الإمام الحسين وفرضية إقامة الحكم العادل بالكوفة

6 سبتمبر 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
267 زيارة

الإمام الحسين وفرضية إقامة الحكم العادل بالكوفة

مشتاق بن موسى اللواتي

ذهب الشيخ نعمة الله صالحي وبعض من وافقه، إلى أن الحسين قرر النهوض ضد السلطة الجائرة ـ لا سيما في مرحلة تواجده في مكة المكرمة ـ وذلك بعد استجماع المبررات الشرعية والموضوعية عنده بحيث تغلب على ظنه بأنه سوف يتمكن من الإطاحة بالسلطة في الكوفة.

وتتلخص تلكم المبررات في انتهاك السلطة للحرمات، وتذمر الناس من ممارساتها القمعية، ووجود معارضة أو ما يشبه الانتفاضة في بعض المناطق مثل الحجاز والديلم والكوفة واستياء الناس من هذا الوضع، استغاثة المسلمين به، وتوافر القوة المناصرة المستعدة للقتال معه، ووجود رأي عام مسلم مؤيد له في جميع بلاد الإسلام باستثناء الشام، بالإضافة الى ضعف السلطة بشكل عام ووجود القيادة المؤهلة الكفوءة المتمثلة في الإمام الحسين.

وأن هذه العوامل مستجمعة ولدت لدى الإمام الحسين قناعة بأنه لو استقر في مركز العراق، فإن المتطوعين من الكوفة والحجاز واليمن وخراسان وآذربيجان وغيرها سيبادرون إلى تأييده والنهوض معه. ويرى، أن الحسين بعد تلقيه كتاب مسلم بن عقيل عن وضع الكوفة المشجع، قرر الخروج من مكة قاصدا الكوفة، حيث تكونت لديه القناعة ـ حسب المعطيات الظاهرية ـ بتوافر مبررات التحرك واستجماع عوامل النصر لديه. وكان يهدف من نهوضه إلى إقامة حكم إسلامي عادل انطلاقا من الكوفة.

 واعتمد الكاتب ـ بالإضافة الى المبررات السابقة ـ على التحليل الاجتماعي والسياسي لتسلسل الحوادث، والى تفسير بعض كلمات الإمام الحسين ورسائله وطريقة تعاطي بعض الزعامات الاجتماعية والسلطة السياسية معه.

نظرة عامة في المعطيات التاريخية

ونحن لا نود هنا الدخول في مناقشة تفصيلية لهذا الرأي. كما لا نود استبعاده كليا كأحد المداخل الممكنة لدراسة شمولية للحركة الحسينية وأحد التفسيرات المحتملة لتحرك الإمام الحسين نحو الكوفة.

ولكننا نلاحظ أن المعطيات التي يعتمد عليها لا تؤكد بشكل حاسم هذا الافتراض فلا توجد أدلة تاريخية تؤكد بأن الحسين كان بالفعل قد عزم على الإطاحة بالسلطة في الكوفة في تلك الفترة واستلام زمام الأمور فيها والانطلاق منها إلى غيرها، بل ـ كما أسلفنا ـ أنه استنتاج لقراءة معينة لبعض الحوادث والبيانات الواردة عن الإمام الحسين.

تجدر الإشارة، إننا حين ننفي أن يكون ذلك هو الهدف الأساس والعاجل من حركة الحسين، فليس لأنه هدف غير جدير للسعي من أجل تحقيقه، متى توافرات له الظروف. إنما لأنه لا تؤيده المعطيات السياسية والعسكرية والأمنية وتوازنات القوى بين الطرفين.

إن النظر في مجمل الكلمات الواردة عن الإمام الحسين، ومع الأخذ في الاعتبار، بأنها جاءت في سياقات ومناسبات متعددة، يبين بأنه×، ركز فيها على المبادئ الآتية: أحقيته بالأمر من غيره، عدم أهلية يزيد «للخلافة»، تفشي الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي والفساد المالي، انتشار الباطل والبدع والانحراف، ضرورة القيام بالاصلاح والتغيير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب الكتاب والسنة، دعوة الناس الى مناصرته ومؤازرته والوقوف الى جانبه وعدم خذلانه، والدعوة إلى الكتاب والسنة.

