التجديد في العمل التفسيري

27 يوليو 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
4٬946 زيارة

 التجديد في العمل التفسيري

 قراءة في «من وحي القرآن»

أ. أمين حسين پـوري(*)

ترجمة: محمد عبد الرزاق

(a)

(b)     مقدمة

يعد تفسير «من وحي القرآن» للفقيه المجدِّد العلامة محمد حسين فضل الله أسلوباً جديداً في العمل التفسيري المعاصر. وهو بلا شك جدير بالاهتمام والدراسة.

لقد برز هذا التفسير إلى الساحة في العقدين الماضيين، مفيداً من العديد من المسائل والنقاط الواردة في التفاسير السابقة، كالميزان. ويعنى البحث الحالي بتسليط الضوء على وجهة نظر المؤلف في بعض مواضيع علوم القرآن، وآليات تعاطيه مع موضوعات النص القرآني، من قبيل: الآيات الفقهية أو القصصية.

(c)      الكتاب ومؤلِّفه

صدر تفسير من وحي القرآن في بيروت سنة (1399هـ)، وتضم مكتبة كلية علوم الحديث بين رفوفها ـ في الوقت الحاضر ـ الطبعة الثانية منه، وهي طبعة مميزة بما حوته من تنقيح وإضافة، وقد صدرت هي الأخرى سنة 1419هـ / 1998م عن دار الملاك في بيروت. ويتكوَّن هذا التفسير من 25 جزءاً، اختصّ الجزء الأخير بفهارس الموضوعات.

ولد العلامة السيد محمد حسين فضل الله سنة 1354هـ في النجف الأشرف، وشرع منذ نعومة أظفاره بقراءة الأدب العربي في أروقة ومدارس مدينة النجف الدينية، وتدرج بعد ذلك في المراحل الدراسية، وأفاد من جملة من الأساتذة والعلماء، ومنهم:

1ـ والده السيد عبد الرؤوف فضل الله؛ إذ كان قد أتمّ عنده دروس المنطق والبلاغة واللمعة.

2ـ السيد الخوئي، وقد حضر عنده بحث الخارج.

3ـ السيد محسن الحكيم، وهو من كبار مراجع النجف آنذاك، وكان العلاّمة فضل الله قد حضر بحث الخارج عنده أيضاً.

للعلامة فضل الله مؤلَّفات عديدة في الفقه ومختلف القضايا الفكرية المعاصرة، منها: «فقه الشريعة»، وهو رسالته العملية؛ و«آراء في المرجعية الشيعية»، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات لجملة من الكتّاب مع مقدمة له في هذا الموضوع؛ و«آفاق الروح في أدعية الصحيفة السجادية»، وهو شرح لمضامين الصحيفة السجادية.

يضاف إلى ذلك مؤلَّفات أخرى ودراسات عامة، منها: الحركة الإسلامية، وتأملات إسلامية حول المرأة، وقراءة جديدة لفقه المرأة الحقوقي، وقضايانا على ضوء الإسلام، وفي رحاب أهل البيت^، وفي رحاب دعاء الافتتاح، وحديث عاشوراء.

(d)     المبادئ العامة للمنهج التفسيري عند السيد فضل الله

تناول العلامة في مقدمة الطبعة الثانية جانباً من النظريات في أسلوبه القرآني البياني. وانطلق في ذلك من التساؤلات التالية:

1ــ «هل القرآن كتاب مغلق اللغة والمفاهيم، بحيث يحتاج إلى أهل خبرة واختصاص لجلاء معانيه وسبر أغواره أم هو كتاب موضوع للناس كافة، بحيث يمكن لكل إنسان أن يقاربه وفق قدراته وإمكاناته الثقافية، فيرى فيه العامة مآربهم والعلماء تطلُّعاتهم؟ ومن ثم ما هي قصة المحكم والمتشابه والظاهر والباطن وغيرها من المصطلحات ذات الارتباط الوثيق بمقاربة القرآن قراءة وتفسيراً؟ وكيف ينطلق القرآن في حديثه عن أشخاص معينين؟ هل هو بمعنى التعيين الذي يتجمد عندهم أم هو بمعنى النموذج الأمثل؟»([1]).

وقد أثار البعض حول هذه التساؤلات جدلاً واسعاً، حتى زعم بعضهم أنه لابدّ في فهم معنى النص القرآني من الرجوع إلى أهل البيت^، وذهب آخرون إلى نسبة معانٍ متعددة لكل كلمة قرآنية، في حين اعتمدت المجموعة الثالثة من الآراء على النصوص الروائية في تبني الرأي القائل بأن معظم آيات القرآن نزلت في أهل البيت^ وأعدائهم، بالإضافة إلى قسم محدود يتعلق بالقصص التأريخية وآيات الأحكام.

أما مفسِّرنا العلامة فضل الله فقد وصف هؤلاء بأنهم يحاولون إخراج القرآن من صفته ككتاب مبين أنزله الله حجة على عباده([2]).

(e)      أبجديات العمل التفسيري

رأى العلامة فضل الله أنه من الضروري جدّاً التركيز على هذه النقطة المحورية: «من أين ينبغي أن ننطلق في فهم القرآن الكريم؟» ثم لفت في الإجابة عنها إلى جملة مسائل أساسية، هي:

1ــ «عربية» القرآن. وهي حقيقة ثابتة أكدت عليها جملة من الآيات، منها: ما ورد في سورة يوسف، الآية 2([3]).

2ــ لا تقتصر عربية القرآن على البعد اللغوي والقواعد وحسب، بل المسألة أبعد من ذلك بكثير، وتمتد إلى الأسلوب العام في البيان القرآني، أي إن الخصائص الفنية في الخطاب القرآني وتداعيات النزول ـ وهي خارجة عن المدلول الحرفي للكلم القرآني ـ جميعها يخضع لمؤدى لغة القرآن العربية؛ إذ قد يحتمل البعد التاريخي في القرآن مفهوماً أكبر بكثير من المعنى اللفظي المجرد، فيعم بظلاله على دائرة أوسع من المفاهيم. ويمكن تسمية هذه الظاهرة القرآنية بـ «الفهم العرفي» أو «الذوق العرفي» في النص القرآني([4]).

3ــ علاوة على ذلك تحظى مسألة الوضوح في الدلالة القرآنية بأهمية قصوى أيضاً؛ أي سواء على صعيد الاستعمال الحقيقي أو المجازي فلابد أن يكون المعنى المفهوم واضحاً تماماً، ولابد أن تكون عبارة القرآن نفسه واضحة أيضاً. وعليه لا يبقى مجال لعمليات التعقيد اللفظي والمعنوي في الاستعارة والكناية أو بنية الجملة. وهذا ما تدل عليه الآيات التي تصف القرآن بالبيان والتبيان، من قبيل: (الآية 46 من سورة النور)، و(الآية 55 من سورة الأنعام)، و(الآية 26 من سورة النساء). ومفاد هذا أن القرآن لم يتكلم بأساليب الرمز والأحجية أبداً، وعليه لا يمكن قبول معطيات الفهم المبتعدة عن السياق العام والأسلوب القرآني المتداول في الخطاب وبيان المواضيع؛ لأن هدف القرآن هو تيسير الفهم على الناس، لا أن يكون المراد غير المعنى الظاهري دون وجود قرينة داخلية أو خارجية. بناء على ذلك تتعزز مكانة حجية الظواهر القرآنية وتبرز لنا أهميتها أكثر من ذي قبل([5]).

ذكر السيد فضل الله في مقدمة الطبعة الأولى([6]) أسباب كتابة هذا التفسير فقال: «إننا لم نكتب هذه الأبحاث في البداية كمحاولة تفسيرية جديدة، بل كانت دروساً قرآنية تلقى على مجموعة من الطلاب المؤمنين المثقَّفين من أجل خلق وعي قرآني يركز على الوعي الإسلامي على قواعد ثابتة لا مجال فيها للاهتزاز وللانحراف؛ لأننا نشعر أن الثقافة القرآنية تعتبر العنصر الأساس لأي عمل إسلامي تغييري على صعيد الفكر أو على صعيد الواقع… ولا نريد لهذه الكلمة أن توحي بالانتقاص من السنة كمصدر ثانٍ…([7])، فإن الحديث يعتبر الصورة التفصيلية للمفاهيم القرآنية العامة، ثم إن سند القرآن قطعيٌّ بخلاف السنة.

