الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي

12 أبريل 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬776 زيارة

الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي

مدخل في ضرورة الاستمرارية الاجتهادية

يرى الفقهاء أن الاجتهاد واجبٌ على الأمّة وجوباً كفائياً، فلابد أن يكون في كلّ عصر وجيل من أبناء الأمة من يبلغون رتبة الاجتهاد، ويقومون باستنباط الأحكام الشرعية.

وقد ربط بعض الفقهاء هذا الحكم بمسألة أخرى، وهي مسألة جواز تقليد المجتهد الميت ابتداءً، المسألة الخلافية المعروفة بين الفقهاء؛ حيث يتفق الفقهاء على صحّة تقليد الميت استمراراً، على خلافٍ في التفاصيل، أما تقليد الميت ابتداءً فأكثر المعاصرين يرى عدم صحّته.

وثمّة رأي يرى أنّه إذا قلنا بجواز تقليد الميت ابتداءً، سقط وجوب الاجتهاد على الأمّة، أما إذا قلنا بعدم الجواز فسيكون من اللازم على الأمّة أن تُنجب مجتهدين أحياء.

والصحيح أن الحكم لا ينبغي أن يتوقّف على ذلك، حتى لو قلنا بأنه يجوز تقليد الميت ابتداءً، فإنّ ذلك لا يعني الاستغناء عن وجود المجتهدين والفقهاء الأحياء، لماذا؟ لأن المجتهد الميت قد أعطى الرأي الفقهي فيما عاصره من المسائل، فإذا كانت هناك مسألةٌ جديدة فما العمل عندها؟ فلابدّ وأن يكون هناك مجتهدون أحياء.

لكن هل مجرّد وجود المجتهد يكفي أم أنّ المطلوب أن يُعمل ملكة الاجتهاد؟ بالتأكيد المطلوب هو الأمر الثاني، أما وجود المجتهد بدون أن يقوم بدور الاجتهاد والإفتاء، فمثله كمثل الطبيب الذي لا يُمارس دوره في علاج المرضى، كما أن القيام بدور الاجتهاد لا يقتصر على المسائل الجديدة، وإنما على المجتهد أن يُبدي رأيه ويجتهد في المسائل التي أعطى الفقهاء السابقون فيها رأياً، وهذا أمرٌ بديهي.

والسؤال: لماذا هذا الأمر مع العلم أنّ الاجتهاد في أيّ مسألةٍ من المسائل يستغرق وقتاً وجهداً ليس بسيطاً، كما أنّ العلماء السابقين أشبعوا المسائل التي أفتوا بها بحثاً ونحن نثق بمكانتهم العلمية وإخلاصهم؟

والجواب: لا يصحّ للفقيه أن يعتمد على آراء الفقهاء السابقين، وإلا أصبح مقلّداً، فمن حيث المسائل المستجدّة ليس هناك جدال حول ضرورة أن يكون للمجتهد رأي فيها، أما بالنسبة للمسائل التي أعطى الفقهاء السابقون فيها رأياً فإنه يتحتّم على الفقيه المجتهد التأكّد من تلك الآراء، فلعلّ هناك خطأ أو اشتباهاً، وربما تتضح للفقيه رؤيةٌ لم تتضح للفقهاء السابقين، أو تنكشف له نقطة ضعفٍ في الأدلّة لم يقف عليها الفقهاء السابقون؛ لذلك يجب أن يجتهد الفقيه في تلك المسائل، ولا يعتمد على اجتهادات الفقهاء السابقين، وهذه ميزة هامّة لحيوية الفكر والفقه الإسلامي، ليكون لديه قابلية التجدّد، ولا تكون هناك حالة ركود وجمود.