إن هذه المبادئ بمجموعها كانت تمثل منطلقاته وشعاراته وأهدافه العامة.

وقد اعتبر الكاتب بعضها مستندا أساسا في فرضية السعي لإقامة الحكم العادل بالكوفة.

 والمتأمل فيها يجد أنها لا تدل حصريا على معنى واحد وهو مواجهة السلطة في اتجاه العمل على إسقاطها وإقامة حكم عادل فيها والانطلاق منها إلى بقية الأمصار. كما لا تفيد بأنه كان واثقا من تحقق ذلك في القريب العاجل، وأن شروط تحققه متوافرة، وأنه هو الهدف المباشر من مواقفه وحركته. بل قد تحتمل أمورا أخرى من قبيل المعارضة بالقول والصدع بالحق والعمل على توعية المسلمين وإيقاظهم وبث روح الحركة والتغيير فيهم وكسر عامل الخوف والاستكانة لدى الجماهير.

من جهة أخرى، لم يكن من المرجح أن تقف السلطة إزاء مواقفه تلك مكتوفة الأيدي، بل كانت ستواجهه بكل ضراوة وقوة باطشة، مما تتطلب نصرته ومؤازرته. ويحتمل أن مطالبته الناس للوقوف معه ومناصرته كان بهدف تقوية جبهته الداخلية استعدادا لأية مواجهة متوقعة، بالأخص فيما اذا اتجهت السلطة نحو ملاحقته ومحاصرته ومحاربته نتيجة لمواقفه المعارضة ولما يشكله من تهديد مرتقب لها.

ويتبين للدارس أن الإمام، وتحديدا في مرحلة خروجه من مكة المكرمة الى ملاقاته جيش السلطة في الطريق بقيادة الحر الرياحي، وهي ـ حسب الكاتب ـ مرحلة مواجهة حتى تحقيق النصر وتولي الأمور، كان يبين بالتلميح والتصريح بأن السلطة تعتزم ملاحقته وممارسة شتى الضغوط عليه بغية دفعه الى الاستسلام وتقديم البيعة أو التخلص منه بشتى الطرق. ويستفاد من بعض بياناته ـالتي ذكرنا جملة منها ـ بأنه كان على رؤية واضحة بأن مواقفه المعارضة والرافضة للاعتراف بشرعية السلطة ستنتهي به الى القتل.

ومن الكلمات التي استند إليها الكاتب في فرضيته، جواب الحسين لأهل الكوفة الذي جاء فيه بعد وصول كتاب مسلم له: إن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقنا فأثابكم الله على ذلك أعظم الأجر..فإني قادم عليكم في أيامي. وفيها يخبرهم بالمضمون الإيجابي الذي كتبه رسوله مسلم عنهم ويطمئنهم بأنه يتفق مع رسائلهم وهو اجتماعهم على نصرته والمطالبة بحق أهل البيت بالأمر ويؤكد لهم قدومه إليهم. وهو أيضا لا يتعدى التأكيد على أهدافه العامة نحو الإصلاح والتغيير والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب المراتب المعروفة وطبق مقتضيات الأحوال.

 أما ما جاء في الخطبة التي ألقاها يوم العاشر في كربلاء في الجيش الأموي والتي مطلعها: تبا لكم أيتها الجماعة وترحا، أحين استصخرتمونا والهين فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدونا وعدوكم.

