التأثير الاجتماعي في التنمية الاقتصاديّة

13 نوفمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
42 زيارة

التأثير الاجتماعي في التنمية الاقتصاديّة

قراءةٌ إسلاميّة

الشيخ صادق يابري محمد(*)

الشيخ محمد تقي سبحاني نيا(**)

ترجمة: وسيم حيدر

 

1ـ المقدّمة

يمكن اعتبار الثروة الاجتماعية مجموعة محدّدة من المعايير والقِيَم الثقافية والمذهبية، من قبيل: الثقة المتبادلة، والصدق، والوفاء بالعهد، وحفظ الوعود في المعاملات الاجتماعية والاقتصادية التي يقوم عليها المجتمع. ويمكن الوقوف على مفهوم الثروة الاجتماعية في الكثير من أعمال علماء الاجتماع، ضمن أمور من قبيل: الثقة المتبادلة والمعايير والقِيَم. وقد تمّ توسيع أدبيات مفهوم الثروة الاجتماعية على يد المحقّقين، من أمثال: هاتيفان، وفوكوياما، وجيمز كلمن، من علماء الاجتماع؛ وبيتنام المختصّ في العلوم السياسية؛ وبيير بورديف عالم الاجتماع الفرنسي. وكان لبعض العلماء المختصين في العلوم الاجتماعية ـ من أمثال: ماك بيك، وغيرن شيم، وغيدنز، وجيمسون، ولومان، ومسيزال، وزتومكا ـ رؤية جديدة للثقة المتبادلة والإخلاص، بوصفهما نموذجان قريبان من مفهوم الثروة الاجتماعية. وإنّ هواجس هؤلاء تعكس اهتمامهم الخاص بالتعاطي اليومي وكيفية العلاقة القائمة بين أفراد المجتمع([1]).

بالالتفات إلى أن الدراسات التي أجريت حتّى هذه اللحظة قد ركَّزت على الثروة الاجتماعية في ما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، فإننا نسعى في هذا المقال إلى دراسة «الثروة الاجتماعية المتمثّلة بالثقة المتبادلة والصدق في التنمية الاقتصادية من وجهة نظر الإسلام»، معتمدين في هذه الدراسة على المصادر المعتبرة والمتوفّرة في هذا الشأن. وفي البداية ستكون لنا جولةٌ على مفهوم الثروة الاجتماعية في الفكر المتعارف، لننتقل بعد ذلك إلى الموقع البارز لعناصر الثقة والصدق، وتأثيرهما على التنمية الاقتصادية في هذا المجال.

 

2ـ الثروة الاجتماعية([2])

إن الثروة الاجتماعية، كسائر الأشكال الأخرى، ثروةٌ منتجة، وتجعل من تحصيل الأهداف المعيّنة والمحدّدة ـ التي لا يمكن الوصول إليها في غياب هذه الثروة الاجتماعية ـ أمراً ممكناً. إن المشاركة في القِيَم والمعايير لا يؤدِّي في حدّ ذاته إلى إنتاج الثروة الاجتماعية؛ إذ ربما كانت القِيَم سلبية. إن المعايير التي يمكن لها أن تنتج الثروة الاجتماعية يجب أن تشمل في الأساس سجايا من قبيل: الصدق، والوفاء بالعهد، والعلاقات القائمة على الثقة المتبادلة([3]). إن الثروة الاجتماعية ذخيرةٌ ورصيد من الشعور بالثقة والاعتماد المتبادل والتعاون والمشاركة بين أفراد جماعة أو مجتمع؛ بغية تسهيل علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية. إن الثروة الاجتماعية إلى جانب ـ الثروة الإنسانية والثروة الاقتصادية ـ تعمل بوصفها واحدةً من العناصر المؤثِّرة في التقليل من نفقات الإنتاج([4]).

هناك الكثير من الأدوات المتنوّعة في الاقتصاد، والتي تستعمل لغرض التخفيف من مستوى عدم المساواة في مختلف العناصر الاقتصادية، من قبيل: الضرائب والدفوعات المتنقّلة التي توضع تحت تصرُّف الدولة والمؤسسات الخيرية ومؤسسات التكافل الاجتماعي (من قبيل: الزكاة والخمس والإنفاق في الإسلام). بَيْدَ أنّ الأهمّ من هذه الموارد ـ والذي ينسجم إلى حدٍّ ما مع الأدوات المذكورة، والتي هي بمتناول الناس ـ تشكيل الثروة الاجتماعية بين الناس. لقد عمد الإسلام ـ من خلال إيجاد آلية الزكاة والخمس والإنفاق المباشر ـ إلى بناء خصائص ومقوّمات الثروة الاجتماعية. إن الثروة الاجتماعية تقلِّل من مستوى الفقر، وتعمل على إصلاح عدم المساواة في توزيع الثروات والأرباح، وتقيم المصرف العالمي، وتجعل من تكديس الثروة الاجتماعية بوصفها استراتيجية أصلية وهامّة لخفض مستوى الفقر بين أفراد المجتمع.

وكما تقدَّم فإن الدراسات المتنوّعة بشأن الثروة الاجتماعية تثبت أن للثروة الاجتماعية دائرة بحث وتطبيق واسعة بالقوّة. وبعد التأكيد على الآراء ونتائج التحقيقات سوف نخوض في دراسة بعض نظريّات العلماء والمفكِّرين بشأن الثروة الاجتماعية.

 

أـ جيمز كولمن([5])

يذهب عالم الاجتماع الأمريكي (جيمز كولمن) إلى الاعتقاد بنظرية الانتخاب المنطقي، والتي تقول بأن جميع السلوكيات تنبع من سعي الأفراد إلى تحقيق مصالحهم ومآربهم الشخصية. وقد عمل كولمن على تطوير هذه النظرية في علم الاجتماع. من هنا فإن كولمن ينظر إلى التعاطي الاجتماعي بين الأفراد بوصفه شكلاً من أشكال المبادلة. وإن الثروة الاجتماعية بالنسبة له عبارةٌ عن وسيلة لبيان أسلوب التعاون بين الأفراد؛ من أجل الحصول على الربح. يؤكِّد كولمن على فائدة الثروة الاجتماعية، ويراها مصدراً للتعاون الثنائي في التنمية الاجتماعية([6]). وقد أثبت من خلال دراسته أن الثروة الاجتماعية لا تقتصر في نفعها على أصحاب السلطة والأثرياء من الناس فقط، بل هي مفيدة حتّى بالنسبة إلى الفقراء والطبقة المهمَّشة في المجتمع أيضاً. إن من الأمور التي تستهوي كولمن ربط علم الاجتماع بالتيارات الاقتصادية الرئيسة، ومن هنا فإنه يستعمل مفهوم الثروة الاجتماعية بوصفه جسراً بين الاقتصاد وعلم الاجتماع([7]).

إن الثروة الاجتماعية هي ـ مثل الثروة الفيزيائية والثروة الإنسانية ـ غير قابلة للتعويض أبداً. إلاّ أن بالإمكان تعويضها في ما يتعلَّق ببعض الأنشطة الخاصة. هناك أشكالٌ معيَّنة من الثروة الاجتماعية القيّمة في تسهيل الأفعال المعينة قد لا تكون نافعةً بالنسبة إلى الأفعال الأخرى، بل وقد تكون ضارّةً بالنسبة لها. إن الثروة الاجتماعية لا تكون في الأفراد، ولا في الأدوات الفيزيائية([8]). إن مفهوم الثروة الاجتماعية بالنسبة إلى كولمن وسيلةٌ لتبيين أسلوب التعاون بين الأفراد. ومن وجهة نظره تعدّ الثروة الاجتماعية مصدراً؛ لاشتمالها على شبكات قائمة على الاعتماد والثقة المتبادلة والقِيَم المشتركة. وقد عَرَّف الثروة الاجتماعية في مقالٍ له على أنها منبع ومصدر نافع، يمكن للفاعل الاستفادة منه في الاتصالات الاجتماعية. وعَرَّفها في موضعٍ آخر بوصفها بضاعةً عامّة([9]).

وقد بيَّن كولمن أشكال الثروة الاجتماعية على النحو التالي:

1ـ المسؤوليات والتوقُّعات: إن من أهمّ خصائص الثروة الاجتماعية من وجهة نظر كولمن هو نظام المسؤوليات والتوقُّعات، بمعنى أن زيداً من الناس إذا أراد أن يقدِّم خدمةً لعمرو فإنما يكون ذلك منه اعتماداً على أن عمرو في المقابل سيقدِّم له خدمة مماثلة في المستقبل. وهذا الأمر يخلق توقُّعاً لدى زيد، ومسؤولية لدى عمرو، والغاية من ذلك هي الحفاظ على عنصر الثقة المتبادلة بينهما. إنّ هذا التعهُّد والثقة بمثابة ورقة الضمان بيد زيد. فإذا كانت لدى زيد الكثير من هذه الأوراق في ما يتعلَّق بتعامله مع غير عمرو من الأشخاص الآخرين يمكن القول: إنه يملك رصيداً مالياً كبيراً من السندات، التي تخلق رصيداً اعتبارياً، يمكنه الاستفادة منه عند الضرورة.

2ـ الظرفيّة الكامنة بالقوّة في المعلومات: إن الحصول على المعلومات أمرٌ مكلف. من هنا يعمل الكثير من الأفراد على الحصول على معلومات بشأن الأعضاء الآخرين في الشبكة من خلال الاستفادة من شبكة العلاقات الاجتماعية، وبذلك يقتصدون في النفقات إلى حدٍّ كبير.

3ـ المعايير والضمانات التنفيذية المؤثِّرة والفاعلة: إن للمعايير أشكالاً متفاوتة. وإن بعضها يعتبر في غاية الأهمّية بالنسبة إلى التنمية، ولا سيَّما منها ما كان إرشادياً، ويحثّ الفرد ـ على سبيل المثال ـ على التنكُّر لمصالحه الشخصية، والتفاني من أجل مصالح الجماعة. إن معايير من هذا القبيل تحظى بدعمٍ اجتماعي وما إلى ذلك من ألوان التكريم والتقييم الأخرى، وبذلك تمثِّل ثروةً اجتماعية تعمل على بناء الأمم.

4ـ العلاقات المتينة: إذا قام الفاعلون الكثيرون بإعطاء حقوق السيطرة على الأنشطة إلى فردٍ فإنّ هذا النوع من الثروة الاجتماعية سيؤدّي إلى قيادة شخصٍ لبيب في المجتمع. وهذا يعني تماماً الميل إلى بناء ثروةٍ اجتماعية ضرورية لحلّ المشاكل المشتركة التي تحشر الأفراد في ظروفٍ خاصة، وتضطرّهم إلى التنازل عن سلطاتهم لصالح زعيم فهيم ومقتدر.

