفس الكتاب فقد عقد السيد الخباز بحث بعنوان (الارتباط بين الفكر الأصولي والفلسفي) وبحثه في ثلاثة جوانب: الأول تأثر الفكر الأصولي في الفلسفة. الثاني في عوامل هذا التأثر. الثالث في آثار هذا التأثر[16]. وكل ما ذكرناه سابقاً يدل دلالة واضحة على التأثير الكبير للفلسفة في علم الأصول الذي يؤكد السيد الخباز نفسه بأنه دائم الدخل في عملية الاستنباط الفقهي.

ومما يدلل على كون تأثيرات الفلسفة في علم الأصول واضحة جداً، وليس كما يحاول أن يصوره السيد الخباز، هو أن بعض العلماء عد هذا الأمر من ضمن الأمور السلبية التي انتقد بموجبها علم الأصول لتأثره بها (أي بالفلسفة)، أعني بكلامي هذا الشيخ محمد مهدي شمس الدين، حيث انتقد تأثير الفلسفة في علم الأصول بقوله: “في علم الأصول حدث خلل، برأيي، وهو أن علم الأصول تأثر في وقت مبكر جداً بعلم الكلام والفلسفة، فأصبح شيئاً فشيئاً مقصداً بذاته، بينما هو آلة، مجرد منهج، وسيلة، وازداد تعقيداً بدخول المصطلح الفلسفي ومناهج البحث الفلسفي، كأن نبحث عن أصالة الوجود أو أصالة الماهية مثلاً ضمن مسألة أصولية نتعامل فيها مع نص منطوق موحى به في السنة أو الكتاب…”. إلى أن يقول: “فنحن أصبحنا في علم الأصول، في كثير من الحالات، نذهب بوسيلة إلى غاية أخرى، وتحول علم الأصول في كثير من الموارد إلى غاية بحد ذاته، وهذه ناحية شديدة الخطورة، وأعتقد أنها شلت الفقه الإسلامي في جوانب كثيرة، وانعكست على وضع الأمة وعلى العقل المسلم…”[17].

وقبل أن يقول هذا الكلام تكلم الشيخ شمس الدين عن علم الأصول قائلاً: “لقد صيغ علم الأصول وفقاً لهذه الرؤية، لا أريد أن أقول إن علم الأصول بحسب أصل وضعه كان فيه خلل، فهذا بحث آخر عظيم الأهمية، ولكن علم الأصول –باعتباره ركناً أساسياً من مكونات الاجتهاد- يجب أن يستجيب لرؤية فقهية أوسع من الرؤية السائدة الآن، وهذا يقتضي أن يفحص الفقهاء والأصوليون الشيعة الإمامية في القرنين الأخيرين تطويراً مهماً في اتجاه العمق، خرج به كثير من الأبحاث عن مجاله الأصلي، وهو الشريعة، ليجعل منه بحثاً فلسفياً– كلامياً تجريدياً، لا علاقة له بقضايا الاستنباط من الكتاب والسنة، من دون أن يساهم هذا الإطلاق في توسيع مجال الاستنباط الفقهي”[18].

ونحن إذ نستعرض هذا الرأي للشيخ شمس الدين؛ فإننا لا نريد أن نقول بأن رأيه هذا صحيح أم خاطئ، وإنما نذكره فقط وفقط لكي نبين مقدار التأثير الكبير الذي أحدثته الفلسفة في علم الأصول، ولنبين كذلك أن هذا الأمر ليس كما حاول أن يصوره السيد الخباز بتحجيم تأثيرها ربما في حدود ثلاث مسائل لا أكثر[19].

وأما عن كلام السيد الخباز بخصوص علاقة علم الكلام (العقائد) بعلم الفقه، وأنه لا يشترط في عملية الاستنباط الفقهي الإلمام بعلم الكلام، لأنهما علمان منفصلان، فإننا سوف نعتمد لإثبات بطلان هذا الكلام على ما أورده الدكتور علي رضا فيض من أقول بعض العلماء الذين يشترطون علم الكلام (العقائد) في الاجتهاد، وذلك في كتابه (الفقه والاجتهاد)، حيث يقول: “أطلق الشهيد الثاني في كتاب القضاء من شرح اللمعة على شروط الاجتهاد بالمقدمات الست للاجتهاد، ويستعرضها على النحو التالي:1.علم الكلام. 2.علم الأصول. 3.علم النحو .4.علم الصرف. 5.علم اللغة. 6.شروط أدلة المنطق”[20].

فهنا نجد أن علم الكلام من المقدمات الست للاجتهاد لدى صاحب اللمعة كما يذكر الدكتور فيض. وكذلك ينقل الدكتور فيض ما ذكره الميرزا النائيني في فوائد الأصول ج1، ص18، حيث يقول: “ثمة علوم كثيرة تندرج ضمن لوازم الفقه والاجتهاد وأدواتهما ولا تتم عملية استنباط الأحكام إلا بها، من هذه العلوم نذكر على سبيل المثال علم الكلام والأدب العربي وعلم أصول الفقه، والعلم الأخير يعد حجر الزاوية للاجتهاد”[21].

كما ينقل أيضاً قول السيد الخميني: “لقد أحسن بعض الفقهاء حين ربطوا بين الاجتهاد والإحاطة بعلم الكلام، وذلك بالمقدار الذي يسمح للمجتهد من إبداء رأيه في مسائل من قبيل الحسن والقبح، لكيلا يكون مقلداً للآخرين في هذه المسائل”[22].

فهذه بعض الآراء لبعض العلماء الذين يشترطون كون علم الكلام ضمن شروط الاجتهاد، نعم هناك علماء آخرين ذكرهم وهم لا يشترطون ذلك، ولكنهم يرون العلم بمسائل علم الكلام من شروط الإيمان الواجب توفرها في المرجع الديني، وحول ذلك يقول صاحب المعالم: “بلى، العلم بمسائل علم الكلام المذكورة شرط للإيمان، يجب على كل مسلم تعلمها، لا أن يكون شرطه ومقدمه له”[23].  ويعلق المحقق القمي على هذا الرأي بعد نقله فقرات منه بالقول: “الحقيقة أن العلم بأصول العقائد كالتوحيد وغيره، ليس له علاقة بحقيقة الفقه والاجتهاد، بل هو شرط لتقليد المجتهد وجواز العمل بفتواه”[24].

وبهذا يتضح وجود بعض العلماء الذين يرون مدخلية علم الكلام بعلم الفقه وبعملية الاستنباط الفقهي، وهذا الأمر بخلاف ما صوره السيد الخباز في كلامه بأنهما علمان منفصلان ولا مدخلية لعلم الكلام في الاجتهاد وعملية الاستنباط الفقهي[25]، والسيد الخباز بكلامه هذا تنكر لأمر موجود لدى بعض العلماء في الكتب والأبحاث الاستدلالية، على عكس ما فعله سابقاً إذ أكد على روايات يتم نفيها من قبل بعض العلماء في الأبحاث والكتب الاستدلالية !!