 ويجدر أن نذكر، بأنها وردت باختلاف يسير في بعض المصادر مما قد لا تتفق مع تفسير الكاتب. حيث جاء في تيسير المطالب ليحيى بن الحسين (ت 424): «سللتم علينا سيفا في أرقابنا (رقابنا) وحششتم علينا نارا خبأها عدوكم وعدونا» وهي ـ في جميع الأحوال ـ تنطوي على لوم وتقريع لهم على نكثهم للعهود وغدرهم به. لأن بموجب كتبهم التي أرسلوها إليه وبمقتضى بيعتهم لمسلم بن عقيل، كان عليهم أن يوجهوا هذه السيوف إلى العدو المشترك الذي يسومهم العذاب وليس إلى الحسين. وليس فيها دلالة على دعوى الكاتب. ولعلها محاولة منه لاستمالتهم إلى صفه للدفاع عنه أو ـ على الأقل ـ لثنيهم عن مقاتلته وتحييدهم عن ذلك. والذي يؤيد هذا التفسير هو ما جاء في خطبته التي خطبها في جيش الحر الرياحي في الطريق:.. وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رسائلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني. فهذه هي طبيعة البيعة التي أخذها مسلم بن عقيل من أهل الكوفة. وهذه الكلمة هي بمثابة تفسير لبعض كلماته الي حملها الكاتب على هدف الإطاحة بالسلطة وإقامة حكم عادل على أنقاضها. وهو مناصرته ومؤازرته والدفاع عنه وعدم تركه وحده في المواجهة مع السلطة.

وكما ألمحنا بأن كلمات الإمام الحسين وردت في سياقات متعددة مما يتطلب دراستها في ضوء القرائن والملابسات المرافقة وحسب أغراضها المتنوعة، من قبيل بيان الموقف العام أو الخاص، بيان الأهداف العامة والعاجلة والبعيدة المدى، الرد على المعترضين والمستفسرين، المحاجة مع الخصم، إلقاء الحجة، التعبئة العامة، إرشاد المغرر بهم ومحاولة استمالتهم أو تحييدهم، ومواجهة إعلام السلطة وكشف زيفه وهكذا.

الملاحظات النقدية

يلاحظ، أن الباحث صالحي في سياق تجميع الأدلة لدعم نفسيره لحركة الحسين، بالغ في تقدير بعض الأمور وأغفل بعض المعطيات الميدانية.

 ومن هذه الأمور والمعطيات ما يلي:

1 ـ اعتمد الكاتب ـ فيما اعتمد ـ على المبالغات التي جاءت في بعض الروايات التاريخية التي ادعت بأن عدد الذين بايعوا مسلم بن عقيل بلغ ثمانية عشر ألف رجل، أو أربعين ألفا، وأنه أبلغ عن استعداد مئة ألف مقاتل بين يديه.

 وبالاستناد إليها رأى الكاتب، أن هناك قوات عسكرية كافية تربو على مئة ألف مقاتل مستعد للقتال بين يديه ونصرته في الكوفة. وأن هناك الكثير من المتطوعين يمكن أن يلتحقوا به من عدد من المناطق لو دخل الكوفة.

والغريب أن يعتمد الكاتب على مثل هذه الأرقام دون تمحيص أو تحليل نقدي. وقد بنى الكاتب عليها نتيجة مهمة، وهي وجود الناصر الذي حتم على الحسين أن يقرر القيام بالثورة ضد السلطة لإقامة حكم عادل انطلاقا من الكوفة.

إن البيانات المتعلقة بالتطور الديمغرافي للكوفة حسب بعض الباحثين لا تؤيد فرضية أن يخرج مع الحسين ما يربو على مئة ألف مقاتل. فحسب جرجي زيدان أن عدد الرجال في الكوفة في أوائل إنشائها كان ستون ألفا. ولوقدرنا أنهم تضاعفوا خلال أربعين سنة ثلاث مرات فيقدر مجموعهم ب مئة وثمانين ألف رجل. ويذكر الباحث جعيط أنه أحصي زمن ولاية زياد بن أبيه أثناء حكم معاوية في الكوفة مائة وأربعين ألف مقاتل. وأن عدد سكانها تضاعف خلال جيل واحد خمس مرات حيث ارتفع من ثلاثين ألف، سنة 17 للهجرة إلى مئة وخمسين ألف، سنة 53 للهجرة.

