التعدُّدية الدينية والتعدُّدية الثقافية

27 مايو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
110 زيارة

التعدُّدية الدينية والتعدُّدية الثقافية

المفاهيم والمرتكزات

أ. أمامة مصطفى اللواتي(*)

مقدّمة

الطبيعة في ذاتها متنوّعة متحرّكة، زاخرةٌ بالتنوّع والتضادّ والتماثل والاختلاف. والإنسان بذاته ليس أقلّ تنوّعاً من الطبيعة. وعنصر الاختلاف البشري يمكن أن نراه في طرائق التفكير والاستنتاج والحضارات التي أقامها الإنسان، بل وحتّى في المجتمعات البدائية التي أنشأها. ولا يمكن للإنسان أن يتعامل مع الاختلاف الكبير في الطبيعة بأسلوب أحادي التفكير والتحليل، ولا يمكن أن يتكيّف بالطريقة نفسها مع البيئات الجغرافية المتباينة والمتباعدة والمتنوعة. فالتعدّد قائم على تعدّد التجارب البشرية وتعدّد خبرات الإنسان فيها، الذي خلقه الله بصورة وهيئة وطبائع متباينة. ويرى العالي([1]) أن التعدّدية مختلفة عن الكثرة، فالكثرة هي تعدّدية الكمّ، فهي كإضافة صوت إلى صوت، وحزب إلى حزب، فهي كثرة خارجية؛ ولكن التعدّدية نجدها «داخل الوحدة»، فتمتدّ التعدّدية لتترك لكلّ عنصر نصيبه من التميُّز، وتسمح للتفرّدات بنصيبها من الوجود، فيصبح التعدّد مفهوماً باطنياً «يصدع الوحدة، ويضم أطرافها»، ويصبح إنسان التعدّدية ليس الذي يحمل جوازات عدّة، ويتحدّث عدّة لغات، بل هو ذلك «الكائن السندبادي»، الذي يوجد بين لغات وبين ثقافات، والذي ينظر للآخر على أنه المجال المفتوح للانفصال والالتقاء، ويرى العيش معاً شرطاً لوجوده.

التعدّدية الدينية

التعدّدية تشمل الآخر المختلف عنا، سواء في إطار الدين الواحد، أو بين الأديان أو المختلف اثنياً وطبقياً وسياسياً. وحيث إن التركيز في هذه الورقة على التعدّدية الدينية فينبغي لنا أن نستفسر هل يُعَدّ الدين حاجزاً أو مانعاً لتحقيق فكرة التعدّدية؟

فقد قامت مقولة التعدّدية الدينية في المجتمعات الديمقراطية على أساسين اثنين: «المواطنة؛ والدولة القومية الواحدة التي تسيطر عن طريق التوافق أو العقد، بحسب روسو، على مجتمع متعدّد الفئات الاجتماعية والسياسية، لكنه يتمتّع بقدر كبير أو متوسّط من التماسك أو غياب المشاريع الانفصالية القوية»([2]). وبالنسبة لفكر التعدّدية الدينية في المنظور الإسلامي والمجتمعات العربية فإن عدداً متزايداً من الدراسات والمقالات([3]) قد بحث وناقش في مفاهيم مثل: التسامح والجدال والحوار من النواحي الفكرية والتاريخية والفلسفية والحضارية، والتي يمكن العودة إليها لقراءةٍ أكثر تعمّقاً. ويمكن تلخيص الأفكار المطروحة في هذه الدراسات كما يلي:

أوّلاً: أكّدت الأدبيات الإسلامية على فكر التعدّدية، رغم ما يوحي به تفسير بعض النصوص القرآنية من عدم قبول الأديان الأخرى. فكما يقول الدامغاني في كتابه (الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز): إن تفسير «الحقّ» في القرآن يقع على اثني عشر وجهاً؛ فوجهٌ منها: الحقّ يعني الله نفسه؛ ومنها: القرآن؛ ومنها: الإسلام؛ ومنها: بمعنى العدل؛ ومنها: بمعنى التوحيد؛ ومنها: الصدق؛ ومنها: المال؛ ومنها: الأولى؛ ومنها: الحظ، ومنها: الحاجة([4]). وتنفر الآية الكريمة من مبدأ الإجبار في قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ومن المبادئ التي نجدها في الرؤية القرآنية لحقّ الاختلاف: التوحيد، العدل، تكريم الإنسان، التعاون على البرّ والتقوى، الدفع بالتي هي أحسن، الاستباق بالخيرات، الحوار، التعارف، الاعتداد بمقاصد الشريعة. فلو أدّى الاختلاف إلى فرقة الأمة لوجب التحذير منه وتجنّبه([5]). ويربط القرآن الكريم الإيمان بالعمل الصالح على الدوام، دون ربطه بدينٍ محدّد([6]).

وأجد مفهوم الدكتور علي شريعتي جديراً بالذكر، فقد كان يرى أننا من خلال عنصر الاجتهاد نحتفظ بالدينامية للنهضة. وقصدُه أن المسلم لا ينبغي أن يتعامل مع المحيط الاجتماعي من موقع اللامبالاة، بل يجب تحقيق التكاتف والتراصف والدعوة للخير. أما الاجتهاد فيعني التواصل المستمرّ والتعاطي في الأصول وفي الفروع، واجتناب الرجوع إلى الماضي والالتزام بأقوال القدماء والقول بأن العلماء السابقين قد أسّسوا وشيّدوا هذه الأفكار والآراء الدينية وما علينا سوى استهلاكها واتّباعها فقط([7]).