الاجتهاد بين الحريّة الفكرية وجرأة التجديد

إضافةً إلى ذلك يتأثّر رأي الفقيه بمستواه العلمي، وبالبيئة التي عاش فيها؛ لذلك لزم على الفقيه الذي يليه أن يُعيد النظر في المسائل، فلعلّه يتضح له رأي آخر يخالف الرأي الذي توصّل إليه السابقون.

في بعض الأحيان، تحصل حالة ركود في الأمّة، فلا تكون هناك جرأة لطرح رأي جديدٍ، ولا يكون هناك تقبلٌ لرأيٍ يُخالف آراء السابقين، أو يُخالف الرأي السائد، وعادة ما تكون تقع مشكلة حينما تُطرح في الساحة الفكرية أو الفقهية آراءٌ جديدة غير تلك الآراء المتداولة السائدة، فإذا لم تكن هناك فرصة لطرح رأيٍ جديد فإنّ مبرر الاجتهاد ينتفي؛ فلابد وأن يكون المجال مفتوحاً والفرصة سانحةً لكي يُقدّم الفقيه النتائج التي أدّى إليها رأيه واجتهاده.

وقد واجه البحث العلمي عند الشيعة هذه المشكلة في وقت مبكّر، وكانت أوّل مشكلة واجهها الفقه الشيعي بين الجمود على آراء الفقهاء السابقين، وبين التجاوز لها ونقدها علمياً، يؤرّخ لها بالقرن السادس الهجري، فكيف حصلت هذه المشكلة؟ ومن هم أبطالها؟

نظرة في تاريخ الانتكاس الفقهي:

الشيخ الطوسي والزعامة العلمية

كان هناك فقيهٌ بارز في القرن الخامس الهجري هو الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385-460هـ)، يُطلق عليه لقب شيخ الطائفة، وهو الذي أسّس الحوزة العلمية في النجف الأشرف، بعد أن غادر بغداد بسبب فتنة طائفية أورى نارها السلجوقيون سنة 448هـ.

كان الشيخ الطوسي عالماً عظيماً، ومحقّقاً مبدعاً، وكان ثريَّ المعرفة والعلم، وقد منحه الخليفة العباسي، القائم بأمر الله عبدالله بن القادر بالله أحمد، كرسيَّ الكلام والإفادة، وقد كانت لهذا الكرسيّ يومذاك عظمة وقدر يفوقان الوصف؛ إذ لم يُسمح بها إلا لمن برز في علومه، وتفوّق على أقرانه، ولم يكن في بغداد يومذاك من يفوقه قدراً، أو يفضل عليه علماً، فكان هو المتعيّن لذلك الشرف([1]).

وكان يحضر تحت منبر تدريسه مئات العلماء شيعةً وسنة، فمن الشيعة يحضر تدريسه ثلاثمائة مجتهد، ومن السنّة يحضر تدريسه المئات من طلبة العلوم الدينية.

وقد أثرى الشيخ الطوسي مختلف مجالات المعرفة الإسلامية؛ ففي مجال الحديث يعتمد المذهب الإمامي على أربعة كتب: الكافي للشيخ الكليني (328هـ)، ومن لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي (381هـ)، وتهذيب الأحكام والاستبصار للشيخ الطوسي، فنصف مصادر الحديث عند الإمامية كتبَها الشيخ الطوسي، أمّا على صعيد التفسير، فكان أوّل تفسير هامّ للقرآن الكريم عند الشيعة ما سطره يراع الشيخ الطوسي تحت عنوان: التبيان في تفسير القرآن.

وفي الفقه، تعود أبرز الكتب الفقهية لما دوّنه الشيخ الطوسي، مثل المبسوط في الفقه، والخلاف في الفقه المقارن، والنهاية في مجرّد الفقه والفتاوى، وفي الأصول كتب الطوسي كتاب العدّة في أصول الفقه، وكذا الأصول الاعتقادية.

وفي علم الرجال يبرز كتاباه المشهوران: الفهرست والرجال، وهما من الأصول الرجالية المعوّل عليها عند العلماء.

