الاتّجاهات الفقهيّة عند الإماميّة

28 يناير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
450 زيارة

الاتّجاهات الفقهيّة عند الإماميّة

في القرنين الثاني والثالث الهجريّين

د. أحمد باكتجي(*)

ترجمة: د. نظيرة غلاب

خلاصة

إن إجراء دراسة تامة للنتاج الفقهي الإمامي خلال القرون الأولى يكاد يعدّ ضمن السهل الممتنع؛ وذلك لقلة المصادر والمراجع، بل لشحّ المصادر الموثوقة التي يمكن الاعتماد عليها في مثل هذه الدراسة، وكذا لحجم التحوُّلات المهمة التي عاشها الفقه الإمامي في بنياته الفكرية.

لكنْ يمكن ولوج ساحة هذا البحث من خلال تتبُّع مواضع استعمال الاستدلال الفقهي، وكيفية تعامل الفقهاء مع الأدلة الشرعية التي تكشف بشكلٍ نسبي تمايزاً بين الفقهاء بلحاظ نظرياتهم ومبانيهم الفقهية.

ومما لا شَكَّ فيه أنّ المعرفة العميقة بتاريخ الفقه الإمامي خلال القرون الأولى من تاريخ الإسلام تستلزم البحث في اتجاهات الفقهاء، واختلاف مبانيهم ونظرياتهم.

في هذا المقال نسعى إلى تتبُّع حلقات اجتهاد الفقهاء، والاطلاع على منهج وأسلوب كلّ واحد منهم، وبالتالي تشخيص مبانيهم المختلفة.

ويُلاحَظ بشكلٍ محسوس في هذه الفترة انعقاد حلقات الاجتهاد في وسط الفقهاء. هذه الحلقات الاجتهادية التي ما لبثت أن جُوبهت بتحرُّكات التيار المضاد، الذي بدأت تتصاعد وتيرته، في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري، في وسط المحدِّثين والمتكلِّمين على السواء.

إن البحث في اتجاهات الفقه الإمامي خلال المئة الثانية والثالثة من تاريخ الإسلام تتلاطمه أمواج الصعوبات؛ نظراً للتحوُّلات التي لازمت تشكُّله كعلمٍ مستقلّ؛ ولقلّة المصادر التي تناولت المراحل الأولى من تاريخه.

ومن دون الاستغراق في تعريف الفقه؛ لأنه ليس محلّ بحثنا، لكنْ لتشخيص حدود الموضوع نقول: إن الفقه المقصود هنا بالبحث بشكلٍ مجمل هو كل أشكال البحث في مسائل آداب وأحكام العبادات، المعاملات وتدبير أمور الدولة والرعية، وبعبارةٍ أخرى: الفقه المقصود في هذا المقال هو أعمّ من الفقه الاستدلالي، يعني كل أنواع الفقه التي توسَّعت فيما بعد، والتي تتناسب وما كان موجوداً خلال القرنين الثاني والثالث، ليكون كذلك الفقه الروائي حاضراً في هذا البحث بشكلٍ قويّ، من دون الخلط بين علم الفقه وعلم الحديث؛ كون البحث هنا مقتصرٌ على الفقه الإمامي خلال المئة الثانية والثالثة بشكلٍ مفصَّل وموسَّع، لكنّ الحقيقة أنه في العصر الحاضر الطريق الوحيد للاطّلاع على جوانب النظام الفقهي في تلك الفترة يبقى هو التقريرات والمعلومات التي حملتها الروايات في الكتب الأربعة وباقي المجاميع الحديثية الفقهية الأخرى، وضمن ما بقي من مؤلَّفات تلك الفترة المحدودة وقليلة العدد.

وفي هذه التقريرات غالباً ما نرى أن فتاوى وأحكام الفقهاء يتمّ إرجاعها إلى أئمة أهل البيت^، ولذا لا يمكن أن تكون الروايات الفقهية مبينة بشكل مباشر لآراء الفقهاء واتجاهاتهم، لكنْ في المسائل التي يلاحظ فيها نقل روايتين أو أكثر مختلفتين عن الأئمّة^ فإنّ اختيار وانتخاب الرواة الذين قد يكونون ضمناً من الفقهاء الكبار لا يمكن أن نعدّه أمراً اتّفاقياً، بل يمكن أن يكون ناتجاً عن أسلوبٍ نظريّ، وعن تحقيقات وتتبُّعات علمية، وبالتالي إن انتخاب الرواة واختيار البعض دون البعض الآخر يمكن أن يكون مصدراً كاشفاً عن اتجاهات الرواة الفقهاء، فتصبح الاتجاهات المخفية لدى فقهاء تلك الفترة منكشفة من خلال انتخاب رواة كتبهم ودفاترهم الحديثية الفقهية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الروايات، أو بتعبيرٍ أدقّ: التقريرات الفقهية المتبقّية من القرنين الثاني والثالث الهجريين، يمكن تناولها من منظورين مختلفين، ولغايتين مختلفتين:

الأول: المنظور الفقهي، الناظر إلى مسألة استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية.

الثاني: المنظور التاريخي، الناظر إلى تاريخ الفقه، بقصد الاطّلاع على اتّجاهات الفقهاء الذين وقعوا بعنوان رواة في سلسلة أسانيد الفقهاء من أصحاب الكتب الحديثية.

وفي المنظور الأول ـ أي المنظور الفقهي ـ ينصبّ البحث الأوّلي على الرواة، حيث يكون علم نقد الرجال أداته الأولى، حتى يتمكَّن من تعيين قيمة سند الحديث، ومدى صدوره أو عدم صدوره عن المعصوم×. فيكون الهدف الأصلي والموضوعي في هذا المبحث هو كشف الحكم الفقهي على لسان المعصوم×. أما ما يتمّ خلاله من بحثٍ عن الرواة فهو بحثٌ فرعي وثانوي، وعلى سبيل الطريقية.

وفي المنظور الثاني، الذي يبحث فيه عن هذا الفقه من وجهة نظر تاريخية، لا يكون الهدف هو الحجّية في مقام استنباط الأحكام، بل الهدف من هذا البحث ضمن ثنايا التقريرات الفقهية هو كشف الاتجاهات المختلفة للفقهاء في تلك الحقبة من تاريخ الفقه الإمامي. ثم إن الأسلوب المتَّبع في البحث لا يكون على شاكلة الأساليب المعهودة في البحث الفقهي، بل أسلوبه هو نفسه السائد والمعمول به في التقريرات والمعلومات التاريخية. والنتيجة التي يتوصل لها هي كذلك على نفس منوال طريقة الاستنتاجات التاريخية.

الفقه الإمامي والمسار العام لتدوين الفقه

رغم أن الفقه الإمامي ظلّ شرحه وتفصيله خلال فترة المئة الثانية والنصف الأول من المئة الثالثة متوقِّفاً في أساسه على أئمّة أهل البيت^ بالمدينة، إلاّ أن هذا لا يعني أنه اختصّ بالمدينة، دون غيرها من الأمصار. فقد كان القسم المهمّ والكبير من الشيعة وأتباع الأئمة× يستوطنون سواد العراق، وبالأخص الكوفة، ثم إن بُعْد مقامهم عن الأئمة^؛ بلحاظ المكان، وصعوبة اتّصالهم بهم، جعلت الناس يتوجَّهون إلى الفقهاء من أصحاب الأئمة^، ناظرين إليهم بعنوان المرجع الديني الذي يستطيع من خلال تلمُّذه على الأئمة^، ومن خلال ما يحمله من روايات وأحاديث عنهم، الإجابة عن أسئلتهم واستفتاءاتهم الفقهية، وخصوصاً بعد صدور توجيه من الأئمة^ لهذا الأمر في أكثر من مناسبة([1]).

ولكون القسم الكبير من مسيرة الفقه الإمامي ومراحل تدوينه قد جَرَتْ في العراق فإن محاولة قراءة في اتجاهاته الداخلية لا يمكن أن تتمّ بشكلٍ صحيح ما لم يؤخذ بعين الاعتبار المسار الفقهي الموازي له في المحيط الفقهي العام الذي كان في المنطقة. ولكي تتمّ مقارنة الفقه الإمامي بغيره من أشكال الفقه الأخرى المتواجدة في منطقة العراق في تلك الفترة من عمر الزمن نشير إلى نقطةٍ لها أهمّية خاصة هنا، وهي أن علم الفقه؛ باعتباره مجموعة من القواعد، رغم الاختلاف الواسع في مجال الأحكام والفتاوى بين المذاهب، ظلّت توحِّده، أو في الحدّ الأدنى تجمعه، لغةٌ مشتركة، وهي التي يمكن تسميتها باللسان التخاطبي الفقهي، حيث تعتبرها المذاهب المختلفة عنصراً إجرائياً لا يمكن فصله عن الفقه.

