البداء في فهم العلاّمة معرفت

29 أغسطس 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
64 زيارة

البداء في فهم العلاّمة معرفت

د. محمد محمد رضائي(*)

ترجمة: وسيم حيدر

مقدّمة ــــــ

إن البداء من العقائد الشهيرة للشيعة، وقد تُعرف بأنها من مختصّات العقائد الشيعية. وفي هذا المقال نحاول بيان هذه النظرية من وجهة نظر الشيخ معرفت&، ولكننا سنبدأ قبل كلّ شيء من بيان أصل نظرية البداء، لننتقل بعد ذلك إلى بيان رأي سماحته في هذا الشأن.

 

مفهوم البداء ــــــ

إن البداء في اللغة من مادة (ب د و)، بمعنى: «الظهور بعد الخفاء»، وعند اقترانها باللام تعني تبدُّل الرأي وتغيُّره، كما في قولك: «بدا لي في هذا الأمر بداءً، أي تغيّر رأيي عمّا كان عليه»([1]).

وأما بحسب الاصطلاح فإن البداء عبارة عن إيجاد الرأي الجديد في عالم التكوين، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى طبقاً للسنن الثابتة يمحو قضاءً وقدراً؛ ليُثبت مكانهما قضاءً وقدراً آخر، قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: 39). وبطبيعة الحال لا يجوز إطلاق البداء بمعناه الحقيقي على الله؛ إذ لا يمكن تصور تبدُّل أو تغيُّر الرأي والإدراك في ساحته. فلا يجوز التغيُّر والتبدُّل والحدوث بالنسبة له عزَّ وجلَّ؛ وذلك لعلمه السابق وإحاطته بجميع الأمور، فلا تخفى عليه خافية. من هنا فإن إطلاق البداء عليه إنما يكون من باب المجاز، وعليه فإن قولنا: «بدا لله» يعني الظهور، وأن شيئاً ظهر لمخلوقات الله من قبل الساحة الربوبية، أو بعبارةٍ أخرى: إن الله في البداء يُظهر للناس شيئاً كان خافياً عليهم([2]).

 

البداء في الكتاب ــــــ

لقد تمّت الإشارة إلى البداء في القرآن الكريم بمعناه ولفظه، كما في قوله تعالى:

1ـ ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: 38 ـ 39).

يُفهم من هذه الآية بوضوح أن الله يمحو بعض الأمور، ويُثبت أموراً أخرى مكانها. فعلى سبيل المثال: يمكن لشخصٍ قدّر له في قضاء الله أن يعيش سبعين سنة أن يوفِّر الأرضية ـ من خلال الدعاء أو الصدقة أو صلة الرحم ـ لتغيُّر هذا القضاء، فيطول عمره أكثر، بمعنى أن الله يمحو قضاءً، ويثبت مكانه قضاءً آخر.

2ـ ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (يوسف: 35).

إن البداء في هذه الآية يعني التبدُّل في الرأي وتجدّده.

3ـ ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر: 47).

والبداء في هذه الآية بمعنى ظهور شيء لم يكن متوقّعاً.

 

البداء في السنّة ــــــ

لقد ورد استعمال البداء بشأن الله سبحانه وتعالى في المصادر الروائية لدى الشيعة وأهل السنّة. ومن ذلك:

ـ ما رواه الصدوق، عن زرارة، في كتاب التوحيد، إذ يقول: «ما عُبد الله ـ عزَّ وجلَّ ـ بشيءٍ مثل البداء»([3]).

ـ وعن الصدوق أيضاً، عن هشام بن سالم، عن الإمام الصادق×، قوله: «ما عُظِّم الله ـ عزَّ وجلَّ ـ بمثل البداء»([4]).

ـ كما روى محمد بن مسلم، عن الإمام الصادق×، أنه قال: «ما بعث الله ـ عزَّ وجلَّ ـ نبيّاً حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار بالعبودية؛ وخلع الأنداد؛ وأن الله يقدِّم ما يشاء ويؤخِّر ما يشاء»([5]).

وقد اعترض بعض علماء أهل السنة على مسألة البداء؛ وذلك لاعتقادهم بأن القول بالبداء يستلزم القول بجواز الجهل على الساحة الربوبية، وهو محالٌ. بَيْدَ أن البداء بالمعنى الذي يؤمن به الشيعة موجودٌ في روايات أهل السنة أيضاً، وقد قال به الكثير من علمائهم.

فقد روى البخاري، في صحيحه، عن رسول الله| روايةً في ثلاثة رجال من بني إسرائيل ابتلاهم الله بالبرص والعمى والقرع، وأن الله قد اختبرهم بزوال هذه الأمراض عنهم، ووعدهم بالثواب والأجر الكبير، حيث ورد في هذا الحديث ما نصّه: «إِنَّ ثَلاَثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى بَدَا للهِ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ»([6]).