ثانياً: يمثِّل الدين ركيزةً ودعامة للأخلاق، وبذلك يمنح الناس الاطمئنان إلى أن هذه القِيَم الأخلاقية أصيلةٌ وتمتاز بالحقانية. وهذه قيمةٌ غاية في الأهمية. إلاّ أن المشكلة تكمن في أن الخطاب الديني لم يشجِّع لسنواتٍ طويلة على إثارة النقد والاستفسار، بل على الإيمان واليقين، وبالتالي تواجه عملية نقد الدين مشكلة كبيرة؛ حيث يعتبر هذا النقد تشكيكاً في الدين، وبالتالي يؤدّي إلى «زوال الإيمان، وزوال الإيمان عين السقوط في جهنم»([8])! فمثلاً: عند انتقاد بعض أنواع التمييز الشائعة في ما يتعلَّق بالحقوق في الدين الإسلامي، والتي تعتبر من مسلَّمات الفقه الإسلامي، لا يُلتفت إلى أن هذا التمييز مثلاً ليس من ذاتيات الإسلام، بل من عرضياته، «ولذلك فهي لا تمثِّل القِيَم الإنسانية المطلقة، وعلى هذا الأساس يمكنها أن تخضع لعملية الاجتهاد المعاصر، وتترك مكانها لأعراف وآداب وقِيَم أخرى، مع حفظ مقاصد الشارع المقدَّس»([9])، وخاصّة أن المؤرِّخين والفقهاء يرَوْن أن 99% من الأحكام الاجتماعية إمضائية، وتمتدّ في جذورها إلى المجتمع العربي الجاهلي في ذلك الوقت، كما أشار الدكتور جواد علي في كتابه «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، أي أن النبيّ أمضى تلك التقاليد والأعراف الموجودة في المجتمع العربي، ومنحها المشروعية، وأدخلها إلى دائرة الفقه الإسلامي، بعد إجراء بعض التعديلات عليها، مثل: أحكام التجارة والرهن والنكاح والطلاق. فلو بعث النبيّ في زماننا هذا لقدَّم معنى جديداً للحياة، من دون إجراء تغيير من صور الحياة المعاصرة([10]). فالدين دائماً محفوفٌ بالمعارف والأفكار المتناسبة مع كلّ عصر، ويعيش معها عملية جدلية من الطرفين. وما دامت هذه العناصر الخارجية متغيِّرة فإن هذا التغيير يسري إلى أجواء الفهم الديني. ويرى عبد الكريم سروش([11]) أن التحوُّل في المعرفة الدينية ليس نتيجة مؤامرة أو قلّة العقل أو تلاعب يد التحريف في معالم التفاسير، بل حصيلة تبعية النصّ لتكامل الفهم البشري في مجالات وميادين خارج دائرة الدين، وهذا الأمر يوجب فهم الدين بأشكالٍ مختلفة.

ثالثاً: برز في العصر الحديث عددٌ من الباحثين والمفكِّرين الإسلاميين المهتمّين بالتعدّدية، واستند أغلبهم إلى المبادئ الإسلامية، وليس على الميراث الغربي في المناقشة والتأسيس والدعوة إلى التعدّدية. غير أن هؤلاء ـ حَسْب رأي أحد الباحثين([12]) ـ ما يزالون قليلين، وما تزال أصواتهم غير مسموعة لدى الجمهور المسلم الأوسع.

رابعاً: يرى غالستون([13]) أن خمسة عقود من الأنظمة الاستبدادية في الدول العربية الرئيسة ضربت فكرة المواطنة في الصميم؛ بسبب غياب مفاهيم الشرعية والقانون واستقلالية القضاء وعلنية المجال السياسي وحرّيته. فإذا تأمّلنا العالم العربي وجدنا أن النزعة الأبوية متجذّرة فيه، وهي نزعة لا تقرّ منح الحقوق بقدر ما تؤكّد على الالتزامات. وقد تصاعدت هذه النزعة الأبوية حتّى وصلت إلى رأس النظام السياسي، فهو الأب، وهم الأبناء الذين عليهم الطاعة، بغضّ النظر عن الحقوق التي تمنح لهم أو الالتزامات التي تفرض عليهم([14]).

خامساً: سيطرت الفكرة القائلة بأن التفكير الإسلامي التقليدي شهد ويشهد انحطاطاً، ولا بُدَّ من الخلاص منه، فاقترنت فكرة الخروج من الانحطاط بفكرة التماس اليقين في المذهب الواحد والأوحد ذي الطابع الطهوري واليقيني([15]).

سادساً: مع افتراض وجود وتقبّل فكر التعدّدية المؤسّسية، ومن بينها: التعدّدية الدينية، فإن الحلّ التعايشي ممكن، حتّى لو كان كل الناس مؤمنين متدينين، بشرط التسليم بأن الدين الحقّ لا يؤيِّد العنف والإكراه على اعتناق اتجاه أو دين معين. وهكذا لا تستطيع الدولة أو الأفراد إرغام أيٍّ من المواطنين على اعتناق دين معين أو البقاء على مذهب معين، بل يصبح من واجب الدولة حماية المواطنين من محاولات كهذه([16]). ومن جانبٍ آخر فإن فرض دين معين أو قراءة معينة للدين هي من مقتضيات السلطة، لا من مقتضيات العقل. وهنا تكمن مشكلة إغواء السلطة. فعندما تجد فئةٌ ما، كالمتدينين مثلاً، أنها في موقع الأقلية فإنها تطالب بالحرّية الدينية، وعدم تدخُّل السلطة، وبمجرد أن تنتقل هذه الفئة أو غيرها إلى الأكثرية، وتستلم زمام السلطة، فإنها تنسى حقوق الطرف الآخر، وتبدأ بادّعاء الحقّانية لفئتها أو فكرها أو مذهبها، وبطلان بقية المذاهب والتيارات الأخرى، والتعامل معها من موقع التهميش والإلغاء([17]).

