التصوُّر الإسلامي للمشكلة الاقتصادية وسبل مواجهتها

أ. د. عبد الأمير كاظم زاهد(*)

المفاهيم

بدءاً يلزمنا للوصول إلى حقيقة هذا التصور أن نحدِّد ـ أوّلاً ـ المراد بـ:

1ـ التصوّر الإسلامي للمشكلة.

2ـ مفاهيم النظم الوضعية للمشكلة الاقتصادية.

3ـ تصوّر الإسلام للعلاج، والدراسات السابقة، وتعدّد الآراء والبرامج.

1ـ مفهوم التصوُّر الإسلامي

يندرج تصور الإسلام للمشكلة الاقتصادية في مجال مجمل تصورات الفكر الإسلامي عامة. والفكر الإسلامي يُستقى من مصدرين: الأوّل: مصدر النصّ، والثاني: مصدر الاجتهاد. ويسمّي الأصوليون مصدر النصّ بـ «الأدلة الأصلية النقلية المتَّفق عليها، وهي: القرآن الكريم؛ والسنّة النبوية الثابتة صحيحة الصدور»([1]). ويعتمد المحقِّقون على ما تقوم به الحجّة منها([2]). والسنّة أدنى درجةً من القرآن في الراجح من الخلاف؛ لأن القرآن المرجع الأول والأساس لعموم الحضارة والفكر الإسلامي، وإليه ترجع كلّ المصادر، وبه تقاس صحة المقولات المنهجية كافّة، بل والمعرفية أيضاً؛ أما السنة النبوية فهي وإنْ كانت المصدر النقلي الثاني للحضارة والفكر، إلاّ أن وظيفتها في الأعمّ الأغلب بيان أحكام القرآن.

يقول الشاطبي: «كتاب الله هو أصل الأصول، والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظّار ومدارك أهل الاجتهاد»([3]).

ويستقر الاعتقاد بأن النص القرآني آخر دستور إلهيّ نزل، محيطاً بالكتب السماوية السابقة، ومضيفاً إليها أحكاماً جديدة في مجال التشريع، اقتضتها حركة تطور العقل البشري والمدنية في عالم الرقيّ الإنساني. ويلزم من ذلك أن يكون القرآن الكريم هو السقف الأعلى المحيط والموجه لآخر إنجازات العقل البشري نحو سعادة الإنسان، فهو معيار صحتها، وفيه إشارات وتلميحات لها جميعاً؛ لأن في القرآن علوم الأولين والآخرين([4]). ولأنه كتاب الهداية السماوية يلزم أن يكون شاملاً، وإنْ كانت طبيعة عرض القرآن للمضامين الفكرية في الأغلب طبيعة كلية أو عامة، كطبيعة الدساتير بالنسبة إلى القوانين المتفرعة عنها، فهو لا يتطرّق إلى التفاصيل، إنما يضع الأسس العامة والقواعد الكلية، ويترك للعقل حرّية الحركة في ضوء تلك القواعد والأسس؛ لتطبيقها على المصاديق الواقعية على اختلاف صورها.

ولم تقتصر المضامين الفكرية في القرآن على أحكام العبادة بمعناها الأخصّ، أو أحكام الأسرة، أو القيم الأخلاقية، كالصبر والمرابطة والإحسان، بل تعدّدت آفاقها لتشمل مجالات الحياة كافّة.

فمن أحكام القرآن الأحكام العملية التي تنظم نشاط الإنسان عامّة، ونشاطه الاقتصادي خاصّة، كقواعد الملكية، والمعاملات المالية، والإرث، وأحكام البيع والإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك، وطرق انتقال الحقوق في المعاوضات. وفيه حدودٌ ينهى القرآن عن تجاوزها، والعدوان عليها. وكمثال على تلك القواعد والحدود قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 29).

يقول القرطبي في تفسير الآية: إن «الباطل هو غير الحقّ، ووجوه ذلك تكثر. وعبَّر النص بالتجارة وأراد بهذا اللفظ الخاصّ عموم النشاط المنتج؛ لأنها عبارة عن المعاوضة»([5]). وقال في المسألة الرابعة من تفسيره للآية: «اعلم أن كل معاوضة تجارة، على أيّ وجهٍ كان العوض». وقوله بالباطل أخرج منها كلّ عوض لا يجوز شرعاً، من رباً أو جهالة أو عوض فاسد، كالخمر والخنـزير. والتراضي: أي حالة الرضا([6]). وأردفت السنّة الشريفة هذا البيان الكلي بقول الرسول|: «التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة»([7]). لذلك اشتق من الآية والحديث ضرورة التوازن بين العوضين، ووجوب الوفاء بالالتزامات، وأداء الأمانات، إلى غير ذلك من الأحكام.

ومن مجموع الآيات والأحاديث التي تنظم مثل هذه الوقائع تُشتقّ المذهبية الاقتصادية الإسلامية، وتعيننا في ذلك السنة النبوية، التي تأتي أحياناً إيضاحاً لمراد النصّ، أو تفصيلاً لمجمله، أو تخصيصاً لعمومه، وأحياناً تعميماً لخاصّه، أو تقييداً لمطلقه. وتجد تفاصيل هذه عند الأصوليين في مباحث الألفاظ التي يصدِّرون بها مدوَّناتهم الأصولية.

إن النصّ قطعي الدلالة المؤسّس للفكر الإسلامي من جنس الوحي الإلهي الثابت الذي لا يسوغ الاجتهاد مقابله؛ إذ لا اجتهاد في معرض النصّ. أما المصدر الآخر فهو الاجتهاد، الذي يعرَّف بأنه بذل الفقيه للوسع والنظر في الوقائع والنصوص التي تؤسِّس الحكم الشرعي لاستنباطه كموقفٍ إسلامي من الواقعة، وهو حصيلة نظر العلماء المنضبط بمنهجية صارمة لاستنباط حكم ما سكت عنه النصّ، أو لتطبيق قواعد النصّ الكلية على مصاديقه العلمية. والاجتهاد نوعان:

أـ اجتهاد جماعة العلماء المتوافق على حكمٍ ما، ممّا يطلق عليه (الإجماع). وقد عرَّفوه بأنه [اتفاق مجتهدي عصر من العصور على حكم اجتهادي شرعي بدليلٍ قائم]([8]). وهو المصدر الثالث من مصادر التشريع والفكر والحضارة.

ب ـ اجتهاد المجتهد الفقيه لوحده، سواء وافق غيره أو خالفه. وقد عرَّفه الجرجاني بأنه «استفراغ الفقيه الوسع ليحصل له ظنٌّ بحكمٍ شرعي»([9])، على أن يراعى في ذلك الجهد منهجية علم النصّ وأصول الاجتهاد والسوابق الفقهية التي سبقته، من إجماعٍ أو اجتهادات فردية، وكذلك مراعاة العرف والتطوُّر المدني، ولا سيَّما الأعراف المسكوت عنها شرعاً، الثابتة منها والمتغيِّرة([10]). وللفقيه أن يستخدم الآليات التي يعتقد بصحتها وسلامة إنتاجها للحكم الشرعي، كالقياس الصحيح؛ لتحصيل حكمٍ (مجهول) لواقعة قائمة من نصٍّ يتّحد حكمه مع علة الفرع؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، إذا كان قد توصل إلى أن القياس طريق سليم لإنتاج المعرفة التشريعية. وكذلك حينما يراعى المصالح المرسلة التي لم ينصّ الشارع على إلغائها او اعتبارها، وطبقاً لما يعتقده من سلامة مصدر «تحكيم المصالح» كطريق منتج أو أصل يستند إليه. وإذا وجد المجتهد حكماً مباحاً يشكّل ذريعة لمفسدةٍ جاز له إيقافه؛ لأن للواجب ولبعض المصالح مقدّماتها التي ترتفع إلى درجة اللزوم. وإن للمحرم والفساد مقدّماته التي ينبغي الحكم بفسادها وإنْ كانت من حيث هي مباحة([11]). ومن أدوات الاجتهاد مبدأ الاستصحاب، وهو «استدامة حكم سابق في زمان لاحق على أساس عدم ثبوت ما يزيله»([12]). وكل هذه الآراء الاجتهادية قابلة للتغيّر والنقض والاجتهاد في مقابلها، فهي من جنس المتغيرات مقابل الثابت الذي هو (النصّ قطعي الصدور والدلالة)، كما تقدّم.

وعلى هذين المصدرين (النصّ والاجتهاد) يتأسس التصور الإسلامي الموصف للظواهر الحياتية العامة. فما استند جلياً إلى نصٍّ قطعي الصدور وقطعي الدلالة يصير حكماً ثابتاً لا يمكن أن يتغيَّر؛ وما كان مستنداً إلى نصٍّ ظني، أو دلالة ظنية وإنْ كان من نصٍّ قطعي الصدور، فهو في دائرة ما يجوز التحاور فيه([13]). وبذلك تتسع الشريعة الإسلامية لملاحقة التطورات، واستيعاب تعقيد المدنيات، وتعدّد وتنوّع مشكلات الإنسان إزاء الطبيعة أو الاجتماع الإنساني، وهما الوضعان اللذان يتطلبان درجة عالية من الموازنة في تحديد موقف الإنسان منهما. ولكي نعرف تصور الإسلام عن المشكلة الاقتصادية ينبغي تعريف مفهوم المشكلة.

