الاتجاهات الكلامية في التفسير الموضوعي

21 فبراير 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
420 زيارة

الاتجاهات الكلامية في التفسير الموضوعي

مطالعةٌ وتحليل

 

د. علي النصيري(*)

ترجمة: نظيرة غلاب

 

شرح مفهوم التفسير الموضوعي ــــــ

تنقسم الأبحاث والدراسات القرآنية إلى نوعين: خارجية؛ وداخلية. ويطلق على الدراسات الخارجية ما اصطلح عليه بـ (علوم القرآن)([1]). وأما الدراسات والأبحاث الداخلية فهي بدورها على نوعين: نوع يصطلح عليه بـ (التفسير الترتيبي)؛ وآخر بـ (التفسير الموضوعي).

إن التفاسير التي كتبت إلى يومنا هذا أغلبها من نوع التفسير الترتيبي. وبعبارة أخرى: هي من قسم الأبحاث الداخلية والترتيبية للقرآن الكريم، مراعية في ذلك الترتيب الحالي للسور والآيات، وقد تكون وبشكل محدود وفق ترتيب النزول. لكنّ الأبحاث والدراسات الداخلية للقرآن فهي، بصرف النظر عن ترتيب الآيات والسور، تقوم وفق موضوع قرآنيّ خاص، وهي الدراسات التي يصطلح عليها بـ (التفسير الموضوعي)، أو ما بات يعرف بـ (المعارف القرآنية).

بعد أن قسَّم السيد محمد باقر الحكيم التفسير إلى: ترتيبي؛ وموضوعي، قال في تعريفه للموضوعي: في هذا التفسير يحاول المفسِّر استكشاف النظرية القرآنية في جميع المجالات العقدية والفكرية والثقافية والتشريعية والسلوكية من خلال عرضها في مواضيعها المختلفة من القرآن الكريم، حيث يستعرض جميع الآيات الخاصة بموضوعٍ ما، ومن خلال هذا العرض العامّ، والمقارنة بين الآيات وحدودها، يستكشف النظرية أو وجهة نظر القرآن في ذات الموضوع([2]).

وبعد أن قسم الشيخ ناصر مكارم الشيرازي طرق التفسير إلى: تفسير مفردات القرآن، التفسير الترتيبي، التفسير الموضوعي، التفسير الارتباطي، والتفسير الكلي أو النظرة العالمية للقرآن([3])، قال بخصوص التفسير الموضوعي: إنه التفسير الذي يقوم بجمع مختلف الآيات القرآنية الواردة في الموضوع الواحد، ووضعها إلى جانب بعضها البعض، ومن ثم قراءتها في حدود موضوعها، والخروج بنظرة موحَّدة حول نفس الموضوع. مثلاً: الآيات الواردة في موضوع الأدلّة على معرفة الله سبحانه وتعالى، كالفطرة، برهان النظم، برهان الوجوب والإمكان، وسائر البراهين القرآنية الأخرى، يتمّ استخراجها من القرآن الكريم، وضمّها إلى بعضها البعض، وفقاً لمبدأ «القرآن يفسِّر بعضه بعضاً»، فيتمّ من خلال قراءتها جميعاً في إطار وحدويّ، مع التسلط على جميع أبعاد الموضوع، الخروج بنظرية قرآنية في ذات الموضوع([4]).

أمّا الشيخ جوادي الآملي فقد أكَّد أنّ التفسير الموضوعي قام على التفسير الترتيبي([5])، ثمّ انبرى لتعريف التفسير الموضوعي، وقال بأنه نوعٌ من التفسير، يقوم المفسِّر فيه بتجميع مختلف الآيات القرآنية الواردة في موضوعٍ واحد، ويضمّها بعضها إلى البعض، بحيث تضمّ مختلف أبعاد الموضوع، وفي مرحلة ثانية يقوم بتجميع الأحاديث والروايات الواردة في نفس الموضوع، ويضمّها إلى بعضها البعض، وفي مرحلة ثالثة يقوم بضمّ الآيات والروايات بعضها إلى بعض، ليخرج من خلال هذا الجمع الثلاثي المراحل بنظريّة شاملة لمختلف أبعاد وأجزاء الموضوع، وذلك بعنوان (نظرية الإسلام، القرآن والعترة الطاهرة)([6]).

وقد عرف الشيخ هادي معرفت التفسير الموضوعي قائلاً: إنه منذ التاريخ الأول للتفسير كان التفسير الترتيبي هو المنهج التقليدي والمعتاد في التفسير، وظهر إلى جانبه أسلوبٌ آخر، لم يأخذ جميع القرآن بالدرس والتفسير، وإنّما اتَّجه إلى تفسير بعض الآيات ذات الموضوع الواحد، وبمعنى آخر: فإنّ هذا التفسير اهتمّ بمواضيع القرآن، حيث جمعها، وبوَّبها وفق موضوعاتها. وقد اصطُلح عليه بالتفسير الموضوعي. وإلى جانب عموم المسائل الدينية اهتمّ هذا التفسير بالقرآن من بُعدين اثنين: بُعد المعارف والأحكام، وبُعد المسائل الاجتماعية والسياسية والأخلاقية في جانبها النظري والعملي، ولم يكن يتوجه إلى القرآن من منظاره اللفظي. وفي الحقيقة فإن التفسير الموضوعي يهتمّ بإيصال رأي القرآن وتبيين رسالته في مواضيع مختلفة، ولا علاقة له بالجانب الفني المتعلق باللفظ أو بالمفردات في جانبها البلاغي والفني و… إلاّ بالقدر الذي يكون لها دخل في تفسير الموضوع أو الكشف عن بعض جوانبه كموضوع، وليس كلفظ مستقلّ في معناه، وفي صورته الفنية([7]). فالشيخ معرفت كان ينظر إلى التفسير الموضوعي بأنه تفسير بلحاظ نظرية القرآن ورسالته في شتى المواضيع. وقد تعدَّدت اليوم الكتابات في هذا النوع من التفسير، وفق ما يفرضه العصر من مستحدثات ومستجدّات. وأما الكتب التي اهتمَّت بالجانب الأدبي في القرآن أو بعض المباحث الفنية والعلمية، كالمحكم والمتشابه، فإنّها خارجة موضوعاً عن دائرة التفسير الموضوعي([8]).

وفي الحقيقة فإن الشيخ معرفت يرى للتفسير الموضوعي تعريفين، وفق الاصطلاح القديم والاصطلاح الجديد. ففي الاصطلاح القديم كان الجانب الأدبي والفني جزءاً من التفسير الموضوعي، ويدخل ضمن اختصاصاته وموضوعاته.

وذهب الأستاذ مصباح اليزدي هو الآخر إلى القول بأن التفسير الموضوعي هو تجميع الآيات القرآنية وفق مواضيعها، واستخراج المفاهيم القرآنية التي تنتج عن الرابط بين الآيات ذات الموضوع الواحد([9]).

وبعد أن بيَّن أمين الخولي محدودية التفسير الترتيبي قال بأن التفسير الموضوعي ينظر فيه المفسِّر إلى القرآن بلحاظ مواضيعه، بحيث يقوم بتجميع مختلف الآيات الصادرة في الموضوع الواحد، وينظر إليها في مجموعها، ومن حيث وحدة موضوعها، ويقوم بدراسة الآيات، مراعياً الترتيب الزماني والمناسبة والشروط الخاصة بكلّ واحدة منها، ومن ثم الخروج بنظرة شمولية لموضوع تلك الآيات، مستوعبة للموضوع من جميع أبعاده وجوانبه([10]).

واستلهم محمد حسين الصغير من التعريف الذي قدَّمه أمين الخولي للتفسير الموضوعي([11]) أنّه حسب هذا الرأي يكون عبارة عن قيام مجموعة من المتخصِّصين، كلٌّ حسب تخصُّصه، بدراسة قسم من القرآن، فيجمعون الآيات المختصّة بأحد المواضيع، ومن ثم دراستها، وتجميع جميع عناصرها، بحيث يكون كاملاً في جميع جوانبه، وبعد ذلك يقومون بتفسير تلك الآيات وفق مبناهم ومنهجهم في التفسير. ولتقريب الصورة أكثر إلى الأذهان نقول: يقوم المتخصِّص في الأحكام بتجميع آيات الأحكام الواردة في الموضوع، فالمتخصص في العقائد يجمع الآيات العقائدية، وصاحب الفنّ القصصي يقوم بتمييز الآيات التي إنّما أتت لضرب المثل أو للتشبيه، حتى يتضح المعنى والمفهوم المراد من وراء تلك التشبيهات أو الأمثال، وهكذا يتناول كلُّ واحد ما يهتم به من علم أو فنّ، فيكون الموضوع قد جمعت آياته، ودرست بشكل يحفظ لها شموليتها وترابطها الموضوعي والمفاهيمي([12]). وعلى هذا الأساس وجدناه يعدّ كلاًّ من: (الفنّ القصصي في القرآن)، لمحمد خلف الله؛ و(الصور الفنية في المَثَل القرآني)، ضمن التفسير الموضوعي([13]).

بعد أن فصَّل محمد حسين الذهبي الحديث في الاتجاهات المختلفة في التفسير عرّف التفسير الموضوعي بقوله: إنّ بعض العلماء يقومون بتحديد دائرة تفاسيرهم، حيث يحصرونها في بعض الآيات المرتبطة بموضوع من المواضيع. وعلى سبيل المثال: من مؤلَّفات ابن القيِّم كتابه «التبيان في أقسام القرآن»، والذي خصّه بدراسة القَسَم القرآني. كذلك نجد لأبي عبيدة كتاب خاصّ بالمجاز في القرآن، وللراغب الأصفهاني كتاب في مفردات القرآن، و… كما نجد للعديد من العلماء كتباً في واحد من مواضيع القرآن، حيث جمعوا فيه كل الآيات المرتبطة بذلك الموضوع، وقاموا بتفسيرها وتبيين مفاهيمها([14]). ورغم أنّ الذهبي لم يقُمْ بإعطاء تعريف للتفسير الموضوعي في حدود قواعد التعريف، ولكنه بيَّن وسائله، فقال: إن هذا النوع من التفسير يتمّ من خلال انتخاب أحد المواضيع، ومن ثم تجميع الآيات الواردة فيه من جميع القرآن، وبالتالي القيام بدراستها وتحليل مفاهيمها، وهي العناصر الثلاثة الأصلية التي يقوم عليها التفسير الموضوعي من وجهة نظره، وبالتالي تكون نفسها الخطوط الرئيسة في تعريفه وتحديد مجال عمله وتعامله مع الآيات القرآنية.

وجاء في دائرة معارف العالم الإسلامي: «إن المقصود بالتفسير الموضوعي أن المفسِّر يقوم بتفسير آيات القرآن على أساس موضوعي، حيث يقوم بتجميع الآيات الواردة في الموضوع المنتخب، بحيث يتناول احتياجات المجتمع الإسلامي، ويعالج بالضرورة الإشكالات المعاصرة. ومن خلال ملاحظتها في مجموعها، ودراستها، وبالاستعانة بتفاسير القدماء، وما جادت به قريحتهم من معارف، يتمّ استخراج نظرية القرآن في الموضوع، وتحدّد آراؤه، آخذاً بعين الاعتبار كل مناحي الموضوع وأبعاده»([15]). «نعم البعض سعى إلى توسيع دائرة اختصاص التفسير الموضوعي، وبذلك جعل عمره يمتدّ في القدم أكثر فأكثر. وحسب نظر هذا الاتجاه كلُّ مَنْ تعرَّض لموضوع من مواضيع القرآن فإنّه يدرج ضمن التفسير الموضوعي، وكذلك يحسب عليه منهج تفسير القرآن بالقرآن»([16]).

 

ملاحظات حول التعاريف المقترحة للتفسير الموضوعي ــــــ

تشترك جميع التعاريف المقترحة للتفسير الموضوعي في نقطتين:

أولاً: تضع التفسير الموضوعي في مقابل التفسير الترتيبي، مع التركيز على قيامه بتفسير أحد مواضيع القرآن، واستخراج جميع الآيات المرتبطة به، وتبويبها بلحاظ التقدُّم والتأخُّر وغيرها من اللحظات، ومن ثم استخراج نظر القرآن في الموضوع.

ثانياً: إنه في عموم التعاريف تمّ التأكيد على أن الهدف من التفسير الموضوعي استخراج رسالة القرآن ونظره في الموضوع.

وبناءً على التعريف الأخير، الذي يرى أنّ التفسير الموضوعي يعمل على اكتشاف رسالة القرآن وآرائه في موضوع من المواضيع، يرى الشيخ معرفت أنّ هذا التفسير أولاً: لا ينظر إلى الآيات في جنبها اللفظي والعلمي والفني، وثانياً: إن التفاسير التي تهتمّ بهذه الجوانب خارجةٌ موضوعاً من دائرة التفسير الموضوعي.

