التاريخ وتجربة الرفض والإقصاء

1 مايو 2017
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
155 زيارة

إيمان شمس الدين

  • مقدمة

يطالعنا التاريخ بحكايات تعكس التجارب البشرية في كل علائقها المرتبطة بوجودها الاجتماعي، وما يترتب عليه من بناءات سياسية واقتصادية وثقافية وفكرية ودينية .

تشكل هذه التجارب ركيزة مهمة في المعرفة البشرية كمصدر ملهم من جهة يراكم الخبرة والتجربة، وكمعين زمني يختصر الوقت والجهد ويوفر كثير من الطاقات .

فالتاريخ تحكمه سنن تحدد من خلال اختيار منتسبيه من البشر مساراتهم وأحداثهم، وتبين آلامهم وآمالهم ولحظات انتصاراتهم وهزائمهم وغيرها . وهو من يمدنا بطاقة معرفية توضح لنا آليات صناعة مستقبل أقل أخطاء وأكثر إشراقا وخدمة للإنسان .

ولو ركزنا تاريخيا على التجرية الدينية وعلاقتها بالآراء المتعددة والآخر، قد نستخرج باطلالة سريعة تجاربا مهمة بهذا الصدد، تساعدنا في معالجة إشكاليات مشابهة في عصرنا متعلقة بأهمية العقل وآليات التعاطي مع الآخر والآراء البشرية خاصة تلك التي تستند لقراءة خاصة للنص .

ومن جهة أخرى لو استقرأنا التجربة الغربية في التطور العلمي سنجد شبها بشريا في منهجية التعاطي مع الآراء المتعددة ، سواء تلك التي خرجت عن المشهور العلمي أو الإجماع العلمي .

وكوننا نعتبر المؤسسة الدينية والمؤسسة العلمية نموذجين يشكلان مرجعية معرفية مؤسسية – من خلال سلوكها وآليات تعاطيها مع الواقع والنص الديني والعلمي – تؤسس في لا وعي الجمهور بكافة أطيافه من النخب والطلبة والناس منهج التعامل مع المختلف ومع الرأي الآخر ومع الآراء المخالفة للمشهور والاجماع العلمي .

  • المؤسسة الدينية والآخر :

لا نستطيع أن نتعامل مع مسيرة المؤسسة الدينية ككل واحد من جهة تعاطيها مع الرأي الآخر والمختلف سواء الخارج عن المشهور أو الإجماع .

فعبر التاريخ كانت المؤسسة الدينية ككل عرضة إما للتطور أو الثبات وأحيانا النكوص ، وفي داخلها تعددت المدارس في التعاطي مع الرأي الآخر ومع ما هو جديد. هذا فضلا عن عمقها البحثي  والعلمي وغزارة عطائها، بل وجذوره المعرفية الضاربة في أرض العلم الخصبة، هذا فضلا عن تطورها البطيء جدا مع الزمن وعدم قبولها السريع لأي تغيير وتجاوبها  مع أي تطور بشكل دفعي.

وأبرز ما ميز هذه المؤسسة أصالتها المتجذرة في تاريخها المليء بالانجازات، والثبات في الهزات القوية، بل تشكيلها حصنا أمينا للمعارف عبر التاريخ.

لكن هذا لا يعني عصمتها، خاصة مع تنامي سلطة العوام على حساب سلطة الحقيقة.

فكانت هناك ردات فعل متنوعة اتجاه ما يطرح خارج النمط السائد في الحوزة، ومخالف لمشهور العلماء ومألوف السيرة العقلائية أو ما ألفته  الحوزة عبر سنين عديدة.

وكانت أهم الردود تدور حول ٣ أتجاهات  رئيسية:

– الرفض التام لما خالف المشهور والمألوف دون نقاشه أو معرفة دليله.

– القبول الكلي للرأي مع عدم الاطلاع على الدليل الخاص به.

– محاورة الرأي ومحاولة مناقشة أدلته، ومن ثم الخروج بنتيجة ورأي اتجاهه.

وكان التوجه الأول لا يكتفي غالبا برفض الرأي المخالف للمشهور والمألوف، بل يتجاوز رفض الرأي لمحاولة إسقاط صاحبه اجتماعيا وإقصائه علميا.

بينما يتمترس أغلب مناصري الرأي الثاني للدفاع عن الرأي الجديد، ومواجهة الرافضين بردود فعل يوصف أغلبها باللاموضوعية واللاعلمية.

وأما التوجه الثالث فهو الأقل صخبا وعددا في تبنيه، فكان قلة من العلماء من يسلك هذا المسلك العقلاني الهادئ المبني على البرهان ومناقشة الأدلة.