إن هذه بعض المعطيات التاريخية حول عدد سكان الكوفة وأعداد المقاتلين فيها، ومع الأخذ في الاعتبار بأنهم كانوا مزيجا من قوميات وأعراق واتجاهات فكرية ومشارب سياسية شتى، بالإضافة إلى سياسات التهجير القسري التي اتبعت ضدهم، فإنها لا تؤيد أن يخرج مع الحسين هذا العدد الكبير من المقاتلين.

2ـ إن الاضطراب في الأرقام المذكورة في مصادر التاريخ يجعل الباحث يتشكك في دقتها وواقعيتها. حيث ورد في بعضها بأن عدد من بايعه اثنا عشر ألفا، وفي أخرى ثمانية عشر ألفا، وجاء في ثالثة بأنهم ثلاثون ألفا وفي رابعة بأنهم أربعون ألفا. وحسب بعض المصادر أن مائة ألف سيف معه، وفي بعضها الآخر أن جميع أهل الكوفة معه. إن هذا الاضطراب في الأرقام يكشف عن عشوائيتها وأنها غير قائمة على تقديرات منطقية سليمة ولا تعبر عن الواقع التاريخي وأنها تتسم بالمبالغة.

ثم ـ إن صح ـ أن عدد الذين بايعوا مسلم بن عقيل كانوا ثمانية عشر ألفا فإنه لا يعني بأنهم جميعا سيقاتلون معه ولا يتسلل منهم أحد كما تقتضيه طبائع الأشياء.

ويحتمل أن يكون سبب المبالغة في الأرقام مرده الى بعض الأخباريين بغية ذم الكوفيين وإلقاء المسؤولية عليهم أو لغرض الإيحاء بأنهم غرروا بالإمام الحسين. ولعلها وردت في بعض كتب الكوفيين التي بعثوها إلى الإمام الحسين على نحو الحماس والاندفاع مع الحالة الجمعية.

 3ـ ضخم الكاتب من حجم بعض المعارضات في كل من مكة واليمامة والديلم ودستبي ووصف بعضها بالانتفاضة ورتب على ذلك، بأنها سوف تهب لنصرة الحسين فور استقراره في مركز العراق. وتوقع أن يكون له مناصرون متطوعون من الحجاز واليمن والبصرة وأماكن أخرى. مع أن المعطيات التاريخية لا تشير الى شيئ من ذلك. فمعارضة ابن الزبير في تلك الفترة كانت محدودة ولم يكن قد تشكل معه تيار معاضد. والحسين خرج من مكة ولم ينضم إليه من الحجاز أحد على الرغم من احترامهم له. وعلى الرغم من أن خبر خروجه المفاجئ من مكة يفترض أن يكون قد انتشر بين الحجاج ومع ذلك لم يلتحق به أحد منهم في الطريق بعد انتهاء المناسك. بل لم ينضم إليه أحد من ولد العباس كعبد الله بن العباس واخوانه أو أحد أولادهم، وكذلك لم ينضم إليه أخواه عمر ومحمد بن الحنفية أو أحد أبنائهما.

كما أن رسائله إلى البصرة لم تلق الاستجابة المفترضة نتيجة للظروف الضاغطة التي كانت تسودها حيث كانت آنذاك تحت ولاية عبيد الله بن زياد، ولتوزع الولاء السياسي فيها بين اتجاهات مختلفة. وحسب تصنيف أبي جعفر الإسكافي المعتزلي (ت220) للاتجاهات السياسية والفكرية لبعض الأمصار، فإن أهل مكة والبصرة كلهم كانوا على خلاف ولاء الإمام علي×.