كما أكد في مقدمة الطبعة الثانية على نقطتين أيضاً، هما:

1ـ لا تحجيم لآيات كتاب الله بالزمان أو المكان أو حتى الأشخاص المعنيين بالنزول، أما سبب النزول فهو مجرد مبدأ ومنطلق الآية الأول([8]).

2ـ يرى العلامة فضل الله أن دلالة النص القرآني ـ وعلى الرغم من مصبّها في اتجاه معين ـ تحمل في طياتها تلميحات إلى معانٍ أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار وحدة المعنيين على صعيد النتائج التطبيقية، أو أن لكلا المعنيين منفذاً واحداً، وهذا النفوذ من معنى إلى آخر هو معنى التأويل، فهو في الواقع عبارة عن الاستعانة بمعنى حقيقي في استخراج معنى آخر. وهذه هي الآلية المتبعة في تفسير العديد من الآيات على لسان الأئمة، من قبيل: رواية الإمام الباقر× ردّاً على من سأل عن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً(المائدة: 32) فقال×: «من حرق أو غرق، قلت: فمن أخرجها من ضلال إلى هدى؟ فقال: ذلك تأويلها الأعظم»([9]).

لقد اعتمد العلامة فضل الله في تفسيره على أسلوب جديد يقدِّم فهماً مبتكراً وقراءة جديدة للنص القرآني، وهذا ما صرح به شخصياً، متفائلاً في الوقت ذاته أن يكون تفسيره هذا سبباً وحافزاً للأمة الإسلامية لأن تحيي مفاهيم القرآن في شتى مجالات الحياة الاجتماعية، وأن تؤمن بفاعليتها، فتطبقها بغية نيل سعادة الدنيا والآخرة([10]).

(f)       العلامة فضل الله والعلوم القرآنية

(g)      1ـ رأيه في المحكم والمتشابه والظهر والبطن والتأويل

تطرق العلامة فضل الله لهذه المفردات في موضعين: أحدهما في مقدمة تفسيره؛ والآخر عند تفسير الآية 7 من سورة آل عمران. وإليك بيان المفردات الأربع متسلسلة:

(h)     الظهر والبطن القرآني

للمفسرين نقاشات موسعة حول باطن القرآن أو بواطنه؛ فمنهم مَنْ قال بأن بطون القرآن هي نفسها معانيه المتعددة في الألفاظ. وقد ردوا على سؤال إمكانية استعمال اللفظ في أكثر من معنى وعدمها بقولهم: في القرآن طبقة واحدة من المعاني والفهم تخص العوام، كما أن فيه طبقات للخواص. وقد رد السيد العلامة على ذلك بقوله: «ولكن القرآن يتحدث عن الناس كلهم، عندما يتحدث عن الآيات التي يبينها لهم: لعلهم يتذكرون، ويتفكرون، ويعقلون، فلا يختص بجماعة دون جماعة، ما يفرض أن الفكرة الظاهرة من القرآن هي الفكرة التي يريد الله للناس أن يحملوها ويتحركوا في تفاصيلها الفكرية والعملية، مع اختلافهم في طبيعة المستوى الذهني في استيعاب خصائصها، كغيرها من الكلمات العربية البليغة التي يختلف الناس في فهم مداليلها، تبعاً لاختلاف ثقافتهم»([11]).

من جهة أخرى ثمة تباين بين تعدد المعنى المراد من الكلمة في سياق ما والأسلوب المعروف عند العرب. كما أن هذا سيُسهم في تجويف مفهوم الكلام والإخلال ببلاغة القرآن، ومن ثم الإخلال بإعجازه الفني([12]).

فضلاً عن هذا ما هو المغزى أن يكون للقرآن معنى خفيٌّ في صدور الراسخين في العلم؟ وما هي معطياته؟ فإذا كان قبول كلامهم بدافع كَونهم حجج الله، وأن كلامهم حجة في الكشف عن أسرار الدين، إذاً ما هي الحاجة إلى أن نقول: إن للقرآن بطوناً، وننسب بلوغها إلى علم الأئمة؟ بل مجرد أن يقول الأئمة بأن مراد الآية هذا المعنى المحدد فهو يكفي حتى وإن لم يكن هذا المعنى من مداليل اللفظ. بناءً عليه لاداعي في تبرير كلام الأئمة في ما يتعلق بمعاني القرآن الباطنية لأن نقول: لكل لفظ معان متعددة في وقت واحد وفي الجملة الواحدة([13]).

(i)        ما هي حقيقة الباطن والظاهر في القرآن؟

يعتقد العلامة فضل الله بأن باطن القرآن هو ـ في الواقع ـ ذلك المفهوم العام الشامل لجميع مصاديقه. ولابد في فهم هذه الفكرة التنبه إلى ضرورة العمل بالمنهج المناسب والعلمي في فهم الأحاديث التفسرية المروية عن الأئمة. ففي مجال الأحكام الشرعية واستنباطها من الروايات يكون التعبد هو الأساس؛ أي قد نعمل بأحاديث غير صحيحة السند؛ لأن منهج العمل بالأحكام مبني على التعبد، ولا مجال لطرح الآراء الفردية والاجتهادات([14])، أما في ما يتعلق بمسائل العقائد والوجود وإيجاد الكون أو تفسير القرآن الكريم فلابد أن نتوصل إلى مرحلة القطع واليقين أو ما هو في حكم اليقين. فنحن هنا لسنا في صدد الواجب الشرعي، وإنما هدفنا هو اتخاذ قرار فكريّ تجاه مختلف المفاهيم الموجودة في الكون، فنلتزم به. وتتجلى أهمية هذه المسائل إذا علمنا أن الضعف في العقيدة وأسس الدين العامة أكثر خطراً على كيان الإسلام من الضعف الطارئ على بعض الشرعيات في الأحكام([15]).

يبدو من خلال تقديم هذه الملاحظة بأن العلامة فضل الله يعتزم غلق الأبواب في وجه السيل العارم من الأحاديث ضعيفة السند، تلك الأحاديث التي تمسك بها المتصوفة والعرفاء والفلاسفة وآخرون، كلٌّ بحسب ما يحمل من توجهات، كي يفتح له باباً بوجه الاستنتاجات غير الظاهرية وذات الرؤية الباطنية في قراءة النص القرآني. ومن هنا يقول العلامة: «…لأن اللفظ حالة صوتية بسيطة توحي بحالة ذهنية مماثلة في ما هو المألوف من الطريقة في اللغة العربية. لذلك لابد من استنطاق هذا المصطلح على أساس إرادة المعنى الواحد الذي تختلف طريقة فهمه تبعاً لاختلاف ثقافة الإنسان الذي يعيه في معرفته بخصائص الأشياء، تماماً كما يتصور بعض الناس الشمس من خلال شكلها البارز يشكل سطحي، بينما يتصورها بعض آخر من خلال عمق تكوينها وطبيعتها وآثارها بشكل عميق… في الوقت الذي تتمثل فيه القضية في معنى واحد مختلف الجوانب»([16]).

إذاً يعتقد السيد فضل الله أن باطن القرآن هو في الواقع ذلك المفهوم العام المنطبق على مصاديق عديدة، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، أما الظاهر فهو ذلك المعنى الجزئي المنطبق على المصاديق في عصر النزول. وقد روي هذا المعنى عن الإمام الباقر×، حيث قال الراوي: «سألت أبا جعفر× عن ظهر القرآن وبطنه؟ فقال: ظهره الذين نزل فيهم القرآن، وبطنه الذي عملوا بأعمالهم، يجري فيهم ما نزل في أولئك».

وفي رواية أخرى عن الباقر× أيضاً وصف فيها الظهر والبطن كوجهين لعملة واحدة، فقال: «منه ما مضى، ومنه ما لم يكن بعدُ، يجري كما تجري الشمس والقمر»([17]).

