التراث القرآني للشيخ معرفت

6 يونيو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
124 زيارة

التراث القرآني للشيخ معرفت

دراسةٌ تحليليّة ونقديّة

د. علي المعموري(*)

ترجمة: حسن علي مطر

نبذةٌ ــــــ

يعمد الكاتب إلى استعراض أنواع التراث القرآني للشيخ معرفت، ويعمل على تنظيمها ضمن ثلاث مجموعات:

1ـ الدراسات القرآنية: التمهيد، وشبهات وردود.

2ـ التفاسير الموضوعية: تنزيه الأنبياء، وأهل بيت النبيّ، وولاية الفقيه، والمجتمع المدني.

3ـ التفسير الترتيبي: الجامع الأثري.

كما رأى الكاتب أن أهمّ الخصائص المنهجية للشيخ معرفت تكمن في ما يلي:

1ـ مواجهة التقليد، واحترام الشكّ.

2ـ الاهتمام بالماهيّة البشرية للمعرفة.

3ـ تجنُّب النزعة الدوغماتية.

4ـ أصالة النقد.

5ـ الحياد العلمي.

مقدّمة ــــــ

يعتبر الأستاذ محمد هادي معرفت من علماء الدين الإيرانيين الناشطين في مجال العلوم القرآنية.

وهو من أوائل وطلائع العلماء الشيعة الذين أقبلوا على الدراسات القرآنية بشكلٍ مستقلّ، وعلى نطاق واسع. وقد ترك الكثير من الأعمال والمؤلَّفات في هذا المجال.

إن أهمّ ما يميِّز الأستاذ معرفت من سائر المفسِّرين والمحقِّقين الشيعة في مجال الدراسات القرآنية اهتمامه الخاص بمباحث علوم القرآن، بعد أن كان يتمّ بحثها عادةً بشكلٍ متفرّق في المصادر الكلامية، وأصول الفقه، ومقدّمات التفاسير، وعلى هامش بعض الآيات. من هنا يمكن القول: إن سماحته قد لعب ـ بنحوٍ ما ـ دوراً جوهرياً في هذا المجال، وفتح نافذة التحقيق والبحث في مختلف مسائل العلوم القرآنية في الحوزة العلمية، وعمل على توسيعها والتفصيل فيها.

وسوف نسعى في هذه المقالة إلى تقديم تقرير توصيفي ـ تحليلي للمؤلَّفات القرآنية التي تركها هذا العالم المعاصر، ثمّ نعمل بعد ذلك على إعادة قراءة هذه المؤلَّفات من ناحية المنهجية العلمية، ليصار بعد ذلك إلى تقييمها وتحليلها تحليلاً نقدياً.

ولا أرى حاجةً إلى القول بأن انتقاداتي لا تقلِّل أبداً من قيمة وأهمِّية المؤلَّفات القرآنية لهذا العالم الكبير. وإن الهدف من مقالتي هذه هو مجرَّد إثراء وتطوير الدراسات القرآنية.

 

معرفة أنواع الأعمال القرآنية ــــــ

يمكن تنظيم الأعمال القرآنية للشيخ معرفت ضمن ثلاث مجموعات:

 

1ـ دراسات العلوم القرآنية ــــــ

ومن أبرزها: كتاب التمهيد، حيث يمكن اعتبار هذا الكتاب من أكثر الكتب التي ألَّفها علماء الشيعة في مجال العلوم القرآنية تفصيلاً، بل ربما كان هو الكتاب الأول الذي يصنّف مُفْرَدَاً في هذا المجال بشكلٍ مستقلّ.

لقد تعرّض كتاب التمهيد إلى المسائل التقليدية في علوم القرآن، مع التأكيد على المباحث الكلامية، حيث يسعى المؤلِّف، من خلال الردّ على النظريات المخالفة، إلى الاهتمام بالآراء الجديدة في مجال مسائل الكلام الجديد وفلسفة الدين أيضاً. وقد أفرد فصلاً مستقلاًّ لبعض المسائل، من قبيل: لغة القرآن.

وبالإضافة إلى ذلك نجد في الكتاب الآخر، الذي كتبه المؤلِّف تحت عنوان: «شبهات وردود» بشكلٍ مستقلّ، مجموعة متنوِّعة من الانتقادات الكلامية حول الاتجاهات التفسيرية الحديثة التي تسعى إلى توظيف أساليب ومعطيات فلسفة الدين، والكلام الحديث، والهرمنيوطيقا، والديموغرافيا، وتاريخ الأديان، في مجال فهم القرآن.

