الإسلام والحرب على الخرافات

28 نوفمبر 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬698 زيارة

الإسلام والحرب على الخرافات

الشيخ جعفر سبحاني(*)

ترجمة: نظيرة غلاب

 

غرة القول ــــــ

إن الله سبحانه أرسل رسوله الكريم‘ لأهداف عبّر عنها في جمل بدون إطناب أو تطويل، جملات في الجملة على رغم قصرها تحوي من المعاني الإلهية ما يستدعي وقفة جادة ومسؤولة في كشفها والتفصيل في بيانها. ومن بين تلك العبارات قوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف: 157). وظاهر الآية أن النبي الأكرم‘ أزال عنهم ما كان يثقل كاهلهم وكسر سلاسل وأغلال كانوا قد أسروا بها.

لعل السؤال المبدئي الذي يستوجب الطرح: ما هي ماهية الأغلال والسلاسل التي كانت تمنع حرية العرب بشكل خاصّ، والإنسانية بشكل عام، في عصر النزول وفي كل الأزمان؟ هل هي أغلال وسلاسل من نوع تلك التي تقيِّد حرية الأسير عن الحركة؟!

من البديهي أن أغلالاً وقيوداً من هذا النوع لا حقيقة لها، ولكن الثابت أن أغلال الخرافات وقيود الأوهام والأساطير كانت تقيِّد العقل والفكر وتمنعه من التفكر والسمو نحو الكمال. ولعل قيوداً من هذا النوع أعظم درجة وأشد خطباً من أيّ قيد مادي؛ فالأسير وسط قيود الحديد إن كان سليم العقل ورشيد الفكر يرى في تلك القيود المادية مسألة وقت، يستطيع بعدها أن يحلِّق في فضاء الحرية ويشمّ عبقها؛ أما الذي كبل عقله وأسر فكره بالأوهام والخرافات فلا يزيده الزمن إلاّ هبوطاً وسقوطاً نحو الدرك الأسفل وبئس القرار. ووحده الفرد المتسلح بفكر يقظ ولبّ يعقل به له القدرة على تحطيم قيود الأوهام والخيال وقيود الحديد والنار، لكنّ مَنْ أسرت نفسه أغلال الجهل والخرافات فإنّ فعله وجهده كالذي يبني قصراً على الرمال، لا يزيده جهده إلاّ رهقاً.

يبين لنا القرآن الكريم في حشد من الآيات الهدف الذي من أجله بعث الله نبيه الكريم‘. وهو الهدف نفسه الذي يتوصل إليه من خلال دراسة تاريخية للجزيرة العربية في صدر الإسلام. فقد عمل النبي الأكرم‘ طوال المسيرة الرسالية المباركة على محاربة الخرافات والأساطير الخياليّة، وتطهير الفكر والعقل البشري من صدئها، فكان يصرح أنه إنما بعث ليوقظ الفكر البشري ويهديه إلى مناحي التفكر السليم، لينمو ويرشد، ولن يتسامح مع الخرافات والأوهام ولو كان يُتخيَّل أنها تخدم انتشار دعوته. في الوقت الذي نجد العديد من الحكام والزعماء الذين لا تربطهم بشعوبهم سوى العروش وسلطة الرياسة لا يتورَّعون في استخدام أي أسلوب يضمن لهم الاستمرارية، ويوسع من ثرواتهم وإمبراطورياتهم، فمنطقهم الميكيافلية، حيث الغاية تبرِّر الوسيلة، وكثيراً ما تكون الخرافات والأباطيل والعقائد الخاطئة سلاحهم المفضَّل، تحت عناوين ومسمَّيات الشرع والقانون…. وإنْ خرج عليهم مَنْ يدعو إلى محاربة الخرافات ونبذ الأوهام فإنه؛ بحكم مخالفته لعقائد الأغلبية ومساسه بحرية المعتقدات، يحكم عليه في أحسن الأحوال بالتبعيد والنفي، ويسجَّل اسمه في ملف الخارجين عن القانون. بينما كان موقف الرسول الأكرم‘ من الخرافات واحد، ولم ينظر إلى تلك التي يتخيَّل أنها ستفتح له قلوب الناس، فالخرافات واحدة في ماهيتها، وواحدة في نوعها، تتطلب وحدة في الموقف: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لا تَعْدِلُواْ} (المائدة: 8). لقد جهد‘ طوال فترة حياته الشريفة أن يرشد الناس إلى أن يبنوا تفكُّرهم على الحقائق والواقعيات، وأن يكونوا عبّاد وعشّاق الحقيقة، ولو كانت على حساب مالهم وجاههم. وتكفي مطالعة لبعض الأحداث في حياته التي تظهر أنه لم يسمح للخرافات في التواجد رغم بساطتها الظاهرية:

