الإمامة والصيرورة التاريخية

13 نوفمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬392 زيارة

الإمامة والصيرورة التاريخية

كيف تغيّر مفهوم الإمامة عند الشيعة بمرور الزمن؟

ترجمة: منال باقر

وكما عوّدت «نصوص معاصرة» قرّاءها، تفسح هذه المرّة المجال أيضاً لعرض الرأي والرأي الآخر، في موضوع الإمامة، وقد أثارت دراسة «كديور» ردود أفعال عند صدورها، فنشرنا واحداً من أبرز هذه الردود بعد هذه الدراسة، للدكتور محمد رضائي، وهو ردّ جرى ـ كما علمنا ـ بالتنسيق مع الشيخ جعفر السبحاني، فإلى القارئ نقدّم الرأي يتلوه ردّه ونقده (التحرير).

العزاء الحسيني بين التهييج العاطفي والقراءة العقلانية النهضوية ــــــ

أقصد في هذه المقالة بيان المسائل المعرفية في الإسلام الحسيني، لا ذكر المصائب الرائجة والتي ينتظر الكثيرون سماعها في أيّام محرّم، واسمحوا لي أن أبيّن المسائل بدلاً من «ذكر المصائب»؛ فطريقة تعاطي الشيعة مع حادثة كربلاء وعاشوراء تمثل بنفسها مصيبة أكبر من المصيبة التي حدثت للإمام الحسين نفسه في كربلاء. إنني أرى وجود حاجة لطرح القضايا المعرفيّة في هذا المجال أكثر من بيان المسائل العاطفيّة. إنّ مجالسنا الدينيّة مليئة بالعواطف وما أعظم فائدتها في موضعها، لكن إذا لم يقرن هذا الهيجان العاطفي بالمسؤوليّة سيؤدّي إلى خدمة أمور أخرى ـ من المؤكّد أنّها مع الأسف ـ لن تتلائم وهدف الإمام الحسين. لن أتعرّض إلى موضوع استحالة التديّن في كلامي هذا، حيث يؤخذ بعين الاعتبار أنّ مجالسنا اليوم ـ قبل الثورة وبعدها ـ تتّجه بشكل جدّي إلى انتقاد مفكّرين معاصرين أمثال شريعتي ومطهري على الرغم من إجراء الإصلاحات عليها، لكن مع الأسف إنّ حاجة بعضنا إلى البقاء في ساحة السلطة والثروة تدفعهم إلى تضليل عامة الناس دينيّاً، فيضعون الأهداف البديهيّة الدينيّة التي يعتقد بها المجتمع وكربلاء وعاشوراء تحت أقدامهم، كما ويتمّ نشر أناشيد المداحين وقرّاء العزاء التي لا يوجد تناسب بينها وبين الثورة الحسيّنية، ويبثّ التلفزيون الرسمي الإيراني مضمون أكثرها، وبعضُ ما نسمعه يهزّ روح الإمام الحسين×، إن الإسلام أو التشيّع المحض لا يعني مطلقاً ذكر اسم الحسين والحديث عن مصائبه، بل معناهما الحقيقي إحياء أهداف الثورة الحسينية، فإذا تمّت ترجمتها عمليّاً فمن الواضح أنه لن يكون هناك مكان للكثير من النفعيين وطلاب السلطة والجاه من العرب في تلك المنطقة، إنّه لمن المؤلم أن تُلقى أهداف النهضة الحسينيّة أرضاً ـ باسم الحسين ـ وتُمحى من الأذهان، وذلك عندما تركّز مجالسنا المذهبية على ثواب العزاء والبكاء والإبكاء، وعندما يصبح هدفنا هذا النوع من إثارة العواطف والأحاسيس، عندها لن نتوجّه إلى عمل الإمام الحسين، والذي هو أكبر من هذه المصائب.

ينبغي أن تكون مجالس العزاء وذكر مصائب أبي عبدالله طريقاً لحفظ أهداف النهضة الحسينيّة وحمايتها، لا أن تتحول إلى موضوعٍ بنفسها أو تغدو الهدف الرئيس بغية الكسب أو تمضية بعض أيام الدنيا.

لا يدور حديثنا هنا حول موضوع عدم تحوّل التدين بشكل كلي، بل يمكن أن يكون واحداً من أجزائه، وهو عنوان «تحوّل فهم مسألة الإمامة»، وهذا ما حصل وتعرفون؛ فالإمامة ـ وإلى جانبها العدالة ـ ركنان من أركان المذهب الشيعي، حتّى سمّي التشيّع بالإمامة. إن البحث عن الإمامة وإصلاح فهمها بحث رئيس في الفكر الديني.

الحسين والإصلاح الديني ـــــــ

أحد أهداف الإمام الحسين وما أكّد عليه، مسألة الإصلاح الديني أو إصلاح أمّة رسول الله، وهذا ما يمكن أن يكون جواباً عن السؤال الثاني: ماذا أراد من ثورته وقيامه؟ فقد أخبر الإمام الحسين عن أهدافه من ثورته في وصيّته لأخيه محمد بن الحنفيّة بشكل واضح وصريح، حيث قال: «إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب».

لقد بدأ سيّد الشهداء ثورته مصلحاً، مريداً بذلك إزالة الانحرافات الموجودة في المجتمع، فكانت أهدافه إصلاح الدين في أمّة رسول الله، وإعادته إلى مساره الرئيس، والقيام بمواجهة ضارية مع الانحرافات التي تتمّ باسم الدين، إلا أن الإصلاح في الدين يغدو أكثر صعوبةً وأعظم مصيبة عندما ينتشر أمرٌ ديني على امتداد الزمان ويستوعب كل شيء فيسطّح الدين نفسه، الأمر الذي يؤدي إلى عدم ممارسة المزيد من الدرس والتعمق والفهم المركّز له.

