التجديد في الاستدلال الكلامي

إمامة أهل البيت طبقاً للمنهج الاستقرائي نموذجاً

ـ القسم الثاني ـ

د. الشيخ صفاء الدين الخزرجي(*)

النمط الثالث: الوجوه والقرائن العقلية والاعتبارية

القرينة الأولى: دلالة التراث العلمي والعملي لأهل البيت^ على إمامتهم من طريق الإنّ

ترك أئمة أهل البيت^ في المجالين العلمي والعملي تراثاً ثرّاً وواسعاً وعريقاً، وهذا التراث هو ميراث الإمامة الدال على إمامتهم بطريق الإنّ، فحتّى لو خلت إمامتهم من النصّ فإن أكبر دليل على إمامتهم هو علمهم وعملهم وسيرتهم وتراثهم العلمي الرائع. فالإمامة من هذه الجهة تشبه النبوة، فإن النبوة تثبت بآثارها ـ التي أهمّها المعجزة ـ لا بالوصية والبشارة من النبي السابق فقط، فهذه قرائن مساعدة لقبول النبوة. ولو أن المسلمين اطلعوا على تراث أهل البيت^ أوّلاً، وأعطوا النصفة من أنفسهم ونبذوا التعصب ثانياً، لاهتدوا لإمامة الأئمة^، بغضّ النظر عن النص عليهم. وعليه فالمانع من القول بإمامتهم اليوم عاملان: عامل معرفي ناشئٌ من الجهل بتراث أهل البيت([1])؛ وعامل نفسي هو عبارةٌ عن التعصُّب والانغلاق([2]).

وعلى أيّ حال يمكن أن نذكر من التراث العلمي لأهل البيت^ ـ ممّا بلغنا عنهم ووصل بأيدينا ـ ما يلي:

1ـ نهج البلاغة، للإمام أمير المؤمنين×.

2ـ الصحيفة السجادية المباركة، للإمام زين العابدين×.

3ـ رسالة الحقوق، للإمام زين العابدين×.

3ـ عشرات الآلاف من النصوص والروايات المأثورة في المجال التفسيري والفقهي والأصولي والكلامي والمعارفي والأدبي وغيرها.

وتمثل هذه النصوص دوائر معارف متنوعة، تحتوي على صنوف الخطب والوصايا والبلاغات والكلمات القصار والأدعية والمناجاة والأشعار والأحاديث والإخبار بالمغيبات والكرامات وأجوبة المسائل وحلّ المعضلات وغيرها، ممّا انفرد به تراث أهل البيت^، ولا نظير له في تراث المسلمين.

وأمّا المجال العملي فإن في سلوكهم العبادي والأخلاقي والسلوكي صور كبيرة من صور العبادة والأخلاق والسلوك والفضائل والسجايا والمَلَكات الإنسانية الرفيعة، بحيث تشكِّل حياة كلّ واحد من الأئمة^ صورة مشرقة من هذه المزايا التي يطول بيانها، كعبادة أمير المؤمنين× وشجاعته وسخائه وحلمه وسائر سجاياه العملية الأخرى، التي هي بحرٌ لا ساحل له، فهل سمعت أذن الدهر ـ مثلاً ـ أن شخصاً يوصي خيراً بقاتله، وأن يطعم من طعامه، ويسقى من شرابه؟! وعلى هذا المنوال قِسْ سائر سجاياه الأخرى، وسجايا سائر أولاده الكرام^.

وعلى أيّ حال فإن سيرتهم العلمية والعملية نسخةٌ لا شبيه لها بين المسلمين قطعاً، الأمر الذي يدل على أنها صادرة من مشكاة النبوة، وأنها من آثار الإمامة والخلافة. وبسط البحث في هاتين السيرتين خارجٌ عن غرض بحثنا، ويحتاج إلى مؤلَّفات مستقلة تفي ببيانها، وإنما أردنا الإشارة لهذه القرينة بنحو الإجمال، والتفصيلُ لمَنْ أراد.

القرينة الثانية: دلالة العقل والسيرة العقلائية على ضرورة قانون النيابة والاستخلاف

إن قانون الوصاية والاستخلاف ممّا يحكم به العقل الحصيف، وجرت عليه سيرة العقلاء في كافّة مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وقد عمل به الساسة والحكّام من بعد النبي‘، فهل يجوز في شرعة العقل والعقلاء أن يترك زعيمٌ سياسي أمته، التي بذل قصارى جهده لإنقاذها طوال عمره، وهو يعلم وقوع الاختلاف بينها من بعده؛ بسبب الخلافة، بل إنه أخبر بافتراق أمّته إلى ثلاث وسبعين فرقة، ولا سبب غير الخلافة، ومن جهةٍ أخرى هو يعلم أن لا رسول يأتي من بعده ليصحِّح المسار والانحراف؛ لأن رسالته هي الخاتمة، هذا مع دعوى القرآن إكمال الدين، وأنه قد بيّن كلّ ما يتصل بحياة الأمة وسعادتها، التي منها ـ بل على رأسها ـ نظام الإمامة، علماً أن النبي‘ كان شديد الحرص على هذه الأمة والرسالة، حتّى أنه لم يعهد عنه أن ترك عاصمته المدينة بلا خليفةٍ إذا خرج منها حياته، فكيف نغضّ الطرف عن كلّ هذه الحقائق لنصدِّق أنه‘ أغمض عينيه بدون أن يوصي بنظام الاستخلاف، أو بنظام الشورى، أو غيرها من آليات الحكم المتعارفة والمعهودة بين العقلاء. فهل يقبل هذا من عاقلٍ، فضلاً عن سيد العقلاء، بل والمرسلين؟!

قد يُقال: إنه ترك ذلك للأمّة لتتولّى أمر الخلافة، وتستقلّ به، وتتكامل وتنضج من خلاله.

ويقال: لئن وافقنا على مثل هذا المنطق فلِمَ لم يعهد النبيّ‘ بذلك للأمة حتى يجنبها الاختلاف، ولا سيَّما مع وجود مدَّعي الوصية والاستخلاف فيهم، وهم أهل بيته^؟ ولماذا لم يصدر من الأحاديث ما يربّي الأمّة ويثقِّفها على نظام الشورى وشروطها وعددها وظوابطها؟

إنْ قلتَ: يكفي في المقام قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38).

قلتُ: يَرِدُ عليه:

أوّلاً: إن كون أمر الخلافة من أمرهم أول الكلام، بل هو راجعٌ لله سبحانه وضعاً ورفعاً، كالنبوة، ولا أقلّ من الشكّ.

ثانياً: إنه منقوض بعدم عمل الرسول‘ بالآية، فيكون أول مَنْ خالف العمل بها؛ لأنه لم يشاور المسلمين في أمر الخلافة من بعده.

ثالثاً: إنّه على فرض التسليم بدلالة الآية فإنها غير كافية في بيان أبعاد فكرة الشورى وشروطها وضوابطها.

فإذا ثبت عقلاً وعقلائياً ضرورة الاستخلاف والنصّ فإنه لم تدَّعِ فرقةٌ من فرق المسلمين النصّ والاستخلاف غير الإمامية، حتّى عُرفوا بالإمامية لقولهم بها، فتكون دعوى النصّ التي هي من اختصاصات الإمامية هي الثابتة بدلالة العقل والسيرة العقلائية.

والقيمة الاحتمالية لهذا الوجه لا تقلّ عن القيمة الاحتمالية لحديث الثقلين بالبيان المتقدِّم.

القرينة الثالثة: ظهور المعجز منهم^

وهي تارةً تكون بالإخبار بالكائنات، ووقوع المخبر مطابقاً للخبر؛ وتارةً تكون بالإخبار عن المغيَّبات؛ وتارة تكون بوقوع أمرٍ عجيب، كما في ردّ الشمس لأمير المؤمنين×، وكضرب الإمام الحسن× النخلة اليابسة بيده فأينعت، حتّى أطعم الزهري من رطبها([3]).

وتعتمد القيمة الاحتمالية لهذه القرينة على تتبُّع ورودها في مصادر القوم. وهذا ما يستدعي تتبُّعاً أكثر في المقام، وإنما ذكرناها لأنها تعتبر قرينةً إثباتية مقبولة لدى العقل الشيعي.

القرينة الرابعة: شهادة علماء الجمهور وإطباق الأمة على فضلهم ومكانتهم

من القرائن الهامة والمؤيِّدة في هذا المجال إجماع الأمّة من الفريقين على فضلهم ومنزلتهم. وهذا أمرٌ لم يتَّفق لأحدٍ غيرهم، ولم يشاركهم فيه أحدٌ؛ لأن الأمّة لم تجمع على فضل جماعة وتقديمهم ـ لا من الصحابة ولا التابعين ولا العلماء ولا الخلفاء والأمراء ولا سواهم ـ كما أجمعت عليهم في سيرتهم العلمية والعملية. وهذا ما شهد به أئمة علماء المسلمين لهم. قال الشهيد الأول: (اتّفاق الأمّة على طهارتهم، وشرف أصولهم، وظهور عدالتهم)([4]).

