الإيمان في عصر خفاء الله

17 سبتمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
149 زيارة

الإيمان في عصر خفاء الله

ـ القسم الأول ـ

د. أحمد النراقي(*)

ترجمة: حسن علي مطر

 

مقدّمة ــــــ

إن الإيمان عبارة عن حالة وجودية تتمثل بالارتباط الخاص بين طرفين، ويتجلى هذا الارتباط في صلب الأديان التوحيدية بين الإنسان والإله. ويكتب التحقُّق لنوع الحالة الإيمانية في حياة المؤمنين طبقاً لنوع الارتباط القائم بين هذين الطرفين. ويمكن التمييز بين الحالات الإيمانية ـ في الحد الأدنى ـ على أساس قاعدتين هامّتين:

الأولى: قوّة أو ضعف الارتباط، أو اختلاف المراتب من الناحية الكمّية. وقد بيّن المولوي هذا المعيار في قصة ذلك الزرادشتي الذي دعَتْه جماعة من المسلمين إلى اعتناق الإسلام في عهد بايزيد البسطامي، فأجابهم بما مضمونه: (لا طاقة لي على تحمّل الإيمان الذي يتحلى به بايزيد البسطامي، فهو إيمان أفرزته التضحيات الجسام، وهو إيمان قد تجلّى بنفسه، لا كالإيمان الذي ساقني إليه مزاجي ورغبتي. إن الذي تفصله عن الإيمان مئات الأميال مثلي لا محالة يضمحلّ إيمانه بإزاء إيمانكم). ويبدو أن الاختلاف بين إيمان بايزيد وإيمان المريدين هنا يكمن في الدرجة.

الثانية: الاختلاف في نوع الارتباط، أو الاختلاف بين المراتب في الكيفية. يبدو أن الحالة الإيمانية لدى الإنسان المعاصر تختلف عن الحالة الإيمانية لإنسان ما قبل عصر التقدّم من الناحية الكيفية.

وفي ما يلي نشرح هذين النموذجين الإيمانيين، والاختلاف القائم بينهما باختصار:

 

نموذج الإيمان الإبراهيمي ــــــ

يمكن لنا تسمية النموذج الأول بـ «نموذج الإيمان الإبراهيمي». وهو يحكي ـ إلى حدٍّ كبير ـ عن النموذج الإيماني في عالم ما قبل الحداثة. وخير تجلٍّ لهذا النوع من التجربة الإيمانية في الأديان التوحيدية نشاهده في سيرة إبراهيم. يطلق العهد القديم على إبراهيم أنه «أبو الإيمان»، كما يثني عليه القرآن واصفاً إيّاه بـ «المؤمن». إن أهم مشهد في سيرة إبراهيم يكشف عن حقيقة إيمانه هو مشهد تضحيته بولده. طبقاً لما جاء في العهد القديم([1])، وما نزل في القرآن، نجد النبيّ إبراهيم يرى في المنام أنه يؤمر بذبح ولده على مذبح التضحية([2]). وتلبيةً لهذا النداء يبادر إبراهيم إلى أخذ ولده إلى موضع التضحية، ويضع السكين على رقبته، بيد أن السكين لم تترك أثراً في رقبة الولد، وبدلاً من ذلك فقد نزل كبشٌ؛ للتضحية به.

إن للأمر الإلهي في هذه القصة بعض الخصائص البارزة، وهي:

أولاً: إن هذا الأمر الإلهي يتعارض مع أعمق العواطف الإنسانية لدى إبراهيم، ألا وهي العاطفة الأبوية.

وثانياً: إن هذا الأمر الإلهي يتنافى مع الأصل الأخلاقي الذي لا يشكّ فيه أحد، ألا وهو قتل الإنسان البريء (خاصّة إذا كان هذا الإنسان مجرّد طفل لا ذنب له).

وثالثاً: كان يتعيَّن على إبراهيم تنفيذ هذا الأمر بأقسى أنواع الطرق والأساليب الممكنة، وذلك بأن يحزّ رقبة طفله بيده، وهو طفله الأثير على قلبه، والذي رزقه الله به في شيخوخته.

ورابعاً: إن النبي إبراهيم قد امتثل الأمر، بمعنى أنه أقدم بالفعل على وضع السكين على رقبة ذلك الطفل، وشرع بعملية الذبح، وكأنه بذلك قد ضحّى بهويته الإنسانية. فالحقيقة أن الذي تمّت التضحية به في هذه القصة هو إبراهيم، وليس ولده الصغير. وإن مسار العملية يثبت أن التضحية قد أُنجزت ـ على خلاف التصوُّر السائد ـ؛ حيث إن الذي كان يجب التضحية به قد تمَّتْ التضحية به فعلاً. فإن إبراهيم قد حزّ بتلك السكين رقبة «كينونته الذاتية».

وخامساً: إن الله لم يمنحه صفة «المؤمن» إلاّ بعد انتهاء هذه القصة تماماً.

إن هذه القصة تعكس حقيقة الإيمان في تعاليم الأديان التوحيدية. وإن جوهر هذه التجربة يعبّر عن تغيير في مركز ثقل الوجود، ونقله من الذات الإنسانية إلى الذات الإلهية. وهذا التحوّل أو التبدّل في المزاج هو الذي يُطلق عليه العرفاء من المسلمين تسمية «الإماتة»، أو «الموت الإرادي»، أو «الموت قبل الموت». وقالوا بأن أفضل تجلّيات هذا النوع تجدها في تجارب العشق التي تحدث في الدائرة البشرية.

إن كنوز الإيمان تخرج من تحت أنقاض النفس. وعليه فإن التجربة الإيمانية الإبراهيمية تشتمل على نوع من «التفويض» أو «التضحية بالنفس». يتعين على الشخص أن يتخلّى عن ذاته، وأن يهب كلّ وجوده إلى الآخر. وبعبارة أخرى: عليه أن يبدّل الوجود المنغلق على الذات، ويحوِّله إلى الوجود المنفتح باتجاه المحبوب الأوحد.

وإن لهذه التضحية بالذات عدّة خصائص:

الأولى: إنه ينبثق عن ثقةٍ عميقة. فإن مجرد الاعتقاد النظري بالله لا يمكن اعتباره إيماناً، فالمؤمن ليس هو الذي يعتقد جازماً بصدق القضية القائلة: «إن الله موجود»، وإلاّ كان إبليس أول المؤمنين. وعليه ليس الإيمان صرف اعتقاد، بل هو نوع من الوثوق. إن إيمان المؤمن يتجلّى في خشوع القلب، وفي خضوع الجوارح في حضرة الله، بمعنى أنه يتخطّى حدود الاعتقاد بقضية، ليبلغ قلعة الثقة الوجودية الحصينة.

الثانية: إن هذا النوع من المرتبة الإيمانية يقوم على تصوّر إله ملموس ومجسّد، بمعنى الإله الذي يمكن له أن يدخل طرفاً في علاقة تقوم بين طرفين، علاقة من نمط العلاقة التي تقوم بين «المتكلِّم والمخاطب». إن هذا النوع من العلاقة يتجاوز الحالة السطحية، ويمتزج بروح الفرد، ويزدهر في أعماق وجدانه وهويته.

إن العلاقة بين «المتكلِّم والمخاطب» ـ خلافاً للعلاقة بين «المتكلِّم والغائب» ـ لا يمكن أن تكون علاقة فاترة يشوبها البرود. إن ارتباط عالم الفيزياء بالمادة الفيزيائية يفتقر إلى العمق، ويبقى مقتصراً على سطح الظواهر، في حين أن علاقة الفرد تحظى بصدقية علاقة حميمة وذات معنى، ومفعمة بالتواصل الشخصي والوجودي. وبطبيعة الحال فإن العلاقة بين «المتكلِّم والمخاطب» بدورها تكون على ضربين؛ فأحياناً يكون وثوق «المتكلِّم» بـ «المخاطب» وثوقاً آلياً، بمعنى أن المتكلِّم ينظر إلى المخاطب بوصفه آلة وأداة يمكنها أن تلبي بعض حوائجه بجدارةٍ وكفاءة؛ وتارة يكون وثوق «المتكلِّم» بـ «المخاطب» وثوقاً ذاتياً، بمعنى أن تكون لذات المخاطب مدخلية في صلب هذه العلاقة، وبمعنى أن المتكلِّم لا يريد المخاطب لشيءٍ وراء ذاته، فليست الغاية من هذه العلاقة غير المخاطب. إن المؤمن في مراتبه الإيمانية المتدنّية يتجلّى بوثوق آلي بالله، وهو وثوق يتجلّى بشكلٍ خاص في إطار «دعاء طلب الحاجة». وأما في المراتب العليا فإن المؤمن يتحلّى بثقةٍ ذاتية مطلقة بالله، بمعنى أنه لا يريد الله طمعاً أو خوفاً، بل يريده لذاته. وإن هذا النوع من الوثوق يتجلّى في المراتب العليا من الدعاء، وهو دعاء المحبّة ودعاء الفناء في ذات الله، الذي هو عين انعدام الدعاء.

الثالثة: طبقاً لما تقدّم فإن حقيقة التجربة الإيمانية التي هي من نمط العلاقة بين «المتكلِّم والمخاطب» تقوم بين خليلين، بمعنى أن جوهرها هو الثقة الذاتية بالمحبوب.

الرابعة: إن العلاقة الإيمانية علاقة حميمة ومفعمة بالحماسة والتضحية والتفاني. وإن النبي إبراهيم قد عمد إلى التضحية بأغلى ما يملك من أجل اجتياز الهوّة القائمة بينه وبين الله. إن هذا التفاني هو سرّ السعادة والازدهار الروحي والمعنوي.

ومن باب المثال: ورد في سيرة أبي سعيد أبي الخير أنه مرّ ذات يوم بلمّة من الشباب يحملون رفيقاً لهم يافعاً على أكتافهم، ويهتفون ويهلِّلون له، فسألهم الشيخ: مَنْ هذا الشاب؟ فقالوا له: «إنّه أمير المقامرين»، فاستدعاه الشيخ وقال له: كيف استحقَقْتَ هذه الإمرة؟ فقال: «أيها الشيخ…، لقد حصلت عليها بصدق التضحية، وطهر التفاني». فندت عن الشيخ صيحة وقال: «ضحِّ بصدقٍ، وافنَ بطُهْرِ، وكُنْ أميراً!».

عندما نضمّ هذه العناصر إلى بعضها نصل إلى صورة عن الحالة الإيمانية الإبراهيمية، وهي علاقة روحية عميقة بين موجودين ملموسين، قائمة على أساس من الثقة الحماسية المتفانية، وتنقل مركز ثقل الوجود من «المتكلِّم» إلى «المخاطب»، ومنذ تلك اللحظة يغدو مدار ثقل المتكلِّم مركزاً لثقل المخاطب. وهذه هي العلاقة التي يطلق عليها مفهوم «الوجد». وعليه فإن جوهر الإيمان الإبراهيمي هو نوعٌ خاص من التجربة العاطفية.

إن من أهم التعاليم العرفانية التقليدية هي الحقيقة التي تقول بأن الإيمان هو الوجد. وقد توصَّل العرفاء في خصوص الإيمان وعلاقته بالوجد إلى حقيقتين هامتين؛ إحداهما بشأن ماهية الله؛ والأخرى بشأن حقيقة السلوك المعنوي.

عندما تكون ماهية الله منظورة للعارف فإنه يراه في الدرجة الأولى وقبل كلّ شيء كائناً محبوباً، دون أن يكلِّف نفسه عناء الخوض في تعقيدات العلّة الأولى أو المحرِّك الأول أو واجب الوجود أو ربّ الأرباب وما إلى ذلك. إن العارف يرى مكمن العلاقة بين الله والإنسان في إطار الحبّ، بعيداً عن دائرة العلّية والمالكية، «دون أن يقلل من شأن خالقية الله ومالكيته».

وإنّ لإمكان حبّ الله عند العارف مفهومين في الحدّ الأدنى:

طبقاً للمفهوم الأول يكون الله معشوقاً. وقد ورد في الحديث القدسي: قال داوود×: «يا ربِّ، لماذا خلقْتَ الخلق؟» قال: «كنتُ كنزاً مخفيّاً، فأحببتُ أن أعرف، فخلقتُ الخلقَ لكي أعرف».

من هنا كأن الله عندما خلق الكون قد أبدع مشهداً من الحسن؛ كي يظهر جماله من خلاله، ويستهوي قلوب عباده. وكأن العالم مرآة تعكس جمال الله. وفي هذا المقام تكون إمكانية حبّ الله بمعنى كون الله معشوقاً.

وطبقاً للمفهوم الثاني من العشق يمكن لله أن يكون عاشقاً. وقد ورد في الحديث القدسي أن الله قال لنبيّه الأكرم|: «لولاك لما خلقت الأفلاك ». وكأنّ إظهار حسن الله هنا يحكي عن الرؤية الكامنة في روح النبي. وبعبارةٍ أعمّ: إن الإنسان يتجلّى بوصفه أجمل مخلوقاته. ويبدو أن الله هنا قد خلق جميع المشاهد من أجل ظهور الإنسان، والاستمتاع بالنظر إليه. ومن هذه الزاوية تكون إمكانية حبّ الله بمعنى كونه عاشقاً.