4ـ إن موقف بن الزبير لم يكن ليخدم حركة الحسين لأن نهجه لا ينسجم مع نهج الحسين. لقد أغفل الكاتب خلفياته ومواقفه مع الإمام علي ولم يدرس دوافعه في معارضة السلطة. وتذكر بعض المصادر إنه كان يحثه على الخروج إلى الكوفة لكي يخلو له الوضع في الحجاز. وأن الحسين كان على علم بسريرته، وأنه ـ حسب بعض المؤرخين ـ ليس شيئ أحب إليه من خروج الحسين من الحجاز. وأن الحسين لما وصل مكة لم يكن أثقل خلق الله على بن الزبير منه وقد عرف ان أهل الحجاز لا يبايعونه أبدا ما دام الحسين بالبلد لأنه أعظم في أعينهم وأنفسهم منه.

5 ـ تصور الكاتب وجود متطوعين يهبون لنصرة الحسين وتأييده والنهوض معه، من الكوفة والحجاز واليمن وخراسان وآذربيجان. وعلى فرض صحة هذا التخمين، فإن خروج آلاف الرجال من مختلف البلدان لم يكن بالأمر السهل الميسر كما صوره الكاتب، لاسيما مع طبيعة وسائل الاتصال والتواصل آنذاك. ثم أن الكاتب طرح هذه الافتراضات وكأن السلطة وقواتها وأجهزتها الأمنية والاستخبارية والعسكرية غائبة أو مغيبة عن المسرح السياسي. فلم يحسب الكاتب حساب هذا العامل وبنى استنتاجاته وكأن التحرك كان متاحا للحشود للخروج من بلدانها والتوجه صوب الكوفة لنصرة الحسين.

6ـ ذكر الكاتب بأن الجماهير لم تكن راضية عن الأوضاع السياسية وكانت متعطشة إلى نهوض شخص كفء كالحسين، يستلم زمام السلطة ويغير وجه الحكم الاستبدادي. وأن الحسين لو دخل الكوفة، فإن جميع البلاد الاسلامية تنهض لتأييده باستثناء الشام.

و الواقع، يلزم عدم إغفال حالة الخوف والاستكانة والخذلان التي سادت مجتمعات المسلمين آنذاك نتيجة سياسات الترهيب والترغيب المتبعة. وأن مجرد الاستياء العام لدى الجماهير المسلمة لا يدل على أنها سوف تتحرك لتأييد ونصرة الحسين حال نهوضه.

7 ـ أغفل التركيبة الاجتماعية المعقدة للكوفة والمزاج المتقلب للمجتمع الكوفي، الأمر الذي لا يمكن أن يغيب عن تفكير الحسين، الذي خبر هذا المجتمع. والناظر في خطبه يجد أنه واجههم بذلك في خطبته في جيش الحر الرياحي: وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي لكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم. وجاء في خطبة له يوم عاشوراء: فهؤلاء تعضدون وعنا تتخاذلون، أجل والله الخذل فيكم معروف.

ولا يقال هنا، بأنه إن كان الحسين يعلم ذلك، فلماذا قرر التوجه إلى الكوفة؟

لأن الهدفين مختلفين في أبعادهما ومتطلباتهما. فلا ريب أن الكوفة كانت تشكل المكان الأنسب له بعد المضايقات التي واجهته في الحجاز، غير أن ذلك لا يعني أنها تصلح للاعتماد عليها في العمل للإطاحة بالسلطة الأموية وإقامة حكم عادل على أنقاضها.

8ـ أغفل وجود الطبقة الانتهازية من عملاء وحلفاء وجواسيس للسلطة في الكوفة ممن لا يمكن أن يسكتوا على ضعف الأجهزة الإدارية فيها، دون رفع تقارير الى السلطة المركزية ومطالبتها بالتحرك لتدارك الوضع فيها. وكذلك وجود بعض الفئات المناوئة للحسين ولأبيه ممن كان هواهم السياسي والعقائدي لا يلتقي مع نهجه.

9ـ أغفل احتمال تحرك السلطة المركزية في الشام لتدارك الوضع المضطرب والمتفلت وغير المستقر في الكوفة مما يحول دون دخول الحسين اليها أو يعوق تحركه، وهو ما حدث بالفعل.