إذن، فهو عالم موسوعي، له ثراء علمي ومعرفي؛ ولذلك هيمنت شخصيّته على الطلاب والعلماء، فلم تكن هناك جرأةٌ لطرح رأيٍ في مقابل رأيه، إمّا لأنه ليس هناك قدرة لطرح رأيٍ فوق رأيه، أو لهيبةٍ له في نفوس العلماء، أو لحُسن ظنٍّ برأيه وفتاواه.

واستمرت الحالة على هذا المنوال إلى ما بعد وفاة الشيخ الطوسي، إذ لم يتجرّأ أحدٌ من الفقهاء أن يُعطي رأياً مخالفاً لرأيه، ليبقى هذا الجمود الفقهي عند الفقهاء قرابة قرنٍ ونصف من الزمن.

ابن إدريس الحلّي ومعركة التجديد

ظلّ الوضع كذلك إلى أن جاء العالم الكبير محمد بن إدريس الحلي (543 ـ 598هـ)، يقول الشيخ آغا برزك الطهراني: «مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة، وأجيال متعاقبة، ولم يكن من الهيّن على أحدٍ منهم أن يعدو نظريات شيخ الطائفة (الطوسي) في الفتاوى، وكانوا يعدّون أحاديثه أصلاً مسلّماً، ويكتفون بها، ويعدّون التأليف في قبالها وإصدار الفتوى مع وجودها تجاسراً على الشيخ وإهانةً له، واستمرّت الحال على ذلك حتى عصر الشيخ ابن إدريس، فكان أعلى الله مقامه الشريف يسمّيهم بالمقلّدة، وهو أوّل من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه، وفتح باب الردّ على نظريّاته، مع ذلك فقد بقوا على تلك الحال حتى أنّ المحقق وابن أخته العلامة الحلّي ومن عاصرهما بقوا لا يعدُون رأي شيخ الطائفة»([2]).

كان الشيخ ابن إدريس شابّاً نابغة حادّ الذكاء، كما كان محققاً ومجدّداً، رأى أن الجوّ العام غير طبيعيّ تجاه آراء الشيخ الطوسي التي لا يجرؤ أحد من الفقهاء أن يتجاوزها، كما أن أيّ رأي يُخالف رأي الشيخ الطوسي لا يحظى بالقبول، بل يتعرّض للسخرية والاستهزاء؛ فرأى أنّ من واجبه الشرعي أن يثور على هذه الحالة، فكتب كتاباً أسماه: السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، تعمّد فيه المناقشة لأغلب آراء الطوسي وطرح الآراء التي يُخالفه فيها بكل جرّأة، مقدّماً في ذلك الأدلّة التي تؤيد آراءه، كما شنّ هجوماً على الفقهاء المعاصرين له مطلقاً عليهم اسم المقلّدة، وكان ينتقد الفكر السائد الذي يدعو للجمود أمام آراء الشيخ الطوسي.

أمّا الفقهاء المعاصرون له، فلم يقبلوا منه هذا التوجّه المخالف للشيخ الطوسي، وثاروا عليه، فوقع بذلك أوّل صراعٍ بين الجمود والتجديد في تاريخ الفقه الشيعي.

ويعدّ كتاب السرائر أشهر كتب الشيخ ابن إدريس الحلي وأهمّها، وهو من مصادر الفقه الشيعي، بل لا يوجد مؤلّف بأهميّته ما بين مؤلّفات الشيخ الطوسي في القرن الخامس الهجري وتصانيف المحقق الحلي في القرن السابع، وقليلون هم الفقهاء الذين أتوا بعد ابن إدريس دون أن يستندوا إلى السرائر أو يرجعوا إليه أو يأتوا على ذكره([3]).