نحن والآخر: الحق والباطل

يشير الدكتور كاظم([18]) إلى أن هناك أشياء قابلة للاستملاك الفعلي والقانوني، كالأرض والمنزل، في حين أن القِيَم والحقوق الإنسانية غير قابلة للاستملاك. وحين يدّعي شخصٌ أنه يملك المفاهيم الصحيحة للحقّ والإسلام والجنة والحرّية والوطنية والصحّة والكرامة…إلخ فإنه بذلك يدّعي حقّ الانتفاع الحصري بهذه المفاهيم، ومنع الآخرين من الانتفاع بها، أو حتّى الاقتراب منها. وبناءً عليه ينطلق الخطاب العامّ ليضع عبارة: (نحن مختلفون) مقابل (هم مختلفون). وهذا الخطاب يكشف عن التفرُّد والاصطفاء والتميُّز، الذي تعتقد مجموعةٌ ما أنها تحمله، مقابل مجموعةٍ أخرى. وهذا الاصطفاء الذي تؤمن به ناتجٌ من اعتقادها بأنها تملك «المفاهيم» و«التعريفات» و«المسلمات» الصحيحة أو الأكثر صحّة، دون غيرها (مع الإقرار بأهمية ذلك في الحفاظ على الهويات الدينية والثقافية من الاندثار)، فقد اختارنا الله (نحن الجماعة المحددة) دون خلقه من الأولين والآخرين؛ لنكون حملة الحقّ والاعتقادات الصحيحة، في حين تظهر الجماعات الأخرى محرومةً من هذا الاصطفاء، إما باختيار أو بغير اختيار، ولا يمكن لهذا الآخر أن يكون على حقٍّ، بل في الحقيقة ينطلق خطاب التفرُّد ليشير إلى أن هناك غشاوةً ما تعتري عيني هذا الطرف المخالف، وتبعده عن الطريق السليم.

وتذهب بعض النصوص الموروثة بعيداً إلى حدّ أنها تُجادل أو تبرّر وجود جماعة أدركت الحقّ وتمسّكت به قبل أن نُوجد فعلياً في عالم المادّة، حيث ترك الله أمر اختيار الطريق القويم لنا وبيَّنه لنا ونحن في عوالم أخرى، غير أن ذاكرتنا المحدودة في عالم المادة المحدود لا تحمل أيّ ذكرى بصرية أو تلقيناً شفهياً بهذه العهود والاختيارات، بل إن كل مخلوق كانت له حرّية اختيار معتقداته في عالم الذرّ، قبل أن يوجد فعلياً في عالم المادّة. وترى هذه الروايات أن الله خلق الأرواح قبل الأبدان، وأنه جعل الأبدان كالذرّ، وامتحن الإنسان فيها. والغريب في هذه النظرية أن لا تُدرك غير فئة يسيرة من الخلق في ذلك العالم الصافي، والذي لم تتعرّف فيه بعد على عالم المادة وغوايتها، أن تدرك الصواب، وتتمسَّك به دون الآخرين. ثم لماذا تركنا الله نختار اعتقاداتنا الدينية فقط، ولم يمنحنا نفس الاختيار في ما يخصّ لغاتنا وألواننا وأماكن ولادتنا وفقرنا وسعادتنا وشقائنا؟! وهل يمكن للإنسان أن يختار ما لم يجرِّبه وما يعلم بعاقبته، فيختار الشقاء عوضاً عن السعادة؟! وهل بمقدور الإنسان أن يفهم ويستوعب هذه المعاني والأفكار وهو في عالمٍ مختلف عن عالم المادة الذي لم يختبره بعد؟!

نحن نعتقد بأن العالم يقوم على أساس العدل، وأحد أبرز مقتضيات العدل المساواة بين أفراد البشر في الثواب والعقاب والمواهب الإلهية، فلا يُعطى امتيازٌ لقومٍ من الأقوام بلا مسوّغ، ولا يتم منحهم مقاماً خاصاً ومكانة سامية لمجرّد الاسم([19]).

وتكمن أهم الأسباب الرئيسة «وراء غياب التسامح في حياتنا المعاصرة [في] أنه يتطلَّب ـ بدرجةٍ أساسية ـ اعترافاً ما بعدم اليقينية الأخلاقية، واتخاذ موقف الشكّ نحو قِيَمنا ووجهات نظرنا. يجب علينا أن نعتقد بإمكانية خطأ ما نؤمن به إذا كنا نريد فعلاً أن نتسامح مع آراء الآخرين التي تتناقض مع وجهة نظرنا أو تؤذينا»([20]). ويقتبس مارتنز هنا عن جون لوك([21]) عبارته: «لا يمكن لأحدٍ أن يكيف معتقداته بما يتوافق مع ما يمليه عليه شخصٌ آخر؛ لأن قوة المعتقد وحيويته تقوم على أساس الاقتناع العقلي الداخلي». فالاعتقاد والإجبار مفهومان يناقض كلٌّ منهما الآخر، وبذلك هما يترافعان ولا يجتمعان.