قد يقال بأن خروج الحسين من مكة مع عائلته وأهله وأطفاله يدل على أنه كان على قناعة بأن الأمور ممهدة له في الكوفة وأن النصر محقق فيها وأنه مقبل على وضع مستقر له ولعائلته. والواقع إن أقل التوقعات تقضي بأنه ان نجح من دخول الكوفة وتمكن من الإطاحة بالوالي فيها، فان السلطة المركزية ما كانت لتقف متفرجة على هذا التطور الخطير. من جهة أخرى ان اصطحاب الحسين معه عائلته يمكن أن يكشف عن خشيته من غدر السلطة لو تركهم في مكة أو المدينة واحتمال استخدامها كورقة ضغط ضده. يقول طه حسين: فلم يخطئ الحسين حين أبى أن يترك أهل بيته بالحجاز، فلم يكن يأمن أن يأخذهم يزيد، بمسيره الى العراق منابذا للسلطان. ولهذا فإن أسلوب خروجه العلني من مكة قاصدا الكوفة ومصطحبا معه نساءه وأطفاله وقاطعا المسافات لا يدل بأنه ذاهب ليقضي على السلطة في الكوفة.

كان الحسين يعلم جيدا ـ حسب شريعتي ـ أنه إن خرج من مكة مع رهطه فلا بد له أن يقطع الصحراء الشاسعة ويطوي طريق القفار ويخترق الفيافي ليصل بين النهرين ومن ثم الكوفة. والحسين كان يعلم أنه لا يستطيع اختراق تلك السدود والوصول إلى الكوفة منتصرا ظافرا ليقيم بين أنصاره ويبني قاعدته الثورية ضد السلطة في دمشق.

و لو كان هدف الحسين الإطاحة بالسلطة في الكوفة، لكان عليه أن لا ينتظر كل هذا الوقت، ولتوجه إليها من المدينة سرا في وقت مبكر بدلا من التوجه نحو مكة والمكوث فيها لأربعة أشهر. وكان بوسعه أن يباغت السلطة ويفاجئها بوجوده في الكوفة. والكوفة آنذاك كانت تعيش شبه فراغ إداري وسياسي، وهي أقرب إلى المدينة من مكة. وكان يمكنه أن يترك العائلة في عهدة بعض إخوته ورجاله مثل أخيه العباس وولده علي بن الحسين الأكبر ومسلم بن عقيل.

 إن الزعم بأن هذه الفكر تبلورت لديه أثناء تواجده في مكة لا دليل عليه، لأن الشواهد التاريخية تدلل على وجود اتصالات سابقة بينه وبين بعض رجال الكوفة وأنه كان على معرفة عامة بالاتجاهات الفكرية والسياسية فيها. كما أن موقفه من السلطة الأموية كان واضحا ومعروفا وقد تجلى في رسالته الى معاوية وموقفه من تعيين ابنه وليا للعهد وقتله لبعض الرجال الصالحين.

من جهة أخرى، قد يقال بأن الحسين تريث في مكة ريثما تتبين له حقيقة الوضع في الكوفة. وإذا سلمنا بذلك، فإنه كان عليه أن يتحرك صوبها بعد تلقيه كتب زعماء الكوفة المعروفين بالإخلاص والولاء له أمثال سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر، والذين أكدوا له نصرتهم وأطلعوه على اوضاع الكوفة. كما جاءه بعض الموفدين من الكوفة مثل سعيد بن عبد الله الحنفي وقيس بن مسهر الصيداوي وأخبروه بالوضع الإداري والسياسي والإجتماعي المضطرب في الكوفة. ومن المفترض أن كتبهم وصلته في شهر شعبان وهو في مكة، ومع ذلك نجده تريث ولم يتجه نحو الكوفة بل أرسل موفده مسلم بن عقيل لاستطلاع الوضع مما أدى إلى تدارك السلطة في الشام الوضع في الكوفة.

