الإصلاح بوصفه مضاداً للإصلاح

28 يوليو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
155 زيارة

الإصلاح بوصفه مضاداً للإصلاح

تجربتان وعبرتان

حيدر حبّ الله(*)

تمهيد

أودّ في هذه الوريقات المتواضعة أن أُلمح إلى تجربتين مهمّتين في التاريخ الديني في القرون الأخيرة؛ إحداهما سأوظِّفها في سياق نقد أداء التيّار المحافظ الإسلامي (المؤسّسة الرسميّة)؛ والثانية سوف أوظِّفها في سياق نقد أداء تيّار الإصلاح الديني الإسلامي. ولا أنحو منحى استنساخ الآخرين، فلستُ ممَّنْ يغريهم هذا الأمر، بل هناك فرق بين الاستنساخ والاعتبار؛ لأنّ الاعتبار يقوم بأخذ روح الفكرة المضيئة من التجارب الأخرى؛ لمحاولة إعادة إنتاجها في فضاءٍ ثانٍ بما يتناسب مع السياق الزمكاني المختلف.

أوّلاً: حركة الإصلاح المضادّ، أو محاربة الإصلاح بالإصلاح

نعرف جميعاً أنّ الحركة البروتستانتيّة (حركة الإصلاح الديني) قد انطلقت بقوّة مطلع القرن السادس عشر الميلادي، مع مارتن لوثر(1546م) وجون كالفن(1564م) وأولريش زوينجلي(1531م). وقد أحدثت ضجّة كبيرة وهزّة غير مسبوقة في الداخل الكاثوليكي. ورغم أنّ لوثر لم يكن بصدد الانشقاق عن الكاثوليكيّة لتأسيس مذهبٍ جديد، لكنّ الأمور تسارعت وتائرها؛ بسبب حدّة النزاع، لتصل بالمجتمع المسيحي إلى هذه النتيجة.

كان الجَدَل والنقاش سيِّدا الموقف حتّى انعقاد ما عُرف بمجمع ترنت (1545 ـ 1563م)، إذ اعتُبر هذا المجمع في مقرّراته بمثابة ردّ فعل عنيف جدّاً وحاسم من الكنيسة الكاثوليكيّة أمام مَنْ كانوا ما زالوا يبدون شرذمة من المتمرّدين الضالّين المضلّين المدمنين للهرطقة والابتداع! كانت نتائج مجمع ترنت قاسية جدّاً، تركت ظلال القطيعة العنيفة مع البروتستانت لقرونٍ، لتخفّ تدريجيّاً، وصولاً إلى المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 ـ 1965م)، حيث أعادت الكاثوليكيّة بناء نفسها، واتخذت مواقف مصيريّة، شكّلت منعطفاً يُعَدّ واحداً من أكبر المنعطفات في تاريخها على الإطلاق.

لكنّ مجمع ترنت بنصوصه الحاسمة العنيفة ضدّ حركة الإصلاح الديني لم يَخْلُ من حركةٍ داخليّة كانت هي الأهمّ بنظري الآن. فقد أطلق هذا المجمع العنانَ لتيارات عدّة، مثل: الحركة اليسوعيّة أو اليسوعيّون (Society Of Jesus)، ضمن سياق ما سُمّي بالإصلاح المضادّ (Counter – Reformation)، وقد تأسَّست الحركة اليسوعيّة على يد القديس أغناطيوس دي لويولا(1556م).

فكرة الإصلاح المضادّ التي أطلقتها الكنيسة الكاثوليكيّة أو وافقت عليها، بصرف النظر عن مستويات نجاحها لاحقاً، كانت مهمّةً، وتعتبر بنظر بعض المؤرِّخين أحد العناصر الأساسيّة التي حافظت على بقاء الكاثوليكيّة وعدم تلاشيها بفعل المدّ البروتستانتي المهول، الذي كان ينتشر، منطلقاً من الشمال الأوروبي، ليصل ضفاف الأبيض المتوسّط، مستهدفاً المعقل الأكبر (روما).

لقد انطلق الإصلاح المضادّ من قناعةٍ بوجود مشكلة في المؤسّسة الدينيّة، ومن استعدادٍ نسبيّ للمراجعة الداخليّة، ومن ضرورة سحب مبرّرات وجود حركة البروتستانت في المجتمع المسيحي. وقام على عدّة أركان، أهمّها:

أـ الحدّ من الفساد الواقع في الكنيسة، وفتح التحقيقات بقضايا من نوع ما يُشبه صكوك الغفران والأزمات الماليّة والرشاوى التي وقع فيها بعض رجال الدين، والاهتمام بإصلاح البنية التنظيميّة والهيكليّة الإداريّة للكنيسة.