 

2ـ التفاسير الموضوعية ــــــ

لقد كان الأستاذ معرفت من أشدّ المدافعين عن التفسير الموضوعي. بل إنه لا يرى في هذا النوع من التفسير مجرَّد نوع مختلف في تدوين المباحث المختلفة عن التفسير الترتيبي فحَسْب، بل يرى فيه، بدلاً من الغوص في أعماق بحار الآيات القرآنية المتلاطمة، منطلقاً تفرضه الحاجة الواقعية للإنسان في كلّ مرحلة من مراحل التاريخ، حيث يتمّ اللجوء إلى النصّ والبحث من خلاله عن الإجابة التي تلبّي تلك الحاجة. وقد أدّى هذا التوجُّه بسماحته إلى التأكيد ـ من خلال تدوين التفاسير الموضوعية ـ على الموضوعات الجديدة والمُستحْدَثة، ويبدي ميلاً أكبر إلى موضوعاتٍ من قبيل: تنزيه الأنبياء، وأهل بيت النبيّ، وولاية الفقيه، والمجتمع المدني.

 

3ـ التفسير الترتيبي المختلف ــــــ

وذلك في كتبه التي ألَّفها في السنوات الأخيرة من عمره.

إن تفسيره «الأثري الجامع» يختصّ في تقسيمٍ عامّ بالتفاسير الروائية في مقابل التفاسير الدرائية، حيث جعل من كلّ تفسيرٍ نقليّ قاعدةً لعمله.

يعتبر تأليف مثل هذا التفسير فريداً في نوعه؛ وذلك لأن التفاسير الروائية السابقة كانت تقتصر على خصوص الروايات المأثورة عن النبي الأكرم، أو أنها تضيف إليها روايات الصحابة والتابعين والمفسِّرين الأوائل، أو روايات الأئمّة فقط، ومن ناحيةٍ أخرى يتمّ التأكيد فيها على نقل وتقرير الروايات، وقلَّما نجد فيها اهتماماً بالناحية التحليلية لهذه الروايات. هذا في حين أن كتاب «التفسير الأثري الجامع» يعمل على التفسير النقلي على نطاقٍ واسع، ويعتمد على كلّ نوعٍ من أنواع النقل، الأعمّ من المأثور عن النبيّ الأكرم أو الصحابة أو التابعين والمفسِّرين الأوائل وأئمّة الشيعة وأقوال اللغويين وما إلى ذلك. وبالإضافة إلى النقل نجد في «التفسير الأثري الجامع» اهتماماً خاصّاً بالنقد والتحليل.

 

الخصائص المنهجية في مؤلَّفات الأستاذ معرفت ــــــ

لقد أظهر الشيخ محمد هادي معرفت اهتماماً كبيراً بالأسس والقواعد العلمية في البحث والتحقيق. وبالإضافة إلى مجموع المباحث النظرية في مجال منهج التحقيق في الدراسات القرآنية، فقد عمل على تطبيق هذه الأسس والقواعد في مؤلَّفاته أيضاً.

وفي ما يلي نذكر أهم القواعد والأسس التي حظيَتْ باهتمام سماحته:

 

1ـ مكافحة التقليد واحترام الشكّ ــــــ

إن أكبر آفة تعترض التحقيق تتمثَّل في التأثُّر بالآخرين، وتوسيع دائرة التقليد في العمل التحقيقي. إن على المحقِّق أن لا يتبنى أيّ رؤية سابقة على نحوٍ قاطع، وأن يتعامل مع المسائل ويباشر حلَّها بحياديّةٍ مطلقة. إن البحث العلمي يبدأ بالشكّ والترديد في جميع المتبنيات السابقة. ولكي يصل إلى اليقين عليه أن لا يقلِّد أيَّ رؤيةٍ أو أيَّ شخصية، مهما ارتفعت مكانتها أو بلغت قداستها. إن البحث والتحقيق مسار عقلي تامّ، لا مكان للنقل فيه أبداً.

وممّا قاله الشيخ معرفت في هذا الشأن: «لا مكان للتقليد في المضمار العلمي، سواءٌ في الفقه أو في العلوم القرآنية… وفي الأساس لا بُدَّ من النظر إلى كلّ شيء بعين الشكّ والريبة؛ لأن جميع المعطيات العلمية السامية قد انفتقت عن الشكّ والترديد. وإن الشكّ هو الذي يدفع بالإنسان ناحية البحث والتحقيق القيِّم، بل لا بُدَّ من الترحيب حتّى بشكوك الآخرين؛ لأن الكثير من المسائل تقع مورداً للغفلة، ولا يُلتَفَت إليها إلاّ بعد إثارة الشبهات حولها»([1]).