وإليك بعض الشهادات في جميعهم، أو في آحادهم^:

1ـ قال بعض المحقِّقين من علماء الجمهور، تعليقاً على حديث الاثني عشر: (فلا بُدَّ أن يحمل هذا الحديث على الأئمّة الاثني عشر من أهل بيته وعترته‘؛ لأنهم كانوا أعلم زمانهم وأجلهم وأورعهم وأتقاهم وأعلاهم نسباً وأفضلهم حسباً وأكرمهم عند الله، فكانت علومهم عن آبائهم متّصلاً بجدّهم وبالوراثة واللدنية، كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق وأهل الكشف والتوفيق)([5]).

2ـ وقال الحضرمي الشافعي: (وقد كان الإمام الأعظم أبو حنيفة ـ رضي الله عنه ـ من المتمسِّكين بولايتهم والمتنسِّكين بودادهم… وكان يأمر أصحابه برعاية أحوالهم، والاقتفاء لآثارهم، والاقتداء بأنوارهم. وقد كان الإمام مالك بن أنس ـ رضي الله تعالى عنه وأرضاه ـ ممَّنْ له اليد الطولى في توقيرهم وإكرامهم ومودّتهم… وقد كان إمامنا الأعظم القرشي المكرّم أبوعبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي معظِّماً لهم وموقِّراً، وقد صرَّح بأنه كان من شيعة أهل البيت، حتّى قيل له: كيت وكيت، فقال مجيباً عن ذلك:

يا راكباً قف بالمحصب من منى *** واهتف بقاعد خيفها والناهضِ

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كملتطم الفرات الفائضِ

إن كان رفضاً حب آل محمد *** فليشهد الثقلان أني رافضي

وقال فيهم أيضاً:

آل النبي ذريعتي *** وهم إليه وسيلتي

أرجو بهم أعطى غداً *** بيد اليمين صحيفتي

وكان الإمام أحمد بن حنبل ـ رضي الله عنه ـ كثير الاحترام لهم، شديد المحبة والتعظيم لهم… وفي الشفاء.. قال أبو بكر عيّاش: لو أتاني أبو بكر وعمر وعليّ… لبدأت بحاجة عليٍّ قبلهما؛ لقرابته من رسول الله‘)([6]).

3ـ وقال الدهلوي: (وقد علم أيضاً من التواريخ وغيرها أن أهل البيت، ولا سيَّما الأئمة الأطهار، من خيار خلق الله تعالى بعد النبيين، وأفضل سائر عباده المخلصين، والمقتفين لآثار جدِّهم سيد المرسلين)([7]).

4ـ بل اعترف بفضلهم واستحقاقهم الخلافة حتّى مثل: ابن تيمية، لكنه ذكر أن هذا غيرُ منحصرٍ بهم، وأن في الأمة مَنْ يستحقها مثلهم([8]).

5ـ وقال الذهبي في الإمام زين العابدين×: (كان له جلالةٌ عظيمة عجيبة، وحقّ له والله ذلك، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى؛ لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله. قد اشتهرت قصيدة الفرزدق ـ وهي سماعنا أن هشام بن عبد الملك حجّ قبيل ولايته الخلافة، فكان إذا أراد استلام الحجر زوحم عليه، وإذا دنا عليّ بن الحسين من الحجر تفرَّقوا عنه؛ إجلالاً له، فوجم لها هشام، وقال: مَنْ هذا، فما أعرفه؟ فأنشأ الفرزدق يقول:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحِلّ والحَرَمُ

هذا ابن خير عباد الله كلهم *** هذا التقيُّ النقيّ الطاهر العَلَمُ

إذا رأتْه قريش قال قائلها *** إلى مكارم هذا ينتهي الكَرَمُ

هذا ابن فاطمة إنْ كنت جاهله *** بجدِّه أنبياء الله قد خُتموا

وقال ابن المسيَّب: ما رأيت أورع منه.

وقال الزهري: ما رأيت قرشيّاً أفضل من عليّ بن الحسين.

وقال ابن سعد صاحب الطبقات: وكان عليّ بن الحسين ثقة، مأموناً، كثير الحديث، عالياً، رفيعاً، ورعاً)([9]).

وقال الزهري: (ما رأيت أفقه من زين العابدين)([10]).

6ـ وقال الذهبي في الإمام الباقر×: (كان أحد مَنْ جمع بين العلم والعمل والسؤدد والشرف والثقة والرزانة، وكان أهلاً للخلافة، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر الذين تبجِّلهم الشيعة الإمامية…. وشهر أبو جعفر بالباقر من بَقَر العلم، أي شقّه فعرف أصله وخفيّه. ولقد كان أبو جعفر إماماً، مجتهداً، تالياً لكتاب الله، كبير الشأن…. ونحبه في الله؛ لما تجمّع فيه من صفات الكمال)([11]).

وقال فيه مالك بن أعين:

إذا طلب الناس علم القرا *** نِ كانت قريش عليه عيالاً

وإن قيل ابن بنت الرسو *** لِ نلتَ بذلك فرعاً طوالاً

تحومُ تُهلّل للمدلجين *** جبال تورث علماً جبالاً([12])

7ـ وقال الذهبي في الإمام الصادق: (مناقب جعفر كثيرة، وكان يصلح للخلافة؛ لسؤدده وفضله وعلمه وشرفه، رضي الله عنه)([13]).

وقال ابن خلكان: (كان من سادات آل البيت، ولقِّب بالصادق لصدقه، وفضله أشهر من أن يذكر)([14]).

وقال أبو حاتم الرازي: (لا يُسأل عن مثله)([15]).

وقال أبو حنيفة: (ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمد)([16]).

وقال مالك: (ما رأيت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشرٍ أفضل من جعفر بن محمد الصادق، علماً وعبادة وورعاً)([17]).

8ـ وقال الذهبي في الإمام الكاظم×: (كبير القدر، جيِّد العلم، أولى بالخلافة من هارون)([18]).

وقال ابن طلحة: (هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، المجتهد الجادّ في الاجتهاد، المشهور بالكرامات، يبيت الليل ساجداً وقائماً…)([19]).

9ـ وقال الذهبي في الإمام الرضا×: (وقد كان عليّ الرضا كبير الشأن أهلاً للخلافة)([20]).

10ـ وقال في الإمام الجواد×: (كان يلقَّب بالجواد وبالقانع وبالمرتضى. وكان من سروات آل بيت النبيّ‘، وكان أحد الموصوفين بالسّخاء، ولذلك لقّب بالجواد)([21]).

11ـ وقال الحافظ سبط ابن الجوزي في الإمامين الرضا والجواد’: (فصل: في ذكر ولده محمد… وكان على منهاج أبيه في العلم والتقى والجود)([22]).

وقال الصفدي: (كان من آل بيت النبوّة، زوَّجه المأمون بابنته، وقدم على المعتصم فأكرمه وأجلّه، وكان من الموصوفين بالسخاء، ولذلك لقِّب بالجواد، وهو أحد الأئمة الاثني عشر)([23]).

12ـ وقال اليافعي في الإمام الهادي×: (كان الإمام عليّ الهادي متعبِّداً فقيهاً إماماً)([24]).

وقال ابن العماد الحنبلي: (كان عابداً زاهداً)([25]).

13ـ وقال ابن الصبّاغ في الإمام العسكري×: (مناقب سيّدنا أبي محمد الحسن العسكري دالّةٌ على أنّه السري ابن السري، فلا يشكّ في إمامته أحدٌ ولا يمتري، واعلم أنه لو بيعت مكرمة فسواه بايعها وهو المشتري، واحد زمانه من غير مدافع، ونسيج وحده من غير منازع، وسّيد أهل عصره، وإمام أهل دهره، أقواله سديدة، وأفعاله حميدة، وإذا كانت أفاضل زمانه قصيدة فهو في بيت القصيدة، وإنْ انتظموا عقداً كان مكان الواسطة الفريدة، فارس العلوم الذي لا يجارى، ومبيّن غوامضها فلا يحاول ولا يمارى، كاشف الحقائق بنظره الصائب، مظهر الحقائق بفكره الثاقب، المحدِّث في سرّه بالأمور الخفيّات، الكريم الأصل والنفس والذات)([26]).

14ـ وقال الحضرمي الشافعي: (كان عظيم الشأن، جليل المقدار، وقد زعمت الشيعة الرافضة أنه والد المهديّ المنتظر…)([27]).

15ـ وقال أبو سالم محمد بن طلحة الشافعي: (إن المنقبة العليا والمزية الكبرى التّي خصّه الله جلَّ وعلا بها، فقلَّدها فريدها، ومنح تقليدها، وجعلها صفة دائمةً لا يبلي الدهر جديدها، ولا تنسى الألسن تلاوتها وترديدها، أنّ المهديّ محمداً نسله المخلوق منه، المنتسب إليه، والبضعة المنفصلة عنه…. وحسب ذلك منقبةً وكفاه)([28]).