ففي النظرة الكلية لعلم الفقه ومسيرة تأسيسه وأخذه شكله الخاص به لا بُدَّ من التذكير أن عدّة عناصر، نظير: طرح المباحث الفقهية وتوسُّع مجالاتها، منهج البحث وأسلوب تدوين المسائل الفقهية، وسبك تصنيف الكتب، وتبويبها بحَسَب الأبواب الفقهية، وأخيراً التعاريف والاصطلاحات الفقهية، كل هذا كان يتمّ في إطار «بين المذاهب»، حيث يبدو واضحاً تأثير الاتجاهات والتوجُّهات المذهبية والفرقية في ذلك كلّه. وفي الحقيقة لا يمكن إجراء مقارنة لكلّ هذه العناصر إلاّ إذا كانت بشكلٍ مجمل مجموعة من المصطلحات والمباني في التحليل تتمّ على مستوىً واحد بين المذاهب الفقهية المختلفة، والتي تتمّ في بنيتها بلحاظ اللفظ والقواعد الفقهية ضمن لسانٍ تخاطبي واحد داخل تلك المذاهب؛ بحيث إنه حتّى إذا طرح أحد المذاهب مطلباً من المطالب، ولم يكن مقبولاً أو مرحَّباً به لدى المذهب الآخر، أو لم يكن موضع تصديق (حجّة) لديه، فإن تلك اللغة المشتركة واللسان التخاطبي الفقهي المشترك تُمَكِّن في الحدّ الأدنى من فهم وإدراك ذلك المطلب.

بعد هذه المقدّمة، وبعنوان نظرة عامة عن تاريخ الفقه بالعراق، لا بُدَّ من التذكير بأن الفقه في العراق في العقود الأخيرة من القرن الهجري الأول قد انتقل من مرحلة الفقه البدوي والأوائلي إلى مرحلة الفقه المدوَّن، ثم إلى مرحلة أعمق وأشد تعقيداً. والواقع أن الفقه في العراق، وبشكلٍ خاص في الكوفة، إلى أواسط المئة الثانية، كان قد قطع عدّة مراحل. فقد طوى وراءه مرحلة الفقه الابتدائي أو البدوي، ثم مرحلة الفقه التقديري، وانتقل بعدها إلى الفقه المدوَّن، ليقطع كلّ تلك المراحل ويطويها واحدةً بعد أخرى. وكانت نظرته العامة «للاجتهاد بالرأي» تمهِّد له الطريق في الانتقال من مرحلةٍ إلى أخرى.

وكان تلامذة ابن مسعود؛ باعتباره راعي الرعيل الأول لهذا المنحى في الفقه بالكوفة، يرَوْن الاجتهاد بالرأي في مساحةٍ محدَّدة، أي في المستحدثات والمستجدّات فقط. وقد ظهرت إلى جانبهم مجموعةٌ أخرى كانت وراء إيجاد الجواب للأسئلة الافتراضية والمقدّرة، وتتمثَّل هذه المجموعة في ما عرف بـ «أصحاب الرأي»، والتي طرحت نفسها في أواخر القرن الهجري الأول وبداية القرن الثاني كطرفٍ مقابل لأصحاب السنّة، أو ما عُرف بأصحاب النصّ([2]).

لقد كانت الظروف التاريخية والاجتماعية مانعاً أمام توسُّع وانتشار اتجاه منهج الرأي في المحافل الفقهية خلال المئة الهجرية الأولى، إلاّ أنهم في العقود الأولى من القرن الثاني تمكَّنوا من أن تكون لهم القدرة والقوّة الأولى الحاضرة في الوسط الفقهي، ليصبحوا فقهاء العراق بامتياز([3]).

التحليل الأوّلي لهذا الوضع يظهر أن دخول الاجتهاد بالرأي إلى المرحلة الجديدة هو مَنْ جَعل التقدُّم والغَلَبة لأصحاب الرأي على أصحاب النصّ وأهل الحديث، ولم يكن ذلك بسبب أقلّية الطرف الأخير أو ضعف تواجده العددي في ساحة الفقه، بل كان نتيجة التحوُّل في منهج الاجتهاد، وإيجاد تحوُّل في أسلوبه ومبانيه بالكوفة.

في بداية مرحلة تدوين الفقه بالكوفة أُعطيت مكانةٌ خاصة لأبي حنيفة، لكنْ تصدَّر ابن أبي ليلى قائمة الأوائل. فقد أعطى للفقه دفعة قوة؛ إذ نفخ فيه روح الاجتهاد بالرأي بشكلٍ كبير. لكنّ هذا الاتجاه سرعان ما واجه في نفس المئة الثانية من التاريخ الهجري معارضةً قوية من طرف مجموعات مختلفة، منها: الإمامية؛ والشافعية؛ وفقهاء «أصحاب الحديث»؛ وكذا علماء المعتزلة؛ و…، حيث تحركوا بأدوات مختلفة في نقد أسس الاجتهاد بالرأي، ودحض مرتكزاته.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه إلى جانب الإمامية، حيث تختصّ هذه المقالة في دراسة اتجاهاتهم في الفقه في تلك الفترة، نجد أن الشافعية كانت تعمل على تضعيف الرأي، وترفع من مقام العمل بالقياس. وكذلك المعتزلة كانوا يطرحون العمل بالعقل السليم بما له من الحجِّية في مقدّمات الرأي والقياس. لنعلم بذلك أن كلّ واحد من تلك المجموعات الفقهائية المتواجدة في تلك الفترة كانت تسعى إلى إيجاد طريقة في الاجتهاد، ونظاماً متفرِّداً في الفقه. لكن أهل الحديث في الكوفة، على رغم انتقادهم شديد اللهجة للرأي ومنهج أصحاب الرأي، لم يكونوا يعترضون مبدئياً على أصل الاجتهاد بالرأي، وكانوا يرَوْن القياس واحداً من أساليب الاجتهاد([4]).

إن سعي فقهاء أصحاب الرأي في تدوين الفقه وآلياته في الاجتهاد في النصف الثاني من المئة الثانية الهجرية كان عاملاً وعنصراً مهمّاً في تقوية مكانتهم في العراق خاصة. وفي المقابل مكَّنهم من تضعيف قدرة أصحاب الحديث والمخالفين لهم. وهذا الوضع أوجد حالةً خاصة بين الفقهاء، بحيث إن أصحاب الحديث، ورغم مخالفتهم الشديدة لأصحاب الرأي، كانوا ينعطفون إلى مدوَّناتهم في الفقه ومدوَّناتهم في الاجتهاد.

وهروباً من مفردات الرأي وأدبياته، التي توسَّع استعمالها بشكلٍ كبير في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، رفع في المقابل شعار أصحاب الحديث في العراق وفي باقي أمصار العالم الإسلامي. وهذا الوضع كان سبباً في بروز اتجاه جديد في وسط فقه أصحاب الحديث يختلف تماماً عن مسلكيّاتهم، حيث بدا التشبُّث أكثر بالآثار والسنن، والابتعاد عن القياس والرأي، إلاّ في مواطن الضرورة، كما لوحظ فيه التشديد على الاحتياط، وترك المسائل التقديرية([5]).

في العقود الأولى من المئة الثانية للهجرة برز بين أصحاب الأئمة× علماء شيعة، نظير: جابر بن يزيد الجعفي، وأبان بن تغلب، في المحيط الفقهي في العراق، كعلماء وفقهاء مبرَّزين. تظهر مكانة هؤلاء الفقهاء في تشكيلهم لحلقات التعليم والتعلُّم، بحيث لم يجِدْ عامّة فقهاء العراق بُدّاً من المشاركة والانضمام إليها. ومن جملة أساتذة هؤلاء الفقهاء الشيعة نذكر الحكم بن عتيبة، خليفة الشعبي، ومن تلامذتهم: شعبة الحجّاج، وشريك النخعي([6]).