ب ـ الاشتغال على تقوية الحالة الروحيّة ورفع المستوى الروحي والإيماني في أوساط الرهبان ورجال الدين عموماً؛ بهدف وقف تدهور الحياة المعنويّة، ووقف انجرار رجال الدين إلى مصالح الدنيا.

ج ـ رفع المستوى العلمي في الكنيسة والاهتمام بالعلوم عامّة، ولهذا يرجع الفضل إلى اليسوعيّين في العالم بتأسيسهم عدداً كبيراً من الجامعات الكبرى والمعاهد والمؤسّسات العلميّة والمدارس المرموقة، وكانت هذه الحواضر العلميّة التي أنشأوها ذات دَوْرٍ فاعل جدّاً في تطوّر العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة في أوروبا. وقد كُتب عن هذا الكثير.

د ـ الاهتمام بالتبشير في العالم، ولهذا امتدّت خيوطها من الصين وأقصى الشرق إلى الأمريكيّتين في أقصى الغرب، وكانت لتجاربهم التبشيريّة قدرةٌ كبيرة على منافسة التبشير والتمدُّد البروتستانتي المعروف بقوّته إلى يومنا هذا.

لقد أدركت الكنيسة الكاثوليكيّة في روما المأزق التي هي فيه، ورغم أنّها في تلك الفترة كانت ما تزال ترفض الإصلاحات الفكريّة العميقة، لكنّها كانت مستعدّةً للدخول في مرحلة إصلاح على صُعُد أخرى. ومع ذلك ظلّ وضع الانغلاق الفكريّ النسبي مستمرّاً، وخاصّة في مواجهة كلٍّ من: البروتستانت من جهةٍ؛ والحداثة والتنوير من جهةٍ ثانية. وقد برز هذا التشدُّد قويّاً في المجمع الفاتيكاني الأوّل (1869 ـ 1870م)، لكنّ بذور التحوّل الفكري كانت قد انطلقت مع بعض المفكِّرين اللاهوتيّين منذ القرن التاسع عشر، ليترك ثماره في المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي دفع الكنيسة لإجراء إصلاحات حقيقيّة أكثر، في عمقها الفكري، وفي رؤيتها للحداثة والعالم الحديث، وفي طريقة تعاملها مع تياراته، ومع الكنائس الأخرى، بل مع الأديان الأخرى في العالم.

لستُ في موقع التأريخ للكنيسة الكاثوليكيّة هنا، ولستُ بصدد حسم هذه الصور التاريخيّة، لكنّ ما أريده هنا هو أن نستفيد من تجارب غيرنا، ممَّنْ وقع ومنذ قرون في ما نقع نحن فيه اليوم. والعِبَر التي يمكن الخروج بها:

أوّلاً: لقد تعاملت المؤسّسة الدينية مع المصلحين الجُدُد بقسوةٍ وفوقية عالية، واستخفّت بانتقاداتهم، واتّخذت منهم موقف التكفير والتبديع. لكنّ مرور الزمن أكَّد بقاءهم وتناميهم وتقدُّمهم في مجالاتٍ كثيرة. وكانت النهاية تراجعاً واضحاً. فبعد قرونٍ من الخصام الرهيب، والذي صاحبته حروبٌ سُفكت فيها الدماء بين البروتستانت والكاثوليك، عادت الكنيسة الكاثوليكيّة لتعترف في القرن العشرين بالبروتستانت، وتغيِّر تماماً من لغتها معهم، وتدخل معهم في حوارٍ ومشتركات.

هل يمكن أن نستفيد نحن اليوم من هذا الدرس؟ هل يمكن للمؤسّسة الدينية الإسلاميّة بمذاهبها أن تعي أن طريقة التعامل الفوقي والتكفيري والتبديعي والإقصائي مع المصلحين والناقدين الجُدُد، مهما أخطأوا في فكرهم، لن يكتب لها النجاح، وأنّ قواعد الحياة قد تغيَّرت، وأنّ كرة الثلج تتدحرج؟ وهل سنوفِّر على أنفسنا خمسة قرون قضتها الكاثوليكيّة قبل أن تصل إلى هذه النتائج؟!