لقد نهض الإمام الحسين من أجل كلمة الله وبسبب عشقه له؛ فقام لإحياء كلمة الحق، وهذا بالضبط ما كان هدفه، حيث صرّح بذلك في رسالته لأهل البصرة، فقال: «أنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أميتت وإنّ البدعة قد أحييت»، أجل، لقد قتل الذين يجلسون على منبر رسول الله’ سنّتَه وأحيوا مكانها البدع والانحرافات باسم رسول الله نفسه، لقد كانت مسألة إصلاح أمر الدين من ذاتيّات الثورة الحسينية، فكان الإسلام هو الرسالة الأسمى والأعظم في نهضته، كان يريد الناس لله ويعتقد أن السعادة في الإحياء الحقيقي لعبادة الله وإرادة الإسلام بين الناس.

إنّ عشق الله تعالى هو الحرف الأوّل الذي يُسطّر في الحديث عن غاية الإمام×، وهو القائل للشاعر الفرزدق متحدثاً عن نهضته: «إنّ هؤلاء قوم لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن». وبعد ذكره لهذه الأسباب يقول: «أنا أوّل من قام بنصرة دين الله وإعزاز شرعه والجهاد في سبيله؛ لتكون كلمة الله هي العليا». إن الغاية الحسينية هي كلمة الله الجامعة لكلّ مظاهر الحُسن والجمال والكمال. ويمكن للناس ـ من وجهة نظر الحسين ـ الوصول إلى السعادة، لكن فقط عبر هذا السبيل.

لقد دوّت صرخة الإمام الحسين× عاليةً على هذا الصعيد؛ فلم يمضِ على وفاة رسول الله’ خمسين سنة حتّى تبدّلت مفاهيم الدين الأساسيّة، ولم يهتم أحد لهذا ولم يقدم أحد على خطوة حقيقيّة؛ حتّى بلغت المسألة حدّاً أن رأى أنه لا يوجد سبيل للخلاص من هذا الواقع القائم سوى المواجهة وبذل دمّه الشريف.

اتباع الحسين في ممارسة حركة نقدية إصلاحية دينية ـــــــ

بناءً على هذا، إذا أردنا أن نتكلّم بكلام حسيني يرضاه الإمام الحسين في ليلة عاشوراء؛ فعلينا أن نقول: ينبغي علينا أن نعمل ما عمله في أيام حياته، يجب علينا أن نرى في زماننا هذا ما هي المفاهيم والمسائل التي انحرفت عن مسارها ومُسخت، وهنا بالضبط تكمن الصعوبة؛ هل تقع العدالة ضمن مجموعة المفاهيم المنحرفة؟ إنّ العدالة مفهوم يسبق الدين، ولا يختبر الدين العدالة بل هي تختبره، فالعدالة أمر تدركه الفطرة ويقبل المعرفة في كلّ زمان، نعم، لم يشك الإمام الحسين× في ذلك الزمان في ضرورة طلب العدالة ومحاربة الظلم، وقلّة ـ على مرّ التاريخ ـ هم الذين حاربوا الظلم ونهضوا لإقامة العدل، لكن لم يُخلّد اسمُ واحدٍ منهم كما خُلّد اسم الحسين؛ لأنّ الحسين قصد هدفاً يتخطّى بسط العدالة ورفع الظلم، إنّ أمّةً تمدح الحسين تعبّر عن أحد أبعاد ثورته، وهو بعد إرادة العدالة، أما البعد الآخر فكان إرادة الدين وإصلاح المذهب.

تحوّل مفهوم الإمامة: من كلمات الحسين إلى كلمات الخطباء وقراء العزاء ـــــــ

على امتداد التاريخ الإسلامي منذ 1400 سنة بدأت الكثير من المسائل الأساسيّة في فهم الدين تتغيّر تدريجيّاً، وعلى صعيد الثورة الحسينية لقد غدا ذنب المبلّغين والعلماء ـ مع الأسف ـ أكبر بكثير من ذنب عامّة الناس العاشقين للدين. إنّ مفهوم «الإمامة» واحد من المفاهيم الذي تعرّض للتحول والتغيّر الحقيقي على امتداد الزمان، نعم! لقد كان الحسين إماماً، لكن ماذا يعني الإمام؛ كيف عرّف الإمام الحسين نفسه في خطابه للناس في مكّة والبصرة والكوفة وكربلاء؛ وكيف يعرّف بعضنا ممن يعتلي المنابر ـ من قرّاء العزاء والمداحين ـ الإمام؟ ما هو الفرق أو المسافة بين الإمامة التي بيّنها الحسين بن علي أو تلك الواردة في نهج البلاغة والنصوص الدينيّة المعتبرة وبين الإمامة المستخدمة عند الخطباء الرسميين في المحافل الدينية؟ إنه الفرق الشاسع بين المشرق والمغرب.