وهكذا في الكثير من روايات أهل السنة الأخرى، التي يُستنبط منها معنى البداء، ونشير ـ على سبيل المثال ـ إلى ما رواه الترمذي بقوله: قال رسول الله|: «لا يردّ القضاء إلاّ الدعاء، ولا يزيد في العمر إلاّ البرّ»([7]).

وما رواه ابن ماجة إذ يقول: قال رسول الله|: «لا يزيد في العمر إلاّ البرّ، ولا يردّ القدر إلاّ الدعاء، وإنّ الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها»([8]).

وهكذا ففي عقيدة أهل السنة والجماعة أن الدعاء وأعمال البرّ تغيِّر قضاء الله، وتحلّ محلّه قضاءً آخر. وهذا هو معنى البداء الذي يقول به الشيعة.

 

أنواع البداء ــــــ

إن البداء في حقيقته إيجاد رأي جديد. ويمكن تصوُّر هذا المعنى على نحوين:

الأوّل: البداء بمعنى ظهور رأي جديد لم يكن موجوداً في السابق، بحيث يستلزم الجهل والخفاء قبل حدوثه. وهذا النوع من البداء محالٌ على الله تعالى؛ إذ بناء على التعاليم القرآنية والروائية ليس هناك شيءٌ يمكن أن يخفى على الله، فهو عالم بالأشياء منذ الأزل وقبل وجودها. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾ (يونس: 61).

وفي روايةٍ عن الإمام الصادق×، أنه قال: «ما بدا لله في شيء إلاّ كان في علمه قبل أن يبدو له»([9]).

وعليه فإن هذا النوع من البداء محالٌ على الله؛ لاستلزامه الجهل في الساحة الإلهية.

الثاني: أن يعمل الله سبحانه وتعالى طبقاً لحكمته ومشيئته على محو قضاء وقدر، وإثبات قضاء وقدر آخر مكانه، على أن يكون الله عالماً بذلك بشكلٍ سابق. إن هذا التغيير في القضاء الإلهي القائم على أساس من أداء الإنسان، لا يستلزم الجهل في الساحة الإلهية. وعليه يكون هذا النوع من البداء جائزاً على الله سبحانه وتعالى. بَيْدَ أننا نحتاج في توضيح هذا النوع من البداء إلى دراسة مبانيه وقواعده وأصوله.

 

أصول البداء ــــــ

تقوم نظرية البداء على أصول. ويمكن بيان هذه الأصول على النحو التالي:

 

1ـ علم الله بجميع الأشياء ــــــ

إن الله سبحانه وتعالى ـ طبقاً للتعاليم الدينية ـ يعلم بجميع الأحداث والوقائع ـ الأعمّ من تلك التي حدثت في الماضي أو التي تحدث في الحاضر أو تلك التي سوف تحدث في المستقبل ـ، ولا يخفى عليه شيء أبداً. وأساساً لا مكان للجهل في ساحة الله سبحانه وتعالى. إن الله عالمٌ بجميع المتغيِّرات.

وفي ما يلي نشير إلى بعض الآيات في هذا الشأن:

أـ ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾ (آل عمران: 5).

ب ـ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد: 22).

ج ـ ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: 59).

وقال أمير المؤمنين×، في بيان سعة علم الله تعالى: «لا يشغله شأن، ولا يغيره زمان، ولا يحويه مكان، ولا يصفه لسان، ولا يعزب عنه عدد قطر الماء، ولا نجوم السماء، ولا سوافي الريح في الهواء، ولا دبيب النمل على الصفا، ولا مقيل الذرّ في الليلة الظلماء، يعلم مساقط الأوراق، وخفيّ طرف الأحداق»([10]).

ورُوي عن الإمام الباقر× أنه قال في بيان العلم الإلهي السابق: «كان الله ولا شيء غيره، ولم يزَلْ عالماً بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه»([11]).

وعليه، طبقاً لهذه الآيات والروايات يكون الله عالماً بجميع الأمور، وهو يعلم بالأحداث قبل وقوعها، وإن ساحته الربوبية مبرَّأةٌ من الجهل.

 

2ـ السلطة الإلهية على جميع الكائنات ــــــ

تخضع جميع الكائنات في هذا العالم لسيطرة وقدرة الله تعالى؛ فإذا أراد الله أن يوجد هذه الكائنات أوجدها؛ وإذا لم يُرِدْ ذلك لما أوجدها. وليس الأمر بأن يكون الله قد خلق العالم ثمّ تركه وشأنه، بل كلّ يوم من أيام العالم هو في شأن من شؤون الله تعالى، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29).