فكرتي هي أن نختصر الزمن، مستفيدين من تجارب غيرنا، ونذهب فوراً نحو بناء جسور حوارٍ بين التيارات الجديدة الناهضة وبين المؤسّسة الدينية الرسميّة، ونعترف ببعضنا، ولا نضيّع الوقت بالإقصاء؛ حتّى لا نعود مرّةً أخرى للاعتراف بالآخر المختلف في الداخل ـ الديني، عقب طاقات تمّ هدرها، وأوقات تمّ نزفها.

ثانياً: من الواضح اليوم أنّ واحدة من مآزق المؤسّسة الدينيّة هو وضعها الإداري. وقد رأينا كيف أنّ الإصلاح الإداري في الكاثوليكيّة ساعد على الحدّ من المدّ الإصلاحي. وهنا لكي تواجه المؤسّسةُ الدينيّة الرسميّة المدَّ الإصلاحي الإسلامي (طبعاً من وجهة نظر مَنْ لا يعتبرونه إصلاحاً، بل يرَوْن فيه تخريباً) عليها القيام بمراجعة، وليس أمامها سبيلٌ سوى هذا، مراجعة تامّة تعلن فيها تقصيرها وقصورها، وتقرّ بضعفها وقوّتها، وتبدأ برحلة العلاج الطويلة، انطلاقاً من إصلاح النظام الداخلي، قبل أن يسقط السقف على رؤوس الجميع، وأن لا تغترّ بالجمهور المصفِّق لها، وتقرأ العالم بطريقةٍ أفضل، وترصد التحوُّلات السريعة التي تقع من حولها. إنّ المؤسّسة الدينيّة الإسلاميّة ليس لها مفرٌّ إلاّ فتح باب التحقيقات في فساد بعض رجال الدين، واتّخاذ إجراءات بهذا الصدد، وتحمُّل المسؤوليّات حيث يمكن، ولا يكون ذلك إلاّ عبر عمليّة إصلاح إداري بنيوي داخلي، يسمح بوجود سلطات مراقبة وإشراف ومحاسبة تقوم على معايير منضبطة.

ثالثاً: الاهتمام بالعلم. وهذه نقطةٌ أكثر من خطيرة في تقديري؛ فإنّ الأغلبيّة الساحقة من رجال الدين اليوم ليس لهم باعٌ في العلوم الطبيعيّة، أمّا العلوم الإنسانيّة فقد شهدنا خلال العقود القليلة الأخيرة حركةً إيجابيّة نحوها. يجب أن نفهم في المؤسّسة الدينيّة أنّ العالم قد تحوَّل في مركزيّته، فالعلم اليوم ـ بمعناه الحديث ـ صار هو الحَكَم في كثير من الأمور، وصار يُصْدِر مواقف قويّة وجادّة في العديد من القضايا التي تقع على تماسّ مع الدين، فإذا لم تقُمْ المؤسّسة الدينية نفسها بمواكبة العلم، بل بالمساهمة في صنعه، كما فعل اليسوعيّون على سبيل المثال، فسنبقى عرضةً كلّ يومٍ لضربات العلم الحديث. ففي الماضي كان الدين هو المحور، وكانت العلوم والفلسفة والإنسانيّات هي الهوامش؛ أمّا دنيا اليوم فقد تحوّلت، فصار العلم هو المحور، ومَنْ يقرّبه العلم يقترب، ومَنْ يبعِّده يبتعد. وهذه حقيقةٌ قائمة، سواء قبلناها أم رفضناها نظريّاً. ومن ثمّ فدخولنا حقيقةً مرحلة الاندماج مع الحياة العلميّة، وإجراء تعديلات فيها من داخلها، هو ضرورةٌ قائمة لا مفرّ منها. وبإمكان ذلك أن يجنِّبنا ـ نسبيّاً ـ المزيد من التصادم مع العلوم الحديثة.