يبدو من هذه العبارة أن رؤية سماحته إلى الشبهة رؤية تتمحور حول التحقيق الحيادي بشكلٍ كامل. إن سماحته لا يرى في الشبهة مجرَّد اعتراض يجب العمل على ردّه وإبطاله، بل إن الشبهة من وجهة نظره قد تكون في بعض جوانبها واردةً ومقبولة بشكلٍ كامل، وإنها قد تؤدّي في الواقع إلى إصلاح معلوماتنا وعقائدنا.

الأمر الآخر: إننا قد نحتاج في حلّ مسألة إلى الكثير من الدراسات، التي قد تستغرق الكثير من الأعوام في البحث والتحقيق.

في مواجهة التساؤلات العلمية لا يصحّ الفرار منها، ولا التعاطي معها بغير واقعية.

ولا ينبغي محو صورة المسألة من الذهن، ولا التسرُّع في الوصول إلى الإجابة عنها، فقد تمضي سنوات متمادية على اختلاج أسئلةٍ في ذهن الباحث، ويعمل على اجترارها؛ لتغدو معدّةً للهضم والفهم. وقد تحتاج بعض التساؤلات إلى دراساتٍ تمتدّ لعدّة أجيال؛ لنصل عبر تراكم هذه الدراسات إلى الإجابة المناسبة عن تلك الأسئلة.

إن دراسة المسار التاريخي للأفكار، يضع أمامنا نماذج كثيرة من هذه الأسئلة، التي لم يتمّ التوصل إلى الإجابات المناسبة لها إلاّ بعد مضي سنوات متمادية، وبعد تعاقب الكثير من الأجيال عليها.

وإن مسألة المعاد الجسماني هي من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث بدأت من اعتقاد في غاية البساطة، واستمرّت لتستقر على نظرية عميقة متمثّلة بالبدن البرزخي والمثالي التي صدع بها صدر المتألِّهين. ولا تزال الجهود مستمرّة في هذا الشأن حتّى الآن؛ للوصول إلى الجواب الكامل.

وإن من أكبر الأخطار في التعاطي مع الأسئلة العلمية هو السعي إلى فرض الإجابة عنها بأيّ شكلٍ من الأشكال، ومهما كلَّف الثمن. يقول الشيخ معرفت في هذا الشأن: «علينا أن لا نسمح لليأس بالاستحواذ علينا عند الوصول إلى النقطة الحَرِجة، ونقول: إن هذا المورد هو من الموارد الذي يجب فيه انتظار الظهور!… وبطبيعة الحال لا بُدَّ في المقابل من عدم التسرُّع. فقد سعيْتُ لثلاثة عقود، ولا زلتُ أحمل مثل هذه الموارد التي لم أذكرها حتّى لخاصّة أصدقائي، ولا زلتُ أنتظر العثور على حلولها»([2]).

 

2ـ الاهتمام بالماهية البشرية للمعرفة ــــــ

إن العلوم الدينية، من وجهة نظر الكثير من الأشخاص، تعتبر علوماً مقدّسة وما فوق بشرية، وإن القداسة المحيطة بالموضوع مورد البحث فيها تسري إلى ذات العلوم. في حين أن هذه العلوم هي ـ مثل سائر العلوم الأخرى في مجال الطبيعيات وغيرها ـ ذات ماهية بشرية، تسلك مساراً طبيعياً من الظهور والتكامل والتطوّر، وفي كل مرحلة قد نشهد تحوُّلاً أساسياً. يقول الشيخ معرفت في هذا الشأن: «أرى علم التفسير علماً بشريّاً، وأن الأشخاص هم الذين أوجدوا هذا العلم… وحيث يكون هذا العلم بشرياً فهو قابلٌ للتطوير والتعميق أيضاً»([3]).

وعلى هذا الأساس لا ينبغي فرض أيّ قداسةٍ لشخصية أو نظرية علمية على أحد، وإن الأرضية متوفِّرة لتحوُّل وتطوير العلوم الدينية دائماً، كما هو الحال بالنسبة إلى سائر العلوم الأخرى: «علينا أن لا نقف عند عقدة أن يتّفق الجميع مع منطقي. وليس هناك منظّر يرى القداسة لرأيه، وإذا كان هناك مَنْ يقدِّس رأيه فهو جاهلٌ»([4]).