…لما هلك إبراهيم ابن رسول الله‘ حزن عليه رسول الله‘، وذرفت عيناه دموع الحزن، وصادف أن انكسفت الشمس، فقال الناس: إنما انكسفت الشمس لموت ابن رسول الله‘، فلما وصل قولهم إلى مسامع رسول الله‘ صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «…إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يجريان بأمره، مطيعان له، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا انكسفا أو أحدهما صلّوا، ثم نزل المنبر، فصلى بالناس الكسوف…»([1]). لقد تلاعب اللاتفكُّر بأذهان الناس، فظنوا لما رأوا جزع النبيّ وحزنه على ابنه الوحيد أن السماء بادلته الحزن، وكان من مظاهر حزنها له أن انكسفت الشمس ليعمّ الظلام الذي يرمز إلى الحزن. ولو كان شخصاً آخر غير المعصوم× لكانت هذه فرصة ليوطِّد من علاقة الناس به، ويزيد من تقديسهم له، فما دامت السماء والشمس والقمر يحزنان، يبادلنه الإحساس، فأولى بالناس أن يعتقدوا به ويربطوا مصيرهم به، لكن النبي الأكرم‘، الذي جاء ليخاطب في الناس عقولهم وفطرتهم التي فطرهم الله عليها، ما كان ليرضى أن تكون الخرافات واسطة بينه وبين القوم. لذلك بادر والخرافة طازجة إلى تكذيبها، وبالتالي وأدها في مهدها حتى لا تنتشر انتشار النار في الهشيم. ولم تنطلق محاربة النبي الأكرم‘ لعبادة الأصنام، التي تجسِّد طغيان التفكُّر والاعتقاد الخرافيّ وأعظم مظاهره، بانطلاقة الرسالة، وإنما كانت تلك سيرته في تمام حياته، وقبل البعثة أيضاً، فكان وهو طفلٌ يرفض ما يراه من القوم في العكوف على الخرافات وعبادة الأصنام والأزلام، فقد روي أنه لما كان في سنّ الرابعة من عمره الشريف، وهو في حضانة مرضعته (حليمة) أراد يوماً أن يذهب برفقة إخوانه من الرضاعة إلى الصحراء، وتقول حليمة: إنها في الساعات الأولى من ذاك اليوم حمّمته، ودهنت شعره، ووضعت الكحل في عينيه، وحتى لا تؤذيه جنّ وعفاريت الصحراء عمدت إلى فصّ يماني وعلَّقته في عنقه، فما كان من النبيّ الأكرم وهو طفلٌ إلاّ أن نزعه من عنقه وتوجَّه إلى أمه (حليمة) قائلاً: مهلاً يا أماه، فإن معي مَنْ يحفظني([2]).

قيام معتقدات الجاهلية على الخرافات ــــــ

مع بزوغ فجر الإسلام كانت البشرية جمعاء، قبائل وأقوام، لم يُستثنَ منها أهل وبر أو حضر، تبني معتقداتها على الخرافات والأوهام. لم يكن تمدُّن اليونان أو الساسان، أو اطلاعها على بعض العلوم، قادراً على إخراجها من تلك الظلمات، شأنها شأن المجتمعات المتقدمة تكنولوجيّاً في الشرق أو الغرب، تسيطر عليها الخرافات والأساطير، حيث لم يستطع التمدُّن وما توصَّلت إليه من ثورة صناعية أن يحرِّر عقول الناس ممّا علق بها من الأوهام والخرافات. لكن إجمالاً نستطيع القول: إن الخرافات تنمو وتتكاثر كلّما كان مستوى التفكر العقلاني أضعف وأقلّ، فكلما تخلفت المجتمعات البشرية عن العلم والتفكر العقلاني كلما كان إقبالها على الخرافات والأساطير أوسع وأكبر. وقد رصدت كتب التاريخ التي اهتمت بتاريخ الجزيرة العربية العديد من الخرافات. وقد عرض صاحب كتاب «بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب»([3]) تلك الخرافات مرفقة بشواهد من الشعر وغيره. وإن الفرد اليوم ليصاب بالصاعقة من هول تلك الخرافات وكثرتها. وقد كان توسع رقعتها مانعاً أمام كلّ أشكال التمدّن والتحضُّر. ولعل أحد أسباب كثرة تلك الأساطير وشيوعها غياب التفكر العقلي، حتى أنّ الأمّية كانت الصفة الغالبة على أهلها، حسب ما تذكره بعض الكتب التاريخية([4]). وقد كانت تلك المعتقدات الخرافية سدّاً منيعاً أمام الإسلام، لذا تصدّى لها النبي الأكرم‘ طوال حياته المباركة، ولم يترك أيّ شكل من أشكال تلك المعتقدات والأفكار إلاّ وأعلن عليه الحرب. فلما أرسل معاذ بن جبل والياً على اليمن كان أوّل ما أوصاه به قوله: «…وأمِتْ أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الإسلام، وأظهر أمر الإسلام كلّه، صغيره وكبيره…»([5]). فقد أمره أن يبيد كلّ مظاهر الجاهلية التي تبتني على الخرافات والأوهام، وأن يحيي ما ينطلق من العقل والتفكر العقلي؛ لأنه في حقيقته دعوة الإسلام.