وبحسب التعبير الفلسفي: «إن العلّة المحدثة للعالم هي ذات العلّة المبقية أيضاً». وعليه فإن القول بخلق وتدبير جميع المخلوقات على أساس المشيئة والإرادة الإلهية مستمرّ ومتواصل هو مورد إجماع المسلمين قاطبة. ومن هنا فقد ذمّ الله اليهود الذين قالوا: إن الله قد أتمّ خلق العالم وفرغ منه، ولم يعُدْ له دورٌ في تدبير شؤونه! وفي ذلك يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ…﴾ (المائدة: 64). ورُوي عن الإمامين الصادق والرضا’ أنهما قالا في تفسير هذه الآية: «لم يعنوا أنه هكذا، ولكنّهم قالوا: قد فرغ من الأمر، فلا يزيد ولا ينقص، فقال الله جلَّ جلاله تكذيباً لقولهم»([12]).

من هنا فإن القرآن قد لعن اليهود على قولهم هذا، وقال في الردّ عليهم: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. وبالالتفات إلى سياق العبارة ومعنى الرواية يمكن لنا أن نستنبط بوضوحٍ أن تدبير الله وخالقيته مستمرّة ومتواصلة. كما يُفهم من التعبير بالفعل المضارع في هذه الآيات؛ إذ تقول: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ (يونس: 3، 31؛ الرعد: 2؛ السجدة: 5)، أن الله سبحانه وتعالى مستمرّ في تدبير العالم، كما في السابق عند بداية خلقه.

 

3ـ تحديد المصير على أساس الأعمال ــــــ

إن مصير الإنسان ـ طبقاً للتعاليم الدينية ـ يتحدّد على طبق أعماله الصالحة والطالحة. فإنّ الكثير من أعمال البرّ والخير، من قبيل: الإيمان بالله، والتقوى، والشكر، وصلة الرحم، والإحسان إلى الوالدين والبرّ بهما، والاستغفار والتوبة، والسعي والعمل الصالح، والتوكّل على الله، وما إلى ذلك من الأمور، يستوجب سعة الرزق ونزول النعم على الإنسان. كما أن الكثير من الأعمال القبيحة والطالحة، من قبيل: عدم شكر النعم الإلهية، وقطع الرحم، وما إلى ذلك من الأمور، تستوجب الحرمان وضنك الحياة. وقد صرَّح القرآن الكريم بأن الإيمان والتقوى هما السبب في نزول البركات والنعم من السماء، وانبثاقها من الأرض([13]). كما يرى أن شكر النعم عنصر هامّ في ازديادها([14])، وأن الاستغفار والتوبة من الذنوب سبب في نزول المطر، وزيادة المحاصيل والأموال([15]).

وعن أمير المؤمنين×، في ما رُوي عنه، قال: «صلة الرحم؛ فإنها مثراة في المال، ومنسأة في الأجل. وصدقة السرّ؛ فإنها تكفر الخطيئة. وصدقة العلانية؛ فإنها تدفع ميتة السوء. وصنائع المعروف؛ فإنها تقي مصارع الهوان»([16]).

وبطبيعة الحال فإن الأعمال المخالفة لما تقدّم ذكره لن تؤدي إلى نتائج محمودة. وهكذا فإن القرآن الكريم صريحٌ في بيان أن تغيير مصير الإنسان رهنٌ بأعماله؛ إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).

وعليه فإن التغيير في مصير الإنسان سنّة وقضاء إلهيّ لا يتغيَّر. إن الأمّة التي تجعل من أعمال الخير والبرّ شعاراً في حياتها، وتعمل على تطبيقه، فإنّها طبقاً للسنة الإلهية ستحصل على نتائج محمودة.

إن نظرية البداء في حقيقتها ثمرة هذه الأصول الثلاثة؛ فإن الله سبحانه وتعالى بالالتفات إلى قدرته المطلقة وعلمه المطلق، وبالالتفات إلى السنن الإلهية التي لا تتغيَّر، وبالالتفات إلى أن كلّ يوم هو في شأن من شؤون الله، وأنه في خلق مستمرّ ابتداءً وبقاءً، يمكنه أن يمحو قضاءً وقدراً، ويُثبت قضاءً وقدراً آخر. فعلى سبيل المثال: إذا كان في قضاء الله أن يعيش الشخص مدّةً محددة من السنوات يمكن لهذا الشخص أن يغيّر هذا القضاء من خلال صلة الرحم، والصدقة والدعاء، فيؤخِّر في حلول أجله. وإن هذا التغيير في زمن الأجل بواسطة أعمال البرّ هو جزء من السنن الإلهية التي لا تتغيَّر. وعلى هذا الأساس يقوم الله تعالى بمحو قضاءٍ وقَدَر، ويُحِلّ محلّه قضاءً وقدراً آخر. وهذا هو معنى البداء.

 

البداء والنسخ ــــــ

يذهب علماء الشيعة إلى القول بأن البداء والنسخ متقاربان في المعنى. غاية ما هنالك أن النسخ يقع في الأمور التشريعية، بينما البداء يقع في مجال الأمور التكوينية. وحيث تذهب أغلب المذاهب الإسلامية إلى القول بالنسخ، والاتّفاق على وقوعه في عدّة موارد، من قبيل: تغيير القبلة، ووجوب الصدقة قبل مناجاة النبيّ، ومدّة عدّة الطلاق، ينبغي على هذا الأساس أن يقولوا بالبداء أيضاً؛ لذات الدليل الذي أثبت عندهم بأن القول بنسخ الأحكام لا يستلزم القول بحدوث الجهل في الساحة الربوبية، قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (البقرة: 106).