إن النظرة التقديسية لهذه العلوم كانت من الأسباب الرئيسة في ركودها، وكانت من عوامل القضاء على الجرأة والشجاعة في مسار الاجتهاد والتحوّل العلمي. إن قداسة الله يجب أن لا تتحوَّل إلى تقديس الإلهيّات، وإن قداسة القرآن يجب أن لا تتحوَّل إلى تقديس التفسير والعلوم القرآنية. وبعبارةٍ أخرى: طبقاً للفصل والتفكيك المعرفي الشهير لا بُدَّ من التمييز بين مقولة الدين والمعرفة الدينية([5]). نعم، إن الدين مقدَّسٌ، إلاّ أن المعرفة الدينية لا هي مقدَّسة، ولا هي محطّة نهائية لا يمكن الذهاب إلى ما هو أبعد منها.

3ـ تجنُّب النزعة الدوغماتية([6]) ــــــ

إن من التَّبِعات المترتِّبة على تقديس المعرفة الدينية هي النزعة الدوغماتية التعسُّفية، التي تؤدّي إلى الحيلولة دون السماح بطرح الآراء الجديدة، والعمل على تطوير العلوم. فحيث تتوفَّر مختلف الأدوات المؤثِّرة في فهم القرآن، وحيث تكون كلّ واحدة من هذه الأدوات عرضة للتحوُّل والتطور، من الممكن أن يسري هذا التحوّل في كلّ لحظةٍ إلى فهمنا للقرآن أيضاً.

فعلى سبيل المثال: يسوق الشيخ معرفت مثالاً واضحاً في هذا الشأن، حيث يقول: «يذكر القرآن شخصية ذي القرنين. وقد قام بعض المفسِّرين بتوظيف علم التاريخ في التفسير من هذه الناحية، وقال: إن هذه الشخصية العالمية لعظمتها لا بُدَّ من أن تكون قد سجَّلت حضورها في التاريخ، ولا يمكن تطبيقها على غير الإسكندر المَقْدوني. بَيْدَ أن هناك من الأدلّة ما يثبت أن الإسكندر المقدوني لا يمكن أن يكون هو ذلك العبد الصالح الذي تحدَّث عنه القرآن بإيجابيةٍ؛ لأن الإسكندر المقدوني كان شخصاً شهوانيّاً ظالماً، وقد دعَتْه وحشيّته وهمجيّته إلى القضاء على جميع ما تمتلكه إيران من العلم والأدب والحضارة، وبذلك يكون قد خان البشرية، حيث حرمها من هذا الإرث الحضاري. ولكنّنا مع ذلك نجد الفخر الرازي لا يعير انتباهاً إلى هذه الحقيقة، ويصرِّح في تفسيره بأن ذا القرنين هو الإسكندر المقدوني. وفي الآونة الأخيرة عمد السيد أبو الكلام، من خلال تتبُّعه في نصوص التوراة ومطالعة التاريخ، إلى تطبيق ذي القرنين على كوروش الكبير. ولكنّنا نقول: حتّى في هذا المورد يجب القول: يحتمل أن يكون ذو القرنين هو كوروش، ولربما يأتي مفسِّرٌ آخر في المستقبل ويطبِّق ذا القرنين على شخصيّةٍ أخرى. وعليه إذا تمّ توظيف العلوم العقلية والنقلية البشرية، واتّخاذها أداةً لتفسير القرآن، يجب علينا عدم التخلّي عن كلمة «يُحتَمَل»، ولا بُدَّ من إضافتها إلى كلّ نتيجةٍ نتوصَّل إليها في تفسير القرآن الكريم»([7]).