بالإضافة إلى الخطاب السابق فإننا قد ندعو علنياً أو ضمنياً الطرف المخالف إلى أن يبحث ويراجع أفكاره ومعتقداته، في حين نؤمن تماماً أننا نمتلك الجانب العادل فيها، وبالتالي فإننا نتعالى عن المراجعة الكلية أو حتّى الخاصة في إطار اعتقاداتنا، ونعتبرها غير ملزمة بالنسبة لنا، حيث نطالب الآخر بالشكّ في اعتقاداته الموروثة، مع احتفاظنا بحقّ التمسُّك باعتقاداتنا الموروثة. وليس من المنطقي مع وجود كل هذه الديانات والمذاهب والتيارات المختلفة والمتشعبة أن نحصر حقّ امتلاك الحقائق على إحداها، بل ما الذي يجعل كلّ طائفة منا تعتقد أنها المكرّمة، والتي اختارها الله دون خلق الأرض؛ ليهبها الحكمة والمعرفة، وليكرمها في مولدها، فيجعلهم أبناء تلك الأديان والمذاهب المختارة، ويحرم غيرهم من ذلك الحق؟! ألسنا كلّنا نولد دون اختيار الدين والطائفة والعِرْق؟! وأين هنا سعي الإنسان في البحث عن الحقيقة والأفكار والتأمُّل والترحال في الأديان والثقافات ومبدأ ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾؟

مباني التعدّدية الدينية

يعتمد المرتكز الأوّل في التعدّدية الدينية على تنوّع الأفهام بالنسبة إلى المتون الدينية، وأيضاً التنوّع في تفسير التجارب الدينية. ويرى المفكِّر الإيراني عبد الكريم سروش أن «فهمنا للمتون الدينية متعدّدٌ ومتنوع، لا يقبل الاختزال إلى فهمٍ واحد». ففي سعينا لفهم النصوص الدينية وتفسيرها، سواء في الفقه أو الحديث أو القرآن، نستعين بافتراضاتنا الفكرية المسبقة، وتوقّعاتنا من النصّ، والأسئلة التي تدور في أذهاننا في مرحلة سابقة، وبالتالي لا يوجد تفسير دون الاعتماد على التوقعات والفروضات السابقة، وبعضها مستوحاة من خارج الدين، وتتّصف بأنها متغيِّرة سيّالة، مثل: العلوم البشرية والفلسفية والمعطيات الحضارية التي تتغيَّر باستمرار([22]). وكما تتعدّد معطيات البشر واتجاهاتهم وتفسيراتهم للحياة بشكلٍ عام، حَسْب التجارب الحياتية والفلسفية التي يمرّون بها، يصبح للمعرفة، ومنها: المعرفة الدينية، طرقٌ عدّة، «وبأشكال وصور مختلفة، كالرؤيا والتجارب القلبية والكشف وحالة الانجذاب والعطش والفراغ والجمال والتغيّرات الروحية التي يعيشها الإنسان»([23])، وبالتالي لا يجوز أن يُساء إلى الإنسان بسبب مذهبه أو طائفته، فالأديان والعقائد لدى معتنقيها طرقٌ لطاعة الله وعبادته، والفصل بين أصحابها مرجعه إلى ربّ العالمين([24]).

و«الاختلاف في المجال الإسلامي كان ضرورةً باصطلاح ابن خلدون؛ لأن النصّ في منطلقه تحمله لغةٌ من خلالها يتم تبليغ أحكامه وبيان مقاصده، وهو اعتبار جعل النصّ قابلاً للتعدُّد في المعنى والانفتاح في الدلالة، بما فتح المجال أمام تعدّد منهجيات الفهم والتفسير والتأويل، لكنّ هذه الضرورة لا تعني اختلافاً في الحقّ، بل حقّ في الاختلاف»([25]).

ويعبِّر ابن عربي عن هذا المبدأ بتعبيرٍ شعري بليغ، حين يؤمن بوحدة الأديان:

لقد صار قلبي قابلاً كُلّ صورةٍ *** فمرعىً لغُزلانٍ ودَيْرٌ لرُهبان

وبيتٌ لأوثان وكعبةُ طائفٍ *** وألواحُ توراةٍ ومُصحفُ قرآنِ

أدينُ بدين الحُبّ أنّى توجَّهَتْ *** ركائبُه، فالحُبُّ ديني وإيماني

ويعتمد المرتكز الثاني في مبدأ التعدّدية الدينية على حقّ الاختلاف أو أصالة الاختلاف. فلا يمكننا إنكار الاختلافات في الطبيعة والبيئة ومجمل الحياة النباتية والحيوانية من حولنا، ولا إنكار التنوّع الطبيعي والجغرافي، ولا يمكننا إنكار أنها جميعها بكلّ اختلافاتها وتناقضاتها قائمة ومستمرّة ومكمِّلة لبعضها في وجودها الكلّي. ولا يمكننا أيضاً إنكار تنوّع الجنس البشري في أعراقه وقارّاته وتجاربه وطبائعه. ويطرح المفكِّر الإيراني عبد الكريم سروش مصطلح «البلورالية»، أي التعدّدية الإيجابية، وهي تعني «الاعتراف برسمية التعدّد والتنوّع في الثقافات والأديان واللغات والتجارب البشرية». إذن الاختلاف هنا ليس دعوة للخلاف، ولا يعتبر التنوّع سبباً للخلاف، بل هي دعوة لعيش مختلف التجارب ومحاولة التوافق والتفاهم بينها، فلو شاء الله لجعلنا أمة واحدة، ولم يختصّ قسماً من عباده بالهداية، دون غيرهم، فلماذا يفعل ذلك وهو خالقهم أجمعين؟ والمنطلق هنا ليس (الحقّ في أن تكون مختلفاً)، بل الحقً أيضاً في أن تكون على حقّ.