وبطبيعة الحال فإن هذين المفهومين يعبِّران عن شيء واحد، فهما وجهان لعملة واحدة. وكما يقول المولوي في المثنوي: «كلّ مَنْ رأيته عاشقاً فاعتبره معشوقاً…؛ لأن المحبوب هو شيء من هذا وذاك… وإن كان الظامئ يبحث عن الماء فإن الماء بدوره يبحث عن الظامئين… وحيث يكون الله هو العاشق فما عليك إلا أن تلتزم الصمت… وإن هو شدّ أذنك فكن كلّك أذناً»([3]).

إن التعليم الثاني للعرفاء ناظرٌ إلى أسلوب السلوك، والخروج إلى مقام الإيمان الإلهي. يرى العرفاء أن الإيمان من جنس العشق، غير أن العشق فنّ الممارسة، ومن خلال الممارسة يشتدّ العشق. ومن هنا يعبِّر العرفاء عن تعليمهم الثاني في خصوص العشق قائلين: «المجاز قنطرة الحقيقة»، بمعنى أن العشق المجازي يشكّل جسراً إلى العشق الحقيقي أو السماوي. إن تجربة العشق المتعارف في الدائرة البشرية تعلم العاشق دروساً في التضحية والفداء والإيثار، وتعمل على توحيد وتنسيق وجوده المتناثر وغير المنسجم حول حضور المحبوب، ويضفي شفافية على روحه، ويزيد من جمال عينيه وبريقهما، وحدّة رؤيتهما وإبصارهما، كلّ ذلك يمنح للعاشق هذه الشخصية والروح، لكي يجعله أقدر على سلوك المراتب الأعلى من عوالم المعنى. ومن زاوية التقليد السائد في العرفان التوحيدي تعدّ غاية السلوك المعنوي هي إدراك حضور الله والاتحاد والاندكاك به، كالقطرة التي تمتزج بالبحر. إنّه يمتزج به، ويغيب عن إدراك وجوده، ويستعيد العثور على نفسه من خلال العثور عليه، أي يتّحد معه بالمعنى العميق. إن هذه التجربة من الفناء تلزمني «أنا» السالك في الأصل بنوعٍ من التغيير الجذري. من الزاوية السلوكية تكتسب تجربة العشق أهمّيتها من ناحية أنها تغيّر هندسة الـ «أنا» لدى السالك للطريق. إن الفرد العاشق يشعر بهزّة في جوهر الوجود أو الـ «أنا» المتمحورة حول الذات. إن العشق يأتي هادراً مثل السيل الجارف ليحطم جدران الـ «أنا» المتمحورة حول الذات، ويفتح كوّة في جدار ذلك الوجود المنغلق على ذاته. إن هذا التحوُّل الوجودي والجذري الذي يأتي إثر تجربة العشق يعمل على تغيير نوع رؤية الفرد إلى العالم، ويمنحه عيناً جديدة، ويضعه في حالة وجودية تمكِّنه من مشاهدة سطوح ومستويات من الوجود لم تكن ظاهرة له. وتحظى هذه التجربة بأهمّية جوهرية من الزاوية العرفانية. إن أصل التديُّن والسير في عالم المعنى من زاوية العارف يجب أن يؤدي في نهاية المطاف إلى فتح بصيرة روح السالك. لا يمكن رؤية الله بعين الباصرة، بل يجب أن نراه بعين البصيرة. وبعبارة أخرى: لا بُدَّ من رؤية الله بعين الروح، لا بعين الجسد. ومن هنا نجد عارفاً مثل المولوي لا يسأل الله غير نعمة «الإبصار»، إذ يقول: «لا نسألك بعد هذا غير نعمة البصر…؛ كي لا تغطي البحار أعواد التبن والقشّ»([4])؛ «إنما المرء البصر، وليس سواه غير اللحم والدم… فكلّ ما تراه العين كان هو ذاته»([5]).

 

تجربة العشق مران للرؤية ــــــ

إن تحليل قصة إبراهيم يثبت لنا أن الإيمان نوع حالة يقيم فيها الفرد ارتباطاً وثيقاً وحماسياً مع الله، ويكون هذا الارتباط من نمط الوجد. فالإيمان عشق. وحصيلة هذه التجربة العاطفية والوجدانية هي قوّة البصيرة، وحدّة الرؤية.

بيد أن لتجربة الإيمان الإبراهيمي خاصّية هامّة، وهي أن هذا الإيمان يقوم على تجربة الحضور. فإنّ إيمان إبراهيم وارتباطه الحماسي والمتفاني مع الله قائم على تجربة حضور الله والتواصل بين الكائنات المقدّسة. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: 75). وعليه فقد قام اليقين الإبراهيمي على مشاهدة ملكوت السماوات والأرض. وجاء في القرآن أيضاً أن الملائكة الموكّلين بعذاب قوم لوطٍ حلَّت في ضيافة إبراهيم، وجلست على مائدة طعامه، وعندما رأَتْه خائفاً منها كشفت له عن هويتها؛ تسكيناً لفزعه؛ وليكون من الموقنين (لا أن تجلب له أسباب الهَلَع والاضطراب). وعندما بشَّروه وأهله بالولد ضحكت زوجه ضحكة تعبِّر عن بالغ الهدوء والسكينة في حضرة الملائكة. ومن ناحية أخرى: عندما علم إبراهيم بفحوى المهمة التي أرسل بها الأنبياء وجد نفسه من القرب إلى الله، بحيث أباح لنفسه أن يجادله في قوم لوطٍ، وأن يدافع عنهم. وقد أصرّ على موقفه هذا حتّى طلب منه الله برفقٍ ولين أن يعرض عن طلبه([6]). وفوق ذلك فقد كشف اللهُ لإبراهيم عن جانبٍ من حقيقة المعاد([7]). إن هذا الاستئناس بالكائنات المقدّسة، والاتصال المباشر مع الله (إلى مستوى الحوار والمجادلة)، وكذلك مشاهدة ملكوت السماوات والأرض، هو الذي يحكي عن أرضية الحياة الإيمانية لإبراهيم.

وعليه فإن الإيمان الإبراهيمي يقوم على أساس تجارب دينية عميقة للغاية، واتصال مباشر مع الله. وقد تمّ تنظيمه على أساسٍ متين من التواصل بين الكائنات القدسية. وعلى هذا الأساس يجب العثور على ما يميِّز الإيمان الإبراهيمي الزاخر بالحبّ والعشق في اليقين وتجربة الحضور أو اليقين المنبثق عن تجربة الحضور. إن التجربة المباشرة لحضور الله والكائنات القدسية قد أفضَتْ إلى حصوله على اليقين القلبي الصلب والراسخ، وإنّ هذا اليقين الذي لا يمكن للشكّ أن يخترقه قد أعدّ الذات لخوض تجربة التضحية والفناء من أجل المحبوب.

 

سالك ما قبل الحداثة وحالة الغيبة ــــــ

إن الإيمان الإبراهيمي واليقين القائم على تجربة الحضور المباشرة كان هو الهدف المُلْهِم للسالكين في طريق العرفان الإسلامي. وقد كان السلوك الروحي والمعنوي في عالم ما قبل الحداثة يقوم على فرضية أن الحضور الإلهي ساطع في سماء المفاهيم والمعاني. كان السالك يجد نفسه في عصر ظهور الأمر الإلهي. بَيْد أن تجربة حضور الله مباشرة لم تكن بالتجربة السهلة. ومن هنا كان السالك في الغالب يجد نفسه في حالة مختلفة عن الحالة الإبراهيمية. لقد كان يعرف تجربة غيبة الله وتجذّر ظلمة الروح جيداً. وفي الحقيقة فإن السلوك العرفاني في أساسه كان قائماً على فرضية محجوبية السالك، وافتقاره إلى تجربة حضور الله. إن سلوك العارف في الحقيقة جهدٌ منظم ومتواصل من أجل تمزيق الحجب الحائلة بينه وبين الله، والوصول إلى عالم ما وراء الحجاب، وخوض تجربة مباشرة لحضور الأمر الإلهي. وعلى هذا الأساس فإن العرفاء التقليديين في الأديان التوحيدية كانوا مدركين لتجربة الغيبة، وكانوا ينظرون لتبين هذه التجربة وسبل اجتياز هذه الظلمات الروحية. وفي الحقيقة فإن العرفاء؛ لكي يفهموا تجربة الغيبة هذه ويتغلَّبوا عليها، قد أسَّسوا لعلم يمكن تسميته بـ «معرفة الحجب».

يرى العرفاء في عالم ما قبل الحداثة أن حالة الغيبة هي في الغالب عبارة عن محجوبية البشر عن إدراك حضور الله. وبعبارة أخرى: إن شمس عالم المفهوم (الله) تسطع في سماء عالم المعاني باستمرار، غير أن تقصير البشر أو قصوره في المنهج والأسلوب يحجبه عن إدراك ومشاهدة هذا السطوع الباهر. ولكنْ إذا كانت هذه الشمس ساطعة في رابعة النهار فلماذا يعجز الإنسان المتعطِّش إلى المعرفة عن إدراك هذه الحقيقة؟ في معرض الإجابة عن هذا السؤال يطرح العرفاء نظريّتهم بشأن ماهية وأنواع هذه الحجب التي تحول بين الإنسان وبين الله.

تقوم نظرية معرفة الحجب التي صدع بها العرفاء على عددٍ من الأركان الرئيسة، وهذا بيانها:

الركن الأول: إن قلب الإنسان هو موضع إدراك الله والحقائق القدسية. فقد سُئل رسول الله: أين الله؟ في الأرض أو في السماء؟ فقال: «في قلوب عباده المؤمنين». وقد أعاد المولوي هذا المعنى في سياق روايته لقصة مسير بايزيد البسطامي إلى الحجّ؛ إذ يقول: «صادف بايزيد البسطامي في طريقه إلى الحجّ شيخاً عارفاً كثير العيال، فسأله الشيخ عن وجهته وغايته؟ فأجابه بايزيد أنّه ينوي الحجّ، فسأله الشيخ: كم تحمل من النقود؟ فذكر له بايزيد مقدار الأموال التي معه، فقال الشيخ: أعْطِني النقود وطُفْ حولي سبعاً فإنّ ذلك يغنيك عن الطواف حول الكعبة، وستكتب لك حجّة، بل إن هذا الطواف خيرٌ من الطواف حول الكعبة، فسأله بايزيد أن يبيِّن له السرّ الكامن في هذه الحكمة، فأجابه الشيخ: إنّ حجارة الكعبة لا تعدو أن تكون شيئاً مادياً، وإن الله الذي هو وراء الأمور المادية لم ولنْ يطأ هذا البيت، في حين أن قلب هذا الشيخ العارف لا يزال عامراً بذكر الله، فهو لا يفتأ يذكره على الدوام. وعليه فإن بيت الله الحقيقي هو هذا الفؤاد ـ يعني بذلك قلب العارف ـ، الذي يتجلّى فيه حضور الله بعيداً عن قيود المادّة. وعليه فإن كان بايزيد يروم قصد الكعبة الحقيقية والحجّ إلى بيت الله فعليه أن يقصد هذا البيت المكين، ويترك بيت الطين([8]).

نضيف إلى ذلك أن اللغة التمثيلية السائدة بين العرفاء تمثّل «المرآة» فيها القلب. ومن باب المثال: يشبّه المولوي قلب الإنسان الذي لا يدرك حضور الله بالمرآة الصدئة([9]).

الركن الثاني لنظرية معرفة الحجاب لدى العرفاء هو أن الله من جنس النور، وهو في حال سطوع وإشعاع مستمر. فهو حاضرٌ على الدوام. وهو لا يغيب أبداً، بل نحن الذين نتغيَّب أحياناً. وقد ورد التعبير عن الله بـ «النور» في الكثير من مواطن القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (النور: 35)، أو قوله: ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (النور: 35).

الركن الثالث لنظرية العرفاء في هذا الخصوص هو الفرضية القائلة بأن رؤية تلك الشمس ـ أي الله ـ وتجربة إدراك حضوره لا تكون إلاّ إذا كان الفرد في موقع مناسبٍ يؤهِّله لمثل هذه الرؤية. فلو انحاز المرء إلى ذلك الموقع أمكن له رؤية ذلك النور. وفي اللغة التمثيلية للعرفان يعبّر عن «الوقوف في الموقع المناسب» بـ «فتح العين» أو «إخراج الرأس من الحفرة» أو «الخروج من جوف الكهف». فلو كانت الشمس ساطعة في رابعة النهار، ولكنّ الفرد أصرَّ على إغلاق عينيه، أو دسّ رأسه في التراب، أو اختار العزلة في جوف الكهف، فإنّه بطبيعة الحال سيحرم نفسه من نعمة رؤية النور.

وبطبيعة الحال فإن هؤلاء العرفاء يرَوْن أن السالك المجاهد والسعيد يمكنه أن يضع نفسه في موضع الرؤية. وإنّ هذا التوفيق وإنْ كان صعب المنال ولكنّه ليس مستحيلاً، فيمكن للمرء أن يزيل الغشاوة عن عينيه والنظر إلى الشمس، وبإمكانه أن يخرج رأسه من التراب والنظر في السماء، كما يمكنه الخروج من ظلمات الكهف والجلوس على قمّة الجبل والنظر إلى الضياء.