وكان هذا التجاذب بين الرفض المطلق والقبول المطلق يغلب عليه الانفعال ورد الفعل، ويتحصن أغلب مناصري الاتجاهين خلف شعارات الدفاع عن العقيدة والأصالة أو التطوير ومواكبة الاسلام للتطورات الزمانية،

فالأول يفرِّط بعنصر الخلود في الاسلام ويفرط بالمنهج القائم على أساس الدليل والبرهان، ويكرس شعارات تحشد الجمهور وهو منهج عاطفي مشحون بعيد عن لغة العقل والدليل التي يقوم عليها الاعتقاد بل الاسلام برمته.

والثاني يفرِّط بعنصر الأصالة في الاسلام، الذي يحفظ جوهره الوحياني و يبعده عن التحريف والتمييع.

وفي الآونة الأخيرة وبعد العولمة بدأ تيار العقل والدليل ينمو ويأخذ موقعه المتقدم في هذه الحراكات المتفاوتة في تفاعلها مع الآراء المختلفة. ولكننا أيضا لا ننكر أن بعض شخصيات ومدارس هذا التيار انزلق في دائرة التطرف في العقلانية، لدرجة توحي أن العقل بات في قبال وعرض النص الديني.

لكن مدرسة العقل المعتدلة بدأت  تشكل مدرسة منهجية وعلمية في التعاطي مع الآراء القادمة من الخارج والمختلفة عن جو المشهور والمألوف.

وتتعاطى معها بنفس علمي نقدي وتثويري، وترفد من خلالها الدين بقراءات جديدة للنصوص حضارية، طورت كثير من الأدوات والمناهج في التعاطي مع تلك النصوص.

و المضي في دعم النخب لهذه المدرسة، قد يحدث قفزة معرفية مهمة، تنهض بالمناهج التعليمية وبالخطابات المنبرية، وتعيد التوازن بين الفكر والعاطفة، ولعنصري الاسلام الخلود والأصالة.

وهذا يمكن نهضة شاملة مادية ومعنوية، لو تداعت كل المؤسسات والنخب للتعاون في دعم التوجه المعتدل العلمي، وفتح آفاق التفكير في المناطق المحظورة، ودق كل أبواب السؤال المعرفي دون وجل أو خجل.

وعل ما حدث في بعض محطات التاريخ من رفض وإقصاء للمختلف وللرأي الآخر، والتداعيات التاريخية لكيفية التعاطي مع ما هو مختلف، يعتبر من الدروس المهمة التي يجب الاستفادة منها لبناء مستقبل أكثر حضارية وتطور.

وكمثال على ذلك كتاب أصول الفقه للشهيد محمد باقر الصدر، والذي اعتبر في ذلك الوقت خروج وانقلاب، وتم منع تدريسه،  حتى اضطر تلامذته لتدريسه في السراديب بشكل سري، لكنه بات اليوم من أهم الكتب التي تدرس في مادة الأصول وفي العلن وفي كل الحوزات.

ومثال آخر مادة الفلسفة التي كان من يدَرِّسها أو يَدْرُسها يعتبر نجسا وكافرا، فكانت مرفوضة بشكل كبير في جسد الحوزة، واليوم تعتبر من المواد المهمة في فهم كثير من النصوص الدينية وحل كثير من الاشكاليات المعاصرة.

ويكفينا معرفة  أن منهج الملا صدرا في الحكمة المتعالية بقي قرنا من الزمن مغيبا بسبب طرح الملا صدرا لمبدأ أصالة الوجود في قبال أصالة الماهية، و التي طرحها ابن سينا وبقيت تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل حتى تحولت كثابت علمي لا يمكن نقده، لهيمنة شخصية ابن سينا العلمية والموسوعية على عقول اللاحقين له.

وغيرها من الأمثلة التي تعكس مزاجا إقصائيا رافضا في التعاطي مع الجديد والآخر، شكل حاجزا كبيرا أمام نهضة كثير من العلوم في الحوزة الدينية.

هذا المنهج الإقصائي كان سببا في تأخرنا الحضاري سنين، و كان سببا في تأخر نهضة المعارف والعقول زمنا طويلا.

فكانت المؤسسات الدينية مصدر إشعاع معرفي وفكري وأخلاقي وديني، و كانت داعما للنهضة والاكتشافات العلمية العديدة.