الادّعاء الفائق الأهمية هنا يكمن في تسليط الضوء تدريجياً على مفهوم الإمامة ومن ثم تضخيم أبعاد هذا المفهوم منذ القرن الأول إلى يومنا هذا، فقد ضعّفت جوانب أخرى، وهمّشت أبعاد ثانية في الإمامة لصالح صورة جديدة منسوجة، أمّا ما تمّ تضخيمه فهو عنصر التقديس في محور الإمامة وهو تقديس كان له أثر أقلّ في القرون الأولى؛ إنّ التشيّع يعبّر عن قراءة العلوم العلويّة من الإسلام النبوي، وما يميّز التشيع عن سائر القراءات الإسلاميّة إنّما هو ثلاث ميّزات هي: الفهم العَلَوي الأكثر عقلانيّةً، وعرفانيًّة، وعدالة من باقي قراءات الإسلام.

إطاحة المفهوم الجديد للإمامة بالعقلانية الدينية ـــــــ

وإذا تأملنا اليوم هذه الميّزات الثلاث، سنجد أنّ مفهوم الإمامة اليوم ـ وهو المَعْلَم الأساس للتشيّع ـ غداً مناهضاً للعقلانية مطيحاً بها؛ فما يؤكّد عليه في المجالس الدينيّة هو الجانب ما فوق البشريّ للأئمة، وبعبارة أخرى: الأشياء التي أعجزت الآخرين عن أن يصبحوا أئمة، فهم بالطبع مختلفون عن الآخرين تكويناً، فطينتهم وخلقتهم مختلفتان عن سائر الناس ممّا يؤدي إلى كون مرتبتهم الوجودية صعبة المنال إن لم تكن مستحيلة، لم يكن هذا النوع من المسائل مطروحاً في القرن الأوّل والثاني الهجريّين، أو كان مطروحاً بشكل محدود وبسيط، ويؤكّد كل من الإمام علي وما بقي من النصوص الدينيّة المعتبرة على كون الأئمة بشراً، وأقصى ما أكّدوا عليه ووضّحوه أن أفضليتهم تكمن في علمهم وبصيرتهم وصفاء نفوسهم وتهذيبها وعقل دراية مقابل عقل رواية؛ فلا أثر لتعريف سيّد الشهداء والإمام عليّ وغيرهما من الأئمة أنفسهم استناداً إلى البُعد ما فوق البشري عندهم، ويكفي في هذا المجال مراجعة نهج البلاغة وخطب الإمام الحسين والصحيفة السجاديّة وسائر النصوص الدينيّة المعتبرة.

لم أعثر في أيّ مكان على جوابٍ للإمام الحسين عن السؤال المهم: «من هو الإمام؟» على النحو التالي: «الإمام هو المنصوب من الله، الإمام هو المنصوب من قبل رسول الله، الإمام هو المعصوم، الإمام هو العالم بالغيب»، أوَليست هذه المسائل الأربع هي الأبعاد الكلاميّة للإمامة في أوساطنا اليوم؟! إنّ العصمة وعلم الغيب والنصب الإلهي والنصب من قبل رسول الله أربع مسائل طرحها المتكلّمون منذ القرن الثالث أو الرابع تقريباً إلى عصرنا الحالي، وكلما امتدّ الزمان اتسعت هذه المعالم نطاقاً وتعمّقت وترسخت.

إنّ الحديث حول هذه الأمور قليل على لسان أهل البيت في القرون الأولى، ولم يكن عَرَفَها الشيعة الأصليون الذين يُفتخر بهم من أمثال سلمان وأبو ذر والمقداد وعمّار وكميل ومالك الأشتر وأبي بصير ومحمد بن مسلم وغيرهم.. فهل كان الأئمة يجاملون؟ وهل واجه مسلمو صدر الإسلام والشيعة الأوائل أئمتهم بهذه المفاهيم أم بالمفاهيم القرآنية والمتعارفة؟ وهل رأى الناس في الإمام علي والحسن والحسين هذه الميّزات الأربع الخاصّة أم أنهم كانوا يرون في سمات علي وآل علي تماوج العلم وعمق العمل الصالح وتجسّم القرآن في سيماء إنساني بشري يمكنه أن يكون مثلهم، هذا أين وذاك أين؟!

ظهور مقولة البُعد ما فوق البشري في الإمام بعد القرن الثالث الهجري ـــــــ

إنّ إثبات هذه الأمور الأربعة أو إنكارها ليس محور بحثنا، إنّما نتكلّم في أنّه هل ترضى الشريعة بتبديل نهضةٍ ما إلى نظام؟ فالذي يبدو اليوم هو حصول تحوّل في المعارف الدينيّة الأساسيّة إلى نظام كلامي فقهي خاص، كيف استطاع نظام كلامي فقهي أن يحلّ محل المباحث الدينيّة الأساسيّة، لقد بُيّن في النصوص المعتبرة عندنا في القرون الأولى المسائل المختلفة تحت عنوان ميّزات الإمامة ـ الناظرة نوعاً ـ لهداية الناس إلى الله تعالى وإقامة الدين ورعاية حقوق الإنسان. لقد خاطب الإمام الحسين× أهل الكوفة وأجاب أهل مكّة أيضاً بما يلي: «فلعمري ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله». أوليس الإمام هو الشخص العامل بكتاب الله تعالى والقائم بالعدل والقسط، وهو المتدين فعلاً، ومن أهل الإخلاص والصفاء؟؟ فهذه الصفات قابلة للتعميم بحيث يمكن أن يتصوّر حصولها لكلّ مسلم؛ وقد عرّف الإمام نفسه بأنّه المرتبط بالقرآن الكريم والمميّز بالعدالة؛ من هنا، ذكر سيّد الشهداء قبل استشهاده في خطبته المهمّة: «لكم فيَّ أسوة». فمن أجل أن تتحقق الأسوة لابدّ أن يكون هناك سنخيّة بين الإمام والمأموم، بحيث تؤهّل المأمومين للوصول إلى مرتبة الإمام.