ويعتمد المرتكز الثالث في مبدأ التعدّدية الدينية على ميل الإنسان للانحياز إلى منشئه وفكره وما نشأ عليه، فلا بُدَّ أننا كبشر نميل بوعيٍ أو دون وعي إلى التمركز أو التشبّث أو التعلّق العاطفي بما نشأنا عليه، فالإنسان لا ينشأ فقط متعلقاً بوالدَيْه، بل بكلّ الدائرة التي تضمّه وتضمّ الأب والأم والمنزل والوطن والمعتقد، ومع التربية والتغذية والسلوك يُلقم الإنسان اعتقاداته وممارساته الدينية والثقافية، ويُلقم ما يجب أن يقبله وما يجب أن يرفضه. يُنشئ الوالدان أبناءهم ليكونوا متوافقين إلى حدٍّ ما مع اعتقادات وسلوك وأعراف المجموعة، وقد لا يكون التوافق سائداً في كل الحالات، فقد يعلوه الاختلاف أو الانحراف، بمعنى الميل عن سلوك الجماعة، ولكنها تظلّ الحالة السائدة في أغلب المجتمعات؛ كون الإنسان كائناً اجتماعياً يشعر بالطمأنينة والثقة والرغبة في شغل الحاجة النفسية والاجتماعية للانتماء إلى الجماعة الأمّ.

دواعي التعدّدية الدينية

ترى هذه الورقة في فكر التعدّدية مكتسبات مهمة بالنسبة إلى المجتمعات المعاصرة. فالقبول بالآخرين المختلفين، والتعايش معهم، هو قيمةٌ إنسانية وأخلاقية في المقام الأوّل. وقد أكَّدت الأديان جميعها على احترام النفس الإنسانية وكرامتها وحقّها في الوجود والعيش المشترك، وتجنُّب ظلم الإنسان لأخيه الإنسان. إلاّ أن حالة العداء والتطرّف التي أصابت بعض مجتمعاتنا كالوباء تجعل من نشر فكر التعدّدية الدينية عاملاً من عوامل ضمان الأمن الوطني من التدخّلات والفتن الخارجية التي قد تحاول أن تستغلّ الاختلافات الطبيعية ـ التي لا يخلو منها أيّ مجتمع ـ، وتحويلها إلى اختلافات طارئة ومفكّكة، وقد تعيد هذه القوى تقديم هذه الاختلافات ـ التي تعايش معها أفراد المجتمع، وانسجموا معها ـ بصورةٍ جديدة تبرز معها هذه الاختلافات بحدّة ويقينية، وتبدأ هنا سلسة طويلة من حساب المكتسبات والخسائر لكل مجموعة، وتُفرض فيها صراعات فكرية عنيفة ومواجهات دامية في نسيج المجتمع الواحد، وما يتبعه من تخوينٍ وتشكيك في وطنية أفراد المجتمع.

وتؤدّي جهود نشر فكر التعدّدية؛ بما تقوم به من مراجعات فكرية في التراث الديني، ووضع مرتكزات التعايش والفهم المشترك من منطلقٍ ديني معاصر، إلى الوقوف بقوةٍ ضدّ التطرُّف الديني والفكري ومواجهة الإقصاء، سواءٌ كان على أساس ديني أو عِرْقي. يعمل فكر التعدّدية على التشكيك بالقواعد والنصوص التي يعتمد عليها الفكر المتطرِّف لإقصاء الآخر أو تخوينه أو تحجيمه. فهي مواجهة فكرية لا بُدَّ من خوضها إذا أردنا حقّاً تجنُّب الحلول العسكرية. يعمل فكر التعدّدية أيضا جنباً إلى جنب مع ترسيخ مبدأ المواطنة ونشر المفاهيم المتعلّقة بحقوق وواجبات المواطن ومفهوم الوطنية، التي تهدف بالأساس إلى اعتبار المواطنين سواسية، متساوين في الحقوق، وشركاء في الوطن. وأخيراً فإن الاختلاف إذا ما أُحسن استخدامه كقوّة إيجابية وقيمة تحفيزية تنافسية فإنه يصبح عاملاً للإثراء الثقافي والفكري بالدرجة الأولى، والمجتمع الذي تتعدّد مصادر فكره وثقافته، وتتعدّد لغاته وأعراقه، قادرٌ على الابداع والتجديد والتطوير، ولا يمكن إغفال أن ذلك إسهامٌ حضاري مهمّ.

التغيير يبدأ من أسس التفكير

نحن أمام خيارين بالنسبة لديننا إذا أردنا أن ننظر إلى المسألة بطريقة واقعية عملية، لا بطريقةٍ تسعى إلى المثالية:

الخيار الأوّل: هو التخلّي عن الدين؛ لأن التفرّعات والاختلافات التي نشأت بسبب تنوّع وتعدّد المدارس الفكرية والمذهبية والكلامية ستؤدّي بلا شكٍّ إلى الاحتقان، وستكون سبب الاختلاف والانشقاق والصراع، وهو ما حصل على مدار التاريخ الإسلامي. وحتّى مع الجهود الرامية إلى تجنُّب هذا الانشقاق والنزاع فإن المستعمر قام بما يكفي حتّى تبقى النيران مشتعلة على الدوام، عبر استغلاله للأدبيات وبعض الموروثات الدينية ذات القراءة المنافية للقراءة القرآنية، إلى جانب استغلاله لبعض الأفراد والجماعات التي نشأت في مناخٍ فكري متشدّد، فأصبحت ظاهرة عالمية لافتة، ساهم فيها الإعلام بتكتُّلاته وانتماءاته السياسية، وساهمت فيها وسائل التواصل الاجتماعي. وبحثٌ سريع في هذه المصادر يجعلنا نقف مذهولين من خطاب الاحتقان والعنصرية والتعصُّب الذي يسود المواقع والبرامج الإعلامية وبرامج التواصل الاجتماعي.