5ـ المنظومة الاجتماعية المَرِنة: تتبلور المنظمات التطوُّعية من أجل الوصول إلى الغايات والمقاصد التي ينشدها الذين أوجدوها. وهي في مواصلة حياتها تغدو مرنة لتلبية المقاصد الأخرى. وبالتالي تعمل على بلورة الثروة الاجتماعية التي يمكن توظيفها في الوقت المناسب. فعلى سبيل المثال: إن أعضاء تعاونية المطابع في ولاية نيويورك الأمريكية، والذين كانوا من عمّال صفّ الحروف، شكَّلوا لأنفسهم نادياً باسم (نادي صفّ الحروف). وفيما بعد، حيث كان أرباب الصناعات يبحثون عن عمّال في صفّ الحروف من ناحيةٍ، وكان عمّال صفّ الحروف يبحثون عن فرصٍ للعمل من ناحيةٍ أخرى، كان وجود كلا هاتين المنظّمتين مؤثِّراً في توفير فرص العمل لبعضهما.

وفي ختام هذا التبويب وصل كولمن إلى نتيجة مفادها: إن أشكال الثروة الاجتماعية عبارةٌ عن روابط السلطة والثقة المتبادلة والمعايير، وإن الثروة الاجتماعية محصولٌ متفرِّع عن النشاطات التي يقوم بها الأفراد لتحقيق مقاصد أخرى([10]).

 

ب ـ روبرت بوتنام([11])

يقول بوتنام: إن الثروة الاجتماعية عبارةٌ عن وجوه متنوّعة للنظام الاجتماعي، من قبيل: الثقة المتبادلة، والمعايير والقنوات التي يمكنها ـ من خلال تسهيل عملية التنسيق ـ أن تحسِّن من فاعلية المجتمع. إن الثروة الاجتماعية مثل سائر الثروات الإنتاجية أيضاً، وتعدّ الأرضية لإمكان التوصّل إلى الأهداف المحدَّدة، التي لا يمكن الوصول إليها من دونها([12]).

يرى بوتنام أن الوجوه المتنوّعة للنظام الاجتماعي عبارةٌ عن:

1ـ القنوات: هناك الكثير من قنوات التواصل الرسمية وغير الرسمية في كافّة المجتمعات، الأعمّ من المتحضرة أو التقليدية أو الإقطاعية أو الرأسمالية وما إلى ذلك. يرى بوتنام أن قنوات المشاركة المدنية من الأشكال الضرورية للثروة الاجتماعية، فكلما كانت هذه القنوات أكثر تراكماً في المجتمع رفع ذلك من درجة احتمال تمكُّن المواطنين من التعاون فيما بينهم؛ للوصول إلى المصالح المشتركة. ويرى بوتنام أن مزية قناة المشاركة المدنية تكمن في رفع تكاليف نقض العهود والمواثيق في المعاملات، وكذلك تعزيز المعايير القوية في التعامل المتبادل.

2ـ معايير التعامل المتبادل: هناك في كلّ جماعةٍ اجتماعية معايير تكون أهمّ الفوائدة المترتِّبة عليها: تعزيز الثقة، وخفض تكاليف المعاملات، وتسهيل عملية التعاون. ويرى بوتنام أن من بين أهم هذه المعايير معايير التعامل المتبادل. ويرى أن هذه المعايير من أكثر أجزاء الثروة الاجتماعية إنتاجيّةً. إن الجماعات والمجتمعات التي تطيع هذه المعايير تتفوّق بشكلٍ مؤثِّر على استغلال الفرص ومشاكل العمل الجماعي. إن هذه المعايير ترتبط بالكثير من قنوات التبادل الجماعي، وتعمل على دعم بعضها للبعض الآخر.

3ـ الثقة الاجتماعيّة: يذهب بوتنام إلى الاعتقاد بأن الثقة الاجتماعية تنشأ من مصدرين، وهما: معايير التعامل المتبادل؛ وقنوات المشاركة المدنية. ويرى أن الثقة تسهِّل عملية التعاون. وكلما كان مستوى الثقة في المجتمع أكبر ارتفع مستوى احتمال التعامل أيضاً. ويرى بوتنام أنه كلما كان مستوى التعامل بين الأفراد أكبر أمكن لهؤلاء الأفراد أن يحصلوا على مزيدٍ من المعلومات عن بعضهم البعض، الأمر الذي يزيد من الدوافع إلى بناء الثقة المتبادلة.

وفي المجموع يرى أن من بين مصادر الثروة الاجتماعية اعتماد معايير التعامل المتبادل، وقنوات التعامل، حيث تتمتَّع بعلاقات داخلية ذات نظام دعم وإنتاج تلقائي.

وطبقاً لاعتقاد بوتنام فإن خصوصية إعادة إنتاجية الثروة الاجتماعية يؤدّي إلى التعامل الاجتماعي المقرون بالمستوى العالي من التعاون والثقة والتعامل المتبادل وما إلى ذلك. وقد أضاف إلى كلامه: إن فقدان هذه الخصائص في بعض المجتمعات سيؤدّي إلى نقض العهود وانعدام الثقة، والاحتيال، والغشّ، وإساءة الاستغلال، والعزلة، والفوضى والركود([13]).

ويمكن تلخيص وجهة نظر بوتنام على النحو التالي: إن الثروة الاجتماعية تتبلور ضمن التعامل المتبادل. وإن الدافع إلى التعامل المتبادل هو الاستعانة بالآخر، أو تقديم العون له مع توقُّع ردّ الجميل من الطرف المقابل في المستقبل. وإنّ المراد من الربح هو الحصول على المساعدة من الطرف المقابل عند الحاجة إليها في المستقبل. إن هذا التعامل يقوم على أساس الثقة المتبادلة. ويتمّ الحصول على الثقة المتبادلة ضمن القنوات؛ إذ من خلال التواجد في القنوات والتعامل المتبادل يمكن لنا الحصول على المعلومات الضرورية لبناء الثقة([14]).

 

ج ـ فرانسيس فوكوياما([15])

قال فوكوياما في بيان الثروة الاجتماعية: إنها عبارةٌ عن إعداد وتكوين الثروة الاجتماعية من خلال وساطة مجموعة من المؤسّسات التي تتّسع تقريباً لحجم المجتمع نفسه. ومن بين مصاديق هذه المؤسّسات: الأسرة، والمدارس، والكنائس، واللجان التطوُّعية، واللجان التخصُّصية، والثقافات العامة، وما إلى ذلك. إن أكثر هذه المؤسّسات غريبة عن اقتصاد السوق، ولا صلة لها به أبداً. وإن ميزانية بعض هذه المؤسّسات ـ من قبيل: المدارس ـ تأتي من دفع الناس للضرائب. والبعض الآخر ـ من قبيل: الأُسَر، أو المؤسّسات الخيرية ـ تأتي ميزانيتها من خلال الإنتاج الفرعي، والأنشطة الأخرى لإنتاج الثروة الاجتماعية. وكما ذكر جيمز كولمن فإن الثروة الاجتماعية، مثل الكثير من الأشكال الأخرى للثروة الإنسانية، عبارةٌ عن منفعة عامة، وعليه فإن الأسواق التنافسية تستثمر عليها بشكلٍ منتظم([16]). إن من التعاريف المطروحة أنّ الثروة الاجتماعية عبارةٌ عن مجموعة من المعايير القائمة في الأنظمة الاجتماعية التي تعمل على رفع مستوى التعاون بين أعضاء تلك المجموعة، وتؤدّي إلى خفض مستوى الإنفاق في التبادل والارتباط. وطبقاً لهذا التعريف تغدو مفاهيم من قبيل: المجتمع المدني والمؤسّسات الاجتماعية حاصلةً على ارتباطٍ مفهومي قريب من الثروة الاجتماعية([17]).

يذهب فوكوياما إلى الاعتقاد بأن الثروة الاجتماعية تتعلّق بالجماعات، دون الأفراد. وإن المعايير التي تشكّل الثروة الاجتماعية إنّما تكتسب مفهومها إذا أسهم فيها أكثر من شخصٍ واحد. إن الجماعة التي تمتلك ثروة اجتماعية قد تكون من الصغر بحيث لا تعدو الصديقين اللذين يتبادلان المعلومات، أو اللذين يتعاونان فيما بينهما ضمن مشروعٍ خاص، أو يمكن أن تكون في مقياسٍ أكبر شاملة لشعب بأكمله. وقد عمل فوكوياما ـ طبقاً للثروة الاجتماعية ـ على المقارنة بين بعض البلدان المتشابهة من الناحية الثقافية على أساس الثروة الاجتماعية. وهدفه من ذلك هو الإجابة عن السؤال القائل: لماذا تحصل بعض البلدان على فرص اقتصادية أكبر من تلك التي تحصل عليها سائر البلدان الأخرى؟ ويقول في الجواب عن ذلك: إن المستويات العالية للمقبولية الاجتماعية (الثروة الاجتماعية) في هذه البلدان، والمتمثِّلة بالصدق والثقة المتبادلة بين الأفراد، تحفِّزهم إلى الأعمال الجماعية والتعاونية المشتركة، وبذلك تخلق الأرضية المناسبة للنموّ والرقيّ والازدهار. فعلى سبيل المثال: إن المستويات العالية للثروة الاجتماعية في المجتمع الياباني أدَّتْ إلى ازدهار وتنمية هذا البلد، في حين أن العلاقات القائمة في المجتمع الصيني حالَتْ دون تكوين الثروة الاجتماعية، وحدَّتْ من فرص الإبداع في هذا البلد. ويذهب فوكوياما إلى الاعتقاد بأن المجتمعات الحديثة، بدلاً من السعي إلى تحسين أخلاق أفرادها، تبحث عن تأسيس وإقامة مؤسّسات من قبيل: الدولة والحكم المستند إلى الدستور، والتبادل القائم على السوق الحرّة؛ كي تضبط الإيقاع السلوكي لأفرادها([18]).

ومن خلال الجمع بين الآراء والنظريات المطروحة يمكن اعتبار الثروة الاجتماعية مجموعةً من القنوات والمعايير والقِيَم التي تسهِّل الوصول إلى المنافع المشتركة، وهذا النوع من الثروة في الحياة الاجتماعية، وقيام عنصر الثقة المتبادلة بينهم.