لكن، عندما يحدّد المتكلمون صفات الإمام بتلك التي ذكرناها، فلن يمكن بعد ذلك أن يكون الأئمة أسوةً، مع أنّ الرسول أسوة في جهة: «أنا بشر مثلكم»، وإلا فهوَ ليس بأسوة في «يوحى إليَّ».

إنّ النيّة في طرح هذه المفاهيم المستجدّة حول موضوع الإمامة ليست سيئة قطعاً، بل هناك حسن نيّة، والصعوبة تكمن هنا. أنا لا أُريد القول: إنّ هذه المفاهيم خاطئة، بل أقول: إنّ ميزات الإمام منذ البداية كانت شيئاً، فيما أصبحت اليوم شيئاً آخر، لقد كانت البداية عبارة عن فهم الإمام للقرآن وتطبيقه العدالة وتديّنه وتهذيبه لنفسه، لكنّها تحوّلت تدريجيّاً إلى النصب والنصّ والعصمة والعلم بالغيب. وينبغي الالتفات أيضاً إلى بعض الأمور التي ذكرها الإمام علي× في الإمام، حيث يقول في الخطبة الثالثة ما يلي: «أمّا والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة (خلق الأرواح)، لولا حضور الحاضر (دعم الشعب للإمام)، وقيام الحجة بوجود الناصر (قيام الحجة على علي)، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها».

أيّها المتكلّمون! هذا هو العهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على العلماء، لقد قال الإمام علي× هذا الكلام ـ الكلام أعلاه ـ في حقّ نفسه، لم يقله عن الحسن البصري وأبي حنيفة والشيخ الطوسي والشيخ المفيد. ما هو العهد الذي أخذه الله عزّ وجل على العلماء؟ هل هو عدم النهضة والثورة عند رؤية الناس مظلومين وجيّاعاً؟! لقد طبّق الحسين بن علي عمليّاً كلام أبيه. إنّ الميثاق المأخوذ على العلماء هو أن يكونوا الرادة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا هو بالضبط مضمون خطبة نهج البلاغة، إنّ مضمونها هو: أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.

والشاهد هنا ظريف جداً، إنّ الإمام عليّاً وبدلاً من أن يعرّف نفسه في نهج البلاغة بأنّه العالم بالغيب ـ كما يقول المتكلّمون ـ يتحدّث عن عهد الله على العلماء، ومع أنّه ـ باعتقادنا ـ أعلم العلماء، ومن أجل الميثاق المأخوذ على العلماء قَبِل× ببيعة الناس له، وبدأ مشوار خلافته. لقد سمّى عليّ نفسه عالماً، كذلك يستطيع الآخرون أن يكونوا علماء، لكن، بما أنّ عليّاً كان جليس الرسول الأكرم أكثر من غيره فإنّه استطاع أن يهذّب نفسه أكثر، وكان الأعلم بسبب تجلّي أُصول الدين فيه أكثر من غيره، لم يكن هدف هذا البحث إثبات مراتب علم الإمام علي× أو نفيها، إذ من المسلّم به والمتيقّن أنّ عليّاً يعلم أكثر من غيره، لكن الهدف ـ كما قلنا ـ معرفة هل أنّ العلم الغيبي شرطٌ في الإمامة أم لا؟ وعلى أيّة حال فأصل علمه الغيبي ليس محور بحثنا، لكن شرط وجودها هو ما يهمّنا (فتأمل).

لقد قال الإمام علي× كلمةً جميلة في الخطبة المائة والواحد والثلاثين من نهج البلاغة، وقد نسبت ـ هذه الجملة ـ إليه كما نسبت إلى ابنه الإمام الحسين أيضاً، حيث قال: «اللهم إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسةً في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنردَّ المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطّلة من حدودك»؛ فإذا كانت هذه هي الإمامة، نستطيع حينئذ مقارنتها مع نصوصنا الدينيّة التي تتحدّث عن الإمامة، والتي انتشرت أواخر القرن الثاني. فعندما يرى الناس هذه الوجودات الراقية، يذهبون بمبالغتهم الشرقيّة إلى أن يصلوا إلى حدّ تنزيههم عن النواقص وإعطائهم الكمالات كافّة، ويسترسلون في ذكر فضائلهم ومناقبيّتهم حتّى يقول الأئمة أنفسهم: إنّ هذا خارج عن الحدّ ونحن لسنا كذلك. وقد عُرف هؤلاء الأشخاص بالمغالين، والغلو يعني الزيادة في مدح الشخص فيذكر محاسنه وفضائله بحيث يزيد بها عن الحدّ الطبيعي، وقد ادّعى بعض هؤلاء في حقّ الإمام علي ذلك حيث قالوا: لا يمكن لهذه الفضائل أن تثبت لإنسان أو تصدر عنه (والعياذ بالله)، أنت فوق البشر، بل أنت إله، فسجدوا له. أمّا الإمام علي فقد نهاهم عن هذا القول والفعل، وقال: صفتي الأولى هي العبوديّة لله تعالى، وإذا لم تكفّوا عن هذا فسوف أجازيكم لارتكابكم الشرك، لكنهم لم يرتدعوا فقام بمجازاتهم ومعاقبتهم.