وقد وقف النبي الأكرم‘ أمام العديد من صناديد العرب، الذين تعبَّدوا طويلاً بالخرافات وأقاموا لها شعائر وطقوساً، حتى صارت ذاتية لهم، لا تنفكّ عنهم ولا ينفكون عنها، يردِّد لهم: «كل مأثرة في الجاهلية تحت أقدامي»([6])، بمعنى أن الإسلام أتى ليحرِّر البشرية من كل الخرافات، سواء كانت في المعتقد أو في السلوك، وكلّ خرافة هي قبيحة في ذاتها، حتى لو عدّت من المفاخر.

وإن ذكر بعض مظاهر الخرافة التي كانت سائدة في أوساط عرب الجاهلية حريّ بأن يبيِّن قيمة المعارف الإسلامية، التي حاربت كلّ ما يخالف العقل والفطرة.

 

بعض مظاهر الخرافة في المعتقدات الجاهليّة ــــــ

1ـ إيقاد النار لجلب المطر ــــــ

تعرف الجزيرة العربية بقلّة الأمطار وامتداد فترة الجفاف، ولكي يجلبوا الأمطار كان الناس في الجاهلية يقومون بحرق أغصان يجلبونها من أشجار «سلع» و«عشر» التي كانت سريعة الاحتراق، فيربطونها بذيل البقرة، فيصعدونها إلى أعلى الجبل، فيشعلون النار في تلك الأغصان، ولوجود مواد محرقة في أغصان «عشر» تشتعل بسرعة، فكانت البقرة ـ ومن أثر الاحتراق ـ تركض فتركل وتنعر، فكان من جهلهم يخيَّل إليهم أن حركاتها وأصواتها تلك تشبه أصوات الرعد والبرق، وهو ما كان يغري السماء في إرسال غيثها!

 

2ـ ضرب البقر لطرد الجنّ والعفاريت ــــــ

كانوا يعرضون البقر على الماء، فإذا شرب ذكرها وامتنعت إناثها دلّ على أن الذي منعها من الماء هو تلك الأرواح الخفيّة الساكنة بين قرون الثور، فكانوا يتوجَّهون إليه بالضرب على وجهه، معتقدين أنّ ذلك يطرد الجنّ والعفاريت من بين قرني الثور([7]).

 

3ـ كيّ الجمل السليم بالنار لشفاء الآخرين ــــــ

كانوا إذا ظهر بين قطيع الجمال قروح أو طفح جلدي وما شابه يأخذون أحد الجمال السليمة، فيكوون لسانه وعضده، في اعتقاد منهم أن ذلك سيوقف العدوى عن باقي القطيع. لكن لا يعرف الأساس الذي بنوا عليه فعلهم هذا. فهل كان لهم دليل علمي بأن كيّ اللسان والعضد يوقف العدوى؟ يشكِّك في هذا اقتصارُهم على كيّ جمل سليم واحد من بين كلّ القطيع، وهذا يرجِّح كونهم ينطلقون من أسس خرافيّة لا تمتّ إلى العلمية بصلة.

 

4ـ ربطهم لجمل بالقرب من قبر ميتهم حتى لا يحشر راجلاً ـــــ

كانوا إذا توفي أحد كبرائهم حبسوا جملاً في حفرة من دون علف ولا ماء حتى يموت جوعاً وعطشاً، اعتقاداً منهم أن المتوفّى سيركبه يوم الحشر، فيحشر راكباً جمله.