 

3ـ الثقة([19])

كما يُلاحَظ فإنّ كلّ واحد من هذه التعاريف المتقدّمة يشير إلى ناحيةٍ من نواحي الثروة الاجتماعية، بَيْدَ أن جميع هذه التعاريف تشترك في ذكر عنصر الثقة بوصفه عنصراً رئيساً في الثروة الاجتماعية. إن «الثقة» تعهُّدٌ يدفع بالمرء نحو المجازفة، وإن الربح الكامن في هذه المجازفة في العلاقات الاجتماعية لا يعدو كسب الثقة للطرفين في العلاقات الاجتماعية. إن «الثقة» تعني استعداد الأفراد إلى تقبُّل فكرة ضرورة أن يعتمد الناس على بعضهم في العلاقات الاجتماعية، ففي مثل هذه الصورة يمكن للطرفين أن يبطلوا أو يقلِّلوا من أخطار سلوكيات الأشرار، الذين يتحيَّنون الفرص، ويتربَّصون بالناس الدوائر. فما دامت الثقة موجودةً سيطمئنّ كلٌّ من الشاري والبائع إلى أن الاستثمار في المعاملة سيقترن بالحدّ الأدنى من المجازفة. كما أن العلاقات القائمة على الثقة ستخفض من كلفة الإنفاق؛ إذ عندما يثق الطرفين ببعضهما فإنهما عند مواجهة الشرائط غير المتوقَّعة يعملان على ترتيب الأمور، بحيث يضمنان مصلحة الطرفين. كما أن هذه الثقة بين الطرفين تضمن أن لا يعمل كلّ واحدٍ منهما على ضمان مصالحه بشكلٍ مستقلّ وبعيد عن ضمان مصالح الطرف الآخر.

كما ذهب بعض المحقّقين إلى الاعتقاد بأن مستوى رضا الطرفين بالعلاقة من شأنه أن يؤثِّر في ثقة الطرف الآخر، بمعنى أن علاقة الثقة والرضا تتمّ من قبل طرفين؛ إذ إن للرضا تأثيراً إيجابياً على بناء الثقة.

إن الثقة مفهومٌ متعدّد الأبعاد. وقد ذكرت النصوص المختلفة معاني متفاوتة للثقة، حتّى ذكر منها أسونسون ما لا يقلّ عن عشرين معنى ورد ذكرها في النصوص المختلفة، من قبيل: الاطمئنان، والقدرة على التوقُّع، والإمكانية، والأهلية، والكفاءة، والتخصُّص، والإخلاص، والرغبة، والحسّ التجاري، وحبّ الآخرين، والتناغم، والوفاء، والإيمان، والألفة، والشخصية، والإدارة المفتوحة، والمحبة، والمرونة في قبول الآخر، والواقعية، وما إلى ذلك([20]).

 

أـ المباني النظرية للثقة

في ما يلي نتناول مفهوم الثقة، والنظريات المطروحة في هذا الشأن، من خلال الاستفادة من آراء ونظريات مفكِّرين وعلماء، من أمثال: (جيمز كولمن)، و(أنطوني غيدنز)، و(فرانسيس فوكوياما)، بوصفهم ممثِّلين لثلاثة مستويات في هذا الشأن (الخاصّ، والمتوسّط، والعام)، حيث خاض كلّ واحد من هؤلاء المفكِّرين الثلاثة في هذا الأمر من زاويته ورؤيته الخاصّة.

1ـ جيمز كولمن (المستوى الخاصّ): إن مفهوم الثقة عند كولمن مفهومٌ محوري، يتناوله في بحث الثروة الاجتماعية بالتفصيل. وقد تناول بحث الثقة الاجتماعية على نطاقٍ واسع من خلال ذكره لأمثلة ومصاديق من بناء الثقة بين المصرفي والتاجر، أو بين الفلاّحين، أو بين أفراد الشعب والمسؤولين في المؤسّسات الكبرى، مثل: البرلمان، والصحافة، والجيش، والنظام الطبّي، والسلطة التنفيذية في الدولة، ومؤسّسة الإذاعة والتلفزيون، والمنظّمات العمّالية. يقول كولمن: هناك في العلاقات الاجتماعية في الحدّ الأدنى طرفان (المستأمَن والمستأمِن) يسعيان على الدوام إلى تحصيل أهدافهما المتمثِّلة بضمان مصالحهما. ففي هذه العلاقة يكون كلٌّ من قرار المستأمِن هامّاً ومثاراً للجدل فيما إذا كان يتعين عليه الوثوق بالطرف المقابل أم لا، وكذلك قرار المستأمَن وما إذا كان يتعيَّن عليه الحفاظ على جسور الثقة أم عليه تقويضها([21]).

2ـ أنطوني غيدنز (المستوى المتوسّط): إن من بين خصائص عنصر الثقة ارتباطه بالغياب في الزمان والمكان؛ إذ ليس من الضروري الاعتماد والثقة بالشخص الواقف أمامنا، بمعنى أن شرط الثقة لا يكمن في الافتقار إلى السلطة، بل في ضحالة المعلومات، بمعنى أننا نضطرّ إلى الثقة بشخص لا نمتلك بشأنه الكثير من المعلومات. إن الثقة تميل إلى العلامات النموذجية والفاعلة للأنظمة. إن الثقة هي الطمأنينة والوثوق بالشخص أو النظام الجدير بالثقة، بالالتفات إلى سلسلة من المعطيات والوقائع المحدَّدة([22]). يرى غيدنز أن الثقة والأمان والمجازفة والمغامرة تقيم وشائج فيما بينها في ظلّ شرائط الحداثة. إن هذه المجازفة يمكنها أن تحدث تغيُّراً وتحوُّلاً لدى المستثمر تجاه المؤسّسات وقابليتها على حفظ الأمن. ونتيجة لذلك إذا لم تتمكَّن المؤسّسات (الدولة) من خفض مخاطر هذه المجازفة، أو القضاء عليها تماماً ـ من خلال ضمان الأمن الاقتصادي ـ، فإنّ المستثمر سوف يفقد الحوافز والدوافع إلى الاستثمار.

3ـ فرانسيس فوكوياما (المستوى العامّ): لقد عمد فوكوياما إلى تبيين مسألة الثقة برؤيةٍ اقتصادية، حيث يكون المبنى النظري وبؤرة التركيز على حفظ الثروة الاجتماعية بوصفها مجموعةً محدَّدة من المعايير والقيم غير الرسمية، ويُسهم فيها أعضاء الجماعة المتعاونون فيما بينهم. يرى فوكوياما أن هذه المعايير والقِيَم يجب أن تشمل صفات وسجايا من قبيل: الصدق والوفاء بالعهود والروابط المتبادلة([23])، بحيث إن المساهمة في هذه القِيَم والمعايير غير الرسمية بهذه الخصائص ـ من قِبَل مجموعة من الأفراد المتعاونين فيما بينهم ـ يخلق حالةً من الثقة المتبادلة. وبطبيعة الحال فإن فوكوياما يذهب إلى الاعتقاد بأن هذا التعاون إنّما يأتي في سياق الاستثمار الاقتصادي. من هنا فإنه يقيم الثقة على أساس الثروة الاجتماعية ضمن الإطار الاقتصادي.

يرى فوكوياما أن من بين المفاهيم الهامّة في بيان الثروة الاجتماعية مفهوم «شبكة الثقة». وشبكة الثقة هذه عبارةٌ عن الجماعة التي تتعاون فيما بينها على أساس الثقة المتبادلة، حيث يتبادل الأفراد المعلومات بشأن المعايير والقِيَم بشكلٍ متكافئ. من هنا فإن الثقة تلعب دوراً هامّاً في تسهيل المسارات، وخفض النفقات المرتبطة بهذا النوع من المعاملات([24]).

وفي المجموع يجب القول:

1ـ في المستوى الخاصّ يذهب كولمن إلى القول بأن ضمان المصالح هو المبنى والأساس لتبلور واستمرار الثقة المتبادلة.

2ـ في المستوى الوسيط يذهب غيدنز إلى الاعتقاد بأن الثقة تختصّ بالعلاقات المعقَّدة والرسمية، وقد طرح في أبحاثه مسألة (الزمان والمكان)، وقال بأن هذين المفهومين يلعبان دوراً هاماً في بناء الثقة.

3ـ في المستوى العامّ بحث فوكوياما مسألة الثقة من الزاوية الاقتصادية، واعتبرها جزءاً من الثروة الاجتماعية.

وعلى هذا الأساس هناك ارتباطٌ مباشر بين مستوى الثقة وتطوُّر المجتمعات، ومن جهةٍ أخرى فإن الثقة تقلِّل من نفقات التبادل، الأمر الذي يرفع من الحوافز والدوافع نحو الاستثمار.

 

4ـ الصدق

إن الأسس الأخلاقية، بالإضافة إلى بنائها للعلاقات الإنسانية، تعمل على إبقائها واستمرارها. من هنا فإن الإنسان يحتاج إلى الأسس الأخلاقية قبل حاجته إلى القانون؛ لأن الأسس الأخلاقية هي التي تبني العلاقات العاطفية. وإن أيّ نوعٍ من أنواع التهاون في الأسس الأخلاقية يعني خلق مشكلةٍ في العلاقات الإنسانية، وبالتالي خلق أزمةٍ أخلاقية في المجتمع، وفي العلاقات الاجتماعية أيضاً. وكلّما كان المجتمع أشدّ تمسُّكاً وتشبُّثاً بالأسس الأخلاقية ومعاييرها فإن علاقاته الاقتصادية والاجتماعية بدورها ستكون أفضل وأسلم، وكذلك ستكون المشاكل القانونية والحقوقية بين أفراده أقلّ ظهوراً. وإن المجتمعات التي تسودها الأسس الأخلاقية تقوم فيها العلاقات الاجتماعية بحيث قلّما تحتاج معه إلى تطبيق القانون؛ إذ تقوم العلاقات الأخلاقية فيها على الصدق والعفو والصفح والإحسان والإيثار والتواضع. وإن رعاية كلّ واحد من هذه الأسس الأخلاقية تعمل على حلّ الكثير من المشاكل الأخلاقية تلقائياً، بحيث لا تكون هناك من حاجةٍ إلى فرض القانون بالقوّة.

إن العقود التي يتمّ تبادلها بين أفراد المجتمع عقودٌ تدعمها الأسس الأخلاقية، بمعنى أن الشخص يُلْزِم نفسه ببعض العهود والمواثيق على أساسٍ من كرامته وأخلاقه الإنسانية، ويلتزم بالقيام على طبقها في المستقبل. إن الالتزام بالأصول يؤدّي إلى رفع مستوى الثقة بينهم، وإنّ ارتفاع مستوى الثقة يؤدّي بدوره إلى توسيع وتعزيز العلاقات الاقتصادية وما إلى ذلك.

وفي الآونة الأخيرة أخذ علماء الاقتصاد من الغربيين يهتمّون بمسألة الأخلاق في مجال الكسب والعمل. وهناك منهم مَنْ يؤكِّد على دور الأخلاق ـ بوصفها عنصراً هامّاً ـ في ضمان سلامة الأنشطة التجارية. وقد تنزَّلت الأخلاق في الاقتصاد المتعارف إلى حدود عدم المخالفة للقوانين والقرارات([25]).