ألم يكن الحسين يدرك بأن الوقت ليس في صالحه إن كان هدفه الذهاب إلى الكوفة للإطاحة بالسلطة فيها؟ أم أنه كان يريد أن تستتب له الأمور تماما، ليذهب فيستلم لسلطة بشكل مريح!؟

إن هذه الطريقة الحالمة في التفكير لا تصدق على زعيم سياسي واجتماعي يتمتع بقليل من الوعي الإجتماعي والحصافة السياسية. فما بالك بالحسين الذي خبر تقلبات الأوضاع الإجتماعية وتغير المعادلات السياسية؟

كما أن هذا النمط من التفكير السياسي لا ينسجم أبدا مع سيرته ومواقفه.

إن المعطيات التاريخية المتوافرة لا تؤيد أن الحسين كان هدفه المباشر من التوجه نحو الكوفة هو الإطاحة بالوضع القائم واستلام السلطة فيها. إن السلطة المركزية بالشام كانت مسيطرة على الوضع الاداري والسياسي والأمني في مختلف الحواظر والأمصار على الرغم من وجود بعض التوترات والمشكلات في بعض الأقاليم. وعلى الرغم من المكانة التي كان يتمتع بها الحسين، إلا ان الولاءات الدينية والاجتماعية والسياسية لمختلف الأمصار لا تبدو بأنها كانت منسجمة مع نهجه ومؤمنة بقيادته وإمامته.

والإمام الحسين كان على دراية تامة بالوضع في المدينة ومكة حيث عايش أوضاعهما عن كثب وكان على علم باتجاهاتهما السياسية وبطبيعة موازين القوى فيهما وبالحالة النفسية العامة فيهما. كما سبق له أن وجه من مكة رسائل الى بعض زعماء البصرة ـ التي تشكل عمقا للكوفة ـ ولم يتلق منهم في حينه أية استجابة، بل إن أحدهم وهوالمنذر بن الجارود أبلغ السلطات وسلم رسوله اليها فضربت عنقه.

 ولو نجح الحسين في الدخول الى الكوفة وعمل على الإطاحة بالسلطة فيها، لكانت السلطة المركزية يمكنها أن تداهم الكوفة من أكثر من جهة أو تقوم بتطويقها من عدة جهات، أو ترسل اليها بعض الفرق العسكرية لمواجهة أية حركة مناهضة فيها بشدة لا هوادة فيها والقضاء عليها بل واستباحتها كما فعلت بالمدينة في واقعة الحرة.

 ولنفترض ـ حسب ترجيح الكاتب ـ أن الحسين توصل إلى قناعة للإطاحة بالسلطة في الكوفة والانطلاق منها لثورة واسعة شاملة ضد السلطة المركزية. وأن المعطيات التي تجمعت عنده جعلته يثق بالكوفة وبأنها سوف تدافع عنه بالروح والغالي والنفيس. ولكن هل غاب عنه ـ حسب شريعتي ـ بأن النظام يمتلك من القوة والسطوة ما يمكنه أن يهاجم بها امبراطورية الروم ويهزمها. كان يعلم جيدا انهم سيقفون بوجهه ويمنعونه، ولهذا وازن بين قواته وقوات العدو موازنة دقيقة، وهذا كان من الواضحات حتى بالنظرة السطحية.

ومن جهة أخرى، إننا لو سلمنا ـجدلاـ بان الحسين كان يهدف الى الإطاحة بالسلطة بالكوفة وإقامة حكم عادل فيها، فإن هذا الهدف لم يكن ليتحقق بمجرد دخوله الكوفة بنجاح بل يمكن ان يكون هدفا بعيد المدى ويستلزم توافر اشتراطات سياسية واجتماعية وأمنية وعسكرية.

