التأسيس الأصولي للنظرية الدستورية عند النائيني

9 ديسمبر 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬335 زيارة

التأسيس الأصولي للنظرية الدستورية عند النائيني

التحديدات النظرية لفرضية البحث

   مقدّمة

نقصد بـ (التأسيس الأصولي) وضع الآراء الإجرائية والفكر النظري الدستوري على أسس كفيلة بمشروعيته. واستخدامنا لفظ التأسيس يراد به أيضاً الإشارة إلى عدم وجود (سوابق استدلالية) لذات الأدلة على ذات المدلول. ونريد بالأصول «مجموعة الآيات القرآنية والمرويات من السنّة المطهَّرة بمعناها الشامل لسنّة أهل البيت^، ومقتضى الإجماعات، ومعطيات المسالك العقلية، التي تصلح نصوصاً تقع دلالتها على مشروعية التأسيس النظري».

النظرية الدستورية: نريد بلفظ (نظرية) التصوّر النظري الذي ينطلق من رؤى كبرى فلسفية أو عقائدية، وله أركان وشروط وموانع، أي إنها حكم كلّي مركَّب من مجموعة من الأحكام الجزئية التفصيلية، يصلح لجمع ما له صلة بموضوع محدَّد، يمكننا استخدامه لتفسير الوقائع.

أما الدستور فهو القانون الأعلى في البلاد الذي يحدّد سلطات الحاكم، وحقوق المحكومين، وطبيعة الدولة وعلاقاتها، وصلاحيّات سلطاتها، وأسلوبها الاجتماعي والاقتصادي.

ويهدف هذا البحث إلى الكشف عن الأسس الأصولية المثبتة لشرعية الدولة الدستورية، كما جاءت عند النائيني، ويحلِّلها كاشفاً مدى نجاح هذه الأدلّة في البرهنة على مشروعية الأطروحة الدستوريّة البرلمانية.

لأنّ ضابطة الفقه الإسلامي دائماً أن الحكم الفقهي، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع أو على مستوى سلوك الدولة، سواء كان من مستجدّات النوازل أو من الأحكام المعروفة، يجب أن يشفع بالدليل الأصولي فأيُّ قول بلا دليل يعدّ استحساناً مردوداً في عرف الفقهاء. لذلك اعتنى الشيخ النائيني بأنْ يقدّم أدلّته الأصولية على أطروحته الدستورية، التي اعتبرت ابتكاراً مميّزاً في عالم أطبقت عليه معطيات غلق الاجتهاد، والتعامل التقليدي مع الوقائع الحاضرة، وحكمها بالفهم التاريخي والتقليدي للفقهاء. فقد أخرج النائيني أطروحته في ظرفٍ زمانيّ كان يعاني من تحدّيات كثيرة. ولقد استجاب النائيني لتحدٍّ مزدوج ذي وجهين:

الأوّل: قبول الشيعة البقاء خارج الفعل التاريخي، وخارج نطاق التفكير في نمط الدولة الحاكمة، ورضوا أن يكونوا تابعين لغيرهم، تحت مقولة «انتظار الإمام المنتظر#»؛ لما رواه الكليني أنّ «كلّ راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله تعالى»([1]). وهو واحدٌ من سبعة عشر حديثاً نقلها أيضاً الحُرّ العاملي في الوسائل([2]). فإخراجهم من هذه الحالة، التي تحوَّلت عندهم إلى مرتكزات راسخة، أمر في غاية الصعوبة، ولا سيما أنّه في ألفٍ من السنين وقرنين لم يقارب أغلب فقهاء الشيعة قضايا السلطة وأحكام الإدارة العامة للدولة والمجتمع، إلا لماماً، وعلى حذر شديد، تحت مقولة: «التقية من السلطان». وخلاصة القول: إنّ الشيعة لم يقاربوا قضايا الحكومة والسلطة وإدارة الدولة، لا على مستوى الفكر والحوار مع الآخر, ولا على مستوى الفقه والأحكام والقوانين التي لها صلة بالقانون الدستوري والدولي. وحينما نجري مقارنة مع فقه المذاهب الأخرى فإننا سنجد أن تلك المذاهب قد توغَّلت في الفقه السلطاني، وصنَّفت في الأحكام السلطانية، فيما كان فقه الشيعة فقه المجتمع الذي لا يعترف بشرعية السلطة، الذي عزم على عدم الاعتراف بالوضع السياسي السائد، لكنْ دون أنْ يقدِّم بديلاً جاهزاً، سوى بديل مؤجَّل، هو «دولة الإمام الحجّة». وهو ليس بديلاً بأجلٍ مسمّى، إنّما بديل مؤجَّل ومفتوح على الأزمنة البعيدة. والإشكال يبقى دائماً في الحاضر، وفي ضرورة بناء الدولة على أسس العقيدة الشيعية. ويظهر ذلك في فتوى السيد المرتضى بحرمة إقامة صلاة الجمعة في عصر الغيبة([3])؛ لأنها من مخصَّصات الإمام.

الثاني: هو عدم وجود (بديل نظري محدَّد) في عموم الفكر الإسلامي لأسلوب الإدارة العامة للدولة والمجتمع. فهناك كلّيات أصولية، كالشورى والبيعة وضرورة وجود إمام لكل عصر، لكنْ ليس في التراث الإسلامي برمّته هيكلاً نظرياً كاملاً لطبيعة السلطة وشكلها وسلطتها، وطبيعة تلك السلطات، وصلاحيتها، وحقوق الأفراد والمؤسّسات. وأمّا النموذج العملي التاريخي، المتمثِّل في سلطة بني أمية، والعباسيّين، والعثمانيّين، فلا يصلح أساساً مرجعياً؛ لعدم تطابقه مع الفهم الإسلامي الصحيح للسلطة وحقوق المواطنة، ولا أساساً تطبيقياً أمام تطورات وإنجازات الإصلاح السياسي الذي حصل في أوروبا والغرب، الذي بانت ملامح نجاحه في آفاق الناس واضحة، فصارت المعادلة الناتجة عنه أنه لا يمكن التخلص من الاستبداد التاريخي إلاّ بالتفكير الخلاق بالبديل. فما هو البديل لأنماط الاستبداد المزمن في عالمنا الإسلامي؟ على هذه الإشكالية المعرفية والاجتماعية والعقائدية اشتغل الشيخ النائيني، وكان عليه أن يقدِّم مسوغات علمية لأطروحة الدولة الدستورية، وأن يقدِّم الأدلة الكافية التي تعادل تراكم المألوف عند الناس، أي «عدم الاقتراب من مقولة الحكم والسلطة»، وللروايات الكثيرة في ذلك، وأن يقدِّم الأدلة الكافية على مشروعية اعتماد نموذج نشأ في الغرب، ويراد له أن يكون الأنموذج في بلد من بلدان العال