لقد وُجِدَ الإنسان على وجه الأرض كائناً مفكّراً، له حاجات طبيعية وحياتية، هو بحاجةٍ دائمة إلى أن يوفِّر لنفسه ما يديم به حياته، ولا يتمّ ذلك إلاّ بتلبية حاجاته الجسدية والعقلية والروحية. فإذا عجز الفعل الإنساني عن أن يوفِّر ما يشبع هذه الحاجات كانت هناك مشكلة اقتصادية، لا يتوفر حلٌّ لها إلاّ إذا تمّ ضبط نوع العلاقة بين الإنسان كمحور في هذه المشكلة، والفكر، والأديان، والثقافات، ومجموعة عوامل، منها: الطبيعة ومواردها، وعدد السكان، ونوعية المستوى الحضاري والمعيشي لهم، ونوع الموارد المتاحة، والعلم والمعرفة الكفيلة بالإفادة من هذه الموارد، والمذهبية التي ترتّب أولويات نشاطه. كلّ تلك العوامل لها علاقة في تحديد المراد بالمشكل الاقتصادي، إلى جانب علاقة القدرة البشرية على اكتشاف الموارد وتحويرها لتلبّي حاجاته، بما في ذلك القدرة من جوانب عدّة، منها: النفسية والعلمية والمذهبية، التي مهمّتها أن تضبط القواعد الموجِّهة للإنسان في اكتساب الملكية، وطبيعة الإنتاج، ونمط التبادل، ونظم التوزيع، وشكل الاستهلاك، واستراتيجية التنمية، ومعيار التقدُّم العام، والتقدُّم الاقتصادي.

فمتى تضافرت هذه العناصر (الموارد، المهارات البشرية، والنظام الاقتصادي الناجح)، وكان الأفراد على مستوى من القناعة بقواعده التي تحفِّزهم للأداء الفعّال، تمكَّنت المجموعات البشرية من حلّ المشكل الاقتصادي، بإنهاء حالة عجز الفرد والمجتمع عن توفير مستلزمات البقاء والارتقاء، وتطوير كفاءة الإنسان العلمية والإنتاجية، بما يقابل زيادة السكان واندثار رأس المال العامّ. فمفهوم المشكل الاقتصادي إذن هو: مجموعة العوامل التي تؤدّي إلى إعاقة صنع الإنسان لمستوى من المعيشة يتوفّر عليها سداد الحاجة البيولوجية والترفيهية بما يحقِّق مستوى الكفاية على مستوى دَخْل الفرد، أو المدخلات العامة للمجتمع. والنشاط الاقتصادي هو المسبب لهذا المستوى إذا توفرت الشروط الذاتية (الإنسان)، والموضوعية (الموارد، المذهبية العلمية)، ذلك النشاط المنصبّ على موارد كافية، وبعمل منظّم وفاعل ومحفّز، ومذهبية فاعلة تقود وتوجّه ذلك النشاط نحو البناء الشامل للإنسان وإعمار الأرض.

تصوُّر النظم الاقتصادية الوضعية للمشكل الاقتصادي

إن أبرز مشكلة من المشاكل المنهجية في الفكر البشري نزوع أغلب نظرياته إلى تفسير الظواهر بالعامل الواحد، أو تغليب عامل على العوامل الأخرى المسببة للظاهرة. فالنظريات الاقتصادية المعاصرة (الليبرالية والماركسية) عندما أعطت تصوُّرها للمشكلة الاقتصادية اعتمد بعضها العامل الواحد، ووقع بعضها الآخر في إشكالية الفهم الانتقائي للعوامل المسببة للمشكلة. فالمدرسة الرأسمالية بَنَتْ تصورها على أساس أن المشكلة ناتجة عن ندرة الموارد وقلّة الخيرات المتاحة تحت ضغط المالثوسية، وأطلق على هذا الاتجاه فيما بعد مفهوم الندرة أو النقص الطبيعي للموارد الكونية، مقابل الحاجات المتعدِّدة. وضمن منطق هذه المدرسة فإنها سمحت بتفكيك هذه المشكلة، ونقلها من مشكلة جماعية من جهةٍ، وفردية من جهةٍ (مشكلة مركبة)، إلى اعتبارها مشكلة الفرد نفسه، فأوكلت له حلّها، وأعطته الفرصة تحت شعار الحرّية الاقتصادية، تحت مظلة قوانين السوق من جهةٍ، وأباحت له أن يستولي على ما يقدر على الاستيلاء عليه من الموارد([14]) من جهةٍ أخرى.

ولقد انتقل هذا التصوُّر من سلوك الفرد إلى سلوك الدولة التي تتبنّى الرأسمالية نظاماً، فأسّست (مشروعية‍‍‍‍‍‍‍) الاستيلاء على ثروات الأمم. وقد كان هذا هو الأساس الفلسفي للنهب الغربي لثروات الشعوب، ونهب دخولها، بتصدير السلع إليها بما يحقِّق لهم أرباحاً. فتمركزت الثروة في دول الغرب، وتهشَّمت دول أطلق عليها فيما بعد وصف (النامية). ولم يُراعَ في ذلك الإنتاج مقدار وحجم النفع العام للإنسان، أو خطورة الضرر الكامن في السلع المنتجة الضارة. كما لم تُراعَ آثار التلوث، واستنزاف الموارد، والكلفة الاجتماعية، والتوزيع غير العادل للدَّخْل، حتى مع المنتجين الغربيين. ولأنها لم تتدخل تحت مبدأ حرّية السوق في تكييف فاعلية الإنتاج فقد اضطرّت إلى قبول مبدأ الاحتكارات الاقتصادية للشركات، وقبلت مبدأ تحكّم رأس المال وطبيعة استثماراته، وشجّعت الاستهلاك غير المحدّد والمفرط طالما تحقّق وراء الاستهلاك استنزاف الدخول. فالمحدِّد للاستهلاك وفق هذا المنطق لم يكن إلاّ قدرة دَخْل الفرد على الإنفاق على الاستهلاك([15]). إذن العمل وحده لم يكن هو الحلّ؛ لأنه على وفق منطق نظرية الندرة الموارد المتاحة (إقليمياً) لا تسدّ الحاجة الفعلية القائمة؛ فالعمل وحده إنما يتكفّل بالحلّ لأنه لا يعمل في فراغ. لذلك زعمت هذه المدرسة أن قوانين السوق، وما يترتب عليها من معطيات تكوينية طبيعية، لا سبيل إلى تغييرها، كما لا سبيل إلى تغيير المناخ أو التكوينات الأخرى. لذلك تكيفت للخضوع لهذه القوانين تكييفاً أضرّ بالآخرين، وبتعايش الشعوب، ولكنْ ليس على قِيَم العدل، إنما على مقتضى القوّة والتمركز والمنافسة غير المتكافئة. ولعلّ نظرية العولمة آخر ما يُطوّر بها الاقتصاد الرأسمالي، فهي ليست إلاّ محاولة لسيطرة القوة الاقتصادية والتقنية على ثروات وأسواق العالم المتخلف([16])، مدعومة بالسيطرة العسكرية والثقافية؛ حيث إن النظرية الكونية للتبادل الاقتصادي في مثل أوضاع العالم المعاصر تجري لصالح الأقوى والأكثر تقنية وخبرة، فتكون العولمة بريقاً نظرياً لنهبٍ عملي للثروات والمداخيل للدول (خارج النادي الغربي). وعلى ذلك صار من الحقيقة اتّهام العالم الثالث للدول الرأسمالية بأنها تدخّلت في مسار تطوّرها الاقتصادي سلباً، وعمقت مشكلتها الاقتصادية، وعطّلت نموّها التنموي، ونهبت ثرواتها، وفرضت عليها أنماطاً متخلّفة من التغيرات، ولا تزال.

أما المدرسة الماركسية فعلى الرغم من أنها تزعم بأنها ردّ فعل فلسفي واقتصادي على الرأسمالية، وأشاعت في العالم أنها المنقذ للإنسانية من شرور الرأسمالية، فإنها وإنْ لم تصرِّح بجلاء بالنقص الطبيعي للموارد المتاحة، إلاّ أن في ثنايا تصورها وعلاجها للمشكلة لمّحت إلى ذلك، ولم تنْفِ كون الموارد نادرة([17])؛ لأن تركيزها انصبّ على أسلوب التوزيع الرأسمالي الذي عدّته بحقّ غير عادل وغير متكافىء؛ لأنه تبع لقوانين السوق العمياء، ولأن الهيئة الاجتماعية (الدولة) غائبة عن تعديلاته، وإعادة تركيبه، وتسويته لصالح ذوي الدخول غير الكافية، فنشأ عنه تناقض بين قوى الإنتاج وعلاقاته، ما أدّى إلى نقص الإنتاج. ولأجل العلاج لا بُدَّ من التعامل مع الندرة النسبية المفترضة، والحاجات المتنوعة واللانهائية، بإشراك كلّ قوى العمل بالعمل، وتنميط الحاجة وتخطيط النشاط الاقتصادي تخطيطاً مركزياً، وتوزيع ثمراته توزيعاً يغطّي حاجة قوى العمل كلّها، وعلى حسب أولوية ما يسدّ من الحاجات.