 

المسكوت عنه عند السيد الخباز

لو ألقينا نظرة على بعض كلمات وكتابات ومواقف بعض المؤيدين والمدافعين عن نظرية ولاية الفقيه العامة، وألقينا نظرة أخرى على بعض كلمات وكتابات ومواقف بعض الناقدين لها وقارنا بينهما، فإننا بلا شك سوف نصل إلى نتيجة مفادها: أن ولاية الفقيه العامة ليست أمراً متفق عليه بين الجميع، وبأن للقول بها آثاراً معينة مترتبة عليها، وهذه الآثار هي مورد للثناء والمدح عند البعض ومورد للنقد والذم عند البعض الآخر، ولذلك فإن الفرق بين القائلين بالولاية العامة وغيرهم كالقائلين بالأمور الحسبية لا يمكن أن يكون فرقاً بسيطاً أو في مساحة ضيقة كما يقول السيد الخباز[26]، لأن المؤيد والمخالف كلاهما يؤكدان بدفاعهما أو بنقدهما على وجود اخلافات ليست بالبسيطة بين النظريتين.

والأمر الآخر الذي يؤكد على وجود هذا الاختلاف، هو ما نلحظه من وجود فروق ليس بين القائلين بالولاية العامة والأمور الحسبية فحسب، وإنما بين القائلين بالولاية العامة أنفسهم والقائلين بالأمور الحسبية أنفسهم، فمثلاً نجد أن ولاية الفقيه العامة عند السيد الخميني ليست كولاية الفقيه العامة عند غيره من العلماء، سواءً ممن كانوا قبله أو ممن جاءوا بعده[27]، بل ذهب البعض إلى القول بأن ولاية الفقيه عند السيد الخميني نفسه قبل الثورة الإسلامية تختلف في بعض مظاهرها على ولاية الفقيه عنده بعدها[28].

ويمكننا قول الشيء نفسه عن الأمور الحسبية، فالأمور الحسبية وفق المفهوم الذي يقدمه السيد الخباز تختلف عن الأمور الحسبية عند غيره كالشيخ محمد مهدي الآصفي مثلاً[29]، فالسيد الخباز ذكر أن الفرق بين الولاية العامة والأمور الحسبية في كون الولاية العامة تكون في المصالح الضرورية والكمالية بخلاف الأمور الحسبية التي يقتصر دورها فقط على الضروريات دون المصالح الكمالية، وذكر أمثلة على المصالح الكمالية بقوله: “نحو فرض قوانين لتحسين التعليم، ووفرة الإنتاج، وتعبيد طرق المواصلات، ونحو ذلك من المصالح الكمالية”[30].

وأما الشيخ الآصفي فهو يرى بأن الأمور الحسبية “تشمل كافة المرافق الحيوية التي يأمر الشارع بها، ويرغب في إيجادها وتحقيقها، كالمشاريع العمرانية، والصحية، والثقافية، ودوائر التفتيش، والرقابة العامة على الأسواق والأسعار، ودوائر البلدية، والشرطة، والتموين، والتجارة، والاقتصاد، والصناعة، والتربية، والتعليم، والإرشاد، وغير ذلك من الأعمال والمشاريع التي يأمر الشارع بإيجادها بغض النظر عن وجود حكومة إسلامية”[31]، وهذه الأمثلة كما هو واضح يراها السيد الخباز من المصالح الكمالية وليس الضرورية، وهذا يعني أنها من مسؤوليات القائلين بالولاية العامة وليس القائلين بالأمور الحسبية، ولكن الشيخ الآصفي بخلاف السيد الخباز ذكرها من ضمن الأمور الحسبية.

والأعجب من ذلك أن الأمور الحسبية عند الشيخ التبريزي –رحمه الله-أيضاً تختلف عن الأمور الحسبية عند السيد الخباز، رغم أنه حاول الاستشهاد بكلامه في هذه المسألة لشرح كلام السيد الخوئي، لأن الشيخ التبريزي يرى التدخل في الأمور الحسبية نافذ من المتصدي لأمور المسلمين بالأمور الحسبية “فيما إذا كان مقتضى الأدلة الأولية جوازه كتهيئة مراكز الثقافة لنشر العلوم وبسط الرفاه الاجتماعي”[32]. وهذه الأمثلة التي ذكرها الشيخ التبريزي تتناسب مع أمثلة المصالح الكمالية وليست الضرورية بتعبير السيد الخباز، وهذا يعني بأنها عند السيد الخباز يقوم بها القائلين بالولاية العامة لا القائلون بالأمور الحسبية، وذلك لأنها لأنها ليست أموراً ضرورية وإنما هي أمور كمالية[33]، ولكن الشيخ التبريزي ذكرها كأمثلة للأمور الحسبية كما هو واضح.

وهذه الإشكاليات ليست موجودة لدى البعض ممن يسعى لإيجاد المقاربة بين النظريتين كالسيد الخباز فحسب، بل نجدها أيضاً حتى عند بعض المؤيدين لنظرية الولاية العامة، حيث نجدهم أحياناً عندما يتعرضون لبعض الهجمات يحاولون القول بأن مسألة ولاية الفقيه متفق عليها بين جميع علماء الإمامية[34]، ولكنهم في نواحٍ أخرى إذا أرادوا أن يثبتوا تميز السيد الخميني على بقية علماء الإمامية نراهم يؤكدون على تميزه وتفرده نتيجة لقوله بهذه النظرية، والحقيقة أن السيد الخميني متميز فعلاً على غيره ليس في مسألة القول بأصل نظرية الولاية العامة، وإنما في مسألة ربطها بالحكومة الإسلامية وتأسيس الدولة، وإلا فهناك من قال بها قبله، وليس هدفنا في هذا المقام التطرق للولاية العامة للفقيه، وإلا لفصنا  الحديث حولها أكثر.

 

المسكوت عنه عند السيد الخباز

سوف يتضح ذلك من خلال النقاط التالية:

أولاً: تجاهل كلام السيد الخوئي في الولاية العامة للفقيه:

شرح السيد منير الخباز في كتابه (معالم المرجعية الدينية)، وكذلك في محاضرته (كيان المرجعية صمان الأمان) المراد بالولاية المطلقة، وبين الفرق بينها وبين الأمور الحسبية، وبعدها ذكر العلماء الذين بحثوا هذه المسألة بقوله: “وقد بحثها (أي ولاية الفقيه) النراقي في العوائد ص550، وصاحب الجواهر في ج21، ص396، والشيخ الأنصاري في المكاسب ج3 ص554، وقد بحثها الإمام الخميني قدس سره في كتابه البيع ج2 ص617، وقال: “فاللفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة عليهم السلام، مما يرجع إلى الحكومة والسياسة، وقال: ومع اقتضاء المصالح يأمرون الناس بالأوامر التي للولي وتجب إطاعتهم”[35].