ولا أقصد بذلك أسلمة العلوم الطبيعيّة على طريقة بعض الباحثين، وإنّما صيرورة تماسّ مجتمع المؤسّسة الدينية مع العلم تماسّاً أعمق من الشكل الحالي، الذي يقتصر على مجرّد بعض الأسئلة أو الاستشارات، أو قد تجد عالماً يرجع لطبيبٍ أو يسأل فيزيائيّاً ليدلّه على شيءٍ، فإذا قمنا بوضع نظام تعليمي لا يخلّ بالمواد الأساسيّة لعلومنا الدينيّة، وفي الوقت عينه ينمو الطالب في ظلّه، مدركاً حقيقة مجريات العلم الحديث وتحوّلاته اليوم، وشجَّعنا في المعاهد الدينيّة ـ عبر وضع خطط عمليّة ـ على استقبال طلاب للعلوم الدينية يحملون مسبقاً شهادات في العلوم الحديثة، فسنقدر على إدارة الصراع بشكلٍ أفضل بكثير، بَدَل حالة الغربة التي قد نعيشها إزاء ما وصل إليه العلم في قضايا باتت تمسّ الدين وبناء الإنسان في الصميم.

رابعاً: إعادة إحياء البُعْد الروحي في المؤسّسة الدينيّة، وتخفيف وَهْج البعد الدنيوي، ولا أعني بذلك نظريّة أُخرويّة الدين، التي طرحها أمثال: المهندس مهدي بازرگان(1995م)، أو نظريّة رساليّة الدين، التي طرحها أمثال: الشيخ عليّ عبد الرازق(1966م)، فقد سبق لي أن ناقشت نظريّتهما بالتفصيل في كتابي (شمول الشريعة، بحوث في مديات المرجعيّة القانونيّة بين العقل والوحي: 458 ـ 530)، بل أعني إعادة رسم الأولويّات، فالحياة المعنويّة مع الله والآخرة، والحياة الأخلاقيّة، تحظى بأولويّة على الحياة الفقهيّة التي تنظّم غالباً البُعْد المادّي الجَسَدي من حياتنا، فما لم تصبح الأولويّات هي للبُعْد الروحي وللتجربة الإيمانيّة العميقة في أحاسيسها فقد نظلّ عُرْضة للسقوط بنسبةٍ أكبر، ومن ثمّ فالحياة المعنويّة تمثّل أحد ضمانات السلامة الأخلاقيّة لأداء المؤسّسة الدينيّة أكثر من الحياة الفقهية بمفهومها السائد؛ لأنّ الفقه بالمفهوم السائد غدا عُرْضة للتحايل عليه من داخله عبر منظومات الحِيَل الشرعية والتكييفات الفقهيّة، بينما النزعة الأخلاقيّة التي تقدّم السلامة الأخلاقيّة والروحيّة ـ وخاصّة بمعنى أصالة الفعل الأخلاقي على الطريقة الكانطيّة ـ تظلّ أقلّ عُرْضة لذلك.

وهذا كلّه يعني أنّ طلاّب العلوم الدينية هم طلاّب أخلاق، ورمزيّتهم في سلوكهم الأخلاقي، لا في مجرّد مفهوم الإباحة والحرمة بالمعنى الفقهيّ، فكلّما ارتفع منسوب حياتهم الأخلاقيّة ـ وخاصّة الأخلاق الروحيّة ـ كانت قدرتهم على التأثير أكبر، وكان نجاح عملهم بمستوى أعلى.

وأنا هنا أشجّع على الحياة الأخلاقيّة مثيراً بُعْداً غائيّاً، بما قد يُبديني متناقضاً، لكنّني لا أقصد توظيف الأخلاق للمصلحة، فلا أريد أن نكون أخلاقيّين لنؤثّر على الناس ولنعيد موقعنا الروحي ونصحّح الأوضاع؛ فهذا نقضٌ للوظيفيّة الأخلاقيّة في المفهوم الكانطي، وإنّما أُشير لبعض التأثيرات على طريقة أنّ الفعل الأخلاقي تكمن أخلاقيّته في ذاته، لا في غايته، وإنْ كانت له غاياتٌ نبيلة متحقِّقة منه خارجاً.