إذاً ليس للفظ الواحد سوى معنى واحد، غير أن هذا المعنى قد يصدق بمرور الزمن على مصاديق متعددة.

وتأسيساً على ما تقدَّم يمكن أن نقول في التأويل بأن تأويل الآية ليس هو إرادة معنى آخر في ظل معنى اللفظ الظاهر، وإنما هو استنباط واستلهام معنى آخر من ظاهر اللفظ؛ لأن استعمال العرب يقضي بوضع معنى لكل لفظ، وإن استنتاج معنى آخر من هذا المعنى الوضعي ـ لوجود العلاقة ـ هو التأويل في حد ذاته، من قبيل: تفسير الإمام المعصوم قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(عبس: 24)، فأوّل «الطعام» هنا بـ «العلم». إذاً من الممكن توظيف الإلهام القرآني في التفسير؛ أي الانتقال من آية إلى عوالم أخرى ومعان ثانية، وتوجيه النظرة من مجتمع عصر نزول القرآن إلى المجتمعات التي تنتهج مسار القرآن في المستقبل، وبذلك يتم خلق الترابط بين المجتمعات، وهذا هو معنى ديمومة وفاعلية كتاب الله في كل زمان ومكان([18]).

وقد تطرق المؤلف كذلك إلى هذه الموضوعات في معرض حديثه عن الآيات 7 ـ 9 من سورة آل عمران([19])، فكتب عن مجريات السياق والمحيط العام للآيات يقول: «فقد نلاحظ في ما سبقها من آيات أن الحديث انطلق في سياق اعتبار الكتاب الذي أنزل على رسول الله هدى للناس…، ما يجعله مبيناً لكل المفاهيم الأساسية التي ذكرت في التوراة والإنجيل… أما في الآيتين اللتين بعدها فنلاحظ أن هناك دعاءً ينبع من أعماق الروح التي تعيش الإحساس بالقلق على القلب أن يزيغ في ما يمكن أن يثار أمامه من شبهات في المفاهيم التي يقررها الكتاب… ما يوجب السير في طريق الضلالة»([20]).

(j)        المحكم والمتشابه

تنقسم الآيات القرآنية إلى مجموعتين:

إحداهما: ما كان واضح المعنى والدلالة لفظاً ومفهوماً، وهي المحكمات.

أما المجموعة الأخرى: فهي تلك الآيات التي يكتنف مفهومها نوع من الغموض والتعقيد؛ إما من ناحية طبيعة اللفظ أو طبيعة المعنى، وهي المتشابهات.

ويبدو من سياق آية «الراسخون في العلم» أن هؤلاء الأفراد يتمتعون ببصيرة ربانية كاشفة ونظرة عميقة، فهم لا يحكمون بشيء إلا عن معرفة وتدبُّر، ولا يفسِّرون الآيات إلا عن تفكُّر ودراية([21]). فالراسخون في صدد استخراج مفاهيم الآيات الأساسية، ومقارنة سائر المفاهيم بها، وتقييمها وفقاً لمعيارها بطريقة لا تتغاير مع الأسلوب المتَّبع وقواعد اللغة العربية. من هنا رأى السيد فضل الله أن الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ حرف عطف([22])، وأن حضور جملة «الراسخون في العلم» دليل على كونها عاطفة؛ لأنه لو كانت صفة الراسخين محددة بالاعتراف بأن القرآن جميعه من عند الله لما كان ذلك أمراً مستغرباً وبحاجة إلى تأكيد وإثبات؛ لأن جميع مَنْ آمن بالله يعلم ويعترف بأن القرآن وحي إلهي، ولا داعي للتنصيص على هذا المطلب([23]).

لكن لو كانت الواو عاطفة لأمكن أن نقول بأن الآية تفيد أن رسوخهم في العلم كان سبباً في تدبُّرهم في القرآن، وكشف حقائقه، ومعرفة النظم والانسجام الكائن بين الآيات. وعليه فهم يؤمنون بكونها منسجمة المعنى والدلالة فيما بينها، ولا تناقض بين أية واحدة منها([24]).

إن معنى الإيمان بصدور جميع القرآن من عند الله هو بمثابة الكشف عن حقيقة ذاتية توصل إلى معرفتها الراسخون في العلم، وهي أن للقرآن هدفاً جاء من أجله. ثم لو كان تأويل الآيات من مختصّات الله فما هو دوره في هداية الناس حينئذ؟ أي لو كان الباري عز وجل يريد من إنزال الآيات المتشابهات أن يؤمن الناس بها، ويأخذوا الجانب الصحيح منها وردّ ما سواه، إذاً فماذا سيكون دور التأويل المختص به ـ عز وجل ـ في توجيه الناس وإرشادهم نحو الصواب، وتجنيبهم الخيار الخاطئ؟

لقد أكد العلامة فضل الله على أن التأويل هو إرجاع الشيء إلى مصدره وحقيقته الأصيلة؛ لكن لا على الطريقة الرمزية في التفسير الباطني، وإنما وفقاً للتفسير الذي يحتوي على تناسب وعلاقة راسخة بين اللفظ والمعنى. وبعبارة أخرى: يمكن أن يكون التأويل عبارة عن فهم دلالي لأجواء الآية العامة، أي الظروف التي نزلت فيها وهذا الفهم تابع لأصول وملاكات المعنى في عصر النزول، من قبيل: فهم الإمام× وتفسير الآية ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(عبس: 25)، وكذلك العديد من الروايات التي تصف القرآن بالليل والنهار، دائم التجدد والاستمرارية([25]).

كما يرى المؤلِّف أن تشابه الآيات وغموضها إنما هو من قبيل تأرجح المعنى بين الحقيقة والمجاز، أمثال: الآيات التي وصفت استواء الرب على العرش، والنظر إليه([26])، وأن معنى إحكام الآيات هو أننا لو نظرنا إلى جميع آيات القرآن الكريم من منظار منسجم وموحَّد لوجدنا أن كل آية مؤيدة ومؤاتية للآيات الأخرى، بحيث يفسِّر بعضها البعض حتى نصل في خاتمة المطاف إلى نتيجة قطعية من جميع الآيات([27]). وهذا ما يشير إليه مفهوم التشابه في بعض الآيات، مثل: قوله تعالى: ﴿كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ(الزمر: 23)، أي اتحاد الآيات في غاية بيان الحقائق وتقديم المعارف، وتتجلى صورة هذا التشابه في الانسجام اللفظي والمعنوي في العديد من الآيات القرآنية، وما يلاحظ فيها من دقة المعنى، ووحدة مستوى البلاغة، بحيث تجدها أيضاً يفسِّر كلُّ قسم فيها القسم الآخر([28]).

يقول العلامة فضل الله في تفسير جانب من الآية 7 من سورة آل عمران: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: «تؤكد [الآية ] أن هناك من لا يؤمن بالكتاب، ويحاول إضلال الناس البسطاء باستغلال المتشابه من أجل فتنتهم عن دينهم وتأويله لمصلحة عقائدهم الباطلة»([29]).

إذاً فهو يرى أن التأويل المستعمل في النص القرآني هو بمعناه اللغوي. ومعلوم أن جذر الكلمة هو «أَولَ»، أي الرجوع إلى أصول الأشياء، فهو الرجوع الدائم إلى أصول الكلمات والأحداث عن طريق تحصيل جذورها الأولية في عالمها الواقعي. بناءً عليه فقد يستخدم الإنسان كلمة خفية المغزى، فإذا عمدنا في فهم مراد المتكلم إلى إرجاع تلك الكلمة إلى معناها ومفهومها الأصلي، أي مراد المتكلم حقيقة، أو أرجعنا الكلمة إلى المصداق الذي قصد المتكلم، فنحن عملنا في جميع الأحوال بالتأويل، ويمكن القيام بهذه العملية تماماً في أداء ما للكشف عن الهدف الواقعي لدى صاحب الأداء، من قبيل: ما جاء في قصة النبي موسى والخضر’ حين اصطلح الخضر على الغاية الكامنة وراء أفعاله الغامضة بالتأويل([30]).