والمثير في الأمر، حَسْب ما نقلته المصادر الرجالية غير الشيعية، أن شريك النخعي تعلَّم آلاف المسائل الفقهية عن جابر، ودوَّنها في دفاتره([7]). بينما ذكر النجاشي أن ما رُوي ونقل عن جابر الجعفي في باب الحلال والحرام في كتب الإمامية قليل جدّاً([8]).

وتجدر الإشارة إلى أن الفهرست الذي دوَّنه اليعقوبي عن مشاهير أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي قد أورد اسم جابر بن يزيد الجعفي ضمن الفقهاء الكبار، أمثال: ربيعة الرأي؛ ابن جريج؛ ابن أبي ليلى؛ والأوزاعي([9]).

وحول قيمة فقاهة أبان بن تغلب يكفي ذكر ما أوردته مصادر الكافي أن الإمام الباقر× كان قد أمره أن يجلس للإفتاء بالمسجد النبوي في المدينة المنورة([10]).

إن وجود هذه المكانة الخاصة والدَّوْر الكبير لهؤلاء الفقهاء الشيعة في بداية المئة الثانية يكشف فعلاً عن حقيقة تاريخية تكمن في أن فقهاء الإمامية، وبالذات في عصر الإمام الصادق×(114 ـ 148هـ)، وتحت رعايته الخاصة، قد توسَّعت مساحاته، ودخل مرحلة التدوين بشكلٍ أوسع. ويمكن فعلاً الحديث في هذه الفترة عن مناهج واتجاهات فقهية لدى فقهاء الإمامية، وخاصّة في محيط الكوفة، واعتبارها مسألةً طرحَتْ نفسها بجِدّيةٍ وبامتيازٍ خاصّ.

عرضٌ للمدارس والاتجاهات

رغم الضعف والنقائص التي يعاني منها البحث الدقيق حول التوجُّهات والاتجاهات التي ظهرت في مجالات الفقه الإمامي إبان المئات الأولى، لكنّ هذا لا يمنع من الوصول الإجمالي إلى ذلك، من خلال تتبُّع استعمال الأدلة الفقهية المختلفة، وطريقة الاستفادة منها من قِبَل فقهاء الإمامية. ففي المئة الثانية يمكن تشخيص وتمييز عدّة توجُّهات في الفقه، ففكرة التحليل للمتون؛ واستعمال مصادر أخرى، تدل على تواجد تيارات متعدِّدة في الوسط الفقهي الإمامي:

التيار الأوّل: المتكلِّمون، يتصدَّرهم جيلٌ متميِّز، تمثَّل في هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن.

وفي التيار الثاني تطلّ علينا شخصيات علمائية وفقهاء، أمثال: هشام بن سالم، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، الذين شكَّلوا الحلقة الأولى بالكوفة([11]).

وفي التيار الثالث شخصياتٌ مثل: زرارة بن أعين، وبعده عبد الله بن بُكَيْر.

وإلى جانب هذه التيارات والتوجُّهات الفقهية وجدت بعض حلقات الدرس المحدودة، كحلقة محمد بن مسلم الثقفي؛ وحلقة أبي بصير الأسدي.

هذه الفصائل، أو بلغةٍ لا تخلو من المسامحة «أهل الاجتهاد» أو «أهل الاستنباط»، كانت قد تابعت نشاطها وفعالياتها إلى أواسط المئة الهجرية الثالثة. لكنْ في مقابلهم كان ينشط الجناح المعارض بشدّة للرأي في محافل الفقه الإمامي، والذي كان يقوم على مبدأ لكل قضية أو مسألة حكمٌ في روايات المعصومين^، وكلُّ اجتهاد خارج هذه الدائرة هو باطلٌ ومرفوض.

وهذا التقابل ظاهرٌ بشكل واضح في المتبقّي من الآثار الإمامية القديمة. لكن بحَسَب ظاهر ما حملته تلك المصادر أنّ تيار الوقوف عند الأخبار كان هو الغالب، بالمقارنة مع اتجاه الاجتهاد، وهو الوضع الذي نستقرئه من حجم تقريرات المحدِّثين والكلاميّين بشكلٍ مشترك.

استمرّ اتجاه الأخباريين في الصدارة إلى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وكانت له الغلبة على مستوى كلّ محافل الفقه الإمامي، ودام على نفس الحال إلى المئة الرابعة.

غلبة هذا الاتجاه في الفترات المذكورة، ومخالفتهم لمباني فقهاء الاتّجاه الآخر، لم تكن مانعاً أمامهم في الاستفادة من كبار فقهائه، نظير: هشام بن سالم، هشام بن الحكم، زرارة بن أعين، محمد بن مسلم، وأبي بصير، في ما روَوْه ونقلوه عن الأئمة^؛ نظراً لأنهم على اعتدال في هذه الفترات، بحيث لم يكونوا يرَوْن تلازماً بين ما رواه هؤلاء الفقهاء وبين اتجاهاتهم في الاجتهاد، حتّى ظهر في كتبهم الجمع بين مختلف الاتجاهات، بل إنهم روَوْا عن الفِرَق المختلفة، كالفطحية، والواقفية.

لكنْ رغم وجود هذا الاتجاه الأخباري المعتدل، الذي عمل على تأييد روايات وأخبار هؤلاء الرجالات المتقدِّم ذكرُهم، نجد في المئة الثالثة ظهور شخصيات أخبارية متطرِّفة، لم تغفل عن ذكر مخالفتها لتيار «الاجتهاد»، ولم تتوانَ في إظهار تلك الاختلافات، وتدوينها، لدرجة أصبحت المعيار والملاك في القبول أو عدم القبول. والشاهد الحي على هذا التوجُّه في جناح الأخباريين عناوين آثار سعد بن عبد الله الأشعري، حيث ما فتئ يذكر مواجهته لاختلافات السابقين. ولعلّ منها رسالة عليّ بن إبراهيم المعنونة بـ «رسالة في معنى هشام ويونس»([12])، والتي عمل فيها على تأييد اجتهادات هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن([13])، التي يحتمل أن تكون ردّاً على كتاب معاصره سعد بن عبد الله، والذي كان تحت عنوان «مثالب هشام ويونس»([14]). لكنّ سعد بن عبد الله لم يقبل كلام عليّ بن ابراهيم في ردّه، وعمد إلى كتابة ردّ مستقلّ([15]) على الردّ الأخير، ينتقد فيه آراء إبراهيم حول هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن. وفي ظلّ كتابات عليّ بن ابراهيم وسعد بن عبد الله لا بُدَّ من ذكر كتاب عبد الله بن جعفر الحميري، وكان معاصراً لهما، حيث صنَّف كتابه «ما بين هشام بن الحكم وهشام بن سالم في القياس… والحديثين المختلفين»([16]). والشاهد عندنا هنا في ذكر هذا الكتاب الأخير أنه يكشف عن اختلاف الاتجاهات والتوجُّهات في الفقه في الوسط الإمامي. وأخيراً لا بُدَّ من ملاحظة قصّة الفضل بن شاذان حول أحمد بن محمد بن عيسى، وكان من الفقهاء الأخباريين في قم،حيث كانت له سقطاتٌ كبيرة في حقّ يونس بن عبد الرحمن، أعلن التوبة عنها([17]).

إلى جانب الاتجاه الأخباري الغالب كانت بقايا الاتّجاه السابق «أهل الاجتهاد» تنشط في مساحاتها على نطاق محدودٍ، ومن جملتهم: أصحاب فكر هشام بن الحكم في المئة الثالثة، مع وجود تقارب بينهم وبين جناح الأخباريين الغالب، لكنْ متميِّزون عنهم نسبيّاً.

وكذلك كان أصحاب فضل بن شاذان([18]).

وكذلك أتباع جناح آل أعين، والذين كانوا يسمَّوْن «الزرارية»، استطاعوا؛ بانضمامهم إلى «العمارية» (أتباع عمار الساباطي)، أن يؤسِّسوا المدرسة الإمامية الفطحية([19]). لكنّ تشخيص حدّ التمايز بين فطحية القرن الثالث في أسلوبها ومنهجها الفقهي عن الاتجاه الأخباري في مدرسة الفطحية مسألة تستلزم بحثاً مستقلاًّ خارجاً عن حدود هذه المقالة.