ظهور التفويض وانقسام المجتمع الشيعي إزاءه ـــــــ

ورغم هذا، استمر هؤلاء الأشخاص في غلوّهم في القرون اللاحقة إلى أن وصلوا إلى القول والادعاء بأنّ الله تعالى يتكفّل بخلق العالم، ويفوّض إلى الرسول الأكرم وإلى الأئمة من بعده شؤون الدين وتدبير أمور البشر، من هنا، يُعرف هؤلاء الأشخاص في التاريخ بالمفوّضة، وهم الذين يعتقدون بتفويض خلق العالم أو الخلق التكويني أو التشريع الديني لأناس خاصّين على رأسهم الرسول الأكرم والأئمة من بعده، والمفوضة فرقة من الغلات، وقد عرفوا بالمزايدات؛ حتى صدرت منها روايات عديدة لا زالت موجودة في مجاميعنا الحديثيّة؛ فانظر باب التفويض من الله إلى النبي والأئمة بعده.

وللتفويض مراتب عديدة حيث ازداد شدّةً في القرنين الثالث والرابع، فانقسم العلماء من جراء ذلك إلى مجموعتين؛ فاعتقد بعضٌ بخلاف ذلك؛ وقالوا: إنّ هذه المراتب المدّعاة للأئمة لا تتلاءم مع ما ورد صراحةً في القرآن الكريم، ولم تكن قد صدرت عن لسان الرسول الأكرم’. وقال آخرون: أنتم مقصّرون في حقّ الرسول والأئمة؛ إذ تنفون عنهم تلك الأمور؛ من هنا، عُرف المنكرون للتفويض بـ«المقصّرة»، أي المقصّرين في حقّ الرسول والأئمة؛ وكان المفوضة هم الذين أطلقوا هذا الوصف على الفريق الآخر، وإلا فقد كان ذلك الفريق يعدّ نفسه من الشيعة الرئيسيين، ويطلق بدوره على الطرف المقابل له وصف المفوضة.

وتاريخياً، ظهرت للتفويض مراتب عديدة هي: التفويض في الخلقة، والتفويض في تدبير العالم، والتفويض في الرزق وتدبير المعاش، والتفويض في أمر الدين والشريعة، والتفويض في الاختيار ـ مقابل الجبر ـ الذي ورد في «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين». وفي البداية، أنكر العلماء هذه المراتب كلّها، لكنّهم غدوا يقدّمون لها ـ تدريجيّاً ـ محملاً ما، ثم نسبوها بمعنى من المعاني إلى الأئمة، وعلى أيّة حال، فقد اعتبر بعض العلماء صراحةً أن المفوضة التي تقول بتفويض خلق العالم إلى الأئمة، متورّطين بالشرك الصريح؛ ومن هنا انفصل هؤلاء تدريجياً عن الشيعة، فلم يكن بين الشيعة شخص يفكر بهذه الطريقة. أمّا المراتب الأُخرى من التفويض، مثل التفويض في أمر الدين فهو باقٍ، فالله عزّ وجلّ أوكل أمور دينه إلى الرسول والأئمة، الذين لم يريدوا غير الله تعالى شيئاً، فهم يستطيعون أن يحلّلوا أو يحرموا أمراً كلما رأوا فيه صلاحاً، كما أنّ شروق الشمس وهطول المطر إنما يكون بإذنهم وببركة وجودهم.

وفي هذا المجال ظهرت العديد من الروايات في مجاميعنا الروائية، حيث نرى في كتاب أصول الكافي (كتاب الحجة، باب تفويض الأمر إلى الأئمة) أحاديث كثيرة، كما نرى في بحار الأنوار (ج 25) أكثر من مائة صفحة في نفي الغلو والتفويض. وقد بلغت المسألة حدّاً حتى قال الشيخ الصدوق في القرن الرابع: إنّ المفوضة والغلاة مشركون وكفرة، وهم أكثر أهل الضلالة ضلالاً، ويذكر في كتبه ـ من بينها «من لا يحضره الفقيه» و «الاعتقادات» ـ علامات للتفويض، كانت محطّ نقد العلماء اللاحقين، وواحدة من هذه العلامات التي يذكرها الشيخ الصدوق،اتّهام هؤلاء المفوّضة لعلماء مدينة قم بالتقصير؛ فقد كانت قم في ذلك الزمان معقلاً من المعاقل الأساسيّة التي يقطنها الشيعة، وكان علماؤها آنذاك من المتشدّدين تجاه الغلو والتفويض؛ حيث كانوا يخرجون من المدينة المغالين الذين يبالغون في حقّ الأئمة؛ لذلك أتهم العلماء والمشايخ الساكنون في قم بالتقصير، ويرى الشيخ الصدوق أنّ كل شخص يفكر بهذه الطريقة يُعلم منه التفويض.

ويردّ الشيخ المفيد على هذا في تصحيح الاعتقاد معترضاً، فيقول: إنّها ليست كذلك، إنّ العديد من العلامات التي ذكرتها (ذكرها الشيخ الصدوق) أنا نفسي أعتقد بها، لكنني لست من أهل التفويض، وبهذا يرى الشيخ المفيد أنّ العديد من علماء مدينة قم كانوا ـ فعلاً ـ من المقصّرين.

نفوذ التفويض المعدَّل إلى الثقافة الشيعية المعتدلة ـــــــ

تُعدّ هذه البحوث وزينةً إلى حدٍّ ما، وينبغي اليوم أن نطرحها وأمثالها؛ ذلك أنّها وقعت في القرن الرابع، وقد خاض المفوضة والمقصّرة سجالاً دينياً ونهضوا إلى أن حذفت المقصّرة تدريجياً من المجتمعات الشيعية، واتخذ الفكر التفويضي شكلاً أكثر اعتدالاً من السابق، وغدا الفكرَ المهيمن على العقل الشيعي.