لكنّ هذا المدَّعى قابل للنقاش من ثلاثة وجوه:

أولاً: إن كلاًّ من التعاريف القديمة والحديثة للتفسير الموضوعي لا تمكِّننا بسهولة من تحديد تعريف جامع مانع لهذا النوع من التفسير، بل على العكس؛ إذ نظراً للتشابه، بل تساوي التعاريف، من الصعب استخراج نوع من تلك التفاسير من دائرة التفسير الموضوعي. فاليوم مثلاً إذا عمل أحدٌ من المفسِّرين على الكتابة في موضوع مثل «المجاز في القرآن»، «العام والخاص في القرآن»، على نحو منهج التفسير الموضوعي كذلك يشمله إطلاق التفسير الموضوعي.

ثانياً: لا دليل على أن هدف التفسير الموضوعي ينحصر في الكشف عن رسالة القرآن ودستوره في مواضيع مختلفة، وهو الأمر الذي يركِّز على بيان الكيفية والقيمة، والتي أكثر ما ترتكز على جانب ما يجب فعله ولا ينبغي تركه. لكنْ نستطيع القول: إن هدف القرآن هو بيان النظرية القرآنية، وهو بالطبع جزء من قيمة الرسالة القرآنية، ويكشف عن جزء من معياريّتها. من هنا فمباحث مثل المحكم والمتشابه تكون جزءاً من التفسير الموضوعي.

ثالثاً: رغم أنه في التفسير الموضوعي قليلاً ما تبحث الجوانب الأدبية والفنية للآيات، إلاّ أنّه ـ وكما سنبيِّن في محله ـ فإن من مراحل التفسير الموضوعي دراسة مباني وقواعد التفسير الأحادي للآيات، وهي تشمل مبدئياً مباحث في الجانب الأدبي والفنّي لكلّ آية على حدة؛ وذلك لأن الأبحاث اللغوية، مثل: الصرف، النحو، المعنى، البيان والبديع، مؤثِّرة في إدراك المعنى الكامل لكل آية. ومن جهة أخرى لا يجب إدخال كتب غريب القرآن، والتي تهتم بالبحث في كلمات ومفردات القرآن، نظير: كتاب مفردات الراغب، وكذا الكتب التي اهتمت بالمباحث الأدبية في القرآن، نظير كتاب «إملاء ما مَنَّ به الرحمن»، ضمن كتب ومناهج التفسير. والأصحّ اعتبارها كتباً ذات توجُّه قرآني، حيث إنها اشتملت على مقدّمات وتفاصيل أساسية في التفسير، والمفسِّر في عملية تفسيره للقرآن يحتاج إلى استظهار الجانب الأدبي لمفردات القرآن، كما يحتاج إلى المفاهيم الحاصلة من البحث في كلمات ومفردات القرآن. وقد تمّ اعتبار بعض تلك الكتب ضمن منهج أو اتّجاه في التفسير([17]).

وانطلاقاً من التعريف الذي أعطاه للتفسير الموضوعي، حيث ذكر أنه بعد تجميع الآيات وترتيبها يأتي دور تجميع الروايات وترتيبها وفق معطيات الموضوع، يرى الشيخ جوادي الآملي للروايات مدخليّة في التفسير الموضوعي، وواحدة من مراحله. لكنّ التفسير الموضوعي إنّما يتعلَّق بالقرآن، ويهدف إلى الكشف عن نظرية القرآن، وبشكل موضوعي رأيه في موضوع من المواضيع، وهو على عكس فقه الحديث الذي إذا اعتمد فيه تجميع الروايات وترتيبها فإنّما يكون ذلك؛ لأن الغرض كشف نظرية السنّة ورأيها في ذلك الموضوع.

نعم، الرجوع إلى الروايات بلحاظ كونها أهمّ قرينة في فهم وتفسير الآيات ضمن جميع مراحل التفسير الموضوعي مسألة غير قابلة للنقاش. لكن أن تكون هناك مرحلة تجمع فيها الروايات وترتَّب فيها على أنها مرحلة من مراحل التفسير الموضوعي فهذا عملٌ إنما يتمّ في فقه الحديث، ولا علاقة له بالتفسير الموضوعي، رغم أن للروايات مدخلية في هذا النوع من التفسير في جميع مراحل التفسير، أعمّ من البحث في مفاهيم مفردات الآيات، المباحث الأدبية وفي النحو، أسباب النزول، سواء تعلَّق الأمر بنزول الآيات أو صدور الروايات و…، فإن للروايات دورٌ مهمّ يفرض نفسه انطلاقاً من علاقة الروايات بالقرآن.

في ما يخصّ تعريف أمين الخولي تمّ التأكيد على نقطتين:

1ـ في التفسير الموضوعي يشترط الاستقصاء والبحث في جميع الآيات المتعلقة بالموضوع، وإغفال بعض الآيات سيوجد قصوراً في عملية التفسير.

2ـ إن دور الترتيب الزماني لنزول الآيات، وشأن النزول، وكذا النظر إلى الشروط الخاصّة بكلّ آية، يدلّ على أنّ التفسير الموضوعي لا يستبعد التفسير الترتيبي كلياً، بل يستفيد منه في الحصول على معنى متكامل للآيات. ومن ثم بالموضوع القرآني.

أما ما استنتجه الدكتور الصغير من كلام أمين الخولي فرغم صعوبة الاستناد إليه إلاّ أنه مقبول في محلّه. لبّ كلام الخولي أن القرآن يشتمل على العديد من العلوم والمعارف؛ وذلك لأن القرآن جاء ليجيب بدون حصر على كلّ ما يطرح من أسئلة في ميادين ومواضيع مختلفة ومتعددة، هذا من جهة؛ ومن جهة ثانية فإن تفسير القرآن بهذا اللحاظ لا يمكن أن يقتصر على واحد من المفسِّرين بعينه، بل لا بدّ وأن يتعرَّض له المفسِّرون من اتجاهات واختصاصات علمية مختلفة، وكلٌّ حسب اختصاصه.

تلتقي دائرة معارف العالم الإسلامي مع الشيخ معرفت في القول بأن احتياجات العصر وإشكالات اليوم ملحوظة في تعريف التفسير الموضوعي، ونقدهما لمقولة اتساع دائرة مفهوم التفسير الموضوعي لتشمل كلّ ما كتب حول موضوع من المواضيع القرآنية، وكذا تفسير القرآن بالقرآن؛ حيث اعتبر الشيخ معرفت أن الكتابة في أحد مواضيع القرآن (المجاز في القرآن و…) ممّا يلاحظ في دراسات المتقدِّمين إنّما هي مجرد مرحلة من المراحل المتقدّمة في التفسير الموضوعي، وليست هي عينها تفسيراً موضوعياً.

وعطفاً على ما قدَّمناه من تعاريف مختلفة للتفسير الموضوعي نرى أنّ التعريف الأكثر جامعيّة هو القول بأن التفسير الموضوعي عبارة عن فهم وتبيان نظرية القرآن في مواضيع وميادين مختلفة بالاعتماد المباشر على ما يطرح من تساؤلات واستفسارات خارج إطار القرآن، من خلال تجميع الآيات القرآنية، واستخراجها جميعاً بدون استثناء، وترتيبها وفق خصوصياتها الذاتية والموضوعية، واستنطاقها في كلّيتها.

وكما يلاحظ فإنّ هذا التعريف قد رعى أربع نقاط رئيسة:

1ـ إن التفسير الموضوعي يماثل التفسير الترتيبي من حيث كونه مبتنياً على مرحلتين: مرحلة الفهم؛ ومرحلة التبيين. فالمفسِّر يجب أن يفهم المعنى الصحيح للآيات، ومن ثم يعمل على نقل هذا المعنى إلى القارئ، وهو ما يسمّى بمرحلة التبيين.

2ـ عبارة نظرية القرآن في مواضيع وميادين مختلفة تشمل مسألتين:

الأولى: بيان تعاليم الرؤية الوجودية، وفي نفس الآن إظهار قيمة هذه النظرية أو ما يصطلح عليه بالحكمة النظرية والعلمية، ولا يختصّ، كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، بإظهار قيمة الرسالة القرآنية.

الثانية: إن مباحث، نظير: المرأة، الحكمة، الحياة في البرزخ، الجنّة والنّار، تبحث ضمن قسم من المواضيع القرآنية، من قبيل: الأخلاق، العلم، التاريخ، وضمن مواضيع قرآنية أخرى تحت عنوانين مختلفة.

3ـ عبارة «بالاعتماد المباشر على ما يطرح من تساؤلات واستفسارات خارج إطار القرآن» ناظرةٌ إلى دور هذه الاستفسارات والإشكالات في ترتيب المواضيع ذات الأولوية في البحث. كما أنها تهدينا إلى مواضيع بعينها، وأخرى جديدة ستعمل من خلال البحث والتفسير على إضافة عنصر علمي جديد يغني المجتمع البشري من جهة؛ ويفتح أمامه آفاقاً جديدة يستطيع من خلاله الإجابة عن بعض التحدّيات والإشكالات المطروحة، أو المحتمل طرحها مستقبلاً.

4ـ إدراج عبارة «استخراج الآيات، وترتيبها، ومن ثمّ الخروج عن طريق الدراسة والبحث إلى نتيجة ونظرية القرآن في مواضيع مختلفة» تفصح عن المراحل المتَّبعة في التفسير الموضوعي، ومراتب البحث فيه. هذه المراحل إنْ تمَّ مراعاتها بإتقان فإنّ الوصول إلى نظرية قرآنية كاملة وتامّة سيكون بنسبة عالية.

 

مناهج التفسير الموضوعي ــــــ

الرأي العام مشترك في القول بأن التفسير الموضوعي على منهجين:

المنهج الأول: المفسِّر يتوجَّه إلى القرآن من دون إعمال النظر في الفرضيات وملاحظة الإشكالات وما يطرح من مباحث واستفسارات، فيستخرج الآيات في موضوع معيَّن لتقرير موقف القرآن في قضية من القضايا.

المنهج الثاني: إنّ المفسِّر ينظر إلى ما يطرح من استفسارات وإشكالات، ينظر إلى الواقع الخارجي، يتزوَّد من حصيلة ما وصلت إليه التجربة البشرية، وذلك وفق ما يطرح في عرصات العلم المختلفة خارج القرآن، فيطرح الموضوع، ويقوم بدراسته دراسة موضوعية، وتقييمه، ليخرج بنظرية قرآنية حول موضوع من المواضيع، وتحكيم القرآن واستنطاقه فيها.

والظاهر أنّ أوّل مَنْ طرح هذين المنهجين كان السيد محمد باقر الصدر، الذي بيَّن أنها مبانٍ في التفسير الموضوعي تحظى بالقبول في أوساط المفسِّرين والعاملين في حقل التفسير الموضوعي.

ويرى الشهيد الصدر قابلية إجراء الدراسات والأبحاث الموضوعية في القرآن وفق أسلوبين:

الأول: أنّ المفسِّر يأخذ أحد المواضيع من الواقع خارج ظرف القرآن، ويعرضها عليه، يريد استقصاء وتحديد النظرية الإسلامية بشأن موضوع من المواضيع المرتبطة بروح العصر وهمومه وإشكالاته. ويستعين المفسِّر بثقافته ومبانيه ليحدِّد الموقف من الموضوع، سواء في جوانبه العقائدية أو الاجتماعية وغيرها. بعد ذلك يعمد إلى تجميع ما وصلت إليه التجربة البشرية في الموضوع، وما طرحته من حلول، أو ما تطرحه من استفهامات وإشكالات، ومن ثمّ يعمد إلى إجراء مقارنة تاريخية بين ما عرض من إشكالات وما طرح من حلول طيلة فترة تاريخية معينة، بعد ذلك ينتقل إلى النص القرآني يريد أجوبة وضمانات على كلّ التساؤلات. وهو في هذه المرتبة يطرح الأسئلة ويبحث في القرآن عن الجواب. هدف المفسِّر في هذه المرحلة استجلاء موقف القرآن والكشف عنه بخصوص موضوع من المواضيع([18]). يرى الشهيد محمد باقر الصدر أن هذا الأسلوب في التفسير الموضوعي يمكن تسميته «المنهج التوحيدي والتطبيقي». واعتباره توحيدياً هو بلحاظ كونه يوحِّد بين التجربة البشرية وبين القرآن، وليس بمعنى أنه يحمل القرآن أو يخضعه للتجربة البشرية، بل بمعنى أنه يوحِّد التجربتين في مسار دراسة وبحث واحد([19]).

الثاني: يختار فيه المفسِّر أحد المواضيع القرآنية، فيستجمع كل الآيات التي تشترك في ذلك الموضوع، ومن ثمّ يقوم بعملية التوحيد بين مدلولاتها، ومن ثمّ يفسِّرها، يريد استخراج نظرية قرآنية شاملة بالنسبة إلى ذلك الموضوع([20]).