وفي الأخير لا بُدَّ من ذكر حلقة أبي عيسى الورّاق، وخلفه ابن الراوندي، والتي كانت بمثابة الاتجاه البرزخي بين الإمامية والمعتزلة، وكان لها دورٌ كبير في إدخال مباحث فقهية مختلفة إلى ساحة الفقه الإمامي.

وإلى جانب تلك الاتجاهات الفقهية والتيارات العلمائية ظهرت بعض الاعتقادات الكلامية، وبالخصوص في مبحثي التوحيد والإمامة، كان الغرض منها تعميق مواضع الاختلاف، وتعديل كفّة هذا التيار على حساب التيار الآخر. لكنّ ما يهمّنا هنا بعنوان التمايز في الاتجاهات بين كلّ تلك الفصائل هو المنهج والأسلوب الفقهي، وبالخصوص ما يرتبط بمسألة نقد الحديث والاجتهاد بالرأي، وهما النقطتان اللتان كانت لهما حساسية خاصة في محافل الفقه الإمامي، وحتى لدى بعض المذاهب الأخرى، خلال القرنين الثاني والثالث الهجريّين.

وقبل تفصيل الكلام في المسألتين السابقتين لا بُدَّ من القول: إن الفقه عند المدرسة الإمامية قائمٌ بشكلٍ عامّ على استنباط الأحكام الشرعية من طريق القرآن والحديث النبويّ وروايات الأئمة^، التي كانت تحمل أحكاماً وفتاوى للعديد من المستحدثات. لذلك كانت مباحث نقد الحديث والاجتهاد في الكثير من الموارد ثانوية، وأتت متأخِّرةً، مقارنةً بنظيراتها لدى الاتجاهات المخالفة.

اختلاف الطرق في نقد الحديث

في بداية هذا المبحث لا بُدَّ من ذكر ظهور الاختلافات في المئة الأولى في نقل سنّة النبيّ الأكرم| وأحاديثه في عصر الصحابة، حيث استدعت الضرورة بحث أسباب هذا التعارض، وبيان الطرق الصحيحة في التعامل مع هذه الأحاديث، مما أوجد حالة واسعة في بحث هذا الموضوع في عصر التابعين([20]).

وفي فترة الانتقال من المئة الأولى إلى الثانية؛ ولغرض التوصُّل إلى طرق صحيحة في التعامل مع الأحاديث المتعارضة، اعتمدت في وسط أصحاب الحديث طرق الجمع بين كلّ تلك الأحاديث.

وكمثال على ذلك نذكر أن ابن سيرين؛ سعياً للجمع بين حديثين، من خلال اختيار طريق الاحتياط، طرح ما أسماه ترجيح الأحوط، واعتبر العمل بالحديث الآخر جائزاً([21]).

وفي الاستشهادات الروائية لأصحاب الرأي، ومن دون التشديد على مسألة الجمع بين الأحاديث المتعارضة، طرح ما يعبِّرون عنه بترجيح السنّة الثابتة على السنّة غير الثابتة في مواضع التعارض([22]).

وعدم تركيزهم على مسألة الجمع بين الأحاديث المتعارضة كان سبباً في عدّهم العديد من الأحاديث المنسوبة إلى النبي الأكرم| غير معتبرة([23]).

ودوَّن الشافعي في أواخر هذه المئة طرقاً في الجمع بين الحديثين المتعارضين([24])، حيث عمل على تبويب وترتيب الأحاديث المتعارضة، تحت عناوين: الناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفسِّر، كما تحدَّث عن طرق للترجيح بين حديثين متعارضين([25]).

وفي هذه الفترة انبرى مجموعةٌ من علماء المعتزلة، كإبراهيم النظّام، للهجوم على مجموعةٍ من ناقلي الحديث، وعدّ الكثير ممّا نقلوه من الأحاديث موضوعة ومجعولة([26]).

أما في وسط الإمامية فلا بُدَّ أوّلاً من التذكير بمجموعة من الطرق والمناهج في التعامل مع الأحاديث المتعارضة، أو الجمع أو الترجيح بينها، والتي نقلت عن كلٍّ من الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم ثمّ الإمام الرضا^ خلال القرن الثالث الهجري([27]).

وتجدر الإشارة إلى أنه في النصف الثاني للمئة الثانية ظهرت اختلافات بين الفقهاء وذوي الاختصاص حول كيفية التعامل مع الأحاديث المروية عن الإمامين الباقر والصادق’، وكيفية معالجة الاختلاف الظاهر بينها، حتّى تحوَّلت إلى موضوع هامّ في محافل الحديث عند الإمامية([28]). ومنذ هذه الفترة سوف نرى عملياً إيجاد قسم من المباحث يتناول فيها بشكلٍ خاصّ مسألة اختلاف الحديث عند الإمامية.

وكيفما كان الحال فإنّ اختلاف الحديث بكلّ أشكاله، ومن كل جوانبه، شكّل في تلك الفترة مادّة دسمة أمام البحث والنقاش بين الفقهاء وعلماء الإمامية، وسجل عندهم الموضوع الأول بامتيازٍ. يظهر لنا ذلك بشكلٍ واضح من عدّة معطيات تاريخية، أهمّها: عنوان مجموعة من الكتب التي صنِّفت في تلك الفترة، ونقصد بالذات كتاب الحميري، الذي حمل عنوان «ما بين هشام بن الحكم وهشام بن سالم و[في]…. الحديثين المختلفين»([29])، حيث يؤشِّر إلى وجود اختلاف في طرق التعامل مع الأحاديث المختلفة، واختلاف شكل التعاطي معها ضمن منظومة الحديث بين هذين العلمين الإماميّين هشام بن الحكم وهشام بن سالم. وكذلك ما عدّ ضمن آثار هشام ابن الحكم كتابه «الأخبار»، الذي على الظاهر كان في نقد الروايات([30]).

 وحول أسلوب وطرق هشام بن الحكم ومَنْ كان على مبناه في معالجة الأخبار المختلفة نشير إلى كتاب «اختلاف الحديث»، لمصنِّفه يونس بن عبد الرحمن([31]). هذا المصنَّف الذي لم يبقَ من أثره حالياً سوى مجموعة من الروايات المرويّة عن يونس بن عبد الرحمن، والمتناثرة في كتب الحديث، والتي قد تكون في الأصل مأخوذة عن هذا الكتاب([32]).

وعلى أيّ حال فإن هذا المتبقّي من هذا الكتاب، والذي يشكّل معطىً واقعياً، كشف لنا جزءاً هامّاً من نظريات ومباني هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن، بحيث نستطيع وفقاً لذلك اعتبارهما ضمن نقّاد الحديث، وهما اللذان لم يكن همُّهما جمع الحديث بقدر ما كان نظرهما منصبّاً على أصل قبول الأحاديث والأخبار. وما طرحاه من طرق وأساليب تكشف عن تشدُّدهما في قبول الحديث. فقد كان هشام بن الحكم يتشدَّد في الأخبار المرويّة عن أئمة أهل البيت^، واعتبر العديد منها دخيلةً ومجعولة. وكان يونس بن عبد الرحمن على نفس المسلك، فقد كان يعمل بالاحتياط، وظهر تشدُّده هذا في إنكاره لصحّة صدور الكثير من الأخبار الواردة في المصادرة القديمة([33]).

والنتيجة الصحيحة لمثل هذا النوع من التفكير حول الروايات والرواة لها سنخية تامّة مع مجال نقد الرجال الشيوخ. وكان أوّل مَنْ بدأ هذا الأسلوب في وسط الإمامية أشخاص مثل: عليّ بن فضّال (الذي كان قريباً جدّاً في قسم مهمّ من مباحث الأصول من مدرسة هشام بن الحكم)، الفضل بن شاذان، وتلميذه محمد بن مسعود العياشي.

ومن المباحث المهمّة في مبحث نقد الرجال، التي استوفَتْ طرحها مدرسة هشام بن الحكم، مسألة ضرورة عرض الحديث على القرآن.

والذي يمكن قوله: إنه على المستوى النظري يكاد يكون أصلاً متفقاً عليه بين جميع المذاهب الإسلامية، لكنْ حين يتعلَّق الأمر بالروايات الفقهية فإنّ هذا الأصل في طرق استعماله وطرق معالجة الأحاديث المختلفة على أساسه يأخذ طابعاً وشكلاً، ويخضع لتفسيرات مختلفة.