من هنا نجد القرآن الكريم في تعاطيه مع مسائل العلوم التجريبية ـ ذات الماهية المتغيّرة ـ يلتزم جانب الاحتياط، وأحياناً يتجاوزه بإبهامٍ وغموض؛ تجنُّباً لحدوث ما يوحي بالتناقض والتضادّ مع أيّ واحدةٍ من النظريات العلمية. وقد تنبَّه الشيخ معرفت إلى هذه المسألة من خلال نقله لكلامٍ قاله سيد قطب، واعتبر ذلك مبنى للتفسير العلمي للقرآن، وذلك إذ يقول: «إن القرآن الكريم يتناول المسائل العلمية بشكلٍ مبهم؛ وذلك لأن القرآن يعلم واقع الأمور، ولكنّه مع ذلك لا يستطيع التصريح بهذا الواقع؛ إذ قد يخالف في ذلك ما توصَّل إليه العلماء في ذلك العصر عن طريق الخطأ، ومع ذلك يقطعون بأنه هو الحقّ، فيكون ذلك مدعاةً لتكذيب القرآن من قبلهم. من هنا يُؤْثِر القرآن عدم الدخول في هذه المعمعة، ويتجاوزها، حتّى لا يكون فيه ما يتعارض مع ما يتوصَّل له العلماء من الآراء والنظريات العلمية على طول التاريخ»([8]).

 

4ـ أصالة النقد ــــــ

تعود أسباب القفزة العلمية التي حقَّقها الغرب إلى تغيُّر نظرة العلماء والمفكِّرين إلى موضوع العلم. فقد كانت المعرفة في السابق عبارةً عن مجرّد مجموعة من التصورات والتصديقات المطابقة للواقع بحَسَب الفرض، وإن تطويرها يعني مجرّد اكتشاف موضوعات جديدة. وأما في العصر الحديث فقد تحوَّلت المعرفة إلى آلة نقدية. إن العالم والمفكِّر يعمل مثل أداة الحفر، فهو في عملٍ دائب ومستمرّ، حيث ينقِّب في أفكاره ونظرياته، وحتّى ذاته، ويُشْكِل على أدائه، ويعيد النظر فيها، ويعمد إلى إعادة صياغتها، وهكذا دواليك. وعليه فإن النقد ليس مجرّد مرحلة من مراحل المعرفة، بل هو ماهيّتها الرافعة لها([9]).

وقد أشار الشيخ معرفت إلى هذا الأصل الهامّ من خلال عبارةٍ يقول فيها: «لقد دعوتُ مراراً إلى ممارسة النقد وشحذ الفكر. عندما كانت مجلة كيهان أنديشه ترسل لي مقالات القرآن؛ لغرض إعادة النظر، وقعَتْ يدي من بينها على مقالٍ لطالب من جامعة الإمام الحسين×، أجرى فيها مقارنة بين رأيي ورأي السيد الخوئي، وقد شجب رأيي فيها. وقد رأيتُ أنه قد سار في مقاربته بشكلٍ متين جدّاً، وطِبْق الأصول والضوابط، فكتبتُ في تقييمي لها: إن هذه المقالة من أفضل المقالات في موضوع العلوم القرآنية، وذلك رغم قدرتي على دفع الإشكال؛ إذ إنّي كنتُ أهتمّ بالمنهج العقلي، دون المنهج النقلي»([10]).

ومن آرائه العلمية نقف على الكثير من الموارد التي شكّك فيها بشأن بعض الآراء المتَّفق عليها نسبيّاً، وبذلك مهَّد الأرضية لتوسيع رقعة المعرفة في ذلك الجانب. وإن الاهتمام بالأخطاء الإملائيّة في رسم المصحف يمثِّل نموذجاً بارزاً على هذا الادّعاء، في حين لم يسبق لأحدٍ، سوى النزر القليل، أن سمح لنفسه بامتلاك الجرأة والإشكال على رسم الخطّ القرآني، وكأنّ قداسة القرآن قد انتقلَتْ إلى كتابة كلماته، مع أن كتابة كلمات القرآن قد تمَّتْ على يد أشخاص من بني البشر يجوز عليهم الخطأ.

المثال الآخر على النزعة النقدية التي يتمتّع بها الشيخ معرفت يتجلّى في تعاطيه مع الروايات التفسيرية في كتابه «التفسير الأثري الجامع»، حيث تحدَّث في مقدّمته عن ضرورة النقد الجادّ للروايات التفسيرية. كما نلاحظ الكثير من حالات نقد الروايات في معرض تفسيره لسورة الحمد([11]).

 

5ـ الحياد العلمي ــــــ

إن من الآفات الأساسية التي تعاني منها العلوم الدينية تأثُّرها الكبير بالعقائد المذهبية والطائفية للأفراد، حيث إنها تحول ـ في الأعمّ الأغلب ـ دون تكوين منظومة معرفية حقيقية تجمع بين الأذهان الحيادية. ففي الأجواء الطائفية والمذهبية ينزع كلّ شخص إلى إقامة معرفته الخاصّة بمذهبه وطائفته، الأمر الذي يؤدّي إلى تبلور معارف بعدد المذاهب والطوائف، وربما تزيد عليها أحياناً، والتي تختلف فيما بينها في مناهج البحث ومعطياته وما إلى ذلك اختلافاً جَذْرياً.