إن التفسير الماركسي ـ كما هو واضحٌ ـ مركّز على دَوْر المذهبية الاقتصادية الرأسمالية في خلق المشكل الاقتصادي، وتوفر على اتهام نمط التوزيع فيها، وبخاصة في تعاظم وتعقيد المشكلة الاقتصادية، مهملاً بذلك طبيعة الموارد والتأهيل البشري، والحوافز النفسية والاقتصادية للعمل البشري. وهكذا يُعدّ التفسير الماركسي للتخلف لائحة اتهام ضدّ الرأسمالية، أكثر من كونه تحليلاً فلسفياً أو اقتصادياً لعناصر المشكلة ذاتها.

مما تقدَّم يتبين أن كلتا المدرستين تقرّان بوجود الندرة النسبية للموارد، وإنْ كان الرأسماليون أكثر صراخاً؛ لآثار المالثوسية عليهم. وكلتاهما عالجتا قضية الندرة بأسلوبٍ خاصّ بكلٍّ منهما؛ فالرأسمالية أطلقت قوانين السوق؛ والماركسية طالبت بإعادة التوزيع. فخلاف المدرستين بشأن الندرة يكاد يكون ضيقاً جداً؛ فقد كان الحلّ في الرأسمالية في مجالي الإنتاج والتبادل، وكان الحلّ في الماركسية في مجالي التوزيع والاستهلاك. أما خلافهم في لا نهائية الحاجات كمّاً ونوعاً فضيِّقٌ أيضاً؛ فلا تتدخّل الرأسمالية في تحديد الاستهلاك إلاّ بمحدّدات الدَّخْل الفردي، بينما الماركسية تتدخل بالتخطيط، وبالدَّخْل المخطط للفرد، وبإنتاج السلع التي تلبّي الحاجة المخططة، ثم تنميط الإنتاج والاستهلاك معاً.

1ـ إن كثيراً من الدارسين يخلطون بين مفهوم الندرة المطلقة والندرة النسبية. والحقّ أن الندرة المطلقة هي ذلك النقص الهائل والعام في الموارد على عموم الأرض، مقابل تزايد هائل في حاجات السكان، كمّاً ونوعاً. بينما الندرة النسبية هي ذلك النقص في بعض الموارد، وربما يكون مقابل فائض في غيرها، حَسْب الإقليم والزمان ونوع القدرة البشرية على اكتشافها وإعادة إنتاجها. والقول بالندرة المطلقة أصبح قولاً لا يستطيع مواجهة الردود العلمية عليه.

2ـ إن كلتا المدرستين تقرّان بوجود الحاجات الاقتصادية للإنسان وجوداً مطلقاً، ولا نهائياً، في الكمّ والنوع، إلاّ أنهما مضطرتان إلى تحجيم هذه اللانهائية؛ إمّا بإحالة (أمر تحجيم هذه الحاجات لنشاط الفرد)، فيتدخل الدَّخْل المحدود في حرمان الفرد من بعض رغباته ـ وهو مذهب الرأسمالية ـ؛ أو أن الدولة تتدخل ابتداءً في وضع قائمة الحاجات التي تستحق الإشباع، لتشكل من الحاجة موجِّهاً للإنتاج، وتخطّط ليكون دَخْل الفرد لا يغطي أكثر من الحاجات المخطّطة ابتداءً.

3ـ إن كلتا المدرستين تربطان بين الموارد والحاجات بالعمل البشري بنوعَيْه الذهني والجسدي، وتعتني بوجود الحوافز على العمل، سواء أكان الحافز بايولوجياً أو نفسياً (الربح والتملك) أو قيمياً. فالعمل في أجواء الرأسمالية حوافزه بايولوجية ونفسية (ديمومة العيش والتوسع في التملك). والحوافز في الماركسية بايولوجية (ديمومة العيش) وقيمية؛ لاعتبار إقامة وطن الاشتراكية، ومقاومة الرأسمالية وعدوانها.

ويُلاحَظ أن الرأسمالية تعتقد بأنّ مجموع حلول الأفراد لمشكلتهم الاقتصادية يشكّل الحلّ الاجتماعي للمشكل؛ بينما في الماركسية يكون حلّ الدولة (الحلّ الاجتماعي) الذي يفكّك إلى حلول، إلى حلّ الأفراد، حلّ كلّ فرد لمشكلته. فالحل الرأسمالي مركَّب من حلول الأفراد؛ والحل الماركسي مجزّأ من الحل العام للدولة.

ويُلاحَظ أيضاً أن تأهيل قوة العمل بالمهارات كجزء من آليات حلّ المشكل الاقتصادي هي من مسؤولية الأفراد في نظامٍ رأسمالي، بَيْدَ أنه من مسؤولية الدولة في نظام ماركسي. فالتأهيل هو الآخر يخضع للتخطيط والبرمجة.

ويُلاحَظ ثالثاً أن القاعدة الاقتصادية في الماركسية هي ترشيد استخدام الموارد، بينما مبدأ الترشيد هو الاستثناء في الرأسمالية؛ لأنها تسعى إلى الإنتاج الوفير والحُرّ.

ويُلاحَظ أن طبيعة التصوّر لكل نظام للمشكل الاقتصادي طبيعة غير تجريدية، إنما هو جزء من الهرمية المذهبية. فللمشكل تفسير أيديولوجي أكثر منه فنّياً مَحْضاً، ولا سيَّما في الفكر الماركسي.

وأخيراً أفرز التراكم المعرفي مجموعة من الأفكار، تجعل ما تقدَّم من الآراء آراء كلاسيكية؛ إذ ستتدخل قضية التفريق بين الندرة المطلقة والنسبية، والتفريق بين اقتصاد مغلق واقتصاد مفتوح، ودَوْر المكتشفات العلمية في إحباط قضية الندرة، ثم دَوْر الدين والثقافات في تحديد الحاجة ودَوْرها في الاستهلاك، فكلّ التصورات السابقة لم تعتمد هذه المتغيّرات بتوازن حينما وضعت تصورها للمشكلة الاقتصادية.

التصوُّر الإسلامي للمشكلة الاقتصادية (التخلّف)

كيف يتصوَّر المفكِّرون الإسلاميون المعضل الاقتصادي؟

لعل الوقوف على التصور الإسلامي للمعضل الاقتصادي يتطلب أن نجيب ـ أولاً ـ عن السؤال التالي: هل يعتقد الفكر الإسلامي أساساً بوجود مشكلة اقتصادية؟

وللإجابة عن هذا السؤال نقول: يجد المتتبع في ثنايا الكتّاب الإسلاميين أكثر من اتجاه.

فأحد اتجاهات المجتهدين الإسلاميين في مجال الاقتصاد ينكر وجود مشكلة اقتصادية طبيعية، بسبب نقص الموارد أو تناهي الحاجات. فعنده إن الله تعالى خلق كل شيء بقَدَرٍ، وإن النظام الإسلامي يحدِّد الحاجات بما يقابل ذلك القَدَر. فلو تحقَّق الالتزام بأحكام الإسلام فليس هناك عجزٌ في تلبية الحاجات. ويحيل هؤلاء مشكلة العجز إلى عدم الامتثال للحكم الشرعي في مجال الإنتاج والملكية والتبادل والتوزيع، وأخيراً في نمط الاستهلاك. ويبني هذا الاتجاه نظريته على أساس أن الله تعالى خلق الكون قابلاً للانتفاع به، وإن معطياته كافية، وإن أحكام الله التشريعية تتضافر مع تلك القوانين الطبيعية لسعادة الإنسان ورقيّه، فمتى حصل التكامل تحقّقت الرفاهية، ومتى تمّ الانفصال بين المجموعتين من القوانين، والتعارض بينهما، ينشأ العجز الاقتصادي. ولعل هذا هو الأساس الفلسفي للإسلاميين في تفسير التخلُّف.

 ويُرَّدُ هذا الاتجاه بأن تفسيرهم للتخلف والمعضل الاقتصادي واحد، مع الاختلاف في طبيعة الموضوع المفسّر. كما يُناقَش بأن إنكار وجود مشكلة اقتصادية أصلاً يترتَّب عليه عدم الحاجة إلى قواعد اقتصادية. وإن إحالة الأمر إلى عدم الامتثال للحكم الشرعي تفسير إجمالي لا بُدَّ من تحليل (مقتضياته الفعلية) تحليلاً علمياً وإحصائياً، وهذا من المهمات الصعبة([18]).

   أما الاتجاه الثاني فإنه يقرِّر أن الموارد كافية، استناداً إلى عددٍ من آيات القرآن الكريم. لكنّه يردّ المشكلة إلى تعدُّد الحاجات وتنوّعها اللانهائي، بحيث تعلو على كفاية الموارد. لذلك يميل في حلّ المشكل إلى جانب الطلب أو عنصر الاستهلاك، ويدعو إلى تحديده وتنميطه فقط([19])، بحيث يوجد التوازن بين الموارد المتاحة بقَدَر، والحاجات المشروعة.

ويلحظ اتجاهٌ ثالث أن الموارد كافية كفاية نسبية، والحاجات أساساً محددة تحديداً؛ بسبب تأثير الثقافة والدين والدَّخْل. فالمشكلة تكمن في العمل الإنساني، وأساليب التأهيل، ونوعية المذهبية التي تقود الاقتصاد وتوجّهه([20]).

أما الرأي الراجح فقد تقدَّم أنّ المشكل الاقتصادي عبارة عن مركَّب من العوامل التي تعيق الإنسان من أن يصنع مستوىً متقدّماً من المعيشة، ولا بُدَّ من تشخيص هذه العوامل ضمن معادلة دقيقة وعالية التوازن، والرجوع إلى ما تقرِّره أصول الفكر الإسلامي.