وهكذا الأمر في البداء، حيث لا يلزم منه القول بثبوت الجهل في الساحة الربوبية.

يرى الأستاذ معرفت& أن انتساب النسخ([17]) والبداء([18]) إلى الله بمعناهما الحقيقي محالٌ؛ وذلك لأن الساحة الإلهية مبرّأةٌ من تبدُّل الرأي المستلزم للجهل. فلكلٍّ من النسخ والبداء معنيان يجوز أحدهما على الله، بينما لا يمكن للآخر أن يشمل الله سبحانه وتعالى، ويكون إطلاقهما على الله بأحد المعنيين صحيحاً، وغير صحيح بالمعنى الآخر.

 

أثر الاعتقاد بالبداء ــــــ

يذهب علماء الإمامية إلى الاعتقاد بأن البداء إنما يكتسب أهمّيته من جهة أن المؤمن يتسلَّح في ظلِّه بالأمل؛ حيث يعلم أن مصيره رهنٌ بأعماله الصالحة، من قبيل: الدعاء، وصلة الرحم، والصدقة، والتوبة، والبرّ بالوالدين. فليس الأمر بأن تكون عاقبة أمره محسومة سلفاً، بحيث لا يكون لصالح أعماله أيّ تأثير على تغيير مصيره؛ إذ لو كان الأمر كذلك فإنه سيُصاب باليأس والإحباط. وأمّا إذا علم بإمكانية تغيير مصيره نحو الأفضل، بواسطة قيامه بالأعمال الصالحة، فسوف يتفاءل بالمستقبل، ويقبل على المزيد من أعمال البرّ والعبودية لله عزَّ وجلَّ. وبذلك يكون البداء وثيق الصلة بالشفاعة والتوبة، حيث يمكن للمؤمنين أن ينظروا إلى المستقبل برؤية مفعمة بالأمل.

ومن هنا وصفت الروايات مفهوم البداء بأنه من أعلى درجات العبادة، وأن هناك ثواباً عظيماً يترتّب على الاعتقاد بالبداء، ومن ذلك قولهم: «لو يعلم الناس ما في البداء من الأجر ما فتروا من الكلام فيه»([19]).

وبطبيعة الحال فإن البداء لا يتحقَّق في جميع المقدرات الإلهية، من قبيل: ما أمر الأنبياء بتبليغه. إنّ ما قيل حتّى الآن بشأن نظرية البداء هو تقريباً موضع إجماع من قبل كافّة علماء الشيعة، وأكثر علماء أهل السنّة والجماعة.

 

لوازم الاعتقاد بالبداء ــــــ

إن الاعتقاد بالبداء يستتبع بعض المسائل الجوهرية التي وقع الاختلاف حولها بين العلماء، ويمكن إجمالها بما يلي:

1ـ علاقة البداء بالتقديرات الإلهية.

2ـ علاقة البداء بالعلم الإلهي.

3ـ علاقة البداء بنبوءات الأنبياء وأولياء الله.

وفي ما يلي نقدم شرحاً إجمالياً لكلّ واحد من هذه المسائل.

 

1ـ علاقة البداء بالقضاء والقدر الإلهي ــــــ

هل يجري البداء على جميع المقدرات الإلهية أم يقتصر جريانه على بعضها فقط؟

إن التقديرات الإلهية على نوعين:

1ـ التقديرات الحتمية والقطعية الثابتة، التي لا تتبدّل ولا تتغيّر.

2ـ التقديرات المشروطة والمتغيِّرة.

إن بعض التقديرات الإلهية، من قبيل: ما أمر الله الأنبياء بتبليغه، هو جزءٌ من التقديرات الحتمية والقطعية. ومثل هذه التقديرات مكتوبة في العلم الإلهي، وثابت في علم الله أن لا شيء يمكنه تغييرها، من قبيل: صفات الإمكان لجميع الكائنات الممكنة، أو صفة الامتناع بالنسبة إلى الممتنعات. إلاّ أن بعض المقدرات الإلهية مشروطة، وإن تحقّقها معلَّق على بعض الشروط، فإنْ تحققت تلك الشروط تحقق ذلك التقدير، من قبيل: الأمثلة والمصاديق التي أشار إليها القرآن من القضاء المشروط والمعلَّق على الإيمان والتقوى مثلاً، حيث رهن نزول البركات من السماء والأرض بتحقُّق الإيمان والتقوى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 96).

وفي روايةٍ عن الإمام الباقر× إشارةٌ إلى كلا نوعَيْ التقدير، بمعنى: التقدير المحتوم؛ والتقدير الموقوف: «من الأمور أمور محتومة جائية لا محالة، ومن الأمور أمور موقوفة»([20]).