16ـ وقال النبهاني: (الحسن العسكري أحد أئمّة ساداتنا آل البيت العظام وساداتهم الكرام، رضي الله عنهم أجمعين)([29]).

والقيمة الاحتمالية لمثل هذه القرينة لا ترقى إلى قوّة القيمة الاحتمالية في القرائن السابقة، فهي أضعف من سابقاتها بنحو (30% إلى 40%).

القرينة الخامسة: وجوب محبتهم، وحرمة بغضهم

اختصّ أهل البيت^ ـ بمَنْ فيهم النبيّ‘ ـ بهذا الحكم بين الأمة جميعاً بلا منازع، وهذا مورد إجماع بين الأمّة. قال أبو بكر الحضرمي الشافعي: (فتأمل رحمك الله ما ورد في محبتهم ومودتهم، وفي التحذير عن بغضهم، وانظر كيف كانت منازل محبيهم عند الله تعالى وعند جدّهم الأكبر محمد‘. ولا جرم أن كل مؤمن يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر يكون ممتلئ القلب بحبّهم ومودتهم، ولا سيَّما إذا بلغه ما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث. ومَنْ لم يكن بهذه الصفة فليتَّهم نفسه في إيمانه. وقد اقتضَتْ الأحاديث المذكورة في هذا الباب وجوب محبة أهل البيت الطاهر، وتحريم بغضهم، وقد صرَّح بذلك الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعي في قوله السابق:

يا أهل بيت رسول حبُّكُمُ *** فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ

يكفيكم من عظيم القَدْر أنكُمُ *** مَنْ لم يُصَلِّ عليكم لا صلاة لهُ

وقال المجد البغوي في تفسيره: إن مودة النبيّ‘ ومودة أقاربه من فرائض الدين. وذكر نحوه الثعلبي. وجزم به البيهقي.

قال القرطبي&: والأحاديث تقتضي وجوب احترام آله‘ وتوقيرهم ومحبتهم وجوب الفروض التي لا عذر لأحدٍ منها.

ويوافقه ما جاء عن الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي:

رأيت ولائي آل طه فريضةً *** على رغم أهل البُعْد يورثني القُرْبا

فما سأل المختارُ أجراً على الهُدى *** بتبليغه إلاّ المودّة في القُرْبى

قال سيدي الشيخ الكبير عبد الوهاب الشعراني: ويجب اعتقاد وجوب محبة ذرية نبينا محمد‘ وإكرامهم واحترامهم([30]).

والقيمة الاحتمالية لهذه القرينة ولاحقتَيْها هي بنحو (60% إلى 70%).

القرينة السادسة: وجوب الصلاة عليهم

أجمع الإمامية على وجوب الصلاة على الآل في تشهُّد الصلاة، ووافقهم عليه جملة من فقهاء الجمهور([31]). ولا يمكن تبرير وجوب ذلك على أساس القرابة، أو على أساس الحكم التعبُّدي المحض؛ لأن ذكر الرسول‘ في التشهُّد إنما هو لحيثية تعليلية، وهي الرسالة، وكونه رسولاً، كما هو مقتضى الشهادة الثانية، فلا بُدَّ أن يكون ذكر الآل^ تَبَعاً له لحيثيةٍ ترجع إلى أمر الرسالة أيضاً، لا إلى حيثية شخصية، كالقرابة؛ لكون الصلاة عبادةً محضة، لا مجال فيها لمثل هذه الجهات الشخصية. وعليه فذكرهم^ في هذا الأمر العبادي المحض يكشف عن موقعهم الرسالي عطفاً على موقع صاحب الرسالة.

القرينة السابعة: عدم الافتراق بين القرآن والعترة

إنه لا شَكَّ في وجود الملازمة الدائمة بين العترة والقرآن إلى قيام الساعة. وهذا ما دل عليه نصّ حديث الثقلين المتقدِّم. ومن الواضح أن هذا التلازم ليس من جهة كونهم ذوي قربى؛ إذ لا علاقة لهذه الجهة بمسألة العصمة من الضلالة الواردة في الحديث، فلا بُدَّ أن يكون للعترة شأنٌ في الدين، وليس هو إلاّ الإمامة. وهذا الوجه هو غير الوجه المتقدِّم في القرينة الأولى، وهو وجوب التمسُّك بالعترة المأمور به في حديث الثقلين.

ثانياً: القرائن الناصّة على العدد

القرينة الأولى: وثيقة العهد القديم وما يجري مجراها

1ـ إنّ أقدم وثيقة تأريخية تحدّثت عن فكرة الاثني عشر هي وثيقة العهد القديم أو نصّ التوراة، حيث ورد في سياق بشارة الله تعالى لخليله إبراهيم× بولده إسماعيل× ما نصّه: «قي ليشماعيل بيرختي اوتو قي هفريتي اوتو قي هربيتي بمئود شنيم عسار نسيئيم يوليد قي نتتيف لگوي گدول»([32]).

وتعريبه ما يلي: « وأمّا إسماعيل فقد سمعتُ لك فيه، ها أنا أباركه وأُثمره وأكثِّره كثيراً جدّاً، واثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمّة كبيرة»([33]).

وقال ابن كثير: « وفي التوراة التي بأيدي أهل الكتاب ما معناه: إن الله تعالى بشَّر ابراهيم بإسماعيل، وأنه ينمّيه ويكثِّره، ويجعل من ذرّيته اثني عشر عظيماً»([34]).

اعتراضان

قد يعترض على هذه القرينة باعتراضين:

الاعتراض الأول: إنّ التوراة كما هو معلومٌ منسوخة بشرع الإسلام، فلا يصح الاستناد إليها.

والجواب: إنّ النسخ إنما يكون في الأوامر والنواهي، دون الأخبار؛ لأنّ الأوامر والنواهي مقرونان بالمصلحة، فإذا اختلفت المصلحة في علم الله وتغيَّرت وجب الاختلاف في الأوامر والنواهي تبعاً، ووقع النسخ فيها، وأما الإخبار عن وقوعٍ فإنه إذا لم يقَعْ المخْبَر به صار الخَبَر كذباً، والله تعالى منزَّهٌ عن الكذب.

الاعتراض الثاني: إن التوراة قد اعتراها التحريف والزيادة والنقصان، فلا يحتج بها.

والجواب: إنّ التغيير المعترض للتوراة لا يتصوّر في الزيادة الدالة على محمدة الإسلام وفضل نبيّه‘ وأهل بيته^، وإنما الواقع منهم حذف ما هذا سبيله، وزيادة ما ينفيه ويضادّه، فمتى ما وجدنا في أيديهم ما يدلّ على فضلهم^ علمنا أن الله قد صرفهم عن حذفه، وسخَّرهم لنقله؛ لطفاً للمستدلّ به، وإنْ كانوا حذفوا أمثاله، وكتموا كثيراً ممّا عليهم الحجّة في الإقرار به، ولم تقتضِ المصلحة صرفهم عن حذف جميعه([35]).

2ـ نقل السيد ابن طاوس(664هـ) من تفسير السدّي ـ من قدماء مفسِّري أهل السنة وثقاتهم ـ قال: «لمّا كرهت سارة مكان هاجر أوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل× فقال: انطلق بإسماعيل وأمّه حتّى تنزله بيتي التهامي ـ يعني مكّة ـ؛ فإني ناشرٌ ذرّيته، وجاعلهم ثقلاً على مَنْ كفر بي، وجاعلٌ منهم نبيّاً عظيماً، ومظهره على الأديان، وجاعلٌ من ذرّيته اثني عشر عظيماً، وجاعلٌ ذرّيته عدد نجوم السماء». وما ذكره السدّي هو رواية رواها ابن أبي جمهور قال: إن سندها صحيحٌ عن النبيّ‘([36]).

وكلام السدّي ناظرٌ إلى المنقول عن التوراة؛ لمطابقته مضموناً.