الركن الرابع لهذه النظرية في مقام التوضيح التفصيلي لهذه التجربة الهامة للسالكين يكمن في الإجابة عن السؤال القائل: لماذا لا تنعكس شمس حضور الله على مرآة قلب الإنسان؟

وقد عرض الغزالي في مقام إيضاح هذا المعنى العديد من الأدلّة الهامة:

الأول: أحياناً لا تتَّسع المرآة للشمس؛ وذلك لوجود نقص في بنيتها. ومن باب المثال: إن قلب الطفل لا يتَّسع للتجارب المعنوية الرفيعة، بمعنى أن بنيته العقلية والنفسية لما تتّسع بعد لخوض مثل هذه التجارب. وعليه فإن الحجاب الأول الذي يمنع الرؤية هو نوعٌ من النقص في بنية وتركيبة وجودنا.

الثاني: إن المرآة إنما تستطيع أن تعكس ضوء الشمس إذا جلي عنها الصدأ، على حدّ تعبير المولوي. وعليه فإن قلب الإنسان حتّى إذا تكامل من الناحية الوجودية لن يستطيع أن يعكس نور الفضيلة إذا تراكم عليه الغبار والصدأ. إذن يشترط في خوض تلك التجربة صفاء القلب ونقاؤه([10]).

وفي هذا السياق روى المولوي هذا المعنى في ذكره لقصّة الصينيين والروميين المعبّرة. وفي الحقيقة فإن المغزى في تلك القصة هو أن كشف الحقائق القدسية يتطلب قلباً نقياً ومرآة صافية. وخلاصة القصة أن الصينيين والروميين تنافسوا فيما بينهم، وأخذت كل مجموعة منهم تتبجَّح على الأخرى بأنها هي الأفضل في فنّ الرسم واستخدام الألوان، حتى قرّ القرار على إثبات ذلك على أرض الواقع، والاحتكام إلى الممارسة الفعلية. فاختاروا مسرحاً، وأقاموا فيه ستارتين كبيرتين متقابلتين؛ ليبدع الصينيون لوحتهم الفنية على إحداهما، ويبدع الروميون لوحتهم الفنية على الأخرى. فبادر الفنانون الصينيون إلى مطالبة ميزانية الإمبراطورية الصينية بتوفير آلاف الأصباغ ليبدعوا لوحة فنية زاهية بمختلف الألوان. أما الروميون فلم يفعلوا شيئاً سوى صقل لوحتهم وتلميعها طوال تلك الفترة. ولكنْ ما إن أزاح الصينيون الستار عن لوحتهم حتّى انعكست على لوحة الروميين بشكلٍ أبهى وأنصع. وهنا يعمد المولوي إلى بيان السرّ والحكمة من هذه القصة الرمزية، إذ يقول: إن الروميين هم الصوفيون الذين لا يملكون من البراعة غير صقل صفحة أنفسهم، وإزاحة أدران الطمع والبخل والحسد والأحقاد عن قلوبهم، فتكون قابلةً لأن تنطبع عليها جميع الفضائل([11]).

إن الصدأ الذي يشوِّه صفحة القلب في رؤية العرفاء ـ كما أشار المولوي إلى ذلك ـ عبارة عن ذلك المفهوم الذي يتمّ التعبير عنه في اللغة الدينية بـ «المعصية». وفي السلوك المعنوي يعتبر كلّ ما يبعد العبد عن الله «معصية». إن ارتكاب كلّ معصية يترك نقطة سوداء على صفحة القلب الصافية، وتكرار المعاصي يؤدّي إلى تراكم تلك النقط السوداء، حتّى ينتشر السواد ويستوعب القلب، فلا يعود قادراً على تقبُّل البريق، وانعكاس تلألؤ وجمال العالم.

الثالث: إن إزاحة الصدأ وصقل مرآة القلب؛ لتظهير بريق الشمس والحقائق القدسية، ضروريٌّ، ولكنّه غير كافٍ. وحتى القلب الصافي يبقى في بعض الأحيان محجوباً عن انعكاس ضوء الشمس. ولكنْ ما هو السبب في حجب القلب الصافي؟ يجيب الغزالي بأن المرآة لا تعكس ضوء الشمس ـ مهما كانت صافية ومصقولة ـ إلا إذا كانت مواجهةً لها. إن المرآة التي تستدبر الشمس لا تعكس ضوء الشمس بطبيعة الحال مهما كانت صافية وغير مشوبة. إنّ من أهم الشروط لتحصيل هذه المواجهة الصحيحة هو أن يغدو الفرد قلباً واحداً، بمعنى أن يجعل قلبه ـ المشطور إلى آلاف القطع؛ بسبب تنازع ألوف الطالبين عليه ـ كتلةً واحدة، من خلال تركيزه على جهةٍ واحدة. إن القلب المعنوي هو القلب الذي يتمسّك بجهةٍ واحدة، وذلك بأن يتوجَّه إلى الله تعالى. وهذا ما يشير إليه المولوي في بيانه لقصة مجنون ليلى والناقة: «لقد أقض مضجع قيس الشوق إلى رؤية ليلى، فاعتلى ظهر ناقته؛ ليجوب الفيافي مسرعاً إليها، ولكن الناقة كان لها فصيلٌ تركته وراءها، فهي مشدودةٌ إليه أبداً، فلم تكن تبدي نشاطاً إلى التقدّم، فكان مجنون ليلى يحثّها إلى الإسراع بسوطه، ولكنّ النوم كان يغلب عليه في أثناء الطريق، فتغتنم الناقة فرصتها وتعود أدراجها إلى فصيلها، فيستيقظ المجنون ليرى نفسه عائداً إلى مضارب قبيلته! يقول المولوي: إن مجنون ليلى بقي على هذا التنازع بين حبّه لليلى وتمسُّكه بناقته المشدودة إلى فصيلها رَدْحاً طويلاً من الزمن، حتّى رمى بنفسه في نهاية المطاف من على ظهر ناقته، فانكسرت ساقه. ولكنّه قال لنفسه: لئن أذهب إلى ليلى زَحْفاً على صدري، متحاملاً على جرحي، خيرٌ لي من الركوب على ناقةٍ لا يوافق هواي هواها. إن المغزى الذي يرمي إليه المولوي من هذه الحكاية هو أن السلوك المعنوي لا يمكن أن يكون بقلبٍ تتنازعه الأهواء المختلفة والمتعارضة أحياناً. فلا بُدَّ إما من التضحية بحبّ ليلى والعَوْدة بالناقة إلى فصيلها، أو ترك الناقة لفصيلها والزَّحْف إلى ليلى مهما كلَّف الأمر»([12]).

الرابع: قد تكون المرآة صافية ومواجهة للشمس، ولكنْ يكون بينها وبين الشمس حائل وحجاب يحول دون انعكاس ضوء الشمس على صفحة المرآة. وبعبارة أخرى: إن صفاء المرآة وكونها في مواجهة الشمس شرطٌ ضروري لتجربة الرؤية، ولكنّه ليس كافياً. فإنْ كان هناك حجابٌ بين المرآة والشمس سيحول ذلك دون خوض تجربة الرؤية. وإن أهمّ حائل يحول دون القلب الصافي المواجه لله يكمن في «توهُّم» الإله. إن الذين يشدّهم الشوق إلى الله تكون لديهم القابلية الصارخة على تصوُّر أمانيهم وأوهامهم على أنها أمور واقعية، واعتبار أوهامهم هي الله. إن هذا النوع من الأوهام هو بمنزلة المخدّرات في عالم المعاني، ويمكنها إيقاف المرء وتخديره وإيهامه بالمشاعر الزائفة بحيث تبعده عن إدراك الإله الحقيقي. وقد حذَّر المولوي من هذه الأوهام ضمن حكاية معبِّرة: في أواخر شهر الصيام كان المسلمون ينظرون قبيل الغروب في صفحة السماء؛ بحثاً عن الهلال، دون جدوى، وإذا بفردٍ من المسلمين يعلن عن رؤيته للهلال. فنظر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب إلى الموضع الذي أشار له ذلك الشخص من السماء، ولكنّه لم يرَ أثراً للهلال. ثم طلب عمر من ذلك الشخص أن يبلّ إصبعه ويمرّه على حاجبيه ويعيد النظر في السماء كرّةً ثانية، فامتثل ذلك الشخص لأمر الخليفة، وأعاد النظر إلى السماء، فلم يرَ هلالاً! ثم قال له عمر: لقد توهَّمْتَ شعرة من حاجبَيْك هلالاً. فإذا كانت شعرةٌ صغيرة واحدة مقوَّسة تؤدّي بالمرء إلى مثل هذا الوهم فكيف يكون الشأن بالنسبة إلى الوجود المفعم بالانحرافات؟!([13]).

ولكن ما الذي يدعو الإنسان إلى التعلُّق بهذه الآلهة الوهمية والخيالية؟ إنّ الآلهة الوهمية في حقيقتها انعكاس للحاجة المكبوتة والآمال الضائعة. إن الإله الزائف هو الصورة الممسوخة للذات الكامنة في ضمير السالك. في الحقيقة إن الإنسان هو الذي يخلق من نفسه وَثَناً في أعماق روحه عن وعيٍ أو غير وعي، ويهوي ساجداً لنفسه. إن التعلُّق بالإله الوهمي هو من أكثر أنواع عبادة الأوثان الكامنة شيوعاً وانتشاراً. وإن الإله الذي يخلقه الإنسان هو من أبرز الحجب التي تحول دون الإنسان وخالقه. إن السرّ في حبّ الإنسان للإله الوهمي يكمن في أنه من صنعه، والإنسان يبحث عن تأثيره وإبداعه في هذا الإله. ولذلك يعتقد المولوي أن هذا هو السبب الذي يجعل الناس أشدّ تعلُّقاً بالآلهة الخيالية والوهمية من تعلُّقها بالإله الحقيقي. وقد أشار إلى هذا المعنى في معرض بيان سبب عبادة بني إسرائيل للعجل الذي صاغوه بأيديهم بعد غياب النبي موسى×([14]).

يعتبر العرفاء الإله الحقيقي كامناً وراء أوهام البشر. وفي حكاية الصينيين والروميين يكمن سرّ إخفاق الصينيين في أنهم عمدوا إلى الحصول على «الجمال» من خلال اصطياده بشباك الخطوط والألوان الزاهية، أما الروميون فقد سعَوْا إلى اكتشاف هذا «الجمال» بذكائهم من خلال جعل أنفسهم صَيْداً لذلك الجمال. وعليه يكون هناك نوعان من الآلهة من وجهة نظر العرفاء، وهما: الإله المكتَسَب الذي يتناسب مع نظام المقولات والمفاهيم الذهنية، ويكون على مستوى مقدّمات البراهين العقلية؛ والإله المكتشف الذي يهجم مثل عصا موسى ويلقف جميع تلك الحبال، ويزيلها من الوجود بفعل إشعاعات حضورها. إن الإله المكتشف يستحوذ على النظام المفهومي لذهن الإنسان، ويجعل الذهن حائراً أمام عظمته. إن الإله المكتَسَب يقع صيداً سهلاً في شباك الذهن والنفس البشرية، في حين أن الإله المكتَشَف هو الذي يعمل على اصطياد الأذهان والأنفس البشرية. وإن ذلك الإله المخلوق هو الذي يحجب هذا الإله الخالق دائماً وأبداً. ويعمد العرفاء إلى توظيف التعبير بـ «إله السرّ» و«إله الغنج». إن إله السرّ لغز محيّر لذهن الإنسان، ويأمل بالتغلّب على كنهه وفكّ شفرته. وأما إله العارفين فهو من نوعٍ آخر. إنه ـ على حدّ تعبير الحلاّج ـ معشوق «مفعم بالتدلُّل والغنج، وليس فيه أي سرّ أو غموض». وبطبيعة الحال لا بُدَّ للمرء في مواجهة المعشوق أن يتذلَّل وأن يترك قيادة الجسد والروح لجاذبية سحر المحبوب.

وفي الحقيقة إن العرفاء قد كشفوا عن سرٍّ هام في عالم المعاني، وهو أن ماهية الأمر المقدّس كلما رُمْتَ اصطيادها أفلتَتْ من بين يديك، فهي مثل الظلّ الذي يزداد عنك بعداً كلما ازددت منه قرباً. وعليه لا يمكن اصطياد الأمر المقدّس، فمن الأفضل أن تكون صيداً له([15]).

وأحياناً تحول بعض اللذّات وبعض الانكشافات المعنوية الأصيلة دون إدراك المرء لبعض الحقائق الأسمى، بمعنى أن التجارب الأصيلة للكائنات المقدّسة تجعل المرء يتشبَّث بها أحياناً بشكلٍ يشغله عن الاهتمام بما هو أسمى منها. ومن باب المثال: قد ينشغل المرء بأنغام تغريد البلابل فيغفل عن شمّ الرياحين([16]).