وممّا ذكره الشيخ معرفت في تعريفه التفسير الموضوعي قوله: إن هذا النوع من التفسير إنّما ينطلق من المواضيع التي طُرحت في القرآن، حيث يقوم باستخراج الآيات المتعلِّقة بموضوع من المواضيع، يستجمعها، يرتِّبها، ومن ثمّ يبيِّن معانيها، ويفسِّر مدلولاتها([21]).

وقد استلهم الشيخ معرفت من تعريفات الشهيد الصدر أنّ التفسير الموضوعي قابلٌ للإجراء وفق أسلوبين:

الأوّل: انتخاب موضوع خارج القرآن، مع الاستفادة ممّا وصلت إليه التجربة البشرية في مباحثها العلمية وطروحاتها الجديدة، فيعرضها على القرآن، يريد استنطاق القرآن، واستكشاف نظريّته بخصوص ذاك الموضوع.

أما في الأسلوب الثاني، وكما قرَّر ذلك الشهيد الصدر، فإن المفسِّر ينتخب واحداً من مواضيع القرآن، فيجمع الآيات التي تشترك معاً في الدلالة، يرتِّبها، ومن ثمّ يقوم بتفسيرها([22]).

تحدَّث الشيخ ناصر مكارم الشيرازي عن المنهج المتَّبع في التفسير الموضوعي فقال: في التفسير الموضوعي هناك منهجان متبعان من لدن المفسِّرين:

الأوّل: وهو الذي يلجأ إليه بعض المفسِّرين، أنّهم يطرحون في كلامهم وكتاباتهم كثيراً من المواضيع، أعمّ من الموضوعات العقائدية، الأخلاقية، وغيرها، وبعد أن يعرضوا تحليلاتهم الفلسفية والكلامية، أو تحليلات أخلاقية، يلجأون إلى القرآن، فيستخرجون الآيات الواردة أو المرتبطة بتلك المواضيع، يريدون الاستناد إليها كدليلٍ وشاهد.

الثاني: يكون سبك العمل الجاري فيه على هذا المنوال؛ حيث إنّ المفسِّر وقبل كلّ شيء يعمد إلى القرآن، يستخرج، ويجمع جميع الآيات الواردة والمتعلِّقة بموضوع من المواضيع، وقبل أيّ تحليل مسبَق يقوم بترتيب تلك الآيات حسب سلَّم يشخِّصه وفق أسباب النزول، شأن النزول، وأولويات أخرى، ومن ثمّ يقوم بتفسيرها، وبعد تلك العملية يقوم بربط الآيات في موضوعها بعضها بالبعض الآخر، ساعياً إلى استخراج نظر ووصف كلّي، نصطلح عليه بالنظرية القرآنية في موضوع معيَّن([23]).

 

 نقد لتصنيف المناهج المتَّبعة في التفسير الموضوعي ــــــ

هذا التصنيف قابلٌ للنقاش من عدّة لحاظات وجِهات:

1ـ القول بأن التفسير الموضوعي ينطلق من استخراج الآيات القرآنية الواردة في موضوع معين، وتجميعها؛ بغية استكشاف نظرية قرآنية، فسواءٌ انطلق المفسِّر في استخراج الموضوع في المرحلة الأولى من قلب الآيات القرآنية نفسها، أو أنه استخرجه من أبحاثه في التجربة العلمية الجديدة، ومن مباحثه المختلفة في عرصات الفنون والعلوم، وبعد ذلك ذهب يستنطق القرآن؛ يروم بذلك استخراج النظرية في ذلك الموضوع، فكلا الطريقين والأسلوبين لا يختلفان في ماهية التفسير الموضوعي. فالتأكيد في المقام الأول على أصل الاستنطاق، وقاعدة جامعية وخاتمية القرآن يبيِّن البحث عن نظر القرآن في ما يطرح من المباحث الجديدة، وبالتالي يدفع إلى اكتشاف مباحث ومجالات جديدة في مختلف عرصات العلوم الإنسانية و…

وتجدر الإشارة إلى أن القرآن قد يطرح تساؤلات جديدة على مستوى التجربة الإنسانية، وقد يتوصل عن طريق استنطاق واستخراج بعض الآيات إلى الإجابة عن تلك التساؤلات الجديدة، لكنّ الاكتفاء بالبحث في آيتين أو ثلاثة لا يمكن، ولو من باب المسامحة، عدّه تفسيراً موضوعياً؛ لانتفاء شرط تجميع كلّ الآيات القرآنية الواردة في نفس الموضوع أو ذات العلاقة الدلالية به.

واستناداً إلى ما قيل في مناهج التفسير الموضوعي فإن عرض بعض المسائل الجديدة، نظير: العلمانية، أو التعدُّدية، على القرآن، واستخراج جميع الآيات المجيبة عنها، واتّباع أسلوب التفسير الموضوعي في دراستها؛ لاستخراج نظرية القرآن فيها، يصدق عليه بالفعل عنوان التفسير الموضوعي.

2ـ الواضح من كلام الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تعريفه للأسلوب الثاني المتَّبع في التفسير الموضوعي، حيث يبدأ بانتخاب الموضوع من قلب الآيات القرآنية، يجمعها، يرتِّبها، ثم يعمد إلى التجربة البشرية والمفاهيم العلمية يجمع كلّ ما يرتبط منها بموضوعه. هذا المنهج يكون باستحضار السوابق العلمية والمعرفية الشخصية للمفسِّر، ويدخلها في عملية التفسير واستخلاص النظرية. بينما نجد الشيخ مكارم الشيرازي في المنهج الثاني، والذي يكون القرآن هو المصدر الأول في انتخاب الموضوع، وما استخرجه واستجمعه من آيات قرآنية، يشترط عدم تدخُّل شخص المفسِّر في عملية التفسير وتحليل النظرية. ونفس الشيء وجدناه عند الشهيد الصدر، حيث أطلق على هذا المنهج «المنهج التوحيدي التطبيقي»، حيث إنّ المفسِّر فيه يسعى إلى التوحيد بين التعاليم القرآنية وما أنتجته التجربة البشرية، ويطبِّق الآيات عليها، ليستخلص نظرية القرآن فيها.

والظاهر أنّ هذا التحليل قد وقع في الخلط بين مسألة عدد وشكل وأنواع المناهج المتَّبعة في التفسير الموضوعي، وتحديد جوانب الخطأ فيها. فأمّا أن ينطلق طرح الموضوع من خلال التحوُّلات وتطوُّر التجربة العلمية والإنسانية، وعرضها على القرآن، فهذا لا يتنافى وماهية القرآن. وقد يكون استنطاق القرآن بعد أو قبل عرض التساؤلات، وملاحظة ما توصَّل إليه العقل البشري من نظريات، وما طرحه من أفكار. وما يجب الاهتمام به هنا هو أنّ مفسِّر القرآن له الحقّ في الاستعانة بمعارفه ومعلوماته المسبقة في فهم وتفسير الآيات، لكنْ لا يحقّ له ـ وهو في حرم القرآن ـ أن يأخذ معلوماته المسبقة على أساس أنّها حقيقة ثابتة ومسلَّمة، يفرضها على القرآن فرضاً، ويسقطها على القرآن.

فالمفسِّر الذي يأخذ معلوماته المسبقة على دراسة القرآن من إبداعات العقل البشري ونتاجاته الفكرية، ويؤسِّس بها موقفاً علمياً وفكرياً خاصاً، ثم بعد ذلك يعرض قضاياه على القرآن، لا يخلو تعامله مع القرآن من ثلاث حالات:

1ـ أن تكون له الإحاطة الكاملة بمعلوماته، ومتمكِّناً منها من جهة، ومن جهة أخرى هو إنسان له تقوى روحية وإيمان راسخ بمكانة القرآن وسموّ تعاليمه على كل شيء، بحيث إن كل تلك المعلومات والأفكار لا تؤثِّر عليه في تفسيره للآيات القرآنية التي ينطلق منها على أنها وحي لا يأتيه الباطل من بين يديه مطلقاً، يرتوي من معينها ويصيب من رغدها. وهذا السلوك إنما يصدر من فئة قليلة من المفسِّرين.

2ـ في الحدّ الأوسط بعد دراسته للآيات القرآنية في قضية من القضايا ينطلق ليعقد تطبيقاً، بحيث يوازي بين مدلولات الآيات والمعارف البشرية. وهذا ما اصطلح عليه الشهيد الصدر بالأسلوب أو المنهج التطبيقي، وقد عدّ بعض الباحثين تفسير صدر المتألِّهين ضمن هذا النوع([24]).

3ـ تجلّي الافراط، بحيث إنّ المفسِّرين ـ وعددهم ليس بالقليل ـ ينطلقون من أفكارهم المسبقة، ومن التجربة البشرية، وما أنتجته من أفكار، على أنها مسلَّمات مقطوعة اليقين، لا يمكن أن يحصل لهم فيها تردُّد وإعادة النظر. والمفسر في هذه الحالة، وفي مراجعته للقرآن، ومن دون أن يستنطق الآيات استنطاقاً صحيحاً وكاملاً، ومن دون أن يعي تعاليمها وما تحمله من رسالة، يسقط معلوماته المسبقة على القرآن، ويحمل القرآن وزر التجربة البشرية بصالحها وطالحها، ويضع القرآن في مكانة الضعيف الذي يجب أن يقبل كلّ ما لدى القويّ من أفكار ومن نتائج. وما يشكله إسقاط التعاليم البشرية ونتاج التجربة البشرية على القرآن لا يختصّ بالتفسير الموضوعي، بل هو يشمل التفسير الترتيبي، بحيث يستعملون ذلك السلوك في كل آية آية. ومن هنا فإنّ عدّ الآفات التي يخلِّفها هذا المنهج على مستوى فهم وتفسير الآيات على التفسير الموضوعي سلوك غير منطقي ما دام غير مقتصر عليه، ويشمل التفسير الترتيبي بنفس المستوى. ومن ضمن ما قاله الشيخ مكارم الشيرازي أنّ المفسِّر قد لا يأخذ بعين الاعتبار مناهج التفسير الموضوعي ومراحله، وبدون الالتزام بعرض نظريات القرآن، والتي هي الهدف الأصلي للتفسير الموضوعي، ينطلق للبحث في مسائل دينية أعمّ من العقائد والأخلاق، وأثناء البحث أو في ختامه، وبشكلٍ يكاد يكون محتشماً، يمرّ على ذكر الآيات القرآنية، وينعت أسلوبه هذا بالتفسير الموضوعي. وقد لاحظنا انتشار هذه الظاهرة في العديد من الكتب والمؤلَّفات التي نفذت إلى ساحة تفسير القرآن تحت عنوان التفسير الموضوعي، وتم تقبُّلها على أنها كذلك، لكنّ ما يجب قوله: إن الاكتفاء بالاستشهاد بالآيات القرآنية، حتّى مع الابتعاد عن الفرضيات والأحكام المسبقة، وحتى مع وجود نية صحيحة وغرض سالم، لا يسمح بأن نعدّ تلك الأبحاث تفسيراً موضوعياً، أو نَسِمُها باسمه؛ إذ النيّات، سواءٌ كانت حسنة أم سيئة، لا تكفي في مثل هذه الأبحاث؛ وذلك لأن التفسير الموضوعي من حيث موضوعه منهجُه وهدفُه معلومٌ ومميَّز في ساحة المعارف القرآنية، بل ومميَّز عن باقي المعارف الدينية.

موضوع التفسير القرآني هو القرآن من خلال دراسة واحدٍ من مواضيعه بأسلوب وسبك خاصّ. أما منهجه فيكمن في استخراج الآيات القرآنية، تجميعها، ودراستها. أما هدفه فهو الخروج باستنتاج نظرية قرآنية حول موضوع من المواضيع، أو قضية من قضايا هذا الأخير. وهذه العناصر الثلاث: الموضوع، الأسلوب، والهدف، التي تشكِّل ماهية التفسير الموضوعي لا نجدها في باقي الدراسات.