3ـ قال أبو الفتح الكراجكي: (أخبرنا القاضي أبو الحسن علي بن محمد السباط البغدادي قال: حدَّثني أبو عبد الله أحمد بن محمد بن أيوب البغدادي الجوهري الحافظ قال: حدَّثنا أبو جعفر محمد بن لاحق بن سابق قال: حدَّثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: حدَّثني أبي، عن الشرقي بن القطامي، عن تميم بن وهلة المري قال: حدَّثني الجارود بن المنذر العبدي، وكان نصرانياً، فأسلم عام الحديبية، وحسن إسلامه، وكان قارئاً للكتب، عالماً بتأويلها على وجه الدهر وسالف العصر، بصيراً بالفلسفة والطبّ، ذا رأي أصيل ووجه جميل، أنشأ يحدِّثنا في أيام عمر بن الخطاب، قال: وفدتُ على رسول الله‘ في رجالٍ من عبد القيس، ذوي أحلام وأسنان، وفصاحة وبيان، وحجّة وبرهان، فلمّا بصروا به‘ راعهم منظره ومحضره عن بيانهم، واعتراهم الرعداء في أبدانهم، فقال زعيم القوم لي: دونك من أممت بنا، أمّمه فما نستطيع أن نكلِّمه، فاستقدمت دونهم إليه، فوقفت بين يديه فقلت: سلام عليك يا رسول، بأبي أنت وأمي، ثم أنشات أقول:

يا نبيَّ الهدى أتتك رجالٌ *** قطعت قردداً وآلاً فآلا

جابت البيد والمهامة حتّى *** غالها من طوي السرى ما غالا

إلى قوله:

أنبأ الأولون باسمك فيها *** وبأسماء بعده تتلالا

قال: فأقبل عليَّ رسول الله‘ بصفحة وجهه المبارك، شمت منه ضياء، لامعاً ساطعاً كوميض البرق، فقال: يا جارود، لقد تأخّر بك وبقومك الموعد، وقد كنت وعدته قبل عامي ذلك أن أفد إليه بقومي، فلم آتِه، وأتيته في عام الحديبية، فقلت: يا رسول الله بنفسي أنت، ما كان إبطائي عنك إلاّ جلة قومي أبطأوا عن إجابتي، حتّى ساقها الله إليك؛ لما أرادها به من الخير لديك، وأما مَنْ تأخَّر عنه فحظّه فات منك، فتلك أعظم حوبة وأكبر عقوبة، ولو كانوا ممَّنْ رآك لما تخلّفوا عنك.

وكان عنده رجلٌ لا أعرفه، قلتُ: ومَنْ هو؟ قالوا: هو سلمان الفارسي، ذو البرهان العظيم والشأن القديم، فقال سلمان: وكيف عرفته أخا عبد القيس من قبل إتيانه؟ فأقبلت على رسول الله‘، وهو يتلألأ ويشرق وجهه نوراً وسروراَ، فقلت: يا رسول الله، إن قِسّاً كان ينتظر زمانك، ويتوكف إبانك، ويهتف باسمك وأبيك وأمّك وبأسماء لستُ أصيبها معك، ولا أراها في مَنْ اتّبعك، قال سلمان: فأخبرنا، فأنشأت أحدِّثهم، ورسول الله‘ يسمع، والقوم سامعون واعون. قلتُ: يا رسول الله، لقد شهدت قِسّاً وقد خرج من نادٍ من أندية ياد إلى صحصح ذي قتاد، وسمر وعتاد، وهو مشتمل بنجاد، فوقف في أضحيان ليل كالشمس، رافعاً إلى السماء وجهه وإصبعه، فدنوت منه، فسمعته يقول: اللهم ربّ هذه السبعة الأرفعة والأرضين الممرعة، وبمحمد والثلاثة المحامدة معه، والعليين الأربعة، وسبطيه التبعة الأرفعة، والسري الألمعة، وسمي الكليم الضرعة، والحسن ذي الرفعة، أولئك النقباء الشفعة، والطريق المهيعة، درسة الإنجيل، وحفظة التنزيل على عدد النقباء من بني إسرائيل، محاة الأضاليل، نفاة الأباطيل، الصادقوا القيل، عليهم تقوم الساعة، وبهم تنال الشفاعة، ولهم من الله فرض الطاعة. ثم قال: اللهمّ ليتني مدركهم ولو بعد لأي من عمري ومحياي، ثم أنشأ يقول:

أقسم قس قسماً ليس به مكتتما *** لو عاش ألفي عمر لم يلق منها سأما

حتى يلاقي أحمد والنقباء الحكما *** هم أوصياء أحمد أكرم من تحت السما

يعمى العباد عنهم وهم جلاء للعمى *** لست بناس ذكرهم حتى أحل الرخما

ثم قلت يا رسول الله: أنبئني أنباك الله بخبر عن هذه الأسماء، التي لم نشهدها، وأشهدنا قِسّ ذكرها، فقال رسول الله‘: يا جارود، ليلة أُسري بي إلى السماء أوحى الله عزَّ وجلَّ إليَّ أن سَلْ مَنْ أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا؟ فقلتُ لهم: على ما بعثتم؟ فقالوا: على نبوّتك وولاية عليّ بن أبي طالب والأئمة منكما، ثم أوحي إليّ: أن التفت عن يمين العرش، فالتفتُّ فإذا عليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمد بن عليّ وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمد بن عليّ وعليّ بن محمد والحسن بن عليّ والمهدي^ في ضحضاحٍ من نور يصلّون، فقال لي الربُّ تعالى: هؤلاء الحجج لأوليائي، وهذا المنتقم من أعدائي. قال الجارود: فقال لي سلمان: يا جارود: هؤلاء المذكورون في التوراة والإنجيل والزبور، فانصرفت بقومي وأنا أقول:

أتيتُك يا ابن آمنة الرسولا *** لكي بك اهتدي النهج السبيلا

فقلتَ فكان قولُك قولَ حقٍّ *** وصدقٌ ما بدا لك أن تقولا

بصرت العمى من عبد شمس *** وكلٌّ كان في عَمَه ضليلا

وأنبأناك عن قسّ الأيادي مقالاً *** فيكَ ظلت به جديلا

وأسماء عمَتْ عنا فآلت *** إلى علمٍ و كنتُ به جهولا([37])

قال الكراجكي بعد نقل هذا الخبر معلِّقاً: «وعلمُ قِسٍّ بحال رسول الله‘ قبل بعثته وبالأئمة الأوصياء صلوات الله من بعده وعددهم وأسمائهم ومنزلتهم عند الله تعالى وعظم شأنهم ما كان ليحصل له إلاّ بسماعه من أنبياء الله سبحانه وأوصيائهم صلوات الله عليهم، أو من صحيح الكتب وثابت الآثار المنقولة عنهم. وشهادة سلمان الفارسي رضي الله عنه بمثل ذلك ـ وقد كان معمِّراً ـ يؤكِّد ما ذكرناه، ويوضِّح ما قلناه، والحمد لله إذ كانت النصوص على ساداتنا صلوات الله عليهم متناظرة، وقد ذكرهم الله في الكتب السالفة، وأعلمت الأنبياء^ بهم الأمم الماضية، ونقل النص عليهم من رسول الله‘ المخالف والمؤالف»([38]).

وقد رواه أيضاً من أصحابنا ابن عيّاش من طرق العامّة فقال: (ومن أتقن الأخبار المأثورة وغريبها وعجيبها، ومن المصون المكنون في أعداد الأئمة وأسمائهم من طريق العامة، هو خبر الجارود بن المنذر، وإخباره عن قِسّ بن ساعدة)([39]).

أقول: قد ورد خبر قِسّ الأيادي في مصادر الجمهور أيضاً، ولكن خالياً عن ذكر الأئمة^ وعددهم، وإنما اقتصر على البشارة بالنبيّ‘.

قال ابن كثير بعد إيراد الخبر: «وأصله مشهور. وهذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على أصل القصة»([40]).

وقد يُقال: إنّ ما ذكرتموه خالٍ من الإلزام لغير الشيعة، فلا يصلح للاحتجاج عليهم؛ لأنه من منفردات مصادر الشيعة، فلا يصلح للقرينية.

والجواب على ذلك:

1ـ إنّ هذا الجزء لو كان وارداً لوحده لصحّ الاعتراض المذكور، ولكن مع وروده مقروناً بما في التوراة وخبر السدّي المتقدِّم عن تفسيره فإنه لا يخلو حينئذٍ من عضد وتأييد للمطلوب.

2ـ إنّ الاستشهاد بهذا الجزء نافعٌ للشيعة أنفسهم في الاستدلال على مطلوبهم، كما هو واضح.

3ـ إن ما ذكر من خبر قِسّ هو جزءٌ من مجموع القرينة الدالّة على المطلوب، لا جميعها.

والقيمة الاحتمالية لهذه القرينة ـ نظراً لسندها ومصدرها ـ تتراوح بين (60% إلى 70%).

القرينة الثانية: نصوص الاثني عشر

وهي عمدة القرائن العَدَدية في المقام؛ لقوّة قيمتها الاحتمالية سَنَداً ودلالة بما يصل إلى أكثر من (95%)، وقد روتها مصادر الفريقين بصيغ عديدة.

فقد روى البخاري عن جابر بن سمرة، عن النبيّ‘ قال: «يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمةً لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: كلهم من قريش»([41]).

ونقل ابن كثير عنه، بدل (أميراً): (خليفة)([42]).

وروى مسلم عن جابر بن سمرة، عن النبيّ‘ قال: «إن هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة. قال: ثم تكلَّم بكلامٍ خفي عليَّ، قال: فقلتُ لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش»([43]).

وروى مسلم أيضاً عن جابر بن سمرة، عن النبيّ‘ قال: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثمّ قال كلمة…»([44])، أو: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة»([45]).