 

5ـ عقر الناقة على قبر المتوفّى ــــــ

إحدى الخرافات العجيبة أنهم كانوا إذا توفي لهم عزيز، ولأنه طوال حياته كان ينحر النوق لتكريم ضيوفه وأحبائه، يعمد أقاربه إلى نحر ناقة أو جمل عند قبره، علامة على تكريمهم له وتعظيمهم لشخصه بعد أن لم يعد له حول ولا قوة.

بالإضافة إلى أنّه ليس لتلك الأعمال مستندٌ علميٌّ وواقعيٌّ؛ إذ لا علاقة للنار بنزول المطر، ولا ضرب الثور مؤثِّر في إقبال البقرة عن الرواء، ولا كيّ لسان وعضد الجمل السالم بقادر على إيقاف العدوى…، فإن الإسلام لم يكن ليقبل أو يجيز بأيّ وجه كان معاملتهم لتلك الحيوانات البريئة بذاك الشكل المؤذي، وخصوصاً أن الإسلام قد شرع العديد من القوانين التي تدعو إلى حماية الحيوانات وحسن معاملتها. ونستطيع أن نذكر هاهنا أن رسول الله‘ قال: إن من حقّ الدابة على صاحبها: أن يطعمها كلّما نزل إحدى الديار؛ وأن يعرضها على الماء متى حلّ به؛ وأن لا يضرب وجهها؛ وأن لا يبقى على ظهرها إذا كان وقوفه في مكان طويلاً؛ وأن لا يحمل عليها أكثر ممّا تطيق…([8]).

 

6ـ مداواة المرضى ــــــ

وكانوا لهذا الغرض يصطادون بعض الأفاعي والعقارب، فيزيِّنون عنقها بحليّ من ذهب، معتقدين أنهم إذا وضعوا عليها النحاس أو الحديد فإن مريضهم سيفارق الحياة. وأما من أصيب بالسعار، وهو عادة ما يأتي من عضّة الكلب، فقد كانوا يطبِّبونه بإمرار بعض دم كبير القبيلة على محلّ الجرح. وهذا الشعر مستند يبيِّن هذا المعتقد الخرافيّ:

أحلامكم لسقام الجهل شافية            كما داؤكم تشفي من الكلب

وأما إذا ظهرت علامات الجنون على أحد منهم فلكي يدفعوا عنه الأرواح الخبيثة يلجأون إلى حضن الكهنة الذين كانوا يضعون في عنقه عظماً، ويعلِّقون أسنان الثعلب والقطط على أعناق الأطفال؛ حفظاً لهم من الجنّ والعفاريت. أما معالجة الأطفال من الجدريّ فإن الأم تضع غربالاً على رأس ابنها، وتطوف به على أبواب القبيلة، الذين يضعون فيه بدورهم الخبز والتمر، حتى إذا جمعته من كلّ بيوتات القبيلة قامت بإطعامه الكلاب، معتقدة أن هذا الفعل سيشفي طفلها من كل أنواع القروح والدمّل، وأما باقي الأمهات فيحرصن أن لا يأكل أطفالهنّ من ذاك الخبر والتمر؛ لأن العدوى ستلحقهم بمجرد أن يفعلوا ذلك.

وأما مرضى الأمراض الجلديّة فإذا لم يشفِهم ماء الفم يقولون: إن المريض قد قام بقتل إحدى الحيوانات التي تتلبَّس بالأرواح الخفيّة، كالأفاعي، ولدفع غضبها عن المريض يصنعون مجسَّمات من الطين على شكل جمل، ويحملونها مع أنواع من الحبوب، كالشعير والحنطة والتمر، ويضعونها قرب إحدى شقوق الجبل، ويعودون في اليوم التالي، فإن أُكلت حمولتهم فإن هذا دليل على أن تلك الهدايا قد لاقت القبول لدى تلك الأرواح، وبالتالي فإن المريض سيُشفى ويعود إلى عافيته، وأما إذا وجدوها حيث وضعوها فإنه دليل على أن تلك الهدايا لم ترُقْ للأرواح الخبيثة، ولم تحظَ برضاها.