وفي روايةٍ أخرى عنه× أيضاً، قال: «هما أجلان: أجل محتوم؛ وأجل موقوف»([21]).

وبطبيعة الحال فقد أشار الإمام الباقر× إلى وقوع البداء في الأمور المحتومة أيضاً، وقال بأن البداء إنما ينتفي بالنسبة إلى الوعود الإلهية([22]). وعلى أيّ حالٍ يتّضح من هذه الروايات أن بعض التقديرات الإلهية تقديرات محتومة، وبعضها الآخر موقوفة وقابلة للتغيير والتبديل.

 

2ـ علاقة البداء بالعلم الإلهي ــــــ

إن من المسائل الهامة والمعقدة في مجال مفهوم البداء علاقته بعلم الله؛ إذ تصوّر البعض أن البداء يستلزم التغيير في العلم الإلهي. إن تحقق البداء بحسب المعنى الظاهر دليل على حصول التغيُّر في العلم، كما يدلّ على نقص العلم. فعندما يحصل البداء في تقدير فهل يعني ذلك أن علم الله لم يكن كاملاً، أو أن الحاصل هو استبدال علم بعلمٍ آخر؟ إن لازم السؤال الأول هو نسبة الجهل إلى الساحة الإلهية، ولازم السؤال الثاني هو نسبة التغيُّر في الذات الإلهية. في حين لا يمكن لنا أن ننسب الجهل إلى الساحة الإلهية، ولا يمكن أن ننسب لها التغيّر. إن هذا النوع من المشاكل دفع علماء الإمامية إلى البحث عن الحلول. وفي ما يلي نستعرض إجابات بعضهم:

1ـ ذهب الشيخ الصدوق إلى القول بأن البداء يعني الانكشاف. من هنا فإن المراد من عبارة «بدا لله» هو اتّضاح وانكشاف بعض     أعمال العباد (مثل: صلة الرحم، وقطع الرحم، والدعاء، وما إلى ذلك)، ممّا يحصل التغيير في المقدَّرات بسببه([23]).

2ـ كما ذهب الشيخ المفيد إلى القول بأن البداء يعني الظهور، وقال بأن التعبير بـ «بدا لله» يعني بدا من الله، بمعنى أن أمراً يبرز من جانب الله تعالى. وإن ظهور الأمر الجديد لا يلزم منه بالضرورة ظهور علمٍ جديد، ليستنبط من ذلك أن شيئاً كان خافياً على الله، ثم انكشف له. يرى الشيخ المفيد أن نسبة البداء إلى الله تعالى ذات صبغة سمعية. كما ذكر الشيخ المفيد التطبيق المجازي لمفردة البداء، وأن هذه الكلمة قد استعملت في بعض الموارد التي كان يجب ـ طبقاً للمحاسبات العادية أو من خلال الالتفات إلى القرائن المتوفّرة ـ أن لا تتحقّق، ويبدو كما لو أنّ رأياً قد حلَّ محلّ رأي آخر([24]).

3ـ ذهب الشيخ الطوسي إلى الاعتقاد بأن البداء يعني حصول علمٍ للعبد بموضوع أو فعل لم يكن يعلمه سابقاً، بل ربما كان على يقين أو ظنّ بخلافه([25]).

4ـ ذهب العلامة المجلسي إلى عدم جواز استعمال البداء بمعناه الحقيقي على الله؛ وذلك لاستلزامه ظهور علم الجديد. ولكنْ يجوز استعماله عليه بمعناه المجازي، كما هو الحال بالنسبة إلى مفرداتٍ أخرى، من قبيل: نسبة المكر واليد والوجه إلى الله([26]).

هناك في القرآن الكريم آياتٌ تدلّ بظاهرها على أن الله لم يكن يعلم بعض الأمور، ثمّ علم بها لاحقاً. وفي ما يلي نشير إلى بعض هذه الآيات:

1ـ ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 140).

2ـ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ (الأنفال: 66).

3ـ ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ (الكهف: 12).

4ـ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: 31).

وبذلك فإن ظاهر هذه الآيات يدلّ على أن الله لم يكن لديه علم، ثم أصبح الآن عالماً، بمعنى أن الله قد حصل على علم جديد.

ومن ناحيةٍ أخرى هناك الكثير من الآيات والروايات التي تدلّ على أن الله عالم بجميع الأشياء قبل وجودها. وفي ما يلي نشير إلى بعضها:

1ـ ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 282؛ النساء: 176؛ النور: 35، 64؛ الحجرات: 16؛ التغابن: 11).

2ـ «كان الله ولا شيء غيره، ولم يزل عالماً بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه»([27]).

3ـ «علمه بها قبل أن يكوِّنها كعلمه بعد تكوينها»([28]).

من هنا فإن ظاهر بعض الروايات يدلّ من جهة على حدوث العلم، ومن جهة أخرى هناك تصريح في الروايات بأن الله كان عالماً بالمخلوقات قبل وجودها. وعليه لا بُدَّ من تقديم بيان يستطيع التوفيق والمواءمة بين هاتين المسألتين.