وفي هذا الخصوص، ووفقاً لما كشفه المتبقّي من آثار هشام بن الحكم، ومَنْ هم على مسلكه، حول منهجه وأسلوبه في نقد الحديث، تبيَّن أنه كان يشترط ضرورة موافقة الحديث ظاهر القرآن الكريم كأصلٍ أساسي، وكل حديث لم يستوفِ هذا الشرط يطرح جانباً([34]).

ويُلاحَظ تواجد هذا المبنى في نقد الحديث، والتأكيد على أصل موافقة الحديث لظاهر القرآن، في ما نقل عن زرارة بن آل أعين ومحمد بن مسلم.

تناقلت الكتب خلال النصف الثاني من القرن الثاني الهجري متناً قصيراً في طرق الترجيح بين الأحاديث المتعارضة، روايةً عن العالم الواقفي داوود بن حصين، عن عمر بن حنظلة. وقد أصبح مضمون هذا المتن بعد ذلك بمثابة القاعدة (القانون) الحاكمة عند العديد من الفقهاء.

هذا المتن الذي عُدَّ في زمانه مرتكزاً كان على المستوى النظري جامعاً لمنهج القدامى وآرائهم في معالجة الأحاديث المتعارضة، وفي نفس الوقت يتناغم وأصول طريقة الأخباريين وأهل الحديث. ونظراً لما كان عليه أهل الحديث من موقع المتفوِّق والحاكم خلال القرن الثالث فقد كان هذا سبباً كافياً في دعم هذا القاعدة، بحيث لاقَتْ قبولاً شبه تامّ، وأصبحت الأساس المعمول به في معالجة تعارض الأحاديث، من دون معارضٍ([35]).

والواقع أن من بين رجالات جناح الأخباريين الذين تأثَّروا بمباني مدرسة هشام بن سالم، وصالحوا منهج هشام بن الحكم، شخصيّتان بارزتان، كان لهما القسط الأكبر في الترويج لهذا الحديث، ونقله، على رغم ما يبدو من أن عموم سلسلة شيوخه في المجاميع الحديثية من طريق محمد بن عيسى بن عبيد، منتهياً إلى صفوان بن يحيى (الاستثناء الوحيد كان في قطعة من الحديث، والتي كانت برواية حسن بن موسى الخشّاب، عن البزنظي، عن داوود بن حصين)([36])، الذي كان من الرواة الكبار، ومن زعماء الفطحية، حيث يمكننا بكلّ بساطة ضمّ اسمه إلى أصحاب هشام بن سالم. وأما محمد بن عيسى فكان من أقارب يونس بن عبد الرحمن وتلميذه، حيث كان الفضل بن شاذان من جناح هشام بن الحكم يعظِّمه ويجلِّله([37])، وفي الواقع هو واحد من الرجالات البارزين، الذين استطاعوا الجمع بين طريقتي الهشامَيْن على رأس المئة الثالثة.

ومن الرجال البارزين في أسلوب ومنهج الربط بين طريقتي الهشامين نذكر ابن أبي عمير، الفقيه والمحدِّث الكبير، فقد روى رواية معادلة لمضمون رواية عمر بن حنظلة([38]). وذكرت الفهارس كتاباً له تحت عنوان اختلاف الحديث([39])، والذي يظهر أنه كان في تفسير وتفصيل طرق التعامل مع الحديثين المتعارضين. وللأسف لم يعفُ الزمان لهذا العصر على شيءٍ من هذا الكتاب.

إن الترويج لرواية عمر بن حنظلة في القرن الثالث الهجري بواسطة فطاحلة الحديث، أمثال: محمد بن حسين بن أبي الخطاب؛ ومحمد بن عليّ بن محبوب؛ ومحمد بن أحمد بن يحيى؛ ومحمد بن حسن بن شمون، دليلٌ واضح على مقبولية مضمون الرواية، والتأييد لدستور عملها في وسط أصحاب الحديث، في كلٍّ من: العراق وإيران، من خلال مركزَيْهما: الكوفة وقم.

ومن الجدير بالذكر أنه في النصف الأخير من المئة الثالثة لم يخْلُ الجوّ في قم من وجود جناح أخباري متساهل، مثل: أحمد بن أبي عبد الله البرقي (توفي سنة 274، وقيل 280هـ) أبرز وجوهه. ورغم أنه لم تُشِر المصادر الحديثية إلى أن له كتاباً تحت عنوان اختلاف الحديث([40])، لكنّ القسم المربوط بنقد الحديث ضمن كتاب مصابيح الظلم من مجموعة المحاسن، والتي هي من تصنيفه، تكشف أن البرقي لم يكن يردّ حتّى أغرب الأحاديث، ولم يكن يستحسن عدم قبول الحديث المنقول([41])، بل إنه كان يعمل بقاعدة «خذ الحقّ ممَّنْ عنده، ولا تنظر إلى عمله»([42])، التي يرى على أساسها أن مبحث نقد الرجال بحث سلبي، وبدون نتيجة.

وقد تناقلت المصادر الرجالية أن أحمد بن محمد بن عيسى، من كبار علماء قم وصاحب نفوذ، ومن أوائل نقّاد رجال الحديث([43])، كان قد أبعد البرقي عن قم؛ بسبب ما ذيع عنه أنه يتساهل في الحديث بشكلٍ مفرط، رغم أنه قام بعد مدّةٍ بإرجاعه إليها ضمن أسباب لم تصِلْ إلينا تفاصيلها([44]).

ولا يمكن عدُّ البرقي الشخصية الوحيدة في هذا الاتجاه، اتجاه التساهل في قبول الحديث، بل هناك شخصيات أخرى في قم، نذكر من بينها محمد بن يحيى([45])، والذي كثيراً ما يصادفنا اسمه كواحدٍ من الناقلين لرواية عمر بن حنظلة.

الموقف من الاجتهاد بالرأي

في النظرة التاريخية لأوائل الاجتهاد في الفقه لا ينبغي اعتبار عنصر «الرأي» منفصلاً عن الاجتهاد، رغم أن عبارة «الاجتهاد بالرأي» هي عنوانٌ استعمل للدلالة بشكلٍ إجمالي على الأسلوب النظري في الإجابة عن قسمٍ من المسائل الفقهية، الذي تمّ تداوله بشكلٍ واسع في المئة الأولى من التاريخ الهجري، من دون أن يعني آنذاك أن مصطلح «الرأي» شيءٌ آخر، أو بشكلٍ مختصر: «الاجتهاد» عبارةٌ عن تجاوز للأحاديث والسنّة، وقد كان مورد ازدراء في الروايات المنقولة عن الأئمة^([46])؛ لكنّ هذا لا يعني بأيّ وجهٍ نفياً لأساليب الاستنباط، بل لم يكن يعني نفياً مطلقاً لاستعمالات الرأي في الفقه الإمامي في العصور الأولى.

البحث في موضوع انتشار وحدود أساليب الاجتهاد في الفقه الإمامي في القرنين الهجريين الثاني والثالث يبدأ أوّلاً من البحث حول مكانة مدرسة هشام بن الحكم، مع العلم أننا نفتقد إلى مستندات ووثائق حول النظر الشخصي لهشام حول استعمالات الفقيه للقياس. ومعتمدنا الوحيد هو كتاب الحِمْيَري، ونقصد به «كتاب ما بين هشام بن الحكم وهشام بن سالم و(في) القياس…»([47]).

يظهر لنا هذا الكتاب من خلال بعض مواضعه أنه كان بين هشام بن الحكم وهشام بن سالم في مسألة القياس اختلافٌ بارز، وهذا الاختلاف يمكن أن يكون في حدّ ذاته تفسيراً لرؤيته للقياس.