صحيحٌ أن الشيخ ابن إدريس عانى من معارضة المعاصرين له ومحاربتهم إياه، لكنّه قدّم خدمةً عظيمة لحركة الاجتهاد وحريّة البحث العلمي، وكلّ من يدرس تاريخ الفقه الشيعي يترحّم على هذا الرجل الفذّ، الذي كسر حاجز الركود والجمود في الفقه الشيعي، ولولا حركته المباركة للتجديد لأصبح الاجتهاد عنواناً بدون معنى.

يقول صاحب الحدائق الشيخ يوسف البحراني: «كان هذا الشيخ (ابن إدريس الحلّي) فقيهاً أصولياً بحتاً ومجتهداً صرفاً، وهو أوّل من فتح باب الطعن على الشيخ (الطوسي)، وإلا فكلّ من كان في عصر الشيخ أو من بعده إنما كان يحذو حذوه غالباً إلى أن انتهت النوبة إليه»([4]).

ويقول الشيخ عبّاس القمي: «شيخ فقيه، ومحقّق نبيه.. وقد أذعن بفضله العلماء المتأخّرون وأقرّوا بعلمه وفقهه وتحقيقه..»([5])، ويصفه الشهيد السيد محمد باقر الصدر بالفقيه المجدّد([6]).

لقد عانى ما عاناه في حياته بسبب جرأته وتمسّكه بحرية الفكر وحقّ التعبير عن الرأي، لكنه فتح الطريق أمام الفقهاء ليطرحوا آراءهم بكلّ جرأةٍ وشجاعة، وبالطبع فإن الذي يسير وفق الرأي السائد يسلم من أيّ اتّهام، لكنّ المخالف للسائد هو الذي يجب أن يتحلّى بالصبر والثبات تجاه ما يطرح من آراء يؤمن بها ويرى صوابيّتها.

والمسألة لا تعني تمجيد المخالفة لذات المخالفة، وإنما الأمر أنّ هذا الرأي الجديد له أدلّته، والناطق به أهلٌ لأن يُبدي رأياً في المجال الذي يتحدّث فيه، وهذا هو المطلوب في كلّ عصر وزمان، ومن الطبيعي أن لا تعني الإشادة بدور ابن إدريس تصويب آرائه جميعها، فهو كغيره من الفقهاء قد يصيب وقد يخطئ، ولا يمكن القول بأرجحّية رأيه في كلّ المسائل التي خالف فيها الشيخ الطوسي، لكنّ التمجيد والتقدير إنما هو لدوره النقدي العلمي، ولمنهجيته في ممارسة الاجتهاد والتجديد، خارج أسر رأي السلف، وسقف فتاوى المشهور، على حساب الدليل والبرهان.

إن بعض الآراء التي قرّرها وأفتى بها ابن إدريس الحلي، تتصف بالتشدّد، وقد لا تصمد أمام البحث والنقد العلمي، وقد ناقشها العلماء بعده، وردّوا عليه، وأبانوا نقاط الضعف في أدلّته، ومنها مثلاً قوله بكفر ولد الزنا، وترتيب أحكام الكفر في التعامل معه، وقوله بحرمة صلاة الجمعة للفقهاء إلا للإمام العادل أو من نصبه، وقوله بعدم اشتراط الفقر في إعطاء الخمس لأيتام بني هاشم، بل يمكن تحويل الخمس إليهم حتى مع غناهم وعدم حاجتهم.

الاجتهاد دعوةٌ إلى التجديد

تحتاج الأمّة إلى التجديد في الاجتهاد في الفكر والفقه، في كلّ عصرٍ وزمان، وخاصّةً أمام المنعطفات، فإذا كانت هناك منعطفات كبيرة في حياة البشرية وتحدّيات تواجهها الأمة فإنّ الحاجة للتجديد تغدو أكثر إلحاحاً؛ لأن الفقهاء السابقين أعطوا آراءهم من خلال الوضع الذي كانوا يعيشونه، والبيئة التي كانوا يتفاعلون معها، لكن مع تغيّر الأوضاع والتطوّرات في العالم، يجب الاجتهاد بجرأة وانفتاح، فلعلّ المتغيرات والتطوّرات تفتح المجال للتفكير بشكلٍ آخر.