الخامس: يرشدنا الغزالي إلى أن كشف سطوح من الحقيقة القدسية يحتاج إلى أكثر من مرآة واحدة. إن هذه الحالة شبيهةٌ بالفرد الذي يريد النظر إلى قفا رأسه. إن هذا الشخص إذا كانت لديه مرآة واحدة فقط لن يستطيع الوصول إلى غايته، فإن هو وضع المرآة أمام عينيه استطاع رؤيتها دون أن تنعكس صورة مؤخّرة رأسه فيها، وإن هو وضعها خلف رأسه انعكست مؤخّرة رأسه فيها دون أن يستطيع رؤيتها. وعليه لن تحصل له هنا تجربة الرؤية التي يرومها، ولن يتأتّى له ذلك إلاّ إذا امتلك مرآتين. ويصدق هذا الأمر بالنسبة إلى التجارب المعنوية أيضاً. فإن تجربة رؤية اللامتناهي لا يكون إلا في ظلّ توفّر مرآتين متقابلتين. ولكن ما هي المرآة الثانية؟ إن المولوي يعتبر هذه المرآة ـ التي هي «مرآة الروح» ـ عبارة عن «وجه المعشوق» المعنوي([17]).

وعليه فإن من بين الحجب افتقار الفرد إلى المحبوب المعنوي في حياته.

السادس: إن من أهم الحجب القائمة بين الإنسان وبين الله، والتي تؤدي إلى تجربة الغيبة من وجهة نظر العرفاء، هو اللسان. فالسالك في أغلب الموارد يطلع على الله من خلال «الإخبار»، بمعنى أن شخصاً يخبر عن وجود الله؛ انطلاقاً من علمه أو تجربته، ويؤدّي هذا القول إلى خلق حالةٍ لدى الفرد تضعه في طريق المعنى. غير أن اللسان بطبيعته يشتمل على خصلة متناقضة؛ فهو من ناحية يكشف عن الحقيقة، بمعنى أنه يزيح الستار عن حضور الله من خلال «الإخبار»؛ ومن ناحية أخرى يمثل حجاب الحقيقة، بمعنى أنه بسبب محدوديّته يقدِّم للإنسان دوراً ناقصاً عن الله. فهو وإنْ كان كاشفاً من وجهٍ، إلاّ أنه حاجبٌ من وجوه([18]).

إن هذه الخاصّية الكاشفة في اللسان هي التي تفضح قيوده ومحدوديته في المراتب العليا للتجارب المعنوية. فالعارف يدرك أن الطريق الوحيد للكشف عن الله للآخرين هو اللسان. بيد أن اللسان إنما وضع على القاعدة لبيان التجارب الإنسانية المتعارفة. ومن هنا عندما يقترب من دائرة التجارب النادرة لا تكون له القدرة على البيان، وتغدو المفاهيم مثل السمكة الزلقة التي تفرّ من يد الصياد، وتختفي في ضباب الإبهام والوهم، لتطلع برأسها مرّة أخرى، فما تفتأ تظهر وتختفي. وعليه فإن هذا اللسان الذي يكشف عن الله في المستويات المتعارفة يغدو حجاباً مضروباً دون الإنسان وإدراك الله، ويخفي صورته في طيّات ظلاله([19]).

السابع والأخير: إن جميع العوامل تكون متوفّرة، وتكون جميع الموانع غائبة، ومع ذلك يرى الفرد نفسه في موقف الغيبة. وهنا يرشدنا العرفاء إلى أن أكبر حجاب دون الله هو الله نفسه. وإن أهم حجاب دون النور هو النور نفسه. فأحياناً يكون النور من الشدّة بحيث يبهر البصر، ويحول دونه ودون الرؤية. وتكون شدّة حضور الحجاب هنا هي تجربة الحضور. وكما يقول المولوي في المثنوي: «تمضي الشمس متلفعة بشعاعها، متّخذة من نورها نقاباً لها»([20]). ويقول أيضاً: «ما هو الحجاب القائم دون الشمس غير شدّة الإشعاع وحدّة السطوع»([21]).

طبقاً لتعاليم العرفاء فإن نور الله يحتوي على سبعمئة حجاب، كما جاء في بعض أبيات المولوي في المثنوي([22]).

إن تجربة الغيبة هنا تنبثق عن تراكم تجلّيات الحضور. وهذه هي الظاهرة التي يتمّ التعبير عنها في الأدب الديني ـ العرفاني بـ «حجاب النور» أو «النور الأسود». من باب المثال ما ورد في المناجاة الشعبانية: «وأنِرْ أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور».

ويطلق العرفاء أحياناً على هذا النوع من التجربة الناشئة عن تراكم تجلّيات الحضور تجربة «العدم». وكأنّ معرفة حضور تجربة الله بوصفها أساس الوجود شديدة الشبه بتجربة الفناء أو العدم، بمعنى أن قوّة تشخيص العارف لا يمكنها التمييز بين هذين المفهومين من حيث معرفة الظهور والحضور. ومن هنا يعبِّر العرفاء أحياناً عن الله بـ «العدم». وهو ما نشاهده في تعبير المولوي عن تجربة معراج النبي الأكرم، الذي هو في حقيقته سلوك تكامل ومعراج نوع البشر، حيث يعبِّر عن المنزلة الربوبية بمنزلة «العدم»([23]).

كانت هذه هي مجموع الأسباب والعناصر التي يشكِّل بعضها أو جميعها ـ من وجهة نظر العارف السابق لعصر الحداثة ـ مانعاً من تجربة رؤية الله، وتضع روح السالك الواله في موضع الغيبة.

وعليه فإن الحالة الإيمانية لدى السالك المتقدّم على عصر الحداثة شبيهة بحالة الإيمان الإبراهيمي التي تقوم على فرضية أن شمس حضور الله واضحة ومستمرة في سماء المعاني. سوى أن الفارق بين الحالتين يكمن في أن المؤمن الإبراهيمي غالباً ما يجد نفسه في موضع حضور الأمر الإلهي، بينما السالك يجد نفسه في الغالب في حالة الغيبة. وكان العارف في عصر ما قبل الحداثة يرى أن هذه الغيبة ناجمة عن حجاب الإنسان نفسه، وهو حجاب ناشئ عن قصوره أو تقصيره. أما الله فهو حاضر وظاهر، ويكفي بالإنسان لكي يراه أن يضع نفسه في زاويةٍ تمكِّنه من الرؤية، وذلك بأن يخرج من الحفرة التي دفن نفسه فيها؛ ليتمكَّن من رؤية الشمس الساطعة في كبد السماء([24]).

 

الإيمان في عصر الغيبة ــــــ

يجد إنسان ما بعد الحداثة نفسه خارج حالة الإيمان الإبراهيمي أيضاً، بمعنى أن من أهمّ ما يميّز الحالة الإيمانية لديه هو الافتقار إلى تجربة الحضور. وكأنّ العالم الحديث لم يعُدْ موضعاً لاختلاف الملائكة والتعايش مع الكائنات المقدسة، وأن اليقين الإبراهيمي الراسخ قد تلاشى ولم يعُدْ بمتناول الإنسان الحديث.

إلاّ أن تجربة الغيبة بالنسبة إلى الإنسان الحديث تختلف عن تجربة الغيبة عند السالك الذي كان يعيش فترة ما قبل عصر الحداثة من جهاتٍ هامة:

فإن الافتقار إلى تجربة الحضور بالنسبة إلى السالك في فترة ما قبل الحداثة كان ينشأ في الغالب عن بُعد الإنسان عن الله. وبعبارة أخرى: إن السالك قبل عصر الحداثة كان يعيش في عصر حضور الأمر الإلهي، ولكنه يرى نفسه في حالة الغيبة. ولكنْ يبدو أن بنية عالم المفاهيم في العالم المعاصر قد طرأ عليها تغيير جذري، فلا غَرْو أن ينعكس هذا التغيُّر الماهوي على التجربة الإيمانية لإنسان ما بعد الحداثة. فالسالك الحداثوي لا يعيش حالة الغيبة الناشئة عن بعد الإنسان، بل إنما ينشأ عن غياب الأمر الإلهي. وفي مقام التمثيل: لا تكون حالة السالك الحداثوي كمثل حالة السالك ما قبل الحداثوي الذي يغمض عينيه في رابعة النهار، أو يطمر رأسه في حفرة، أو يعتزل في جوف كهف من الكهوف. إن السالك الحداثوي حتى إذا فتح عينيه، أو أخرج رأسه من الحفرة، أو تحرَّر من عزلته وخرج من جَوْف كهفه، يبقى عاجزاً عن رؤية الشمس. وكأنّ الشمس في هذا العصر قد دخلت في المحاق، أو كأنّ سماء المعنى قد دخلت في حلكة الليل وظلمته. إن حالة غيبة الإنسان الحديث قبل أن تكون ناشئة عن غيبته إنما تنشأ عن تواري الله عن الإنسان خلف نقاب الغيبة.

يمكن حمل مفهوم «اختفاء الأمر الإلهي» على معنيين:

الأول: يمكن تسميته بـ «المعنى العام». وطبقاً لهذا المعنى العامّ اتّخذ الله ـ بوصفه فاعلاً مختاراً ـ أن يحتجب، وأن يسحب ذاته من دائرة تجربة الإنسان الحديث؛ لأسباب قد لا يعلمها الإنسان بالضرورة. ومن هنا لا يسَع روح الإنسان الحديث أن ترصد حضور الله في أفق تجاربها. وعليه فإن «الاختفاء» في المعنى الأوّل نوع من «الاختباء» أو «التواري خلف الحجاب». إن هذا النوع من الاختفاء يمكن جمعه ـ طبق الأصول ـ مع نمط حياة السالك في عصر ما قبل الحداثة، بمعنى أن الله كان بإمكانه أن يتَّخذ قراراً بالغيبة والاختفاء حتّى في عصر ما قبل الحداثة، بأن يقلِّل من ظهوره أو أن يختفي من دائرة التجربة الإنسانية، ولو بشكلٍ مؤقت. ولربما عاش السالكون في عصر ما قبل الحداثة في مراحل من حياتهم المعنوية مثل هذه التجارب.

وأما طبقاً للمعنى الثاني ـ الذي نطلق عليه تسمية «المعنى الخاص» ـ تكون بنية عالم المعنى من التحوّل بحيث يكون ظهور الله وحضوره في أفق تجربة الإنسان داخلاً في المحاق، بمعنى أن شيئاً من حياة ـ عالم الإنسان الحداثوي قد حال بينه وبين تجربة حضور الأمر الإلهي. وهنا يجب أن نعتبر «الاختفاء» شيئاً من قبيل «الكسوف»، بمعنى أن إرادة الله على الاختفاء قد تحقَّقت من خلال التحوّل الجذري الخاص في بنية حياة ـ عالم الإنسان الحديث. إن هذا المعنى الثاني من الاختفاء ـ أي «كسوف الله» ـ خاصّ بعصر الحداثة وما بعد الحداثة.

ويجدر بنا هنا أن نبحث في هذا المعنى الثاني الذي يرسم حدود الحياة المعنوية في عصر الحداثة. وفي ما يلي نطرح سؤالين هامّين:

الأول: ما هو التحوُّل الجذري الحاصل في حياة ـ عالم الإنسان الحديث، والذي مهَّد الأرضية لظاهرة «الكسوف الإلهي»؟

الثاني: كيف وضعت تلك التحوّلات الجذرية والبنيوية الإنسان الحديث في حالة كسوف الأمر الإلهي؟

قبل الإجابة عن هذين السؤالين يحسن بنا التذكير بأن حضور الأمر الإلهي في سنن الأديان التوحيدية كان يتمّ عبر ثلاث نوافذ، بمعنى أن الله كان يظهر نفسه في دائرة التجربة أو المدارك الإنسانية من خلال ثلاث وسائط، وهي:

الأولى: الطبيعة. قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ ِلأَولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190 ـ 191)، وقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (الغاشية: 17 ـ 20).

ولكنْ كيف كتب لآيات الطبيعة أن تهدي الإنسان إلى الله؟ إن الآيات الطبيعية كانت تربط روح الإنسان بالله من خلال عدة طرق هامّة، وهي:

الطريق الأول: إن الإنسان من خلال تفكيره وتدبّره في نظام الخلق والانبهار بإتقان الصنع يدرك وجود ناظم ومدبّر وراء هذا النظم والتدبير.

الطريق الثاني: إن بعض الظواهر الطبيعية، من قبيل: أصل وجود الحركة، أو إمكان العالم، يشكِّل مقدمة للبراهين الفلسفية والمعرفية لإثبات وجود الله.

الطريق الثالث: إن الإنسان في لحظات نادرة من الانبهار بآثار الصنع يشهد وحدة وراء تكثر العالم، ويرى فجأة خلف جمال أو نظم العالم يدَ ناظمٍ مدبّر، بمعنى أن تجربته كانت من نوع الكشف الشهودي دون الكسب العقلي. يعمد الإنسان أحياناً من خلال النظم والجمال القائم في مظاهر العالم إلى صياغة برهان عقلي يستنتج منه وجود ناظم، وهو ما يصطلح عليه بـ «برهان النظم». وأحياناً يشاهد يد التدبير وأصل حضور ذلك الناظم المدبِّر بمجرد مشاهدة النظم والجمال في مظاهر العالم، وفي قلب نظم وجمال تلك المظاهر، دون أيّ مقدمات برهانية واستنتاجية. فالأولى تجربة عقلية من شؤون الفيلسوف، والثانية تجربة شهودية، وهي تعتبر في الغالب من شؤون العارف. وإنّ اكتشاف الوحدة من وراء الكثرة في عالم الطبيعة أو تجربة وحدة الشهود تشكِّل مدخلاً للعرفان الآفاقي.

