التسامح والتعايش وقيم المواطنة

27 ديسمبر 2016
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
494 زيارة

التسامح والتعايش وقيم المواطنة

تنتمي المواطنة للمساواة في الحقوق والواجبات وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز، و تنبني على أساس الكفاءة في التصدي للوظائف، ولا تنمو وتزدهر إلا برفع سقف الحريات.

وكلها تتنفس بمبدأ العدالة الاجتماعية، الذي يحلق في جو صحي تدافعي وتنافسي، وبالتالي يوفر أرضيات نفسية فردية واجتماعية للتعايش والتسامح.

إلا أن الواقع يعكس حالة من عدم الرشد والنضج في تجربة المواطنة في العالم العربي والاسلامي، وعدم الرشد الاجتماعي هذا خلق حواجز كبيرة بين مختلف مكونات المجتمع، شكلت حواجز وسواتر نفسية تعيق سريان قيمتي التسامح والتعايش.

فلا يمكن للتسامح والتعايش أن يتحققا بعيدا عن تحقق القيمة الغائية  وهي العدالة، وإن تحقق التسامح والتعايش نسبيا فهو تحقق تحت عنوان الضرورة وليس كقيم ثابته. حيث تكون متواجدة كقيم نسبية تفرضها ضرورة الأمن والاستقرار الاجتماعي وليست كأصل، ولتحققها كأصل ثابت فلابد من تحقق العدالة.

وتكمن أهمية تحقق العدالة إنها تحقق كرامة الإنسان، فحينما أدرك أنا كفرد حقيقة كرامتي وأهميتها ستتجلى في كل وجودي مسألة حقوقي الإنسانية، وإدراكي لها هو إدراك لقيمة الآخر وكرامته وحقه، وهكذا يتداعى هذا الفهم من الدائرة الفردية إلى الدائرة الاجتماعية.

ومجرد هذا التداعي للوعي، ستتجلى قيمتي التعايش والتسامح سلوكيا بشكل تلقائي غير متكلف، وثابت غير نسبي، بحيث تصبح تلقائية في المجتمع لإدراك منظومة القيم والحقوق والواجبات كجزء حقيقي من طبيعة الإنسان وليس اعتباري من حيث الوجود، ولكن من حيث التحقق كسلوك فهو نسبي.

وآليات تحقق العدالة تعتمد على أفق الفرد والمجتمع ومدى تطور تجربته السياسية والاجتماعية. وقد تكون الديموقراطية كنظرية سياسية من الآليات التي تحقق العدالة، ولكن بالالتفات إلى أن هناك عدالة عامة ثابته وأخرى نسبية تنتمي لمحيط محدود جغرافيا وثقافيا، فالعامة عالمية ثابته لكل البشر، والخاصة نسبية متغيرة تختص بالمجتمعات والجغرافيا كل على حدة.

والديموقراطية اليوم مفهوم متطور وليس ثابت، وجغرافي وليس عالمي، وان كان فيه اسس ومقومات ثابته.

لكن يمكن لكل شعب وجغرافيا أن تكون له ديموقراطيته الخاصة، و التي من خلالها تتحقق العدالة بثوابتها العامة وبخصوصيتها أيضا الخاصة بكل جغرافيا وشعب. وهذا لا يعني عدم الاستفادة من التجارب البشرية في الديموقراطية، بل يعني تطويرها وتبييئها.

ومن أهم الأسباب في تأخر الرشد الفردي والاجتماعي في فضاء المواطنة هو:

  • عدم التحول الديموقراطي وفق مقوماته في منطقتنا، وهيمنة سلطة الفرد على سلطة المؤسسات، واتباع نظام أبوي صارم في تعاطيه مع الشعوب.هذا النظام يسري في الجسد فيكون لدينا تطرفا وظيفيا، واجتماعيا وأسريا كسلوك توارثه الأفراد كثقافة تبنتها الدولة سلوكيا.
  • الظروف الاقليمية والعالمية، وهيمنة سلطة المال وهاجس الأمن في توجيه السياسات الخارجية، مما حدا بكثير من الدول خاصة صاحبة الثروة النفطية، في تبني مجموعات جهادية متطرفة لتوظيفها في الصراعات الإقليمية.هذه المجموعات الوظيفية بمجرد انتهاء وظيفتها ستشكل رافدا للعنف متنقلا بين المجتمعات، و ستسعى لنشر ثقافة التطرف بدأ من محيطها الأسري إلى المحيطات الأوسع.
  • ازدواجية المعايير في التعاطي مع تحديات المنطقة، ومذهبة الشعوب بطريقة وظف فيها الدين في خدمة الصراعات الاقليمية. هذا التوظيف كرس التطرف وبالتالي هيأ القابليات لممارسة العنف السلوكي، والذي انعكس سلبا على الأمن والاقتصاد.
  • تمييز السلطات بين المواطنين على أساس مذهبي أو جهوي أو مناطقي، وهو ما يخلق حالة طبقية بين مكونات المجتمع المواطنين، ويدفع باتجاه بناء حواجز نفسية للفئة المظلومة، ويجعلها تنكفيء على ذاتها، ومع أقل رياح فتنة قد ينجر المجتمع بسبب التمييز الذي خلق في داخل المجتمع الواحد مجتمعات متعددة الانتماءات، ينجر المجتمع لموجة تطرف وبالتالي عنف تعيق زمانيا النهوض بقيم المواطنة، وتعمق الأزمة والحواجز النفسية التي قد تشعل نارا تبقى تحت الرماد، وبمجرد تهيؤ ظروفها تعصف بكل المجتمع.
  • نظام التربية ومناهج التعليم ، فحينما تتبنى الدولة منهجا تعليميا يقر بكفر مكون من مكونات المجتمع،وتدعم بشكل علني مجموعات متطرفة عنفية، فهي تؤسس لجيل متطرف تكفيري داخل المجتمع الواحد، حتى لو رفعت شعار المواطنة والمساواة فذلك سيخلق صور مشوة في ذهنية الأجيال وغير مستقرة، فبينما السلطة تدعوه للتعايش وفق الدستور ومواده، في ذات الوقت تغذيه بمناهج تكفر جزء من مجتمعه، هذا الاضطراب والازدواج، يخلق حواجز نفسية عميقة تمنع من الاندماج الاجتماعي، وقد تظهر هذه الحواجز جلية كمظهر من مظاهر العنف اللفظي أو السلوكي والمادي أو المعنوي، خاصة في الصراعات السياسية الداخلية أو الخارجية، وفي الصراع على النفوذ في السلطة والمال.
  • صراع الهويات القطرية، والذي هو صنيعة تكريس الانكفاء القطري ومفهوم الوطن الضيق، على مفهوم الأمة الواسع. وهذا بذاته أيضا دافعا للتقسيم النفسي المعنوي للشعوب، فتتهيأ قابلياتها لقبول هويات ضيقة ذاتية محدودة جغرافيا، على حساب الهوية الأم الجامعة للشعوب تحت مظلة العروبة والاسلام.
  • توظيف الدين والتاريخ في تكريس الانقسام النفسي للفرد والمجتمع، ويكون التوظيف إما من خلال فضائيات، أو أقلام أو حتى عسكر، وقد يكون توظيف الدين حتى في منهجية تعاطي الدولة مع مواطنيها. هذا فضلا عن مواجهة إرادة الشعوب في تحقيق العدالة و التخلص من الاستبدادا بسلطة المال والفتوى، والأخيرة سلطة خطيرة لأثرها في تخدير الشعوب وقتل إرادتها بحجة رضى الله، وهو رضى مزيف، رسمت معالمه أهواء السلطة وقدرتها المالية الشرائية لذمم الفقهاء والنخب.

وهناك كثير من الأسباب التي لا يتسع الوقت للخوض في غمارها.

ومن وجهة نظري أن الاندماج الاجتماعي لا يتم إلا بتكريس قيم المواطنة والتسامح والتعايش، ولا يمكن لمنظومة القيم أن تنهض عمليا في المجتمع إلا بترشيد الوعي الفردي والاجتماعي، والنهوض بعملية التربية والتعليم، فبناء الإنسان بناء صحيحا سيكون كفيل بتحول الحواجز النفسية إلى جسور تواصلية، تبني مجتمعات متعاضدة ومتكاتفة ، تتدافع وتتنافس للعيش بكرامة، وتسعى للنهوض بالعدالة الاجتماعية من خلال الدفع باتجاه مزيد من الحريات، ومزيد من المطالبات الاصلاحية في النظم السياسية، هذا الدفع سيكون بوابة لتحقيق العدالة التي هي جسر الإنسان في تكريس كرامته ، وبالتالي حفظ حقوقه من الانتهاك، وتتجلى فيه قيمة الانصاف والمساواة في داخل المجتمع.

وكون الدول تطغى عليها مجموعة المصالح المتشابكة مع دول أخرى خاصة الاستعمارية منها، فسيكون تحقيق هذا الرشد الاجتماعي أمرا بعيد المنال، كونه يعيق وجودها وهيمنتها على الثروات، فلابد من النهوض بالمجتمع المدني ليمارس دوره في هذا الرشد ويرفع منسوب الوعي، فيدفع باتجاه المزيد من المطالبات الاصلاحية، والمزيد من إزالة الحواجز النفسية داخل المجتمع وبين مكوناته، ويبني جسور تتعاضض فيها الطاقات والامكانات البشرية لتشكل كتلة متراصة في وجه السلطات المهيمنة وتدفعها للعمل إلى مزيد من الاصلاحات السياسية والنهوض بقيم المواطنة. ومن الطبيعي أن يحدث تصارع بين إرادة الشعوب وإرادة السلطات، على أن يكون صراعا سلميا الغاية منه تحقسق تقدم في أداء السلطات وإدارتها للدولة، لتتحول من سلطة الفرد والعائلة، إلى سلطة المؤسسات والدستور والشعب كمصدر لكل هذه المؤسسات، وهو ما يعني تطوير قدرات الشعب على الرقابة والمحاسبة، وعلى المعايير التي يجب أن تتوفر في من سيمثله في تلك المؤسسات.

وهو عمل صعب لكنه ليس مستحيلا فيما لو تظافرت جهود المخلصين للبدء بعملية الترشيد والنهوض بالوعي.