وهذا الكلام منطبق أيضاً على الرؤيا وتفسيرها، فما  يقع في المستقبل هو تجسيد عملي لحقيقة تلك الرؤيا في المنام، وقد يكون إرجاع الرؤيا إلى الماضي وما حصل فيه، فإن تم الإرجاع بشكله الصحيح كان تأويلاً لتلك الرؤيا([31])، من قبيل: تأويل النبي يوسف× رؤيا السجناء معه([32]).

(k)      2ـ رأيه في الإعجاز القرآني

قبل الخوض في قراءة رأي السيد فضل الله في هذا الموضوع نعرج على ذكر جانب من «وجوه الإعجاز القرآني» كما ورد في كتابات علماء التفسير والبلاغة، كي تتضح لنا نظريته جلياً.

من جملة ما قيل في إعجاز القرآن هو موضوع «الصرفة». وينص هذا الرأي على أن سر الإعجاز القرآني ليس في نصه، وإنما هي الإرادة الإلهية في سلب قدرة منافسة الكتاب المجيد، وهذا ما أعجز الناس عن الإتيان بمثله. ومن القائلين بهذه النظرية أبو إسحاق النظام وعيسى بن صبيح وآخرون. وقد تعرَّضت نظرية الصرفة لنقود عديدة من قبل علماء الدين عبر التاريخ([33]).

أما سائر النظريات الأخرى فيمكن تصنيفها في حقلين، هما:

(l)        أ ـ البنية الخارجية للنص القرآني

تكشف لنا بنية القرآن الظاهرة عن خصائص متفردة تميزه عمّا سواه. وإليك أقوال المفسرين وأرباب الأدب:

1ـ هناك من قال باستعمال الفنون الأدبية في الآيات، ومخارج الحروف، وموسيقي بعض المفردات، كسيبويه وابن دريد([34]).

2ـ عزا بعض العلماء سر الإعجاز إلى تخيير الألفاظ وانتقائها، كالزمخشري والراغب، ومن المعاصرين: بنت الشاطئ، فقالوا بأن هذه الصفة من مختصات القرآن([35]).

3ـ من العلماء أيضاً من نسب الإعجاز إلى عنصر بلاغة الآيات وإيجازها والنظم والأسلوب المنفرد في القرآن، كأبي عبيدة قاسم بن سلام وأبي هلال العسكري([36]).

4ـ كما ذهب علماء اللغة ـ كالسكاكي ـ إلى القول بتقنيات الوصف المنضوية على التشبيهات القرآنية المتفردة([37]).

5ـ أيضاً هناك مَنْ أكَّد على التوظيفات الاستعارية والكنائية والتمثيلية في القرآن، أمثال: الزمخشري، والطبرسي، والطباطبائي([38]).

(m)   ب ـ تفرُّد المعارف القرآنية والنبيّ الأمّي

من وجوه الإعجاز القرآني أننا لو دققنا في الحقائق العلمية الواردة في القرآن حول أسرار الخلق والكون لوجدناها غاية في الدقة والمصداقية، أو من قبيل المعارف والقيم المتعالية التي ذكرها القرآن بأساليب رائعة، مثل: القرآن وفلسفة التاريخ، والإنسان في الرؤية القرآنية، فلو أمعنّا النظر والتأمُّل فيها لاتّضح لنا مغزى الإعجاز وحكمة الوحي اللامتناهية([39]).

هنا نعود إلى صلب الموضوع، ونحاول تسليط الضوء على رأي العلامة فضل الله في الإعجاز القرآني من خلال الآيتين 23 و24 من سورة البقرة، فقد تطرق في معرض تفسيره الآيتين إلى الجوانب المختلفة في سائر الآيات القرآنية، منها: أن القرآن في هاتين الآيتين بلغ ذروته في التحدي؛ إذ ركز على روح الحماسة لدى العرب، فأثارها بأقصى ما يمكن، فجاء التحدي القرآني على مراحل، حين دعا المشركين في بادئ الأمر إلى الإتيان بمثل القرآن دون تحديد للمقدار (الإسراء: 88)، ثم خفض التحدي إلى عشر سور فقط (هود: 13 ـ 14)، حتى بلغ التحدي في هذه الآية من سورة البقرة إلى سورة واحدة، ومعلوم أن التحدي بسورة قصيرة، كالكوثر، لم يكن أمراً بعيد المنال على فصحاء المشركين.

بذلك يكون القرآن قد أسقط من المشركين جميع الحجج، وأثبت لهم أن هذا القرآن ليس من صنع البشر أبداً، كي يتمكنوا من منافسته([40]).

يعتقد العلامة فضل الله أن الإعجاز البياني في القرآن هو السر في التعجيز والتحدي، فكتب يقول: «إنه الإعجاز البياني الذي تصل فيه الناحية التعبيرية في الكلمة إلى أعلى مستوى من الفنّ والروعة والأداء، بحيث تلحظ كل الجوانب المحيطة بالكلمة، وبالموقف، وبالإنسان في الامتداد الرحب للحياة، من دون أن يتغلب جانب على آخر، بل هو التناسب والتوازن في الحركة والحرف والأسلوب والروح المتدفق بالحياة، المنساب بالسحر والروعة والقوة والجلال.

…لكننا هنا من أجل أن نؤكد حقيقة قرآنية ملموسة، وهي أن أي تحليل أو تصوير للقرآن في معانيه وأسراره، أو أيّ بحث للأسرار البلاغية الكامنة في كلماته وآياته، لن تستطيع أن تجسد الحالة الروحية والشعورية والفكرية التي تغمر الإنسان وهو يقرأ القرآن أو يستمع إليه؛ لأن القضية ليست قضية المقاييس الفنية للجمال الأدبي، بل هي الروح الغامضة الرائعة المنسابة في الحروف والكلمات والمعاني والأسلوب، فإنك تشعر بها وهي تتصاعد في مشاعرك…»([41]).

كما أكد العلامة فضل الله على ضرورة انسجام التحدّي وإبداعات المجتمع. وعلى ضوء ذلك نفهم كيف كانت معجزة موسى× التي تحدَّت إبداع السحرة بإعجاز السحر، وكيف كانت معجزة عيسى× التي تحدت عظمة الطب بإعجاز تتضاءل أمامه كل قوانين الطب وقواعده، أي إحياء الموتى([42]).

ثم انتقل العلامة فضل الله إلى الآراء المتعددة في الإعجاز القرآني: فقال: «قد يجد الكثيرون من المفسرين أن الإعجاز القرآني لا يقتصر على الجانب البياني، فيذكرون معه الإعجاز العلمي؛ لاشتمال القرآن على الإشارة إلى بعض القضايا العلمية التي لم يكتشفها الإنسان إلاّ بعد وقت طويل»([43]).

وقال: «وقد يذكرون ـ إلى جانب ذلك ـ الإعجاز الغيبي، من خلال إخبار القرآن بالمغيبات، كشاهد على إعجاز القرآن (الروم: 1 ـ 4)؛ ومنهم من ذهب إلى القول بالإعجاز العددي الذي يعتمد على اكتشاف التناسب العددي في ألفاظ القرآن…، من قبيل: التساوي في عدد مرات ذكر الملائكة والشياطين، والدنيا والآخرة([44]).

يعتقد العلامة فضل الله بوجود أسلوبين في قضية إثبات صدق النبي| وصدق القرآن، هما:

الأول: الأسلوب الذي يعتمد على الحوار الهادئ والاستدلالي مع المشركين. وهذا هو الأسلوب الغالب في القرآن. وفيه نجد القرآن يعمل على إفحام المشركين بطريقة استدلالية، من قبيل: ما ورد في الآية 103 من سورة النحل؛ والآية 48 من سورة العنكبوت؛ والآية 5 من سورة الفرقان؛ والآية 82 من سورة النساء؛ والآية 52 من سورة الشورى؛ والآية 16 من سورة يونس([45]).

الثاني: أسلوب التحدي. وعلى ضوء ذلك نجد أن التحدي القرآني لم ينطلق إلا في إطار الجو الذي يملك المشركون أمر التحرك فيه، وهو الجانب البياني. وعليه فإن التحدي القرآني هو من طراز الأسلوب الثاني، ويمكن تعريفه وفق هذا الأسلوب تماماً.