الطريق الرابع: أن يعمد الله من خلال المعاجز ـ التي تعدّ نوعاً من التصرّف غير المتعارف في نظم عالم الطبيعة ـ ليفرض حضوره على تفكير الإنسان، وروحه أحياناً.

الثانية: «النفس» أو «وجود» ذات الإنسان. حيث كان أهم بناء للسلوك المعنوي هو الحديث الشهير القائل: «مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربَّه». طبقاً للتعاليم الدينية فقد نفخ الله في وجود الإنسان من روحه، بمعنى أنه كأنّما قد أودع شيئاً من جنسه في وجود الإنسان، وإنّ اكتشاف ذلك الشيء الكامن في واقع الإنسان يصل بالإنسان إلى اكتشاف ومعرفة الله. وقد جاء التعبير في بعض الروايات بما ورد في العهد القديم: «خلق الله آدم على صورته»([25])، بمعنى أن الإنسان إذا تعرَّف إلى حقيقة وجوده يكون قد تعرف إلى حقيقة الله. وهنا يعمد الإنسان من خلال التدبُّر في عالمه الداخلي إلى التوصُّل لاكتشاف وحدةٍ وراء تكثُّر الآيات الأنفسية، تشير إلى شيءٍ قائم وراء نفسه. إن اكتشاف الوحدة من وراء التكثُّر في عالم النفس يشكِّل مدخلاً إلى العرفان الأنفسي.

الثالثة والأخيرة: «الكلمة». إن الله يُظهر نفسه من خلال الكلمة أيضاً. إن إظهار الله لنفسه من وراء الكلمة من خصائص الأديان التوحيدية. إن الله في الأديان التوحيدية وجود «وتشخُّص»، وإن المقوّم الذاتي لمفهوم التشخص ـ الذي يُظهر ذاته في القابلية على إقامة الارتباط الشخصي المتبادل ـ هو الظهور في صلب رابطة لغوية. إن الله في الأديان التوحيدية كائنٌ متكلم. وإن الوحي اللغوي يمثل جوهر الأديان التوحيدية، وإن مركز التجربة المعنوية في هذه السنة. وفي هذه السنة يعتبر كلام الله في إطار النصّ المقدّس من أهم تجلّياته التي يظهر من خلالها للإنسان على وجه التحديد.

وفي الحقيقة تقوم الدعوى على أن هذه النوافذ الثلاث قد فقدت بريقها السابق، فلم يعُدْ في عصر الحداثة على ما كان حاله في الأزمنة الماضية، ولم يعُدْ النور الإلهي يسطع على نحو ما كان يسطع من خلال هذه النوافذ الثلاث في عصر ما قبل الحداثة.

وعليه فإن السؤال الأول يقول: ما هي التحوّلات في بنية العالم، أو بتعبير أدقّ: ما هو التغيير الذي حصل في نوع رؤية الناس إلى العالم، فأحدث غشاوة في تلك النوافذ الثلاث، وأدخل الإنسان في حالة «الكسوف الإلهي»؟

يحسن بنا قبل كلّ شيء أن نلقي نظرة على تغيُّر رؤية الإنسان إلى عالم الطبيعة. ببيان مبسطٍ يمكن لنا أن نعتبر أهمّ أركان معرفة الطبيعة الدينية ما يلي:

الركن الأول: ربما كان أهم ركن في معرفة الطبيعة الدينية هو أن العالم يدار في نهاية الأمر عبر القوى المعنوية أو ما وراء الطبيعة. وطبقاً للمعرفة ما قبل الحداثوية نجد دائرة الوجود تتخطّى مستوى الطبيعة المادية والمحسوسة، لتشمل ما وراء الحسّ أيضاً، فإن عالم الوجود أوسع من أن يدرك بالحواسّ الخمسة، وإن العالم الحقيقي يتكوّن من عالم الغيب والشهادة.

الركن الثاني: إن كل ما يحدث في عالم الحسّ إنما هو نتيجة وتأثير وانعكاس لما يحدث في عالم ما وراء الحسّ. وتعود جذور هذا النموذج من بنية عالم الطبيعة وارتباطه بعالم ما وراء الحسّ إلى آراء أفلاطون. فمثلاً: يمكن اعتبار تمثيل أفلاطون بـ «الكهف» في الكتاب السابع من جمهوريته بياناً تمثيلياً عن العلاقة الخاصّة بين هذين العالمين. وفي أدبنا العرفاني مثلاً ورد التمثيل بالجنين في رحم الأم على ما جاء في المثنوي للمولوي، فهو تعبيرٌ آخر عن تمثيل أفلاطون بالكهف. يقول المولوي ما معناه: «لو أن شخصاً أخبر الجنين بوجود عالم خارج الرحم الذي يعيش فيه… وأن هذا العالم من السعة والعرض والطول والاشتمال على النعم والكثير من الآكلين والجبال والبحار والبيد والحدائق والبساتين والفلك والسماء المرتفعة والمضيئة والشمس والقمر والعجائب التي لا يسع اللسان أن يصفها… في حين أنه لا يعلم من هذا العالم سوى هذه الظلمة الضيقة التي هو فيها، ليس له من الزاد غير هذه الفضلة من الدماء، حيث يتخبَّط محبوساً بين النجاسات… من الطبيعي لهذا الجنين أن يجحد وينكر هذه الحقيقة ويراها مجرّد وهم وغرور… ونفس هذا الشيء الذي يقوله الجنين عن هذا العالم يقوله عامة الناس عن عالم ما وراء الطبيعة. فليس هذا العالم الذي نعيش فيه غير حفرة مظلمة وضيّقة، لا يسَع القابع فيها أن يدرك العالم القائم خارجها، ولا يسمع به بعد أن ضرب الحجاب دونه ودون سمعه»([26]).

يرى المولوي من خلال هذا التمثيل أن العالم يتألَّف من دائرتين، وهما: دائرة الحسّ؛ ودائرة ما وراء الحسّ. ويُرجع جذور وقائع الدائرة الحسية إلى دائرة ما وراء الحس. وعمد المولوي في مواضع أخرى إلى بيان العلاقة بين عالم الظاهر أو الطبيعة وعالم الباطن أو الغيب من خلال التمثيل بالبحر والزبد أيضاً([27]).

الركن الثالث: يبدو في إطار هذه الرؤية عدم التمكُّن من تفسير بعض ظواهر عالم الطبيعة على أساس عقلي وطبيعي، بمعنى أننا من هذه الزاوية لا نستطيع بيان بعض جوانب الطبيعة من خلال القوى والقوانين الطبيعية. إن النموذج البارز لهذه الظواهر هو ما نطلق عليه في الأدبيات الدينية مصطلح «المعجزة»؛ فإن «المعجزة» ظاهرة خارقة للطبيعة، وعليه لا يمكن تفسيرها طبقاً للقوانين الطبيعية، بل يجب علينا لتفسيرها تفسيراً مقنعاً أن نلجأ إلى تأثير القوى ما وراء الطبيعية، من قبيل: الله أو الملائكة. إن «المعجزة» من أبرز الظواهر التي تكشف الستار عن تحكُّم يد غيبية في هذا العالم. وبطبيعة الحال فإن تحكّم الله والكائنات المقدسة وتأثيرها ـ طبقاً لهذه الرؤية ـ لا يقتصر على المعجزات، وإنما يمكن اعتبار جميع الظواهر القائمة في هذا العالم معجزة بمعنى من المعاني، أو تجلياً لحضور الله وتصرّفه. وعلى هذا الإساس كان بإمكان المتديِّن السابق لعصر الحداثة أن يتقبَّل بسهولة حقيقة تحكم الله أو الكائنات القدسية بجميع ظواهر هذا العالم. فمن وجهة نظره تعتبر كلّ واقعة طبيعية آية تدلّ على وجود وحضور الله، وإن عالم الطبيعة كانت له في الأساس بنية مُلغزة، وكان العقل البشري يعجز عن فهم هذا العالم دون مساعدة من مصدر الوحي.

ولكنْ مع ظهور العلم الحديث بدأنا نشهد ولادة معرفة جديدة لعالم الطبيعة، وسرعان ما استحوذت هذه المعرفة على ذهن وتفكير الناس. إن هذه الرؤية الحديثة التي هي في الأساس وليدة العلوم النيوتنية (نسبة إلى نيوتن) كانت ترسم للعالم صورة أخذت بالتدريج تحلّ محل المعرفة الأرسطية التي كانت هي السائدة حتى ذلك الحين، وأخذت تتحدّى جانباً من أهم عناصر الرؤية الدينية في ما يتعلق بمعرفة الطبيعة.

ويمكن ذكر بعض عناصر هذه الرؤية الجديدة إلى العالم كالتالي:

العنصر الأول: لقد قام العلم الحديث على فرضية أن كتاب الطبيعة قد كتب بلغة رياضية، بمعنى أن بالإمكان بيان علاقاته في إطار المعادلات الرياضية الدقيقة. وكان من أهم ما ترتّب على هذه الرؤية هو اعتبار بنية العالم أمراً معقولاً، بمعنى أن العقل البشري ـ طبقاً للأصول ـ قادر على فهمها. وعلى أساس هذه الفرضية أخذ العلم الحديث يباشر تفسير عالم الطبيعة برمّته على أساس القوى والقوانين الطبيعية دون اللجوء إلى القوى ما فوق الطبيعية. وفي إطار المعرفة الطبيعية الحديثة يمكن شرح جميع حركات العالم طبقاً للقوانين الطبيعية وأصول علم الميكانيك. وإن هذه القوانين ثابتة لا تتغيَّر، ويمكن إطلاقها على «عالم ما فوق القمر»، كما يمكن إطلاقها على «عالم ما تحت القمر».

العنصر الثاني: طبقاً لهذا التصوّر يتحول العالم إلى ماكينة هائلة تمّ تركيب أجزائها بدقّة رياضية متناهية، فهو أشبه بساعةٍ متقنة الصنع، ولكن يمكن فهم أدائها ـ على القاعدة ـ من قبل العقل البشري. إن القوانين التي تحكم أجزاء العالم تابعة لقوانين عامة وشاملة. فلو تمكَّن الفرد من التعرّف إلى القوانين التي تحكم الطبيعة، وأن يطّلع على الشرائط الأولية التي تحكم أجزائها، أمكنه التعرُّف بدقّة لا تقبل الخطأ على مستقبل هذه المنظومة في كلّ زمان معيّن من المستقبل.

العنصر الثالث: إن هذا العالم برمّته تابع لقوانين ثابتة وعامّة لا تتغيَّر، وإنّ كل حادثة فيه تتبع العلل والأسباب السابقة على نحوٍ لا يقبل التخلّف. وعليه لن يبقى في هذا العالم للمعجزة والتدخل من قبل الكائنات ما وراء الطبيعية موضع من الإعراب.

العنصر الرابع: نتيجة لهذا المتغيّرات تمّ إبعاد الله عن العالم بعد أن كان بمنزلة الروح التي كانت جارية وحاضرة في عروق الطبيعة، بمعنى أن العالم أضحى خالياً من وجوده. إن الله في أحسن حالاته أصبح بالنسبة إلى العالم كصانع الساعة بالنسبة إلى الساعة، فإن الساعة بمجرّد أن ينتهي الصانع من تنظيمها تبدأ عملها بشكلٍ مستقلّ عنه، وإذا كان صانع الساعة حاذقاً في عمله بالقدر الكافي لا تعود الساعة بحاجة إلى تدخُّله أبداً.

العنصر الخامس: ربما كان أهمّ وجه من أوجه التمايز بين العلم الحديث وبين المعرفة الطبيعية الأرسطية يكمن في أن العلم الحديث ـ خلافاً للمعرفة الطبيعية الأرسطية ـ يرى مهمته في بيان الظواهر الطبيعية انطلاقاً من العلل الفاعلية دون العلل الغائية. ومن باب المثال: في مقام بيان سقوط جسم كان العالم الأرسطي يدّعي أن ذلك الجسم إنما يسقط لكي يصل إلى حيِّزه الطبيعي، بمعنى أنه يشرح سلوك ذلك الجسم على أساس الغاية المفترضة لتلك الحركة؛ في حين أن عالم ما بعد عصر الحداثة يعمد إلى تفسير ذلك السلوك على أساس القوى المؤثِّرة فيها والمسافة التي تقطعها في المقياس الزمني. وبعبارة أخرى: إن العالم الطبيعي الأرسطي في مقام بيان الظواهر يعمد إلى السؤال عن أسبابها، في حين يسأل العالم الطبيعي النيوتني عن كيفيتها. إن استبدال البيان الفاعلي بالبيان الغائي قد ترك تأثيرات واسعة للغاية. من ذلك أنه أخذ بالتدريج يخرج الاهتمام بـ «الغاية» ـ التي كانت تعدّ بالإضافة إلى دورها في بيان الطبيعة، قاعدة للقيمة والمفهوم أيضاً ـ عن دائرة الحساسية النظرية للإنسان الحديث. إن إلغاء الرؤية الغائية أدّى في نهاية المطاف إلى التمايز الحاسم بين الواقعية والقيمة، وأخرج القيم مع الله عن دائرة الواقعية الطبيعية أيضاً.