   وبالنظر في أصول الفكر الإسلامي نلحظ أوّلاً أن القرآن الكريم يشكِّل عموم النظرة من خلال الآيات التالية:

قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة: 60).

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: 58؛ وانظر: العنكبوت: 17) .

وقوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ (الرعد: 26؛ القصص: 82؛ العنكبوت: 62؛ الروم: 37).

وقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات: 22).

وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ (هود: 6).

وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (العنكبوت: 60).

 من خلال هذه الآيات يظهر لنا مصطلح الرزق. وبملاحقة النصوص يظهر أنه عبارة عن الهبات الإلهية للبشر. اقترن بهذه الهبة في النص الأول النهي عن الإفساد في الأرض «إتلاف الهبات الإلهية أو سوء استعمالها». ويحدد النص الثاني أن مصدره هو الله وحده، ذو القدرة المطلقة في إمداد العباد بالموارد، وأن مقادير الرزق المنزَّل خاضعة للحكمة الإلهية، فهو جلَّ وعلا يبسط الرزق لبعض عباده، ويضيِّق على بعضهم، والبسط والقبض كلاهما فعل الله الذي لا ينطلق إلاّ من حكمةٍ، ولا يهدف إلاّ لحكمة مطلقة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (الشورى: 27). ومن الآية الشريفة ينتزع أن الله تعالى لو أغدق على الناس الموارد والطيبات لأفسدهم ذلك الإغداق؛ لأن ذلك سيؤدي إلى استغنائهم او امتناعهم عن العمل، وامتلاك المواهب والمهارات، ولأنهم مكفولون مطلقاً فستكون قواهم متّجهة نحو العدوان والشرّ، بدل البناء والإعمار. فكما أن شحة الموارد حافز للعمل فإن وفرة الموارد حافز للعدوان. وقوله: ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ﴾ إشارة إلى الندرة النسبية، والفعل (ينزّل) فيه دلالة على تجدد ظهور الموارد عبر الأزمان. فكما تتجدد الحاجات كمّاً ونوعاً عبر الأزمان، تتجدّد الموارد وتظهر مع تطوّر القدرات العلمية. ومن هنا تجد عملية الربط بين الوفرة والإنفاق في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ﴾ (الطلاق: 7)، كما أنك تجد أن هناك ربطاً بين الإيمان والالتزام وبين الوفرة في قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الحجّ: 50؛ سبأ: 4).

   وإذا تابعنا نصوص السنّة الشريفة نجد أن النبيّ| يحدِّد بأقواله الكريمة ملامح الموقف الإسلامي.

فقد روى البخاري عنه قوله|: «مَنْ سرّه أن يُبسَط له في رزقه، أو يُنسَأ له في أثره، فليصِلْ رَحِمَه»([21]).

وقوله|: «إن نفساً لن تموت حتّى تستوفي رزقها»([22]).

وقوله|: «ما أكل أحدٌ طعاماً قطّ خير من أن يأكل من عمل يده»([23]).

وقوله| «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون»([24]).

وقوله|: «ما أحدٌ أكثر من الرِّبا إلاّ كانت عاقبة أمره إلى قلّةٍ»([25]).

 وتجد في أقواله| نهيه عن النجش والغشّ والربا، وحثّه| على الإجمال في الطلب. وأخيراً تحديده| لمبادىء ضمان الدولة للأفراد في قوله|: «مَنْ توفي وعليه دَيْنٌ فعليَّ قضاؤه، ومَنْ ترك مالاً فلورثته»([26]).

   من هذه العينات ـ التي سيقت على سبيل المثال لا غير؛ لأن هناك عشرات النصوص المناظرة لها ـ يتّضح أن مصدر الخير والهبات الإلهية والموارد الطبيعية هو الله تعالى. ولأن الله تكفَّل برزق عباده فلا يستسيغ منطق الشريعة مقولة (الندرة المطلقة). لكنْ لتصريح القرآن بأن الله ينزِّلها بقَدَر، وهذا القَدَر محفّز على العمل ضمن قوانين الحكمة الإلهية المتمثِّلة بالسنن الكونية، فإن الندرة النسبية أمرٌ تحتمله معاني النصّ. ويقابل ذلك أن الحاجة الإنسانية مخلوقة خلقاً تكوينياً، ومن الحاجات ما لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها، كالمأكل، لكنّ منها ما له بديل، ومنها ما لا ضرورة له، ومنها ما لا مشروعية له البتّة. وعليه كما أن الموارد نادرة ندرة محفزة على العمل، كافية لنمطٍ من الحاجات، وإن الحاجات متنوعة بحيث يمكن إعمال معادلة التوازن التشريعية في تحديدها وتكييفها، فإن هذين العنصرين سيخضعان سلباً أو إيجاباً لأمرين آخرين، هما: العمل البشري ومقتضياته؛ والمهارات البشرية ومعطياتها. ولما كان العمل البشري «هو الجهد الذي يحوّل الموارد إلى سلع تشبع الحاجات»، فيحتاج إلى حوافز نفسية وقيمية ومادية وأصول مذهبية تقوده، وتحتاج المهارات البشرية إلى برامج واعية وملاحقة للتطور ودوافع نفسية وروادع؛ لكي لا تستخدم إلاّ للنفع العام، لأن التقنيات جميعاً سلاحٌ ذو حدّين، لذلك لا نميل إلى ما ذهب إليه مَنْ أوقعه هاجس مخالفة الفكر الوضعي في التطرُّف الفكري، فأنكر الندرة مطلقاً، تلك المطلقة التي ننكرها، وأنكر النسبية التي نذهب إليها، وأنكر لانهائية الحاجات، وهو لا يدري أنه قد أوقع نفسه في اللاحاجة إلى (علم الاقتصاد أو الفكر الاقتصادي) طالما أن الموارد وفيرة والحاجات محدودة. وأظنّ أن الاستناد إلى آثار الزهد والنسك والورع والتصوف؛ للتدليل على محدودية الحاجات، هو استنادٌ إلى ما لا ينهض كقاعدةٍ عامة تشكّل موقفاً نظرياً شاملاً يفسِّر ظاهرة شمولية. وعلينا أيضاً أن ننبِّه إلى ضرورة مراعاة البُعْد الفني في (طبيعة الموارد)، ففيها مع وجودها ما لا يصلح لإشباع الحاجات؛ إما لطبيعة المورد أو لمستوى المهارة والمعرفة البشرية، فهذا بحكم العدم (حالياً)، وهو بحكم المخزون (مستقبلاً).

   كما لا يفوتنا أن ننبه أيضاً إلى أن بعض إخواننا دارسي الفكر الاقتصادي الإسلامي لم يلتفت إلى تقسيمات وأنواع الحاجات:

ـ فمنها: الحاجة الطبيعية البايولوجية؛ والأخرى الحضارية والمكتسبة.

ـ ومنها: الحقيقية؛ والمتوهَّمة (الناشئة عن خطأ في التصوّر).

ـ ومنها: المشروعة؛ وغير المشروعة، ومنها: النبيلة؛ وغير النبيلة.

 فمَنْ قال بلا نهائيتها تماشى مع الفكر الوضعي، ومَنْ قال بمحدوديتها غلّب اجتهاده النظري على حقائق الواقع. فهي متعدّدة منشطرة كمّاً ونوعاً، ولكنها قابلة للتحديد والتكييف. فالضاغط الفكري والعقائدي له آثاره على طبيعة الحاجة، لذلك نذهب إلى:

1ـ أن الموارد المتاحة هي لكل الأجيال، ولكل جيلٍ حظّه الكافي منها، إذا أعمل طاقاته، وفق أصول مذهبية اقتصادية أرقى. وبهذا فهي نادرةٌ مع عدم توفُّر الشروط الأخرى، وكافية وليست وفيرة مع توفُّر شروط استثمارها.

2ـ أن الحاجات التي تشكّل المعادل المقابل للموارد ليست لا نهائية مطلقاً، وليست محدودة مطلقاً، فهي متنوّعة منشطرة، قابلة للتحديد والتكييف.

3ـ أن العمل الإنساني هو الذي يدخل مع الموارد ليكوِّن جانب العرض (الإنتاج والتبادل). فلا بُدَّ أن يكون العمل منظماً ومقتدراً ومزوّداً بالمهارات، وخاضعاً لتوجيه مذهبي إلهي شمولي، يقابله إشباع الحاجات التي تعترف بها الأصول الحضارية للأمة، بحيث يشكل ذلك جانب الطلب (التوزيع والاستهلاك).