ومرادي من التفويض الاعتدالي عدم اعتبار الأئمة إلهاً وعدم تفويض أمر خلق العالم إليهم، لكنّ هذا التفويض يحفظ الفكر التفويضي في المحاور الثلاثة: تدبير شؤون العالم، إعطاء الرزق للعباد، الشريعة والدين؛ وبناء على هذا، فالفرق بين التفويض الإفراطي والاعتدالي إنّما هو في قبول ألوهية الأئمة أو نفيها.

هذا، ورغم أن بعض المسلمين وبعض الشيعة يرى أنّ هذه الأمور الثلاثة تظلّ من شؤون الله تعالى، تعتقد المفوّضة والغلاة غير الإفراطيين أنّها ـ هذه الأمور الثلاثة ـ من لوازم الإمامة وشؤونها، لكنّنا لا نجد أثراً بالغاً لهذا النزاع منذ القرن الرابع إلى ما بعده؛ ذلك لأنّ هذه الأمور ـ التي كانت محطّ نزاع واختلاف ونقد وإنكار ـ تحوّلت تدريجيّاً إلى نصّ رسمي للاعتقادات الشيعيّة، لذلك ذهب المتكلّم الشيعي منذ القرنين: الرابع والخامس وما بعدهما إلى الأخذ بهذه الأمور التي سبق له أن كان سجّل عليها انتقاداته، ونراه بعد ذلك يقول: إنّ من ضروريّات المذهب الشيعي البديهيّة تفويض أمر الدين والدنيا إلى الأئمة؛ وبهذا القول لا يسمّي نفسه مفوّضاً بل شيعياً أصيلاً. هذه هي معالم المذهب التي تحوّلت وزيد عليها.

ثمّة سؤال يطرح هنا: هل كانت ستتقبّل اعتقادات متكلّمي القرنين الرابع والخامس وما بعدهما في القرون الهجرية الأولى؟ يذكر العالم الرجالي المرحوم المامقاني جملةً في ذيل بحوثه الرجاليّة من كتاب «تنقيح المقال»، أنّ أكثر ما يُعدّ اليوم من ضروريّات المذهب في أوصاف الأئمة^ كان القول به معدوداً في العهد السابق من الغلو، وكان المامقاني قد كتب هذا القول في القرن الثالث عشر، بناء على هذا، فقد حصل على امتداد عشرة إلى أحد عشر قرناً تغيير واسع؛ أي أنّ الأمور التي كانت تُعدّ في القرن الثالث من الغلو تبدّلت إلى أن أصبحت في القرنين الثالث والرابع عشر أصلاً من أصول المذهب الشيعي وضرورياته، إن هذه المسألة تدفعنا إلى إعادة التفكير في الأمر وإصلاحه بحيث يحوي على الأهمية التي قام الإمام الحسين× ونهض من أجلها. ينبغي علينا التأمّل الدقيق في هذه المسائل.

التفويض المعدَّل ودوره في إقصاء الوحي والقرآن ـــــــ

ثمّة ميزة أُخرى للعلماء القائلين بالتفويض، وهي التقليل من أهمية الوحي، ففي الواقع كل ما لدينا عن الرسول وما سمعناه من القرآن هو هذه الآيات: {وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (*) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (*) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى} (النجم: 3 ـ 5)، ومن الواضح جداً أنّ الرسول صار نبيّاً بواسطة هذا الوحي الذي ميّزه بخصائص عديدة، وغير ذلك هو معلّم للأمّة أيضاً، {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ}. إنّ الرسول على الرغم من إحضاره الوحي هديّةً لنا فهو معلّم للحكمة أيضاً، حيث وضع سنّته بين أيدينا. هذا الرسول هو إنسان عادي، إلاّ أنّه طاهر نقي مهذّب لنفسه حتّى استطاع بمساعدة الوحي الإلهي أن يبلغ هذا المقام المهم، أي إنّ ما يميّز النبي هو الوحي ومن دونه فهو بشر، وإن كان إنساناً صافياً نقياً مهذباً.

بناء على هذا، يغدو للوحي دور أساسي في الرسالة، فهو منشأ الامتياز الذي حصل عليه الأنبياء، إنّ علوم الرسول غير العادية ناشئة من الوحي. أمّا إذا قلنا: إنّه لا موضوعية للوحي ـ وهذا ما لم يقل بهذه الصراحة ـ فهذا يعني أنّ كل ما يعلمه النبي في مجال الدين يمكن أن ينسب للأئمة، أي أنّ ما فُوّض للرسول هو بالضبط ما فُوّض أيضاً لعلي بن أبي طالب وأولاده.

وهنا نصل إلى ما يلي: ما هو دور الوحي وعمله في هذا المضمار؟ هذا مضمون كلام كثير من الروايات؛ ونعثُر على هذه الروايات في كتب عديدة مثل: بصائر الدرجات المنسوب لأحد أصحاب الإمام العسكري×، والذي كُتب أواخر القرن الثالث الهجري، حيث يُعد من أوائل الكتب الشيعية، وأصول الكافي للكليني، وفي كتاب الاختصاص المنسوب للشيخ المفيد، وفي تفاسير علي بن إبراهيم القمي وفرات الكوفي.