ولا شك أن كثيراً من موضوعات الأحكام الشرعية قد استجدّت أو تغيّرت عمّا كانت عليه في زمن الفقهاء السابقين، ممّا يعني تغيّراً في الحكم تبعاً لتغيّر الموضوع، كما أن فرص الفقيه في استقصاء النصوص الشرعية، والاطلاع على الآراء الفقهية وأدلّتها، أصبحت أكبر وأفضل؛ فإن الفقيه في الزمن الماضي كان يصرف وقتاً وجهداً كبيراً لجمع النصوص والآراء من كتبٍ مخطوطة، أو محدودة التداول والانتشار، بينما يستطيع اليوم الاطلاع على أكبر عددٍ من النصوص والآراء عبر جهاز الحاسوب، وبجهدٍ بسيط لا يُذكر.

ولا يمكن تجاهل تأثير التراكم العلمي والمعرفي، فأمام فقيه العصر نتاجٌ علميّ معرفي هائل في مختلف مجالات العلوم، بما فيها العلوم الشرعية، حيث أثراها علماء العصور الماضية باجتهاداتهم وآرائهم، فرصيد المعرفة والعلم والخبرة والتجربة المتوفّر اليوم أعظم وأضخم مما كان متوفراً في الأزمنة السابقة.

صحيح أن الفقهاء في العصور المتقدمة كانوا يمتلكون ميزة القُرب من عصر النص، لكنهم يفتقدون ما أشرنا إليه من امتيازات معاصرة.

عوائق التجديد وإشكاليّاته

تنتصب أمام الفقيه عوائق مختلفة تعترض طريقه لتجديد الرأي والنظر فيما هو موروثٌ مشهور، أو سائدٌ متداول من الآراء الفكرية والفقهية، وأبرز تلك العوائق سيطرة الأجواء المحافظة التي ترفض الرأي الآخر، ووجهة النظر المخالفة، في الحوزات العلمية والأوساط الدينية غالباً، حيث ينظر بعضهم إلى الرأي الجديد وكأنه بدعةٌ أو خروج عن الإطار الشرعي، أو تهديدٌ للعقيدة والأصالة وثوابت الدين، وقد تدخل الأغراض الشخصية والمصلحيّة على الخط، فيتداخل الاختلاف في الرأي مع التضارب في المصلحة أو النزاع على المكانة والموقعيّة، وهنا يُشهر سلاح الاتهام والتشكيك تجاه صاحب الرأي المخالف الجديد، وتستثار عواطف الجمهور ومشاعره ضدّه.

هذه المعاناة عادةً ما يواجهها الفقهاء المجدّدون، وقد أخذ الشيخ ابن إدريس حظّه من هذه المعاناة؛ فقد اتهموه بترك أخبار أهل البيت والإعراض عنها، كما ذكر ابن داود الحلّي في رجاله، حيث قال: «محمد بن إدريس العجلي الحلّي، كان شيخ الفقهاء بالحلّة، متقناً في العلوم، كثير التصانيف، لكنه أعرض عن أخبار أهل البيت»([7]).

فهل يُعقل أن يُعرض فقيهٌ شيعي عن أخبار أهل البيت E؟ ثم إنّ للشيخ ابن إدريس كتاباً جمع فيه كثيراً من الأحاديث والأخبار عن أهل البيت E عنوانه: مستطرفات السرائر، كما أن كتابه السرائر مملوءٌ بأخبار أهل البيت، وفي كثير من الموارد حرصٌ على نقل متون الأخبار بعينها، لكن تحوّل الخلاف من نهجه العلمي إلى الخصام الشخصي ينتج مثل هذه الاتهامات.