أما الخيار الثاني فهو الاقتناع بأن التعدُّد والاختلاف سنّة الكون، ولا يجب أن تؤدي إلى إقصاء الآخر أو إزهاق النفس البشرية المسالمة. وفي هذه الحالة لا نقترح تقديم تنازلات من أصحاب مذهبٍ لمذهبٍ آخر، أو فكرٍ لفكرٍ آخر؛ لأن الاعتقادات صعبٌ تغييرها، ولا يمكننا أن نطالب الآخر بالتنازل أو التراجع عن اعتقاداته ليعتنق معتقداتنا أو نقتنع نحن بمعتقداته. فبناءً على النشأة التي ينشأ عليها الآخر تتشكَّل اعتقاداته وأفكاره، والمعطيات التي يتوصَّل إليها تتشكَّل أيضاً من خلال تجاربه وخبراته. وهو ما ينطبق على الطرف الآخر أيضاً. وقد تكون المعطيات التي يتوصَّل إليها كلّ طرفٍ تتعارض أو تتقاطع أو تشترك مع الطرف الآخر، لكنْ تظلّ القاعدة الرئيسة دائماً هي الإبقاء على حالة التعايش والفهم المشترك، تدعمها القوانين الذاتية والأخلاقية، قبل أن تدعمها القوانين المدنية.

وهنا يجب التأكيد على ضرورة وأهمّية إجراء مراجعات شاملة ومفصلة وواعية لتراثنا المكتوب من قِبَل أصحاب ومفكِّري وعلماء كلّ فكر أو طائفة أو مذهب، واستبعاد كلّ الأمور الخلافية، بل ونفيها من دائرة الوعي، وخاصّة أننا نورث خلافاتنا التراثية لأبنائنا، أي إننا نورث فهمنا لخلافات حدثت قبل مئات السنين بأسلوب قد يغلب عليه التشدُّد واليقينية، وليتشدّدوا هم في الدفاع عنها، لا عن بحث واقتناع، بل عن توريث أبوي، وحينها فإن الجيل الحالي، وربما الأجيال القادمة، لا تتشدّد فقط في الدفاع عن مضمون هذه المعتقدات وصحتها، ولكنْ تتشدّد أيضاً في الدفاع عن «الاعتقادات» التي كانت تؤمن بها عائلته وقريته وقبيلته وطائفته، فيصبح الدفاع عن المعتقدات مرتبطاً بالدفاع عن الهوية والمنشأ والأصل.

والعمل بالتعدّدية الدينية أو التسامح الديني لا يعني الاكتفاء بالتظاهر الشكلي أو اللفظي بتقبُّل الآخر، رغم أهميته من أجل تحقيق المصالح المشتركة، والمحافظة العلنية على الوحدة والأمان، ولكنْ يبرز التناقض إذا ما جئنا إلى تجمعاتنا الضيّقة ـ التي ننتمي إليها ـ، وانتقدنا ممارسات الآخر، وربما اتَّهمناه بالكفر أو الزندقة أو الإلحاد. القصد هو تغيير قناعاتنا الداخلية بشكلٍ جذري، ليس نحو تبني معتقدات الآخر، بل نحو فهم أن معتقدات الآخر هي إلى حدٍّ كبير أفكار وممارسات موروثة، وأخرى تشكِّل أجزاء من فكر وهوية الآخر، تماماً كما تتشكَّل اعتقاداتي وأفكاري في الطرف المقابل. وعلى هذا لا يصحّ أن أحاسب الآخر على ما أسوِّغه لنفسي، إلاّ إذا بدأت معتقداته أو معتقداتي هذه تؤذي وتدمِّر فضاء الآخر. وفي خضم ذلك كلِّه علينا أن ندرك أن هناك مكتسبات ينبغي المحافظة عليها، مثل: الأمان والوحدة الوطنية والتأكيد الدائم على قيمة المواطنة، ففي ذلك ما يعمل على التصدي لكل المحاولات الخارجية التي قد تحاول زرع الفتنة أو التشكيك في وطنية وانتماء الفرد، أو توسيع هوّة الاختلاف بين أطياف المجتمع المختلفة.

وأجد أن التغيير الجَذْري يكمن في آليات التفكير، وهو تغييرٌ جَذْري يشبه حالة الإنسان الذي يرى العالم من حوله بالمعكوس، أي أن يسير ورأسه إلى أسفل ورجلاه إلى أعلى… كم سيكون منظر العالم والناس والطبيعة والأشياء مختلفاً بهذه الطريقة؟! وكم من العجائب يمكن اكتشافها والتفكير فيها أيضاً؟! وبغير هذا يمكن لنا أن نقبل بالتنازل والتفاهم الشكلي الظاهري مع ما يوجد في ذلك من نيات صادقة وصفات متأصّلة في مجتمعاتنا، كالتسامح والبذل والطيبة، ولكنّ خَطَر ذلك يكمن دوماً في نوعية الخطابات المستقبلية المتداولة في مجتمعاتنا، وخاصّة في المجتمعات التي لم يُسمح فيها بتداول السلطة. والسلطة آفةٌ في نهاية الأمر، فاذا ما استولَتْ جماعة أو فئة أو طائفة أو عرق دون آخر على مقدّرات الأمور فإنها قد تتّجه؛ من منطلق السلطة والقوّة التي لديها، إلى ممارسة درجاتٍ مختلفة من الإقصاء للآخر، وقد تندفع أو تُدفع الجماعات المؤثّرة في المجتمع إلى هذا التوجُّه؛ لأن التسامح الأول كان شكلياً ظاهرياً مفروضاً استدعته الظروف، كما أنه كان مقروناً بمصالح وقتية، وبعدم تمكُّن الجماعة المسيطرة سابقاً من فرض ثقافتها الفكرية. وهنا تكمن أهمّية التغيير الجَذْري في آليات التفكير والتحليل، والتي قد تقف بمنطق وثبات ضدّ بيئة الاستبداد أو الإقصاء.