وهذه النظرية فيما نرى وسطٌ، تتلافى عيوب التوجُّهات الأخرى؛ لأن القول بالوفرة المطلقة يتعارض مع الحاجة إلى علم أو فكر اقتصادي؛ والقول بالندرة المطلقة يجعل من العمل قضية هامشية؛ لأنه يجري في فراغ؛ والقول بلا نهائية الحاجة يجعل من الموارد والعمل تابعين للاستهلاك المسرف؛ والقول بالحاجة المحدودة معارض بحقائق الواقع. فالمنهج المتوازن ينظِّر للمشكلة من خلال الجدول التخطيطي التالي:

وهذه التوازنية حينما تنظر للندرة على أنها نسبية فهي تندفع نحو التعاون بين البشر للتبادل، وحينما تنظر للعمل كرابط فهو في معطياته متحرّك يعوض النقص النسبي للموارد والزيادة النسبية للحاجة، وهنا تكمن أهمية التأهيل والحوافز المذهبية، فالكل يتجدّد (الموارد والحاجات وطبيعة العمل). وتقف المذهبية مانعة لقصور الإنسان وتقصيره والإساءة الى الموارد، أو هدرها وعدم الترشيد باستخدامها وتعطيلها، ممّا يسهم في تعميق آثار المشكلة الاقتصادية. وبهذا الاستنتاج المستند إلى تحليل النصّ وقراءة الوقائع يمكننا القول: إن الفكر الاقتصادي الإسلامي وهو يعالج المشكلة الاقتصادية في تصوُّره الفلسفي الكوني لا يقع في يوتوبيا التصوّرات، ولا يهبط إلى المنظور الفكري التجزيئي، ويعدّ منطقياً من أكثر العلاجات توازناً ومقبولية. ولنا وقفةٌ أكثر تفصيلاً على آليات المواجهة الإسلامية للمشكلة الاقتصادية.

سبل مواجهة المشكل الاقتصادي في الإسلام

   بعد أن وقفنا على أن جوهر المشكلة الاقتصادية هو بروز مقتضيات الطلب الإنساني على ما يمكن أن يشبع الحاجات من سلع في جانب العرض، سواء قبل مرحلة الإنتاج (الموارد مقابل مستلزمات الإنتاج) أو بعد مرحلة الإنتاج (الموارد + العمل + رأس المال / مقابل الحاجات والمتطلبات الاستهلاكية)، نجد أن المشكل الاقتصادي في صورته الأولى عملية تحدٍّ أوّلي للإنسان، يدفعه إلى أن يمتلك قدرة العمل وتقنياته، ويعتنق مذهبية للإنماء، ويمارس العمل والإنماء لكي يواجه التحدّي. وحينما يعجز عن مواجهة التحدي يقع تحت طائل العجز الجزئي أو الكلي. أما في الحالة الثانية فالمشكلة الاقتصادية التي يعجز مجتمعٌ ما عن حلّها تحوِّله إلى وضع التخلف الشامل، والذي لا تعالجه إلا التنمية الشاملة. فارتباط مقولة المشكلة الاقتصادية بالتخلف والتنمية ارتباطٌ عضوي وجوهري، وإنْ كان التخلف من حيث ماهيته متأخّر رتبةً عن المعضل الاقتصادي جوهراً وماهية، وبهذا تتضح وجاهة القول: إن مقولة التخلف: «انخفاض إجمالي الإنتاج بسبب انخفاض إنتاجية السكان»([27]) وإنْ كان تحديداً ناقصاً، والأصحّ منه تدنّي كفاءة مجمل النشاط الاقتصادي والعلمي والتأهيلي والفكري في مجتمعٍ يعيش وضع التخلف، بحيث تقابله مقولة التنمية الشاملة والمستدامة؛ لأنه ينشأ عن التحديد الأولي إهمال عدّة عوامل، منها: تدنّي نسب المتعلمين، وتدهور النظام الحقوقي، وعدم كفاءة المؤسسات الاقتصادية والعلمية والتأهيلية، وبالتالي إهمال أن العجز عن مواجهة المشكلة ناشئ عن عجز القدرة الاقتصادية عن تحقيق مستوى كفاية العيش للمجتمع([28]).

   وهذا التحليل صحيحٌ إذا عزلناه عن تجربةٍ منفصلة في مجتمعٍ ما عن التأثيرات الخارجية، أما إذا ناقشنا الموضوع في وضع اقتصادات عالمية مفتوحة فإننا مضطرون بالقبول بفكرة أن التخلف مقولة عالمية خاصة بالسلوك الرأسمالي للدول الغنية، ومرتبطة بنوع العلاقات الاقتصادية الدولية، وقضايا تقنية الإنتاج، وطبيعة وسائله([29])، وأسلوب العولمة في إعادة تقسيم العمل بين دول العالم إلى: دول ريعية؛ ودول صناعية، لذلك عرّفه عمرو محي الدين بوصفه ظاهرة منعزلة في قوله: «إنه ظاهرة بنيانية تتخلف فيها قوى الإنتاج كافّة، قياساً على درجة التطوّر الفني، وتخلُّف المهارات ينتج عنه انخفاض في مستوى الدَّخْل القومي»([30]).

   ولا عبرة بعد ذلك بالنظريات التي تردّ أسباب التخلف إلى: عوامل عنصرية([31])؛ أو جغرافية([32])؛ أو ثقافية؛ أو نقص القدرة على التموين؛ والحلقات المفرغة([33]). فسويسرا مثلاً، على الرغم من نقص الموارد فيها، هي من الدول المتقدمة، مقابل بعض دول آسيا وأفريقيا، إذ على الرغم من وجود الموارد فإن أغلب أقطار القارتين لا تزال متخلفة([34]).

   وكذلك لا عبرة في نظريات الغربيين في أن العقائد الدينية عموماً وراء التخلف. ولكنْ لأننا نسعى وراء تفسير متعدّد العوامل للعجز الإنساني في مواجهة المشكلة فإن الدين والعقائد مطلقاً لهما أثرٌ في إنهاض الدوافع الذاتية الداخلية للإنسان؛ للسعي وراء التقدُّم الأشمل، ونقرّ ما شخّصه ماكس ويبر من أن البروتستانتية سهلت للرأسمالية طريقها بالإصلاحات الدينية، كما نقرّ إجمالاً رأي (MEIR, BALDWAN) في أن تركيب وبنية القيم الدينية والأخلاقية لها دَوْرٌ في المواجهة([35]). لكننا نضيف: إن للإسلام، إضافة إلى الحوافز والقِيَم الدافعة، نظاماً تشريعياً واقتصادياً خاصّاً به. كما أننا نلحظ أن أحد عناصر المواجهة مرتبط بكيفية امتلاك وسائل الإنتاج، والتوافق بين ملكية هذه الوسائل والعوائد التي يحصل عليها المالكون، وطرق إنفاق هذه العوائد. ونرى أن كل تلك الزوايا يمكن أن تتجمّع ويعاد رصفها لتفسير ظاهرتي العجز والإنماء، طالما هما ظاهرتان شاملتان، فتفسيرهما يجب أن يعول على (العوامل المتعدّدة)؛ لأن الظاهرة الاقتصادية بطبيعتها ظاهرة مركبة. لأجل ذلك ستظهر لدينا من مجريات البحث قضية (التوازن العام)، فيقودنا البحث إلى تفسير العجز عن المواجهة بأنه عجز النظم الحضارية عامّة ـ والاقتصادية خاصّة ـ عن تلمُّس نقطة التوازن، وخواص شمول الرؤية في تسيير حركة الإنسان بالتوافق مع حركة أجزاء الكون والطبيعة.

   ويقودنا ذلك إلى القول: إن نتيجة عجز المواجهة هو إخفاق بنية المجتمع الاقتصادية في تحقيق «مستوى الكفاية المتحرّك بالتناسب مع زيادة السكان والتقدّم المدني واتساع الحاجات كمّاً ونوعاً، مما ينتج عنها تدنّي كثيرٍ من الطاقات والموجودة في الإنسان والطبيعة على مواجهة الفقر»، فندخل بمفهوم أشبه بمفهوم الحلقة المفرغة، وتتضح نقطة الشمول والتوازن بالإجابة عن (ما المنسق في أيّ نظرية اقتصادية بين معطيات الطبيعة ومخزوناتها وبين حركة الإنسان واتجاهاتها؟).

   فلا قائل مطلقاً في كل النظم الاقتصادية: إن منظّرها موجد ومنظّم حركة أجزاء الكون ومعطياتها، ولا قائل مطلقاً بأن أحداً ما لعلمه بها قادر على أن ينسق حركة الإنسان مع جزئيات الكون، إلاّ الله تعالى خالق الكون والإنسان. وهذا ما تنفرد به فلسفة الخطاب الاقتصادي الإسلامي.

   يقول الله تعالى على لسان نوح×: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ (نوح: 10 ـ 12). فكما أن السنن الكونية تؤثر في حركة الإنسان، كتأثير المناخ على طبيعة النمو الاقتصادي، فإن حركة الإنسان عندما تصطدم مع قوانين الطبيعة تؤثّر في معطياتها. ألا ترى أن إباحة قطع أشجار الغابات يؤدّي إلى التصحُّر، وأن زيادة عوادم المصانع في الهواء والمياه تؤدّي إلى تلوث البيئة، فإذا كان الله تعالى ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه: 50) فإن المذهبية الإلهية الإسلامية الخاتمة للأديان ستكون الموجِّه العام لحركة الإنسان في تدبير اقتصادياته؛ ليتواءم نشاطه مع قابلية أجزاء الكون المسخَّر على إخراج معطياتها.

   ولو نظرنا إلى قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112) لعرفنا الربط بين الكفر والرفاهية العامة تعارضاً، وبين الجوع والخوف تسبُّباً.

 ولو نظرنا إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ (الجنّ: 16)، ونعرف ان المراد بالطريقة هي شرع الله الحكيم، والماء الغدق كناية عن الرزق الوفير، فسنرى أن الاستقامة (أمر تشريعي)، والخير العميم (أمر تكويني)، فرتّب التكويني على مقدّمة تشريعية([36]). لذلك يقول الفنجري: إن معرفة العجز تتمّ من خلال نوع المستوى الذي يعمّ الشريحة الأدنى من الناس، أي عدد الأشخاص الذين يمتلكون نصاباً شرعياً فما فوق مقسوماً على عدد السكان الكلي، وحينئذ نستطيع معرفة (درجة العجز عن مواجهة المشكلة)([37]).