كما اتهم ابن إدريس وقُدح فيه باعتباره قد أهان الشيخ الطوسي وطعن فيه، بل قال بعضهم: إن ابن إدريس توفى في سنّ مبكر من عمره جزاءً له على توهينه وإساءته الأدب مع الشيخ الطوسي!! حسب نقل الشيخ محمد المازندراني في منتهى المقال([8]).

وقد ناقش هذه التهمة باحث معاصر، واستقصى كتاب السرائر للشيخ ابن إدريس ليرى كيفية تعامله مع شخصية الشيخ الطوسي، فاكتشف أنه مع مناقشته الجادّة لآراء الشيخ الطوسي، لكنه يذكره بكلّ احترام وتقدير وتجليل، ورصد هذا الباحث أربعة عشر شكلاً لذكر الشيخ الطوسي في كتاب ابن إدريس، ليس في شيء منها أي إساءة أو توهين، حيث يعبّر عنه بمثل قوله: «شيخنا أبو جعفر»، «شيخنا السعيد أبو جعفر»، «الشيخ الفقيه»، «رضوان الله عليه»، «رحمه الله»، «رضي الله عنه»، «الشيخ السعيد الصدوق أبو جعفر رضي الله عنه وتغمّده الله تعالى برحمته».

بل إن الشيخ ابن إدريس حينما وجد قولاً نقله الشيخ الطوسي عن السيّد المرتضى، مع عدم وجود ذلك القول في أيّ من كتب السيد المرتضى أو مصنّفاته، بل المنقول خلافه، برّر للشيخ الطوسي ذلك بقوله: «ولعلّ شيخنا أبا جعفر سمعه من المرتضى في الدرس، وعرفه منه مشافهةً، دون المسطور، وهذا هو العذر البيّن، فإن الشيخ ما يحكي ـ بحمد الله تعالى ـ إلا الحقّ اليقين، فإنه أجل قدراً، وأكثر ديانةً من أن يحكي عنه ما لم يسمعه ويحققه منه».

ويلاحظ في بعض الحالات التي يذكر فيها ابن إدريس كلاً من الشيخ الطوسي والشيخ المفيد والسيد المرتضى أن تعابيره في حقّ الشيخ الطوسي تكون أكثر احتراماً وتقديراً([9]).

لكن مع ذلك كله، ألصقت تهمة الإهانة والطعن على الشيخ الطوسي بالشيخ ابن إدريس، بسبب جرأته على طرح الرأي الآخر.

معاناة متجدّدة أمام النهضة الاجتهاديّة

ما عاناه الشيخ ابن إدريس الحلّي من بعض الوسط العلمي الديني بسبب جرأته في الاجتهاد، وممارسة حقّه في التعبير عن الرأي، بل القيام بواجبه الشرعي في تبيين ما يدين الله به من رأي وصل إليه اجتهاده، هو حالة متكرّرة ومعاناة متجدّدة يواجهها العلماء الأحرار في تفكيرهم ومواقفهم في مختلف العصور.

وقد تحدّث الشهيد الشيخ مرتضى المطهري في عدد من خطاباته وكتاباته عن هذه المشكلة التي تعيق تطوّر الفكر والفقه الإسلاميين، ونقل ـ في حديث له حمل عنوان: المشكلة الأساس في جماعة علماء الدين ـ عن الإمام السيد حسين البروجردي شكواه من الضغوط التي تقيّده في الوسط الديني من إعلان بعض آرائه وفتاواه، قائلاً: «إن التقيّة من أصحابنا أهمّ وأعلى».