خامساً: فهم ووعي العصر الحديث، فليسوا الأكثرية مَنْ وعى حقيقة العالم الحديث؛ لأنّ وعي حقيقة هذا العالم شيءٌ مهمّ جدّاً، وما لم تكن المؤسّسة الدينية تضع في أولويات اختصاصاتها فهم العالم الحديث وشبكته وهويته، ووعي تحوّلاته العميقة، فلن نتمكّن من التعامل معه. وهذا ما يحتاج لوعي عدّة عناصر، من نوع: (العلم الحديث (طبيعيات وإنسانيّات) وحقيقته ومكوّناته وعقليّته + الديانة المسيحيّة وتحوّلاتها خلال القرون الخمسة الأخيرة + الفكر الفلسفي الغربي وتحوّلاته العميقة منذ عصر النهضة)، فهذا المركّب الثلاثي لا يمكن فهم العالم الحديث دون فهمه، فما لم تخُضْ المؤسّسة الدينية الإسلاميّة غمار هذا الثلاثي، بتنويع أدوار طلاّبها ورجالاتها، فلن تتمكّن من فهم الحياة المعاصرة، وستبقى طريقة أجوبتنا وحلولنا متناسبة مع تلك الشريحة من شعوبنا التي ما تزال تحيا الحياة القديمة، ولم تدخل بجدٍّ مرحلة الحياة المعاصرة. وأقول هذا كلّه بصرف النظر عن كوني أوافق أصلاً على الحياة المعاصرة، بل قد أرفضها، وأنزع نزعة أمثال: رينيه غينون(1951م)، في قراءته النقدية للحضارة الحديثة، لكنّ ما يهمّني هنا هو الفهم، لا القبول.

إنّ مخاطبة العالم الحديث تستدعي مسبقاً فَهْمَه، وفَهْمُه لا يكون بفهم العلوم الإسلاميّة وحدها، ولا برؤية ناطحات السحاب أو استخدام أجهزة التقنيات المعاصرة، والتي يجيد استخدامها أفضلَ منّا بعضُ (الإرهابيّين) المتشدِّدين المنغلقين اليوم…، بل بفهم علوم هذا العصر وعقليّته وإطاره الفكري، وهو ما لا يمكن الوصول إليه دون فتح الباب لدفع طلاب العلوم الدينيّة (ولو نسبة معتدّ بها منهم) للدخول في مجال العلوم الإنسانيّة والأديان والفلسفة الحديثة، وحتّى الإمكان العلوم الطبيعيّة، ولو نظريّاً، فلم يَعُدْ يمكن فهم الآخر دون التماهي معه وتقمُّص شخصيّته لمعرفة لماذا يفكر بهذه الطريقة أو تلك؟ ولماذا يتّجه لهذه الناحية أو تلك؟ بَدَل الجلوس بعيداً واستغراب أفعاله.

هذا كلّه كان ما نأمل من المؤسّسة الدينيّة الإسلاميّة أن تخطوه بعد قرنٍ ونصف من حركة التحديث الإسلامي، وبعد سلسلة قرون من تحوّل العالم بعصر النهضة وما تلاه، والهدف ألخِّصه بكلمة: إذا كانت المؤسّسة الدينيّة المحافظة ترفض حركة الإصلاح الديني، وتعتبرها هرطقة اليوم، فلا سبيل أمامها؛ للحدّ ـ وليس إلغاء ـ نموّ هذه الحركة، سوى أن تقوم هي بنفسها بحركة إصلاح في ذاتها، ولو على المستويات التي أشرنا إليها، حتّى لو أرادت أن تحافظ على بنيتها الفكريّة والدينيّة ولا تقبل بإجراء إصلاح في العقل الاجتهادي نفسه، وإلاّ فنحن نأمل من هذه المؤسّسة أن تنحو منحىً أكثر من هذا، وربما تخبئ لنا الأيّام من وقائع ما يشبه ما حدث مع غيرنا، وصولاً للتحوّلات العميقة التي وقعت في المجمع الفاتيكاني الثاني.

خطورة هذا الموضوع كلّه هو أنّ المؤسسة الدينيّة المحافظة إذا كانت تعتبر حركة الإصلاح والنقد الديني سبباً للابتعاد عن الدين، فينبغي أن لا يغيب عن بالها أنّ نزعتها المحافظة وعدم قبولها بممارسة إصلاح متناسب معها ربما يكون سبباً آخر لابتعاد الناس عن الدين، وبتعبير أمثال: مؤسِّس الوجوديّة المؤمنة سورين كيركجارد(1855م)، والمفكّر اللاهوتي الكاثوليكي ديلوباك(1991م): إنّ الكنيسة بنزعتها وإصرارها ودنيويّتها أو بميتافيزيقيّتها وغرقها في الغيبيات كانت سبباً أيضاً في نشر الإلحاد واللادينيّة… يجب أن نبقى قلقين من احتمال أنّ تصرّفاتٍ محافِظة من هذا النوع قد تحمِّلنا أمام الله والتاريخ مسؤوليّة نتائج من هذا القبيل.