وقد سعى الشيخ معرفت ـ ما أمكنه ـ إلى التخلُّص من هذه الآفة المنهجية والمعرفية، والعمل في دراساته من خلال رؤيته العابرة للطوائف والمذاهب ـ على نحوٍ نسبي ـ إلى توظيف آراء وأفكار ونظريات المذاهب والطوائف الأخرى أيضاً.

ويمكن لنا أن نرى النموذج البارز لهذه الخصيصة الإيجابية في كتابه «التفسير الأثري الجامع»، حيث تحدَّث فيه بجرأةٍ، ومن دون تعصُّب أو خشيةٍ من الاعتبار النسبي لروايات الصحابة والتابعين، وقال باعتبارها في فهم القرآن إذا اشتملت على التقارير العلمية المعتبرة([12]). كما استند إلى أقوالهم في معرض تفسيره لسورة الحمد كثيراً([13]).

 

الهوامش

(*) كاتبٌ سياسي، وباحثٌ في الفكر الديني، متخصِّصٌ في الفلسفة وعلوم القرآن والحديث.

([1]) فصلية بينات، العدد 44 (عدد خاصّ بتكريم الشيخ معرفت): 51.

([2]) المصدر السابق: 58.

([3]) المصدر السابق: 58 ـ 59.

([4]) المصدر السابق: 74.

([5]) لقد ظهر هذا التفكيك المعرفي تحت تأثير أفكار (كانْت). فإنه بعد اكتشاف المنافذ الذهنية أخذ يفصل بين مصطلحي الـ (noumen)، بمعنى ما لا يمكن إدراكه من طريق التجربة، والـ (phenomen)، بمعنى ما يمكن إدراكه من طريق الحسّ والتجربة. وبذلك عمل على إيجاد نسبة بين ما يقع في الخارج وبين ما يقع في الذهن. وعلى هذا الأساس قال بوجود فاصلة بين الواقعية الخارجية والتصور الذهني. وهذه الفاصلة لا يمكن التغلب عليها وحذفها أو إلغاؤها بالمطلق، وإنْ أمكن التحكم في قربها وبعدها. لا يمكن للإنسان أن يحيط بجميع الدين أبداً، ولكنْ بإمكانه أن يجتهد في إقامة نسبة تجعله أقرب منه. والنتيجة المنهجية المترتِّبة على هذا الفصل والتفكيك هو القول بأن مسار البحث والدراسة والتحقيق مستمرّ على طول الخطّ، ولا يمكن له أن يقف عند حدٍّ أو يصل إلى خط النهاية. للمزيد من الاطلاع على نظرية (كانْت) في هذا الشأن انظر: كتاب فلسفة نقادي كانْت، للدكتور كريم مجتهدي، انتشارات أمير كبير، الطبعة الثانية، طهران، 1378هـ.ش. وللتفكيك بين مقولتي الدين والمعرفة الدينية انظر: قبض وبسط تئوريك شريعت، لعبد الكريم سروش، انتشارات صراط، طهران؛ وكذلك انظر التقرير المختصر في هذا الشأن في مقالة: (نسبت هرمنوتيك وتفسير)، رواق أنديشه، العدد 14، بتاريخ: شهر بهمن، من عام 1381هـ.ش، وأيضاً: گلستان قرآن، سنة 1381هـ.ش.

([6]) (dogmatism): توكيد الرأي أو القطع به من غير مبرِّر يبيح ذلك.

([7]) فصلية بينات، العدد 44: 61.

([8]) المصدر السابق: 62 ـ 63.

([9]) لمزيدٍ من الاطلاع في هذا الشأن انظر: ميشال فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة وتحقيق: سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، دار البيضاء، 2005.

([10]) فصلية بينات، العدد 44: 74.

([11]) انظر على سبيل المثال: محمد هادي معرفت، التفسير الأثري الجامع 1: 33 ـ 36، 503، 619 ـ 620.

([12]) انظر: المصدر السابق 1: 98 ـ 105.

([13]) انظر مثلاً: المصدر السابق 1: 528، 530 ـ 531، 535 ـ 536.