 

سابقة التفسير الموضوعي في القرآن وروايات المعصومين ــــــ

أهمّ طريقة لتعزيز وإظهار مكانة التفسير الموضوعي، ودوره المهمّ في تفسير القرآن، هو ضرورة استخدام الآيات القرآنية في تفسير واستخراج رأي مفصَّل وشامل لآيات أخرى تتجانس مع بعضها من حيث الدلالة والموضوع. الشيء الذي أوجد علاقة وطيدة ومتينة بين التفسير الموضوعي وتفسير القرآن بالقرآن بامتياز. وعلى هذا الأساس يكون أوّل مَنْ أسَّس منهج التفسير الموضوعي هو القرآن نفسه؛ بلحاظ أن الله سبحانه وتعالى تكفَّل ببيان القرآن، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: 17 ـ 19). ومن الأساليب التي استعملت في تبيين القرآن من جانب الحقّ تعالى تبيين وتفسير الآيات بعضها ببعض، وكذلك بإرجاع ارآن و قال سبحانلمتشابه إلى المحكم، وجُعلت الآيات المحكمات أمّ الكتاب لدورها في تفسير وتفصيل المتشابهات، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ…﴾ (آل عمران: 7). فمن أجل الابتعاد عن التأويل الباطل، والذي يدخل ضمناً في مسار التحريف المعنوي، لا بدّ من وضع الآيات المتشابهات جنباً إلى جنب مع الآيات المحكمات. كذلك نتعرف على مكانة ودور التفسير الموضوعي من خلال السيرة القولية والفعلية للنبيّ الأكرم| وأئمة أهل البيت^. فعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب×: «ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض»([25]). فهو× في هذه العبارة يؤكِّد على ضرورة تفسير القرآن بعضه ببعض، وإرجاع بعضه إلى بعض. وعنه في رواية أخرى: «ذلك القرآن فاستنطقوه»([26])، ففي هذه الرواية وقع التأكيد على استنطاق القرآن، وعدم الذهاب بعيداً عنه، فهو نفسه يحمل معاني آياته وتفصيلها. أكثر من هذا نجد النبيّ الأكرم|، وكذا أئمة أهل البيت^، كانوا في الجانب العملي كثيراً ما يقارنون بين الآيات، ويجمعون بينها؛ لأجل الوصول إلى نظرية قرآنية بالنسبة إلى موضوع معين. وكمثال على ذلك: رواية مبسوطة عن النبيّ الأكرم| يخاطب فيها عبد الله بن مسعود، استعمل فيها العديد من الآيات القرآنية، جمع بعضها إلى بعض، يدعوه من خلالها إلى الالتزام بالأخلاق والتخلُّق بأخلاق القرآن([27]). عن عبد الله بن مسعود قال: «دخلتُ أنا وخمسة رهط من أصحابنا يوماً على رسول الله|، وقد أصابتنا مجاعة شديدة، ولم يكن ذقنا منذ أربعة أشهر إلاّ الماء واللبن وورق الشجر، قلنا: يا رسول الله، إلى متى نحن على هذه المجاعة الشديدة؟ النبيّ الأكرم في جوابه على تساؤل ابن مسعود استعمل العديد من الآيات القرآنية التي تدعو إلى التزام العديد من الأخلاق، من جملتها: الصبر، الزهد، والعمل عن علم، وغيرها من الأخلاق الربانية([28]). وقد استعمل النبيّ الأكرم في هذه الوصية العديد من الآيات التي استخرجها من القرآن الكريم؛ ليبين لهم مضامينها الأخلاقية. فمن أجل أن يبين لهم قيمة التخلُّق بالصبر والتحلّي بفضيلته ذكَّرهم بالعديد من الآيات القرآنية التي تحدَّثت عن أجر الصابرين، وما ينتظرهم من ثواب ونعيم. ومن تلك الآيات الشريفة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 14)، ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (الفرقان: 75)، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾ (المؤمنون: 15)، ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ (الدهر: 12)، ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (القصص: 54).

كذلك من الأمثلة التي تبيِّن استفادة الأئمة من التفسير الموضوعي في بيان النظرية القرآنية في موضوع معيَّن ما نقله الشيخ الكليني في الكافي، كتاب العقل والجهل، عن الإمام الكاظم×، في خطابٍ له إلى هشام بن الحكم([29]). فالإمام؛ ولكي يبيِّن ترابط العلم والعقل، والعلاقة الوطيدة بينهما، استشهد بالآيات التالية: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: 143)، ﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44).

 

سابقة التفسير الموضوعي في آثار علمائنا الأوائل ــــــ

إن انشعاب العلوم الإسلامية المختلفة عن علم الحديث، الذي يعتبر أمّ تلك العلوم وأصلها الأول([30])، وظهور العديد من المؤلَّفات والنتاجات العلمية المكتوبة، وبروز توجُّهات ورغبات متعدِّدة، فقهية، كلامية، فلسفية، عرفانية، وأدبية، والتي برزت إلى الوجود مع بداية القرن الثاني الهجري، واتّجاه أرباب هذه التوجُّهات وعلمائها الكبار نحو القرآن؛ إما لغرض استخراج النظريات القرآنية؛ أو رغبة في الاستشهاد بآياته؛ لأجل تقوية مذاهبهم ومختلف توجهاتهم، كلُّ هذا ساهم وبشكلٍ طبيعيّ في أن تتبلور الدراسات والأبحاث الموضوعية للقرآن، وأن تتاح أبعادٌ فقهية وأدبية، وأن تظهر في أشكال وأطياف مختلفة، وكان أول منتوج على منهاج التفسير الموضوعي في ميدان الأدب والفقه. هذا الأخير اهتمّ بآيات الأحكام، فتعدَّدت التفاسير الفقهية، نظير: زبدة البيان، للمحقق الأردبيلي؛ كنز العرفان، للفاضل المقداد؛ فقه القرآن، لمحمد اليزدي؛ تفسير جامع آيات الأحكام، لزين العابدين قرباني؛ و…([31]). كما ظهرت كتب أخرى ضمن التفسير الموضوعي، أخذت طابعاً أدبياً، مثل: البيان في أقسام القرآن، لابن القيِّم؛ مجاز القرآن، لأبي عبيدة؛ المفردات في غريب القرآن، للراغب الإصفهاني([32]).

وقد استمر هذا النهج من التعامل مع الدراسات القرآنية محدوداً في الفقه والأدب في القرون المتتالية. لكن الخروج بالتفسير الموضوعي إلى مختلف المباحث القرآنية، من قبيل: معرفة الله، المعاد، الأخلاق، والحقوق، لم تظهر إلا في المائة الأخيرة. لكن هذا لا يعني انتفاء تفاسير موضوعية أخرى في مباحث مهمّة وجادّة. فهذا تابعٌ للذوق الشخصي، ولاحتياجات كلّ واحد من العلماء والمفسِّرين؛ حيث إنّ الحاجة أمّ الاختراع. وكذلك كان لهذه المقدّمة دورٌ في إيجاد مواضيع أخرى، فاهتمّ بعض العلماء بتدوين تفسير موضوعي حولها. فهذا العلامة المجلسي(1111هـ) قد عمل على استجماع الآيات المرتبطة وموضوع كلّ باب وفصل من أبواب وفصول كتابه الموسوعة (بحار الأنوار)، مستعينا بتفاسير أخرى، مثل: مجمع البيان، للطبرسي؛ والكشّاف، للزمخشري. وقد راعى العلامة المجلسي في تجميعه للآيات المرتبطة بمواضيع أبواب وفصول البحار ترتيب الآيات وفق ترتيب السور.

 

التفسير الموضوعي في القرنين الأخيرين ــــــ

تعتبر المئة 14 و15 الهجريّة فترة ازدهار ورشد وتجديد العلوم الإسلامية، وانتهاء فصل ركود الدراسات والتحقيقات في جزء عظيم من العلوم الإسلامية، ومن جملتها: علوم القرآن بالمعنى الأعمّ، والتفسير الموضوعي بالمعنى الأخصّ. ولعلنا نستطيع إرجاع هذا التطوُّر والنموّ الذي عرفته العديد من العلوم الإسلامية إلى تطوُّر العلوم بشكل عامّ، ورشد المعارف البشرية، ووقوف العالم على حالة من التمدُّن والتطوُّر لم يسبق لها مثيل. لذلك وجد علماء الإسلام أنفسهم ملزَمين بعقد أبحاث ودراسات قرآنية تتوافق ومتطلَّبات العصر واحتياجاته؛ للحفاظ على الذات من جهة، وللتعريف بهذا الدين السماوي، ولإنماء التجربة البشرية والإجابة عن إشكاليّاتها وتساؤلاتها من جهة أخرى. تكاثرت وتنوعت مواضيع التفسير الموضوعي خلال القرنين الأخيرين، لكنَّنا نستطيع القول: إنها في الجملة تمحورت حول محورين:

1ـ تفاسير على منوال التفاسير الموضوعية القديمة بلحاظ مواضيعها، لكنها أكثر عمقاً واتساعاً في ما يخصّ تحديد نظرية القرآن حول مواضيع محدودة، نحو: معرفة الملائكة، البرزخ،….

2ـ تدخل كذلك ضمن التفسير الموضوعي دائرة معارف القرآن؛ وذلك لأنها تتعرض للبحث في مواضيع قرآنية، وإن كانت خاصّة ومركزة.

كما تندرج الموسوعات القرآنية، وقسمٌ من مقدمة دائرة معارف القرآن، والتي تعتبر اتّجاهاً جديداً في التفسير الموضوعي.

 

أهمية وضرورة التفسير الموضوعي ــــــ

تلاحظ أهمية التفسير الموضوعي من عدّة زوايا:

1ـ محدودية التفسير الترتيبي، وعدم قدرته على احتواء الجانب المفاهيمي والنظري للقرآن الكريم. نعم، تبقى أهمّية استمرار البحث والكتابة في التفسير الترتيبي، رغم وجود المئات من هذا التفسير، والتي يسعى كلّ واحد منها إلى التعبير عن مدلول الآيات، كلٌّ على حدة، ولا يمكن الحسم في تغليب كفّة واحد على الآخر، من حيث كلفة الطاقات التي يبذلها أصحاب هذا التفسير، ومساحة الإبداع فيه. لكن في المقابل، ومن خلال دعوى أهل الاختصاص، فإنه نظراً لتناول التفسير الترتيبي تفسير الآيات بشكل أحادي فهذا يجعله غير قادر على استخراج النظريات القرآنية التي تفرض تجميع الآيات ودراستها في كلّيتها، وليس الاقتصار على آية أو اثنتين بقادر على ذلك. وكمثال: المفسِّر في التفسير الترتيبي حين يتعرَّض إلى الآيتين الشريفتين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 6 ـ 7)؛ وبسبب ضيق مساحة هذا التفسير؛ نظراً لنوعية المنهج المتعامل به مع الآيات، فإن ما يدلي به من مفاهيم ومداليل تكون كذلك ضيِّقة ومحدودة، بحيث إنه ولأجل استخراج معاني الآيتين، وبالخصوص مصاديق كلمة (كفروا)، أو مفهوم كلمة (الختم) الذي يختمه الله على قلوبهم، و….، فلأنه لن يستطيع جمع الآيات القرآنية الواردة في الموضوع يكون غير قادر على الإجابة عن كل ما يطرح عليه من تساؤلات حول هاتين الآيتين. وقد يُطرَح سؤالٌ مفاده: ما المصلحة المرجوّة من الإنذار؟ هل تشمل جميع الكفّار في جميع مراتبهم ودرجاتهم، أم هي تهمّ مرتبة خاصة، أو إنما تقتصر على كفّار عصر النزول؟ وإذا لم تكن للإنذار مصلحة وفائدة أفلا تعتبر بعثة النبي ودعوة الكفّار إلى الهداية وإلى سلوك مسلك المتديِّنين لغواً؟! ما هو المفهوم الصحيح والتامّ للختم والطبع على القلوب والسمع؟ هل المسألة مجرّد كناية، وأنها تحكي عن موت قلب الكافر، أم المراد هو المعنى الحقيقي للختم؟ في حال كان المراد هو المعنى الحقيقي فما هو الختم، وكيف يتمّ توقيعه؟ هل يتناسب الختم على القلوب ومسألة الإرادة وقدرة الإنسان على الاختيار؟ إنّ الجواب الكامل والشافي على كلّ تلك التساؤلات وغيرها إنّما يتمّ من خلال دراسة كلّ الآيات القرآنية الواردة في الموضوع والمرتبطة به.