ثانياً: حركة الإصلاح الديني في معرض الخطر

أنتقل الآن إلى النقطة التالية، وهي تتعلّق ببعض الأمور ذات الصلة بحركة الإصلاح الديني نفسها. وأودّ هنا الإشارة إجمالاً لثلاث ظواهر تحتاج إلى تأمُّل وإعادة نظر من قبل الفكر الإصلاحي الإسلامي نفسه:

1ـ ظاهرة إخضاع الدين للثقافة

نعرف جميعاً أنّ ثمّة علاقة حسّاسة بين الدين والفضاء الثقافي والاجتماعي المحيط (أعني بالثقافة حالياً كلّ منتج بشري معرفي على الصُّعُد المختلفة). وتوجد مواقف متعدّدة من هذا الموضوع، يمكن الإشارة حاليّاً إلى ثلاثة منها:

الموقف الأوّل: خضوع الثقافة للدين، بمعنى أنّ النصّ الديني هو المهيمن المتفرِّد الذي يصنع ثقافة وذهنيّة وعقليّة ومعرفة البشر، وعليه وحده فقط (تقريباً) أن يقرِّر هويّة هذه الثقافة ونمطها، ويحدِّد الصحيح من غير الصحيح في المعرفة البشريّة. وهذا ما نجده أحياناً عند بعض التيارات الأشدّ سلفيّةً ونصّية في الفكر الديني عند المذاهب؛ حيث يقدّم النصّ على العقل، ويلزم على الوعي البشري أن يخضع لمقولات النصّ نفسه.

الموقف الثاني: توظيف الثقافة للدين. وهذه هي الآليّة التي تنتهجها عادةً تيارات في علم الكلام الإسلامي، ووجدناها واضحةً في اللاهوت العقلي الطبيعي عند مثل: توما الأكويني(1274م) في المسيحيّة، ومَنْ تبعه من التوماويّة (التومائيّة) القديمة والحديثة. وفي هذا الموقف يُصار إلى استخدام العقل والمعرفة البشريّة التي تحظى في نفسها بحجّيتها؛ لكي تكون خادماً للدين والمعرفة الدينية، وعندما لا يمكن جعل العقل خادماً، أو يبدو عليه التعارض، فإنّنا نذهب نحو نعته بالعجز عن الفهم، وسلبه حقّ التدخّل وإبداء الرأي. وهذا ما نجده عند تيار كبير في الاجتهاد الشرعي الإسلامي من جهةٍ، ووجدناه عند الأكويني واضحاً من جهةٍ ثانية.

الموقف الثالث: خضوع الدين للثقافة، بمعنى أنّ الثقافة والمعرفة البشريّة هي المنتِجَة، بينما الدين ليس سوى مستهلك لهذه المعرفة، ومن ثمّ فإنّ الدين تتمّ صياغته عند البشر وفقاً لمُنْتَجِهم المعرفي القبلي. وهذا ما وجدنا أنّ حركة الإصلاح الإسلامي في بعض أطيافها ـ سروش وشبستري وغيرهم ـ واضحة في الدعوة إليه والتنظير له، انطلاقاً من معطيات الهرمنوطيقا الفلسفيّة مع مثل: مارتن هايدغر(1976م) وهانز جورج غادامير(2002م).

لا أريد أن أدخل في بحثٍ حول الأصول الموضوعة لهذا التصوُّر، الذي يبدو وكأنّه يضع لاصقاً على فَمِ النصوص ليمنعها من التعبير عن نفسها، ومن تحديد هويّتها ومراداتها، لكنّ نقطة القلق التي أريدها هنا هي: أين ستصبح هويّة الدين والنصّ الديني؟ وما هي الخصوصيّة المستقلّة له؟ وما هو دَوْره بوصفه فاعلاً في الحياة؟

إنّ وضع الدين في أعلى مراتب استهلاك المعرفة يعني أنّه لن يصبح ذا دَوْر أبداً من حيث ذاته، بل ليس هو سوى صدى لنا، ومن ثمّ سنضع أنفسنا ـ بوصفنا إصلاحاً دينيّاً، لا بوصفنا تخطّياً للدين ورفضاً له ـ سنضع أنفسنا ضمن مقولات أمثال: فيورباخ(1872م)، في أنّ الإنسان ـ بأمانيه ومخاوفه ـ هو الذي خلق الله، وليس العكس. فالله صنيعة إنسانيّة، وليس الإنسان صنيعة ربّانية. إنّ نقطة القلق التي أدعو للانتباه إليها هنا هي في التنبّؤ بمستقبل الدين لو وضعناه في مهبّ رياح المعرفة المخارجة له، ومنعنا عن نصوصه حقَّ التعبير عن ذاتها وعن أفكارها، ولم نمنحها حقّ المشاركة المستقلّة في تكوين الوعي الإنساني.

