الإصلاح الديني الثغرات، الإخفاقات، والإشكاليات ــ الحلقة الثانية ــ

1 يوليو 2010
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
604 زيارة

الإصلاح الديني  الثغرات، الإخفاقات، والإشكاليات ــ الحلقة الثانية ــ




 

                                                                                                                                           حيدر حب الله

3 ـ من الإصلاح إلى التمترس، أو الإصلاح بين الجيل الأول والأجيال اللاحقة ــــــ

لا تتوقف مسيرة الإصلاح والنهوض عند حدّ؛ لأنّ الأمة بحاجة ليس إلى نهضة واحدة، وإنّما إلى سلسلة متتالية من النهضات؛ فالمشكلات كثيرة، والتحدّيات كبيرة. وهنا، ومن شدة صعوبة تحقيق منجز استثنائي يحصل أن تحقّق حركة النهضة والإصلاح بعض المنجزات الكبيرة، فتخشى من زوالها وفقدان هذا المنجز مرّة أخرى، فتضع ثقلها في الحفاظ عليه. وهذا أمرٌ طبيعي ومطلوبٌ في الوقت عينه.

لكنّ الذي يحصل أن تغرق حركة الإصلاح في همّ الحفاظ على ما أُنجز، فتنسى إكمال المسيرة أو تؤجِّل ذلك إلى حين، بل قد تضحّي ببعض ما كانت تريد تحقيقه لمصلحة ما تحقَّق حتى الآن، وشيئاً فشيئاً تخفّ الحركة التقدّمية، وتتعطل المسيرة التكاملية نحو الأمام، فتقف الحركة عند ما أُنجز وتحقَّق. وحيث تسير الدنيا مسرعةً تعود حركة الإصلاح وكأنّها حركة تقليدية لا تواكب المستجدّ، وإذا واكبته نظرت إليه بعين الريبة، فيصبح ضحيةً لها، كما كانت هي ضحيّة لمن سبقها، وبعد أن كانت تستصرخ من ظلم السابقين غدت تمارس ما يشبه حركتهم تجاه الآخرين.

هنا يكمن مقتل حركات النهضة، ولاسيما التي تحقّق إنجازات ملموسة يمكن الحفاظ عليها، فيما المطلوب السعي نحو توازن في الحفاظ على المنجز والسعي لإنجاز المزيد.

وتتجلّى صور جديدة لهذه المعضلة عندما تنطلق الحركات الكبرى في الإصلاح والنهوض والتغيير، فيهبّ الجيل الأول، الذي تغلب عليه صفات التضحية والفداء والشجاعة والتحدّي والإباء و…، فيقدّم الكثير تبعاً لمعطياته وإمكاناته. وقد يحقّق بعض المنجزات، لكن وبمجرّد تحققها، أو بمجرد مجيء الجيل الثاني، يبدأ النشاط المصلحيّ، والتوظيف الشخصيّ، وتتلاشى حالة الصدق، فيأخذ الجيل اللاحق بمصادرة جهود غيره، ويشرع بممارسة مداراة مصلحيّة زائفة، لا تعبّر بالدقة عن الدينامية المطلوبة، وإنما تحوي إفراطاً لا ضرورة فيه؛ فلا نريد يأساً ولا إحباطاً في الطريق يغلَّف بمفاهيم.

كما ينبغي الحذر من شبكة العلاقات الجديدة التي تبنيها الحركة الناهضة، والتي قد تتحوّل تدريجياً إلى خيوط متشابكة تحاصر الحركة نفسها، فالخوف على خسارة الشبكة العلائقيّة، التي تسمح في العادة بمواقع نفوذ، وتحقيق منجزات، قد يفضي إلى التضحية بجملة من القيم والمبادئ والمفاهيم. وهنا من الضروري أن تدرس المصالح والمفاسد بنظرة شاملة هذه المرّة؛ فقد تحقّق شبكات العلاقات هذه الكثير من النتائج والمنجزات الجديدة، أو تحول دون التعدّي على الحالة الناهضة؛ لتكون حمايةً لها ودرعاً، لكن من الضروري في الوقت عينه عدم الاستغراق في بناء شبكات العلاقات هذه بما يقدّم القيم والمبادئ العليا قرابين على مذبحها الذي لا يجفّ.