وروى مسلم أيضاً عن جابر بن سمرة، عن النبيّ‘ قال: «لا يزال هذا الدين قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش»([46]).

وروى أحمد عن جابر بن سمرة، عن النبيّ‘، في حجّة الوداع، قال: «إنّ هذا الدين لن يزال ظاهراً على مَنْ ناواه، لا يضرّه مخالفٌ ولا مفارق، حتّى يمضي من أمّتي اثنا عشر خليفة»([47]).

وروى نحوه الخزّاز القمي الرازي عن جابر بن سمرة قال: أتيتُ النبي‘ فسمعته يقول: «إن هذا الأمر لن (لا خ ل) ينقضي حتّى يملك اثنا عشر خليفة، وقال كلمةً خفيّة (خفيفة خ ل)، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلّهم من قريش»([48]).

كما رواه أحمد أيضاً عن ابن مسعود، أنه سئل: هل سألتم رسول الله عن كم يملك هذه الأمة؟ فقال: نعم، ولقد سألنا رسول الله‘ فقال: «اثنا عشر، كعدّة نقباء بني اسرائيل»([49]).

وروى نحوه الخزّاز القمي عن ابن مسروق قال: كنا نحن عند عبد الله بن مسعود نعرض مصاحفنا عليه، إذ يقول له فتىً شاب: هل عهد إليكم نبيّكم‘ كم يكون من بعده خليفة؟ قال: إنك لحَدَث السنّ، وإن هذا شيءٌ ما سألني عنه أحدٌ قبلك. نعم، عهد إلينا من بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل([50]).

كما رواه الطبراني بسنده عن جابر بن سمرة، عن النبيّ‘ قال: «يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيِّماً، لا يضرّهم مَنْ خذلهم»([51]).

وأيضاً رواه الطبراني عن جابر بن سمرة، عن النبيّ‘ قال: «اثنا عشر قيِّماً من قريش، لا يضرّهم عداوة مَنْ عاداهم»([52]).

وروى نحوه ابن شهرآشوب عن أنس قال: قال رسول الله‘: «يكون منّا اثنا عشر خليفة، ينصرهم الله على مَنْ ناوأهم، لا يضرّهم مَنْ عاداهم…، الخبر»([53]).

البحث السندي

يقع الكلام في أسانيد مصادر الجمهور تارةً؛ وأخرى في مصادرنا.

أما بالنسبة لمصادر الجمهور فقد ورد الحديث في صحيح البخاري ومسلم والترمذي وأبي داوود. وفي ذلك غنىً عن دراسة تفاصيل السند.

وأما بالنسبة لمصادرنا فقد ورد بعشرات الطرق، بما يبلغ أو يفوق حدَّ التواتر. وقد بلغت عدد رواياته ما يقرب من الثلاثمائة رواية([54])، بل قد أفرد بعض مصنِّفينا القدامى مصنَّفات خاصّة للحديث، مثل: كتاب (مقتضب الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر)، للمحدِّث الشيخ أحمد بن عبيد الله بن عياش الجوهري(401هـ)؛ وكتاب (كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الإثني عشر)، للمحدِّث الشيخ أبي القاسم عليّ بن محمد بن عليّ الخزّاز القمّي(القرن الرابع الهجري)؛ وكتاب (الاستنصار)، للشيخ الجليل محمد بن عثمان الكراجكي(449 هـ)؛ وكتاب (منتخب الأثر)، للشيخ لطف الله الصافي، وقد صرح الشيخ الصافي بالتواتر فيها، مشيراً إلى بعض مصادر العامة للحديث، قائلاً: (اعلم أن الاخبار المتواترة الدالة على أن الأئمة اثنا عشر مأثورة عن النبيّ‘ وأهل البيت من طرق الفريقين، وقد أخرج كثيراً منها جمعٌ من أكابر علماء العامة، كأحمد بن حنبل في مسنده من خمس وثلاثين طريقاً، والبخاري ومسلم في الصحيحين، والترمذي، وأبي داوود، والطيالسي، والخطيب، وابن عساكر، والحاكم، وابن الديبع، والسيوطي، والمتقي، والبغوي، وابن حجر، والحميدي، والطبراني، والشيخ منصور علي ناصف، وأبي يعلى، والبزار، وغيرهم)([55]).

البحث الدلالي

لم يقع كلامٌ بين أعلام الفريقين في جهة السند.

وإنما وقع الكلام بينهم في جهة الدلالة، فقد حمله علماء الجمهور على جهة (الإخبار)، ولذا طبَّقوه على مَنْ تصدّى للخلافة بالفعل، كالخلفاء الأربعة، وبعض الأمويين، كمعاوية ويزيد ونحوهما. ولهم في ذلك أقوال مختلفة في تطبيقها عليهم، تصل إلى ما يقرب من خمسة عشر قولاً([56]).

وأما الإمامية فقد حملوا هذه الروايات على (الإنشاء)، دون (الإخبار)؛ لاستحالة أن تكون عزّة الإسلام وديمومته ـ كما تشير إليه نصوص الأحاديث ـ بخلافة مثل معاوية ويزيد ومروان. وعليه فإن هذه الأخبار هي في مقام إنشاء الخلافة للأئمة الطاهرين^. ولذا أجمع أئمة أهل البيت^ وعلماء مدرستهم على تفسيرٍ واحد للنصوص المتقدّمة، وهو أنّ المراد بالخلفاء فيها هم الأئمة الاثني عشر^، الذين نصّبهم النبي‘ لأمر الإمامة.

والوجه في التمسُّك بروايات الاثني عشر من طرق الجمهور هو إلزام الخصم بما يرويه في مصادره. وأما الوجه في التمسُّك بهذه الروايات من طرق الخاصة فقد يقول قائلٌ بمنعه؛ لتوقُّفه أوّلاً على إثبات إمامتهم من غير طريقهم ـ وإلاّ لزم الدور ـ، ثم بعد ذلك يحتجّ بقولهم.

لكنه مندفعٌ: بأنا لا نحتجّ على إمامتهم^ بدعواهم الإمامة لأنفسهم، حتّى يلزم الدور، بل برواياتهم عن النبيّ‘ ما يثبت إمامتهم، ولا إشكال في أنهم من أوثق الرواة وأصدقهم بالاتّفاق، إنْ لم يكونوا أوثقهم وأصدقهم على الإطلاق.

على أن دعواهم الإمامة لأنفسهم لا يُستهان بها بعد تسالم جمهور المسلمين على علمهم وورعهم وأمانتهم، مع ما هو المعلوم من أن مرادهم بالإمامة هي الإمامة بتعيين من الله تعالى، وإبلاغ من رسوله‘ ([57]).

وعلى أيّ حال فنحن نذكر الوجوه التي يمكن التمسُّك بها لتطبيق أحاديث الاثني عشر على أئمة أهل البيت^:

الوجه الأول: انحصار دعوى إمامة الأئمة الاثني عشر بخصوص الإمامية، دون غيرهم، فلا منازع لهم في دعواهم ذلك، فيثبت مدَّعاهم؛ لأن دعوى خصوصية العدد ممّا لم يشاركهم فيها أحدٌ. وقد استُدلّ بهذا الوجه في كلمات علماء الإمامية في تقريب الاستدلال بهذه الأخبار. وإليك بعض كلماتهم في المقام:

1ـ قال الشيخ الطوسي: (وأما الدليل على أن المراد بالأخبار والمعنيّ بها أئمتنا^ فهو أنه إذا ثبت بهذه الأخبار أن الإمامة محصورة في الاثني عشر إماماً، وأنهم لا يزيدون ولا ينقصون، ثبت ما ذهبنا إليه؛ لأن الأمّة بين قائلين: يعتبر العدد الذي ذكرناه فهو يقول: إن المراد بها مَنْ يذهب إلى إمامته، ومَنْ خالف في إمامتهم لا يعتبر هذا العدد، فالقول ـ مع اعتبار العدد ـ أن المراد غيرهم خروجٌ عن الإجماع، وما أدّى إلى ذلك وجب فساده)([58]).

 2ـ وقال تقي الدين الحلبي في مقام الاستدلال بهذه الأخبار على الإمامة: (وثبوت النصّ منه× على هذا العدد المخصوص ينوب مناب نصّه على أعيان أئمتنا^؛ لأنه لا أحد قال بهذا في نفسه غيرهم، وشيعتهم لهم، فوجب له القطع على إمامتهم)([59]).

وقال في موضعٍ آخر: (إن ورود الخبر متناصر بنقل الدائن بضمنه ـ أي الذي يدين بمضمونه ـ، والمخالف في معناه برهان صحّته؛ إذ لا داعي للمحجوج ـ أي المخالف ـ إلاّ الصدق الباعث على روايته، وإذا ثبت صدقه اقتضى إمامة المذكورين فيه؛ لكونه نصّاً على عددٍ لم يشركهم فيه أحدٌ)([60]).