فالمواجهة الإسلامية للمشكلة الاقتصادية فكرياً تشترط أوّلاً: الالتزام بالتشريعات الإلهية كمقدمة شمولية تتناسب مع حركة الكون. وإن الندرة النسبية المفترضة هي ندرةٌ محفِّزة على العمل والتعاون مع الشعوب، فهي ليست ندرةً مطلقة، ولا وفرة مطلقة؛ لاستلزام الأولى العجز التام والدائم؛ وتستلزم الثانية عدم الحاجة إلى اقتصاد (علم/ مذهب)، وعدم الحاجة إلى العمل. كما أن الحاجة ليست لا نهائية مطلقاً، إنما هي متعدّدة منشطرة، لكنها قابلة للتحديد، فهي مثل الموارد، كلما توهَّم الإنسان أنها قد شحَّت جاء العلم فدلّ على وجود موارد جديدة. فمذهبية الإسلام هي مذهبية التوازن التي تحدِّد نوع العلاقة النظمية التي تربط بين مدى قدرة الإنسان على تكييف حاجاته مع الموارد المتاحة، والقدرة الأنموذجية على العمل الخلاق. لهذا يقرِّر المفكِّر الجزائري مالك بن نبي أن شروط الحضارة توازن النسب بين عناصر ثلاث: (الإنسان؛ التراب؛ الوقت). ويعني بالوقت المستثمر منه والمهدور.

   لذلك فإن الإسلام يسعى لمواجهة المشكلة من خلال المنظور التالي:

1ـ إن الإسلام يوجب على الفرد، والمجتمع، والدولة، كلٌّ على نطاقه، أن يمارس العمل بأعلى صوره وأتقن أنواعه؛ لإعمار الأرض. وقد ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61)، أي أمركم وأوجب عليكم استثمار مواردها. وأعطى للإنسان أعلى درجات التكريم بأن جعله خليفةً بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وقد دعا القرآن الكريم إلى امتلاك القوة، وهي كلّ أدوات التقدّم، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. لذلك فإن المجتمع الإسلامي يجب عليه شرعاً أن يخطِّط وينفذ برنامجاً تربوياً. وإن معيار مشروعية سلطة وليّ الأمر قدرة أجهزة الدولة على تطبيق التشريع الاقتصادي المؤدّي للوصول إلى حالة الإنماء الشامل. لهذا يقول الفنجري: إن المسلمين مقرَّبون إلى الله بقدر تعميرهم للدنيا([38]). وقد ورد ذلك استناداً إلى خطاب الإمام عليّ× لأحد عماله: «أما بعد… فإن رجالاً من أهل الذمّة من عمالك تركوا نهراً في أرضهم قد عفي وأدفن… فانظر أنتَ ثم عمِّرْ وأصلح النهر»([39]).

2ـ إن للإسلام نظرية شمولية متوازنة في تخصيص الموارد. فمن الموارد: ما وهبها الله للإنسانية كافّة، كالهواء والشمس والفضاء والمياه الطبيعية؛ ومنها: ما هو من المشتركات العامة لمواطني الدولة الإسلامية، إضافة إلى الأصناف المتقدمة، كالغابات غير الداخلة في ملكية خاصّة، والمعادن، والأرض غير المستصلحة. وهذه الموارد كلّها (ممّا تمّت صيرورته التكوينية بلا فعلٍ بشري، وهي من معطيات ينتفع بها إنْ لم نقُلْ: من الضروريات، وإنها تتجدد ذاتياً، ولا ينقصها انتفاع المنتفعين منها). ولعلّ هذا هو مناط كونها من المشتركات العامة، فمتى تدخَّل الإنسان في امتلاك أرض أو ثروات، أو حيازتها بسببٍ شرعي، اكتسب بها حقّاً قانونياً على قدر نوع السبب.

 وهناك فارقٌ بين ما يطلق عليه (المشتركات الإنسانية العامة) وما يصطلح عليه بـ (المباحات الأصلية). فالماء الطبيعي (في مجاريه الطبيعية) محلّ لحقٍّ مشترك لكل الناس على شواطئه، ولا يحق للأعلى الحبس عن الأسفل، إلاّ بقدر الحاجة الفعلية للإقليم. وكذلك الهواء وإمكانيات الفضاء وقاع البحار والمحيطات و«المياه الدولية» والطاقة الشمسية والطيور والصيود البرية. وهذه كلّها من جنس المشتركات العامة([40]) للبشرية جمعاء، ولا تتمّ الإفادة منها إلاّ بشرط الحيازة الشرعية. أما المباحات الأصلية فهي الموارد الثابتة والمستقرة في إقليمٍ يختصّ بمواطني الإقليم جميعاً، وهي الأرض الموات (غير المستغلّة)، والمعادن والغابات داخل إقليم الدولة أو حدودها السياسية([41])، والموارد الموقوفة للناس وقفاً عاماً (ينتفع بها، وتبقى رقبتها محبوسة). يقول العيني في عمدة القارئ: (لا يجوز للإمام تمليك نهرٍ لأحد، وإنْ جاز أن يملك رجلاً أرضاً. وإذا احتاج الإمام إلى بيع أرضٍ في نوائب المسلمين جاز له. ولا يجوز في مائهم ولا أنهارهم، فالإمام فيها كسائر الناس)([42]). ويظهر من النصّ موضوع الفارق بين المشتركات العامة والمباحات الأصلية، وهذا ما لم نجده واضحاً وجليّاً في كتب التراث.

   وإذا عرفنا ذلك فإن التشريع الإسلامي يتعامل مع المشتركات بأسباب الحيازة، ومع الأرض بأسباب الإحياء والاستثمار، بوصفها عنصر إنتاج. ويقسِّم التشريع الأرض إلى أنواع:

الأولى: الأرض العامرة بفعل إنساني: وهي لأفراد الناس قبل الفتح الإسلامي؛ فإنْ أسلموا عند الدعوة عليها فهي لهم، وعليهم الحقوق الشرعية المترتِّبة على إقرار الملكية؛ وإنْ قاوموا المسلمين في دعوتهم إلى إقامة مجتمع الحقّ والعدل فتتحوَّل إلى ملك عام للمسلمين، ينظر الإمام بمَنْ يعمل عليها، سواء من أصحابها بعد نزع الملكية منهم أو يحوِّلها إلى القطاع العام يستغلّها لصالح المسلمين جميعاً، بالشركات أو منح امتيازات الاستثمار إلى غيرهم.

الثاني: الأرض الصلحية: وهي ما تصالح أهلها مع المسلمين، فيكون أمرها حسب بنود الصلح. وعموماً إن أساس ما يُسمّى بموارد الملكية العامة للأمة قد أسسها التشريع الإسلامي من العامرة إذا قاتلوا عليها، أو ممّا جلى عنها أهلها ومما لم يملكها أحد. وللإمام ـ وليّ الأمر ـ أن يوقف استثمار الأراضي الموات لاستصلاحها بصلاحيته للناس كافّة، وكذلك المعادن، بنوعَيْها: الظاهرة؛ والباطنة، استحساناً، وما تصالح عليها مع أهلها على أن تكون ملكيتها وريعها للمسلمين، مقابل البقاء على دينهم والانخراط في المواطنة الإسلامية، فإنها تبقى ملكاً عاماً، وما تصالحوا على أن تقرّ ملكيتهم محلّها فإنها تبقى أرضاً مملوكة.

الثالث: الموات: إن الأصل في غير المستصلح أن يكون مشروعاً مفتوحاً لكل مسلم قادر على استصلاحه واستثماره بإذن وليّ الأمر، على رأي أغلب الفقهاء. وله أن يأذن للناس كافّةً من مواطنيه باستثمارها. ويدخل في مصطلح الأرض المعادن والمياه معاً، فكل ثروة غير مستغلة تسمّى «مواتاً»([43])، يمكن أن تنخرط في ملكية القطاع العام، ويمكن أن يستثمرها أفراد الناس بإذن الإمام بخراج (الشراكة بين القطاع العام والنشاط الخاص).

3ـ للإسلام نظرية إنتاج تقوم على أسس لدوافع الإنتاج، وغايات العملية الإنتاجية، وعناصر الإنتاج، وأهداف المنشأة، وقطاعات الإنتاج([44]). فدافعُ الإنتاج الأكبر ممارسةُ الاستخلاف الإلهي للإنسان لإعمار الكون عبادةً لله تعالى. أما غاياته فتحقيق الرفاهية للمجتمع الإسلامي، والقوّة الشاملة للأمة والعقيدة. ويتفرَّع عن هذه الغايات مجموعة أمور، منها: استثمار الموارد، وتشغيل الأموال، وتكافؤ الفرص، وحظر الإنتاج المضرّ طبقاً لقاعدة دَرْء المفاسد أَوْلى من جلب المصالح، وضرورة امتلاك التقنية الإنتاجية لمواجهة المشكلة الاقتصادية بالإفادة من الموارد المتاحة (نسبياً)، وتنميط الحاجات فكرياً وفنياً، ومقاومة الفقر والعجز، وبالتالي تحقيق الإنماء العام والشامل.