وبعدها ذكر عدة أمور هي محل للبحث والتحقيق في الكتب المعدة لهذا الأمر، وهي ما يلي: 1) هل أن من حق الفقيه الخروج المسلح على حكام زمانه، وإقامة الحكومة الإسلامية وإن كلف ذلك الدماء والأموال؟ 2) هل أن هذه الولاية بشقيها التكليفي والوضعي ثابتة للفقيه؟ 3) الأدلة على ثبوت الولاية العامة، وأشار إلى بعض الأمور وبعض كلمات السيد الخميني في هذا الشأن[36]. 4) تحدث عن حدود ولاية الأمور الحسبية، وبين سعتها بأنه من ينكر الولاية العامة للفقيه لا ينكر الولاية للفقيه في إدارة نظام بلاد المسلمين، وحفظ ثغورها وتطبيق القوانين التي تحفظ الأنفس، والأعراض، والأموال عن التلف والضياع، وكذلك لا ينكر أن يكون للفقيه دوراً فاعلاً في إدارة المجتمع[37]، ثم ذهب لشرح المراد بالأمور الحسبية وبيان الفرق بينها وبين ولاية الفقيه العامة، وهذا ما بيناه  في الجزء الأول.

ومن الملاحظ بأن السيد الخباز أتى بكلام السيد الخميني حول ولاية الفقيه العامة، وكذلك بين بعض الأدلة التي استدل بها عليها، ولكنه تجاهل إيراد رأي السيد الخوئي فيها، حيث اكتفى بشرح المراد بالولاية العامة وقفز بعدها مباشرة لبيان المراد بالأمور الحسبية محاولاً المقاربة بينها وبين الولاية العامة، ومن ثم وصل إلى هذه النتيجة بقوله: “والنتيجة أنه لا فرق بين القائلين بالولاية العامة في الأمور الحسبية في أن الجميع يرى للفقيه دوراً قيادياً في إدارة شؤون المجتمع”[38].

ولقد كان على السيد الخباز أن يذكر آراء السيد الخوئي في ولاية الفقيه العامة أولاً كما ذكر رأي السيد الخميني، إذ لا يصح أن يكفي برأي السيد الخميني في ولاية الفقيه كما فعل، ومن ثم يكتفي بالقول أن السيد الخوئي لا يرى الولاية العامة ويرى الولاية في الأمور الحسبية، ويدخل بعدها في شرح المراد بالأمور الحسبية وإثبات بأنها واسعة ولا يوجد بينها وبين الولاية العامة إلا فرق بسيط وفي حدود ضيقة[39]، لأنه لو ذكر رأي السيد الخوئي في هذه المسألة لتضح وجود فرق ليس بسيطاً ولا ضيقاً بين النظريتين.

وإن من يتتبع آراء السيد الخوئي في كتبه الاستدلالية الفقهية، يلحظ بأن الولاية لم تثبت عنده للفقيه الجامع للشرائط بأي دليل لفظي[40] إلا في الإفتاء فقط في بعض كتبه، وفي الإفتاء والقضاء في كتب أخرى، وأما ما خرج عن ذلك  فيرى القيام به من باب الأمور الحسبية وليس من باب الولاية المعطاة والمنصوبة للفقيه في عصر الغيبة الكبرى من قبل الشارع المقدس، وسوف ننقل موارد من كلمات السيد الخوئي التي تدلل على هذا المعنى من خلال الآتي:

    • المورد الأول: يقول السيد الخوئي في كتاب (التنقيح في شرح العروة الوثقى): “فذلكة الكلام: أن الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل وإنما هي مختصة بالنبي والأئمة (عليهم السّلام)، بل الثابت حسبما تستفاد من الروايات أمران: نفوذ قضائه وحجية فتواه، وليس له التصرف في مال القصّر أو غيره مما هو من شؤون الولاية إلاّ في الأمر الحِسبي فإن الفقيه له الولاية في ذلك لا بالمعنى المدعى، بل بمعنى نفوذ تصرفاته بنفسه أو بوكيله وانعزال وكيله بموته، وذلك من باب الأخذ بالقدر المتيقن لعدم جواز التصرف في مال أحد إلاّ بإذنه، كما أن الأصل عدم نفوذ بيعه لمال القصّر أو الغيّب أو تزويجه في حق الصغير أو الصغيرة، إلاّ أنه لما كان من الاُمور الحِسبية ولم يكن بدّ من وقوعها في الخارج كشف ذلك كشفاً قطعياً عن رضى المالك الحقيقي وهو الله (جلّت عظمته) وأنه جعل ذلك التصرف نافذاً حقيقة، والقدر المتيقن ممن رضى بتصرفاته المالك الحقيقي، هو الفقيه الجامع للشرائط فالثابت للفقيه جواز التصرف دون الولاية”[41]. ففي هذا المورد نجد السيد الخوئي يثبت مقام القضاء مع الإفتاء، ولكنه في موارد أخرى كما سيأتي ينفي ثبوته بدليل لفظي، ويبين بأنه يقوم به من باب الأمور الحسبية أيضاً.
    • المورد الثاني: ما ذكره في كتاب (المستند في شرح العروة الوثقى)، حيث يقول: “وملخّص الكلام في المقام: أنّ إعطاء الإمام (عليه السلام) منصب القضاء للعلماء أو لغيرهم لم يثبت بأيّ دليل لفظي معتبر ليتمسّك بإطلاقه. نعم، بما أنّا نقطع بوجوبه الكفائي، لتوقّف حفظ النظام المادّي والمعنوي عليه، ولولاه لاختلّت نظم الاجتماع، لكثرة التنازع والترافع في الأموال وشبهها من الزواج والطلاق والمواريث ونحوها، والقدر المتيقّن ممّن ثبت له الوجوب المزبور هو المجتهد الجامع للشرائط. فلا جرم يُقطع بكـونه منصـوباً من قبل الشارع المقدّس، أمّا غيره فلا دليل عليه”[42]. إلى أن يقول: “والمتحصّل من جميع ما قدّمناه لحدّ الآن: أنّه لم ينهض لدينا دليل لفظي معتبر يدلّ على نصب القاضي ابتداءً، وإنّما نلتزم به من باب القطع الخارجي المستلزم للاقتصار على المقدار المتيقّن”[43].
    • المورد الثالث: ما ذكره في كتاب (مصباح الفقاهة، تقريرات الشيخ التوحيدي)، حيث يقول: “فتحصل أنه ليس للفقيه ولاية بكلا الوجهين على أموال الناس وأنفسهم، فليس له أن يزوج البنت الصغيرة ولا الأبن صغير أو كبير ولا تزويج ابن صغير ولا يجوز له بيع داره إلا أن يكون الصغير بدون ذلك في معرض التلف فيدخل تحت الأمور الحسبية”.

 

ومن مجموع ما تقدم من عبارات السيد الخوئي يتضح لنا عدم ثبوت أي نحو من الولاية المنصوبة والمجعولة للفقيه الجامع للشرائط لدى السيد الخوئي إلا في الإفتاء فقط، وأما ما زاد على ذلك –حتى القضاء- فيقوم به الفقيه من باب الأمور الحسبية وليس من باب الولاية الشرعية المنصوبة والمجعولة من قبل الشارع المقدس بدليل لفظي[44]، وهذا يكشف لنا فرقاً مهماً وجوهرياً بين الولاية العامة والأمور الحسبية، ولذا كان على السيد الخباز أن يأتي بهذه الكلمات للسيد الخوئي وبالخصوص وهو كان بصدد الحديث عن منصب الولاية والفرق بين الولاية العامة والخاصة (الأمور الحسبية)، لأن هذا الفرق فرق مهم جداً.