الدولة حامية للتعدُّدية

قد تنظر الدولة إلى المُختلف عرقياً أو دينياً أو مذهبياً بعين الشكّ في وطنيته وانتماءاته، وفيما إذا كان يتبنى مرجعيات خارجية مقابل إيمانه بالمرجعية الوطنية الداخلية. وتتحمّل الدولة التي تنظر بهذه الطريقة جزءاً كبيراً من المسؤولية التربوية والتعليمية. وعلى افتراض صحة التوجس السابق فإن الدولة تتحمّل غياب أو تعثُّر خطط دمج المواطنين من الأقلّيات في المجتمع، مما تنتج عنه حالة من الاغتراب التي يعيشها المواطن مع مؤسّسات الدولة. ويرى الحسن([26]) أن الحاضن الأساس لمفهوم التسامح هو الدولة، ومن خلالها يتم التربية على التسامح، وشرعنة قِيَمه، ليصبح ثقافة مجتمعية سائدة، تنبذ التمييز والتطرُّف والعنف والإقصاء والكراهية.

ولا بُدَّ لمفهوم الحرّيات الدينية أن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم المواطنة، ووجود حقوق متساوية للأفراد المواطنين جميعهم. وعلى الحكومات أن تتعامل بنضجٍ مع التعدّدية المذهبية في نسيجها. فكلما كان تعامل الدولة قمعياً ومحاصراً ومضيقاً ومشككاً في وطنية الآخر واعتقاداته الدينية، وقد يتّجه بطرق غير مباشرة ـ عبر الخطابات التي تقودها نخبه الدينية ـ إلى تكفير الفاعلين، كلما خلقت الدولة بذلك أفراداً مهمشين، وربما حانقين. فالدولة لا تنظر إليهم كمواطنين يتمتّعون بكامل حقوق المواطنة، بل مجرّد أفراد «مواطنين» من الدرجة الثانية. وهنا ليس من مخرج لهذه الأقليات سوى القبول ـ ضمنياً ـ بهكذا تصنيف طبقي، والإحساس بالدونية، والتوقُّف عن المطالبة بحقوقهم والمساواة مع غيرهم من الطوائف في التعليم والتوظيف والخطاب المتوازن الذي يحترم معتقداتهم، أو التخلّي عن الكيفية التي نشأوا بها، وربما التنكُّر لها، مقابل الاندماج كمواطن من الأغلبية. وهذا الوضع الشائك لا يمكن أن يصنع مواطناً يعمل بكفاءةٍ وإخلاص تجاه الدولة، وإذا وجُد الإخلاص تجاه الأرض والوطن فلا يمكن التخلُّص من النقمة الداخلية والإحساس بالغبن والظلم؛ نتيجة لهذا الاختلاف العقائدي أو العرقي. فالتمييز لا يمكن أن يكون على حساب المعتقد أبداً. والقول بأصالة وجود طائفةٍ ما في الأرض، وكونها المصبّ الرئيس في الإسلام والقومية والوطن وامتدادها دون انقطاعٍ، يعني أنها نقية ومطهَّرة من التداخل والاندماج مع الطوائف والجماعات «الملوّثة» الأخرى. هذا هو معنى النقاء العرقي والطائفي، وهذا هو أكبر دلائل العنصرية التي تتحدَّر منها الطائفية كنَسَق([27]).

وعلى هذا لا بُدَّ للدولة أن تسنّ القوانين، وتحرص على تطبيقها، بما يحافظ على العلاقات بين أفرادها المختلفين في المجتمع، ولا تسمح بإساءة طائفةٍ إلى أخرى. ودور الدولة هو أن تكون حامية للتعدّدية، وناشرةً لثقافتها، عبر خطاباتها الدينية، ومناهجها الدراسية، ووسائل الإعلام التقليدية والحديثة، إلى جانب تشجيع الأفراد والجماعات على تبنّي هذا الخطاب، وتعزيز مبادئ المواطنة في التنشئة الأسرية والاجتماعية. مع التأكيد على أن أيّ صراع سياسي قد يقع بين فئات وطوائف المجتمع الواحد «لا يحلّ بالتسامح، بل بالتغيير السياسي، وبالتحوُّل من الطائفية إلى المواطنة، ومن القبيلة إلى الدولة، ومن العرقية إلى حقوق الإنسان»([28]). ومن المهمّ الإشارة إلى أن القوى والجماعات وبعضاً من القيادات والرموز السياسية تقوم في العادة بدورٍ معزّز لحالة التشظّي والاستقطابات الاثنية في إطار نزوعها إلى المحافظة على مكاسب الجماعة والقبيلة، مقابل القوى والجماعات الأخرى في المجتمع. بل إن ذلك يكسبها مواقعها مقابل الآخرين، الأمر الذي يقود إلى حالةٍ من حالات التمترس الاجتماعي والثقافي المعزِّز للهويات القائمة على الدين والعِرْق والطائفة([29]).