وأشار الشيخ المطهري إلى أن المسألة لا تقتصر على رفض طرح الرأي الجديد، وإنما حتى التجديد في الوسائل والأساليب المتداولة في الحوزة العلمية يواجه عوائق وممانعة؛ فالشيخ عبد الكريم الحائري مؤسّس الحوزة العلمية في قم اضطرّ للتراجع عن فكرة تخصيص دروس لتعلّم اللغة الإنجليزية في الحوزة آنذاك، بسبب ضغط بعض الجهات التي أثارت زوابع وتشكيكات بعدم جواز صرف الحقوق الشرعية على تعلّم لغة الكفار!! بالطبع تجاوزت الحوزة العلمية في قم أخيراً هذه المشكلة وأصبح تدريس اللغات الأجنبية قائماً([10]).

وحين أعلن الإمام السيد محسن الحكيم تغيير رأيه وأفتى بطهارة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن ألحق بهم، ثارت ضدّه زوبعةٌ من بعض الأطراف الدينية، ويشير الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه: فقه الإمام الصادق، إلى حساسية الأجواء الدينية من طرح مثل هذا الرأي الفقهي في مسألة جانبية فيقول: «عاصرت ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتقليد، الأول كان في النجف الأشرف، وهو الشيخ محمد رضا آل يس، والثاني في قم، وهو السيد صدر الدين الصدر، والثالث في لبنان، وهو السيد محسن الأمين، وقد أفتوا جميعاً بالطهارة ـ طهارة أهل الكتاب ـ، وأسرّوا بذلك إلى من يثقون به، ولم يعلنوا خوفاً من المهوّشين، على أن (الشيخ) يس كان أجرأ الجميع، وأنا على يقين بأن كثيراً من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة، ولكنهم يخشون أهل الجهل، والله أحقّ أن يخشوه»([11]).

هذا ما كان قبل حوالي نصف قرن، أما اليوم فالرأي السائد بين الفقهاء هو القول بطهارة أهل الكتاب، بل هناك رأي أخذ بالتبلور عند بعض الفقهاء بطهارة الكفار كافّة، فالإنسان لا يكون نجساً بسبب دينه أو عقيدته.

ومع قوّة شخصية الإمام الخميني S ومكانته، لكنّه لما أفتى ببعض المسائل المخالفة للرأي الفقهي السائد، كفتواه بجواز الشطرنج إذا لم يكن فيه قمار مالي، ثارت ضدّه بعض الزوابع، وكتب له بعض تلامذته ناصحين بأن لا يُصدر مثل هذه الآراء المخالفة للمشهور؛ لأن بعضهم يستغلّها لتشويه سمعته والتشكيك في نزاهته!

وقد أشار الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي إلى أن كثيراً من العلماء يحملون رأيهم في صدورهم، ولا يبوحون به خشية الوقوع في الخلاف والاختلاف، ضارباً على ذلك مثلاً بقول الشيخ محمد أبو زهرة في أحد المؤتمرات: إنّ عنده رأي كتمه عشرين عاماً ويريد أن يبوح به الآن، وقال الشيخ القرضاوي: إنني كتمت بعض الفتاوى لسنين طويلة خشية أن يهاجمني المهاجمون ثم بدأت أفصح عن هذه الفتاوى وأنشرها([12]).

ممارسة الحرية الفكرية وضرورة الدفاع عنها

إن الاستسلام لهذه المشكلة والخضوع لها، يكلّف الإسلام والأمّة ثمناً باهظاً، فتشريع الاجتهاد ليس أمراً عبثياً، ولا ترفيّاً، إنما لأن طبيعة الحياة والإنسان تقتضي ذلك، والاجتهاد يظهر حيوية الفكر والفقه الإسلامي وصلاحيته لكلّ زمان ومكان.

أمّا الجمود والركود والوقوف عند آراء السلف وفتاوى المشهور على حساب الدليل والبرهان، فإنّه يفرّغ الاجتهاد من محتواه، ويجعله عنواناً شكلياً، حينما يجد الفقيه والمفكّر نفسه مقيّداً بالرأي السائد والمتداول.