وهذا الإشكال لا يقتصر على هاتين الآيتين، وإنّما يشمل كلّ المساحات التي أشار إليها القرآن، وتدخل ضمن عالم هذا الكتاب السماوي. هل تحديد نظرية قرآنية حول المرأة، دورها، ومكانتها في النظام التكويني والتشريعي، ممكنٌ بدون استخراج جميع الآيات المرتبطة بهذا الموضوع، وترتيبها، ودراستها في جميع أبعادها، وميسَّر في ظل التفسير الترتيبي، أم أن هذا ميدان لا فارس له سوى التفسير الموضوعي؟

2ـ إن التفسير الموضوعي منوطٌ بالإجابة عن الاشكالات والتساؤلات التي تطرح على القرآن، ومن جهة أخرى فالقرآن قد عرف الإسلام بأنّه الدين الأكمل والأتمّ بين كل الأديان السماوية الأخرى، وأنه قد نسخ جميع الأديان السماوية، وهيمن عليها، بحيث لا مكان لدين آخر، ولا اعتبار لدين آخر بعد ظهور الإسلام، وهو الخاتم، فلا مكان لظهور دين آخر إلى الأبد([33]). ومفهوم كلّ هذه الأوصاف والحقائق أن الإسلام هو المتكفِّل بالإجابة عن كلّ ما يُطرَح من استفهامات وإشكالات، القديمة منها والجديدة، في جميع المواضيع، وفي كلّ الميادين، والكفيل برفع كلّ احتياجات الإنسانية في مجال الدين، وضمن حدوده. فإذا كانت حدود الإسلام تعرض صورة واضحة وواقعية وشفافة عن النظام الأساسي الوجودي بمفهومه العام، وأنّه يرسم الخطوط العريضة للحياة السعيدة، ويرفع الحجاب عن كلّ التساؤلات المطروحة في هذا المجال، كما يجيب عن الإشكالات التي تحيِّر فكر الإنسانية، نظير: ما هي نظرية القرآن في ما يخصّ ميزان اعتبار نتاجات التجربة البشرية حول النظام الاقتصادي والنظام القانوني؟ ما هي النظريات القرآنية في ما يخصّ علم النفس؟ وغيرها من الأسئلة، التي هي بالفعل من اختصاص التفسير الموضوعي.

ورغم أن تعاليم وبيانات دين الإسلام تنعكس في مصدرَيْ القرآن والسنّة، لكن بسبب مكانة القرآن، والتوافق عليه من دون أدنى منازع، ولأنه الثقل الأكبر، فهو المعنيّ بالإجابة عن كلّ تساؤلات البشرية، وكل الإشكالات مطروحة عليه، دون غيره من الأحاديث والروايات. ومن هذا اللحاظ وجدنا المرجعية الدينية بكلّ أشكالها تؤكِّد على أولوية الرجوع إلى القرآن. وقد مارست هذا السلوك عملياً، فكانت ترجع إلى القرآن في أولوياتها المرجعية، ولا تعود إلى السنّة إلاّ في الدرجة الثانية.

من هذا المنطلق نحن اليوم، وفي كلّ زمان؛ ومن أجل إبراز وكشف النظرية الإسلامية، والإجابة عن التساؤلات الواردة من مختلف التشكيلات البشرية، المتديِّنة وغير المتديِّنة، لا بدّ من اللجوء إلى القرآن، وبالتالي التفسير الموضوعي.

3ـ إن الإبهام قد يساور بعض الآيات التي يُراد تفسيرها بشكل أحادي، لكن في ظلّ التفسير الموضوعي، والمبني على تجميع الآيات الواردة في نفس الموضوع، ووضعها إلى جانب بعضها، يتمّ رفع هذا الإبهام، وبالتالي يصبح معناها واضحاً؛ باعتبار أن القرآن يفسِّر بعضه بعضاً. وهذا الحال يسري في جميع الساحات التي تحدَّث القرآن فيها، أعمّ من العقيدة، الأخلاق، الأحكام، القصص التاريخي، و…. وحتّى تتضح هذه المسألة أكثر نشير هنا إلى بعض الأمثلة على ذلك:

أـ إذا أردنا تعيين ليلة نزول القرآن وجب البحث في موضوع نزول القرآن وفق نظر القرآن نفسه. وهنا لا بدّ من النظر في جميع الآيات التي وردت في هذا الشأن، فنجد في هذا الصدد الآية الشريفة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185)، فيكون زمن نزول القرآن وفق هذه الآية في شهر رمضان، لكنّ هذه الآية لا تحدِّد لنا هل نزل كلّ القرآن في هذا الشهر، وهل نزل بالليل أو كان نزوله نهاراً؟

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (الدخان: 3 ـ 4). ووفق هذه الآية، والتي قبلها، فإنّ القرآن الكريم قد أنزل في ليلة من ليالي شهر رمضان. وهذه الليلة لها ميزتان: الأولى: إنها ليلة مباركة؛ والثانية: إنها يفرق فيها كلُّ أمر حكيم. لكن مع كلّ هذه الإشارات لا زالت الليلة غير مشخَّصة. فتأتي سورة القدر لتميط اللثام عن هذه الليلة، حيث جعل لها اسماً خاصاً بها، لا يشترك معها فيه باقي الليالي، وخصَّها بميزات تفرَّدت بها. فهي ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ و﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ وهي ﴿سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. إذاً اقتران هذه الآيات، التي أتت في سور مختلفة، تمنحنا معرفة بزمان نزول القرآن، فكان في شهر رمضان، في ليلة القدر.

ب ـ مسألة مفهوم ومراتب اليقين: حول نظريّة القرآن في بحث اليقين تستقبلنا الآية الكريمة: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 99). من خلال هذه الآيات تفتح أمامنا عدة أسئلة، منها: هل أفق العبادة هو اليقين؟ هل هي بمعنى أنّ العبد متى ما وصل اليقين لم يعُدْ بحاجة إلى العبادة، كما يدَّعي بعض الصوفية؟!

القرآن نفسه يرفع هذه الشبهة، ويجيب عنها، حيث يقول الحقّ تعالى في آية أخرى، على لسان أهل جهنم، يفصحون عن سبب عذابهم وخلودهم في النار: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (المدثر: 46 ـ 47). فالمفهوم من هذه الآية أن اليقين بمعنى ما هو مقابل الشكّ والتردُّد، وهو مرتبةٌ من مراتب العلم. واليقين ليس ما طرحته الشبهة، وإنّما هو الموت. وأطلق اليقين على الموت بلحاظ كون تحقُّقه يزيل الحجاب عمّا كانوا يشكِّكون فيه، حيث مع الموت أصبح يقيناً. من هنا فاليقين في الآية الأولى بمعنى الموت، أي اعبُدْ ربَّك حتّى الموت([34]). وتوضع إلى جانب هاتين الآيتين آيات ثلاثة أخرى تبيِّن مراتب اليقين: علم اليقين، عين اليقين، وحق اليقين. تبين سورة التكاثر أنّ الناس إذا وصلوا مرتبة علم اليقين، أو عين اليقين، لن ينكروا العذاب الإلهيّ أبداً، قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ (التكاثر: 5 ـ 7). بينما تبيِّن لنا سورة الواقعة أنّ نعمة الجنة وعذاب جهنم هي حقّ اليقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (الواقعة: 95). كما جاء في سورة الحاقة أنّ نهاية الكافرين إلى الحسرة والندامة هي حقّ اليقين: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ (الحاقة: 51). ووضع هذه الآيات الثلاثة إلى جانب بعضها يكشف لنا عن مراتب اليقين الثلاثة.

ج ـ ضرورة فتح مجال البحث في المواضيع القرآنية، بحيث يوازي تعميق البحث في المعارف الإنسانية، ويواكبها في جميع مستوياتها بلحاظ الموضوع. فالبحث الموضوعي في القرآن يجب أن يصل إلى مراتب أهمّ وأعلى ممّا وصلته الأبحاث في العلوم التجريبية بمعناها العامّ، والتي تتوسَّع يوماً بعد يوم، وتتطوَّر بسرعة هائلة. والكلّ يعلم اليوم مدى أهمّية التحقيقات والأبحاث العلمية في مختلف المواضيع، سواء ذات الموضوع المحدَّد أم الموسَّع، كالبحث في العقل (الدماغ) كيف يعمل؟ الجهاز العصبي كيف تتمّ حركته؟ وممَّ يتشكَّل النظام الكوني؟ ما هو حجم ونطاق العالم؟ و…. ونحن نرى أن دول الغرب توفِّر لهذه الأبحاث والمراكز التي تقام فيها دعماً وحماية مادية ومعنوية، حيث إنها تخصِّص لها ميزانيّة تقدَّر بمليارات الدولارات سنوياً.

وفي المقابل حثَّ القرآن في العديد من الآيات على التفكُّر في آيات الكون، وفي الأنفس، ورغَّب في ذلك، بحيث جعلها طريقاً للإيمان بالله، وعاملاً لتحصيل اليقين بوجود ذاته المقدَّسة. والظاهر أنّ التفكُّر وتعميق البحث في القرآن، والسعي إلى الكشف عن المراد الإلهي من الآيات القرآنية، أكثر أهمّية من التفكُّر في كتاب الكون بكثيرٍ.

 

العلاقة بين التفسير الموضوعي والتفسير الترتيبي ــــــ

لعل السؤال الملحّ حين البحث في التفسير الموضوعي هو العلاقة التي تربط بين هذا التفسير والتفسير الترتيبي؟ وخصوصاً أنّ البعض يرى أنّه؛ ولوفرة التفاسير وفق المنهج الترتيبي، يجب الابتعاد عنه، والتفرُّغ كاملاً للتفسير الموضوعي. الأمر الذي يفهم منه وجود خطّ فاصل بين المنهجين الترتيبي والموضوعي، وتمايز واستقلال كلّ واحد عن الآخر. فإذا كان هذا فعلاً هو ملاك تلك النظرية فحتّى مع وجود متبنّين لها، ومدافعين عنها، فإنّها نظرية باطلة وغير صحيحة؛ وذلك لأسباب موضوعية، سنكشف عنها حين الحديث عن مراحل التفسير الموضوعي، حيث تعتبر المرحلة الرابعة واحدة من أهمّ مراحله، والتي تقوم على استخراج مداليل كلّ آية على حدة وفق مباني التفسير. فالتفسير الموضوعي، والذي يعنى باستخراج النظرية القرآنية بالنسبة للموضوع المختار، يعد كسقفٍ أعمدتُه الآيات القرآنية، وكلُّ آية من تلك الآيات تحمل مدلولات أحادية تؤثِّر في تشكيل وقوّة تحمُّل هذا السقف. هذه المدلولات تُعاد ملاحظتها بالنسبة لكلّ آية وفق المباني المعتمدة في التفسير الترتيبي. وبشكل آخر فإنّ كلّ أو عموم المباني والقواعد المستعملة في التفسير الترتيبي حين البحث في دلالة ومعنى كلّ آية منفردة يتمّ استعمالها في البحث في مجموع الآيات المكوِّنة للموضوع، نحو: علاقة المفردات والجمل بعضها ببعض، وكذلك ما يربط كل آية بآية أخرى قبلها وبعدها، حيث إنّ كل هذا له عامل التأثير في اكتشاف المعنى والدلالة. وهاتان القاعدتان، كما تستعمل في التفسير الترتيبي، يتمّ استعمالهما في التفسير الموضوعي. فلو فرض أنّ بعض الآيات في التفسير الموضوعي لم يتمّ تنقيح واستخراج دلالتها ومعناها يكون ما استخلص كنتيجة ونظرية ناقصاً، بل في أغلب الأحيان سيكون غير صحيح. كذلك من القواعد المعتمدة في التفسير البحث عن أسباب وشأن نزول الآيات، فلو حدث أن فُسِّرت الآية الشريفة: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ (الواقعة: 34) من دون النظر إلى الآيات بعدها فسيكون معناها «السجّاد النفيس»، فيتم درجها ضمن النعم المادّية التي وُعد بها أصحاب الجنة، لكنْ بالنظر إلى الآيات بعدها: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ (الواقعة: 35 ـ 36) يتبيَّن أن المقصود ليس هو السجّاد، بل هنَّ زوجات أهل الجنّة، وقد عبَّر عنهن بالفرش كنايةً. وقد جاءت هذه الكناية في الحديث المنقول عن النبيّ الأكرم|: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر»([35]). ونفس الأمر ما لو تمّ النظر إلى قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ في سورة عبس من دون استحضار باقي الآيات التي لها ارتباط بهذه الآية من مختلف الأبعاد، فستكون الإجابة عن السؤال حول مَنْ هو المقصود بالعتاب الإلهيّ في هذه الآية، هل هو شخص الرسول الأكرم|، كما ذهب إلى ذلك جمعٌ من المفسِّرين، أو حسب نظرية ثانية يكون شخصاً آخر، من أثرياء بني أمية([36])؟ ولو أن هذه الآية تمَّ تفسيرها وفق الأسلوب المتَّبع في التفسير الموضوعي لكانت النتائج شيئاً آخر. ففي حالة كان التفسير الأول صحيحاً فإنه في هذه الحال ستحسب الآية على الآيات التي تحتاج إلى تأويل وتوجيه خاصّ يتناسب ومقام النبيّ الأكرم|، الذي وصفه القرآن بأنّه على خلق عظيم. وفي حال كان التفسير الثاني هو الصحيح، حيث إن المقصود بالعتاب الإلهي هو أحد أثرياء بني أمية، الذي احتقر واستصغر عبد الله بن مكتوم الأعمى الفقير، فإنّ هذه الآية ستدرج ضمن الآيات الواردة في الأخلاق، والناهية عن التفاخر والتحقير.