أما عناصر الإنتاج فهناك ثلاثة اجتهادات من الاقتصاديين الإسلاميين:

1ـ ما يذهب إلى مسايرة الفكر الاقتصادي الوضعي في عدّها أربعة، مع تعديل على معطيات رأس المال، بإلغاء مقولة الرِّبا.

2ـ ما يذهب إلى إدخال عنصر التنظيم الفنّي والإداري مع عنصر العمل بوصفه عملاً ذهنياً وفعلياً، وبالتالي فهي ثلاثة: (الأرض، العمل المنظّم، رأس المال)، مع التعديل على رَيْع رأس المال، بإلغاء مقولة الرِّبا([45]).

3ـ ما يذهب إلى حصره في عنصرين اثنين، هما: (الأرض؛ والعمل)؛ باعتبار أن رأس المال عمل متراكم يخضع لمقولة العمل وطرق اكتسابه في الإسلام، كما أن التنظيم يندرج ضمن العمل، فتكون عناصر الإنتاج اثنين:

الأول: ما يُسمّى المسخَّر (ومنه: الطبيعة والأرض والمياه والمعادن والفضاء)، مما لم يسهم الانسان في خلقه وديمومة عطائه.

الثاني: الإنسان، أي العمل المباشر بنوعَيْه: الجسدي؛ والعقلي (الذهني)؛ وغير المباشر، وهو  رأس المال (المتراكم) إذا كان مكرّساً للاستخدام من جديد. وحيث لا يوجد نصٌّ شرعي يعارض هذه الرؤية، ووجود ما يؤيِّدها، فهي عندي أصحّ من غيرها؛  لقوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ.

   أما أهداف المنشأة المنتجة فهو تحقيق أعلى منفعة ممكنة ومشتركة بين المنتج والمستهلك معاً. وقد انحاز الباحث نجاة الله صديقي إلى المنتج حين جعل أهداف المنشأة تحقيق عوائد للمنتج، مع تحقّق النفع العام للمستهلك، دون الضغط الهائل على الأجور بواسطة الأسعار أي (الكلفة + هامش معقول من الربح). وهنا يجب التنبيه إلى أن درجة تدخل القانون الإسلامي وسلطة الدولة في اقتصاديات المجتمع الإسلامي أكثر درجةً ممّا في النظام الرأسمالي، وأقلّ منها في النظام الماركسي. على أن لا نغفل أن في الإسلام نظام الحسبة (الرقابة الاقتصادية والإدارية)، الذي من مهماته مراعاة حقوق العامة، والتأكُّد من الالتزام الشرعي والخلقي للمنشأة. بينما لا نجد في النظام الرأسمالي إلاّ دَوْراً هامشياً للسلطة العامة في تحقيق قِيَم النفع العام والمتوازن والشامل في ما وراء نصوص القانون([46]).

ويتّضح ممّا تقدم:

1ـ أن للإسلام نظرية إنتاج تتخطى الوصايا الأخلاقية إلى مستوى الأطروحة الفلسفية، ومدعومة بالهيكل الحقوقي الإسلامي، الذي يدفع باتجاه تحويل الخامات إلى سلع متناسبة مع إشباع حاجات العصر. وهذه الصياغات الاقتصادية من النصوص التي تشكّل الأسس العلمية لمذهب اقتصاد إسلامي في مجال الإنتاج([47]).

2ـ ونجد في القرآن الكريم إشارةً إلى مبدأ تقسيم العمل؛ فقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ للإشارة إلى النشاطات الزراعية، والصناعية، والتحويلية، والتعدين؛ وقوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ للإشارة إلى مشروعية العمل. في حين كان الفيزوقراط حتى القرن الثامن عشر يقصرون الإنتاج الزراعي بوصفه النشاط الوحيد الذي يعطي إنتاجاً صافياً خارج مستويات الكلفة.

3ـ ونلحظ أن أطروحة الإنتاج في الإسلام، من تحويل الخامات إلى سلع، بل من توزيع عناصر الإنتاج على المنتجين لتأسيس مصاديق الملكية على أساسٍ شرعي، تعتمد أساساً قانونياً؛ وأن ذلك التوزيع لا يتمّ على أساس القوة، والوجاهة الاجتماعية. فنظام الملكية فيه ليس هبة الدولة للأفراد، ولا مقتضى قوة الأفراد، إنما هو حقٌّ شرعي. فالملكية ليست حقاً طبيعياً خالصاً، كما تقرِّره الرأسمالية؛ ولا وظيفة اجتماعية، كما تقرِّره الماركسية، إنما هو محصلةٌ لحكمٍ شرعي، ما يعني أن المؤسسة الاقتصادية الإسلامية مؤسّسة قانونية.

4ـ ونلحظ أيضاً أن نظرية الإنتاج الإسلامية ناتج علمي عن فلسفة الاستخلاف، فلا فاصل بين نظرة الاستخلاف للموارد وطريقة الإفادة منها. مما يفهم منه أن النظام الإسلامي يتناول أدقّ فروع هذا النظام بالتكامل والتنسيق بين مفرداته الجزئية وقواعده الكلية.

5ـ ويلاحظ أن تقنين الإسلام لملكية الأرض يقلِّل من الرَّيْع، وبالتالي يقلِّل من كلف الإنتاج لصالح المستهلك، والتوازن مع الأجور، وأنه ينظر لدَوْر رأس المال نظرة ثانوية، فالأصل هو عمل الإنسان.

6ـ ونلحظ أن القانون الإسلامي وسلطة الدولة لها أن تحدِّد ماذا تنتج وفق مصطلح (الطيِّبات)، ولها أن تنفذ أحكام حرمة الفساد والإفساد والاستغلال. وطبقاً لضروريات الواقع وحاجياته وكمالياته من جهةٍ تتحدّد السلعة المشروع إنتاجها، مقابل إنتاج السلعة المحرّم إنتاجها. فمتى أضرّ الإنتاج بالحياة والإنسان والبيئة، وإنْ كانت عوائده المالية مربحة، يجب إيقافه. فيتجاوز هدف الإنتاج تحقيق الرفاه العام، إلى مفهوم النفع العام الشامل، فتتحدَّد له بذلك أهداف فكرية وعبادية.

7ـ وفي ملحقات الإنتاج نلاحظ حرص الإسلام على استيفاء الأجور التي يستوفيها الأجراء، سواء كانوا عمالاً أو شركاء، في عقود المزارعة و المضاربة والمساقاة والإجارة والجعالة، كمّاً ونوعاً، بحيث تتوازن مع الأسعار في الأعمّ الأغلب.

8ـ وثمّة قضية خطيرة نلحظها، وهي أن الإسلام يوصي بأن نتصرف بفوائض الإنتاج لإشباع جياع العالم، والتصدق على المحرومين من البشر، مسلمين كانوا أم غير مسلمين، مع إعطاء المسلم أولوية؛ لتصوُّر الإسلام أن المشكلة الاقتصادية ليست من مسبّبات (الندرة المطلقة)، ولمسؤولية المسلم عن عموم الإنسانية، وإيمانه بأن حقّ الحياة حقٌّ مقدَّس للإنسان.

9ـ ويلحظ أيضاً أن استثمار المنتج على (ملكية الدولة) يجعله مثقلاً بدفع الرَّيْع لمصلحة المجتمع؛ لأن المجتمع مكَّنه من فرصة عمل مهيّأة، هي في الأصل هبة من الله للمجتمع كله، فصار من حقّه صرف الرَّيْع على استحقاقاته. بينما كلفةُ المشروع الخاصّ، مضافاً إلى الحقوق الشرعية (الزكاة  والخمس)، أنّه يعطي من رَيْع الأرض مقابل تمكينه من الاستثمار؛ لأنه حقَّق لعموم الإنتاج فرصةً جديدة للدَّخْل القومي، بإيجاده فرصة عمل من العدم، كإحياء الأرض مثلاً.

10ـ ويلاحظ أخيراً أن الإسلام لا يقيم الإنتاج على أساس الخصخصة فقط، ولا على أساس تأميم القطاعات كافّة، وإحالتها لإدارة الدولة فقط، إنما يؤسّس قطاعات الإنتاج على الأشكال الثلاثة:

11ـ قطاع الإنتاج العام، وهو ما تديره الدولة، ويراقبه المجتمع، وتصرف عوائده في المنافع العامة.

12ـ قطاع التعاون بين إمكانات الدولة وطاقات الأفراد. فالعوائد فيه مناصفةٌ.

13ـ القطاع الخاص، وتديره الأفراد، ويكون مثقلاً بالحقوق الشرعية المالية المعروفة في النظام المالي الإسلامي.

 وللإسلام نظرية في توزيع عوائد عناصر الإنتاج، بعد أن عرفنا توزيع عناصر الإنتاج. فهو يجعل رَيْع الأرض العامة أساساً لعموم المجتمع إذا كانت خراجية، وإذا كانت صلحية جعلت للأمة كافّة طبقاً لمعاهدة الصلح، وللأفراد إذا تملَّكوها بسبب شرعي. ولكنْ مع تعسُّفهم ورفع الأسعار، كالاحتكار، تنافسهم الدولة بتهيئة فرص للمستثمرين، وتفتح المجال لاستثمار غير المستغلّ في الأرض، وتقرض أصحاب المشاريع الخاصة، وتمدّهم بالمشورة والمستلزمات الفنية والإدارية؛ لكي لا يستبدّ القطاع الخاص بالسوق، ولأجل أن توجد درجةً في التوازن بين القطاعات. ومع عوائد رأس المال فإن الشريعة الإسلامية ألغت الربا، وحاربت الاكتناز، وشجّعت رأس المال النقدي على الدخول كعنصرٍ فعّال في العملية الإنتاجية، مشاركاً في الأرباح، غارماً في الخسائر. وتجد ذلك في أحكام المضاربة والمزارعة والشركات. ومع التنظيم فهي مع أجر الجهد الذهني، بشرط عدم التعسُّف والعدوان، سواء بصيغة غمط حقوق الأجراء أو الاحتكار. أما العمل فقد أوْلَتْ الأُجَراء عناية رفيعة في إعطائهم حقوقهم، كمّاً ونوعاً، وشرعت لهم نظاماً للحوافز المادية والاعتبارية([48]).