إن غياب الصدق في العلاقات الاجتماعية لن يؤدّي إلى إعاقة وبطء عملية التقدّم والتنمية فحَسْب، بل قد يؤدّي إلى تعريض كيان المجتمع بأسره إلى السقوط والانهيار. فالمجتمع الذي لا يحكمه الصدق يعاني من أمراضٍ نفسية وأخلاقية. وبعكسه المجتمع الذي تقوم فيه العلاقات بين الأفراد في جميع نواحيه على الصدق، سوف تسوده الثقة المتبادلة على نطاقٍ واسع.

 

أـ تأثير الصدق في سلامة المجتمع من وجهة نظر العقل والنقل

يُعرَّف «الصدق» في المنطق بـ «مطابقة الخبر للواقع». وأما في الأخلاق فيطلق «الصدق» على مطابقة الخبر لاعتقاد المخبر. وعليه يكون الحديث في المنطق حول «الصدق»، وفي الأخلاق حول «الصادق». وهناك مَنْ نظر إلى هذا الصدق، وذهب إلى الاعتقاد بأن الصدق يخالف الكذب، ويعني مطابقة الخبر لواقع الأمر، بمعنى مطابقة ما في اللوح المحفوظ. والذي يتمتع بصدق اللهجة يكون صادقاً([26]).

إن مطابقة أو عدم مطابقة كلام شخص للواقع، وبالتالي إطلاق وصف الصادق أو الكاذب عليه، إنّما يشكِّل موضوعاً لجانبٍ من الآيات المرتبطة بالصدق؛ إذ إن للصدق مفهوماً أوسع. إن معنى الصدق هنا لا يرتبط مباشرةً بفاعل الفعل والتحليل، بل يرتبط بكيفية أدائه وسلوكه. فمن هذه الناحية يرتبط الصدق بمفاهيم من قبيل: الوفاء، وأداء الأمانة، والثبات على العهد، والإخلاص، ويقع من ناحيةٍ أخرى في مقابل أمور، من قبيل: نقض العهد، والخيانة، والغشّ، والنفاق، وما إلى ذلك.

قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177).

قال العلاّمة الطباطبائي في تفسير هذه الآية: «وبالجملة قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ تعريفٌ للأبرار، وبيانٌ لحقيقة حالهم، وقد عرَّفهم أوّلاً في جميع المراتب الثلاث، من الاعتقاد والأعمال والأخلاق، بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾، وثانياً بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾، وثالثاً بقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾»([27]).

ثمّ قام بتوضيح العبارة المستعملة في المرّة الأولى أوّلاً، ثم انتقل بعد ذلك إلى توضيح العبارة المستعملة في المرّة الثانية، فقال: «وأما ما عرَّفهم به ثانياً بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فهو وصفٌ جامع لجمل فضائل العلم والعمل، فإن الصدق خلق يصاحب جميع الأخلاق، من العفّة والشجاعة والحكمة والعدالة وفروعها، فإن الإنسان ليس له إلاّ الاعتقاد والقول والعمل، وإذا صدق تطابقت الثلاثة، فلا يفعل إلاّ ما يقول، ولا يقول إلاّ ما يعتقد، والإنسان مفطورٌ على قبول الحقّ والخضوع له باطناً، وإنْ أظهر خلافه ظاهراً، فإذا أذعن بالحقّ وصدق فيه قال ما يعتقده وفعل ما يقوله، وعند ذلك تمّ له الإيمان الخالص والخلق الفاضل والعمل الصالح… والحصر في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ يؤكِّد التعريف وبيان الحدّ، والمعنى ـ والله أعلم ـ إذا أردْتَ الذين صدقوا فأولئك هم الأبرار»([28]).

إن الإسلام ـ بشكلٍ عامّ ـ قد أعطى أهمّيةً خاصّة للصدق، ورآه ضرورياً للمؤمن وغير المؤمن. وقد ذهب المفسِّرون إلى تفسير «الصدق» في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ (الأحزاب: 23) بأن المؤمنين قد عبَّروا عن الوفاء بسلوكهم صادقين. كما أنهم وجدوا أن عبارة: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ (الأحزاب: 8) تبيِّن هذا المعنى، وهو عدم كفاية الاعتراف بالحقّ على مستوى القول، بل لا بُدَّ من تصديق ذلك من خلال السلوك والعمل.

إن الصدق من أكبر الفضائل الأخلاقية، وله مكانةٌ مرموقة في التعاليم الدينية، وقد تمّ التأكيد عليه في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة كثيراً. قال تعالى بهذا الشأن في محكم كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119).

إن «الصدق» من الأهمِّية في الإسلام بمكانٍ، بحيث ذهب بعض العلماء إلى الاعتقاد بأن من بين الأمور التي دفعت بالمشركين في صدر الإسلام إلى اعتناق الإسلام اتّصاف المسلمين بـ «الصدق». ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ انعدام الصدق يُلْحِق الضرر بالمجتمع الإسلامي.

كما ورد الصدق في التعاليم الإسلامية بوصفه صفةً من صفات الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ (النساء: 87).

وجاء في الحديث أن الصدق من بين الصفات الأخلاقية البارزة للأنبياء^.

وإن على التاجر في أسواق المسلمين أن يتحلّى بالصدق أيضاً. فقد تمّ التأكيد في الروايات الإسلامية على أن الصدق مجلبةٌ للرزق([29]). كما أنه يجلب ثقة الناس بالشخص الصادق على الصعيد الفردي والاعتبار الاجتماعي أيضاً، الأمر الذي يترك أثراً كبيراً على النشاط الاقتصادي في المجتمع. فقد ورد في الحديث عن رسول الله‘ أنه قال: «يا معشر التجّار، ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح لكم الطريق، تبعثون يوم القيامة فجّاراً، إلاّ مَنْ صدق حديثه»([30]). ومضافاً إلى المنافع الأخروية، يمكن للتاجر أن يستفيد من فوائد الصدق على المستوى الدنيوي أيضاً. قال الإمام الصادق×: «عليك بصدق الحديث وأداء الأمانة تشرك الناس في أموالهم»([31]).

ورُوي عن الإمام عليّ× في هذا الشأن أيضاً أنه قال: «علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك، على الكذب حيث ينفعك»([32]).

لقد شجب الإسلام النفاق بجميع أشكاله. فالحياة التي يعمرها الصدق تقرِّب الإنسان من هدفه الرئيس في الحياة، المتمثِّل بالتكامل والتقرُّب من الله عزَّ وجلَّ.

قال رسول الله‘: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان»([33]).

إن «الصدق» يعتبر ثروة اجتماعية عظيمة. فإذا ساد الصدق في المجتمع سوف تسود الثقة المتبادلة بين الناس، الأمر الذي ينعكس ـ لا محالة ـ إيجاباً على تماسك المجتمع، واتّحاد أفراده فيما بينهم. إن عدم الصدق لا يُعَدُّ عملاً مرفوضاً من قبل المجتمع فحَسْب، بل هو عملٌ مستنكر. ولو أن شخصاً قد لمس عدم الصدق لدى شخصٍ آخر فإنه سيمقته، ويكون انطباعه عنه سيّئاً للغاية. كما أن الأمر بالصدق يُعَدُّ من عناصر ثقافة بناء الثقة في الرؤية الدينية، كما هو الحال بالنسبة إلى سائر القِيَم الأخرى، من قبيل: أداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وما إلى ذلك من القِيَم التي تسهِّل العلاقات الاجتماعية، وتخفِّض من تكاليفها ومستوى الإنفاق عليها. إن قيام العلاقة بين الصدق والثقة رَهْنٌ بعلم الواثق وإدراكه الصدق لدى الموثوق به، والتزامه بمجموعةٍ من الضوابط المقبولة والمتعارَف عليها في المجتمع.

إن الصدق في الاقتصاد رَهْنٌ بأن تكون عناصره ـ من طرفي المعاملة وكيفية تعاطيهما مع بعضهما ـ بحيث تعكس الواقع بعيداً عن أيِّ نوعٍ من أنواع الانحراف عن الحقيقة، أو قلبها بأيّ نحوٍ من الأنحاء. ولو حدث أن حصل انحرافٌ عن الحقيقة؛ لأيّ سببٍ من الأسباب، يجب أن تكون هناك مرونةٌ في إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي. إن غياب الصدق بين طرفي المعاملة يكلِّف الكثير من التبعات والنفقات على العلاقة بينهما، وبالتالي على المجتمع بأسره. إن الافتقار إلى الصدق في المعاملة وعناصر الإنتاج يؤدّي إلى التغطية على العيوب، والتطفيف في الوقت والبيع، وانعدام المسؤولية وإساءة الاستغلال، ويؤدّي في نهاية المطاف إلى انخفاض في الجودة والإنتاج على المستويين الكمّي والكيفي.

إن من بين الخصائص التي يجلبها الصدق في الحياة هي أن فوائده ـ في الوَهْلة الأولى ـ تصل إلى الفرد، ثمّ تعمّ مَنْ يحيط به، ثمّ تتّسع دائرة هذه الفوائد والمنافع لتعمّ المجتمع بأسره. إن الصدق يشمل أقوال الفرد وأفعاله، وإن التعامل السليم لا يأتي إلاّ من طريق الصدق في المعاملة. إن الإنسان الصادق يشعر بالهدوء والطمأنينة بشكلٍ طبيعي. وإن الصدق يترك تأثيره على حياة الإنسان، ويستوعب أقواله وأفعاله أيضاً. فكما أن الله سبحانه وتعالى يمارس العدل على أساس القواعد والضوابط العقلية والحسن والقبح العقلي، وأنه إذا وعد لن يخلف وعده؛ طبقاً لأصل الصدق، ويرى أن التخلُّف وعدم الوفاء بالوعد قبيحاً([34])، كذلك يجب أن يكون المؤمن أيضاً. فعليه أن يتحلّى بهذه الصفة الإلهية، كما هو الشأن بالنسبة إلى الأنبياء، الذين أمرنا الله بالتأسّي والاقتداء بهم([35]).

علينا أن ندرك أن للدين أسساً عميقة ومتجذِّرة. ولكلّ امرئٍ ما نوى. وإن صدق الأفراد يتَّضح مع مرور الوقت. وإن قوام كلّ مجتمع رَهْنٌ بالثقة المتبادلة بين أفراده. وإن الذي يعزِّز بناء الثقة هو الصدق الذي يتّصف به الأفراد عند التعامل فيما بينهم، وإذا انحسر الصدق واضمحلّ، ولم يَعُدْ له من حضورٍ في المجتمع، فإن الحياة ستغدو معقّدة وغير آمنة ومريرة وبائسة. وعليه يجب أن يتحقّق الصدق في جميع المراحل الوجودية من حياة الإنسان، بمعنى أن الصدق يجب أن يتجلّى في أفكاره وعقائده وسجاياه وصفاته الأخلاقية والنفسية وأفعاله وسلوكياته وأقواله. وإذا قامت جميع حركات الإنسان وسَكَناته وجميع أحواله على الصدق والصلاح والحقيقة يكون في الواقع مالكاً لثروة السعادة، وسالكاً طريق التكامل والإنسانية. إذن فالصدق إنما يتحقّق إذا تنزَّه الفرد عن جميع أنواع الكذب والغشّ والاحتيال، والانحراف في الأفكار والأفعال، والتظاهر بخلاف الحقيقة والواقع، والابتعاد عن الأنا والنرجسية وحبّ الظهور واتّباع الهَوَى، وما إلى ذلك من الأفكار والأفعال والأقوال المخالفة للحقّ، والابتعاد عن جميع أنواع الرذيلة([36]).