 

ثانياً: تجاهل أن هناك من يرى بأن الولاية العامة مسألة عقائدية:

تجاهل السيد الخباز بأن هناك من يرى أن الولاية العامة مسألة عقائدية وليست مسألة فقهية كالشيخ النراقي الذي يقول: “أما الأول (يعني المطلب الأول أن للفقيه كل ما كان للنبي والإمام إلا ما خرج بالدليل) فالدليل عليه بعد ظاهر الإجماع حيثُ نص به كثيرٌ من الأصحاب بحيث يظهر منهم كونه من مسلّمات عقيدة الإمامية”[45]، فالشيخ النراقي في هذه العبارات لم يكتفِ بادعاء الإجماع على الولاية العامة للفقيه، بل قال بأن ذلك من مسلمات عقيدة الإمامية.

وكذلك نجد السيد السبزواري أيضاً يصف الولاية العامة بأنها من عقائد الإمامية، وذلك في قوله: “إن عقيدة الإمامية أن الفقيه الجامع للشرائط يقوم مقام الإمام في كل ما له من المناصب والجهات إلا مختصات الإمامة كالعصمة”[46].

ولذلك فإن هناك فرق بين القائلين بأن الولاية العامة مسألة فقهية وبين القائلين بأن الولاية العامة مسألة عقائدية[47]، وإذا كان كذلك فإنه من باب أولى أن يكون هناك فرق بين القائلين بالولاية العامة (العقائدية) وبين القائلين بالأمور الحسبية.

عموماً، قد يقول قائل: بأن ما سبق في النقطتين السابقتين هو خلاف نظري بين الولاية العامة والأمور الحسبية، وإلا فإنه من الناحية العملية في إدارة شؤون المجتمع فإنه يتساوى القائلين بالأمور الحسبية مع القائلين بالولاية العامة، وهذا الكلام سوف يتضح عدم صحته فيما سيأتي من نقاط.

 

رابعاً: تجاهل الأمور الحسبية في حال تولي الحاكم الظالم

مر بنا بأن السيد الخباز أشار بأن الأمور الحسبية تشير إلى (كل أمر دخيل في استقرار الحياة)، وأنها تشمل إدارة نظام بلاد المسلمين وحفظ الأنفس والأعراض والأموال، وهذا ما يطرح سؤالاً ملحاً وهو أنه لو كانت الأمور في بلد معين في يد حاكم جائر ومستهتر بأرواح الناس أو أعراضهم أو يتعدى على أموالهم، فهل على الفقيه الجامع للشرائط التصدي له لكون ذلك من الأمور التي قد تؤثر على استقرار الحياة؟!

لاشك بأنه يجب على الفقيه وفقاً لهذا المفهوم مسؤوليات لوضع حد تجاه ذلك من باب الأمور الحسبية حتى وإن كان لا يرى ولاية الفقيه العامة، وهذا هو ما ذكره الشيخ التبريزي، حيث تطرق لهذه المسألة وهي: (ما إذا تصدى أمر المسلمين من ليس أهلاً له كما في غالب بلاد المسلمين في عصرنا الحاضر)، وذكر في هذا المقام ما يلي:

“فمما لا ينبغي الريب فيه أن الشارع لا يرضى بتصدي الظالم الفاسق لأمور المسلمين لا سيما إذا كان ذلك الظالم آلة بيد الكفار في تضعيف الإسلام وأهل الإيمان وترويج الفسق والفجور ليلحق المسلمين ولو تدريجاً بركب الكفار في رسومهم وعاداتهم وهدم جهود النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام والصالحين والشهداء من المسلمين في تشييد أركان الدين وتطبيق أحكامه على نظم بلادهم.

والحاصل: نهي الشارع عن الركون إلى الظالم والأمر بالاعتصام بحبل الله، والأمر بالكفر على الطاغوت وأولياء الشيطان والأخذ بولاية الله سبحانه ورسوله وتمكين الناس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك … ولا ريب في أن الظالم المزبور إذا كان بصدد هدم الحوزة الإسلامية وإذلال المؤمنين وترويج الكفر وتسليط الكفار على المسلمين وبلادهم، يكون على المسلمين أخذ القدرة من يده وإيكالها إلى الصالح فإنه أهم ولو مع توقفه على بعض المحرمات بعنوانه الأولي، حتى القتال مع العلم بالظفر والاطمئنان بأخذ القدرة من يده، وكل ذلك تحفظاً على الحوزة الإسلامية ودفاعاً عن المسلمين وأعراضهم وبلادهم من دنس الكفر والضلال والفساد. هذا كله بحسب الكبرى.

وأما بحسب الصغرى فإن أحرز فقيه حال الظالم وأنه بصدد إذلال المسلمين وتسليط الكفار عليهم وعلى بلادهم والصدمة على أعراضهم وأموالهم وحكم بحكم على طبق إحرازه، فنفوذ حكمه وإن كان مبنياً على نفوذ الحكم الابتدائي للفقيه العادل، إلا أنه إذا اعتقد الناس به وحصل لهم الجزم بصحة إحرازه ولو مع القرائن يثبت الحكم المتقدم”[48].

ويواصل الشيخ التبريزي كلامه إلى أن يقول: “… ولكن بما أن التحفظ على بلاد المسلمين والدفاع عنهم وعن الحوزة الإسلامية والممانعة من استيلاء الخونة والفساق والأشرار فضلاً عن المنافقين والكفار مما يعلم وجوبه على حد وجوب ساير الأمور التي يعبر عنها بالحسبة، بل ما ذكر أهمها والأصل والأساس لها، فالواجب على الفقيه العادل البصير مع تمكنه هو التصدي لذلك مباشرة أو بالتوكيل، ولا يبعد دخوله بالتصدي في عنوان ولي الأمر اللازم طاعته وطاعة وكلائه فيما إذا لم يكن أمرهم ونهيهم وسائر تصرفاتهم خارجة عن الحدود التي رسمها الشرع حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق… ومع تصديه لا يعلم مشروعية التصدي من غيره، كما يعلم عدم جواز معارضته أو تضعيفه بل يجب تقويته والمساعدة والمجاهدة على مهامه…”[49].

إذا كان الأمر كذلك، فإن على الفقيه الجامع للشرائط ووكلائه القيام بهذا الأمر حتى لو كانوا لا يؤمنون بالولاية العامة ويؤمنون بالأمور الحسبية، لأن هذا الأمر بحسب كلام الشيخ التبريزي من الأمور الحسبية، ولسنا بحاجة للقول بأنه مرت وتمر وستأمر على العديد من المسلمين في بعض البلدان أمور تتعلق بإزهاق للأرواح والنفوس البريئة والتعدي على الأعراض والأموال والممتلكات، ومع ذلك نجد بعضاً من الفقهاء ووكلائهم لا يحركون ساكناً، وكأن هذا الأمر هو خارج عن الأمور الحسبية، رغم أن كلام الشيخ التبريزي يؤكد على كونه من ضمنها.