ثمة توليفة يمكن أخذها من جمع سياستي النبيّ محمد‘ والإمام علي×؛ فسياسة الحزم والمبدئية التي تحلّى بها عليّ بن أبي طالب عبّرت عن جانب الرغبة في الحفاظ على القيم أمام شبكة العلاقات والإرضاءات. كان المهم الحفاظ على المفهوم أكثر من تأمين أكبر قدر ممكن له من الجماهير، فيما وجدنا عند رسول الله في المدينة المنوّرة سياسة انفتاحية تسعى بمنطق التوليف؛ للحصول على كسب المؤيدين بالتضحية بما لا تضرّ التضحية به أمام حجم المصالح الوافدة. إنّ الجمع بين المنهجين ـ والذي قد يجد له أتباع المذاهب الأخرى نماذج متعدّدة وفق الاجتهاد الكلامي والفقهي عندهم، مثل شخصيّتي الخليفتين أبي بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب ـ قد يوفر لنا فسحة جيّدة في تعدّد أدوار العمل ضمن هدف واحد، على حدّ تعبير السيّد محمد باقر الصدر.

نعم، نحن ضدّ الراديكالية اللاعقلانيّة في العمل النهضويّ والإصلاحيّ، لكنّنا أيضاً نعارض المداراة الفارغة المضمون، والتي تفرّغ المشروع من معناه ومحتواه. فلا بد من توازن يخضع لطبيعة المتغيّرات ليحدّد المنهج الأسلم في التعامل مع الواقع.

ومع الأسف الشديد فقد لاحظنا على بعضهم أنّه بات يحاول تغييب أفكار روّاد حركته الإصلاحيّة أنفسهم؛ لأنّه يشعر بأنّ بعض مقولاتهم وصرخاتهم لم تتحقّق، فلا يريد أن يطالَب بتحقيقها؛ فيسعى لتغييبها، وإبداء الصور التي تتناسب مع وضعه الحالي؛ تلافياً للإحراج. وهذه من أعظم المعضلات، حيث يصبح قادة مسيرة الإصلاح أنفسهم ضحايا التغييب الممارَس من جانب جماعاتهم وتياراتهم في الجيل الثاني والثالث.

4 ـ مأزق التمزق الداخلي ــــــ

ظاهرة أخرى من الظواهر السلبية التي واجهتها أغلب حركات النهوض والإصلاح في العالم الإسلاميّ هي ظاهرة التشظّي الداخلي؛ فبمجرّد أن يصبح لها ظهورها تبدأ بالانقسام السلبيّ، وتتحوّل إلى جماعات تهزأ من بعضها وتسخر؛ وتنتقد بعضها انتقادات لاذعة، ويحاول كلّ فريق أن يزعم لنفسه تحقيق المنجزات دون غيره.

إننا نجد هذه الظاهرة تتواصل يوماً بعد آخر؛ فلا ترى بين هذه التيارات وبين رجالات النهضة والإصلاح في كثير من الأحيان سوى التشرذُم وتصفية الحسابات، الأمر الذي لا يستفيد منه سوى التيارات الراغبة في التحفظ والتثبيط والمراوحة والترنّح.

وفي داخل سياق حالة التمزُّق الداخلي نشهد غياب حالة الأعمال الجماعيّة الكبرى المتكاملة؛ ولهذا ظهرت الأعمال الفرديّة. فكلّ شخصية إصلاحيّة صارت لها أعمالها الخاصّة وأنشطتها الخاصّة، دون القيام بتنسيقٍ حقيقيٍّ بينها. وهذا ما ساعد على تعميم منطق الشخصانيّات، بحيث صار كلّ تيار إصلاحيّ يذوب في شخص، وينفي سمة النهضويّة والإصلاح عن غيره، وصار الفكر الإصلاحيّ منسوباً إلى أشخاص، بدل أن ينسبوا هم أنفسهم إلى هذا الفكر الكبير.