رأي معرفت في العلاقة بين البداء والعلم الإلهي ــــــ

كما تقدّم فإن ظاهر بعض الآيات يدلّ على حدوث العلم الإلهي، ولازم ذلك نسبة الجهل إلى الساحة الإلهية. وقد ذكر الشيخ معرفت& شرحاً لهذه المسألة، نستعرضه في ما يلي على نحو الإجمال([29]).

إن العلم يعني انكشاف المعلوم لدى العالم، وهو أمرٌ إضافي يدركه ويستنبطه العقل من خلال التقابل بين المدرِك والمدرَك، فعندما لا يكون هناك أيّ حجاب أو حائل بين المدرِك والمدرَك يحصل الإدراك، سواء كان المدرَك عبارة عن صورة المعلوم أو عين المعلوم.

إن العلم الإلهي بالأشياء عبارة عن حضور جميع الأشياء عند الله تعالى. ويمكن تصوير العلم الإلهي على صورتين، وهما: العلم الذاتي؛ والعلم الفعلي.

إن الذات الإلهية عالمة بجميع الأمور، وإن علمه الذاتي على صورة العلم الإجمالي في عين الكشف التفصيلي، وإن إجماله عين التفصيل، وتفصيله عين الإجمال. إن الله في مرتبة الذات عالمٌ بجميع الموجودات حتّى قبل وجودها. وبطبيعة الحال فإن هذا العلم الذاتي إنما هو بالوصف، أي بالوجود العلمي للأشياء، لا بوجودها الخارجي. بَيْدَ أن الله تعالى بعد تحقُّق الأشياء يكون له نوعٌ من العلم الفعلي الذي هو من صفات الفعل، بمعنى أنه ما لم توجد المخلوقات لا يكتب التحقُّق لهذا النوع من العلم، من قبيل: اتصاف الله بالرازقية، فإذا كان هناك مخلوقٌ مفتقر إلى الله لكي يرفع عنه الفقر والحاجة يمكن عندها انتزاع صفة الرازقية، ونسبتها إلى الله. وبطبيعة الحال فإن هذا التغيير في عناوين العلم إنما يأتي من جهة التغيير في متعلقات العلم، وإن التغيير في المتعلقات لا يلزم منه التغيير في الذات الإلهية، كأن تكون الإفاضة الإلهية مستمرّة، وتغيير متلقي الفيض لا يستلزم التغيير في المفيض.

وعليه عندما يُستنبط من ظاهر بعض آيات القرآن حدوث العلم يراد بذلك حدوث العلم الفعلي الذي يتحقَّق بتحقُّق وجوده الأشياء، وليس العلم الذاتي الإلهي الذي هو قديم وأزلي، فهو قائمٌ منذ القدم، وسيبقى قائماً.

كما يُبرّر الأستاذ معرفت وجود نوعين من اللوح (لوح المحو والإثبات؛ واللوح المحفوظ) على أساس العلم الذاتي والعلم الفعلي لله عزَّ وجلَّ.

1ـ يرى الأستاذ معرفت أن لوح المحو والإثبات ـ الذي يمكن فيه الزيادة والنقصان والتغيير والتبديل، ويكون فيه القضاء والقدر الإلهي تابعاً لتحقُّق الشروط والمقتضيات وارتفاع الموانع ـ هو العلم الفعلي الإلهي الذي يحدث بحدوث الأشياء، قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: 39).

2ـ كما يذهب سماحته إلى اعتبار اللوح المحفوظ، والمعبَّر عنه في القرآن الكريم بقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فيِ لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج: 21 ـ 22)، والذي لا يطاله التغيير أبداً، والذي لو ناله الإنسان سيطلع على وقوع الحوادث دون أدنى تغيير، هو العلم الإلهي الذاتي والأزلي([30]).

وعلى هذا الأساس لو تمكّن أحدٌ من الوصول إلى لوح المحو والإثبات سيكون علمه قابلاً للتغيير والتبدّل؛ لأن علمه سيكون علماً بالمقتضي فقط، دون الشرط والمانع. فلربما توقَّع ـ بسبب اتصاله بهذا اللوح ـ وقوع حادثة، ومع ذلك لا تقع تلك الحادثة؛ لعدم تحقُّق الشرط ووجود المانع.

ومن هنا وردت روايات بهذا الشأن تقول: إن علم الله علمان، وهما:

أـ علم لم يطلع عليه أحدٌ من مخلوقاته. وإن الملائكة والأنبياء يُخبرون بأنه سيتحقّق حتماً، ولا يقبل التغيير والتبديل.