 

ثالثاً: تجاهل متى يقوم الفقيه بالأمور الحسبية؟

تجاهل السيد الخباز في كتابه (معالم المرجعية الرشيدة) وفي محاضرته (كيان المرجعية صمام الأمان) بيان بأن الموارد التي يقوم بها الفقيه بعنوان الأمور الحسبية ليست مطلقة وإنما هي محددة ببعض الموارد، فلو رجعنا إلى ما ذكره السيد الخوئي في صراط النجاة لعرفنا هذه الموارد، حيث يقول: “الأمور الحسبية هي الأمور التي لابد من حصولها في الخارج، ولم يعين من يتوجه إليه التكليف بالخصوص، كما لو مات شخص ولم ينصب قيماً على الطفل أو المجنون، وكذا الحال في مال الغائب، والأوقاف والوصايا التي لا وصي لها وأمثال ذلك. فالقدر المتيقن للتصدي لها هو الفقيه الجامع للشرائط أو المأذون من قبله. هذا فيما كانت القاعدة في ذلك عدم جواز التصرف، كالأموال والأنفس والأعراض. وأما فيما كانت القاعدة جواز التصرف كالصلاة على الميت الذي لا ولي له فإنه لا يحتاج إلى إذن الفقيه ولذا نلتزم بكونه واجباً كفائياً”[50].

وكذلك يقول السيد الخوئي في صراط النجاة أيضاً: “سؤال1: هل هناك إجماع من علمائنا المراجع المتقدمين والمتأخرين على ولاية الفقيه؟ وضحوا لنا ليتبين لنا من سماحتكم حقيقة المسألة عند علمائنا الأعلام الذين أفتوا بولاية الفقيه في عصر غيبة قائم آل محمد (عجل الله تعالى فرجه”.

جواب السيد الخوئي: “وأما الولاية على الأمور الحسبية كحفظ أموال الغائب واليتيم، إذا لم يكن من يتصدى لحفظها كالولي أو نحوه، فهي ثابتة للفقيه الجامع للشرائط، وكذا الموقوفات التي ليس لها متول من قبل الواقف، والمرافعات فإن فصل الخصومة فيها بيد الفقيه، وأمثال ذلك، وأما الزائد على ذلك فالمشهور بين الفقهاء عدم الثبوت، والله العالم”[51].

نلاحظ من كلمات السيد الخوئي السابقة أن الأمور الحسبية هي الأمور التي لابد من حصولها في الخارج ولم يعين من يتوجه إلى التكليف بالخصوص إذا كانت القاعدة عدم جواز التصرف بهذه الأمور، وأما إذا كانت هذه الأمور جائزة التصرف كالصلاة على الميت الذي لا ولي له فهي تتم من باب الواجب الكفائي، لأنه ليس للفقيه فيها الولاية، وكذلك إذا وجد من يتوجه إليه التكليف كالولي على اليتيم فليس للفقيه الجامع للشرائط أي ولاية عليه أيضاً، وهذه النقطة تختلف عمن يرى الولاية العامة، لأنها تتجاوز ذلك بكثير.

وهذا أيضاً ما يؤكد عليه الشيخ التبريزي في بيان المراد بالأمور الحسبية في كتاب “إرشاد الطالب”، حيث يقول: “هي المصالح المطلوبة للشارع الغير المأخوذة على شخص معين، المعبر عنها بالأمور الحسبية، والتي علم من الشرع العمل بها وعدم جواز تركها، وأن التكليف بها لم يتوجه إلى شخص معين، ولا تكون من الواجب الكفائي لتكون مطلوبة على كل أحد، كالتصرف في أموال القصر من الذين ليس لهم أولياء والموقوفات العامة التي لم يعين المتولي لها من قبل الواقفين، أو قام الدليل على كونها بيد ولي أمر المسلمين والحاكمين، كإقامة الحدود والتعزيرات والتصدي لجمع الحقوق الشرعية وصرفها لمواردها والتصدي لتنظيم أمر جوامع المسلمين وبلادهم”[52].

ولكي أكون منصفاً فإن السيد الخباز ذكر في كتابه بأن الفرق بين الولاية العامة والأمور الحسبية في أمرين: “الأمر الأول: هل ولاية الفقيه في إدارة النظام لخصوصية في الفقيه؟ أم لأنه القدر المتيقن ممن له الولاية على حفظ النظام؟ الأمر الثاني: هل أن ولاية الفقيه بسعة ولاية المعصوم عليه السلام تمتد حتى للمصالح الكمالية للمجتمع الإسلامي؟ أم تختص بالمصالح العامة الدخيلة في حفظ النظام فقط؟ وتكون الولاية فيما عدا ذلك للناس أنفسهم، بحسب مناهجهم في تصريف الأمور”[53]. وهذا الكلام يشير إلى هذه الموارد كما يشير أيضاً إلى ما ذكرناه في النقطة الأولى، ولكنه غير كافٍ لبيان ذلك جيداً بشكل واضح يفهمه عموم الناس ممن يُعرض عليهم هذا الكلام وليس لديهم أي اطلاع على هذه المسائل.

والأمر الآخر حتى ولو افترضنا بأن ما ذكره كان واضحاً في الفرق بين الولاية العامة والأمور الحسبية، فإنه تبقى مسألة ما ذكره بخصوص المصالح الكمالية، لأنه كما ذكرنا سابقاً هناك اختلاف في تشخيصها بين السيد الخباز وبين الشيخ الآصفي والتبريزي، فما عده السيد الخباز من ضمن المصالح الكمالية التي لا يقوم بها القائلين بالأمور الحسبية عده الشيخ الآصفي والتبريزي من ضمن الأمور التي يقومون بها.

 

رابعاً: ما هي موارد وحدود القيام بالأمور الحسبية؟

ذكر السيد الخباز في كتابه (معالم المرجعية الرشيدة) رأي السيد الخوئي في الأمور الحسبية، وبعدها أتبعها بما أسماه بتوضيح الشيخ التبريزي لها بقوله:  “منها بل أهمها إدارة نظام البلاد، وتهيئة المعدات والاستعدادات للدفاع عنها”، ولكنه سكت عن رأي الشيخ التبريزي نفسه من أن الأمور الحسبية تكون إذا كان مقتضى الأدلة الأولية جواز التصرف، حيث يقول الشيخ التبريزي: “ولا يخفى أن كل تصرف لا يخرج عن حدود التحفظ على حوزة الإسلام والمسلمين نافذ من المتصدي لأمور المسلمين فيما إذا كان مقتضى الأدلة الأولية جوازه كتهيئة مراكز الثقافة لنشر العلوم وبسط الرفاه الاجتماعي، وأما كل تصرف يكون مقتضى الأدلة عدم جوازه كالتصرف في بعض أموال آحاد الناس وأخذه قهراً عليهم وأمثال ذلك فلا يدخل في ولاية المتصدي حتى فيما إذا اعتقد المتصدي أو وكلاؤه جوازه لبعض الوجوده..كما يجوز لساير الفقهاء التصدي لبعض الأمور الحسبية فيما إذا لم يكن التصدي لها مزاحمة وتضعيفاً لمركز المتصدي للزعامة كنصب القيم لليتيم والتصدي لتجهيز ميت لا ولي له ونحو ذلك”[54].