إنّ نصّ هذه الروايات التي يمكن ذكرها مستفيض، أو حتّى ما شابهها زائد وكبير أيضاً، وهي: ما فُوّض إلى النبي’ فقد فوّض إلينا، وتعني هذه الرواية أنّ أي عمل يستطيع الرسول’ القيام به في مجال الدين يستطيع الأئمة كذلك فعله والقيام به.

لكن يبقى هذا السؤال: ما هو دور الوحي الرسالي الذي يمكن أن يؤديه؟ وهذا هو السرّ في أن الفكر الشيعي المعاصر يعتبر مكانة القرآن دانيةً فيما مكانة الروايات عالية، إذ ذلك ـ عملياً ـ نتيجُ هذه الأفكار والمقولات؛ فنحن نسأل أنفسنا دائماً: لماذا لا نعتني بالقرآن العناية الكافية؟ إلى أي مدى تُعدّ الحوزات العلميّة قرآنيّةً؟ ما هو المقدار الذي نتلوه من القرآن على المنابر؟ كم آية حاضرة في أذهاننا؟

إنّه من الواضح أنّ القرآن الكريم لا يشمل كلّ المسائل، بل يشمل أصول العمل فقط، لكن يجب أن نرجع في كثير من الجزئيات والتفاصيل إلى الروايات إلى حدٍّ فاقت فيه أهميتها العمليّة موقعيّة القرآن ومكانته. إنّ السرّ في هذا مضمر في المسألة القاسية التالية؛ فعندما تبدأ المسألة من المغالاة والمزايدة في تقديس الأئمة وتفويض التدبير والأرزاق والتشريع إليهم، وعندما لا يسأل أحدٌ ما هو الدور الذي يؤديه الوحي؟؟ كيف يمكن أن تُعطى جميع صلاحيّات الرسول للأئمة مع أنّ الرسول نزل عليه الوحي ولم ينزل على الأئمة؟؟ في هذه الحالة، إن وجود الوحي وعدمه سيّان، فهو لن يؤدي دوره؛ من هنا، نرى في العصور اللاحقة كيف تعاطت الناس واعتبرت أنه بما أنّ الفرضيّة الأولى صحيحة، إذاً فكلّ ما فوض للأئمة مفوّضٌ للفقهاء العدول أيضاً من دون زيادة أو نقصان.

استمرار المسيرة في تحديد الموقف من الفقهاء ـــــــ

قارنوا بين المعادلتين، المعادلة الأولى تقول: ما فُوّض للنبي’ فهو مُفوّض إلى علي وأولاده، والمعادلة الثانية تنصّ: ما فُوّض للأئمة^ فهو مفوّض إلى الفقهاء العدول. انتبهوا جيداً إلى أساس هذا الفهم الخاطئ والانحراف القائم، من أين بدأ؟ ومن أين انطلق؟

هنا نسأل مجدّداً: ما هو الاختلاف بين الأئمة والفقهاء العدول؟ أو لم يقل علم الكلام والفقه التقليديين أنّ الأئمة معصومون وعالمون بالغيب؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف يمكن أن يكون هذا التفويض من دون أيّ دور للعصمة والعلم بالغيب؟ وإذا كان هناك شخص لا يتمتّع بهاتين الميزتين الأساسيتين، كيف يمكن عندها أن نمنحه الصلاحيّات المفوضة للأئمة؟؟ ويمكن الإجابة بكل بساطة: أفهل كان الوحي مؤثراً في المعادلة الأولى حتّى تكون العصمة والعلم بالغيب مؤثرين في المعادلة الثانية؟!

بناء على هذا، وبكل بساطة تبدّلت المعادلة الأولى بالثانية، وإذا أردنا اكتشاف أصل هذه المشكلة علينا العودة لمعرفة كيف كان مفهوم الإمامة بشكل عام، هل كان موضوع التفويض بهذا العرض والطول في القرون الأولى؟ أم أنه وليد القرنين: الثالث والرابع؟

لقد بدّل هذا الأمر مذهباً إلى نظام كلاميّ فقهي؛ حيث أوجد المتكلّمون والفقهاء تدريجيّاً هذه الخصائص الكلاميّة الفقهية. نعم، ثمّة جذور لهذا؛ إذ إن علم الأئمة وتهذيبهم لأنفسهم بلغ حدّاً أدّى إلى ترويج هذه الأمور عنهم.

وخلاصة ما تقدّم: لقد حدث تغيّر واقعي حقيقي في معالم مذهبنا من القرن الأول إلى الرابع، وللأسف الشديد فكلّ الكتب المتوفّرة لدينا أو أكثرها يعود إلى ما بعد القرن الرابع، أي ما بعد سيطرة هذه الظاهرة، فلم يبق شيء ـ تقريباً ـ من القرنين الأوّل والثاني، إلا أن معالم هذا الفكر في نصوصنا الأولى قد قمعت وانهارت ونحّيت جانباً لتوضع عليها علامة (المقصّرة) تلك العلامة غير المرغوب بها.

إذن، ينبغي علينا اكتشاف تلك المعالم والعلامات واستخراجها، ويمكن العثور عليها في نصوصنا الدينيّة الأساسيّة.