ب ـ العلم الذي يقبل التغيير والتبديل. فقد رُوي عن الإمام الباقر× أنه قال: «العلم علمان: فعلم عند الله مخزون لم يُطلع عليه أحداً من خلقه، وعلم [علّمه] ملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورسله فإنه سيكون، لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون يقدِّم منه ما يشاء، ويؤخِّر منه ما يشاء، ويثبت ما يشاء»([31]).

 

3ـ علاقة البداء بنبوءات الأنبياء وأولياء الله ــــــ

يتحدّث القرآن الكريم، وكذلك الروايات، عن بعض النبوءات التي صدرت عن الأنبياء والأولياء أنّه قد حدث بشأنها البداء، ولم تتحقَّق على المستوى الخارجي. ولازم البداء في ما يتعلق بهذه النبوءات والتوقعات هو تكذيب الأنبياء أو الأئمة، وقد يؤدّي ذلك إلى عدم الوثوق بكلامهم؛ إذ عندما لا يصدق تنبؤهم في موارد البداء قد يتصور الناس أن نبوءاتهم وكلماتهم الأخرى قد لا تكون صادقة أيضاً. وبذلك سوف يسري التشكيك إلى كلّ ما يقوله الأنبياء.

وفي ما يلي نشير إلى بعض هذه النبوءات:

1ـ لقد قطع النبيّ يونس× الأمل بهداية قومه، بل لعنهم، وسارع إلى تركهم بعد ظهور علامات البلاء قبل ثلاثة أيّام من نزوله. فلما كان ذلك خرج الناس عن بكرة أبيهم يرفعون أيديهم بالدعاء والتضرُّع بصدق وإخلاص، وأعلنوا التوبة من ذنوبهم صادقين، فبدأت تباشير العذاب بالانحسار، وعادت الأمور إلى طبيعتها، وعاد الهدوء ليكون هو سيّد الموقف. وفي تلك الأثناء لم يطلع النبي يونس على تضرُّع قومه، وتصوَّر أن العذاب محيق بهم لا محالة، ولكنْ حصل البداء، ولم ينزل العذاب. وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (يونس: 98).

2ـ رؤيا النبيّ إبراهيم×، إذ رأى في عالم الرؤيا أنه يذبح ولده إسماعيل، وقد تكرَّر المنام لعدّة مرّات، حتّى أيقن أنه مأمور بالتضحية بولده. فعرض الأمر على إسماعيل×، فقال إسماعيل في الجواب على ما ورد في القرآن الكريم: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافّات: 102). وما إن همّ إبراهيم بذبح ابنه، ووضع السكين على رقبته، وباشر الذبح، لم تفلح السكين شيئاً، واستبدل الله التضحية بذبح عظيم. فعلى الرغم من قيام النبي إبراهيم× بما أوجبه الله عليه، إلاّ أن نبوءته لم تتحقَّق، ولم يكن إبراهيم مطّلعاً على ذلك([32]).

3ـ لقد أخبر النبي موسى× قومه أنه ذاهب لميقات ربه، وأن سيعود إليهم بعد ثلاثين يوماً، واستخلف عليهم أخاه هارون×، ولكن الميقات ـ طبقاً لتصريح القرآن ـ قد امتدّ لأربعين يوماً، وفي الأيام العشرة الأخيرة انحرف بنو إسرائيل إلى عبادة العجل. وهكذا لم يكن النبيّ موسى مطّلعاً على التقدير الثاني، وأخبر قومه بالتقدير الأول فقط([33]).

4ـ رُوي عن الإمام الصادق×، أنه قال: لقد أخبر النبيّ عيسى× بموت جارية بلدغة أفعى في ليلة عرسها، ولكنّ ذلك لم يتحقَّق بعد أن تصدَّقت الجارية بشيء من المال؛ فدفع الله عنها الموت بالبداء([34]).

وقد عمد البعض إلى توجيه هذه الأخبار الغيبية المعدودة قائلاً: إن علم الأنبياء في هذه الموارد قد تعلَّق بالمقتضي والعلة الناقصة، وإنهم لم يطلعوا على العلة التامّة. وبعبارةٍ أخرى: إن مصدر علمهم كان هو لوح المحو والإثبات، وليس اللوح المحفوظ([35]).

وعليه عندما لم تتحقَّق هذه الأخبار الغيبية كان البداء قد حصل في موردها، بمعنى أن الله قد أظهر للناس ما كان خفي عليهم، وفي ذلك يقول الله تعالى في القرآن: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر: 47).

بَيْدَ أن البعض الآخر قال، في مورد عدم وثوق الناس بأخبار الأنبياء، بأن إخبار الأنبياء والأولياء على نوعين:

1ـ الأخبار التي تتعلَّق بصفات الله، وكيفية الحشر والنشر في القيامة، ونظام النبوّة، وإخبار الأنبياء الماضين وبشارتهم بالأنبياء الذين سيأتون بعدهم، ونظام ولايتهم واستخلافهم، وما إلى ذلك، فإن هذه الموارد لا تقبل التغيير والتبدُّل أبداً؛ لأنها تمثل أساس الدين وأركانه.