نستنتج من مجموع هذه الآيات أن الصادقين هم الذين يقومون بمسؤولياتهم انطلاقاً من إيمانهم واعتقادهم الراسخ بالله، ولا يتردَّدون في ذلك، ولا ينكصون على أعقابهم، ولا يخشون الصِّعاب أبداً، بل يؤكِّدون صدق إيمانهم بتضحياتهم الجسيمة. ويتّضح من الروايات الإسلامية أن استقامة وصحّة إيمان الفرد رَهْنٌ باستقامة وصدق لسانه.

ب ـ مظاهر الصدق في المجتمع

إن الصادق يكون موضع ثقة أبناء جلدته، وبذلك فإنه يكفيهم مؤونة التحقيق والتثبّت من صحّة ما يقوله. كما أن الصادق يشعر بالاعتزاز بذاته، وبراحة الضمير فيما بينه وبين نفسه، ولا ينغّصه عذاب الضمير بسبب الكذب والاحتيال على الناس. من هنا فإن الصادق يفي بالوعد الذي يقطعه على نفسه، ولا يخون الأمانة؛ لأن الصدق في السلوك غير منفصلٍ عن الصدق في القول؛ لعلمه بأن الصدق يقضي على الكثير من أنواع الاختلاف والنزاع؛ لأن أكثر الخلافات والنزاعات إنما تنشأ من أن أحد الطرفين أو كلاهما قد مارس الكذب والاحتيال على الناس، ولجأ إلى إخفاء الحقيقة أو إنكارها من الأساس.

إن الجانب الأكبر من العيوب والآفات الأخلاقية والتمرُّد على القوانين والضوابط يزول من تلقاء نفسه؛ لأن أغلب الناس إنّما يكذبون للتغطية على هذا النوع من الأفعال والسلوكيات. إن الكثير من المشاكل السلوكية والاختلافات والنزاعات بين الأصدقاء، بل وحتّى الخلافات والمناوشات السياسية، ظاهرة تنشأ من عدم الصدق ـ بالمعنى الأخصّ ـ، وتؤدّي في الوقت نفسه إلى تعزيز الإنصاف والقناعة وأداء الأمانة والوفاء بالوعود والعهود ـ الصدق بالمعنى الأعمّ ـ أيضاً. إن التاجر الصادق يتجنَّب الغشّ في المعاملة وكتمان العيب والتدليس، ولا يشارك في التآمر والاحتيال على الآخرين. وبعبارةٍ أخرى: إن الصدق هو مفتاح جميع الفضائل، كما قيل في المقابل: «وُضع الشرّ كلّه في صندوق مقفل، وجُعل مفتاحه الكذب»([37]). من هنا فإن التاجر يمثِّل واحداً من الأركان الرئيسة لسيادة الأخلاق الإسلامية، ويلعب دوراً بارزاً في ضمان الطابع العام لصدق السوق. إن المُنْتِج الصادق والصالح يمتنع عن شراء المواد الخام المغشوشة والمزيّفة، كما يتجنَّب التمويه والغشّ والخداع في عملية الشحن والتعليب، ويثبت المكوّنات الحقيقية للمُنْتَج، ولا يلجأ إلى الكذب في الدعاية والترويج لبضاعته. وكلّما كان الصدق أكبر كان حجم التمويه أقلّ، وتكون المعاملة أكثر صدقاً وأمانة.

إن للصدق دوراً محورياً في تعزيز العلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية لجميع أفراد المجتمع، وخاصّة العاملين والمسؤولين، وعلى نحو أخصّ المسؤولين في القطاع المالي في النظام المقدَّس للدولة الإسلامية، كما يلعب دوراً هامّاً في الحصول على ثقة عامّة الناس. إن الصدق يمثِّل واحداً من القيم الإسلامية، ومحوراً في التنمية والأخلاق الحرفية، ويجب أن يكون قاعدة لجميع الأنشطة واتّخاذ القرارات. إن المجتمع الذي يفي بوعوده مجتمعٌ زاخر بالقيم؛ لأن الصدق من أهمّ الأركان والدعائم الأخلاقية الحاضرة في المجتمع الأخلاقي بشكلٍ جادّ. وأما المجتمع الذي يخلف الوعد ولا يفي بالعهد فهو مجتمعٌ غارق في النفاق، أفسده الكذب والخداع والغشّ والنفاق.

إن كلّ مجتمع يقوم على بناء الثقة المتبادلة بين أفراده. وإن الذي يُرسِّخ دعائم هذا البناء هو صدق الناس فيما بينهم، ولو انحسر الصدق من بينهم أضحَتْ الحياة معقَّدة وغير آمنة ومريرة ومروِّعة. وكلّما كان الصدق وسائر الفضائل الأخلاقية في المجتمع أكثر كلّما كان الحبّ والودّ والوئام بين أفراد المجتمع أكبر. والعكس صحيحٌ أيضاً، فكلما كان الكذب والاحتيال والغشّ في المجتمع أكثر كان سوء الظنّ وانعدام الثقة بين أفراد المجتمع أكبر. ولو أننا التزمنا الصدق في حياتنا اليومية قد نواجه بعض المشاكل نتيجة لذلك، بَيْدَ أننا مع ذلك سنخرج منتصرين أيضاً؛ لأننا نكون قد تصرّفنا طبقاً لما تمليه عليه فطرتنا الذاتية. يُضاف إلى ذلك أننا نكون بهذا قد قُمْنا بما يستوجب مرضاة الله سبحانه وتعالى. كما نكون قد طهَّرنا المجتمع من رذيلة الكذب والشعور بعدم الثقة بين الأفراد. فلربما يكون هناك بعض النجاحات أو الانتصارات الظاهرية، إلاّ أنها في الحقيقة لا تأتي للفرد بغير الإخفاق والخيبة، وإن هذه المنفعة الظاهرية ستؤدّي بالفرد إلى أزمةٍ نفسية يعيش فيها حالة من عذاب الضمير المستمر. ويمكن القول: إن من بين تداعيات انتشار الكذب في المجتمع أنه يؤدي أحياناً ببعض الأفراد إلى الشكّ حتى بصدق الآخرين أيضاً؛ إذ يكون سوء الظنّ هو السائد بين الناس. وكذلك إذا لم يكن الصدق والوضوح هو الحاكم في العلاقات الاجتماعية سيغدو من الصعب توقّع سلوك الأفراد، وسوف يجد الفرد نفسه ـ بسبب عدم معرفته بحقيقة الأمر ـ متخبّطاً في متاهة من التناقض في علاقاته مع الآخرين. ولو أمكن للأفراد أن يحقِّقوا بعض النجاح في أعمالهم من خلال الكذب، متصوّرين أن الصدق سيؤدّي إلى اضمحلال مصالحهم، وأنهم سيتخلّفون عن أقرانهم في المجتمع، فعندها لن يبقى هناك من وجود للثقة المتبادلة والتمسّك بالأخلاقيات، وسوف نشهد بالتدريج انخفاضاً في الإقبال على الأخلاق والفضائل الأخلاقية. لو تمكَّن الكاذب والمنافق من تحقيق مقاصده وأهدافه من طريق الكذب والاحتيال، والحصول على بعض المصالح، فإنّ هذه الرذيلة ستفقد قبحها مع مرور الوقت، وسوف تضرب بجذورها في عمق المجتمع شيئاً بعد شيءٍ.

يُمثِّل الصدق واحداً من أهمّ الفضائل الأخلاقية، وهو أحد الأدوات الهامة في العلاقات الاجتماعية السليمة والصحيحة. وإن الفرد من خلال توظيفه لهذا الأصل الهامّ في حياته الاجتماعية يمكنه أن يحقِّق الشعور بالأمن والسكينة والطمأنينة في وجوده ووجود سائر الأفراد الآخرين من أبناء جلدته ومجتمعه. يُعَدّ الترويج للصدق في العلاقات الاجتماعية من بين العناصر الهامّة في الحدّ من الاضطرابات والأزمات الاجتماعية. كما أن المجتمع الذي يكون فيه الصدق هو الأصل والقاعدة سيرتفع فيه مستوى الثقة المتبادلة بين الأفراد، وتكون العلاقات الأخلاقية هي السائدة بين أبنائه، وينخفض فيه مستوى الفساد والرذيلة، والأهمّ من ذلك أن المجتمع سيتحوّل إلى مجتمع سليم وطاهر ومتديِّن، يحتوي على الكثير من الخيرات والبركات. وعلى أيّ حال فإن الصدق وعدم التخلُّف عن الوفاء بالعهد من أهمّ عناصر بناء الثقة في المجتمع. إن بناء الثقة في المجتمع يُعَدّ من أكبر الثروات التي يحتاج إليها المجتمع في ديمومته وبقائه وازدهاره. وأما إذا لم يلتزم الأفراد في المجتمع بالوعود والعهود التي قطعوها على أنفسهم، أو قاموا بنقضها والعمل على خلافها، فإن هذه الثروة الاجتماعية ستضمحلّ، وستعمّ حالةٌ من الفوضى وانعدام الثقة، بحيث لن يستطيع حتّى القانون والقوّة المحافظة على استقرار الأمور، وإعادة المجتمع إلى الأمن والهدوء، والمضيّ به نحو النموّ والازدهار الاقتصادي.

 

ج ـ تأثير الصدق على الازدهار الاقتصادي

تُعَدّ مراعاة أصل الصدق أمراً هامّاً وأساسياً في المعاملات الاقتصادية. إن التطفيف والغشّ والنفاق والكذب والتمويه في المعاملات، بالإضافة إلى كونها من الكبائر، تسمِّم الفضاء الاقتصادي في المجتمع، وسوف تعمّ التبعات السيئة المترتبة على ذلك الناس أنفسهم. إن الصدق في القول والعمل من الأهمّية عند الله تعالى بحيث إنه قد أخذ على جميع الأنبياء عهداً بالتزام الصدق منهجاً في الحياة، ولم يكتَفِ بذلك حتّى اختبرهم في هذه الناحية قبل أن يبعثهم بالرسالة. يُعَدّ الصدق واحداً من الموازين القيِّمة في التعاليم الإسلامية الأصيلة، بحيث نجد الإمام الصادق× يؤكِّد على هذه الحقيقة صراحةً بقوله: «لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده؛ فإن ذلك شيءٌ قد اعتاده، ولو تركه استوحش لذلك، ولكنْ انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته»([38]).