وحتّى لا يكون هذا الاستنتاج مجرّد احتمال نرى أنه من بين أعلام مدرسة هشام، والذين أتَوْا بعده بعقود، كان يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان نموذجاً للفقهاء ذوي الميول الاجتهادية في الفقه، والعمل بشكلٍ من القياس، كما نسب إليهم ذلك السيد المرتضى([48]). وهنا لا بُدَّ أن نضيف ما ذكره سعد بن عبد الله الأشعري في كتابه «المقالات والفِرَق»، والذي قال فيه: إن يونس بن عبد الرحمن لم يعمل بالقياس وحَسْب، بل نسب العمل به كذلك إلى الأئمّة^([49]). وعلى سبيل المقارنة تجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من التفكير ينسجم تماماً وتفكير الفضل بن شاذان النيشابوري([50])، وما طرحه كذلك ابن جنيد الإسكافي([51]) خلال القرن الرابع الهجري، حول مصدر علم الأئمّة^. وبلحاظ كونهما من القائلين بحجّية القياس فإن هذا الأمر يستدعي التفكير مليّاً في مسألة هذا المنهج الكلامي، وعلاقته باستعمال القياس في الفقه.

وهنا نودّ توضيح مسألة لا تقلّ أهمّية عن سابقتها، حيث إن يونس ـ يُفْهَم هذا ممّا نقل من طريقه من روايات في المجاميع الحديثية ـ لم يكن يرى العمل بالقياس في السنن والأمور التعبُّدية، لكنّ ما يميِّزه ومَنْ شاطره الرأي عن المخالفين الأساسيين للقياس أنه لم يكن يرى الأحكام من سنخ الأمور التعبُّدية.

من خلال تتبُّع مجموعة من الرويات التي رُويت من طريق يونس يظهر أن نفي العمل بالقياس فيها جاء عامّاً([52])، بينما كان لحن الكلام في روايتين من مجموع تلك الروايات ظاهراً في أنه يقصد الامتناع عن استعمال القياس في الأمور التعبُّدية والأمور التي ورد فيها النصّ([53]). ولا بُدَّ من التذكير هنا بروايةٍ من طريق الفضل بن شاذان، حيث ورد القياس فيها مقيَّداً بـ «السنّة»([54]).

القبول النسبي للقياس لدى الفقهاء المتكلِّمين في هذه المدرسة ضمن أمّهات المسائل التي بيَّنتها النصوص من دون أن تصدر لها حكماً يكون استعمال الرأي أداةً ليسدّ هذا الفراغ الحكمي في الشريعة([55]). والذي يبدو في تحليل أوّلي لرأي هؤلاء الفقهاء أن أسلوب الاستنتاج الذي يستعملونه من قراءة معطيات النصّ الشرعي، والذي يعدّ في آثار وأدبيات الآخرين قياساً، لا يرَوْنه من سنخ القياس، بل حسب عقيدتهم الخاصّة في علم الأئمة^ يرَوْنه واحداً من الطرق التي استعملها الأئمّة^ أنفسهم.

وفي نظرة قريبة لظاهرة التفريق بين القياس والرأي، حيث القبول بالقياس في حدود ونفي الاجتهاد بالرأي، لا بُدَّ من القول: إن أبرز نموذج لهذا الاتجاه كان شخص الشافعي.

ففي أواخر المئة الهجرية الثانية صنف الشافعي كتابه الرسالة، وأكَّد فيه على حجّية القياس، بل ذهب فيه إلى أن كلّ رأي فقهي خارج إطار القياس فهو مرفوضٌ البتّة، و«الاجتهاد» عنده عمليّاً مرادف للقياس، بل هو القياس عينه([56]).

وفي قراءة للمرحلة الأخيرة من تاريخ الفقه لم يُلاحَظ بين الفقهاء التفريق كثيراً بين الرأي والقياس. وقد يأتي عندهم مصطلح «أهل الاجتهاد» إزاء أو مقابل «أهل القياس»([57]). وهنا لا بُدَّ من الإشارة إلى عناوين مصنَّفات أبي الفضل القرطلوسي، أحد فقهاء فرقة المحكمة في المئة الهجرية الثالثة، حيث صنَّف ردّاً على أبي حنيفة في استعماله للرأي، وردّاً آخر على الشافعي في استعماله للقياس([58]). وعلى سبيل المقارنة فموضوع كتاب الفضل بن شاذان الديباج([59])، وهو بالمناسبة لا زال مفقوداً، قد قام فيه بجمع ودراسة مجموعة من المسائل الفقهية المختلفة من وجهة نظر فقهاء غير إمامية، وخاصّة الشافعي وأبو ثور (من الفقهاء القريبين من توجُّه الشافعي) وداوود الأصفهاني (هنا بالطبع في ما كان فيه على منهج الشافعي، وقبل أن يأخذ مسلك الظاهرية).

وفي ما يرتبط بجناح آل أعين كان زرارة وبعده عبد الله بن بكير معروفين بالعمل نوعيّاً بالرأي، لدرجة أن هذا الميل إلى الرأي عند زرارة كان موضع نقد من طرف رجال مدرسة هشام بن الحكم، والذين كان لهم أنفسهم طرقٌ وأساليب في الاجتهاد([60])، حتّى رُوي عنهم القول بأن أسلوب زرارة وأبي حنيفة واحدٌ (في القول بالرأي والعمل بالاستطاعة)([61]).

ومن بين التقارير الرجالية حول زرارة ما نُقل عنه أنّه كان يقول: «رُبَّ رأيٍ خير من أَثَر»([62])، وهي عبارةٌ تحمل إشارة إلى القول بطرح الحديث، وعدم قبول صحّة صدوره عن المعصوم×، وترجيح الرأي الاجتهادي على الأَثَر في بعض الموارد. ويُلاحَظ هذا التوجه أيضاً في عبارة منقولة عن عبد الله بن بكير، حيث يرى أن بعض نظرياته هي «رأي»: «هذا ممّا رزق الله من الرأي»([63]). ونشير ضمناً إلى أنّ مقولة: «إلقاء الأصول» من الأئمة^، و«التفريع» من الفقهاء، قد نُقلت عن زرارة([64]).

والغريب في ما وصل عن توجُّه زرارة، من خلال الروايات التي نقلت على لسانه، ما مضمونه وجوب الابتعاد عن «أصحاب القياس في الدين([65])؛ لكن مع الابتعاد عن النظرة المتأخِّرة، والتوجُّه إلى المرتكز التاريخي الذي ساد خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، يظهر أن لا وجود للتناقض البتّة.

ففي تلك الفترة لم يكن القياس والرأي، رغم ما بينهما من ترابط عند بعض المدارس الفقهية، مورد التلازم والترابط على الدوام.

وكمثالٍ تاريخي على ذلك، في الدوائر الفقهية غير الإمامية، نشير إلى الفقهاء أصحاب النصّ، كإبراهيم النخعي وعامر الشعبي، محورَيْ الفقه بالكوفة في أواخر المئة الهجرية الأولى، واللذَيْن كانا في قمّة المعارضة لاستعمال القياس في المباحث الفقهية، وكانا على قبولٍ للاجتهاد بالرأي ضمن إطارٍ خاصّ([66]).

وإذا أردنا فعلاً مقارنة أسلوب وطريقة زرارة في الدوائر الفقهية الأوسع من الدائرة الإمامية فإننا لن نجد بُدّاً من إلحاقه بهذه الدائرة من أصحاب الحديث. وهذا لا يُعَدّ على سبيل المصادفة، بل له جذوره التاريخية الواقعية، وخصوصاً إذا عرفنا أن الحكم بن عتيبة ـ الفقيه الرفيق الفكري لعامر الشعبي وخليفة دربه ـ كان الأستاذ الأب لزرارة في الكوفة قبل أن يلتحق بمذهب الإمامية([67]).

كذلك كان الأمر بالنسبة لأبي بصير، فقد ألحق اسمه وزرارة بالناقلين والمروِّجين لمقولة «إلقاء الأصول من الأئمة، وتفريع الفروع من الفقهاء»([68]).

كما نقل عنه حديثٌ في مخالفة استعمال الرأي ضمن المصادر الحديثية([69]).

وبخصوص معرفة موضع محمد بن مسلم في هذا الموضوع، بالإضافة إلى نقله للحديث المتضمِّن لمناظرة الإمام الصادق× مع أبي حنيفة في ردّ القياس([70]) (المتيقَّن منه أنه كان بخصوص القياس في الأمور التعبُّدية)، هناك مصدرٌ مهمّ جديرٌ بالتأمُّل، وهو مصنَّف روائيّ بعنوان (حديث الأربعمائة، أو كتاب أدب أمير المؤمنين×)([71])، حيث ذكر ابن بابويه أن أبا بصير كان شريكاً لمحمد بن مسلم في تصنيفه([72]). والشاهد عندنا في هذا المصنَّف عبارة «فإنّ من الدين ما لا يقاس»، مع اختلافٍ طفيف حَسْب النُّسَخ([73]). ومفهوم العبارة ظاهرٌ بلا خلاف في عدم نفي القياس، وتفسير العبارة بشكلٍ واضح يحتاج إلى مزيدٍ من المعلومات.