أما الجانب العلمي والغيبي فهو من الجوانب التي تنهض دليلاً على صدق القرآن في إطار الأسلوب الأول… وليس في إطار التحدي؛ لأن التحدي لا يعني شيئاً في المجال الذي لا يملكون أمر المعرفة له، فقد يكون لهم أن يعتذروا بعدم الاختصاص، فيقولون: ليس لنا القدرة على علم الغيب، فهي سالبة بانتفاء الموضوع، بل يطارحهم القرآن حواراً هادئاً ومنطقياً يقول فيه: إذا آمنتم بالغيبيات القرآنية آمنوا إذاً بصدق قائلها([46]).

ومن هنا لا يمكن أن تكون قضايا العلم والغيب مجالاً للتحدي، وإن كانت دليلاً على صدق رسالة الرسول‘، فلابد أن يكون التحدي منسجماً مع قدرات المخاطب وظروفه الزمانية والمكانية وأجواء النزول وإمكاناته العلمية([47]).

إذاً فالإعجاز البياني هو وحده الحاضر على ساحة التحدي القرآني للمشركين. ومن هنا نفهم أن الإعجاز البياني هو رأي العلامة فضل الله في سر الإعجاز القرآني.

(n)     منهجية العلامة فضل الله في تفسير الآيات الفقهية

للتعرف على منهجية السيد فضل الله في التعاطي مع آيات الأحكام نسلط الضوء هنا على تفسيره آيتين من سورة البقرة (180ــ 252) في الجزء الرابع من كتابه. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الآيات تناولت مسائل فقهية من قبيل: أحكام الصيام في شهر رمضان، القصاص، الحج وأحكامه، حكم الأشهر الحرم، مواضيع النساء والطلاق.

وقد ركز المؤلّف هنا على النقاط التالية:

أـ لقد فسَّر الآية بطريقة واضحة جداً، دون الخوض في تفاصيل المصطلحات الفقهية المعقّدة. لذا إذا كنا في صدد فهم الآيات الفقهية ـ فهماً إجمالياً ـ مع استيعاب الأبعاد والمغزى فيمكننا الاعتماد بشكل وافٍ على هذا التفسير.

ب ـ تطرق السيد فضل الله بشكل محدود ـ دون إطناب ـ إلى الاختلاف في الروايات والآراء بين الشيعة والسنة([48]).

تعليقاً على تفسير قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ(البقرة: 180) ينقل العلامة فضل الله عن الرسول الأكرم‘ قوله: «لا وصية للوارث»، ويتناول في هذا السياق رأي السيد الخوئي في هذه الرواية، وكذلك التعارض الحاصل بينها وبين النصّ القرآني، حيث ناقش السيد الخوئي صحة السند ودلالة المتن في النقاط التالية:

1ـ إن الرواية لم تثبت صحتها، والبخاري ومسلم لم يرضياها.

2ـ إنها معارضة بالروايات المستفيضة عن أهل البيت^ الدالّة على الجواز.

3ـ إن الرواية لو صحت، وسلمت عن المعارضة بشيء، لا تصلح لنسخ الآية؛ لأنها لا تنافيها في المدلول، غاية الأمر أنها تكون مقيّدة لإطلاق الآية، فتختص الوصية بالوالدين إذا لم يستحقّا الإرث لمانعٍ، وبمن لا يرث من الأقربين. وإذا فرض وجود المنافاة بينها وبين الآية فقد تقدم أن خبر الواحد لا يصلح أن يكون ناسخاً للقرآن([49]).

ج ـ يقول العلامة فضل الله بنسخ بعض آيات الأحكام، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً(البقرة: 240). وقد نسخت هذه الآية بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْراً(البقرة: 234). واستدلّ على ذلك أيضاً برواية عن الإمام الصادق×([50]).

د ـ حرص المؤلف على ذكر الجوانب التربوية في سياق جميع آيات الأحكام، محاولاً الكشف عن البعد الإرشادي والتعليمي داخل هذه الآيات، بما ينفع حياة الإنسان اليومية.

ومثال ذلك: استطراده في معرض الحديث عن الارتداد إلى سائر الجوانب الإسلامية في التعامل مع قضية الارتداد([51]).

ويمكن ملاحظة هذه الإشارات بوفرة من خلال عناوين الكتاب الفرعية، من قبيل: (الدلالات)، و(الإيحاءات)([52]).

هـ ـ مما يُحسَب لهذا التفسير تجنُّبه الخوض في تفاصيل البحوث الفقهية المعقّدة في آيات الأحكام([53]).

لقد استعرض المفسِّر فضل الله كيفية مبايعة النساء للرسول| في هامش تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(الممتحنة: 12)، حيث تفيد الشواهد التاريخية بأن القوم جاؤوا إلى الرسول| بعد فتح مكة، رجالاً ونساء، يطلبون مبايعته، وهذا هو سبب نزول الآية بالتحديد، فدعا الرسول| بطشت من ماء، فأدخل يده فيه، ثم أخرجها، فقال: أدخلن أيديكن في هذا الماء، وهكذا تمَّت مبايعة النساء له.

ويقول العلامة فضل الله: وقد استفاد الفقهاء من هذه الرواية ومن أمثالها حرمة مصافحة المرأة الأجنبية للرجل الأجنبي([54]).

لقد أضفت هذه الصفة على تفسير (وحي القرآن) مسحة خاصة، حتى وإن كان الموضوع يخص تفسير آيات الأحكام، قياساً بما جاء في المؤلفات الأخرى والتفاسير الفقهية.

و ـ ثمة تفاوت بين رأي العلامة فضل الله ورأي السيد الخوئي في ما يخص حجية خبر الواحد وشرط العمل به، فكما نعلم لا يؤيد السيد الخوئي العمل به إلا إذا كان جميع رواته ثقات، ويرفضه إذا كان واحد منهم غير ثقة. ولهذا يعد السيد الخوئي في طليعة المتأخِّرين المتمسكين بخبر الثقة.

وفي المقابل هناك جماعة قالوا بحجية الخبر الموثوق به، ومعظهم من علماء قم، أمثال: السيد البروجردي، والإمام الخميني، وتلامذة البروجردي في الوقت الحاضر. وينص رأي هؤلاء على أنه ليس فقط خبر الرواة الثقات حجة، بل كل خبر يحصل معه الاطمئنان العقلائي ـ عبر الطرق المعتبرة ـ بصدوره عن المعصوم×، حتى لو كان الضعف يعتري بعض رواته، علماً أن هؤلاء العلماء قد وضعوا شروطاً وقرائن في قبول الخبر.

أما العلامة فضل الله فهو مصنَّفٌ على جماعة الرأي الأخير، وخالف بذلك رأي أستاذه الخوئي. ولطالما ذكر هذا الموضوع في طيّات تفسيره، وأكد على أننا لا نعتمد خبر الثقة وحده، بل نقول أيضاً بحجية الخبر الموثوق به، وهو حجّة لدينا؛ لأن المعيار الأساسي في حجّية خبر الواحد هو بناء العقلاء، وهم يثقون بما يستبعدون كذبه.

وقد ناقش السيد العلامة رأي البعض، ممَّن استدل بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا على إثبات حجية خبر العدل دون غيره، فقال: «وبذلك نستطيع أن نعتبر القضية دائرة مدار الوثاقة في النقل، لا مدار الالتزام بشكل عام وعدمه، بعيداً عن مسألة الوثاقة وعدمها، بحيث يكون الأساس هو فسق الناقل في ما يشمل مسألة الكذب، لا في ما يبتعد عنه، كما في الناس الذين لا يلتزمون الحكم الشرعي في حياتهم العامة والخاصة، ولكنهم يلتزمون الصدق بشكل عام…، لذا لا يمكن وصفهم بالعدول([55]). لم يخُضْ السيد فضل الله هنا في تفاصيل البحث الأصولي، وأوكل ذلك إلى كتب الأصول([56]).