ويفهم من كلمات الشيخ التبريزي السابقة بأن الفقيه في الأمور الحسبية يتصرف فقط في حدود بسيطة وفي مساحة ضيقة جداً، وهي إذا كانت مقتضى الأدلة الأولية جواز التصرف فقط من قبيل تهيئة مراكز الثقافة لنشر العلوم، وبسط الرفاه الاجتماعي، وأما إذا كان التصرف بمقتضى الأدلة الأولية عدم الجواز كالتصرف في أموال الناس دون رضاهم فإن حكمه لا يكون نافذاً بحسب كلامه السابق، والأمر الآخر عند الشيخ التبريزي هو رأيه بأنه يجوز للفقيه التصدي للأمور الحسبية إذا لم يكن في الأمر مزاحمة وتضعيفاً لمركز المتصدي، علماً بأنه يفهم منه في نص آخر ما يخالف هذا الكلام بقوله: “ولا ريب في أن الظالم المزبور إذا كان بصدد هدم الحوزة الإسلامية وإذلال المؤمنين وترويج الكفر وتسليط الكفار على المسلمين وبلادهم، يكون على المسلمين أخذ القدرة من يده وإيكالها إلى الصالح فإنه أهم ولو مع توقفه على بعض المحرمات بعنوانه الأولي”[55].

وبالجمع بين النصين يمكننا القول بأنه قد يكون المراد بأن الأصل في التدخل بعنوان الأمور الحسبية عنده هو عندما يكون الحكم الأولي الجواز، وفي حالات معينة يكون التدخل حتى لو توقف ذلك الحرمة بالعنوان الأولي كإذا تولى أمور المسلمين الظالم الذي لا يؤمن منه على الدين والأنفس والأموال والأعراض، حيث أن الضرورة في هذه الحالة تمكنه من التحرك بالعنوان الثانوي، ومن هنا يتضح الفرق الكبير والإشكال على ما طرحه السيد الخباز في كون الأمور الحسبية تدخل في كل ما من شأنه حفظ النظام واستقرار الحياة، فهل الأمور الحسبية بهذا القيد يمكن لها القيام بهذا الدور بأكمل وجه أو لا؟!

ولهذا حتى لو فرضنا أن بلداً صارت تحت يد فقيه يرى الأمور الحسبية كما ذكر السيد الخباز، فإنه سيحصل الهرج والمرج حتى لو حاول القيام ببعض الأمور بعنوان الأمور الحسبية، لأن مساحات التحرك لديه ستكون مقيدة، وهي أن يكون مقتضى الأدلة الأولية جواز التصرف، لأن التصرف في (كل أمر دخيل في استقرار الحياة) كما قال السيد الخباز تحكمه العناوين الثانوية لا الأولية، وهذا مما يقيد التحرك نوعاً ما، لأنه يعني أن الأمور الحسبية سوف تتحرك في نطاق محدود ومقيد، وبهذا يكون الفرق بينها وبين ولاية الفقيه العامة ليس بسيطاً ولا ضيقاً، ولا أدري كيف يستطيع الفقيه الجامع للشرائط الذي يرى (الأمور الحسبية) إدارة شؤون المجتمع وحفظ نظامه بناءً على هذا التصور، ولكم أن تتخيلوا حاكم يقود دولة وهو ملتزم بهذا القيد، إذ كيف يستطيع تحديد النسل أو توسعة الشوارع أو وضع الضرائب دون إجبار الناس عليها، وذكرت هذه الأمثلة لأن هذه المسائل من ضمن الأمور التي يكون مقتضى الأدلة الأولية عدم الجواز، لأن الناس مسلطون على أموالهم[56].

 

رابعاً: تجاهل تهيئة مقدمات القيام بالأمور الحسبية

إذا كانت الأمور الحسبية تشمل كل ما من شأنه حفظ النظام واستقرار الحياة، فإن هذا بحاجة لمعرفة النظم التي من خلال تطبيقها يتم حفظ الحياة واستقراراها، لأنه إذا كان المجتمع مجتمعاً دينياً فلابد أن تكون نظمه قائمة على أساس الموزين الشرعية، ولذا فمن يتولى المسؤولية لكل أمر يتعلق باستقرار الحياة لابد وأن يمتلك رؤية واضحة لهذه النظم والوسائل المتاحة التي سوف يستعملها للوصول لهذا الأمر، لأن تنفيذ كل ذلك لابد أن يكون من ضمن مسؤوليات الفقيه الجامع للشرائط حتى وإن كان من غير القائلين بالولاية العامة وقائل بالأمور الحسبية، لأن هذا الأمر كما هو واضح يُعد من مقدمات القيام بالأمور الحسبية.

ولأجل ذلك لكي يستطيع الفقيه القيام بالأمور الحسبية لحفظ نظام المجتمع لا بد له أن يعرف الوسائل الممكنة للتطبيق للوصول إلى هذه النتيجة، والإشكالية هنا أن الكثير من الفقهاء القائلين بالأمور الحسبية لم يهيئوا مقدمات القيام بالأمور الحسبية، والتي من أهمها معرفة الوسائل الممكنة للتطبيق، إذ لا يكفي فقط الاعتماد على المتخصصين والخبراء في المجالات التي يحتاج إليها لحفظ النظام الاجتماعي، لأنه في بعض الحالات قد يختلف هؤلاء الخبراء والمتخصصين فيما بينهم، ولابد حينها من الترجيح بين آرائهم، وإذا كان الفقيه جاهل تماماً بهذه الأمور فعلى أي أساس سوف يرجح؟! فمثلاً لو أراد الفقيه حفظ النظام الاقتصادي للمجتمع، واعتمد في ذلك على آراء مجموعة من الخبراء السياسيين، ومجموعة من الخبراء الإداريين والماليين والاقتصاديين والاجتماعيين و… إلخ واختلف هؤلاء فيما بينهم، فهنا لابد أن يكون الفقيه على علم بالقواعد العامة التي لها علاقة بهذا الموضوع حتى يستطيع أن يقرر أي رأي من هذه الآراء سيرجح[57].

لذلك فحتى القائلين بالأمور الحسبية لابد أن يكون لديهم معرفة بكيفية تطبيقها، ولكن المشكلة أن ذلك غير متوفر ومتحقق لدى الكثير من الفقهاء القائلين بالأمور الحسبية، وذلك لأن هؤلاء قد فرضوا قراءة معينة للدين تركزت على (الفقه والأصول) وابتعدت كل البعد عن هذه المجالات[58].