العنصر السادس: وهنا وجد الإنسان الحديث نفسه وجهاً لوجه أمام عالم متحرِّر من الألغاز. فمن وجهة نظر ماكس فيبر يعتبر تحرير العالم من الألغاز أو التقديس (disenchantment) من أبرز خصائص العالم الحديث. تنظر النزعة العلمية الحديثة إلى العالم بنظرة مفادها أنّ لكل ظاهرة في هذا العالم علة طبيعية، وأن بالإمكان بيان وتبيين السلوك الحاكم على تلك الظواهر طبقاً للأصول والقواعد العلمية في إطار القوانين الطبيعية. ولم تعُدْ هناك في هذا المقام ـ على حدّ تعبير لابلاس ـ من حاجة لدى العلماء إلى التمسُّك بـ «فرضية» الله، أو الكائنات الغيبية؛ لتفسير السلوكيات الطبيعية.

إن النجاح الباهر الذي حقَّقه العلم النيوتني في مقام بيان الظواهر الطبيعية، ابتداءاً من الذرّة إلى المجرّة، وكذلك نجاحه المذهل في السيطرة على القوى الطبيعية في إطار التكنولوجيا، زاد من رصيد هذه النظرة إلى عالم الطبيعة.

وعلى هذا الأساس فإن العلم الحديث قد حرَّر العالم من الألغاز أو التقديس من طريقين:

الطريق الأول: من خلال تقديم تفسير عقلي تماماً، وقائم على العناصر والقوانين الطبيعية عن عالم الشهادة، واستبدال البيان الفاعلي بالبيان الغائي.

الطريق الثاني: من خلال إخراج عالم الغيب، أو كلّ ما لا يمكن مشاهدته أو تعقله، من دائرة الاهتمام وحساسية الذهنية الحديثة. وكأنّ الفهم الغالب كان يميل إلى أن الرؤية العلمية تنفي وجود المساحات الغيبية وما وراء الطبيعية، ونتيجة لذلك أخذت الذهنية العلمية تفقد إيمانها بالنسبة إلى كلّ ما يزوغ عن دائرة العقل العلمي بالتدريج. إن إلغاء عالم الغيب عن دائرة اهتمام الذهنية العلمية، أو في الحدّ الأدنى وضعه جانباً، أخذ يصبح بالتدريج هو الوجه الغالب على الذهنية الحديثة، وأخذ عالم الشهادة يفقد باطنه بالتدريج، وبذلك فقد اضمحلَّت خصلته الدلالية.

وأما النافذة الثانية لظهور الله في العالم ـ أي وجود الإنسان ـ فقد أخذت هي الأخرى تفقد دلاليتها بالتدريج أيضاً. إن فهم المسلمين التقليدي للإنسان ينبثق عن مصدرين هامين، وهما: الثقافة اليونانية؛ والتعاليم القرآنية. وفي ما يرتبط بالثقافة اليونانية يتأثّر الفهم التقليدي في الثقافة الإسلامية للإنسان إلى حدٍّ ما بالرؤية البطليمية. وطبقاً لهذه الرؤية كان موطن الإنسان يقع في مركز عالم الوجود، وإن هذه المركزية كانت تحكي عن منزلة الإنسان الممتازة في عالم الخلق. ومن ناحية أخرى فإن التعاليم القرآنية تؤكِّد بدورها على المنزلة الممتازة للإنسان في عالم الخلق أيضاً. فإن الإنسان من حيث القيمة يعتبر من أشرف المخلوقات. فهو الكائن الوحيد في هذا العالم الذي كان له نصيبٌ من روح الله، وخصّه الله بتعليمه من علمه الخاصّ. بيد أن تصوير الإنسان في التعاليم الدينية كانت له جهة أخرى أيضاً. ومن باب المثال: يؤكِّد القرآن على النواحي السلبية من طبيعة الإنسان. وكان عرفاء المسلمين يعتبرون الإنسان في ذاته كائناً فقيراً، وأن وجوده في قبال وجود الله أقرب إلى العدم. إن وجود الإنسان برمّته كان يعتبر قائماً بوجود الله، وإن قيمته تابعة للنسبة التي يقيمها مع الله. إن الفرد المستقلّ عن الله كائنٌ فاقد للاعتبار، ومفتقر إلى القيمة بالمرّة.

وأما العلم الحديث فقد أحدث تغييراً جذرياً في رؤية الإنسان وفهمه لذاته ونفسه.

فأولاً: عمدت الرؤية الفلكية لكوبرنيق ونيوتن إلى إنكار المركزية المكانية للإنسان في العالم. فالأرض ـ موطن الإنسان ـ لم تعُدْ هي مركز العالم، بل أصبحت مجرّد كوكب صغير يسبح هائماً في فضاء فسيح بين مليارات المجرّات العملاقة. وبذلك تنزّل موطن الإنسان من مركز الوجود إلى مجرّد نقطة صغيرة لا وزن لها في بحر الفضاء اللامتناهي.

وثانياً: عمدت نظرية التطور لدارون إلى التشكيك في اعتبار الإنسان أشرف المخلوقات في العالم، فلم يعُدْ الإنسان هو ذلك الكائن الذي سوّاه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، بل هو نتيجة طفرات عمياء حصلت من باب الصدفة التي نجمت عن تطوُّر في أنواع متدنية من الحياة. طبقاً لهذا التصوّر الحديث عن الإنسان أخذ الشكّ يتسلل إلى الرؤية التقليدية ـ الدينية التي كانت تعتبر من جملة امتيازات الإنسان على سائر المخلوقات أنّه من أشرف المخلوقات، وأنزلته من هذا العرش ليغدو مجرّد كائن تتقاذفه الصدف العمياء الحائرة في هذا العالم الفسيح والبهيم، وليكون وجوده في كلّ لحظة مهدَّداً بالزوال والفناء. ولكن من ناحية أخرى فإن الرؤية الحديثة للإنسان أخذت تكرِّم الإنسان من حيث كانت الرؤية التقليدية تحتقره. فالإنسان في قبال الله وبوصفه كائناً مستقلاًّ وقائماً بذاته قد استحقّ قيمة وأهمّية جوهرية.

يرجع بعض الباحثين جذور النزعة الإنسانية التي سادت المرحلة الحديثة إلى أفكار ديكارت. إن التصوير الديكارتي للإنسان قد أعاد الإنسان ثانية إلى مركزية العالم، ولكنْ بمعنىً مختلف تماماً. إن «الأنا المفكِّرة» الديكارتية شكلت في الحقيقة قاعدة معرفة الإنسان بالنسبة إلى كلّ شيء، بما في ذلك الله. وبعبارة أخرى: إن «الأنا» أو «الموضوع الديكارتي» أضحى في مركز الكون، وأضحَتْ جميع أنواع المعرفة متطفِّلة على وجوده. إن هذه «الأنا» من وجهة نظر فلاسفة، من أمثال هابز، لم تكن سوى ماكينة. لقد كان جسم الإنسان جزءاً من الطبيعة التي كان يتم تصوّرها بوصفها ماكينة هائلة. لقد تحوّل أفراد الإنسانية إلى ذرّات مجزّأة انفصلت عن بعدها واستقرّت في حصار فردانيتها. وأصبحت «الأنا» موضوع دراسة وبحث مختلف حقول المعارف والعلوم، من قبيل: علم النفس، وعلم الاجتماع، والفسيولوجيا، وعلم التشريح وما إلى ذلك من العلوم، وأضحَتْ جميع أبعادها قابلة للفهم على الأصول. في هذه الماكينة العظيمة والمعقَّدة لا نرى أيّ مؤشِّر أو علامة تدل على روح الله. وكانت كلّ «أنا» تلحظ بشكل مستقلّ تعتبر هي مركز عالم الخلق. ويجب البحث عن ولادة الفردانية الحديثة أحياناً في هذا الموطن.

إلاّ أن هذه الأنا قد طرأت عليها الكثير من المتغيّرات على مرّ الزمان. ومن باب المثال: يدّعي المذهب النفعي لـ (بنتام) أن الأمر الحسن من الناحية الأخلاقية هو الذي يجلب أكبر منفعة لأكبر عدد من الناس. وقد عرَّف جون ستيورات ميل هذه «المنفعة» بـ «اللذة». وعلى هذا الأساس اعتبر الحصول على الحدّ الأكثر من اللذة لأكبر عدد من «الأنا» والأنفس غاية مطمح لـ «الأنا» الحديثة. وبطبيعة الحال فإن هذه النفعية كانت تنظر في الغالب إلى الصالح العام. بَيْد أن فلاسفة من أمثال هيوم وماندويل قد أضافوا عنصراً آخر على هذه الأخلاق النفعية. فمن وجهة نظر ماندويل اعتبرت الرذائل الفردية من الفضائل الجماعية، بمعنى أن الناس لو عمدوا إلى السعي وراء الحصول على مصالحهم ولذاتهم الفردية فإن ذلك سيؤدّي في نهاية المطاف إلى ضمان الخير للجميع على نحو أكثر تأثيراً. ومن باب المثال: إن الطمع وحبّ الجاه والسلطة والأثرة وإنْ كان يعتبر رذيلة من ناحية الأخلاق الفردية، إلاّ أن هذه «الرذائل الفردية» يمكنها أن تحثّ الناس إلى التنافس على السعي والعمل والإبداع، وبالتالي سينعكس ذلك على تحسين الإنتاج وجودته وازدهاره، وعودة نفعه لصالح الجميع. وعلى هذا الأساس فقد تمّ تحسين صورة «الأنا التي تنشد اللذّة» ـ أي الأنا التي تسعى لمجرَّد الحصول على منافعها ولذاتها ـ من الناحية الأخلاقية. وبذلك ساعدت «الفردانية» الحديثة إلى بلورة نوع من «الأنانية»، أو ما يصطلح عليه بالـ (Solipsism)([28]).

لو أننا التزمنا وقبلنا بالهيكل العام لهذه الصورة المتسرّعة ففي هذه الحالة وجب اعتبار هذه «الأنا» صورة قد استعيدت حيثيتها من تلك الأنا التي اصطلح عليها العرفاء بـ «الأنا الفرعونية» (في قبال «الأنا المنصورية»([29]))([30]).

بَيْد أن التغيُّر الذي حصل في «الأنا» الإنسانية الحديثة، وخاصّة في ما يتعلق بتجربة العشق الإنساني في العصر الحديث، قد أدخلها في «أزمةٍ»، وحيث إن العرفاء يعتبرون العشق هو الطريق الرئيس الذي يوصل الإنسان إلى الله فقد تأزم هذا الطريق الرابط بين الإنسان وبين الله تبعاً لتلك الأزمة. وكأنّ انسداد تجربة العشق الأرضي تقطع الطريق على تجربة العشق السماوي بالنسبة إلى السالك الحديث، أو في الحدّ الأدنى تضع العراقيل أمامه في هذا الطريق، وتجعله مليئاً بالمنعطفات والعقبات.

ولكنْ ما هو ذلك الشيء الذي أدّى إلى تأزيم الوضع من الناحية المعنوية؟ وبعبارةٍ مبسطة: إن أهمّ تبعات ولادة «الأنا» الحديثة في دائرة العشق تكمن في تحوّل «العشق الأفلاطوني» إلى «العشق الفرويدي». وإن الفارق الأهمّ بين العشق الأفلاطوني والعشق الفرويدي يكمن في الدور الذي يلعبه «الجسد» في العلاقات الإنسانية. فقد كان العشق الأفلاطوني رهناً بالتحرُّر من سحر الجسد وتأثيره، فكان على الفرد العاشق أن يتسلق سلّم العشق ليتجاوز به مستوى «العشق السطحي المزوّق»، بمعنى العشق الناظر إلى الجمال الجسدي، والارتقاء به إلى مشاهدة الجمال ـ الذي يشكِّل الموضوع الرئيس في مفهوم العشق ـ أعلى أشكاله المنزّهة عن جميع أنواع الدنس الجسدي. وعلى حدّ تعبير المولوي: «إن العشق الجسدي ليس عشقاً، بل هو خزيٌ وعار»([31]).

وطبقاً لهذا الفهم كانت الحالة الجسدية تحول دون إدراك الحقائق القدسية. وعلى هذا الأساس كان على سالك الطريق أن يبذل جهده في تحرير نفسه من قيود الجسد؛ من أجل أن يشهد الجمال والحسن في أخلص وأنقى صوره، وأن يتَّحد معه في نهاية المطاف.

وأما بالنسبة إلى العشق الفرويدي فإن الحافز الأهمّ في العشق يرتبط في نهاية الأمر بالحالة الجنسية. وقد سبق لكانت وشوبنهاور أن ادَّعيا أن أهم الحوافز في العلاقات الجنسية هي الحصول على اللذّة والتناسل، بمعنى أن العشق الفرويدي ممتزجٌ بالحالة الجسدية والاتّصال الجسدي، ويستحيل الانفكاك عنه.