 

كيف حارب الإسلام هذه الخرافات والاعتقادات الواهمة؟ ــــــ

لم يقتصر الإسلام على أسلوب واحد في محاربة الخرافات وتلك المعتقدات وكل ما أقيم على خيال لا يقوم على دليل أو برهان، بل تعدَّدت أساليبه وتنوَّعت بحسب ما تمليه الظروف والمواقف. فكثيراً ما كان يقبل بعض أعراب البادية، الذين اعتادوا على علاج مرضاهم بعظام وأحجار يعلِّقونها عليهم تمائم، ليسألوا النبي الأكرم‘ عن التداوي بالأعشاب، فكان النبي‘ يجيبهم بأن يداووا مرضاهم بالدواء، وأن يعرضوهم على الحكماء والأطباء؛ لأن الله ما خلق داءً إلاّ وخلق له دواءً([9]). فلما مرض سعد بن أبي وقاص في قلبه، أمرهم النبي الأكرم‘ أن يحملوه إلى الطبيب الحارث بن كلدة، طبيب ثقيف، وأرشده‘ فيما بعد إلى دواء مخصوص([10]). ويكفي أن نذكر في هذا المقام بعض ما ورد عن النبي الأكرم‘ من بيانات في ما يخصّ الموقف من بعض أنواع السحر والشعوذة التي لا تشفي مريضاً ولا تعافي متوعِّكاً:

1ـ جاء رجل بطفله الذي يعاني من ألم في حلقه، وقد علت عنقه تميمة، إلى مجلس رسول الله‘، فأمره رسول الله‘ بأن لا يرعب ابنه بتمائم السحر والشعوذة، وأن يبتغي له دواء عصارة العود الهندي([11]).

وفي هذا الصدد قال الإمام الصادق×: إن كثيراً من التمائم شرك([12]).

وقد استمر النبي الأكرم‘ والأئمة المعصومون من بعده بإرشاد الناس وهدايتهم إلى الأدوية، وهي الروايات التي جمعها محدِّثو الأمّة في كتب وأبواب خاصّة تحت عنوان الطب النبويّ، أو طبّ الإمام الرضا×، و… وهو أسلوب ناجع وضربة قاضية لتلك الأوهام والخرافات التي تسلِّم النفس البشرية إلى أيدي الأراجيف والشعوذة.

 

7ـ نوع آخر من الخرافات ــــــ

لرفع الخوف والاضطراب كانوا يستعملون وسائل متعددة.

فمثلاً: إذا عزموا دخول قرى أو أرياف، وخشوا على أنفسهم أمراضها أو جنّها، كانوا يرفعون أصواتهم مقلِّدين نعيق الحمار عشر مرات، وربما أضافوا إلى ذلك تمائم من عظام الثعلب!

وإذا أضاعوا الطريق في الصحراء قلبوا لباسهم الوجه مكان القفا والقفا مكان الوجه!

وإذا أرادوا السفر، وخافوا خيانة أزواجهم، عقدوا خيوطاً على غصن شجرة، فإذا بقيت الخيوط على حالها معقودة فذاك دليل على أن لا أحد وطأ فراشهم في غيابهم، وإن وجدوها قد حلَّت فهذا دليلٌ قاطعٌ على وقوع الخيانة!

وإذا سقطت السن اللبون لأحد أطفالهم يأخذها والداه بأصبعين، ويقابلونها عين الشمس، مردِّدين: أبدلينا بها سنّاً أفضل…

إلى غيرها من الخرافات والأباطيل التي سوَّدت حياة العرب طيلة فترة الجاهلية، وحرمت فكرهم وعقولهم من نعمة التفكُّر والسير نحو الرشد والكمال.

الهوامش:

(*) أحد مراجع التقليد، وأستاذ بارز في الحوزة العلمية في مدينة قم الإيرانية. من أشهر الباحثين المعاصرين في علم الكلام، ومن كتّاب الفقه المقارن.

([1]) المجلسيّ، بحار الأنوار 22: 155 ـ 156، الطبعة الجديدة.

([2]) المصدر السابق 15: 392.

([3]) السيد محمد الألوسي، بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب 2: 286 ـ 369.

([4]) البلاذري، فتوح البلدان: 661.

([5]) تحف العقول: 25 ـ 26.

([6]) سيرة ابن هشام 3: 412.

([7]) أنشد أحد شعراء العرب في الجاهلية:

فإني إذاً كالثور يضرب جنبه           إذا لم يعف شرباً وعافت صواحبه

([8]) من لا يحضره الفقيه 2: 286.

([9]) التاج 3: 178.

([10]) المصدر نفسه 3: 184.

([11]) سفينة البحار، مادة «رقى».

([12]) طب الأئمة: 62.