وعطفاً على ما سبق فإن نظرية تيّار هشام بن سالم في مسألة الاجتهاد بالرأي تكاد تقارب نظرية زرارة.

ولعل أوضح دليلٍ نقل عن هذا التيار بخصوص أسلوب الاجتهاد في الفقه ـ ونقل بالمناسبة نفسه عن زرارة ـ نظريّة ذكرت في قالب روايةٍ على أساس إلقاء أصول الأحكام من المعصومين^، وتفريع الفروع وتوسعة الأصول في عهدة الفقهاء([74]).

ومضافاً إلى ذلك، وبالاستناد إلى عنوان كتاب الحميري([75])، نعرف أن بين هشام بن سالم وهشام بن الحكم خلافاً نظرياً في مسألة القياس.

وفي الجملة، وكتحليل لنظرية هشام بن سالم في خصوص أساليب الاجتهاد، يمكن القول: إنه من الفقهاء المخالفين للقياس. ويمكن عدُّه إلى حدٍّ ما ضمن اتجاه أصحاب النصّ، حيث أبعاد الاجتهاد قائمةٌ عندهم على أساس الأخبار الواصلة عن الأئمة في إطار «تفريع» الفروع غير المنصوص عليها، على أساس الأصول المنصوص عليها.

وفي نظري أنّه قد طرح النظرية الأكثر اعتدالاً بين الطرفين.

وعلى ما يبدو فإن أسلوب ومنهج هشام بن سالم وأسلوب ومنهج أصحاب النصّ المتشدّدين كانا تيّارين متناقضين، وكانا التيّارين المتصدِّرين للمشهد الاجتهادي في القرن الثالث الهجري، مع اختلافٍ محدود في أدوات وآليات الاجتهاد.

وهنا نجد أنفسنا معنيّين بالإشارة إلى ابن الراوندي الإمامي المعتزلي، والذي كان في المئة الثالثة من المدافعين عن استعمال الاجتهاد بالرأي. وقد صنَّف في هذا الصدد كتابه «الاجتهاد بالرأي»، حيث سعى فيه إلى تقوية مباني الرأي. وتجدر الإشارة إلى أن كتاب الراوندي هذا لم يلْقَ قبولاً في محافل الإمامية، حتّى أنه لم يعرف إلاّ من طريق ردّ أبي سهل النوبختي عليه([76]).

وبصرف النظر عن هذا التوجُّه المحدود لا بُدَّ من القول: بسبب الغلبة التي كانت لأصحاب الحديث خلال القرن الثالث الهجري، وصعود تيار المتكلِّمين، تطوَّر الموقف المضادّ للرأي خلال السنوات الأخيرة من القرن الثالث الهجري، وصولاً إلى القرن الرابع الهجري، ليصبح في الحدّ الأدنى توجُّهاً مستقلاًّ بذاته في الاجتهاد.

بل وصل الأمر في أواخر القرن الثالث الهجري إلى درجة أن أصبح الردّ على الاجتهاد وفروعه باباً خاصّاً في آثار فقهاء تيار أصحاب الحديث([77]).

وفي الأحداث المتتالية لهذه الفترة إلى القرن التالي تقدّم أصحاب الحديث نحو تدوين الفقه الإمامي، مقدِّمين أسلوب الروايات أساساً «الحكم المعمول به» لأصحاب الفتوى.

وأبرزُ الأمثلة المتبقّية لتلك المصنَّفات والمدوَّنات الحديثية الفقهية كلٌّ من: كتاب الكافي، لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني؛ وكتاب الشرائع، لعلي بن بابويه، حيث نادراً ما يُلاحَظ فيهما إضافات وتفسيرات وتعليقات على الروايات([78]).

وفي الجهة المقابلة لأصحاب الحديث نجد المتكلِّمين قد خطوا خطوات أخرى نحو نفي الاجتهاد. ورغم أن ردود أبي سهل النوبختي على كتاب اجتهاد الرأي، لابن الراوندي([79])؛ واجتهاد الرأي، لعيسى بن أبان([80])، التي كانت أبرز مصنَّفات المتكلِّمين في تلك الفترة في موقفٍ مضادّ للرأي، وكذلك كتب متكلِّمين آخرين، مثل: أبي منصور الصرام النيشابوري، وأبي محمد يحيى العلوي، وأبي سهل النوبختي، كانت كلّها مشتركة في إبطال القياس([81])، وأخيراً كتاب ردّ عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري على أصحاب الاجتهاد والقياس([82])، لم يبْقَ منها شيءٌ، لكنْ نستطيع تتبُّع نموذجٍ لتعامل متكلِّمي ذاك العصر مع مسألة الاجتهاد، في آثار الإيضاح، للفضل بن شاذان([83])؛ وكتاب نقض الأشهاد، لابن قبة الرازي([84]).

واتسعت دائرة الموقف المخالف للاجتهاد بالرأي إلى درجةٍ نشاهدها أكثر مع أبي يحيى الجرجاني، من علماء منطقة گرگان خلال النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، في كتاب له تحت عنوان استنباط الحشوية، حيث اعتبر عمليّاً الاستنباط الفقهي من أساليب الحشوية المذمومة([85]). وهو نفس الأسلوب الذي راج بين الفقهاء من غير الشيعة. وكان أبو الحسن ابن المنادي من أبرز علماء أهل الاستنباط في نفس الفترة، في كتابه تفضيل الفقهاء المستنبطين على المحدِّثين، حيث تكلَّم فيه على علوّ شأن ومكانة المجتهدين وأصحاب الاجتهاد مقارنةً بأصحاب الحديث.

الهوامش

(*) أستاذٌ بارز في مجال علوم القرآن والحديث في عدّة جامعات، منها: جامعة الإمام الصادق×، وأحد مدوِّني دائرة المعارف الإسلاميّة الكبرى.

([1]) الطوسي، الفهرست: 17؛ النجاشي، الرجال: 10.

([2]) للاطلاع أكثر يرجى الرجوع إلى: أحمد باكتجي، «الجذور التاريخية للاجتهاد»، دائرة المعارف الإسلامية الكبرى 6: 600.

([3]) المصدر السابق 6: 601

([4]) للتوضيح أكثر راجع: المصدر السابق 6: 601 ـ 602؛ المصدر نفسه (أبو حنيفة)؛ المصدر السابق 5: 393.

([5]) للتوضيح: «مقدمة ومكانة فقه أحمد» (المصدر السابق 6: 725 ـ 726).

([6]) الذهبي، سير أعلام النبلاء 6: 308؛ الذهبي، ميزان الاعتدال 1: 380.

([7]) ميزان الاعتدال 1: 380.

([8]) النجاشي، الرجال: 128.

([9]) تاريخ اليعقوبي 2: 348 ـ 368.

([10]) الطوسي، الفهرست: 17؛ الرجال: 10.

([11]) قد بين دور البزنطي في هذا المسار عليّ بن أحمد العلوي، وهو مؤلِّف واقفي، في كتابه نصرة الواقفية، الروايتان رقم 37، 38.

([12]) النجاشي، الرجال: 260.

([13]) للاطلاع على الارتباط بين هذين الاثنين يرجع إلى: الكشي، معرفة الرجال: 278، 539.

([14]) النجاشي، الرجال: 178.

([15]) المصدر نفسه.

([16]) المصدر السابق: 220.

([17]) الكشي، معرفة الرجال: 496.

([18]) المصدر السابق: 539.

([19]) القاضي عبد الجبار المعتزلي، المغني 20: 18.

([20]) الدارمي، السنن 1: 194؛ ابن ماجة، السنن 1: 199 ـ 200.

([21]) ابن سعد، الطبقات الكبرى 1: 144.

([22]) الخوارزمي، جامع مسانيد أبي حنيفة 1: 352 ـ 354. وكذلك الرجوع إلى: أحمد باكتجي، «أبو يوسف»، دائرة المعارف الإسلامية الكبرى 5: 445.