ز ـ تضمن تفسيره الآيات الفقهية إشارات إلى الحكمة والفلسفة الوجودية والاجتماعية في مغزى الأحكام الشرعية، محاولاً تقديم علل مقبولة تسهل التفاعل مع المفاهيم الفقهية. فجاء ـ مثلاً ـ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (البقرة: 232): «فإن هذه المسألة [حرية ما بعد الزواج] ليست هي كل شيء في خط الفكرة، بل هي جزء من الخط العام الذي يمنح المرأة الحرية في الاختيار بما يتصل بحياتها الخاصة، فليس لأحد من أقربائها، ولا لأي شخص من رموز المجتمع التدخل فيها…»([57]).

ح ـ لطالما أكد السيد فضل الله ـ في معرض حديثه عن أسباب نزول الآية ـ على قاعدة أساسية، وهي أنه لا ينبغي التنظير للحكم الشرعي عن فراغ، بل لابد أن يتم ذلك ضمن واقع المجتمع الإسلامي الحاكم؛ وذلك لأن الموضوع على صلة مباشرة في صقل فهمنا للقانون الإسلامي([58]).

ط ـ أحياناً ما يتطرق أيضاً في تفسير الآيات الفقهية إلى نقد آراء الفقهاء، من قبيل: مناقشته آراء الشهيد الصدر في أحد المواضيع الفقهية([59]).

(o)     منهجية العلامة فضل الله في تفسير قصص القرآن

كما نعلم فقد تضمن النص القرآني قصصاً عديدة، نحتاج في استيعابها إلى مجال أوسع من المقال الحالي. لذا سنختار هنا نموذجاً واحداً، هو أولى القصص القرآني، أي قصة خلق آدم×. ويمكن خلال نظرة عامة على تفسير (من وحي القرآن) في هذا الموضوع استخلاص مميزاته في النقاط التالية:

1ـ هل القصة واقعية تكشف عن حوار حقيقي بين الله وبين الملائكة أم هو أسلوب قرآني لتقريب الفكرة بطريقة الحوار، يوظف الرمزية والمجاز بدلاً من الحقيقة؛ إذ خلف كل رأي هنا تبعات ولوازم استعرضها أصحابها على مرّ التاريخ في تفاسيرهم للقرآن الكريم؟ وقد أكد العلامة فضل الله أيضاً على ضابطة في فهم النص القرآني وشرحه بقوله: «إن الطريقة العقلائية في المفاهيم تقضي بأن الظواهر الكلامية حجّة ما لم يكن هناك دليل عقلي يمنعنا من الأخذ بها». وقد جرى القرآن على هذه الطريقة في أسلوبه، فلابد لنا من السير عليها في ما نأخذه أو ندعه، فإذا أخبرنا بوجود حوار ضمن قصة، ولم يك هناك مانع عقلي من الإقرار به، يلزمنا الإقرار به، واعتباره حقيقة واقعة، وليس أسلوباً رمزياً([60]).

بعد تبني الرأي الأول في خصوص قصة آدم× تطرأ جملة أسئلة، منها:

هل كان الله ـ سبحانه ـ في مقام استشارة الملائكة في ما يريده من خلق هذا الخليفة أم كان في مقام إخبارهم بذلك؟ ولابد من رفض الشقّ الأول..؛ لبطلانه؛ لأنه يستلزم القول بجهل الباري ـ عز وجل ـ، أما إذا أخذنا بالشق الثاني فكيف نفسِّر اعتراض الملائكة عليه؟ هل هو اعتراض على إرادة الله؟ يقول العلامة فضل الله في الرد على ذلك: «ربما تكون القضية واردة مورد التساؤل، أما الإخبار… فإن طبيعة الموضوع تدفع للتساؤل عن سرّ الحكمة فيه…، فكيف يخلق الله مخلوقاً ليكون خليفة في الأرض»([61]).

أما الفكرة الثانية ـ أي القول برمزية هذه القصة ـ فذلك لأن الحوار القرآني مع المخلوقات ينطلق غالباً من القضايا التي تتعلق بمسؤولياتهم وتكاليفهم، أما أن يكون متمثِّلاً في الأمور التكوينية التي يريد الباري إيجادها فهذا ما لا نعرف له وجهاً. بناءً عليه يمكن تحديد هدف هذا الحوار في التحدي وإظهار عجز الملائكة، حيث يبدو أن حوارات الله مع المخلوقات في الجوانب التكوينية إنما هي على سبيل المجاز، ويتضمن أهدافاً غير معرفتهم بالأمور([62]).

وقد استقرب العلامة فضل الله الفرض الثاني، أي اعتبار الموضوع أسلوباً قرآنياً لتوضيح الفكرة، لكن لم يجزم في الوقت ذاته بذلك؛ لأن المعطيات التي قدمها لا تدع مجالاً للجزم، بل يقول: إنه ربما نلتقي ببعض الأحاديث المأثورة التي تدعم الفرضية الأولى. كما أنه لم يغفل مسألة أخرى، وهي أن ما قاله في الفرضية الثانية لا يقف عائقاً أمام حمل الحوار على الظاهر؛ لأن هناك العديد من حقائق العالم وما وراء الطبيعة التي لا نزال نجهلها ولا نتوصل إليها خلال الأزمنة المتمادية([63]).

2ـ القضية الأخرى التي تبرز إلى الواجهة في تفسيره هذه القصة هو الرفض القاطع لما يتناقله بعض المتفلسفين من أن إبليس موحّد حقيقي، بل متيم بالتوحيد الإلهي، فقالوا: إنه رفض السجود لآدم انطلاقاً من رغبته في توحيده العبادة لله، فلا يريد أن يشرك أحداً في السجود له([64]). فردّ العلامة فضل الله بأمرين:

أـ إن فكرة إبليس كموجود حيّ ليست من الأفكار التي تخضع للحسّ؛ لتدخل في نطاق التجربة؛ لنملك أمر التصرف في تفاصيلها من خلال تجاربنا الذاتية، بل هي من الغيب الذي عرَّفنا الله إياه في ما عرّفه لأنبيائه من أمور الغيب.

وفي هذا الإطار لابد لنا من أن نأخذ ملامحها وتفاصيلها من النصوص الدينية، لا أن نعتمد على الاجتهادات الشخصية([65]).

إذا رجعنا إلى النصوص الدينية فسنجدها لا تقتصر على رفض إيمان إبليس، بل تصفه بالرجيم والمتكبّر المتمرِّد عل الأمر الإلهي، ثمّ إن السجود لآدم لا ينافي التوحيد ـ كما زعم المتفلسفون من أنه رفض السجود رغبة في رفض الإشراك ـ، بل السجود هنا هو تجلٍّ لعمق الإيمان، واعتراف بحكمة الله الواحد الأحد([66]).

كما ينتقل العلامة فضل الله إلى بحث الشجرة المحرَّمة، فيقول: «ليس هناك برهان ثابت على نوعية هذه الشجرة، فالنصوص المأثورة تذهب في هذا المورد مذاهب شتّى، فمنها ما يرى أنها شجرة الحنطة أو التفاح، من خلال التفسير المادي لها، ومنها ما يرى أنها شجرة العلم والمعرفة… وهذا هو الجانب المعنوي من التفسير»([67]). وهنا يرى العلامة أنه ليس ملزماً بسرد الظنون والاحتمالات أمام القارئ، كما أنه يرفض بضرس قاطع تلك التأويلات المفتعلة على يد بعض المتصوِّفة وأهل الباطن.

(p)     «من وحي القرآن» من منظار آخر

تناولنا في الصفحات السابقة جوانب من التفسير، على شاكلة السرد والتقرير،  أما الآن فمن المناسب مناقشة المحتويات، وتقييم التفسير بشكل عام. لذا سنقسِّم الموضوع هنا إلى ثلاثة أقسام، هي:

(q)     أـ الخصائص العامة

1ـ مصادر التفسير اللغوية: اعتمد العلامة فضل الله في تفسيره على مفردات الراغب الإصفهاني، بحيث يمكن أن نقول: إنه يشكِّل المصدر الأول في النقل والاستشهاد عنده([68]).