وسأشير هنا إلى نقطةٍ أعتقد أنّها على قدر من الأهمية، وهي أنّ حركات الإصلاح الفكريّ والثقافي ليست ذات لون واحد، بل تتباين أحياناً في ما بينها، وليست كلها حقّاً، حتّى بنظر بعضها بعضاً، وهذا أمرٌ واضح. لكنّ الذي نجده أنّ الفريق الموغل في النقد يمارس تقزيماً واستخفافاً بجهود فرقاء الإصلاح الآخرين، فيما يسعى الفريق الأقلّ إيغالاً إلى القطيعة مع الفريق الآخر، فيتعامل معه بمنطق التيارات التقليدية. عندما نجد حالةً من هذا النوع فمن الضروريّ أن نشعر بالخطر؛ لأنّ هذا المنطق الإقصائيّ لا يمكن أن يولِّد حالةً جماعيّة متعاونة. فنحن نجد تيارات فكريّة تسعى للإصلاح في دائرة إخراج الدين من الفرديّة إلى الجماعيّة السياسية؛ ونجد تيارات أخرى تسعى للإصلاح عبر إخراج الدين من الجماعية السياسية إلى الحالة الفردية. نجد فريقاً يعتبر إصلاح المفردات الجزئية، كهذه الفتوى أو تلك، أو هذا الملف الكلامي أو ذاك، هو غاية المطلوب، وأنّ به تتحقّق الأهداف المنشودة؛ فيما نجد فريقاً آخر يتحرّك في إطار إشكاليّة المنهج كلّه، مثل: استبدال المنهج التجزيئي الذي يريد رفع المنهج التوليفي (فقه النظرية) بالمنهج المقاصديّ المسقَط على الجزئيّات الفكريّة؛ وفريق ثالث يتخطّى المنهج إلى إشكاليّة عقم المفروضات القبليّة، مثل: أنّ للإسلام نظام حياة من الأوّل، وأن القوانين عرفية دنيوية، وليست إلهية أخروية. هذا التباين طبيعيٌّ ما دام لا يبلغ حدّ الرمي والقذف، أمّا عندما يبلغه، عبر سلب الفريق الأول صفة الإصلاح عن الثاني، ليراه تخريباً للدين، أو سلب الثاني صفة الإصلاح عن الأوّل، ليراه مجرّد فكر تقليدي ملمّع، فهذا معناه أنّ مساحة الوعي الإصلاحيّ سوف تتقلّص، وسيتحوّل الإصلاح من مشروع كبير له أنصاره وتياراته القادرة على التنسيق في ما بينها، رغم اختلافها، إلى مشروع من المشاريع الفكرية الجديدة الكثيرة. وهذا ما يتطلّب ـ في النطاق الفكري والثقافي على الأقل ـ السعي للتقريب بين التيارات المختلفة هذه، مع حقّ كل فريقٍ منها في إبداء رأيه الخاص ونقد آراء البقية.

 

5 ـ الإصلاح بين وهم النخبوية وأزمة الجماهيرية ــــــ

وهناك مشكلة لعلّها من أعقد المشكلات، وهي أنّ غرق العديد من مثقَّفي الإصلاح في الجانب النخبوي يغيّب حضورهم في الوسط الجماهيري، الذي هو المفصل في حركات التغيير الكبرى. إنّ التنزّه عن التواصل مع القاعدة الجماهيرية ـ لأيّ حجّة من الحجج ـ لا يخدم مسيرة الرقي والإصلاح. فبالعامة ـ كما يسمّونهم ـ تتحرك الأوضاع العامة، ومن الصعب على المثقَّف إذا ظلّ يعيش وَهْم النخبة، ويطهّر نفسه ويلعن غيره، أن يحدث تغييراً يُذكَر.