والسؤال : هل مازال اليوم هذا المنهج هو السائد في الحوزة؟ وماذا ستكون تداعيات الاستمرار على هذا المنهج على مستقبل الحوزات الدينية ومنتسبيها، بل على علاقة الناس بها؟

وما سيكون أثر هذا المنهج على مسيرة التطور والنهضة الاسلامية وسمعة الاسلام؟

  • الغرب والآخر:

تميز الغرب باكتشافاته العلمية التجريبية، واكتشاف قوانين الطبيعة ومن ثم الهيمنة عليها، وكانت عجلة التطور تكمن في ثورته على الكنيسة وممارساتها المتطرفة اتجاه المجتمع والدين، وحتى اتجاه العقل ودوره، فكانت نتيجة هذا التطرف الحاد الرافض لتفعيل العقل في قراءة النص،  انقلابا حادا على كل الدين الذي مثلته الكنيسة وفرضت فهمها له على المحيط.

فكانت الكنيسة سبب مهم لعصور الظلام بسبب ثقافة الإقصاء والمنع، ومحاكم التفتيش.

وأخذت حركة الاكتشافات العلمية والعقلية في مجال الطبيعة والفلسفة تتسارع، وكانت النظريات الفلسفية حول الانسان والكون والطبيعة تتبلور في ظل تلك الظروف، وحركة النقد العلمية للنظريات والاكتشافات كانت بارزة وملهمة لمزيد من التساؤلات والسباق العلمي.

وبدأت حركة رفض الدين تتزايد كلما تزايدت هيمنة الانسان على الطبيعة وزادت اكتشافاه العقلية والعلمية، حتى وصل الغرب إلى مرحلة الرفض التام لأي مدخلية ودور للدين في الحياة، و محورية الإنسان في كل شيء، وذلك بسبب سلوك الكنيسة باسم الدين فحدث الانقلاب على الكنيسة والدين معا.

وبات سؤال المعرفة في بدايات الثورة العلمية منهجا لتحرير العقل من أغلال الكنيسة، ولاكتشاف حقائق الكون والطبيعة وإشباع رغبته في المعرفة والتفكير، ومع التقادم تحول الهدف  من المعرفة إلى السيطرة  وبات هو المسار العام، فأخضعوا كل الوجود للحس والتجربة كمصادر معرفية لكشف الواقع ومعرفة الحقائق.

وما لا يخضع للتجربة والحس فهو مرفوض، فمر الغرب علميا في عدة مراحل:

– الانقلاب على الكنيسة.

– اطلاق العنان للعقل والاكتشاف العلمي والجغرافي.

– محورية الإنسان والهيمنة على الطبيعة لا فقط اكتشافها وتطويعها.

– هيمنة الاقتصاد الرأسمالي ومحوريته في الرؤية الكوينية.

– التشييء ومصدرية الحس والتجربة معرفيا.

وفي البين كانت هناك مراحل تتفرع عن هذه المراحل، لكن هذه أبرز المنعطفات العلمية في الحركة الغربية العلمية بعد الانقلاب على الكنيسة.

كان الغرب يبني وينقد ويعيد النظر، لكن في البين كان هناك رفض لبعض النظريات التي تخالف الجو الكنسي الذي كان مهيمنا فترة من الزمن بعد  تراجع الكنيسة، فالتراجع كان تدريجيا وليس دفعيا.

فنظرية داروين للتطور والارتقاء تعرضت لنقد من أهم القساوسة الذين كان بعضهم ينتمي للكنيسة.

وتحت ضغط النقد والتكفير، تراجع داروين في طبعة كتابه أصل الأنواع الثانية عن كثير من أرائه التي طرحها في الطبعة الأولى.

وليس فقط داروين من تعرض لمواجهة رفض وإقصاء وتكفير، بل أيضا هناك شخصيات لم يذكرها التاريخ تعرضت نظرياتها العلمية الجديدة للرفض دون أساس علمي.

لكن بشكل عام كان الغرب يتعامل مع الآراء المختلفة بعلمية ويعتمد على الأدلة في الرفض والتقويم، في بدايات نهضته.

  • ولكن ماذا عن الغرب اليوم؟

اليوم الغرب تداخلت فيه السياسة مع المعرفة فأفسدت عليه حركته العلمية النقدية، فبات من يخالف الرؤى العلمانية والرأسمالية يواجه بالإقصاء والرفض والتهديد كون الاقتصاد هو المنطلق للتنظير لكل الأفق، وهن الموجه للسياسات وحتى للمعارف، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك مواجهة لأي رأي يرفض  المحرقة النازية بحق اليهود، وكل رأي ناقد للصهاينه، ويدين جرائمهم أو فاضح لها، وتوجه له تهمة معاداة السامية التي تم تقنينها دوليا، وباتت تهمة تخشاها الأوساط الأكاديمية والتي سجن بعض أعضائها لمجرد نقد ضد الصهاينة، أو محاولة قراءة المحرقة قراءة تاريخية موضوعية، فوجهت لهم تهمة معاداة السامية وتم سجن بعضهم و إسقاط يعضهم اجتماعيا وأكاديميا كروجيه جارودي.