3ـ وقال السيد ابن طاووس: (إنّ هذا القول بالاثني عشر خليفة بعد الرسول‘ ممّا لم يلتزم به أحدٌ من الأمة غير الإمامية، وعليه فتكون هذه الأحاديث دالّةً على قولهم بإمامة الأئمة الاثني عشر^)([61]). وقال أيضاً: (وهذا العدد ما عرفنا أن أحداً اعتقده غير الإمامية، وهو تصديقٌ لما أنت عليه وسلفك من اعتقاد إمامة الاثني عشر)([62]).

4ـ وقال ابن شهرآشوب: (وإذا ثبت بهذا العدد المخصوص ثبتت إمامتهم؛ لأنه ليس في الأمّة مَنْ قد ادّعى هذا العدد سوى الإمامية)([63]).

والمتحصِّل: إنه يمكن تحليل هذا الاستدلال إلى الخطوات التالية:

أوّلاً: وجود النصوص على الخلفاء الاثني عشر بعد النبيّ‘.

ثانياً: عدم وجود مدّعٍ لإمامة الائمة الاثني عشرفي الأمّة غير الإمامية، حتى عرفوا بالإمامية الاثني عشرية؛ لقولهم بإمامتهم^، فهم يدَّعون ذلك بلا منازع لهم فيه بين الأمّة.

أقول: لا بُدَّ هنا من إضافة قيدٍ لازم، وهو اشتراط انطباق وتواجد جميع الخصوصيات الواردة في الأحاديث بالنسبة لهؤلاء الاثني عشر.

ثالثاً: إذن لا بُدَّ أن يكون المراد بالاثني عشر هم هؤلاء الذين تدَّعيهم الإمامية. وهذه النتيجة واضحة الثبوت والترتُّب، وإلاّ لزم الإهمال واللغوية في هذه الأحاديث، بعد فساد انطباقها على المحاولات السابقة.

الوجه الثاني: ورود هذا التطبيق على أسماء أئمتنا^ في نفس النصوص المروية عن النبي‘، والتي تسرّب بعضها في مصادر الجمهور، مثل:

ما رواه الجويني الشافعي بإسناده عن ابن عباس، عن رسول الله‘ قال: «أنا سيد المرسلين، وعلي بن أبي طالب سيد الوصيّين، وإن أوصيائي بعدي اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم القائم^»([64]).

وما رواه القندوزي الحنفي بإسناده عن عليٍّ× قال: قال رسول الله‘: «الأئمة بعدي اثنا عشر، أوّلهم أنت يا عليّ، وآخرهم القائم، الذي يفتح الله عزَّ وجلَّ على يديه مشارق الأرض ومغاربها»([65]).

وما رواه الجويني بإسناده عن عليٍّ× قال: قال رسول الله‘: «أنا واردكم على الحوض، وأنت يا عليّ الساقي، والحسن الرائد، والحسين الآمر، وعليّ بن الحسين الفارط، ومحمد بن عليّ الناشر، وجعفر بن محمد السائق، وموسى بن جعفر محصي المحبين والمبغضين وقامع المنافقين، وعليّ بن موسى معين المؤمنين، ومحمد بن عليّ منزل أهل الجنة في درجاتهم، وعليّ بن محمد خطيب شيعته ومزوِّجهم الحور العين، والحسن بن عليّ سراج أهل الجنة يستضيئون به، والمهديّ شفيعهم يوم القيامة، حيث لا يأذن الله إلاّ لمَنْ يشاء ويرضى»([66]).

وروى القندوزي الحنفي عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: كنت مع أبي عند النبيّ‘، فسمعته يقول: «بعدي اثنا عشر خليفة، ثم أخفى صوته، فقلتُ لأبي: ما الذي أخفى صوته؟ قال: قال: «كلّهم من بني هاشم»([67]).

 الوجه الثالث: ورود هذا التفسير في أحاديث أئمة أهل البيت^ أنفسهم بشكلٍ متواتر([68])، وهم صادقون في ما يدَّعون؛ لكونهم من المطهَّرين بنصّ آية التطهير، ولعدالتهم ووثاقتهم لدى جميع الأمّة، كما تقدّمت كلمات أعلام المخالفين فيهم، فلا بُدَّ أن يصدَّقوا في ما يدَّعون.

إنْ قلتَ: لا رَيْبَ في صدقهم، إنما الكلام في صدور هذا الادّعاء منهم وثبوته عنهم؛ فإنّ ما رويتموه هو حجّةٌ من طرقكم، لا من طرقنا.

قلتُ: لا يمكن الحكم بسقوط جميع هذه الأحاديث عند الخصم بدعوى ورودها من طرق الخاصة؛ وذلك لورودها بشكلٍ متواتر مفيد للاطمئنان عن أشخاص مختلفين في الأزمنة والأمكنة والخصوصيات، بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب. ومثل هذا التواتر حجّةٌ. ولذا كان التواتر في إثبات النص القرآني ـ في مقابل من ينكره ـ حجّةً على غير المسلمين من أهل الملل والنحل الذين ينكرون أصل القرآن. كما أنه حجّةٌ أيضاً في إثبات بعثة نبينا قبل أكثر من ألف عام في مقابل مَنْ ينكر أصل وجود شخص باسم محمد‘ في الجزيرة العربية، حيث يدَّعي بعض الغربيين أن هذه النبوة منتحلةٌ اختلقها العرب؛ لتعزيز مكانتهم بين الأمم، فاختلقوا هذه الشخصية الوَهْمية وسمّوه نبياً. كما أن التواتر حجّةٌ في إثبات نبوّة أيّ نبيٍّ من الأنبياء، كموسى وعيسى وغيرهم^، أو إثبات أيّ حقيقةٍ تأريخية أخرى، يُراد إنكارها مع أنها من المتواترات.

 وعلى فرض التسليم بعدم تواترها فلا يمكن إسقاطها من الاعتبار بالجملة هكذا، من دون دراسة لأسانيدها وإثبات ضعفها، ولا سيَّما أن فيها الصحاح، وفي رواتها الثقات.

وعلى فرض عدم تسليم الخصم بذلك كلّه فهذا الوجه نافعٌ على المستوى الشيعي للشيعة لإثبات إمامة أئمتهم^.

الوجه الرابع: إجماع أهل البيت^ على هذا الرأي، كما يكشف عن ذلك الروايات الواردة عنهم^، وكذلك الارتكاز الذهني التأريخي لدى أجيال المسلمين المتعاقبة، الدالّ على ذهاب الشيعة إلى القول بإمامتهم، مع عدم نفي الأئمة^ لذلك، أوالبراءة ممّا تقوله الشيعة فيهم، فلو كان ذلك كذباً عليهم لتبرّأوا منه، كما تبرّأوا من أمثاله من الغلوّ والاتجاهات الفكرية المنحرفة، بل إنهم^ بالعكس كانوا يتبنّون فكرة الاثني عشر، ويروِّجونها بشدّة.

قال ابن شهرآشوب: (أجمع أهل البيت خَلَفاً عن سَلَف، عن آبائهم، وعن النبيّ^، على عددهم وأسمائهم، وذكر استخلافهم. وإجماعهم حجّةٌ)([69]). وكيف لا يكون إجماعهم حجّةً وإجماع غيرهم حجّةٌ؟!

إنْ قلتَ: إن ظاهر الأحاديث ثبوت الخلافة الفعلية لهؤلاء الاثني عشر، في حين أن الأئمة^ لم يحكموا بالفعل، عدا أمير المؤمنين والإمام الحسن’. قال ابن كثير بعد نقله روايات الاثني عشر: «وهؤلاء غير الذين تقول بهم الشيعة؛ لأنهم ملكوا، وأئمة الشيعة لم يملكوا»([70]).

قلتُ: إن هذه الأحاديث واردةٌ في مقام الإنشاء والتنصيب، لا الإخبار والإعلام، فهي نظير قوله‘: «الناس تبعٌ لقريش» من جهة كونه أمراً بصيغة الخبر، أي ائتمّوا بقريش، وكونوا لهم تبعاً، ونظير قوله‘ أيضاً: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان»، فإن المراد به الحكم والأمر باتّباعهم([71]).

تطبيق باقي خطوات المنهج الاستقرائي

كلّ ما تقدَّم من البحث ـ وإنْ طال ـ كان في بيان الخطوة الأولى من المنهج الاستقرائي، وأما سائر الخطوات الأخرى لهذا المنهج فهي:

الخطوة الثانية

 إن الفرضية الصالحة لتفسير جميع هذه المعطيات وتبريرها بما ينسجم معها بكلّ وضوحٍ، ومن دون تكلُّف، هو تفسيرها بإمامتهم^؛ لأنّ جميع تلك المعطيات ـ من الآيات والروايات والعقل ـ تشكِّل على المستوى السندي والمستوى الدلالي ـ كما تقدَّم شرحه ـ قرائن قوية على إرادة هذه الفرضية؛ إمّا من خلال نصّه؛ أو ظهورها ـ كما تقدَّم شرحه ـ.