([23]) أبو حنيفة، العالم والمتعلِّم: 43 ـ 45؛ عثمان بن سعد الدارمي، الردّ على بشر المريسي: 127 وما بعدها. وكذلك يرجع إلى: الدميري، حياة الحيوان الكبرى 1: 399.

([24]) الشافعي، الرسالة: 216 ـ 217، 282 وما بعدها.

([25]) الشافعي، اختلاف الحديث، كلّ الكتاب.

([26]) ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث: 27 ـ 28؛ البغدادي، الفَرْق بين الفِرَق: 89، 192.

([27]) الحر العاملي، وسائل الشيعة 8: 75 وما بعد؛ النوري، مستدرك الوسائل3: 185 ـ 186.

([28]) الطوسي، تهذيب الأحكام 3: 228.

([29]) النجاشي، الرجال: 220.

([30]) الطوسي، الفهرست: 175؛ النجاشي، الرجال: 433؛ ابن النديم، الفهرست: 224، بعنوان «كتاب الأخبار وكيف تصحّ». للاطلاع على الروايات الموجودة من هذا الطريق يرجى الرجوع إلى: الكليني، الكافي 1: 69؛ العياشي، التفسير 1: 8؛ الكشي، معرفة الرجال: 224.

([31]) الطوسي، الفهرست: 181، مقارنةً مع: ابن النديم، الفهرست: 276؛ النجاشي، الرجال: 447.

([32]) الكليني، الكافي 1: 40، 67؛ الكشي، معرفة الرجال: 224؛ الطوسي، الأمالي 1: 236 ـ 237.

([33]) الكشي، معرفة الرجال: 224.

([34]) الكليني، الكافي 1: 69؛ العياشي، التفسير 1: 8. كذلك اقترح تصليح «الهشامين» بـ «هشام» في إسناد المحاسن، للبرقي: 221. وكذلك نقل نفس المضمون عن ابن فضّال الكليني في الكافي 1: 69.

([35]) لرؤية متن الرواية يرجع إلى: الكليني، الكافي 1؛ ابن بابويه، مَنْ لا يحضره الفقيه 3: 65؛ الطوسي، تهذيب الأحكام 6: 301 ـ 302. كذلك جزءاً من الحديث في المصدر السابق 6: 218. ولرؤية سلسلة الإسناد، بالإضافة الى المراجع السابقة، يمكن مراجعة: ابن بابويه، مشيخة الفقيه 4: 35. وللاطّلاع على نقد القدامى لهذا الحديث الرجوع إلى: حسن بن زين الدين، معالم الأصول: 247، 272.

([36]) الطوسي، تهذيب الأحكام 6: 301.

([37]) الكشي، معرفة الرجال: 537؛ النجاشي، الرجال: 334.

([38]) الراوندي، «الرسالة في أحوال الأحاديث»، نقلاً عن: الوسائل 18: 64 ـ 85.

([39]) النجاشي، الرجال: 327.

([40]) الطوسي، الفهرست: 20، مقارنةً مع: النجاشي، الرجال: 76.

([41]) البرقي، المحاسن: 220 وما بعده.

([42]) المصدر السابق: 229.

([43]) لمطالعة النقد الرجالي له يرجع إلى: النجاشي، الرجال: 82.

([44]) ابن الغضائري، الضعفاء، ترتيب: التستيري، تصوير النسخة الخطية لمكتبة المرعشي النجفي، حرف ك 3.

([45]) الطوسي، الفهرست: 145؛ النجاشي، الرجال: 348.

([46]) لرؤية نماذج يرجع إلى: الكليني الكافي 1: 42، 56؛ البرقي، المحاسن: 205، 211 ـ 212؛ الصفار، بصائر الدرجات: 321؛ العياشي، التفسير 1: 18، 297.

([47]) النجاشي، الرجال: 220.

([48]) السيد المرتضى، «مسألة في إبطال العمل بأخبار الآحاد»، رسائل الشريف المرتضى، المجموعة 3: 311. إشارة بخصوص الفضل بن شاذان: ابن بابويه، مَنْ لا يحضره الفقيه 4: ،197؛ وكذلك أحمد باكتجي، «ابن شاذان»، دائرة المعارف الإسلامية الكبرى 4: 52.

([49]) الأشعري، المقالات والفِرَق: 98.

([50]) الكشي، معرفة الرجال: 540 ـ 541.

([51]) المفيد «أجوبة المسائل السروية»، عدة رسائل: 224.

([52]) الكليني، الكافي 1: 42، 58.

([53]) المصدر السابق 1: 57.

([54]) المصدر نفسه.

([55]) الكليني، الكافي 1: 57؛ ابن شاذان؛ الإيضاح: 94 ـ 95.

([56]) الشافعي، الرسالة: 477.

([57]) العسكري، الفروق اللغوية: 61.

([58]) ابن النديم، الفهرست: 295.

([59]) الطوسي، الفهرست: 125.

([60]) الكشي، معرفة الرجال: 156، مقارنةً مع: الكليني، الكافي 7: 101.

([61]) الكشي، معرفة الرجال: 145 ـ 146، 149. وللاطلاع على ما ذكره زرارة وابن بُكَيْر حول العاملين «القياس والرأي»، من دون التفكيك بينهما، يرجع إلى: أسد الله التستيري، كشف القناع: 83 (الطبعة الحجرية).

([62]) الكشي، معرفة الرجال: 156

([63]) الطوسي، تهذيب الأحكام 8: 35 ـ 36؛ الطوسي، الاستبصار 3: 271 ـ 272، 276.

([64]) ابن أبي جمهور الإحسائي، عوالي اللآلي 4: 63 ـ 64.

([65]) المفيد، الأمالي: 51.

([66]) يرجع إلى: باكتجي، «الجذور التاريخية للاجتهاد»، دائرة المعارف الإسلامية الكبرى 6: 600 ـ 601.

([67]) عوالي اللآلي 4: 63 ـ 64.

([68]) الكشي، معرفة الرجال: 210، 145، 158.

([69]) الكليني، الكافي 1: 56.

([70]) البرقي، المحاسن: 304.

([71]) الطوسي، الفهرست: 127؛ الرجال: 324، 316.

([72]) ابن بابويه، الخصال 2: 610 ـ 611.

([73]) نسخة ابن بابويه، منقولة في الخصال 2: 615؛ نسخة ابن شعبة الحراني في تحف العقول؛ ونقل نفس القطعة في محاسن البرقي: 215.

([74]) ابن إدريس الحلي، السرائر، نقلاً عن: جامع البزنطي. ولرؤية استعمالات مصطلح «انبساط»، فهو يعادل «تفريع» في نفس العصر، يرجع إلى: المرشد بالله، الأمالي 2: 219.

([75]) النجاشي، الرجال: 220.

([76]) ابن النديم، الفهرست: 225، مقارنةً مع: النجاشي، الرجال: 32.

([77]) الصفّار، بصائر الدرجات: 319 ـ 320؛ البرقي، المحاسن: 209 ـ 215؛ كذلك التفسير المنسوب للنعماني؛ بحار الأنوار 90: 91 وما بعدها.

([78]) للاطّلاع بشكلٍ كبير: مَنْ لا يحضره الفقيه 1: 3 ـ 5؛ الطوسي، المبسوط 1: 2.

([79]) ابن النديم، الفهرست: 225؛ الطوسي، الفهرست: 13.

([80]) النجاشي، الرجال: 32، مقارنةً مع: ابن النديم، الفهرست: 225، 258.

([81]) ابن النديم، الفهرست: 225؛ الطوسي، الفهرست: 190؛ النجاشي، الرجال: 442، 220.

([82]) النجاشي الرجال: 220.

([83]) الفضل بن شاذان، الإيضاح: 94، ومواضع أخرى منه.

([84]) ابن قبة، «نقض الأشهاد»، منقولات ابن بابويه في كمال الدين 1: 99، 109، 113، 120 ـ 123.

([85]) النجاشي، الرجال: 94. للاطلاع على بحثٍ حول نفي الاستنباط والاستخراج الفقهي يراجع: ابن بابويه، علل الشرائع 1: 62 ـ 86؛ النشريسي، المعيار العربي 12: 315.