لو أن الفرد كان صادقاً، واشتهر بين الناس بهذه الصفة، فإنه سيغدو موضع ثقة الناس، ويصدِّقون كلامه، ويقبلونه منه. هناك مَنْ يتصوّر أن الصدق مجرّد ظاهرة أخلاقية، ومن هنا يسعى ـ لا شعورياً ـ إلى تهميشه عند دراسة الأزمات والمشاكل الاجتماعية. بَيْدَ أنه يجب القول: إن ظاهرة الصدق والكذب من الأمور المحورية في فهم ونقد جميع الحقول الاجتماعية، ولا يقلّ تأثيره في الاقتصاد والتجارة عن الثروة والطاقة البشرية وما إلى ذلك من العناصر الاقتصادية الأخرى.

ولكي يضمن الإسلام قيام العلاقات الاقتصادية ـ كما هو الحال بالنسبة إلى العلاقات الاجتماعية ـ على أساس الصدق والعدل ورضا الطرفين، مع الحفاظ على المصالح الفردية والاجتماعية، والحيلولة دون حدوث أيّ نوعٍ من أنواع الاختلاف والفوضى والنزاع، ليحظى الناس في جميع مرافق الحياة، ومن بينها المعاملات الاقتصادية بالهدوء والسعادة والرضا، عمد إلى تشريع بعض الأحكام والتعاليم في حقل التجارة والمعاملات الاقتصادية؛ كي يضمن ـ من خلال تطبيقها ـ بناء مجتمع سالم ومرضيّ لله سبحانه وتعالى.

يعتبر الصدق وتجنُّب الغشّ والخداع والكذب والاحتيال وما إلى ذلك من الموبقات ـ في جميع الأصعدة ـ أمراً ضرورياً، إلاّ أن ضرورتها تتأكَّد بالنسبة إلى المعاملات على نحو أشدّ. ومن هنا فقد رُوي عن النبيّ الأكرم‘ أنه قال: «معاشر التجّار، أنتم فجّار، إلاّ مَنْ اتّقى وبرّ وصدق».

هناك من المحقِّقين مَنْ يربط الكثير من الأزمات والمشاكل التي تعاني منها البلدان المتخلِّفة بعدم الصدق وعدم إخلاص المسؤولين والمدراء، وكذلك العلاقة غير الصادقة بين عامّة الناس([39])؛ لأن ثقة الناس بالمسؤولين من جهةٍ، وثقة أفراد المجتمع ببعضهم من جهةٍ أخرى، إنما تنشأ من الصدق والصلاح والإخلاص والالتزام من قبل الجميع بالوعود والمواثيق. وفي النقطة المقابلة للخصائص الأخلاقية المتقدّمة نجد الكذب والخيانة وعدم أداء الأمانة وخلف الوعد وما إلى ذلك من الصفات التي تعمل على تقويض الثقة في مختلف المستويات، وترفع من حجم الإنفاق على التعامل وإبرام العقود والمواثيق والعلاقات الاجتماعية. إن هذه الرذائل الأخلاقية مرفوضةٌ في التعاليم الدينية بشدّةٍ، وقد ورد الأمر المؤكَّد بتجنُّبها والابتعاد عنها، ولذلك فإن البلدان التي عرف عن شعوبها الكذب وعدم الوفاء بالوعد وخيانة الأمانة وما إلى ذلك من الصفات الأخلاقية القبيحة لا يمكن أن نعثر فيها على ظاهرة الاستثمارات الاجتماعية وعناصرها. إنك ترى التبعات المترتِّبة على هذه السلوكيات غير الأخلاقية حاضرة من جميع مرافق حياة الإنسان، ومن بينها: التجارة والاقتصاد أيضاً. رُوي عن رسول الله‘ أنه قال: «إنّ أطيب الكسب كسب التجّار الذين إذا حدّثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذمّوا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا»([40]).

وكلما كان طرفا المعاملة أكثر معرفة بالأحكام والضوابط الأخلاقية في حقل الاقتصاد سيكونان أكثر علماً وبصيرة، الأمر الذي يمهِّد الأرضية لإجراء المعاملة على نحوٍ أيسر. ورغم أن سيادة القِيَم والأخلاق بشكلٍ مطلق يمكنها أن تكون من العناصر الممهِّدة للصدق، إلاّ أن التأكيد من قبل التعاليم الإسلامية على ضرورة تعلُّم أحكام المعاملات (الفقه) قبل الخوض في التجارة([41]) يعكس اهتمام الإسلام بالتعرُّف على أحكام التجارة. إن تعلم التجّار لأحكام التجارة ومصاديقها يحصِّنهم من الوقوع في الرِّبا والغشّ والكذب وسائر محرَّمات البيع والشراء، وأن تكون معاملاتهم جاريةً على طبق الموازين الشرعية. إن الصدق في إجراء الأحكام والسلوك على أساس الأحكام والأخلاقيات الإسلامية يقوم على معرفة الأحكام والقوانين والضوابط الشرعية.

لا شَكَّ في ضرورة تعلُّم أخلاق التجارة؛ من أجل العمل بالأخلاق والتعاليم الإسلامية في ما يتعلَّق بالتجارة، الأمر الذي يمهِّد الأرضية للتمسُّك بالفضائل الأخلاقية. وعلى الرغم من أن حسن الصدق([42]) والوفاء بالعهد([43]) والإنصاف([44]) هو من الأمور البديهية، إلاّ أن الاهتمام بدور الفضائل الأخلاقية في سعادة الإنسان من ناحيةٍ، ودور الرذائل الأخلاقية، من قبيل: الكذب والخداع والظلم، في انحطاط الإنسان من ناحيةٍ أخرى، يستوجب تحفيز الأفراد إلى العمل بالأمور الأخلاقية. من الواضح أن الترويج للصفات الأخلاقية في السوق الإسلامي يؤسِّس للصدق، ويردع الشركات المنتجة عن ممارسة التمويه والغشّ، ويؤسِّس لروح الصدق في السوق. لقد تمّ التأكيد في الكثير من الروايات([45]) على آداب وأخلاق التجارة، وقد أفردت الكتب الروائية أبواباً وفصولاً مستقلّة([46]) في آداب التجارة.

كما تمّ التصريح في رواية معاوية بن وهب، عن الإمام الصادق×، بكون معرفة الحلال والحرام الشرعي معياراً للصدق، وذلك إذ يقول×: «إن آية الكذّاب بأن يخبرك خبر السماء والأرض والمشرق والمغرب، فإذا سألتَه عن حرام الله وحلاله لم يكن عنده شيء»([47]).

وعن الأصبغ بن نباتة، قال: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ× يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، الْفِقْهَ ثُمَّ الْمَتْجَرَ، الْفِقْهَ ثُمَّ الْمَتْجَرَ، الْفِقْهَ ثُمَّ الْمَتْجَرَ، وَاللهِ لَلرِّبَا فِي هَذِهِ الأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا»([48]).

يقول الفقهاء: إن المكلَّف إذا مارس التجارة دون معرفة أحكامها لم يجُزْ له التصرُّف في أرباحها؛ لأن المعاملة ـ في مثل هذه الحالة ـ باطلةٌ من الأساس، ولا تكون أموال أرباحها إلاّ سحتاً: «يجب على مَنْ يزاول التجارة وسائر المعاملات أن يتعلم أحكامها الشرعية وسائر مسائلها؛ كي يميِّز التجارة الصحيحة من الباطلة».

وعليه فإن من بين لوازم وأصول الأخلاق الاقتصادية أن يتعلَّم مَنْ يروم مزاولة التجارة ما يحتاجه من الأحكام والمسائل الشرعية المتعلِّقة بفنون الاقتصاد والتجارة؛ كي يتمكن من تطبيقها عند مزاولتها على المستوى العملي.

يترتّب على الصدق الكثير من الآثار الإيجابية. ويمكن الإشارة من بينها إلى موارد من قبيل: بناء الثقة العامة، والبركة في المعاملة، والحصول على المزيد من الأرباح. إن الصدق يشكِّل أساساً لجميع أنواع الرقيّ والتقدُّم على الصعيد الاقتصادي في المجتمع. كما أن الصدق يبني شخصية الفرد، ويجعله محترماً بين الناس. وإن التزام الصدق يعبِّر عن المزيد من النجاح في الحقل الاقتصادي، حيث يحقِّق البائع مكسباً، ويخرج الشاري سعيداً بصفقته، الأمر الذي يحقِّق السعادة والمحبة والرضا بين جميع أفراد المجتمع.

 

د ـ تأثير الثروة الاجتماعية ـ المتمثِّلة بالصدق وبناء الثقة ـ على الازدهار الاقتصادي

لقد عُرف عنصر الثقة بوصفه من أكثر عناصر الثروة الاجتماعية معيارية لبيان النموّ والازدهار الاقتصادي؛ إذ إن عامل الثقة يؤدّي إلى خفض النفقات في إجراء المعاملات، ويفضي بالتالي إلى نجاحها، الأمر الذي يستتبع بدوره الوصول إلى الازدهار الاقتصادي أيضاً.

يمكن لعنصر الثقة المنبثق عن التعاليم الإسلامية أن يشكِّل ـ من خلال التأثير على فاعلية السوق والدولة والحدّ من الفقر، والعمل على التنمية المالية، وازدهار الاقتصاد في نهاية المطاف ـ أرضيّةً صالحة للتنمية الاقتصادية في المجتمع.

ولهذه الغاية نسعى هنا ـ من خلال التركيز على عنصر الصدق؛ بوصفه واحداً من أهمّ عناصر الثروة الاجتماعية في بناء الثقة ـ إلى دراسة تأثير الصدق على الازدهار الاقتصادي. طبقاً للدراسات المنجزة في هذا المجال يمكن لعنصر الصدق؛ من طريق خفضه لمستوى الإنفاق في العملية التبادلية، وتأثير الثقة على الثقافة المالية ورفاهية الفرد والمجتمع، وتأثير الثقة على أداء الدولة وما إلى ذلك من النواحي الأخرى، يمكن لذلك كله أن يكون مؤثِّراً على إنتاجية مختلف المؤسّسات الاجتماعية إلى حدٍّ كبير. ويمكن لعنصر الصدق في بناء الثقة أن يساعد الأفراد في تمكينهم من خفض مستوى الإنفاق على تحديد الاحتمالات، وجعل ذلك مقروناً بالاقتصاد في عملية الإنفاق. إن المجتمع الذي يتمتّع بعنصر الثقة والصدق والاطمئنان يمكنه ـ من خلال ضمان الأداء وتنفيذ العقود والمواثيق ـ أن يخفض من النفقات ذات الصلة بالمنظومة القانونية أيضاً. وفي ما يلي نشير باختصار إلى بعض القنوات التي يعمل فيها عنصر الثقة على تحقيق الازدهار الاقتصادي، وذلك كما يلي:

 

1ـ من طريق التأثير على المعاملات التبادلية

يذهب الكثير من علماء الاقتصاد إلى الاعتقاد بأن الوظيفة الاقتصادية للثروة الاجتماعية تتمثَّل بخفض الإنفاق في دائرة التعامل. كما تعمل الثروة الاجتماعية على تسهيل عملية تبادل المعلومات، وبذلك تجعل مصادر الربح أكثر جدوائيّة. كما يمكن للثروة الاجتماعية ـ من خلال تسهيل تبادل المعلومات شبه السرّية ـ أن تخلق فرصاً جديدة للكسب والعمل.