هذه القضيّة الحسّاسة وجدنا كيف أنّ المفكِّر الكبير كارل بارث(1968م) يعلن رفضه لها، ويوقف ـ بنسبة معيّنة ـ المدّ الذي انطلق منذ بدايات عصر الأنوار؛ لجعل الدين تحت رحمة المعرفة الإنسانيّة، وهو المدّ الذي تأثّر به أمثال كانط(1804م) وهيغل(1831م)، على أساس أنّ مَنْ يدخل الدين معتبراً إيّاه مجالاً لصبّ ثقافته المسبقة فإنّه لن يفهم الدين، بل سيفهم ثقافته هو المتجلّية في فهمه للدين.

والخلاصة: إنّ الإصلاح الإسلامي عليه أن يكون منتبهاً لعدم تذويب الدين، بحيث يصبح مجرّد صدى لنا، ولا نكون نحن استجابة له. وإلاّ فإنّ الذي أتوقّعه هو أن تنتهي الرحلة هذه نحو إلغاء الدين التاريخي (مثل: الأديان الإبراهيميّة)، والذهاب تماماً نحو المعنويّة، وليس نحو الدين المعنوي (أرجو التأمّل). ونحن نعرف أنّ المعنويّة تحرّرت من الدين ـ وخاصّةً مؤخّراً ـ، بل قد انطلق قطار (العرفان بدون الله). وتجارب أديان شرق آسيا تعطي دلالات هنا. فعلينا أن ننتبه أن لا يجرّنا الإصلاح الديني تحت سطوة الثقافة إلى تلاشي الدين كلّه، فننقض الغرض.

2ـ المركزيّة واللامركزيّة، عواقب ومآلات

نعرف جميعاً أنّ هناك فرقاً جوهريّاً بين البروتستانتيّة والكاثوليكيّة؛ فالأولى لا توجد فيها أنظمة هرميّة إكليروسيّة واحدة عالميّة؛ على عكس الثانية، التي يقف البابا على رأسها. وهذا الأمر كانت له إيجابيات وسلبيّات على الطرفين معاً؛ فمن إيجابيّاته على البروتستانت أنّهم كانوا أكثر حرّيةً في تناول قضايا الحداثة وهموم الإنسان المعاصر، وبرز فيهم مبدعون، ولهذا فأغلب الفكر الديني الحديث في الغرب هو فكرٌ بروتستانتي، من نوع كانط وهيغل وشلايرماخر وبارث، وغيرهم كثيرٌ؛ بينما الأنظمة الهرميّة الصارمة في الكاثوليكيّة كانت مانعاً عن حرّية الأفراد للخوض بطريقة واسعة، حتّى بدأنا نشهد تحوّلاً نسبيّاً مع المجمع الفاتيكاني الثاني.

في المقابل، كانت الوحدة العامّة التي تربط الكاثوليكيّة بنظامٍ ديني هرمي واحد عنصر قوّة، حيث بدا البروتستانت مبعثرون جدّاً، حتى قيل: إنّ كلّ كنيسة هي مذهب بروتستانتي قائمٌ بذاته، وظلّت الهيبة للكاثوليكيّة، رغم أنّ البروتستانت قد يعدّون اليوم ثلث المسيحيّين في العالم (يقال ما بين 800 ـ 900 مليون نسمة).

هذا الوضع المتشظّي دفع الكنائس المبعثرة (من بروتستانت وأرثوذكس) إلى إعادة جمع نفسها عام 1948م عبر ما عُرف بمجلس الكنائس العالمي (WCC)، الذي لا يشارك فيه الكاثوليك إلاّ بوصفهم مراقباً؛ وذلك لأجل التحوّل نحو هويّة وقوّة واحدة. فالعالم يقوم على التكتُّل اليوم لضمان البقاء، فمن الطبيعي للدين أن يقوم على التكتُّل الاجتماعي لضمان بقائه.