هذا يعني أنّ الإصلاح يحتاج إلى مداخلة، وليس إلى تجافٍ عن المحيط الاجتماعي بطبقاته، الأمر الذي لا يقف عند حدود الارتباط المادّيّ الجسديّ، وإنما يتعدّاه إلى الارتباط الخطابيّ، فالتواصل مع القاعدة الجماهيرية يستدعي خطاباً يتناسب معها:«إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم» (الكافي 1: 23؛ وانظر: كنز العمال 10: 242)، وهذا يعني أنّ المطلوب خطابٌ يتناسب مع هؤلاء، وليس فقط خطاباً نخبوياً. إنّ هذا يستدعي عدم التنزّه عن لغة المنبر والخطابة والإعلام المرئي والمسموع والمقروء بألوانه، ويستدعي احترام هذا النوع من الجهد الإصلاحيّ، بدل العيش في أبراج مخمليّة عاجيّة مرتفعة، ناطحة لسحاب الوهم والخيال، محلّقة فوق الأرض. إنّ هذا يستدعي أيضاً خطاباً واقعياً يلامس هموم المجتمع الحالي الذي يعيش فيه الفكر الإصلاحيّ، وليس المجتمع الذي سوف يأتي بعد قرون، أو مجتمع آخر لا حاجة فيه إلى هذا الفكر الإصلاحيّ.

من هنا ننظر بعين الرضا والتقدير للتجارب التواصليّة مع الطبقات المختلفة للمجتمع. وأطرح هنا إشكاليّة المرجع الدينيّ التواصليّ، الذي لا يعيش مفهوم الحاضر الغائب، بل يظلّ في الساحة، رغم انشغالات المرجعيّة، ورغم هموم الإصلاح الفكريّ.

وأمثِّل لذلك بتجربتين ـ مع وجود تجارب عديدة جيدة والحمد لله ـ:

الأولى: تجربة المرجع الدينيّ السيد الشهيد محمد صادق الصدر&. فمع انشغالاته الفكريّة، ومحاولاته الإصلاحية ضمن النطاق الذي تحرّك فيه، إلا أنّ سعيه الإصلاحيّ كان على صلة بالجماهير مباشرةً، في إطار المسموح ضمن ظروفه الزمكانية. هناك يصبح للعشائر فقهها وللحياة اليوميّة فقهها. لا يتخلّى المصلح الديني عن هموم المعرفة والفقه والاجتهاد في «من وراء الفقه» وغيره، ويظلّ ـ في الوقت عينه ـ عاملاً لرفع مستوى الوعي بالمقدار الممكن.

الثانية: تجربة المرجع الدينيّ العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله حفظه الله. فهذه التجربة سعت لملامسة قضايا الفكر والاجتهاد من جهةٍ، دون أن تغيب أبداً عن الجوانب التواصلية؛ لتحدث تغييراً ملموساً في الوعي الإسلامي العام في البلدان الإسلامية. بل إنّ هذه التجربة تكاد تكون الأبرز في سياق تجارب المرجعية الحاضرة بشكل مباشر أو شبه مباشر في أبسط تفاصيل المكلّفين، تتابع قضاياهم وتحلّ مشكلاتهم، وتقلّص المسافة الجغرافية والنفسية والتواصلية بينها وبينهم، لتكون بحقّ أنموذجاً يحتذى على هذا الصعيد بالذات.

إنّ حضور مفكّر ومرجع ديني وفقيه بشكلٍ ناشطٍ في وسائل الإعلام، وتواصله مع الجماهير؛ لتحويل فكره الإصلاحيّ إلى واقع، يمثل التجربة الأصعب في عملية الإصلاح الاجتماعيّ، فيما نجد الكثير من مثقَّفينا ومفكِّرينا يتنزَّهون عن ذلك، ويعيبون على الناس عملهم. إنّ الجلوس على المنصّة لتقويم هذا أو ذاك لا يعني أنّ الجالس قادرٌ على اللعب بالكرة لو كان في الموقع الآخر، ممّا يدعو إلى احترام متبادَل لهذه الجهود كلّها، دون أن تُبْخَس حقها، ودون أن تجعل هي نفسها أيضاً فوق النقد في الفكر والممارسة والوعي.

ـ يتبع ـ



كلمة تحرير العدد التاسع عشر من مجلة نصوص معاصرة صيف 2010م