والأمة الإسلامية تواجه اليوم تحدّيات كبيرة على مختلف الأصعدة الفكرية والسياسية والاجتماعية، فلا بد وأن يجتهد علماؤها ومفكّروها لتلمّس طريق الخلاص، والارتقاء إلى مستوى التحدّي، وذلك يستدعي استنهاض الفكر واستثارة الرأي، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه للأكفّاء والمؤهّلين، دون قيودٍ سياسية أو اجتماعية.

إن حرية الفكر وحقّ التعبير عن الرأي مطلبٌ إنساني، تتطلّع إليه كلّ الشعوب، فهل يصح أن يُحرم منه العلماء والمفكّرون داخل أوساطهم؟ وإذا كان هناك من يتحدّث عن بعض سلبيات حرية الرأي والفكر، فإن مواجهة تلك السلبيات لا يكون بالقمع والحصار، وإنما بالمنازلة العلمية، والطروحات المنهجية التي ترشّد المسار، فسلبيات الجمود والإرهاب الفكري أكثر ضرراً وأشدّ خطراً.

وأود ـ في نهاية حديثي ـ التركيز على أن ممارسة الاجتهاد وإعطاء الرأي والفتوى في مسائل الفقه هو حقّ للمجتهد الفقيه دون من لا يمتلك هذه الكفاءة، كما أن للاجتهاد ضوابطه المقرّرة.

إن حرية البحث والنظر ومجال التعبير عن الرأي من الأجواء الطبيعية للاجتهاد وتنمية القدرات والطاقات، وبلورة الآراء وإنضاج الأفكار وتكامل النظريات.

إن الساحة العلمية الدينية بحاجةٍ ماسّة إلى وجود الفقهاء المتوفّرين على الجرأة والشجاعة لمواجهة التحديات الخطيرة، كما أنّ إدارة الصراع الفكري والاختلاف العلمي يجب أن تتمّ وفق آداب الإسلام وأخلاقيات العلم والمعرفة، ولا يجوز استخدام الأساليب الخاطئة في إسقاط الأشخاص والتشكيك في النوايا، وتحشيد عواطف الجمهور.

لقد آن أن تنبثق داخل الأجواء العلمية والدينية جهات تتبنّى الدفاع عن حرية الفكر وحق التعبير عن الرأي، فهناك شريحةٌ واسعة في الوسط الديني تؤمن بذلك، لكنها لم تأخذ مبادرةً لخدمة هذا التوجّه، مما ترك الساحة فارغةً لضغوط الأطراف المحافظة والممانعة للتغيير والتطوير، إن مستوى الوعي عند الجمهور قد تقدّم، والإحساس بضرورة التجديد قد اتسعت رقعته، لكن العناصر الواعية في الوسط العلمي والديني بحاجة لتكثيف جهودها من أجل الدفاع عن حرية الفكر وحقّ التعبير عن الرأي.

 *     *     *

الهوامش



([1]) الأمين، محسن، أعيان الشيعة 9: 159، تحقيق حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1986م.

([2]) الطوسي، محمّد بن الحسن، الخلاف 1: 10، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1407هـ.

([3]) بناري: علي همت، ابن إدريس الحلّي: 133، ترجمة: حيدر حب الله، الطبعة الأولى، 2005م، الغدير للطباعة والنشر، بيروت.

([4]) المصدر نفسه: 34.

([5]) المصدر نفسه.

([6]) المصدر نفسه: 36.

([7]) المصدر نفسه: 444.

([8]) المصدر نفسه: 447.

([9]) المصدر نفسه: 448 ـ 450.

([10]) المطهري، مرتضى، محاضرات في الدين والاجتماع: 559، الطبعة الأولى، 2000م، الدار الإسلامية، بيروت.

([11]) مغنية، محمد جواد، فقه الإمام الصادق: 33، الطبعة السادسة، 1992م، دار التيار الجديد، بيروت.

([12]) الشرق الأوسط، جريدة يومية تصدر من لندن، بتاريخ 30/1/2001م.