الخطوة الثالثة

 إذا لم تكن الفرضية المذكورة صالحةً لتفسير جميع المعطيات والنصوص السابقة ـ رغم كثرتها وتنوُّعها ـ فما هي إذن الفرضية البديلة لكلّ ذلك؟

يمكن أن تكون الفرضية البديلة ـ على أحسن التقادير ـ هي فرضية إثبات فضيلة أهل البيت^ باعتبار صلاحهم وعلمهم وقرابتهم من النبيّ‘، أي إن الحيثية التعليلية لفضلهم مركَّبة من هذه العناصر الثلاثة: (الصلاح؛ والعلم؛ والقرابة)، والفصل المميِّز فيها هو القرابة، كما لا يخفى، وإلاّ فإنّ كلّ واحدٍ من هذه العناصر الثلاثة يمكن أن يتَّصف به غيرهم.

فهل يمكن القبول بهذه الفرضية لتفسير كلّ هذه المعطيات والروايات، وأنها جاءت من أجل خصوصية القرابة فقط؟ وهل أن فضيلة القرابة لوحدها تستدعي صدور مثل هذا الكمّ الهائل من الروايات؟

إن هذه الفرضية تستبطن افتراضات عديدة، فهي تستبطن افتراض ارتكاب مخالفة الظاهر في جميع الألفاظ الواردة في هذه المعطيات ـ كأحاديث الثقلين والغدير والمنزلة وغيرها ـ، وحملها على غير ظواهرها وسياقاتها. كما تستبطن أيضاً افتراض أن النبيّ‘ لم ينطلق في تحديد الموقف تجاه قرابته من منطلقٍ رسالي، بل انطلق في جميع هذه المعطيات والبيانات ـ منذ صدر الدعوة حتّى ختامها ـ من منطلق أُسَري وعاطفي؛ تكريساً لمبدأ القرابة والعشيرة الذي أراد أن لا يكون هو المعيار في التفاضل. كما تستبطن أيضاً افتراض أن يكون كلّ هذا الحشد الهائل من المعطيات والروايات والقرائن متناسبا كمّاً وكيفاً مع أهمّية القضية التي يراد إثباتها، وهي قضية فضيلة قرابته‘ ووجوب احترامهم، بمعنى أنّ قضيةً بهذا الحجم تستدعي بشكلٍ منطقي وطبيعي ورود كلّ هذه البيانات القرآنية والنبوية على طول خط الدعوة، وبمختلف الأشكال الفعلية والقولية. كما تستبطن أيضاً ارتكاب مخالفة الظاهر لحديث الاثني عشر، الذي ورد فيه تسميتهم بالخلفاء والأئمّة والأمراء والقيِّمين على الدين، وفي بعض الروايات وردت أسماؤهم الاثنا عشر.

الخطوة الرابعة

 إذا كانت فرضية تفسير اجتماع كلّ هذه المعطيات لتأكيد فضيلتهم ضعيفةً فمن المؤكَّد جدّاً إذن صحة فرضية إمامتهم وولايتهم^؛ لأن الأمر لا يخلو من أحد هاتين الفرضيتين، وقد بان خطأ إحداهما.

الخطوة الخامسة

 أن نربط بين الترجيح الذي قرَّرناه في الخطوة الرابعة لفرضية الإمامة وبين ضآلة الاحتمال للفرضية المعاكسة، ويعني هذا الربط بين النقطتين أنّ درجة الترجيح للفرضية الأولى تتناسب عكسياً مع ضآلة الاحتمال للفرضية الثانية، فكلّما كان هذا الاحتمال أكثر ضآلة كان ذلك الترجيح أكثر إقناعاً، وأكبر قيمة.

شبهة معارضة المنهج الاستقرائي المذكور بمنهجٍ استقرائي مماثل

قد يُقال بأن ثبوت إمامة أهل البيت^ حسب المنطق الاستقرائي بالشكل السابق يتوقَّف في المقابل على إبطال دعوى مَنْ يدعي إثبات الخلافة في غيرهم بنفس المنهج الاستقرائي، من خلال جمع القرائن والشواهد على إمامة غير أهل البيت^.

والجواب: إن المنهج المذكور غيرُ قابلٍ للتطبيق على خلافة الخلفاء؛ لأن هذا المنهج قائمٌ على حساب الاحتمالات وتجميع القرائن والشواهد. وحَسْب مدرسة الخلفاء لا يوجد سوى دليلٍ واحد يتمسَّكون به لخلافتهم، وهو الإجماع ورأي أهل الحَلّ والعَقْد، وأمّا الفضائل المروية في حقّ الخلفاء فهي على فرض صحتها غيرُ كافيةٍ لإثبات مقام الخلافة، وإنما تدلّ على الفضل فحَسْب. وعليه فالمنهج المذكور غيرُ قابلٍ للتطبيق لإثبات خلافة الخلفاء من الأساس.

إنْ قلتَ: سلَّمنا انتفاء المنهج الاستقرائي لإثبات دعوى الخصم، ولكن إمامة أهل البيت^ تتوقَّف منطقياً على إبطال حجّة الخصم في إثبات خلافة غيرهم، حتّى وإنْ لم تكن تلك الخلافة ثابتة حَسْب المنهج الاستقرائي؛ لأنها يمكن أن تثبت بغير هذا المنهج، وحينئذٍ يكون ثبوتها بمنزلة المانع تجاه الأدلّة المثبتتة لإمامة أهل البيت^.

قلتُ: نلتزم بذلك. ولذا ينبغي البحث في هذه الجهة على نحو الاختصار، فنقول:

إن عمدة الدليل لدى الخصم، كما مرّ، هو الإجماع، على ما صرَّحوا به. قال الجرجاني في شرح كلام القاضي الأيجي: «في الامام الحقّ بعد رسول الله‘، وهو عندنا أبو بكر، وعند الشيعة عليّ.. لنا وجهان: الأول: إن طريقه إما النصّ؛ أو الإجماع بالبيعة (أما النصّ فلم يوجد؛ لما سيأتي، وأما الإجماع فلم يوجد على غير أبي بكر اتفاقاً) من الأمّة»([72]).

ويَرِدُ عليه:

أولاً: منع الاجماع كبرى، كما هو مبيّن في محلّه، ولا مجال للتعرُّض له هاهنا([73]).

ثانياً: على فرض التسليم بحجّية الإجماع، فإنه ممنوعٌ صغرى؛ لتخلُّف جمع كثير من الصحابة عنها، كأمير المؤمنين×، والعباس، وابنه عبد الله، وسلمان، والمقداد، والزبير، وعمّار، وخزيمة بن ثابت، وأُبيّ بن كعب، وأبي ذرّ، والبراء بن عازب، وخالد بن سعيد بن العاص، وأبي سفيان، وفروة بن عمرو، ودقة الأنصاري([74]).

قال ابن حِبّان في توضيح وصف عمر لبيعة أبي بكر بأنها فلتة: (قال أبو حاتم رضي الله عنه: إن بيعة أبي بكر كان ابتداؤها من غير ملأ، والشيء الذي يكون من غير ملأ يقال له: الفلتة)([75]).

إنْ قلتَ: إنهم بايعوا لاحقاً.

قلتُ: على فرض حصول البيعة بعد ذلك طَوْعاً فهي متأخِّرة، وحينئذٍ يطرح السؤال التالي: كيف كان يتصرَّف الخليفة في تلك البرهة التي لم يبايعوا فيها؟ هل كان يتصرَّف كخليفة، علماً أن الدليل على اعتبار وحجّية خلافته بعْدُ لم ينعقد، أم كان ينتظر انعقاد الإجماع من المسلمين حتّى يتصرَّف كخليفة؟

ثالثاً: إن توظيف الإجماع كدليلٍ هو من إنتاج الفكر الكلامي المتأخِّر، فلم يتمسَّك به الصحابة الذين حضروا السقيفة أنفسهم، ولم يتمسَّكوا ـ ولو في مورد واحد ـ بهذا الدليل، وإنما كانت حجّتهم في ذلك اجتناب الفتنة ورعاية المصلحة، وذلك باعتراف أول المبايعين، وهو عمر بن الخطّاب، الذي يصف وقائع تلك البيعة وكيفية حصولها، فيقول: (فارتفعت الأصوات، وكثر اللغط، فلمّا أشفقتُ الاختلاف قلتُ لأبي بكر: ابسط يدك أبايعك، فبسط يده، فبايعته، وبايعه المهاجرون والأنصار… خشينا إنْ فارقنا القوم ولم تكن بيعةٌ أن يحدثوا بعدنا بيعةً؛ فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى؛ أو نخالفهم فيكون فسادٌ)([76]).

بل ثمّة مواقف وتقييمات صدرت عن الخليفتين تنمّ عن قيمة تلك البيعة، وعدم استنادهم فيها إلى إجماع أو غيره:

ـ قال أبو بكر، نادماً على بعض ما صدر منه: (وددْتُ لو أني كنتُ سألت رسول الله‘ لمَنْ هذا الأمر فلا ينازعه أحدٌ)([77]). فلِمَ الأسف لو كان الإجماع حجّة معذِّرة وشرعية؟!