2ـ يعتمد العلامة في موضوعة أسباب النزول ـ بشكل كبير ـ على كتاب أسباب النزول لأبي الحسن بن علي بن أحمد الواحدي النيشابوري(468هـ)([69]).

3ـ يستطرد العلامة بين الفنية والأخرى إلى نظريات بعض المتكلمين، فيحلِّلها وينتقدها إن لزم الأمر، من قبيل: آراء الشيخ المفيد الكلامية([70])، وآراء أبي علي الجبائي([71]).

4ـ في النقل الروائي نجد المؤلِّف كثيراً ما يُرجع إلى البحار، حتى وإن كان يذكر في النصّ حديثاً عن الكافي([72]).

5ـ ورد في نص التفسير أيضاً مصادر أخرى، من قبيل: مجمع البيان، والميزان([73]). وكذلك تفسير الأمثل، والبيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي([74]). يضاف إلى ذلك المصادر التالية: تفسير الكشاف([75])؛ الدر المنثور([76])؛ البرهان في تفسير القرآن([77])؛ تفسير الطبري([78])؛ التفسير الكبير للفخر الرازي([79])؛ تفسير الكاشف([80])؛ تفسير القرآن الكريم لمحمد شلتوت([81])؛ في ظلال القرآن الكريم([82])؛  تفسير ابن كثير([83]).

(r)      ب ـ خصوصيات تفسير «من وحي القرآن»

1ـ تناول المواضيع التربوية واعتماد الأطر الإرشادية في القرآن. وهذا بلا شك أبرز ما يمتاز به هذ التفسير، بحيث إننا لو أردنا وصفه في جملة لقلنا فيه: «التفسير التربوي». ويقضي هذا العنصر بإحراز المواضيع التربوية في القرآن بأحسن ما يمكن، جاعلين من القرآن كتاب هداية وتعليم وتربية للفرد والمجتمع.

ولعله يمكن القول ـ وفقاً لهذه المعطيات ـ: إن تفسير من وحي القرآن يحتل مكانة مرموقة في البعد التربوي بين التفاسير القديمة والحديثة، وإنه من أفضل المصادر في استحصال الشواخص التربوية من الآيات القرآنية. فحتى في الآيات الفقهية ـ التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن المواضيع التربوية ـ نجد العلامة فضل الله يستعرض ويستخرج منها المواعظ والعبر الهادفة بشتى الأشكال([84]).

2ـ نظراً إلى كون هذا التفسير وليد العقود المتأخِّرة، وجاء لاحقاً لبعض التفاسير، أمثال: الميزان، والبيان، والأمثل، نجده كثيراً ما يتطرق إلى نقد هذه التفاسير الثلاثة وما جاء فيها من نظريات، ولاسيّما تفسير الميزان؛ إذ لم يكن مؤلف (من وحي القرآن) مقلّداً لنظريات صاحب الميزان ـ كما هو حال العديد ممّن يصنف في عداد الباحثين ـ، بل شوهد في مناسبات كثيرة ينتقد ويشكل على نظريات الميزان. لذا نرى من الضروري أن نراجع إلى جنب الميزان انتقادات العلامة فضل الله أيضاً، فهذا من صالح البحث والتحقيق الناجح. كما أنه يستشهد كثيراً بتفسير أستاذه الخوئي (البيان)، ولطالما سحب بعض آرائه إلى طاولة النقد والتقييم.

3ـ يحسب لهذا التفسير معاصرته للسجالات الفكرية وما يطرحه المفكِّرون الجدد من شبهات حول بعض الآيات. لذا نجد العلامة فضل الله حريصاً على مناقشاتها ونقدها بما ينساب. ويضاف إلى ذلك أيضاً اهتمامه بالاكتشافات العلمية المتزايدة، والمسهمة إلى حدٍّ كبير في فهم بعض الآيات العلمية في القرآن الكريم. وهذا أيضاً من معطيات المعاصرة.

4ـ يضاف إلى مميزات هذا التفسير الهامة عنايته البالغة بأجواء النزول، والسياقات المترتِّبة على الآيات، الأمر الذي قلّ نظيره في التفاسير الأخرى. فغالباً ما يصدِّر العلامة فضل الله تفسيره لكل سورة بعناوين دالّة، مثل: «الأجواء العامة للسورة»، أو «في أجواء السورة»، أو «وقفة مع بعض خصوصيات السورة». وفيها يتناول ظروف نزول السورة ومقتضياتها الزمانية والمكانية، وكذلك السمة العامة لمدلولاتها، دون الخوض والتركيز على الجزئيات([85]). ويعدّ في ذلك أفضلية لهذا التفسير على غيره من التفاسير في وقتنا الحاضر.

(s)      ج ـ النواقص والسلبيات

نستنتج من التحليل العام للتفسير وجود بعض النواقص، منها:

1ـ على الرغم من تقييم حضور البعد التربوي، وتصنيفه ضمن إيجابيات التفسير، لكن في المقابل كانت غلبة هذا البُعد سبباً في إغفال جوانب أخرى. فعلى سبيل المثال: نزل القرآن عربياً مبيناً، وكان من أبرز نقاط قوته بلاغته وتفنناته الأدبية العديدة، والتي تم استعمالها بين طيات الآيات والمفردات القرآنية. لكننا نجد العلامة فضل الله قد أجحف بحق هذه الخصوصية القرآنية. وكان كاتب هذه السطور قد تصفح بعض أجزاء الكتاب، ودقَّق في بعض زواياها، دون العثور على ذكر للجانب البلاغي أو العناصر الأدبية، ولو بشكل عابر. ومعلوم أنه لا يمكن التنازل في مثل هذا الكتاب عن هكذا نقص، وغضّ الطرف عنه.

2ـ اكتفى صاحب التفسير ـ في شرح مفردات القرآن وكلماته ـ بلمحات مقتضبة. ونحن نعلم أن المفردة القرآنية غاية في الاكتناز والثراء، فضلاً عمّا تحمله من دلالة خاصة بها في كل موضع ومقام. وكان ينبغي للمفسِّر تحليل الألفاظ وبيان مجرياتها من حقيقة المعنى أو مجازه، وبيان الفروق بين ذلك المعنى والألفاظ المترادفة والمعاني المشتركة. ثم إن تعاريفه اللغوية لم تكن دقيقة في بعض الأحيان، ولا تتمتع بالعمق المطلوب في كل تفسير. ففي تعريف «النفث» ـ مثلاً ـ اكتفى بقوله: «شبيه بالنفخ»([86])، ولا شك أن هذا النوع من التعريف لا يروي ظمأ الباحث، وإن كان يوصل جانباً من المفهوم لكل قارئ، فالباحث يطلب معرفة أساس معنى «النفث»، وما هو مغزاه؟ وبماذا يختلف عن «النفخ»؟ وكيف كانت العرب تستعمل اللفظة؟

والحال أننا لا نرى أجوبة في تفسير العلامة فضل الله عن هذه التساؤلات ونظائرها.

3ـ جاءت بعض بحوثه التفسيرية على غير اكتمال. وأحياناً ما تغيب الإشارة إلى بعض الشبهات المذكورة في الروايات التاريخية في ما يخص الآية موضع التفسير.

فعلى سبيل المثال: لم ترِد الإشارة في تفسير المعوذتين إلى قضية ذات مدخلية في الموضوع، وهي هل كان الرسول| مسحوراً أم لا؟([87])، في حين أننا نعلم أن هناك من الروايات ما ينص على أن الرسول| كان مسحوراً، وكان حريّاً بالمؤلف التطرُّق لهذه المواضيع وتقييمها.

4ـ يضاف إلى ما ذكر مسألة أخرى، وهي أن العلامة فضل الله ـ في تفسيره ـ غالباً ما يحيل إلى مصادر الروايات بالواسطة، حتى يحصل أحياناً أنه ينقل رواية الكافي من صاحب الميزان، والحال أنه كان من السهل الإحالة إلى الكافي مباشرة([88]).