وبناءً على ما سبق، فلا يقول قائل بأنه في نهاية المطاف يتساوى القائلون بالولاية العامة مع القائلون بالأمور الحسبية، لأن هذا الكلام لا أساس له من الصحة، فالمسألة ليست مختصة بمعرفة الأهداف والعناوين فحسب، وإنما في معرفة الوسائل التي يمكن اعتمادها لتطبيق هذه الأهداف والوصول إليها، ولذلك لابد أن يكون الفقيه القائل بالأمور الحسبية عافاً بزمانه كما جاء في الروايات “العارف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس”، أي عارف بما يقوي نظم مجتمعه وبما يضعفه، ولا ملازمة بين أن يكون العالم أعلم في الفقه الأصغر (الحلال والحرام)، وبين أن يكون عالماً بالمجالات الأخرى، فقد يكون عالم في الفقه الأصغر، ولكنه جاهل فيما من شأنه حفظ المجتمع واستقراره، وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: “قال يا ابن رسول الله أيكون العالم جاهلاً؟ قال: نعم, عالم بما يعلم وجاهل بما يجهل”[59].

ولهذا فإنه حتى وإن صدق هذا الأمر نظرياً -وهو أنه لا فرق بين القائلين بالولاية العامة والقائلين بالأمور الحسبية- فهو من الناحية العملية غير صحيح كما هو واضح، وإلا فأين دور القائلين بالأمور الحسبية في إدارة المجتمعات، لأنه إذا كانوا يرون الولاية لهم في كل أمر دخيل في استقرار الحياة، فلماذا لا نرى أية مظاهر واضحة لهم في هذا الجانب، ولو كان ذلك تحت عنوان الأمور الحسبية وليس عنوان الولاية العامة.

وهناك أمر آخر ربما يعوق تهيئة المقدمات للقيام بالأمور الحسبية في المجال الاجتماعي، وهو أن الرؤية الفقهية التقليدية السائدة قائمة على النزعة الفردية للفقيه، ومما لا شك فيه بأن هذه الرؤية الفردية تؤثر على قدرة الفقيه على إدارة أمور المجتمع، وحول هذه الرؤية يقول الشيخ محمد مهدي شمس وهو ينقد بعض الإشكاليات التي تعاني منها مناهج الاجتهاد برأيه، والتي وصفها بأنها كما يبدو تعاني نقصاً منهجياً، إذ يذكر مثالاً على ذلك قائلاً: “ما تعارف عليه الفقهاء من اعتبار أن آيات الأحكام في القرآن الكريم هي خمس مئة وبضع آيات بينما نحن نلاحظ أولاً: أن نسبة الخمس ماية، نسبة آيات الأحكام إلى جميع كتاب الله العزيز هي أقل من العشر، وهو أمر مثير للتساؤل أن يكون أكثر من تسعة أعشار الكتاب الكريم مواعظ وقصصاً وعقائد وأن تكون آيات الأحكام أقل من عشر، أمر مثير للتساؤل، علماً بأن آيات العقائد المباشرة هي أقل بكثير من العشر أيضاً، يبقى كل ما بقي، أكثر من ثمانية أعشار الكتاب الكريم قصص ومواعظ، إنه أمر يحتاج إلى بحث. في التدقيق”[60].

ومن ثم يتحدث عن رأيه بقوله: “أدعي، والله تعالى أعلم ونسأله العصمة، أن آيات الأحكام هي أكثر بكثير مما تعارف عليه الفقهاء والأصوليون، وفي تقديري قد تتجاوز الألف آية …إن الفقهاء رضوان الله عليهم والأصوليين القدماء جزاهم الله عنا خيراً، انطلقوا في تعاملهم مع القرآن باعتباره مصدراً للتشريع من خلل أو من ضيق في الرؤية المنهجية جعلتهم يرون فقط آيات الأحكام المباشرة التي يتعاطونها، وهي ما يتصل بفقه الأفراد؛ عبادات الفرد، تجارة الفرد، جريمة الفرد، الأسرة، لا أعرف لماذا غفلوا عن البعد التشريعي للمجتمع وللأمة في المجال السياسي والتنظيمي وللعلاقات الداخلية في المجتمع وعلاقات المجتمع مع المجتمعات الأخرى غير المسلمة، لا أدري”[61].

ومما لا شك فيه أن هذه الرؤية قد تكون أحد القيود على عملية القيام بالأمور الحسبية في المجال الاجتماعي والسياسي (خارج الأطر الفردية) على أكمل وجه، وذلك نتيجة لتحكم الرؤية الفقهية التقليدية السائدة المعتمدة على الفردية من جهة، ونتيجة لعدم التركيز على ممارسة العمل خارج الإطار الفردي من ناحية الأخرى، إذا من الطبيعي أن يشكل ذلك عائقاً أمامهم، علماً بأن الشيخ الكوراني في كتابه عصر الشيعة يشرح الفرق بين العلماء الذين يرون الولاية العامة وبين غيرهم بقوله: “فالخلاف بين الاتجاهين: في العمل السياسي والثورة لإقامة حكم إسلامي، وفي تسلم العلماء للسلطة مباشرة، أو بقائهم موجهين وناصحين فقط”[62]. ويقول في مورد آخر: “… والسيد السيستاني لا يقول بها   –يقصد الولاية العامة- وقد أفتى بأن يحكم الشعب العراقي نفسه عن طريق الإنتخابات، وأعطى الشرعية لمن ينتخبه الشعب، ونصح العلماء وطلبة العلم أن لا يدخلوا في الحكم ومؤسساته، إلا بقدر الضرورة التشريعية أحياناً”[63].

ولا أظن بأن هناك من يرى أنه لا فرق بين من يمارس السلطة والحكم مباشرة وبين من يكتفي بممارسة النصح والتوجيه فقط أو يدخل في الحكم بقدر الضرورة التشريعية في بعض الأحيان؟ كما لا أظن أيضاً أن هناك من يرى أن الفرق بينهما بسيط وفي مساحة ضيقة وأن كلاهما يقوم بإدارة شؤون المجتمع كما يقول السيد الخباز.

 

كلمة الختام

تحدثنا في هذا الموضوع عن ما أسميته بإشكالية (التثقيف العكسي) على مضمون الولاية العامة، وكذلك عن المسكوت عنه من قبل السيد الخباز بخصوص الفرق بين الولاية العامة والأمور الحسبية، ولا أدعي بأن كلامي كان تاماً وكاملاً، بل إنني لا أشك بأنه لا يخلو من القصور ونقاط الضعف ولو في بعض النواحي،  فهذه طبيعة البشر العاديين من غير المعصومين (ع)، كما لا أقول بأن ما طرحه السيد الخباز بخصوص مسألة الأمور الحسبية خاطئ بكامله أو أنه متفرد به ولم يقل به أحد غيره، فهذا الأمر لا أقول به ولا أدعيه أيضاً، بل إنني أؤكد بأن هناك العديد من الأطروحات التي قد تقترب في بعض جوانبها مما طرحه السيد الخباز، ولذلك فإنها مشمولة أيضاً بما ذكرته في مناقشتي لأطروحات السيد الخباز في الجوانب المشتركة التي تعرضنا لها.

 

الهوامش

[1]  راجع كتاب التنقيح في شرح العروة الوثقى، ج1، التقليد، ص357.