ما أريد أن أُلمح إليه هو أنّ تيارات الإصلاح الإسلامي الممتدّة على امتداد العالم الإسلامي يلزمها القيام بخطوةٍ من هذا النوع. وهذا شيءٌ سبق لي أن طرحته عام 2005م ضمن الإطار الشيعي، والآن أطرحه ضمن الإطار الاسلاميّ العامّ. فلضمان استمرار الإصلاح لا بُدَّ من توحيد القوى، والاستفادة من التجارب البروتستانتيّة في نقاط قوّتها وضعفها معاً؛ للاعتبار بها. وأكتفي بهذا، ولا أريد أن أكرِّر وأُطيل.

3ـ إصلاح الإصلاح، نحو تَقَوِيَّة إسلاميّة

عقب انطلاقة حركة الإصلاح الديني في الغرب كانت هذه الحركة تتّسم بثوريّةٍ وإخلاصٍ عالٍ، ولو على مستوى بعض خطوطها الرئيسة. كانت فكرة الإيمان قويّة، وكان الفرار من الدنيويّة والفساد المالي ومن الاهتمام فقط وفقط بسلطة رجال الدين… هذا كلّه أضفى طابعاً إيمانياً على الإصلاح. لكنْ شيئاً فشيئاً، وعندما نما الإصلاح وقوي، وصارت له بقعه الجغرافيّة الكبيرة وكنائسه (ألمانيا أنموذجاً)، تحوَّل هو بنفسه إلى سلطة زمنيّة بابويّة بمعنى معيّن. هنا انطلقت في النصف الثاني من القرن السابع عشر حركة أُطلق عليها (التَقَوِيَّة المسيحيّة/Pietism)، وإلى جانبها الحركة المنهاجيّة في بريطانيا وغيرهما. وقد تأثَّر بهذه الحركة رجال كبار، من نوع إيمانوئيل كانط(1804م)، وشلايرماخر(1834م) وغيرهما من كبار فلاسفة ولاهوتيّي الغرب الحديث، وتركت بصماتها في أعمالهم العلميّة (لاحِظْ التجربة الدينيّة عند شلايرماخر، والأخلاق عند كانط أنموذجاً).

اعتبرت التقويّة المسيحيّة أنّ الإصلاح غرق في النزعة العقليّة والنقد الفكري، وفي الاشتغال بقضايا الدين والاجتماع، وابتعد عن روح القضيّة الإيمانيّة التي تمثّل حياة الفرد المؤمن، فصار الإصلاح رمزاً للنقد العقلانيّ والتنافس السلطوي، بَدَل أن يكون رمزاً للتقوى والوَرَع وإعادة إنتاج حياة دينيّة متصالحة للفرد العادي. إنّ التقويّة المسيحيّة على أطيافها تمكَّنت ـ كما يقول الباحث الإيرلندي المعاصر أليستر ماجراث ـ من تحقيق الربط بين الإيمان المسيحي وحياة التجربة للمؤمن العادي، بضخّ روح معنويّة عميقة فيه، بَدَل تحوّل الإصلاح بنفسه إلى سلطة.

من هذه التجربة أريد أن أعتبر لنفسي ولغيري، مستفيداً بشكلٍ ما من التقويّة المسيحية، لكنْ بأسلوبي وتوجيهي للموضوع، دون التماهي معها. فحركة الإصلاح الإسلامي ـ وخاصّة في العالم العربي ـ غرقت هي الأخرى في الإصلاح الفكري. وقد تكون في مساحةٍ معتدّ بها منها قد ابتعدت عن الفضاء الروحي للدين. فمعنويّتها وإيمانيّتها تراجعت، حتّى لو وجدناها ترفع أحياناً شعار المعنويّة والروحيّة. لهذا يحتاج الإصلاح اليوم لإعادة إحياء الروح الحقيقيّة للدين في أعماقه وإصلاحها، لا إعادة إصلاح العقل الديني فقط. فالمهمّة مزدوجة، وهذا معنى الحاجة لروحٍ معنويّة داخل حركة الإصلاح.

كانت هذه بعض الأفكار والعِبَر المتواضعة التي أحببت أن أشارك القارئ العزيز بها، عبر هذه الوريقات؛ لنستفيد من تجارب غيرنا، ونتجنّب أخطاءه، ونكتسب عناصر قوّته، إنْ شاء الله تعالى.

(*) نشر هذا المقال في العدد 47 من مجلّة الاجتهاد والتجديد، في بيروت، صيف عام 2018م.