إنّ ضرورة استعمال قواعد التفسير الترتيبي في التفسير الموضوعي تكون حين يريد المفسِّر أن يصطاد آية من بين آيات متعدِّدة، ثم يربط بينها وبين سائر الآيات الأخرى. أما حين ترتبط بعض الآيات ببعضها البعض، بحيث تشكِّل مجموعة محكمة، يكون الربط بينها وبين آيات أخرى من عدّة جهات، ومع مختلف أجزاء تلك الآيات. وهنا تحتِّم الضرورة الاستفادة من قواعد التفسير الترتيبي أضعاف ما كانت عليه في الحالة الأولى. وكمثال على ذلك: إذا أراد المفسِّر أن يبحث ويفسِّر الآيات المرتبطة بموضوع خلق الإنسان فهو معنيٌّ بالجمع بين الآيات التي تتحدَّث حول هذا الموضوع والربط بينها. فينظر في الآيات الواردة في سورة البقرة 30 ـ 38، سورة الأعراف 11 ـ 27، وسورة طه 115 ـ 135، ويبحث في موضوع كلّ مجموعة على حدة، يفسِّرها آية آية، ويستفيد من نفس الطريقة المتَّبعة في التفسير الترتيبي، رغم أنه في ظلّ التفسير الموضوعي معنيٌّ بإجراء تفسير لمدلول مجموع هذه الآيات باعتبارها تشترك في موضوعٍ واحد. ولا تقف حاجة التفسير الموضوعي للتفسير الترتيبي عند هذا الحدّ، بل هي حاضرة في مرحلة الاستفسارات، وطرح الإشكالات، ومرحلة اصطياد الآيات المرتبطة بالموضوع، ومؤثِّرة في استخلاص النظرية في مسألة من المسائل. ثم إن الاستفادة بشكل صحيح من التفسير الترتيبي في مرحلة الاستفسارات واستنطاق الآيات يتيح أفقاً صحيحاً أمام الاطّلاع على جزء أوّلي من النظرية القرآنية، وهي مقدّمة ضرورية للتفسير الموضوعي، لا يمكن تحصيلها إلاّ في ظلّ استعمال التفسير الترتيبي. فاصطياد الآيات قد يكون عند إعمال التفسير الموضوعي سبباً في إغفال العديد من الآيات التي لا ترتبط مباشرة وبشكلٍ واضح مع القضية المراد دراستها، اللهم إلا إذا كانت هناك معرفة مسبقة بها في إطار التفسير الأحادي. وكمثال على هذا: إذا أراد المفسِّر التعرُّض لمسألة أخلاقية اجتماعية، كالأخوّة والرفقة بين المؤمنين، من وجهة نظر القرآن، فحتّى مع بحثه المباشر في جميع آيات القرآن فإنه قد يمرّ على بعض الآيات المرتبطة بشكلٍ مباشر بالموضوع، بحيث ترِدُ فيها مفردات الرفقة والصحبة أو الأخوة وأمثالها، لكنه قد يغفل بعض الآيات التي تعتبر بحقٍّ تأسيسيّة في مثل هذه العلاقات، فلا يوليها أهمّية؛ ظنّاً منه أنها لا ترتبط بالموضوع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)، والآية الشريفة: ﴿وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (الحجرات: 11)، في حين أنّ الآية الأولى تحدِّد لنا أهمّ بند في السلوك الاجتماعي. فالتفاعل الاجتماعي بلحاظ موضوعيّ يجب أن يقوم على محوري العدل والإحسان. ففي المحور الأوّل يؤكِّد القرآن على العدل، والذي يعني الرعاية الكاملة لحقوق الآخرين، واجتناب الظلم والتعدي على حرمات الآخرين، وكذا عدم قبول الظلم من الآخرين باتّجاه النفس، أو أن يمارس الظلم باتجاه الآخر، مهما كانت مكوّناته العقدية والفكرية. وفي المحور الثاني يؤكِّد القرآن على الإحسان، وهو يعني غضّ الطرف عن عيوب الآخرين، وعن ما قد يصدر منهم من تقصير([37]). وبالنسبة إلى الآية الثانية فهي تحثّ على احترام الآخرين في أبدانهم وأنفسهم، وأن قول العيب في الآخرين هو في الحقيقة يكشف عن عيب قائله، ويرجع إليه([38]). فرسالة الآية أنّها تحثّ على معرفة قيمة النفس المؤمنة، ومعرفتها ترسم لنا نظرة القرآن إلى مفهوم الأخوّة. وكما يلاحظ فإنّ الحصول على هذه المفاهيم القرآنية والمحورية في موضوع الأخوة والرفقة لا يمكن الحصول عليها إلاّ من خلال التفسير الترتيبي والأحادي للآيات، وبالتالي تجعل عملية اصطياد الآيات بالنسبة إلى التفسير الموضوعي شاملة وجامعة بالفعل.

 

مراحل التفسير الموضوعي ــــــ

من المواضيع التي تطرح بإلحاح حين الحديث عن التفسير الموضوعي الإجابةُ عن سؤال حول ما هي المراحل التي يتبعها هذا النوع من التفسير؟ وما هي المراحل التي يقطعها المفسِّر حتى يمكنه الحديث عن النظرية القرآنية حول موضوع من المواضيع وقضية من القضايا؟

حدَّد الشيخ جوادي الآملي ستّة مراحل ضرورية للتفسير الموضوعي:

الأولى: جمع الآيات الواردة في الموضوع المنتخب. فالمفسِّر في هذه المرحلة يجب أن يسلِّط كلّ نظره على القرآن، وأن يستخرج كلّ الآيات الواردة في الموضوع بالنفي والإثبات، ولا يغفل عن شيء منها ما استطاع، وأن لا يكتفي بالآيات التي جاء فيها ذكر للموضوع بالاسم، بل كل ما كان لمحتواه علاقة بالموضوع.

الثانية: وهي المرحلة التي يقوم فيها المفسِّر بترتيب الآيات في مجموعات خاصة، المقيد مع المطلق، والعامّ مع الخاص، المجمل مع المفصّل، المتشابه مع المحكم، وهكذا كلّ قسم مع ما يتناسب معه، حتّى يسفر الجمع عن نتائج مهمّة.

الثالثة: في هذه المرحلة ينتقل المفسِّر إلى تجميع كلّ الأحاديث والروايات الواردة عن العترة الطاهرة في الموضوع، من أقوالهم وأعمالهم وتقريراتهم، الناطقة بالسلب أو بالإيجاب، لا يغادر منها شيئاً قدر الإمكان.

الرابعة: يعيد ترتيب الروايات المجموعة على نفس الشكل الذي اتَّبعه في ترتيب الآيات، وإعادة تجميعها. المقيّدات مع المطلقات، العامّة مع الخاصة، وهكذا دواليك، بمعنى أنّه يتبع نفس الطريقة المتبعة في استنباط الأحكام الفقهية.

الخامسة: يأخذ المفسِّر هنا ما أسفرت عنه مرحلة تجميع الآيات وترتيبها في مجموعات من نتائج، بوصفها مبادئ وأصول مهمّة في البحث. ونفس الشيء يكون مع ما استخلصه من الروايات والأحاديث من نتائج.

السادسة: هنا يقوم المفسِّر بقراءة ما استخلصه من نتائج من الآيات القرآنية والأحاديث والروايات، يضمّ الكلّ بعضه إلى البعض، ويستخلص النتائج، ليخرج في النهاية بالنظرية القرآنية والموقف القرآنيّ في الموضوع([39]).

في هذه المراحل الستّة تمّ التأكيد على نقطتين اثنتين:

الأولى: إنه بلحاظ كون السنّة مبيِّنة للقرآن ومفسِّرة له يقوم المفسِّر بتجميع الروايات وإعادة ترتيب هذا الجمع على نفس المنوال المتَّبع في إعادة تجميع الآيات الواردة في الموضوع، ويقوم بالبحث عن نظر السنّة إلى جانب نظر القرآن، وتقييم نظرهما معاً.

الثانية: إنه يعتبر ما أسفرت عنه مرحلة التجميع وإعادة الترتيب من نتائج على أنها مبادئ وأصول، رغم أنّ الشيخ جوادي الآملي لم يفصِّل الكلام حول هذه المبادئ والأصول، والظاهر أنّه يقصد بها أنّها تعبِّر عن الرسالة والتعاليم الأساسية، التي غالباً ما تتحدَّث عنها الآيات الواردة في الموضوع، مثل: اعتبار التوحيد هو الرسالة والأصل، الأساس العام في الآيات الواردة في موضوع معرفة الله سبحانه، والمحور الأساس في المعارف القرآنية.

وقد أكَّد الشيخ جوادي الآملي في هذه المراحل الستّة، والتي نتَّفق معه فيها، على مراجعة الروايات، وعلى اتّباع نفس مراحل التفسير الأحادي والترتيبي في تعامله مع الآيات، هذه المراحل هي كالتالي: 1ـ طرح المسألة، 2ـ اصطياد واستخراج الآيات، 3ـ إعادة تجميع الآيات وترتيبها، 4ـ استخراج مدلولات الآيات على أساس مباني ومراحل التفسير، 5ـ استنتاج النظرية القرآنية بعد إجراء مقارنة ومقاربة بين مداليل الآيات ودراستها في جميع أبعادها، 6ـ تقييم النتائج بالنظر إليها في ظلّ المعايير والقرائن الأخرى. ومن جهة ثانية التفسير الترتيبي يكون مهماً في استخلاص النتائج، حين يراعى فيه إجراء تفسير الآيات بشكل أحادي وفق مباني وأساليب التفسير الصحيح؛ وذلك لأن تلك المفاهيم والمداليل المحصول عليها هي عامّة، وقد انتزعت من تجميع الآيات، ووضع بعضها بجانب الآخر. ولهذا اعتبرت المرحلة الرابعة في التفسير الترتيبي من أهمّ المراحل في التفسير الموضوعي، والتي تعني استخراج مدلولات الآيات على أساس مباني ومراحل التفسير.

بالنسبة إلى مبحث معرفة منهجيّة التفسير الترتيبي في تفسير الآيات هناك عشرة مراحل، ويعتقد بأنّ لكل واحدة منها موضوعية في الوصول إلى الفهم الصحيح لمداليل الآيات. وهذه المراحل عبارة عن: 1ـ فضائل وخواص الآيات، 2ـ أسباب وشأن النزول، 3ـ علاقة الكلمات والجمل الواحدة مع الأخرى، 4ـ ارتباط الآيات بما قبلها وما بعدها، 5ـ فهم المفردات الصعبة وشرح المشكل منها، 6ـ النظر إلى النقاط الأدبية للآيات، 7ـ النظر إلى النقاط البلاغية للآيات، 8 ـ رفع الإبهام والأوهام، 9ـ رفع الإجمال، 10ـ رفع التشابه، 11ـ تجميع النتائج وما تلهمه الآيات من مداليل.

وهنا لا بدّ من استحضار ثلاث نقاط مهمّة:

الأولى: إنه بالنسبة لكلّ من المراحل: الأولى، الثانية، السادسة، التاسعة والعاشرة، من الممكن أن لا تجري في جميع الآيات، وليست شرطاً مقوِّماً فيها؛ وذلك لأننا لا نملك معرفة سبب وشأن نزول جميع الآيات؛ إما لعدم وصوله إلينا عن طريق الروايات، أو لأن العديد من الآيات واضحة، وليس فيها أي إبهام، وبالتالي فإن المرحلة السادسة ليست شرطاً في جميع الآيات. كذلك لا يمكننا الحديث عن وقوع الإجمال في جميع الآيات. ففي غير آيات الأحكام وآيات القصص لا وجود للإجمال في الجملة، أما الحديث عن رفع التشابه فهذه النقطة إنّما تنحصر في متشابه الآيات، أما محكمها فهي خارجة عن هذه الإشارة بالجملة.

الثانية: الاطلاع والمعرفة الكاملة وفق المراحل المعلنة سابقاً مرتبطة بدراسة ومطالعة المصادر المختصّة بكلّ واحدة منها. من هنا فللحصول على معلومات تامّة وكافية في ما يخصّ المرحلة الأولى (فضيلة وخاصية الآية)، والمرحلة الثانية (سبب وشأن النزول)، لا بدّ من الرجوع إلى كتب الروايات، رغم أن الروايات تشمل كل المراحل السبعة بكاملها، ولها دور مهمّ في الكشف عمّا يخصّها من معلومات وأخبار. بالنسبة إلى المرحلة الثالثة فهي ترتبط ارتباطاً داخلياً بالآيات. بالنسبة إلى المرحلة الرابعة فلها ارتباط خارجيّ بالآيات. أما المرحلة الحادية عشرة فلها ارتباط بالتدبُّر والتفكر في الآيات، والذي يجمع بين البعد الداخلي والخارجي للآيات. وبالنسبة إلى كلٍّ من المرحلة الخامسة، السادسة، والسابعة، المتعلِّقة بشرح المفردات الصعبة، وبالنكات الأدبية والبلاغية للآيات، فأقوال وأراء اللغويّين والأدباء كافية، وهي المرجع التامّ في هذا الميدان، إلى جانب الحاجة إلى القرآن والروايات في المراحل الثلاثة الأخيرة: (رفع الابهام)، (رفع الإجمال)، و(رفع التشابه). والحاجة ماسّة كذلك إلى نظريات وآراء المفسِّرين.