وهناك محاولات عديدة اليوم على مستوى الأنظمة السياسية في نشر الاسلاموفوبيا ومواجهة أي خيار خارج عن خيارات الدول العظمى، ومعاقبة كل من يقول لها لا.

فالغرب صاحب النهضة المادية ( علمية وتكنلوجية)، والذي استمد نهضته في مراحلها الأولى من النقد والتثوير العقلي، بدأ منذ زمن تشييء الكون والإنسان والطبيعة، وإخضاع كل مصادر المعرفة للحس والتجربة، بدأ يشكل لمساره الحضاري منهجا جديدا يسيطر عليه الاقتصاد الرأسمالي، ويسير معارفه السياسة، ويخضع علومه لذلك.

فأصبح رغم كل مظاهر التعددية ، أحادي الفكرة إقصائي التفكير.

وهنا أتكلم عن النخب الحاكمة ومحيطها الذي يشكل لها النظريات ومراكز التفكير .

فكلما مارست الجهات العلمية النخبوية الاقصاء والرفض تراجعت في عطائها المعرفي وبالتالي في نهضتها الحضارية، وكلمها مارست التعدد ومنهج الدليل والبرهان والحوار، كلما نمت بذورها وضربت جذورها في أرض المعرفه، ونهضت حضارتها .

فعندما كانت المؤسسات الدينية منفتحة على كل الآراء تاريخيا، ومنهجها مع مبدأ الدليل والبرهان في الرفض والقبول، تطورت علومها ونهضت وملأت الدنيا اكتشافات علمية، وعندما مارست الرفض والإقصاء وأسالت الدماء لأجل اختلاف في الرأي، وهيمنت الاقصاء المذهبي والعلمي والفكري، تراجعت وانكفأت حضاريا.

وهكذا بالنسبة للحضارة الغربية، فحينما مارست حركة النهضة نقدا وتعددا وبرهانية، تطورت مسيرتها وهيمنت وإن ماديا لكنها قدمت خدمات جليلة للبشرية، لكنها اليوم تعود للانكفاء الحضاري، والذي سيظهر جليا في السنوات القادمة أكثر.

مع فارق جوهري بين التجربتين وهو فارق مهم في موضوع الأصالة والاستمرارية والديمومة رغم الانكفاءات الحضارية، هذا الفارق هو مرجعية الله في تجربة الحوزة الدينية، بينما عند الغرب المرجعية هي للإنسان فهو المحور، فمهما تذبذب الخط البياني في التطور الحضاري في تجربة المؤسسات الدينية، يبقى هناك عاملا أصيلا وهاما في إعادة الخط البياني لمساره التصاعدي، هذا العامل هو مرجعية النص الديني في البعد التشريعي والتقنيني، و بروز شخصيات فذة تاريخيا استطاعت بث الحياة في النص بقراءات متطورة أعادت الحياة لمسار النهضة المعرفية.

ونحن لا ننكر أن الغرب اليوم رغم أنه يئن تحت سياط المادية، وغياب المعنى والغرق في الماديات، إلا أن هناك أصوات علمية بدأت تعلو لإعادة الله إلى ساحات الحياة العلمية، ككتاب لغة الإله، الذي يتحدث عن الدي إن إيه واكتشاف خريطة الإنسان الوراثية، حيث يقر مؤلف الكتاب وأحد أعضاء الفريق الذي اكتشف الخريطة الوراثية للإنسان بوجود الله وأن المادة الوراثية هي لغة الله لخلقه.

لكن ما زالت هذه الأصوات خافته، وتعلو تلك الأصوات المادية المنكرة لوجود الله، وهي أعتى لغة إقصائية وصل لها الغرب اليوم، فبعد إقصاء الدين ورفضه، وصل بهم التطرف والإقصاء ورفض الآخر لرفض أي فكرة ترتبط بالله بل إلى إقصاء الله من الوجود.

وهي نقطة خطرة في التطرف ورفض الآخر والإقصاء بدأت تظهر معالمها وتداعياتها، من خلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والخلل الذي يظهر في المجتمعات نفسيا وسلوكيا.

  • خاتمة:

إن قراءة هذه التجارب التاريخية يمكننا من فهم كثير من القوانين في النهضة والنكوص الحضاري، وأسبابه وتداعياته، هذه المعرفة تفتح لنا أفقا في تجنب الأسباب ومعالجتها ومنع النكوص الحضاري في الحاضر والمستقبل، وتمكننا من النهوض المستمر وتحقيق الغايات الإلهية في الأرض من إقامة العدل وتحقيق الكرامة الإنسانية.