 

2ـ من طريق التأثير على الضرائب

يرى الكثير من علماء الاقتصاد أن مسألة الضرائب وتأثيرها على الاستثمار والازدهار الاقتصادي واحدةٌ من المسائل الأساسية في بحث الاقتصاد الراهن. تُعَدّ الضريبة من الأدوات المالية الهامّة بالنسبة إلى الدولة في ما يتعلّق بحقل التنمية الاقتصادية في المجتمع. وإن من بين أهم العناصر المؤثِّرة على الأداء الضريبي رؤية وفهم الناس لمفهوم الضرائب. كما يتعيَّن على الناس أن يدركوا الدور الذي تلعبه سيادة الدولة، والذي يتجلّى في أمور، من قبيل: توفير الأمن للمواطنين، ويعلموا أن اضطلاع الدولة بهذا الدور يكلِّفها الكثير من الإنفاق. ويجب على المواطن في النظام الضريبي العادل أن يدرك بأن الذي يحظى بالمزيد من الإمكانات الاقتصادية عليه أن يتكفَّل بالجانب الأكبر من الإنفاق الاقتصادي، من خلال مساهمته في دفع الضرائب.

إن أخلاق الضريبة تهدف إلى خلق دافعٍ ذاتي لدى الفرد يدفعه إلى تسديد الضريبة. إن الثقة تأتي كنتيجةٍ للشعور بالإنصاف والعدل. ومضافاً إلى ذلك يمكن للثقة أن تخلق بعض التوقُّعات. فإذا كان دافع الضريبة يتوقَّع أن ينعكس دفعه للضريبة على تقديم المزيد من الخدمات سوف يتحلّى بالمزيد من الثقة بالدولة ومنظومتها الضريبية، وإن هذه الثقة بالدولة ونظامها الضريبي ستؤدّي إلى مساهمة المواطنين في دفع الضريبة برغبةٍ أكبر.

وعلى هذا الأساس من حقّ كلّ مواطن أن يعلم بموضع استثمار وإنفاق أموال الضرائب، وطريقة صرفها، بحيث يجب على الدولة أن تبيِّن للمواطنين وبوضوح طريقة الحصول على الضرائب بشكلٍ متكافئ، وتوزيعها على نحوٍ عادل ومتوازن؛ لتكون لديهم رؤية واضحة بهذا الشأن. وعلى الدولة أن تجدّ في إيصال المعلومات إلى المواطنين بهذا الشأن، وأن تنتهج الشفافية المطلقة، وذلك من خلال تزويد المواطنين بلائحةٍ تبين مصادر حصولها على الضرائب، وطرق إنفاقها. كما يجب عليها أن تبيّن وتشرح للناس الأسباب التي يتعين عليهم بموجبها دفع الضرائب للدولة، وما هي الموارد والمشاريع التي ستنفق فيها أموال هذه الضرائب.

لو أن الدولة قد انتهجَتْ الصدق في سلوكها وأدائها الضريبي، وكان للناس إشرافٌ غير مباشر ومؤثِّر على إنفاق الضرائب، فإنّ ثقة الناس في مثل هذه الحالة بالدولة ستكون أكبر، ويمكن للضرائب ـ مضافاً إلى إنعاش الاقتصاد، وفتح باب التمويل الذاتي للدولة ـ أن تلعب دوراً في خلق ثقافة ومشروعية ومقبولية تسديد الضرائب من وجهة نظر الناس أيضاً.

 

3ـ من طريق التأثير على الفساد والاستثمار

يمكن للفساد أن يكون ظاهرةً ناشئة عن التركيبة السياسية والاقتصادية، أو تعود بجذورها إلى الثقافة والمخاطر الأخلاقية للأفراد. إن التعريف الذي يقدِّمه بنك المعلومات العالمي للفساد يقول: «إن الفساد هو التوظيف الخاطئ للمصادر العامة؛ للوصول إلى المصالح الشخصية»([49]). إن من بين تبعات الفساد تأثيره على المتغيّرات الاقتصادية العامة، ومن بينها عملية الاستثمار. وفي ما يلي سوف نتناول بالبحث التأثير السلبي للفساد على الاستثمار، ومن بينها: الرشوة، والتنافس غير السليم، وذلك من خلال الفصل بين التأثير الذي يتركه كلّ واحدٍ منهما بوصفه واحداً من المتغيِّرات الهامة في الاقتصاد العام.

الرشوة: إن الدوائر الحكومية التي تتّهم بأخذ الرشوة ستحرم نفسها من مساهمة الصالحين من أبناء الوطن، الذين لا يشرِّفهم أن تذهب أموالهم إلى جيوب المرتشين، وبذلك سيحرم اقتصاد المجتمع من قدرتهم الاستثمارية. ومن هنا لن تحرم الدولة نفسها من استثمارات الصالحين؛ لرفع مستوى الإنتاج، وتوفير فرص العمل في البلد، فحَسْب، بل إن استثمارات الدولة ستغدو ساحةً ينفرد الفاسدون والراشون بخوض غمارها.

التنافس غير السليم: هناك من المستثمرين مَنْ يسيء استغلال غياب القوانين المناسبة والرادعة، ويغتنم الفرصة للحصول على مكاسب مادّية خاصة، وبذلك يحدث إرباكاً وعدم أمن في فضاء النشاط الاقتصادي والاجتماعي. إن غياب القوانين الواضحة والدقيقة يؤدّي بالمنتجين إلى سوء الظنّ وعدم الاطمئنان بالاستثمار؛ إذ إن الذين يخوضون غمار التنافس غير السليم، من خلال عرض المنتوجات المغشوشة والممنوعة، وخلق مناخ للتنافس غير النزيه، يبلغون بالمتنافسين الآخرين إلى مرحلة الإفلاس، وبذلك يعرِّضون الأمن الاقتصادي وسلامة الأشخاص والمجتمع إلى الخطر.

 

4ـ الثروة الاجتماعية وجدوائية الدولة

في المجتمعات الكبيرة يتمّ بناء الثقة من خلال تبادل المعلومات. ويمكن لهذه المعلومات أن تصل إلى المستثمر مباشرةً بواسطة مؤسّسات الدولة. يمكن للدولة أن تحسّن من أدائها، وبذلك تعمل على تحفيز المستثمرين على القيام بمزيد من الاستثمارات.

إن الثروة الاجتماعية البانية للثقة تؤثِّر على التنمية والازدهار الاقتصادي من خلال رفع مستوى أداء الدولة أيضاً. يمكن لهذه الثروة أن تعمل على رفع مستوى الوعي لدى الناس تجاه مشاكل المجتمع؛ بوصفه مانعاً يحول دون إساءة استغلال الحكام والساسة، الأمر الذي يمهِّد الأرضية لجدوائية أداء الدولة. وفي ظلّ هذه الظروف يمكن للمؤسّسات والمنظّمات واللجان والأحزاب وغيرها أن تعمل بمثابة العضد القوي للإشراف على أداء الدولة، وردعها عن الانحراف عن مسار مصالح المجتمع، وتوجيهه نحو المسارات الصائبة.

كما أن الثروات الاجتماعية إذا سادت بين رجال الدولة فسوف تجعل منهم شخصيات موثوقة ومعتمدة بين الناس. وفي ظلّ هذه الظروف سوف يكون مستوى إقبال الناس على مشاريع الدولة، ومن بينها الازدهار الاقتصادي للبلاد، أكبر، وبذلك يتمّ إعداد الأرضية لتطبيق النموّ الاقتصادي بنجاحٍ.

وعليه لو أمكن ملاحظة صدق الدولة فإنّ ذلك من شأنه أن يصبّ في إطار الحدّ من عدم الاستقرار الاقتصادي، ويمكن للاستثمار أن يشهد مناخاً اقتصادياً آمناً، وسوف ترتفع دوافع الفرد حينها إلى المزيد من الاستثمار.

5ـ الثروة الاجتماعية والعمل

حيث يتمّ تناول الثروة الاجتماعية بوصفها وسيلةً للحصول على فرص للعمل، يمكن لهذه الثروة أن تؤثِّر في الازدهار الاقتصادي من خلال التأثير على مسار العمل. وفي الحقيقة إذا كانت ظروف الثروة الاجتماعية البانية للثقة تحظى بالمستوى المطلوب في المجتمع فإن إمكانية الحصول على العمل سيتمّ بانسيابيةٍ أكبر، وإنفاق أقلّ. ويمكن للأفراد ـ من خلال الانتساب كأعضاء في التكتّلات الاجتماعية، وإقامة العلاقات الاجتماعية ـ أن يستفيدوا من عضويّتهم في هذه التكتلات الاجتماعية للحصول على العمل بأقلّ النفقات، وأسهل الطرق. ومن الجدير بالذكر أن اتّساع رقعة التكتلات الاجتماعية ـ في ما يتعلّق بدور الثروة الاجتماعية في الحصول على العمل ـ يحظى بأهمّية بالغة، حيث تكون التنمية الاقتصادية من خلال توفير فرص العمل.

 

5ـ تلخيصٌ واقتراحات

تعتبر الثروة الاجتماعية مفهوماً مستحدثاً في الحقل الاقتصادي، وهو يشتمل على الكثير من الفوائد والآثار التي تنعكس إيجاباً على الازدهار الاقتصادي والحياة الاجتماعية.