الثالثة: أنه بالإضافة إلى هذه المراحل الإحدى عشرة فإن التفسير الموضوعي سيكون في ستّ عشرة مرحلة، والمراحل الستّة الأصلية فيه عبارة عن:

1ـ طرح الموضوع: من المسائل الأساسية في كلّ بحث وتحقيق إيجاد الأسئلة والإشكالات الصادرة في الموضوع مورد البحث، أو ما يصطلح عليه بطرح مسائل البحث بالنسبة إلى الموضوع المنتخب. ولعل مقولة السؤال الصحيح نصف الجواب([40]) لها حضورٌ واقعيٌّ وعمليٌّ هنا؛ وذلك لأنّ الفكر والعلم هو حصيلة الحركة من التصوُّرات والتصديقات المعلومة نحو التصوُّرات والتصديقات المجهولة([41]).

ولا تحسب هذه الخطوة حركة بالمعنى المنطقي، إلا حين تعلم حدود المعلوم والمجهول وتتمايز فيما بينها، وإلاّ قد تحصل الحركة من المعلوم إلى المعلوم، وهو تحصيل الحاصل؛ لأنّه نوع من الدور، أو أن تكون حركة من مجهول نحو مجهول، وهو التسلسل الباطل؛ حيث لا يمكن الحصول على نتيجة مطلقاً. حدود المعلومات وحدود المجهولات هي مسائل كلّ علم، وطرح الأسئلة والإشكالات الصحيحة تميز بين حقل المعلومات والمجهولات، وتعيِّن حدود كلٍّ منهما. لذا فطرح السؤال الصحيح والمناسب يعني أوتوماتيكياً طيّ نصف الطريق، وبالتالي يميز بين حدود المعلومات وحدود المجهولات. ولعلّ هذا ما يفسِّر قلّة توجُّه الصحابة بالسؤال إلى النبيّ الأكرم|، حيث لم يستثنَ من هذه الحال سوى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب×، الذي كان يعتزّ بذلك قائلاً: «إنّ الله وهب لي قلباً عقولاً، ولساناً سؤولاً»([42]). وبالنتيجة فإن البحث والتحقيق المطلوب في مجال المعارف والتعاليم القرآنية منوطٌ بإدراك نطاق وحدود تلك المعارف والتعاليم، ومتابعة البحث، بحيث يشمل النقاط التي لم يتمّ التطرُّق إليها بعد، حتّى يشمل البحث النقاط الجديدة. وبالطبع هذا لا يعني توسعة البحث بحيث يخوض في المواضيع المتشعِّبة والواسعة كثيراً، بل لا بدّ من تعيين موضوع لا يتشعَّب إلى غيره، فاختيار المواضيع الخاصّة تفصح عن امتيازات البحث، ولا تجعله فضفاضاً، بحيث تضيع فيه الأسئلة وتتحيَّر فيه الأفكار. فبدل البحث في المعاد، والذي هو موضوع عامّ، يستحسن البحث في نقاط خاصّة لهذا الموضوع، كالبحث في أدلة المعاد، أشراط الساعة، الحياة في البرزخ، نِعَم الجنّة مادية أو معنوية؟، و… اللهم إلاّ إذا كان جمعٌ من المفسِّرين في صدد تفسير موضوعي شامل لكلّ القرآن، حينها لا بدّ من استحضار جميع نقاط الموضوع، والتعرُّض لكلّ شعبه الكبيرة والصغيرة.

2ـ اصطياد واستخراج الآيات: بعد تعيين وتشخيص موضوع البحث تأتي مرحلة استخراج الآيات المرتبطة بالموضوع، وتجميعها. وهي المرحلة الثانية المهمّة بالنسبة إلى التفسير الموضوعي. ومن المعلوم أنّ استظهار رأي ونظر كامل عن موضوع قرآني منوط بقراءة جميع الآيات الواردة فيه. وغير خفيّ ما يمكن أن يحدثه التغافل عن آية من آيات القرآن الواردة في ذلك الموضوع، فقد يكون إغفال آية أو آيتين سبباً في إيجاد إبهام في الموضوع أو تحريف فيه. وبالتالي فإن عدم استعراض جميع الآيات والإمساك عن عدد آخر سيكون في الحقيقة كاشفاً عن بعض حقيقة نظرية القرآن، وليس كل النظرية.

وللاصطياد واستخراج جميع الآيات القرآنية المرتبطة بالموضوع المنتخب طرق ثلاث:

الأولى: الاستفادة من معجم مفردات القرآن، كالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي؛ وكتاب المعجم الإحصائي، للروحاني، حيث نظم الآيات وفق كلماتها وحروفها. فمثلاً: لو أردنا التعرُّف على نظر القرآن حول الإيمان فيمكننا الرجوع إلى هذه المعاجم، والبحث في مفردة «أمن». نعم، هذا الأسلوب إنما ينفع كمرحلة أوليّة، وليس تامة؛ إذ كثيراً ما لا تفصح هذه المعاجم عن كلّ الآيات. فمثلاً: ليست كل الآيات المتعلقة بالإيمان واردةً تحت لفظ «أمن»، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ (محمد: 17). فالآية تتحدَّث عن زيادة ونقصان الإيمان من غير أن ترِدَ فيها لفظة «أمن»، كذلك نجد القرآن قد عبَّر عن الذنب بألفاظ مختلفة: إثم، إصر، ثقل، جناح، حرام، حِنْث، حوب، رجس، و…

الثانية: الاستعانة بمعاجم مواضيع القرآن. فقد وضع العديد من الكتب لكي تسهل عملية التعرُّف على القرآن. قامت هذه المعاجم بتجميع الآيات الواردة في كلّ موضوع على حدة، مثل: المعجم الجامع لمواضيع آيات القرآن الكريم، لمحمد فارس بركات، ومعجم فرهنگ قرآن (بالفارسية)، لمجموعة من محقِّقي مؤسسة آداب ومعارف القرآن، و…. وهذه المعاجم أيضاً غير كافية في استخراج جميع الآيات القرآنية المرتبطة بالموضوع المراد دراسته؛ وذلك راجع لأسباب، أهمّها: أنّ مؤلِّفيها كثيراً ما يكونون قد اتَّبعوا أساليب خاصّة في استخراج الآيات، وغالباً لا يكون هناك أيّ مبنى في اختيار الآيات، وإنما يكون منطلقاً عفوياً، وبالتالي استقراءً ناقصاً للآيات المشتركة المضمون. وحتى مع فرض انتفاء هذه النقائص كلّها فإنّ هذا لا يمنح الاطمئنان الكامل إليها؛ بلحاظ أنّ تجميع واستخراج كلّ آيات الموضوع إنّما يكون متيسِّراً إذا تمّ بحث المدلولات الأصليّة والفرعيّة والمقصود المباشر وغير المباشر للآيات. وبسبب اتساع مواضيع القرآن وانتشارها في أغلب الآيات القرآنية فهو عمليّاً ليس في وسع تلك المعاجم.

الثالثة: الرجوع المباشر إلى القرآن الكريم. وهو بعد ما قيل سابقاً يبقى الطريق الآمن لاستخراج جميع آيات الموضوع مباشرة، وهي عمليّة ميدانية. ونظراً لما تتطلبه هذه العملية من دقّة واستحضار كامل لجميع القوى الفكرية والعقلية لا بدّ من أمور ثلاثة:

1ـ لا يمكن الانشغال بأكثر من موضوع في نفس الآن؛ إذ البحث عن الآيات المرتبطة بأكثر من موضوع في نفس الوقت يعني فقدان التمركز، وتشتُّت الذهن، بحيث لا يستوعب كلّ مداليل الآيات الخاصّة بأحد المواضيع، وبالتالي يجعل الذهن يغفل عن العديد من الآيات ذات الصلة بالموضوع، ويجعلها تنفلت من تحت ناظريه، وهو في هذا يشبه آلة التصوير، التي بدل أن تسلِّط الضوء على صورة بعينها تنطلق لأخذ أكثر من مشهد في نفس اللحظة، وهو ما يفقد الصورة الوضوح، ويسبِّب فقدان جزء مهمّ من الصور وغيرها من العيوب.

2ـ كما سبقت الإشارة فكلّما كانت حدود الموضوع محدَّدة كلما كان استخراج الآيات ذات الصلة كاملاً وميسَّراً.

3ـ في المرحلة الأولى يجب إدراج جميع الآيات التي يُحتَمَل أنها ذات صلة بالموضوع، رغم أنه في المراحل الأخرى التالية سيتمّ فرز التي لها صلة حقيقةً، وإثبات مدخليتها في الموضوع، وتصفيتها عن ذات الصلة الكاذبة؛ لأن البحث يفرض استحضار جميع الشواهد والمستندات المحتملة؛ لما لها من تأثير على البحث، ولأنها بالتالي تحفظ له شموليته.

3ـ التصنيف والترتيب المنهجي للآيات: فبعد عملية استخراج الآيات وتجميعها لا بدّ من الانتقال إلى مرحلة تصنيفها وترتيبها وفق مجموعات منسجمة؛ حتى يسهل التعرُّف على مدلولاتها واستيعاب مفاهيمها. فلو أراد المفسِّر البحث في موضوع الإمامة والولاية في القرآن، وبعد أن يستخرج كلّ الآيات ذات الاشتراك، يجب أن ينتقل إلى تصنيفها إلى وحدات، ما يندرج تحت عنوان الولاية والإمامة العامّة قسم خاصّ؛ وما يدخل في الولاية الخاصة قسم ثانٍ. الولاية العامّة يذكر فيها الخلافة والوصاية التي عرفتها الأمم السابقة، نظير: خلافة هارون لأخيه موسى‘ حين خلفه على قومه لمّا أراد الصعود إلى جبل الطور، حيث نزلت عليه التوراة و… ثم الولاية الخاصّة، وتتجلى في أهل بيت نبيّ الإسلام محمد|. كذلك من المناسب في مبحث إمامة أهل البيت^ تقسيم الآيات إلى مجموعتين: الأولى: الآيات الناظرة في إمامة عليّ بن أبي طالب×، كآية الولاية، وآية التبليغ. الثانية: الآيات الناظر إلى إمامة وولاية جميع أئمة أهل البيت^، نظير: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59).

ويمكن النظر إلى الآيات الواردة في إمامة أهل البيت^ من أربع جهات:

أـ سبب النزول: كما هو الشأن في ما يتعلَّق بآية الولاية([43])، حيث كان تصدُّق الإمام عليّ× بخاتمه وهو راكعٌ يصلّي في المسجد لأحد المساكين سبباً في نزول هذه الآية الشريفة.

ب ـ شأن النزول: كما في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (البينة: 7)، حيث إن نزولها لم يكن لسببٍ، وإنما نزلت لتعالج مشكل أمر واقع، أو لتبيِّن حكماً شرعياً، أو تشرح حالاً خاصّةً. وقد وردت الروايات التي تؤكِّد نزول هذه الآية في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب والأئمة من ولده^([44]).

ج ـ بطن الآيات: كما في الآية الشريفة: ﴿وَعَلاَمَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 16)، حيث روي عن الإمامين الصادق والرضا‘، وعلى أساس بطن الآية، «أن المقصود بالنجم رسول الله|، والمراد بالعلامات أهل البيت^»([45]).

د ـ الجري([46]): وهو عبارة عن تطبيق الآيات القرآنية على مصاديق لم تنزِل في شأنها تلك الآيات. والمقصود به في هذه الدراسة انطباق الآيات على النبي| وأهل بيته الطاهرين^، ومخالفيهم، كما هو الشأن بالنسبة إلى قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 57)، حيث إن شأن نزولها ناظرٌ إلى بيان أن نجاة بني اسرائيل من ظلم فرعون كان على يد النبي موسى×، أما من باب الجري فهي تنطبق على الإمام الثاني عشر#، فهو وأصحابه مَنْ سيرثون الأرض، ويكون له التمكين فيها([47]).

وكما يظهر فإن تجميع الآيات وترتيبها قد يسهِّل أمر الاستنتاج واستخلاص النتائج، لكنه في المرحلة الأولى قد يجابه بالضعف، ولكن هذا الضعف يتبدَّد شيئاً فشيئاً بواسطة تفسير كلّ آية على حدة تفسيراً دقيقاً. فهذا الترتيب يسفر عن تنظيم فئوي وتصنيفي دقيق للغاية.