[2] راجع كتاب عقائد الإمامية للشيخ المظفر ص18.

[3] راجع محاضرة (كيان المرجعية صمام الأمان) للسيد منير الخباز.

[4] راجع المصدر السابق.

[5] راجع كتاب معجم رجال الحديث، للسيد أبو القاسم الخوئي  ج 14،  ص32.

[6] راجع المصدر السابق، ج14،ص32 وما بعدها.

[7] يمكن الرجوع إلى كتاب الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر، يحيى محمد ص79 وما بعدها لمعرفة وجهة النظر العلمية في الروايات التي يستدل بها على مسألة التقليد.

[8] راجع محاضرة (كيان المرجعية صمام الأمان) للسيد منير الخباز.

[9] راجع كتاب التنقيح في شرح العروة الوثقى، للسيد الخوئي ج1، التقليد، ص357.

[10] راجع كتاب التنقيح في شرح العروة الوثقى ج1، ص167-168.

[11] راجع كتاب ارشاد الطالب للشيخ التبريزي ج3، ص33.

[12] راجع محاضرة السيد الخباز (كيان المرجعية صمام الأمان) علماً بأني قمت بنقله بتصرف في الترتيب والتبويب.

[13] راجع كتاب المعالم الجديدة للأصول، للشهيد الصدر، ص115.

[14] راجع كتاب الرافد في علم الأصول، تقريرات السيد منير الخباز لأبحاث السيد السيستاني، ج1، ص17-18.

[15] راجع المصدر السابق، ج1، ص18-20.

[16] راجع المصدر السابق، ج1، ص58-63.

[17]راجع كتاب التجديد في الفكر الإسلامي، للشيخ محمد مهدي شمس الدين: ص22 دار المنهل اللبناني، الطبعة الأولى 1997-1418هـ.

[18] راجع المصدر السابق ص19.

[19] كذلك يمكن الرجوع إلى كتاب بعنوان (العقل العملي في أصول الفقه جذوره الكلامية والفلسفية)، تأليف ميثاق العسر، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى بيروت 2012م ، حيث يبحث فيه تأثير علم الكلام والفلسفة في مسألة العقل العملي المبحوث عنه في علم الأصول.

[20] راجع كتاب الفقه والاجتهاد.. عناصر التأصيل والتجديد والمعاصرة للدكتور علي فيض ج1 ص165-166 ترجمة حسين الصافي، الطبعة الثانية2010 لمركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي- بيروت، لبنان.

[21] راجع المصدر السابق ج1، ص167.

[22] راجع المصدر السابق ج1، ص171.

[23] راجع المصدر السابق ج1، ص171 نقلاً عن معالم الدين، ص225.

[24] راجع المصدر السابق، ج1، ص171 نقلاً عن القوانين المحكمة، ج2، ص218.

[25] لمعرفة رأي السيد الحيدري في هذه المسألة يمكن الرجوع إلى كتاب مشروع المرجعية الدينية وآفاق المستقبل ص83-84.

[26] راجع محاضرة السيد الخباز المعنونة بـ (كيان المرجعية صمام الأمان).

[27] راجع كتاب نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر، د.علي فياض ص171 وما بعدها.

[28] راجع كتاب محمد الصدر كفاح الجماهير، تأليف عبداللطيف الحرز ص362-363.دار الفارابي- بيروت-لبنان الطبعة الأولى 2009م.

[29] راجع كتاب نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي، ص240.

[30] راجع كتاب معالم المرجعية الرشيدة للسيد الخباز، ص8.

[31] راجع كتاب نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر، نقلاً عن كتاب صلاحيات الحاكم وسلطاته الشيخ محمد مهدي الآصفي ص375.

[32] راجع كتاب ارشاد السائل للشيخ التبريزي، ج1، ص41.

[33] راجع محاضرة (كيان المرجعية صمام الأمان).

[34] راجع على سبيل المثال لا الحصر كتاب (بحوث في ولاية الفقيه)، لمركز نون، ص68.

[35] راجع كتاب معالم المرجعية الرشيدة، ص9.

[36] راجع المصدر السابق 10-13.

[37] راجع المصدر السابق، ص13.

[38] راجع كتاب معالم المرجعية الرشيدة ص13.

[39] راجع محاضرة (كيان المرجعية صمام الأمان) للسيد منير الخباز.

[40] المراد من الدليل الشرعي اللفظي: هو الدليل الواصل إلينا عن طريق القرآن الكريم أو الأحاديث الواردة عن المعصومين عليهم السلام.

[41] راجع كتاب التنقيح في شرح العروة الوثقى، ج1ـ ص360.

[42] راجع كتاب المستند في شرح العروة الوثقى تقريرات الشيخ مرتضى البروجردي لأبحاث السيد الخوئي، ج12، ص86.

[43] راجع المصدر السابق ، ج12، ص89.

[44] لتفاصيل أكثر راجع بحث خارج الفقه للسيد كمال الحيدري، مفاتيح عملية الإستنباط الفقهي، الدرس (162) وما بعده وكذلك الدرس (283).

[45] راجع كتاب عوائد الأيام للشيخ النراقي، ص188.

[46] راجع كتاب مهذب الأحكام للسيد السبزواري ج16، ص367.

[47] لمعرفة تفاصيل هذه المسألة يمكن الرجوع إلى  بحث خارج الفقه، مفاتيح عملية الاستنباط الفقهي، للسيد كمال الحيدري الدرس (344).

[48] راجع كتاب إرشاد الطالب إلى التعليق على المكاسب للشيخ التبريزي  ج 3، ص 36 -37 ، مطبوعات إسماعيليان، إيران قم 1411هـ.

[49] راجع المصدر السابق، ص45.

[50] راجع كتاب صراط النجاة للسيد الخوئي ج3، ص358، السؤال: س1096.

[51] راجع المصدر السابق ج1، ص10.

[52] راجع كتاب إرشاد الطالب إلى التعليق على المكاسب، ج3، ص25 و26.

[53] راجع كتاب معالم المرجعية الرشيدة ص15.

[54] راجع كتاب إرشاد الطالب إلى التعليق على المكاسب، ج3، ص40.

[55] راجع المصدر السابق،  ج 3، ص 36 -37.

[56] راجع ما ذكره السيد كمال الحيدري في كتاب معالم التجديد الفقهي.. معالجة إشكالية الثابت والمتغير في الفقه الإسلامي  بقلم الشيخ خليل رزق ص111 وما بعدها.

[57] فكرة الكلام السابق بكامله للسيد كمال الحيدري وقد شرحها في بحث خارج الفقه، مفاتيح عملية الاستنباط الفقهي، الدرس (284).

[58] راجع المصدر السابق.

[59] راجع المصدر السابق.

[60] راجع كتاب التجديد في الفكر الإسلامي للشيخ محمد مهدي شمس الدين ص18.

[61] راجع المصدر السابق ص18.

[62] راجع كتاب عصر الشيعة للشيخ الكوراني ص115.

[63] راجع المصدر السابق، ص322.