(t)       د ـ إيجابيات أخرى

1ـ تجنب استعراض عشرات الآراء والسجالات، والعديد من الفرضيات، مما ابتُلي به العديد من التفاسير، كالطبري ومعظم التفاسير السنية؛ إذ يكاد هذا النوع من الاستطراد يكون معدوماً في تفسير «من وحي القرآن». على أن هذه الظاهرة حاضرة أيضاً في العديد من التفاسير الشيعية أيضاً، فكانت النتيجة ضياع القارئ في صحراء الأقوال والاحتمالات، دون بلوغ حدود معنى الآية، فهكذا قال ابن عباس، وهكذا كتب الفخر الرازي، وهكذا ارتأى الطبري، كما أصر الزمخشري على هذا الرأي، وهذا رأي…، وصولاً إلى مقولة صاحب الميزان. وهنا يسأل القارئ: إذاً أين معنى الآية؟ هذا سؤال غالباً ما يبقى بلا جواب، حتى يظن القارئ بأن الله ـ عز وجل ـ كان في صدد طرح الأحاجي والألغاز.

علماً أن هناك مَنْ يعتقد أن هذه الظاهرة إنما هي مزية في التفسير الجيد، الذي يحاول استيعاب جميع الاحتمالات، وإضافة رأي آخر إلى دائرة الأقوال المزدحمة جداً، في حين أريد من التفسير الكشف وتقديم الحلول، وليس الإبهام والتشويش.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه النقطة كانت منذ البداية شاغلاً ملحّاً لأفكار السيد فضل الله، ولدينا العديد من الشواهد على ذلك ممّا يضيق بها مجالنا الحالي.

2ـ يتجنب العلامة فضل الله الوقوع في ورطة الحدس والتخمين في المواضيع التي يتوفر فيها سبيل إلى العلم بالحكم القطعي، ويكتفي بذكر أهم الآراء فيها، مع التذكير بانتفاء الحاجة إلى البحث والتنقيب وتكبد العناء في المواضيع التي لم يطلب منا الله البحث عنها، ولم يكلفنا باكتشافها، من قبيل: البحث فيما إذا كان الإنسان أفضل من الملائكة أم لا؟([89]). لذا نجد المؤلف يعقِّب على ذكر بعض الآراء في المسألة ضمن صفحة أو أكثر بصعوبة التوصل إلى رأي قاطع، فيقول: «لذا يحسن أن نترك أمرها إلى الله…، ولم يكلِّفنا معرفتها».

وقد سبقت الإشارة إلى رأي العلامة فضل الله في الشجرة المحرَّمة، حين أوكل العلم بها إلى أصحاب العلم والمعرفة([90]).

 3ـ اشتمال التفسير على فهرسة موضوعية لجميع المواضيع، وردت في الجزء الأخير (الخامس والعشرين). وهذا أيضاً ممّا يحسب لتفسير العلامة فضل الله؛ فهو عمل نادر يسهل من مهمة الباحث في التوصل إلى ما يرومه من مواضيع.

4ـ من المزايا الأخرى في هذا التفسير عنونة البحوث التفسيرية تحت كل آية.

الهوامش

(*) باحث في الحوزة العلمية، من إيران.

([1]) تفسير «من وحي القرآن» 1: 5.

([2]) انظر: المصدر السابق 1: 6.

([3]) المصدر نفسه.

([4]) المصدر السابق 1: 7.

([5]) المصدر السابق 1: 8.

([6]) مقدمة الطبعة الأولى أكثر إيجازاً من مقدمة الطبعة الثانية؛ وهذا ما دعانا لأن نبدأ من المقدمة الثانية بدلاً من الأولى، لاسيما وأن مقدمة الطبعة الثانية جاءت سابقة حسب ترتيب الجزء الأول.

([7]) تفسير «من وحي القرآن» 1: 23.

([8]) المصدر السابق 1: 26.

([9]) المصدر السابق 1: 15.

([10]) المصدر السابق 1: 27.

([11]) المصدر السابق 1: 9.

([12]) المصدر السابق 1: 10.

([13]) المصدر نفسه.

([14]) ولهذا لابدّ هنا من التخلي عن تمسُّكنا بحيثيات السند والمتن.

([15]) تفسير «من وحي القرآن» 1: 11.

([16]) المصدر السابق 1: 10.

([17]) المصدر نفسه؛ بحار الأنوار 89: 61.

([18]) تفسير «من وحي القرآن» 1: 16.

([19]) المصدر نفسه.

([20]) المصدر نفسه.

([21]) المصدر السابق 5: 220.

([22]) المصدر نفسه.

([23]) المصدر السابق 5: 221.

([24]) المصدر نفسه.

([25]) المصدر السابق 5: 224.

([26])  المصدر نفسه.

([27]) المصدر السابق 5: 226.

([28]) المصدر نفسه.

([29]) المصدر السابق 5: 228 ـ 229.

([30]) المصدر السابق 5: 233، الكهف: 78 و82.

([31]) المصدر السابق 5: 233.

([32]) يوسف: 6 و21.

([33]) محمد باقر سعيدي روشن معجزه شناسي: 118، مركز نشر پـﮊوهشگاه فرهنگ وأنديشه إسلامي، ط1، 1389.

([34]) المصدر السابق: 133.

([35]) المصدر السابق: 137.

([36]) المصدر السابق: 151.

([37]) المصدر السابق: 163.

([38]) المصدر السابق: 167.

([39])المصدر السابق: 170.

([40]) تفسير «من وحي القرآن» 1: 174.

([41]) المصدر السابق 1: 177.

([42]) المصدر السابق1: 178.

([43]) المصدر السابق1: 180.

([44]) المصدر السابق 1: 181.

([45]) المصدر السابق 1: 183.

([46]) المصدر السابق1: 184.

([47]) المصدر السابق 1: 186.

([48]) انظر على سبيل المثال: المصدر السابق 4: 10.

([49]) المصدر السابق 3: 10.

([50]) المصدر السابق 4: 369.

([51]) المصدر السابق 4: 201.

([52]) المصدر نفسه.

([53]) انظر على سبيل المثال: المصدر السابق 3: 201، أو 22: 171.

([54]) المصدر السابق 22: 171.

([55]) المصدر السابق 21: 141.

([56]) الآية 6 من سورة الحجرات في تفسير «من وحي القرآن» 21: 140 ـ 141.

([57]) المصدر السابق 4: 324.

([58]) انظر في ذلك: 4: 304.

([59]) المصدر السابق 22: 106.

([60]) المصدر السابق 1: 224.

([61]) المصدر السابق 1: 225.

([62]) المصدر السابق 1: 226.

([63]) المصدر نفسه.

([64]) المصدر السابق 1: 241.

([65]) المصدر السابق1: 242.

([66]) المصدر السابق 1: 243.

([67]) المصدر السابق 9: 250.

([68]) انظر جميع الأجزاء من تفسير «من وحي القرآن» ومنها: 22: 40، 63، 307.

([69]) انظر جميع الأجزاء من تفسير «من وحي القرآن» ومنها: 22: 67، 161.

([70]) انظر: تفسير «من وحي القرآن» 2: 147.

([71]) انظر: المصدر السابق 2: 161.

([72]) انظر: المصدر السابق 1: 133و137؛ 24: 332؛ 22: 179.

([73]) المصدر السابق 1: 118؛ 24: 333.

([74]) المصدر السابق 21: 43 و46.

([75]) المصدر السابق 22، 300؛ 4: 118.

([76]) المصدر السابق 22: 208؛ 4: 273.

([77]) المصدر السابق 22: 106.

([78]) المصدر السابق 4: 316.

([79]) المصدر السابق 16: 47.

([80]) المصدر السابق 16: 321؛ 3: 60.

([81]) المصدر السابق 1: 45.

([82]) المصدر السابق 24: 45.

([83]) المصدر السابق 24: 273.

([84]) انظر: المصدر السابق 11: 307؛ 8: 143؛ 2: 98.

([85]) المصدر السابق 10: 7؛ 24: 451.

([86]) المصدر السابق 24: 491.

([87]) المصدر السابق 24: 491 ـ 504.

([88]) انظر مثالاً على ذلك: المصدر السابق 22: 106، 165، 170، 171، 241، 269.

([89]) المصدر السابق 14: 183.

([90]) انظر أيضاً: المصدر السابق 24: 496.