ويبدو من وجهة نظر العرفاء أنه كان للعشق المجازي الذي هو من نوع العشق الأفلاطوني ـ الرومنطيقي قيمةٌ سلوكية، دون العشق المجازي الذي هو من نوع العشق الفرويدي ـ الجنسي. إن العشق الأفلاطوني ـ الرومنطيقي كان يشكِّل جسراً للسالك العاشق يوصله إلى العشق الحقيقي؛ في حين أن العشق الفرويدي ـ الجنسي كان يقطع عليه الطريق، ويصدّه عن الوصول إلى الحقيقة القدسية؛ وذلك لأن العشق الفرويدي ـ الجنسي إنما يأتي في إطار خدمة «الذات» الفردية، وإن هذه الذاتية تنافي الغاية السلوكية العرفانية التي تسعى إلى إلغاء الذاتية. ومن ناحية أخرى فإن الفردانية المفرطة والتحوّل الذري في «الأنا» الحديثة تحول دون كسر قيود «الأنا»، والتحرُّر من الذات، وتحول مركز ثقل الوجود إلى ظاهرة مستحيلة (على حدّ تعبير فلاسفة من أمثال سارتر)، أو مرضية (على حدّ تعبير الحركة النسوية الراديكالية). إذا كان العشق طريق الإنسان إلى الله فإن الأزمة في تجربة العشق سوف تنتقل إلى التجربة الإيمانية.

وأما النافذة الثالثة التي كان الله يتجلّى للإنسان من خلالها فهي «الكلمة». ويبدو أن هذه الكلمة هي الأخرى قد طالها الغبش في العصر الحديث أيضاً، فلم يعُدْ بإمكان الإنسان الحديث أن يرى النور الذي يسطع من ورائها بوضوح. وكأن «الكلام الإلهي» في العالم الحديث تحوّل برمّته إلى «نصّ». إن «الكلام الإلهي» أو النصّ المقدّس هو النصّ الذي يوجّه الخطاب إلى وجود الإنسان برمّته، وتعرض أساس كينونته وكيفية حياته إلى التغيير. إن الإنسان يعيش ضمن دائرة الكلام الإلهي، ويفهم نفسه والعالم المحيط به من خلال هذا الكلام. وبمجرد أن يفقد النصّ المقدّس هذا التأثير التغييري يتحول إلى مجرّد نصّ. يمكن للنصّ أن يكون إنجازاً وإبداعاً من ناحية الشكل والمضمون، بَيْد أن النصّ، حتّى وإن كان إنجازاً أدبياً مفعماً بالحكمة، يبقى مجرّد نصّ، وليس كلاماً إلهياً أو نصّاً مقدّساً.

ولكنْ ما هو التحوّل الذي أدّى بالكلام الإلهي لأن يتحوّل بالنسبة إلى الإنسان الحديث إلى مجرّد نصّ؟ يبدو أن جذور هذا التحوّل ظاهرة يمكن أن نطلق عليها مصطلح «المعضلة الهرمنيوطيقية». إن النصّ المقدّس يتكوّن في الواقع من عالمين: الأول: ذلك الجانب من النصّ المقدّس الذي يعكس ثقافة القوم في عصر تنزيل الوحي؛ والثاني: ذلك الجانب من النصّ المقدّس الذي يشتمل على مراد الله أو رسالته الرئيسة التي تعني إعادة تجربة الخطاب. إن عالم المخاطبين ـ السابقين لعصر الحداثة ـ بالنصّ المقدّس يشبه إلى حدّ بعيد عالم القوم في عصر تنزيل الوحي (أي العالم الأول للنصّ المقدّس)، ومن هنا كان بإمكان المخاطبين بالوحي العبور بسهولة نسبية من العالم الأول للنصّ المقدّس والدخول في أعماق العالم الثاني له، ويباشروا تجربة الخطاب والانكشاف الإلهي. بيد أنه قد حدث شرخٌ كبير بين العالم الأول للنصّ المقدّس وعالم المخاطب الحديث، حتّى لم يعُدْ بإمكان الإنسان الحديث بلوغ العالم الأول للنصّ بيسرٍ. وإنّ هذا الأمر قد جعل من دخوله إلى عالم النصّ المقدّس أمراً معقَّداً أيضاً. من هنا يتعين على الإنسان الحديث في الخطوة الأولى أن يجسر الهوّة القائمة بين عالمه والعالم الأول للنصّ المقدّس؛ كي يتمكن من العبور إلى العالم المقدّس للكلام الإلهي، ويعيش أجواءه. إن الشرخ القائم بين عالم المخاطب الحديث والعالم الأول للنصّ المقدّس يجعل من عملية فهم تجربة الخطاب في المتن المقدّس وإعادة تجربته عملية في غاية التعقيد، وهذا التعقيد هو الذي نسمّيه بـ «المعضلة الهرمنيوطيقية».

إن الملاحظات المتقدّمة تبيّن إلى حدٍّ ما المتغيّرات الجذرية التي فاقمت من حدوث ظاهرة «الكسوف الإلهي» في حياة عالم الإنسان الحديث.

أما الآن فعلينا الخوض في تفاصيل كيفية هذه المتغيّرات الجذرية والبنيوية التي وضعت الإنسان الحديث في حالة كسوف الأمر الإلهي. فكيف أدّى ظهور الرؤية الحديثة إلى الطبيعة والإنسان والنصّ المقدّس إلى حصول الكسوف في العالم المعنوي؟

هناك مَنْ يذهب إلى القول بوجود التعارض التامّ بين الرؤية العلمية والرؤية الدينية، بمعنى أن الرؤية العلمية إذا كانت صائبة كانت الرؤية الدينية لا محالة كاذبة. من هنا فإن ظهور الرؤية العلمية عمل في الحقيقة على إثبات عدم صوابية الفهم الديني للإنسان والكون. ورغم أن الرؤية الدينية قد لعبت الكثير من الأدوار الإيجابية في مسيرة التكامل الفكري لدى البشر فإنّ هذا التأثير الإيجابي هو من قبيل تأثير الأساطير على إثراء القوّة الخيالية لدى الأطفال. ومن باب المثال: كان بعض الفلاسفة من أمثال أوغست كونت يرى أن العلاقة بين العلم والدين تندرج إلى حدٍّ ما تحت هذا النوع. فمن وجهة نظر كونت كان لمسار الفكر التكاملي ثلاث مراحل، وهي: المرحلة الدينية؛ والمرحلة الميتافيزيقية؛ والمرحلة العلمية. ومن وجهة نظره فإن المرحلة العلمية هي ذروة التكامل الفكري لدى البشر، وأما المراحل الأخرى فهي وإنْ لعبت دوراً مؤثِّراً ونافعاً وبنّاء في تكامل الفكر البشري، ولكنْ بمجيء العلم ثبت زيفها.

وذهبت جماعة أخرى إلى الاعتقاد بأن الرؤية العلمية والرؤية الدينية تنظران إلى مساحتين مختلفتين تمام الاختلاف، وتسعيان بأساليب مختلفة تماماً إلى بيان الظواهر المختلفة التي يكون فيما بينها تمام الاختلاف. وعليه فإن أسلوب وموضوع وغايات هذين الحقلين تختلف عن بعضها تمام الاختلاف، ولا ربط لهاتين المساحتين ببعضهما، لا في السلب ولا في الإيجاب.

وفي الختام هناك جماعةٌ أخرى تذهب إلى أن الرؤية العلمية والرؤية الدينية لا تتعارضان تمام التعارض، ولا هما ينتميان إلى حقلين بينهما تمام الاختلاف، بل هما يعملان على تكميل بعضهما البعض. وبعبارةٍ أخرى: إن هاتين الرؤيتين تكشفان عن طبقات مختلفة لحقيقة واحدة، وتعمل كلّ واحدة منهما على الكشف عن وجهٍ من وجوه الحقيقة. وعليه فإن الرؤية العلمية والرؤية الدينية إذا انضمّتا إلى بعضهما فإنهما ستقدّمان صورةً أكثر جامعية عن جميع أطراف الواقع والحقيقة.

ليس من المهمّ هنا أن نرجِّح إحدى هذه الاتجاهات على غيرها. إنّما المهم هو أن جميع هذه الاتجاهات متفقة على أن الرؤية العلمية والرؤية الدينية ـ بغضّ النظر عن نوع العلاقة القائمة بينهما ـ متخالفتان. وإن الإذعان والاعتراف بهذا الاختلاف هو الفرضية الوحيدة في توضيح ظاهرة «الكسوف الإلهي» في عصر الحداثة.

ولكن كيف يمكن للاختلاف بين الرؤية العلمية والرؤية الدينية أن يعمل على إيضاح ظاهرة الكسوف الإلهي؟ يبدو أن نفس دخول الرؤية العلمية إلى دائرة وعي الإنسان الحديث قد أرشد الناس إلى إمكانية أن ينظروا إلى العالم وإلى الإنسان بشكلٍ مختلف. وكان من أهم التبعات المترتّبة على ذلك هو التشكيك بقوة وحجية الرؤية الدينية. في ما سبق كانت تسود العالم رؤية صورة تتجلى في الرؤية الدينية. وفي هذه الرؤية كان الله حاضراً وفعّالاً على جميع المستويات. وبعبارة أخرى: كان الله ظاهراً، وكأنّ الإنسان كان يعيش في عصر ظهور الأمر الإلهي. وأما بعد غلبة العلم فقد أخذت الرؤية الدينية تواجه منافساً شرساً يرشد الناس إلى نوعٍ آخر من النظر. لم تكن الرؤية العلمية بالضرورة نافية للإيمان بالله، ولكنّها أدخلت حضور الله في المحاق. فقد كشفت الرؤية العلمية عن الكثير من الأمور المجهولة، إلاّ أنها في الوقت نفسه ألقَتْ بظلالها على الكثير من الظواهر والوجوه الأخرى من الوجود أيضاً.

علينا أن لا ننسى أن العرفان في الحقيقة هو نوعٌ من الرؤية؛ فإن كل مجهود السلوك الديني يرمي إلى الحصول على نوعٍ خاصّ من الرؤية التي من شأنها أن توصل المؤمن أو السالك إلى غايته. وإن حقيقة الإنسان تتلخّص في رؤيته. وفي ذلك يقول المولوي: «أنت لست هذا الجسم، بل أنت رؤية… فتخلَّ عن الجسم إنْ أنت أبصرت… ليس للإنسان بعد الإبصار غير اللحم والجلد… وما يراه الإنسان هو الذي يعبّر عن حقيقته»([32]).

وقال أيضاً: «إنّما المرء عين، وما سواه جلود… والعين ليست سوى رؤية الحبيب الودود»([33]).

وبطبيعة الحال فإن العرفاء قد انتبهوا إلى أن الإنسان يرى العالم في الحدّ الأدنى بنوعين من الرؤية، وهما: الرؤية الظاهرية؛ والرؤية الباطنية. وقد أطلق المولوي على النوع الأول اسم «عين الجسد»، وعلى النوع الثاني اسم «عين الروح»([34]).

وقد عبر الشاعر والعارف الكبير حافظ الشيرازي إلى هذا النوع من الاختلاف بين هاتين الرؤيتين بقوله: «إن رؤيتك تحتاج إلى عين ترى الروح مبصرة… فأين من ذلك أنا، ولست أملك غير عينٍ لا ترى سوى ظاهر العالم؟!».

إن غاية السلوك الديني هو أن تستبدل عين الجسد أو العين التي ترى العالم بعين الروح أو التي ترى الروح، كما يقول المولوي: «إن هذا العالم المنظوم سوف يغدو محشراً… إذا تمّ استبدال هاتين الرؤيتين وحلّ محلهما النور الأنور»([35]).

وفي الحقيقة فإن الرؤية العلمية والسعادة العميقة في مجال النظر والعمل تعني من وجهة نظر العرفاء تقوية البصر الذي يشاهد العالم أو أسبابه، ومن هنا كان أهمّ ما يدعو إليه العارف هو الرؤية الروحية، بمعنى التمتُّع بنعمة البصيرة.

وعليه فإن الرؤية أو «النظر العلمي» (أو العين الباصرة) برزت بوصفها منافساً لـ «الرؤية الدينية» (أو البصيرة)، وأخذت تعمل على تهميش الرؤية الدينية إلى حدٍّ كبير. إن ازدهار الرؤية العلمية أو تقوية البصر أدّى بالرؤية الدينية أو البصيرة الإنسانية لتواجه نوعاً من التأزُّم. فلم يعُدْ بوسع الإنسان الحديث أن يجلس هادئ البال خلف النافذة الدينية، ليكتفي بالنظر من خلالها، متجاهلاً النافذة الأخرى التي فتحت أمام عينيه مؤخَّراً. في عالم ما قبل الحداثة كانت الرؤية الدينية هي المسيطرة على الأذهان، بَيْد أنه مع حلول المرحلة الحديثة أخذَتْ الرؤية العلمية تلقي بظلالها على الرؤية الدينية، وأخذ ما كان في السابق يبدو واضحاً وبديهياً طريقه نحو الأفول.

ويحسن بنا لتوضيح هذه المسألة الاستعانة بالمثال التالي: صورة تبدو في الوهلة الأولى رأس طير، ولكنْ بعد إرجاع البصر تبدو رأس أرنب. وقد يبدو للوهلة الأولى أنها تمثِّل رأس طير، ولنطلق على هذه الحالة عنوان «حالة الطير». ولكنْ يمكن لهذه الصورة نفسها أن تمثِّل رأس أرنب أيضاً، ولنطلق على هذه الحالة عنوان «حالة الأرنب». يبدو أن هذا الشكل الواحد الذي كان يبدو حتّى هذه اللحظة طائراً أخذ يبدو على شكل أرنب أيضاً. وهنا فإن العين سوف تتأرجح لا شعورياً بين حالتين: الحالة الأرنبية؛ وحالة الطائر. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الناظر عندما يتوصل إلى الحالة الأرنبية تختفي حالة الطائر في المحاق.