4ـ استخراج مداليل آحاد الآيات على أساس مباني التفسير: فبعد تجميع الآيات واستخراجها من جميع القرآن كمرحلة أوّلية ينتقل المفسِّر إلى البحث في كلّ آية على حدة، وتفسيرها وفق مباني التفسير. والمراد بمباني التفسير الأصول المعتبرة في الأصول، مثل: التعريف بالمفردات والكلمات القرآنية، القواعد الأدبية والبلاغية، قراءة آراء المفسِّرين، و…. ولمزيد من التوضيح فبعد ضمّ آية الولاية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: 55) إلى مجموع الآيات المرتبطة بالإمامة الخاصّة، والمنحصرة في إمامة الإمام عليّ×، ينتقل المفسِّر إلى بيان مدلولات الآية. وبالطبع فمداليلها تنكشف من خلال إعمال مراحل التفسير، وتكون باختصار على النحو التالي:

أـ كيف تدلّ «إنّما» على الحصر؟

ب ـ مفهوم (الوليّ)، وما هي إطلاقاته المختلفة؟

ج ـ العلاقة بين ولاية الله سبحانه وتعالى وولاية النبيّ الأكرم| وولاية عليّ×.

د ـ كيف يدلّ الجمع الوارد في ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ على شخص عليّ×، وهو مفرد؟

و ـ كيف أطلق لفظ الزكاة على تصدُّق عليّ× بخاتمه؟

ي ـ استحضار ودراسة رواية الفريقين حول سبب نزول هذه الآية. و…

وإذا كان البحث حول نظر القرآن حول الجبر والاختيار فحين يصل المفسِّر إلى الآية الكريمة: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: 95 ـ 96) فلا بدّ من تبيُّن ما المقصود من قوله: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، هل هي أعمال الإنسان والتي تعطف في هذه الفقرة على «خلقكم»، حيث تنسب إلى الله المتعالي، وبالتالي يصبح طرح الجبر وسلب قدرة الاختيار عن الإنسان ملائماً، وله دليله، أم أنّ المقصود أن الله خلقكم وما تنحتون من أصنام بأيديكم، وفي هذه الحال لا مكان للجبر وسلب الاختيار؛ إذ لا موضوعية لهما في البين([48])؟! وكما يبدو فإنّ هذه الآية كغيرها من الآيات الواردة في موضوع الجبر والاختيار، والتي تشكل سلسلة تربط بين جميع الآيات، تفصح عن الموقف الإلهي من الجبر والاختيار. وإن الاستنتاج النهائي والمنهجي من هذه الآيات منوطٌ بالدرجة الأولى باستخراج مداليل ومفاهيم كلّ آية من آيات تلك السلسلة بشكل أحادي.

5ـ استنتاج النظرية القرآنية من خلال ضمّ مداليل الآيات المكوّنة للموضوع، وقراءتها من جميع أبعادها ومناحيها: فبعد اصطياد واستخراج الآيات وتجميعها بما يتَّفق ومنهج التفسير الموضوعي يتمّ أخذ مداليل كلّ آية على حدة، وفق منهج التفسير الأحادي والترتيبي للآيات، وينتقل المفسِّر إلى مرحلة استخلاص نظريّة القرآن، والإجابة عن الأسئلة المطروحة حول الموضوع.

وكمثال: لو كان البحث حول مبحث العمل وثوابه، وعلاقتهما بمسألة الخلود من وجهة نظر القرآن، فبقطع المراحل السابقة نتوصَّل إلى النتيجة التالية:

أوّلاً: إنّ علاقة العمل بالجزاء تكوينية، وليست تشريعية وجعليّة صرفة.

ثانياً: رغم أنّ مفردة الخلود قد أتت في الآيات القرآنية، مثل: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 25، 39، 81، 217، 275؛ آل عمران: 107)، والتي تعني الاستمرار والدوام، إلاّ أنّها لا تعني الدوام والاستمرارية المطلقة([49]). لكنّ الحديث عن الأبديّة المطلقة في ما يخصّ عذاب بعض أصحاب النار جاء بشكلٍ لا يحتمل أيّ ترديد، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ (البقرة: 167)، و﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنْ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ (غافر: 49 ـ 50)، وهو التعبير الذي يؤكِّد استمرارية أهل النار في جهنَّم استمرارية مطلقة. إذاً فالاستنتاج النهائي لهذا الموضوع يبيِّن ويسدّ باب التأويل أمام بعض القائلين بوجود نهاية لعذاب أهل النار، وتبيِّن أنّ بعض أهل النار هم خالدون في العذاب مطلقاً وأبداً([50]).

6ـ تقييم النتائج من خلال عرضها على معايير وقرائن أخرى: فرغم أن استعمال مباني التفسير في ما يخص التفسير الأحادي للآيات، وكذا قراءتها من نواحٍ متعدِّدة، وبعد الدراسة والتمحيص يتمّ استخلاص النتائج، والخروج بنظريّة قرآنيّة حول موضوع أو قضية من القضايا، وهي النتائج التي وبلحاظ الطريقة المتَّبعة يمكن قبولها والاعتماد عليها، إلا أنّه؛ ونظراً لاعتبارات شديدة تبرز فيها الحساسية من نسبة أيّ نظريّة أو موقف إلى القرآن الكريم، فلا بدّ من عرض تلك النتائج على معايير وقرائن، والتي قد يكتفى فيها بالسنّة والعقل، وتكون المقارنة مع ما ورد في السنّة من أحاديث وروايات في جميع النقاط، بينما ينحصر العرض على العقل في مجال المواضيع العقلية في القرآن، وفق أصول ومبانٍ معتبرة، وذلك باعتبار أنّ أهل البيت^ هم حَمَلة كتاب الله، والوارثين لعلم النبيّ الأكرم، فبالتالي العرض على سنّتهم ضمانٌ لتلك النتائج من الانزلاق نحو الخطأ، وما ينتج عن هذا من مساس بحرمة القرآن وقدسيّته وتنزُّهه عن الخطأ([51]). فعلى سبيل المثال: من الممكن أن ينسب الباحث في عصمة الأنبياء الخطأ والنسيان إليهم، لكن بالرجوع إلى الروايات الصادرة عن أئمة أهل البيت^، والتي يؤوِّلون فيها الآيات التي قد يفهم منها الخطأ أو المعصية المنسوبة إلى الأنبياء، يتَّضح المعنى، ويعرف تأويلها لما يتناسب ومقامهم وعصمتهم الكاملة. وهذا هو الداعي وراء أمر أمير المؤمنين لابن عباس بمحاججة الخوارج بالسنّة، والابتعاد عن محاججتهم بالقرآن، فالقرآن كما قال عليّ بن أبي طالب× «حمّال وجوه»([52]). فتلك الوجوه نافذةٌ أمامهم للاحتجاج، أمّا مع السنة فلا فرار لهم سوى التسليم، فهي مبيِّنة ومفصِّلة للقرآن، وهذا ما يجعلها قرينةً يستند عليها في دفع الخطأ عن تلك النتائج، وتصحيح ما استنتج من مداليل الآيات.

العقل كذلك هو حجّة باطنيّة أودعها الله في خلقه. إذا سلم عن الشبهة والباطل عُدَّ ميزاناً ومعياراً يعرف حدود الحقّ والباطل([53]). وبذلك يكون مستنداً وجدانياً في بيان خطأ ما استنتج من مداليل الآيات، ويصحِّح هفوات نظر المفسِّرين في ما استخلصوه من نتائج ونظريات. ولو أنّ الفخر الرازي استند إلى العقل في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: 22 ـ 23) ما كان ليخطئ في نسبة إمكان رؤية الله، ولأدرك أنّ الرؤية بالعين إنّما تجوز لأمر جسماني ومادي، وحيث إن الجسمية والمادّية تستحيل في حقّ الله تعالى فإنّه وبالتَّبَع تستحيل رؤيته بالعين.

 

 

الهوامش

___________________

(*) باحثٌ في علوم القرآن الكريم.

([1]) انظر: الزرقاني، مناهل العرفان 1: 28 ـ 29، بيروت، دار الكتب العلمية، 1988م.

([2]) الحكيم، تفسير سورة الحمد: 91، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1420هـ.

([3]) ناصر مكارم الشيرازي، رسالة القرآن 1: 19، قم، نسل جوان، 1373هـ.ش.

([4]) المصدر السابق 1: 21.

([5]) جوادي الآملي، زن در آيينه جمال وجلال: 59، قم، مؤسسة إسراء.

([6]) المصدر نفسه.

([7]) معرفت، التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 2: 526، مشهد، دانشگاه علوم إسلامي رضوي، 1418هـ.

([8]) المصدر نفسه.

([9]) اليزدي، فقه القرآن 1: 9، قم، مؤسسة إسماعيليان، 1374هـ.ش.

([10]) إبراهيم زكي الشنتاوي، عبدالحميد يونس، دائرة المعارف الإسلامية 1: 368، بيروت، دار المعرفة.

([11]) الصغير: 120 ـ 201.

([12]) المصدر السابق: 121.

([13]) المصدر نفسه.

([14]) الذهبي، التفسير والمفسِّرون 1: 148 ـ 149، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بدون تاريخ.

([15]) حداد عادل، موسوعة العالم إسلام  7: 627 ـ 628، طهران، مؤسسة دائرة المعارف الإسلامية، 1382هـ.ش.

([16]) المصدر السابق 7: 627.

([17]) انظر: مؤدب، روشهاي تفسير قرآن: 246 ـ 248، قم، جامعة إشراق، 1380هـ.ش؛ حداد عادل، موسوعة العالم إسلام  7: 639 ـ 646.

([18]) الصدر: 19.

([19]) المصدر السابق: 28.

([20]) المصدر نفسه.

([21]) التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 2: 526.

([22]) المصدر السابق 2: 527 ـ 528.

([23]) رسالة القرآن 1: 29.

([24]) انظر: النصيري، مكتب تفسيري صدر المتألهين: 66 ـ 79، رسالة دكتوراه، جامعة طهران ـ كلية الإلهيات، 1382هـ.ش؛ الملا صدرا 4: 75.

([25]) نهج البلاغة، الخطبة 133.

([26]) نهج البلاغة، الخطبة 158.

([27]) بحار الأنوار 74: 92 ـ 110.

([28]) المصدر نفسه.

([29]) الكافي 1: 13 ـ 20.

([30]) دائرة المعارف الإسلامية 1: 347.

([31]) انظر: الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 1: 40 ـ 41، بيروت، دار الأضواء، 1403هـ؛ اليزدي، فقه القرآن 1: 9 ـ 13؛ قرباني، تفسير جامع آيات الأحكام 1: 18 ـ 23، قم، سايه، 1380هـ.ش.

([32]) انظر: التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 2: 480 ـ 506.

([33]) المائدة: 3.

([34]) الطبرسي، مجمع البيان في علوم القرآن 6: 136، طهران، ناصر خسرو؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 12: 195 ـ 196، قم، جماعة المدرسين.

([35]) الكافي 5: 491.

([36]) انظر: الواحدي، أسباب النـزول: 297، قم، انتشارات الرضي، 1361هـ.ش؛ الميزان في تفسير القرآن 20: 203 ـ 204.

([37]) انظر: الميزان في تفسير القرآن 12: 332.

([38]) انظر: المصدر السابق 18: 322.

([39]) زن در آيينه جمال وجلال : 61 ـ 62.

([40]) المصدر السابق:  259.

([41]) المظفر، المنطق: 23، دارالتعارف، بيروت، 1400هـ.

([42]) بحار الأنوار 40: 178.

([43]) المائدة: 55.

([44]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 254، قم، مؤسسة الناشر الإسلامي، 1412هـ.

([45]) الكافي 1: 206 ـ 207.

([46]) انظر: النصيري، «العلامة المجلسي وتعامل با روايات تفسيري أهل البيت^» مجلة علوم حديث، العدد 24، 1380هـ.ش.

([47]) نهج البلاغة، الخطبة 208؛ الكوراني، معجم أحاديث المهدي# 4: 353 ـ 357، قم، مؤسسة معارف إسلامي، 1411هـ.

([48]) انظر: الطوسي، التبيان في تفسير القرآن 8: 513، قم، جماعة المدرسين، 1413هـ؛ مجمع البيان في علوم القرآن 8: 318 ـ 319.

([49]) انظر: الراغب الاصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن: 154، طهران، مكتبة مرتضوي، 1362هـ.ش.

([50]) انظر؛ النصيري، مكتب تفسيري صدر المتألهين: 41، 238، 246.

([51]) انظر: الكافي 1: 214 ـ 215.

([52]) انظر: نهج البلاغة، الخطبة 77.

([53]) انظر الخراساني 1: 59.