إن دراسة حركة الحسين تدلل بأنه كان يأخذ المعطيات السياسية والاجتماعية الظاهرية في الحسبان. ومنطق الأشياء يقتضي بأنه إن تمكن من دخول الكوفة بنجاح، فإن من أولى الأولويات أمامه أن يدرس الوضع فيها عن كثب ويتعرف على الفئات الاجتماعية المتواجدة فيها ويدرس توازنات القوى السياسية فيها. وأن يتعرف على حقيقة نوايا أنصاره الذين كاتبوه ويختبر عزائمهم واستعدادتهم لخوض المواجهات مع السلطة ويعمل على توحيد صفوفهم وتوعيتهم بأهدافه وبرنامجه. وكذلك أن يدرس مختلف ردود الفعل المتوقعة من السلطة ويخطط لإعداد العدة لكيفية مواجهتها.

إننا نعتقد بأن هذه الأمور إن فاتت بعض الباحثين، لم تكن لتفوت الحسين الذي كان على دراية بالأوضاع. وعلى الرغم من أنه غادر مكة متوجها نحو الكوفة لكونها أنسب مكان له للعوامل التي سبق التطرق اليها. ومع ذلك حين ندرس بعض ما جاء في ردوده على بعض الناصحين المتشائمين من ذهابه الى الكوفة في الطريق نجد أنه لم يكن يرد عليهم بأسلوب جازم كما تصور بعض الباحثين. ففي رده على الفرزدق في الطريق، لما أخبره عن تقييمه للوضع في الكوفة بقوله: إن قلوب الناس معه وسيوفهم مع بني أمية والقضاءينزل من السماء، رد عليه الحسين بقوله: صدقت، لله الأمر والله يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتد من كان الحق نيته والتقوى سريرته. وهذا الجواب عام وينطوي على إدراك لوجود احتمالات متعددة وليس كما فسره بعض القائلين بالرأي السالف بأنه يشير بوضوح الى توقعات نجاح حركته في الكوفة. وليس بالضرورة أن يستفاد من قوله «إن نزل القضاء بما نحب» يعني الانتصار على السلطة، فقد يكون المقصود منه في تلك الفترة هو النجاح بدخول الكوفة كهدف عاجل أو مرحلي آنذاك، أو حدوث أمر طبيعي إيجابي لم يكن في الحسبان. والمرجح بأنه جواب عام يحتمل وجوها عدة، لأن الإمام الحسين ما كان يرغب أن يكشف كل الأمور لكل من يلقاه ويتحدث معه أو يستفسر منه. ولقيه شخص من بني عكرمة، في الطريق قبل وصول جيش الحر الرياحي وبعد توارد أنباء عن وقوع التغيرات في الكوفة، فناشده الله أن ينصرف، وقال له: فو الله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف. فرد عليه الإمام الحسين: يا عبد الله ليس يخفى علي الرأي ما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره ثم ارتحل. ويظهر منه انه مدرك لمختلف التطورات، وأن بعض أجوبته توحي بإدراكه لمآلات الأمور. إن إغفال هذه المعطيات جعلت الباحث ومن وافقه يؤكدون بأن الحسين كان يعتقد بأنه سيدخل الكوفة بنجاح ويتمكن من الإطاحة بالوالي فيها ويتولى السلطة فيها ثم يدعو بقية الأمصار لتأييده وإنها سرعان ما تؤيده، نظرا لانتشار التذمر في بعضها ولما يشكله من مكانة في المسلمين!

نستخلص مما سبق، بأن هذه الفرضية لا تؤيدها المعطيات التاريخية وأن التحليلات التي استند إليها الكاتب لا تخلو من تكلف وتبسيط للأمور.

 

*مقالة من بحث منشور للكاتب حول الحركة الحسينية.

أبرز المصادر:

نعمة الله نجف أبادي صالحي، الشهيد الخالد، ترجمة سعد رستم.

أبو جعفر الطبري، تاريخ الأمم والملوك.

ابن كثير، البداية والنهاية.

مجلة المنهاج، العدد المزدوج 83 /84، بيروت.