لقد عمدنا في هذا المقال أوّلاً إلى شرح مفهوم الثروة الاجتماعية، ثمّ انتقلنا إلى بيان مفهوم الصدق؛ باعتباره من أهمّ عناصر بناء الثقة في المجتمع. وإن أفراد المجتمع إذا لم يلتزموا بالصدق فيما بينهم، ولم يَفُوا بالوعود والعهود التي قطعوها على أنفسهم، أو قاموا بنقضها والعمل على خلافها، فإنهم سيعملون على التفريط بهذه الثروة الاجتماعية الكبيرة، وتقويضها بأيديهم. وإنّ انعدام الثقة سيأخذ بالاتّساع، بحيث لا يعود بوسع حتّى القانون أن يعود بالأمور إلى مجاريها الطبيعية. أما المجتمع الصادق والملتزم بوعوده فإنه سيعمل على إنجاح الازدهار الاقتصادي. يمثِّل الصدق واحداً من العناصر المكوِّنة للثروة الاجتماعية الإسلامية، وقد تمّ التأكيد عليه في النصوص والمصادر الإسلامية بشكلٍ خاصّ. إن الصدق من بين الأمور التي تعمل ـ بالإضافة إلى إمكان أن توجد الثروة الاجتماعية بنفسها ـ على لعب دورٍ حسّاس وجوهري في خلق وتعزيز أواصر بناء الثقة المتبادلة على الصعيد الاجتماعي أيضاً. إن الثروة الاجتماعية في كلّ مجتمعٍ تابعةٌ لرصيد الفضائل الأخلاقية لذلك المجتمع، وهو مرتبطٌ بجميع مستوياته وطبقاته. وعلى كلّ حال من الضروري الاهتمام بالمسائل الاجتماعية، ومن بينها: مكوّنات وعناصر الثروة الاجتماعية في إطار تحقيق الازدهار الاقتصادي. ولا شَكَّ في أن تحديد الحلقات التي تتوسّط الثروة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، والعمل على التركيز بالمقدار الكافي على أقنية الثروة الاجتماعية، سيؤدّي إلى تحقيق الازدهار الاقتصادي أكثر من ذي قبل. كما عملنا على دراسة سبل تأثير الثروة الاجتماعية على الازدهار الاقتصادي، واتّضح أن بإمكان الثروة الاجتماعية أن تنعكس إيجاباً على عملية الازدهار الاقتصادي. وفي هذا الشأن نشير في ما يلي إلى بيان نوعين من أنواع هذا التأثير:

1ـ إن الدراسات المتعلِّقة بالثروة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية تثبت أن الثروة الاجتماعية تؤثِّر على الازدهار الاقتصادي، بمختلف الطرق، وعبر العناصر المتنوّعة، ومن بينها: الثروة الاجتماعية البانية للثقة، والمتمثِّلة بالصدق. إن كثرة عناصر الوفاء والصدق في المجتمع، بالإضافة إلى خفض الإنفاق على التبادل والنواحي المختلفة الأخرى، يمكنه أن يؤثِّر في جدوائية وفاعلية المؤسّسات المختلفة للمجتمع، ويساعد الأفراد في تقليل الإنفاق على تحديد الاحتمالات، وجعل شرائطها مقرونة بالاقتصاد في النفقة.

2ـ يمكن للصدق أن يؤثِّر في الضرائب التي تمثِّل واحدةً من أهمّ الأدوات المالية للدولة في الازدهار الاقتصادي للبلد، وأن يعمل على تغيير نظرة وفهم وسلوك الناس في ما يتعلق بالضرائب، وجعلها نافعة ومجدية في عملية الازدهار الاقتصادي.

3ـ لو أن الثروات الاجتماعية تسود بين المسؤولين في الدولة فإن ذلك سيجعل منهم أشخاصاً معتمدين وموثوقين من قبل أفراد المجتمع، وبذلك سيغدو الناس أكثر تقبُّلاً وتفاعلاً مع مشاريع الدولة، الأمر الذي يخلق أرضيّةً صالحة لتطبيق التنمية الاقتصادية بنجاحٍ.

وبذلك نرى أن الثروة الاجتماعية تؤثِّر على التنمية الاقتصادية من خلال المسارات المتقدِّمة. وهذا ما تؤكِّد عليه الآيات والروايات أيضاً.

وفي الختام يجب القول: إن الثروة الاجتماعية واحدةٌ من العناصر الهامة والمؤثِّرة على التنمية الاقتصادية، ويمكن لها أن تشكِّل أرضيةً مناسبة للازدهار الاقتصادي.

إن الطرق والقنوات التي تساعد على زيادة الثروة الاجتماعية، ويمكن اقتراحها للدراسات القادمة، عبارةٌ عن:

1ـ تشجيع ودعم المؤسّسات الاجتماعية؛ لرفع مستوى الثروة الاجتماعية، والتقليل من المغامرات وخوض المخاطر.

2ـ تشجيع وتعزيز المشاهد الثقافية، من قبيل: الثقة، والصدق، والأمانة، والشعور بالانتماء إلى المجتمع.

3ـ ضمان الأمن؛ لاستقطاب الاستثمار.

4ـ تعزيز العلاقات السالمة بين الدولة والمجتمع.

5ـ يمكن لتعزيز الاعتقاد الديني، وإحياء مكارم الأخلاق في المجتمع، أن يعمل على تحقيق الثروة الاجتماعية من وجهة نظر الإسلام.

 

الهوامش

(*) طالبٌ جامعيٌّ على مستوى الدكتوراه التدريسيّة في حقل المعارف الإسلاميّة في جامعة القرآن والحديث في قم.

(**) أستاذٌ مساعد، وعضو اللجنة العلميّة، في جامعة القرآن والحديث في قم.

([1]) انظر: جان فيلد، سرمايه اجتماعي (الثروة الاجتماعية)، ترجمه إلى الفارسية: غلام رضا غفاري وحسين رمضاني، نشر كوير، طهران، 1386هـ.ش.

([2]) Social Capital.

([3]) انظر: فرانسيس فوكوياما، پايان نظم: سرمايه اجتماعي ونظم آن: 13، ترجمه إلى الفارسية: غلام عباس توسلي، ط2، نشر حكايت قلم نوين، طهران، 1385هـ.ش.

([4]) انظر: محسن رناني ومصطفى عماد زاده ورزيتا مؤيّد فر، سرمايه اجتماعي ورشد اقتصادي: إرايه يك ألگوي نظري، مجلة پژوهشي علوم إنساني دانشگاه إصفهان (عدد اقتصادي خاص)، المجلد 21، العدد الأول: 133 ـ 151، 1385.

([5]) Gems Coleman.

([6]) انظر: جان فيلد، سرمايه اجتماعي (الثروة الاجتماعية).

([7]) انظر: المصدر نفسه.

([8]) انظر: جيمز كولمن، بنيادهاي نظريه هاي اجتماعي، ترجمه إلى الفارسية: منوشهر صبوري، ط1، نشر ني، طهران، 1377.

([9]) انظر: جان فيلد، سرمايه اجتماعي (الثروة الاجتماعية).

([10]) انظر: جيمز كولمن، بنيادهاي نظريه هاي اجتماعي.

([11]) Robert Putnam.

([12]) انظر: روبرت بوتنام، جامعه برخوردار سرمايه اجتماعي عمومي، إعداد: كيان تاجبخش، نشر شيرازه، طهران، 1384هـ.ش.

([13]) انظر: روبرت بوتنام، جامعه برخوردار سرمايه اجتماعي عمومي.

([14]) انظر: جان فيلد، سرمايه اجتماعي (الثروة الاجتماعية).

([15]) Francis FuKuyama.

([16]) انظر: فرانسيس فوكوياما، پايان نظم: سرمايه اجتماعي ونظم آن.

([17]) انظر: المصدر نفسه.

([18]) انظر: المصدر نفسه.

([19]) Trust.

([20]) انظر: محمود نوري شمس آبادي، صحيفة دنياي اقتصاد، العدد 2975، بتاريخ: 1/5/1392هـ.ش.

([21]) انظر: جيمز كولمن، بنيادهاي نظريه هاي اجتماعي.

([22]) انظر: أنطوني غيدنز، پيامدهاي مدرنيته، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محسن ثلاثي، نشر مركز، ط2، طهران، 1380هـ.ش.

([23]) انظر: فرانسيس فوكوياما، پايان نظم: سرمايه اجتماعي ونظم آن.

([24]) انظر: المصدر نفسه؛ السيد مهدي ألواني، وعلي رضا شيرواني، سرمايه اجتماعي (مفاهيم، نظريه ها وكاربردها): 156، نشر زماني، ط1، طهران، 1385هـ.ش.

([25]) انظر: محمد نهاونديان، در آمدي بر أخلاق كسب وكار در محيط جهاني: 45 ـ 64، مركز مطالعات جهاني شدن، طهران، 1385هـ.ش.

([26]) انظر: فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين: 199، تحقيق: السيد أحمد الحسيني، المكتبة المرتضوية، طهران، 1395هـ.

([27]) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 1: 428 ـ 429، جامعة المدرّسين، قم، 1417هـ.

([28]) المصدر نفسه.

([29]) انظر: محمد بن يعقوب الكليني، الكافي 2: 14؛ 5: 150 ـ 151، 50، ح1، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1365هـ.ش.

([30]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 12: 285، ح7؛ 19: 69، ح24171، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1412هـ.

([31]) المصدر نفسه.

([32]) نهج البلاغة.

([33]) محمد محمدي ريشهري، ميزان الحكمة، مؤسسة دار الحديث، ط7، حرف النون، ح2057، 1386هـ.ش.

([34]) انظر: آل عمران: 152.

([35]) انظر: يس: 52.

([36]) انظر: المصطفوي، 1378هـ.ش.

([37]) انظر: قدرت الله أنصاري شيرازي وآخرون، موسوعة أحكام الأطفال وأدلتها 3: 481، مركز فقهي أئمة أطهار^، قم، 1429هـ.

([38]) عباس القمّي، سفينة البحار 2: 49، مؤسّسة آستان قدس رضوي، ط1، مشهد المقدّسة، 1418هـ.

([39]) الله دادگر ومحمد باقر نجفي، سرمايه اجتماعي وباز توليد آن در عصر پيامبر إسلام: فصلنامه اقتصاد إسلامي، العدد 24، شتاء عام 1385هـ.ش.

([40]) محمدي ريشهري، ميزان الحكمة، حرف النون، ح2057.

([41]) الحر العاملي، وسائل الشيعة 12: 285، ح7؛ 19: 69، ح24171، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1412هـ.

([42]) انظر: المصدر نفسه.

([43]) انظر: الإسراء: 34.

([44]) انظر: الكليني، الكافي 2: 14؛ 5: 150 ـ 151، 50، ح1.

([45]) انظر: المصدر نفسه.

([46]) انظر: المصدر نفسه.

([47]) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 69: 260، مؤسسة الوفاء، بيروت، 1404هـ.

([48]) الكليني، الكافي 2: 14؛ 5: 150 ـ 151، 50، ح1.

([49]) انظر: شهرزاد برومند، فساد، سرمايه گذاري خصوصي ورشد اقتصادي، فصلية اقتصاد مقداري، الدورة الخامسة، العدد 2: 110، 1387هـ.ش.