2ـ الأخبار التي تتحدَّث عن المستقبل. وهذا النوع من النبوءات قد لا يكتب له التحقُّق بسبب تغيُّر الشروط والمصالح، إلاّ إذا اقترنت هذه النبوءات بقرائن تدلّ على حتمية وقطعية وقوعها([36]).

 

الاستنتاج ــــــ

إن البداء ـ طبقاً للتعاليم الدينية ـ يُعَدّ من البديهيات الثابتة في الدين. وإن الاعتقاد بالبداء لا يعني القول بالجهل في الساحة الإلهية، بل إن الله طبقاً للسنن الثابتة يمحو قضاءً وقدراً، ويُثبت بدلاً منه قضاءً وقدراً آخر، مع علم الله بحصول هذا التغيير في القضاء مسبقاً.

إن مباني وأصول نظرية البداء عبارة عن:

1ـ علم الله بجميع الأشياء.

2ـ إن جميع المخلوقات والكائنات في هذا العالم تقع تحت سلطة الله تعالى.

3ـ إن مصير الإنسان رهنٌ بأعماله الصالحة.

إن الاعتقاد بالبداء يشتمل على آثار تربوية كثيرة، بحيث إنه يحيي الأمل في قلوب المؤمنين، ويعلمون أن مصيرهم يتغيَّر نحو الأفضل بفعل أعمال الخير. من هنا فإن اليأس والقنوط لا يتسلَّل إلى قاموس المتدينين أبداً.

الهوامش

(*) أستاذٌ مساعد في جامعة طهران، قسم الفلسفة.

([1]) انظر: أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة 1: 212.

([2]) انظر: محمد هادي معرفت، تلخيص التمهيد 1: 423.

([3]) الصدوق، التوحيد: 332 ـ 333؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 4: 99.

([4]) المصدر نفسه.

([5]) المصدر نفسه.

([6]) صحيح البخاري 4: 146، باب ذكر بني إسرائيل.

([7]) سنن الترمذي 3: 303.

([8]) سنن ابن ماجة 1: 35، باب القدر.

([9]) الكليني، أصول الكافي 1: 141.

([10]) نهج البلاغة، الخطبة رقم 178.

([11]) الكليني، أصول الكافي 1: 107.

([12]) انظر: المجلسي، بحار الأنوار 4: 113.

([13]) انظر: الأعراف: 96.

([14]) انظر: إبراهيم: 7.

([15]) انظر: نوح: 10 ـ 12.

([16]) نهج البلاغة، الخطبة رقم 110.

([17]) إن حقيقة النسخ في القوانين الوضعية تعني تغيير القانون السابق، من خلال إلحاق بعض الاستثناءات أو لغة المادّة القانونية رأساً، ويكون هذا التغيير حاصلاً بفعل تغيُّر رأي المقنن والمشرِّع إثر مواجهة بعض المشاكل في التطبيق العملي. والنسخ بهذا المعنى محالٌ على الله. (نسخ در قرآن در تازه ترين نگاه، مقالات مؤتمر الأستاذ معرفت).

([18]) البداء ـ في حقيقته ـ نشأة رأي جديد. وهو عبارةٌ عن تجدُّد رأي لم يكن من ذي قبل؛ لأسباب دعت إلى هذا التجدُّد، وهو في الغالب جهلٌ بواقع الأمر انكشف لحينه، الأمر الذي يستدعي حصول العلم بشيء أو أمر كان خافياً قبل ذلك. ومن ثمّ كان مستحيلاً عليه تعالى الذي لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض، ولم يزَلْ عالماً بالأشياء قبل وجودها: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾ (يونس: 61). (محمد هادي معرفت، كراسة البداء في القرآن والحديث: 9).

([19]) الكليني، الكافي 1: 115.

([20]) المجلسي، بحار الأنوار 4: 96.

([21]) الكليني، أصول الكافي 1: 147.

([22]) انظر: المجلسي، بحار الأنوار 52: 250.

([23]) انظر: الصدوق، التوحيد: 335.

([24]) انظر: المفيد، أوائل المقالات: 29 ـ 30.

([25]) انظر: الطوسي، عُدّة الأصول 2: 459.

([26]) انظر: المجلسي، بحار الأنوار 4: 123.

([27]) الكليني، أصول الكافي 1: 107.

([28]) المصدر السابق: 130.

([29]) انظر: محمد هادي معرفت، البداء في القرآن والحديث: 17 ـ 27.

([30]) انظر: المصدر السابق: 25.

([31])الكليني، أصول الكافي 1: 147.

([32]) انظر: الصافات: 102 ـ 107.

([33]) انظر: الأعراف: 142، 147 ـ 150.

([34]) انظر: المجلسي، بحار الأنوار 4: 94.

([35]) انظر: محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 11: 522؛ جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل 6: 331.

([36]) انظر: الطوسي، الغيبة: 265؛ السبحاني، بحوث في الملل والنحل 6: 335.