   وفرضت على أصحاب الأموال حقوقاً شرعية لإسعاف ذوي الدَّخْل المحدود، وأناطت بالدولة مهمة ضمان العاطلين عن العمل والعاجزين عنه، وجعلت عوائد القطاعات الخراجية للخدمات العامة، كالتعليم والصحة والخدمات الأخرى، تخفيفاً لضغط الإنفاق على الأجور، ودفعاً للادخار. وشرّعت فوق ذلك على الموسرين حقوقاً خارج نطاق الواجبات المحدّدة، كالصدقات التطوعية والوقف والكفارات المالية والمبرّات والوقف وغيرها من العمل النافع، لصالح رأس المال الاجتماعي.

14ـ وللإسلام نظرية محكمة في التبادل، تفرض أعلى درجات الجودة وإقامة السوق النظيفة من الغشّ والتدليس والغبن والنجش، تطبيقاً لمقولات العمل الصالح، والرقابة الذاتية، والحساب الأخروي. مضافاً إلى القوانين التي تمنح المغبون والمغشوش والمدلَّس عليه حقّ رد السلعة أو أخذ الفارق السعري. مضافاً إلى تأسيس جهاز رقابة له عدّة صلاحيات لمراقبة السوق، يُسمّى (جهاز الحسبة).

ومن الأمور المهمة أن السوق الإسلامية يتوفّر فيها حدٌّ معقول من المعلومات عن السلعة وحجمها والأسعار وما له علاقة بالسوق. ففرص التعاقد مع جهالة السوق قليلة جدّاً. ومن الواجبات على الدولة توفير هذه المعلومات لكلّ المتعاملين في السوق. وتشدّد نظرية التبادل على منع أشكال الاحتكار كافّة. وتتدخّل الدولة إذا تعرض قانون العرض والطلب لظروف طارئة لمصلحة المنتج والمستهلك معاً، ففي نظرية التبادل والسوق الإسلامية تمتزج الحرّية الاقتصادية مع مسؤولية الفرد عن نفسه ومسؤولية الدولة عن الناس امتزاجاً لا يمكن فصله([49]). وهذا النمط من توزيع المسؤوليات يحقِّق مشاركة واسعة في بناء وضعٍ اقتصادي سليم.

   إن نظرية الاستهلاك في الاقتصاد الإسلامي تقوم على أساس أن السلعة المستهلكة هي ذلك المنتج النافع للإنسان أو ما يؤدّي استعمالها إلى تحسين المنفعة الشاملة. فكلُّ ما لا يؤدّي إلى أحد هذين لا يُعَدّ من السلع الاستهلاكية. وهذا التحديد يتفرع عنه مجموعة أمور تغطي قِيَم السلع والأسعار والحقّ في دخول السوق الإسلامية، إنتاجاً أو استيراداً أو تبادلاً، فضلاً عن الاستهلاك.

   وإن هدف الاستهلاك هو التمتُّع بالطيبات، والبناء الأمثل للإنسان، وتمكينه من مواصلة دَوْره في إعمار الأرض وعبادة الخالق، ولذلك تجد حرمة الإسراف والتبذير مما يحفظ للأمة ثرواتها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾. وتجد أن حشداً من السلع لا يجوز استهلاكها (المحرَّمات لذاتها)، ومنها ما لا يجوز استعمالها من قِبَل الرجال فقط (الذهب والحرير)، ومنها ما لا فائدة فيه، ممّا يقلِّل من الممارسات العبثية التي تهدِّد بعض الموارد بلا طائل.

فيكون الاستهلاك مع (مقولة التوازن) منسجماً مع هدف تكوين الطاقات اللازمة لعمارة الأرض، وعلى أولويات هذا الهدف يؤسَّس الهيكل السلعي في السوق الإسلامية.

وبهذه المفاصل يواجه الإسلام المشكلة الاقتصادية، ويحوِّل الموارد والممارسات الفعلية إلى «حلّ» هذه المشكلة، من خلال التوازن لإقامة المجتمع المتوازن.

 

الهوامش

(*) رئيس قسم الدراسات العليا في كلِّية الفقه، ومدير مركز الدراسات، في جامعة الكوفة. من العراق.

([1]) د. مصطفى الزلمي، أصول الفقه 1: 22.

([2]) أي إذا كان الحديث مما يحتجّ به، وإنْ وضعه المحدِّثون بدرجةٍ أدنى من الصحيح، كالحَسَن والموثَّق.

([3]) الشاطبي، الموافقات 3: 346.

([4]) الغزالي، جواهر القرآن.

([5]) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 5: 152.

([6]) المصدر السابق 5: 153.

([7]) المصدر السابق 5: 154.

([8]) البزدوي، كشف الأسرار 3: 146، الشوكاني، إرشاد الفحول: 71، التفتازاني، التلويح 2: 326.

([9]) الجرجاني، التعريفات: 100.

([10]) خلاف، علم أصول الفقه: 89.

([11]) كبيع العنب لمَنْ يصنعه خمراً، فبيع العنب وحده عقدٌ شرعي صحيح، لكنّه لمّا صار مقدمةً لحرام أو مفسدة انسحب الحكم من النتيجة إلى المقدّمة. راجِعْ: الحكيم، الأصول العامة.

([12]) أصول السرخسي 2: 223، القرافي، شرح تنقيح الفصول: 447، المحلي، جمع الجوامع 2: 222، الشوكاني، ارشاد الفحول 327.

([13]) حمد الكبيسي، أصول الأحكام: 48.

([14]) كوكس، الرأسمالية نظاماً: 58، ترجمة: إبراهيم كبة.

([15]) عبد الأمير كاظم زاهد، التنمية في الاقتصاد الإسلامي: 34 ـ 36، 38 ـ 44.

([16]) فخ العولمة.

([17]) فتح الله، الاقتصاد السياسي: 11.

([18]) أحمد عواد، الحاجات: 43. انظر: شوقي أحمد دنيا، الإسلام والتنمية الاقتصادية: 46.

([19]) عبد اللطيف هميم، دَوْر الدولة في النشاط الاقتصادي.

([20]) المصدر نفسه.

([21]) شرح الكرماني على البخاري 9: 195، العيني، عمدة القارئ 5: 413، ورواه مسلم وأبو داوود في الزكاة.

([22]) سنن ابن ماجة 2: 725.

([23]) فتح الباري 4: 259، شرح الكرماني على البخاري 9: 198.

([24]) سنن ابن ماجة 2: 728.

([25]) المصدر السابق 2: 765.

([26]) المصدر السابق 2: 770.

([27]) شوقي أحمد دنيا، الإسلام والتنمية الاقتصادية: 10.

([28]) حسين درويش، التنمية الاقتصادية: 18.

([29]) عمرو محي الدين، التخلف والتنمية: 47.

([30]) المصدر نفسه؛ وانظر: أوسكار لانجة، أبحاث في التخطيط: 89.

([31]) محمد فاضل ومحمد عزيز قفطان، التنمية الاقتصادية: 79 ـ 100.

([32]) المصدر نفسه.

([33]) هشام البعاج، المغزى الحقيقي لنظرية الحلقات: 15.

([34]) توماس سنتش، ؟؟؟: 67، 71.

([35]) توماس سنتش، ؟؟؟: 119؛ وانظر: كوكس، الرأسمالية نظاماً: 95؛ وبوكانان، وسائل التنمية: 151.

([36]) عبد الأمير زاهد، تأملات في النصّ القرآني: 47.

([37]) محمد شوقي الفنجري، الإسلام وعدالة التوزيع: 345.

([38]) المصدر السابق: 348.

([39]) البلاذري، فتوح البلدان: 190.

([40]) عبد الأمير زاهد، المياه ملكيتها والإنتفاع بها (أطروحة دكتوراه): 37.

([41]) المصدر السابق: 38.

([42]) العيني، عمدة القارئ شرح صحيح البخاري 5: 732.

([43]) للتفاصيل انظر: العبادي، الملكية في الشريعة الإسلامية 1: 372.

([44]) محمد منذر القحف، الاقتصاد الإسلامي: 65 وما بعدها.

([45]) المصدر السابق: 75.

([46]) أستاذنا د. فاضل الحسب (المذهب الاقتصادي الإسلامي).

([47]) نظرية إنتاج إسلامية: من مباحث إحياء الأراضي، بحث د. عبد الأمير زاهد، ندوة عدن، 1992.

([48]) د. تقي العاني، الإسلام والمشكلة الاقتصادية، مجلة دراسات اقتصادية.

([49]) عبد اللطيف همم، وظيفة الدولة الاقتصادية للإسلام (أطروحة دكتوراه).

الكاتب أ. د. عبد الأمير كاظم زاهد

أ. د. عبد الأمير كاظم زاهد

مواضيع متعلقة

اترك رداً