قراءتان للمذهب الشيعي!! ـــــــ

إذا أردنا أن نقارن مظاهر التدين المتكئ على البعد المافوق بشري في الأئمة في الأدعية الشيعية، نرى عندها نوعين من الأدعية والزيارات؛ أمّا النوع الأول فيعود إلى الرؤية الأولى أي التشيع الأوّلي، بينما يعود النوع الثاني إلى الرؤية الثانية وهي التشيّع التفويضي الاعتدالي. يضم النوع الأوّل الأدعية التالية: دعاء كميل، ودعاء أبي حمزة الثمالي، وأدعية الصحيفة السجادية، والمناجاة الشعبانيّة، ودعاء عرفة. فلا يوجد في هذه الأدعية كلمة توكّل أو توسّل بغير الله تعالى، حيث نذهب مباشرة إليه. وهذه هي المعالم الشيعية الأصليّة ومعالم الإمامة التي نمضي وراءها، فنرى الإمامة الأصيلة في دعاء كميل حيث يضع الإنسان رأسه في ظل ربوبيّة الخالق، وهو دعاء يهدي الخلق إلى التوحيد. ولموازنة هذين النوعين من الزيارات يمكننا رصد البناءات التحتيّة لهما، فعلى سبيل المثال، نقارن بين دعاء التوسل ودعاء كميل، وبين دعاء الفرج ودعاء أبي حمزة، وبين دعاء الندبة ودعاء عرفة، من ثم نرى مفهومين مختلفين للدين.

إننا نملك مذهبين، أي تشيّعين؛ فنحن نملك التشيع الذي يتجلّى في خطبة سيّد الشهداء في يوم عاشوراء، ويظهر في خطب نهج البلاغة ودعاء الإمام الحسين× في يوم عرفة. ونملك التشيّع الذي تظهر علائمه في التوسّل بالأئمة وبشفاعتهم بدلاً من التوكّل على ذات الرب. فها هما التشيّعان الموجودان بيننا الآن!! ويكفي مقارنتهما مع بعضهما البعض لنرى إلى أين ذهب التشيع الأول؟! ينبغي علينا أن نفصل بين هذين التشيّعين، وأن نسعى لتبديل أحدهما بالآخر. وثمّة ما يدعو للسرور، وهو بقاء مثل هذه المعالم بيننا وعدم ذهابها. والملفت للنظر أن تلك العناصر التي تجذبنا لعلي وللحسين ولأهل البيت إنما ترجع إلى معالم النوع الأول، وهو ما تذكره الآيات القرآنية نفسها.

لقد قلتها مراراً: إنّ التوكّل هو الأصل في المذهب الأوّل الذي تقع فيه الشفاعة على الهامش، بينما يغدو التوكّل والشفاعة معاً الأصل في المذهب الثاني، بل يمكن رؤية التوكّل هامشيّاً ضعيف اللون هناك حتّى لا يكاد يُرى. عليكم أن تعلموا أنّه كلّما رأيتم التوكّل على الله تعالى قد صار هامشيّاً وأصبحت الأمور الفرعيّة ـ مثل الشفاعة والتوسّل ـ الأصلَ والعماد، فانتبهوا إلى أنّ الإمامة التفويضيّة قد حلّت مكان الإمامة الأصلية. إنّ هذين الفهمين متفاوتان ومختلفان.

سأسعى لتقديم عرض سريع لهذه المستندات واحدة تلو الأخرى، مما استخرجته من تلك النصوص الأصلية، إن شاء الله تعالى. وللأسف الشديد، لقد أُخذت مخلّفات مذهبنا على امتداد الزمن، حتّى تمّ خدش ميزات المذهب الثلاث الأصيلة، أي العقلانيّة والعدالة والعرفانيّة.

تأثير التصوّف على تحوّلات مفهوم الإمامة ـــــــ

وقبل أن أنهي هذا البحث، ألفت النظر إلى أنّ التصوّف ـ ومع الأسف الشديد ـ كان له دور مؤثّر وفاعل في حصول انحراف في فهم الإمامة، فقد طُرحت نظرية الإنسان الكامل بين المتصوّفة وأدّت تدريجيّاً إلى تبلور الفهم الثاني عن الإمامة في الوسط الشيعي، وهو التشيّع التفويضي الاعتدالي، حيث تداخل التصوّف والتشيع مع بعضهما هنا. وعلى خلاف الإشكالات الكثيرة التي وردت على الفقه، اسمحوا لي أن أدّعي أمراً هو من المشكلات التي عرضت على المذهب الشيعي، ألا وهو التأثير الصوفي عليه، ولا أقصد ـ طبعاً ـ ذلك العرفان الأصيل المميّز للمذهب والتشيّع. نعم، المقصود هنا ذاك العرفان الذي يتحدث عن عدم خلوّ الأرض من حجة، وأنّ حجة الله ولو لم يكن يعرف مثل الله تعالى إلا أنه يملك الصلاحيات، صلاحيات تساوي صلاحيّات الربوبية، هذا هو حجة الله الذي يضعون له اسم القطب والإنسان الكامل، وهو متطابق مع الإمامة التفويضية.

وخلاصة ما تقدم، لقد أيّد التصوف وبعض قراءات التشيع بعضهما؛ مما أدّى إلى ازدياد المشكلة وولادة ذلك المذهب رسميّاً حيث يحتاج تفصيله إلى مقالة أُخرى. وأختم بهذا الكلام الحسيني: «ألا ترون أن الحقّ لا يعمل به والباطل لا يتناهى عنه، فإني لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً».

 

 

(*) أستاذ جامعي، وكاتب إيراني معروف، متخصّص في الفلسفة والفكر السياسي وله كتابات عديدة فيهما، منها: نظريات الدولة في الفقه الشيعي، الحكومة الولائية و.. .