يمكن تشبيه العالم في المفهوم الديني بحالة الطائر. وعندما جاء العلم الحديث علم الناس إمكانية اعتبار هذا العالم الواحد مصداقاً لمفهوم جديد يتمثل بحالة الأرنب. بمجرّد أن أدركت الذهنية الإنسانية إمكانية إدراك هذا العالم الواحد بشكلٍ آخر، أي في إطار الحالة الأرنبية أيضاً، لم تعُدْ قادرة على البقاء ضمن حالة الطائر، وأخذ العالم الذي كان يتراءى للناظر بوصفه طائراً يكشف اللثام عن صورة مختلفة تماماً، وهي الصورة التي تحكي عن الحالة الأرنبية.

يبدو أن هذه الحالة الحديثة جعلت الفرد المتديِّن العقلاني يرى نفسه في وضع حرج، ويأخذ العالم من زاويته شكلاً مبهماً وذو حدّين، فلا هو على شكل طائر تماماً، ولا هو على شكل أرنب تماماً، فهو طائري من جهة، وأرنبي من جهة أخرى. فما كان في السابق يتراءى طائراً بوضوحٍ بدأ يفقد وضوحه بعد ظهور الحالة الأرنبية، وأخذ ظلّ الأرنب يحجب صورة الطائر.

عندما ينظر الإنسان الحديث إلى سماء المعاني يجد نفسه وجهاً لوجه أمام غياب الحضور. بَيْد أنه يمكن تفسير تجربة «فقدان الحضور» هذه على ثلاثة معان:

طبقاً للرؤية الإلحادية فإن فقدان تجربة حضور الله تحكي عن عدم وجود الله. وفي الحقيقة فإن «الفقدان» هنا يعني «العدم». ففي العالم الذي يفقد الله تكون تجربة عدم حضوره أمراً طبيعياً تماماً، ومتوقَّعاً.

وطبقاً للرؤية العرفانية السابقة على الحداثة يكون فقدان تجربة حضور الله ناشئاً في الغالب عن غياب الإنسان، وإلاّ فإن الله حاضرٌ، ولكنّ الإنسان هو المحتجب، فلا يمكنه النظر إلى الله من الزاوية التي حشر نفسه ضمن إطارها.

وطبقاً لرؤية الإنسان المتدين الحديث فإن فقدان تجربة حضور الله ينشأ في الغالب عن خفاء الله. وإن هذا الخفاء ينشأ بشكلٍ خاص عن الظلال التي يلقيها التصوير الحديث عن الإنسان والعالم على التصوير الديني للعالم.

ومن المهمّ هنا لفت الانتباه إلى الاختلاف بين نوعين من «الاختفاء»؛ ففي المعنى الأول يكون «الاختفاء» بمعنى «العدم»؛ وفي المعنى الثاني يكون الاختفاء بمعنى «الغيبة». ولتوضيح هذا الاختلاف يمكن لنا الاستعانة بهذا المثال: لنفترض أنك كنت تبحث عن غرفة لاستئجارها، فراجعت سمساراً بهذا الشأن، وأخذك هذا السمسار إلى غرفةٍ في عمارة يملكها، ثم فتح لك باب تلك الغرفة؛ لكي تلقي نظرة عليها، وعندها ستشاهد غرفة خالية لا وجود لشخصٍ فيها. وهنا يكون معنى «اختفاء» الشخص فيها هو المعنى الأول من التجربة الذي هو «العدم»، وأما إذا كان لديك بيتٌ وقد خصَّصت فيه غرفةً لولدك الذي كان يسكنها قبل أن يغادر البيت؛ لإكمال دراسته في بلد أجنبي، إنك عندما تفتح هذه الغرفة لن تجد فيها ولدك، ولا يكون هناك من أحد فيها، بَيْد أن تجربتك العاطفية تجاه هذه الغرفة الخالية تختلف تمام الاختلاف عن تلك الغرفة التي كنت تروم استئجارها. فتلك الغرفة الخالية هي مجرّد غرفة خالية، في حين أن هذه الغرفة تعبِّر لك عن ذلك المسافر الأثير على قلبك، والذي كان يشغلها، وأنت الآن تنتظر عودته بفارغ الصبر، فيكون عدم وجود ولدك في هذه الغرفة يعني «الغيبة». إن الاختلاف بين الخفاء بمعنى «العدم» والخفاء بمعنى «الغيبة» يعود بجذوره إلى التاريخ الكامن وراء تلك التجربة. من هنا يمكن إدراك أن تجربة العارف لفقدان حضور الله تختلف عن تجربة الملحد. فبالنسبة إلى الملحد تكون تجربة «فقدان الحضور» بمثابة تجربة «العدم»، في حين أنها بالنسبة إلى العارف (بما في ذلك العارف الذي يعيش في العالم الحديث) بمثابة تجربة «الغيبة».

من هنا يبدو أن التحوّل الجذري في نوع رؤية الإنسان الحديث إلى الإنسان والعالم من الناحية المعنوية قد أوجد حالةً يمكن التعبير عنها بـ «كسوف الله»، بمعنى الحالة التي دخل فيها وضوح الله في المحاق. وعلى الرغم من أن إنسان ما قبل الحداثة في الكثير من أوضاعه كان يعيش حالة «الغيبة»، إلاّ أن تجربة الغيبة بالنسبة إلى الإنسان الحديث قد اتَّخذت أبعاداً أكثر عمقاً، حيث أخذ الإنسان لا يعيش حالة الغيبة فحَسْب، بل أخذ يرى نفسه وكأنّه يعيش في «عصر الغيبة».

بَيْد أن التأكيد على هذا الاختلافات الهامّة يجب أن لا يمنعنا من الالتفات إلى أوجه الشبه الهامة بين التجارب الإيمانية في جميع هذه الحالات. فإن التجربة الإيمانية للإنسان الحديث تشبه الإيمان الإبراهيمي في أنها نوع من التجربة الحماسية والعاطفية. ولكنْ كيف يمكن إبداء الحبّ تجاه المحبوب الغائب؟

طبقاً لتعاليم الأديان التوحيدية يكون الله غائباً في حضوره، وحاضراً في غيبته، بمعنى أن الإنسان عندما يعيش تجربة حضور الله، عليه أن يدرك جيداً أن محتوى هذه التجربة قاصر عن إدراك ذات الله. فعلى العارف الذي يخوض مثل هذه التجربة أن لا يعتبر مضمون تجربته عن الله مساوقاً لحقيقة ذات الله. ومن ناحية أخرى يمكن لتجربة غيبة الله أن تكون مصدراً لمعرفة خاصة لله لا يمكن التوصُّل إليها من الطرق الأخرى؛ فإن الله يتجلّى للإنسان من ألف طريق، وإنّ «الغيبة» مجرّد طريق واحدة من تلك الطرق. وإن الله لا يتَّحد مع أيّ واحد من تلك الوجوه، لا في تجلّيه في تجربة الحضور، ولا في تجلّيه في تجربة الغيبة.

إذا كان الله يتجلّى في غيبته أيضاً تعيّن على الإنسان في هذه الحالة أن يعيش تجربة الله في «غيبته». والمسألة الهامّة في البَيْن هي أن «تجلّي الغيبة» طريق خاص إلى معرفة الله، ولربما كانت المعرفة التي يحصل عليها الفرد لا يمكن له الحصول عليها من أيّ طريق آخر، ولن يكون بالإمكان الحصول عليها حتّى من طريق «تجلّيه في حضوره». ولنوضّح هذا المعنى من خلال المثال التالي: إن جانباً من معرفتنا عن الشمس يحصل من خلال رؤيتنا المباشرة لها، إلاّ أن هذه الرؤية المباشرة للشمس ليست هي الطريق الوحيد لمعرفة الشمس. ومن باب المثال: عندما يحلّ الليل وتخرج الشمس عن سماء تجربتنا المباشرة سنواجه عالماً خالياً من الشمس، ويمكن لمعرفة العالم الخالي من الشمس أن يرسِّخ من إدراكنا للشقّ البديل، أي العالم الذي يحتوي على الشمس. كما أن تجربة كسوف الشمس تعتبر من أهمّ الطرق التي حصل الإنسان بسببها على معلومات دقيقة قيِّمة وفريدة أحياناً حول الشمس.

ولنذكر مثالاً آخر: أحياناً يكون محبوبك إلى جوارك، وأنت تعيش معه جنباً إلى جنب، وهنا يكون الجزء الهامّ من معرفتك عنه ناشئة عن معاشرتك ومجالستك المتواصلة له. ولكنْ لو قُدِّر لهذا المحبوب أن يسافر ويغيب عنك وعن عالمك لفترةٍ من الزمن فإن إدراكك لحضوره والدور الذي يلعبه في حياتك مختلفٌ تمام الاختلاف. إن الأثر الذي سيتركه في قلبك وفي حياتك وعالمك سيجلي أبعاده وعمق حضوره في حياتك، وسوف تحصل من خلال ذلك على حقائق بشأنه لم تكن واضحةً من قبل. وعلى هذا القياس الإنسان المعاصر، حيث يتمكّن من إدراك وجود الله، ولكنْ في غيبته، وفي معاني الحياة العميقة، وفي الاضطراب الناشئ عن التخلّي، وفي شعور المرء بعدم توفّر الملاذ في مواجهة الشرور التي تسوق كلّ لحظة من لحظات وجوده نحو التلاشي والانهيار.

ويرشدنا العارف إلى أن العشق إنما هو وليد المعرفة. وإن الإيمان الإبراهيمي المفعَم بالعشق نتاج معرفة الحضور، بَيْد أن إيمان المرء المعاصر إنما هو نتيجة المعرفة الغيبية. إن الإنسان المعاصر يجد الله في غيبته. إن إيمانه عشقٌ، ولكنّه هذه المرّة عشق تجاه المعشوق الغائب.

 

الهوامش

(*) باحثٌ وكاتب متخصِّص في مجال فلسفة الدين وعلم المعرفة. يُعرف بهذا الاسم، واسمه الحقيقي آرش نراقي.

([1]) سفر الوجود، الباب الثاني والعشرون.

([2]) الصافات: 107 ـ 100.

([3]) المثنوي، الكتاب الأول، البيت رقم: 1743 فما بعد.

([4]) المصدر السابق، الكتاب السادس، البيت رقم: 2311.

([5]) المصدر السابق، الكتاب الأول، البيت رقم: 1409.

([6]) انظر: هود: 69 وما بعدها.

([7]) انظر: البقرة: 260.

([8]) انظر: المثنوي، الكتاب الثاني، البيت رقم: 2218 فما بعد.

([9]) انظر: المثنوي، الكتاب الأول، البيت رقم: 34.

([10]) انظر، المثنوي، الكتاب الثاني، البيت رقم: 71؛ الكتاب الأول، البيت رقم: 3465 فما بعد.

([11]) انظر: المثنوي، الكتاب الأول، البيت رقم: 3473 فما بعد.

([12]) انظر: المثنوي، البيت رقم: 1532 فما بعد.

([13]) انظر: المثنوي، الكتاب الأول، البيت رقم: 112 فما بعد.

([14]) انظر: المثنوي، الكتاب الثالث، البيت رقم: 2764 فما بعد.

([15]) انظر: المثنوي، الكتاب الخامس، البيت رقم: 727 فما بعد.

([16]) انظر: المثنوي، الكتاب السادس، البيت رقم: 700 فما بعد.

([17]) انظر: المثنوي، الكتاب الثاني، البيت رقم: 92 فما بعد.

([18]) انظر: المثنوي، الكتاب الرابع، البيت رقم: 2972.

([19]) انظر: المثنوي، الكتاب الثالث، البيت رقم: 4724 فما بعد.

([20]) انظر: المثنوي، الكتاب السادس، البيت رقم: 291.

([21]) انظر: المثنوي، الكتاب السادس، البيت رقم: 1204.

([22]) انظر: المثنوي، الكتاب الثاني، البيت رقم: 823 فما بعد.

([23]) انظر: المثنوي، الكتاب الثالث، البيت رقم: 39 فما بعد.

([24]) انظر: المثنوي، الكتاب الثالث، البيت رقم: 2828 فما بعد.

([25]) العهد القديم (التوراة)، سفر الوجود، الباب الأول.

([26]) انظر: المثنوي، الكتاب الثالث، البيت رقم: 53 فما بعد.

([27]) انظر: المثنوي، الكتاب الثالث، البيت رقم: 1269 فما بعد.

([28]) نظرية تقول بأن لا وجود لشيءٍ غير الأنا.

([29]) نسبة إلى الصوفي المقتول منصور الحلاج.

([30]) انظر: المثنوي، الكتاب الثاني، البيت رقم: 306؛ والكتاب الخامس، البيت رقم: 2035 ـ 2036.

([31]) انظر: المثنوي، الكتاب الأول، البيت رقم: 205.

([32]) انظر: المثنوي، الكتاب السادس، البيت رقم: 811 فما بعد.

([33]) انظر: المثنوي، الكتاب الأول، البيت رقم: 1409.

([34]) انظر: المثنوي، الكتاب السادس، البيت رقم: 654.

([35]) انظر: المثنوي، الكتاب السادس، البيت رقم: 827.