ـ وقال عمر في تقييم بيعة أبي بكر: (إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة، وتمَّتْ، ألا إنها كانت كذلك، ولكنْ وقى الله شرَّها)([78]). فلو كان الإجماع حجة فلماذا يصفها بالفلتة، ويوجب قتل مَنْ يعود إليها ثانيةً([79]).

رابعاً: إن حال هذا الإجماع المتأخِّر عن بيعة أهل الحَلّ والعَقْد لا يخلو إما أن يكون كاشفاً عن حجّية بيعتهم، أو منشأ لها. فإنْ كان كاشفاً عن حجّيتها رجع السؤال ثانية عن مستند هذه البيعة ما هو؟ وإنْ كان منشأً لها لزم تأخُّر ما شأنه التقديم، فإن السبب والمنشأ متقدِّم على المسبَّب، والمفروض أن الإجماع متأخِّر عن بيعتهم؛ لأنه حصل بشكلٍ تدريجيّ ومتأخِّر.

خامساً: إنه لو تمّ الاجماع دليلاً ـ صغرىً وكبرىً ـ في بيعة أبي بكر فلا وَقْع لمثل هذا الدليل في خلافة مَنْ تعقَّبه؛ لكونها تمَّتْ ـ غالباً ـ عن طريق الاستخلاف.

إن قلتَ: إن الخليفة المنتخب هو الذي عيَّن الخليفة بعده، فيكون الثاني نتاجاً لبيعة وإجماع الأمّة في الأول.

قلتُ: إن القَدَر المتيقَّن من تخويل الأمة وبيعتها للأوّل هو إدارة أمورها في حياته، وأما تخويله ذلك لمَنْ بعد موته فهو إنْ لم يكن مقطوع العدم، فهو مشكوكٌ وخارج عن عقد البيعة.

الخاتمة

 لقد اتَّضح من خلال هذه الدراسة إمكانية التجديد في المناهج الاستدلالية الكلامية. وكان المنهج الاستقرائي أحدها. وربما يمكن التجديد باستحداث مناهج أخرى؛ تحقيقاً للتنمية العلمية المنشودة. وقد حاولت هذه الدراسة المتواضعة إثبات إمامة أهل البيت^ عن طريق المنهج الاستقرائي وحساب الاحتمالات. وتعتبر مسألة الإمامة ـ بما لها من مكانة في البحث الكلامي ـ إحدى الميادين المستحدثة لتطبيق لهذه النظرية. وبهذا نطمح إلى تطبيقاتٍ أخرى لهذا المنهج على صعيد بحث الإمامة وفروعها أو غيرها من مسائل البحث الكلامي.

الهوامش

(*) أستاذٌ وباحث في الحوزة العلميّة في مدينة قم، وعضو هيئة تحرير مجلّة فقه أهل البيت^.

([1]) وهذا ما أشار إليه الإمام الرضا× من أن الناس لو عرفوا محاسن كلامنا لاتّبعونا، فالإمام يشير إلى هذه الإشكالية المعرفية، ويرسم منهجاً عامّاً وقاعدة كلية تعالج كيفية التعريف بمذهب أهل البيت^.

([2]) وهناك عاملٌ ثالث، وهو العامل الخارجي الذي يرتبط بسلوك أتباع أهل البيت^، الذي يسبب ابتعاد الآخرين عن منهجهم^، ولذا أمروا^ شيعتهم أن يكونوا زيناً لهم، ولا يكونوا شيناً عليهم.

([3]) تقريب المعارف: 119.

([4]) ذكرى الشيعة 1: 58.

([5]) ينابيع المودة 3: 293، الباب 77.

([6]) رشفة الصادي: 161 ـ 163.

([7]) مختصر التحفة الاثني عشرية: 55.

([8]) منهاج السنة 4: 213.

([9]) سير أعلام النبلاء 4: 391، 398، 387.

([10]) تذكرة الحفاظ 1: 75.

([11]) المصدر السابق 4: 402.

([12]) المصدر السابق 4: 404.

([13]) المصدر السابق 13: 120.

([14]) وفيات الأعيان 1: 291.

([15]) تهذيب التهذيب 2: 88.

([16]) سير أعلام النبلاء 6: 258.

([17]) التهذيب 2: 104.

([18]) سير أعلام النبلاء 13: 120.

([19]) مطالب السؤول: 76.

([20]) المصدر السابق 9: 392.

([21]) تاريخ الإسلام 15: 385 (حوادث 220).

([22]) تذكرة خواصّ الأمة: 358؛ وفيات الأعيان 2: 153.

([23]) تاريخ الإسلام 15: 385 (حوادث 220).

([24]) تاريخ الإسلام 15: 385 (حوادث 220).

([25]) شذرات الذهب 2: 128.

([26]) الفصول المهمة في معرفة الأئمة: 290.

([27]) وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل، مخطوط، نقلاً عن: شرح منهاج الكرامة: 235.

([28]) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 477.

([29]) جامع كرامات الأولياء 1: 389.

([30]) رشفة الصادي: 95 ـ 97.

([31]) انظر: الصواعق المحرقة: 147؛ جلاء الأفهام: 276، الباب السادس؛ تفسير القرآن العظيم 3: 558؛ أحكام القرآن 3: 1584؛ رشفة الصادي: 72.

([32]) الکتاب المقدس: 22 ـ 23، سفر التکوين، الإصحاح 17، الآية 20 (الأصل العبري)، نقلاً عن: أهل البيت^ في الکتاب المقدَّس: 105.

([33]) المصدر السابق: 17 (الترجمة العربية).

([34]) البداية والنهاية 6: 250.

([35]) الاستنصار: 28.

([36]) عوالي اللآلي 4: 91.

([37]) كنـز الفوائد: 256؛ الاستنصار: 37.

([38]) الاستنصار: 38.

([39]) مقتضب الأثر: 31، ح21.

([40]) البداية والنهاية 2: 291؛ السيرة النبوية 1: 152.

([41]) صحيح البخاري 8: 127، كتاب الأحكام، باب ما قبل باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة.

([42]) البداية والنهاية 6: 248.

([43]) الغيبة: 120، باب 6، ح8.

([44]) صحيح مسلم 6: 3، كتاب الإمارة، باب الناس تبع قريش.

([45]) المصدر نفسه.

([46]) المصدر نفسه.

( ([47]مسند أحمد بن حنبل 5: 87.

([48]) كفاية الأثر: 51، باب 6، ح3.

([49]) المصدر السابق 1: 398.

([50]) كفاية الأثر: 23، باب 2، ح2.

([51]) المعجم الكبير 2: 256.

([52]) المصدر السابق 2: 286، ح2073.

([53]) المناقب 1: 291.

([54]) تستند هذه الإحصائية على عدد الروايات الواردة في هذا الموضوع في كتاب (منتخب الأثر)، للشيخ الصافي.

([55]) لمحات: 213، وقد أخرج فيه مصادره المذكورة سابقاً.

([56]) للکاتب دراسة تحليلية وافية عن أحاديث الاثني عشر، والأقوال فيها، ستصدر قريباً إنْ شاء الله تعالى.

([57]) في رحاب العقيدة 3: 168.

([58]) الغيبة: 157.

([59]) تقريب المعارف: 126.

([60]) المصدر السابق: 183.

([61]) كشف المحجة لثمرة المهجة: 51.

([62]) المصدر السابق: 101.

([63]) متشابه القرآن 3: 229.

([64]) فرائد السمطين 2: 312، السمط الثاني، باب 61، ح562.

([65]) ينابيع المودة 3: 395، باب 94، ح46.

([66]) فرائد السمطين 2: 321، السمط الثاني، باب 61، ح572.

([67]) ينابيع المودة 3: 290، الباب 77، ح4.

([68]) خصَّص ابن عياش في (مقتضب الأثر) باباً لكل واحدٍ من الأئمة الذين روي عنهم حديث الاثني عشر.

([69]) متشابه القرآن 3: 224.

([70]) تفسير القرآن العظيم 3: 312.

([71]) انظر: حاشية بعض المعلّقين على صحيح مسلم 6: 3، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.

([72]) شرح المواقف 8: 354.

([73]) انظر: أصول الفقه المقارن: 258.

([74]) انظر: الكامل في التاريخ 2: 331؛ الإمامة والسياسة: 17 ـ 18.

([75]) صحيح ابن حِبّان 2: 158.

([76]) صحيح البخاري: 331، كتاب المحاربين، باب 16، ح6442.

([77]) تاريخ الأمم والملوك 2: 620.

([78]) المصدر السابق 2: 651.

([79]) الملل والنحل 1: 30.

الكاتب د. الشيخ صفاء الدين الخزرجي (پيراسته)

د. الشيخ صفاء الدين الخزرجي (پيراسته)

مواضيع متعلقة

اترك رداً