التنشئة الاجتماعية والإعلامية وخطاب التعدّدية

الوعي بالتعدّدية مسألة لا بُدَّ من ترسيخها في التنشئة الأسرية والإعلامية والمدرسية والدينية. فنحن كأفراد لم نكتسب قناعاتنا الدينية، كما لم نرث جذورنا الثقافية والعِرْقية بوعيٍ واختيار حُرّ قائم على قناعات واضحة وسليمة، بل إننا جميعا نتاج ما سبق، فلغاتنا التي نتحدّث بها ونمط الحياة وطريقة التفكير تُعَدّ أموراً موروثة، وهي في الغالب تتجذَّر فينا قبل أن نبدأ حتّى في تشكيل معارفنا وقناعاتنا المستقلّة. وبالتالي لا بُدَّ من تأكيد أننا وُلدنا مختلفين لهدفٍ ما، ليس للشقاق والاستعلاء، بل حتّى نجد سبل التفاهم والتلاقي المشترك، وحتّى تتلاقح التجارب والأفكار، ويبدع الإنسان. وبَدَلاً من أن يرى الإنسان في اختلاف الإنسان الآخر عنه طريقة للإقصاء بكلّ أشكاله وصوره من الأجدر أن نجدها سبيلاً للدهشة والإعجاب والاستكشاف. وفي هـذه الحالة يغدو التعصُّب بأفكارنا ومذاهبنا التي ولدنا عليها شيئاً أخرقاً، ومعيقاً لهذا الإبداع والاستكشاف الحُرّ، فلا معنى للتقاتل والعصبية مع آخرين أوجدهم نفس الخالق. والقاعدة المشتركة هنا: أنتَ على حقّ، وقد أكون أنا على حقّ، وأنا على حقّ، وقد تكون أنتَ على حقّ!

ما يعيق جهود تكثيف هذا الوعي في أنواع التنشئة المختلفة المشار إليها هو أنها لم تخترقها بعد، وأنها كما يرى مارتنز([30]) ما زالت تدور بين النُّخَب، ولا تصل تأثيراتها إلى القواعد الشعبية والشرائح الشبابية والواسعة في المجتمع. كما أن الحوارات التي أثارتها لم تنجح في إشاعة ثقافة الحوار إعلامياً وتربوياً ومجتمعياً، كما لم تنجح في تقليل الخوف أو الشكّ من الآخر، والذي يؤدّي إلى العزلة والانغلاق والهجرة، أو الهروب بوسائل غير سلمية تحمل أشكالاً متنوّعة من الغلوّ والعنف ورفض الآخر([31]).

بين مفهومي التسامح والتفاهم

يُعَدّ التسامح والتفاهم لفظين وافدين من التراث الغربي الحديث. نشأ كلٌّ منهما في ظروف تاريخية خاصّة. فالتسامح نشأ في وقت الحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك([32])، وبالتالي استُخدم في المجال الدلالي الديني لمواجهة مظاهر الاستبداد والتعصُّب والتطرُّف في العقائد، ولكنّه مع مرور الزمن اكتسب دلالات جديدة، ذات أبعاد أخلاقية وفلسفية وسياسية وحقوقية، قوامها احترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، والإقرار بالحرّيات الأساسية للآخرين، وبحقوق الاختلاف الثقافي([33]). وكلمة التسامح بالإنجليزية (toleration) تعني لغوياً التساهل، وعند علماء اللاهوت تعني الصفح عن مخالفة المرء لتعاليم الدين. ومن معاني التساهل (وهو التسامح بتعبيرنا)، كما يعرِّفه حسن حنفي: «أنه سلوكُ شخصٍ يتحمَّل دون اعتراض أيّ هجوم على حقوقه، في الوقت الذي يمكنه فيه تجنُّب هذه الإساءة، ويعني استعداد المرء لأن يترك للآخر حرّية التعبير عن رأيه، ولو مخالفاً، ولو خطأ»([34]). ويعرِّف لالند التسامح بأنه «موقف فكري أو قاعدة سلوك لشخصٍ ما، تتلخّص في أن يترك لكل إنسان حرّية التعبير عن آرائه، في الوقت الذي لا يوافق عليها، ولا يشارك فيها، لذلك فحرّية الفكر هي واجب التسامح»([35]). أيضاً يورد الكاتب علبي([36]) تعريفاً عصرياً للتسامح، نقلاً عن لالند (Lalande Andre)، بأنه «عدم التخلّي عن القناعات الذاتية أو الامتناع عن الجهر بها، والدفاع عنها، أو نشرها، إنما الامتناع في ذلك عن كلّ الوسائل العنيفة والتعسُّفية والمضرّة، وطرح الآراء دون العمل على فرضها»، وأحياناً «الاحترام اللطيف لمعتقدات الآخرين؛ كونها تعتبر إغناءً للحقيقة الكاملة».

ونجد أن في الاستعداد لأن نسامح جهداً يتمّ بذله لاكتشاف الآخر، وتحمّل ما لا نرغب في سماعه وما ننزعج منه. وهو ليس بالأمر السهل، وإنما يحتاج إلى الكثير من الصبر والمران([37]).

ونقيض التسامح هو الغلوّ والتعصُّب والإقصاء والعنف والاستبداد والتحريم والتكفير وتقييد الفكر ومصادرة الرأي([38]). وفي الأدبيات العربية فإن الكلمة العربية «تسامح» لها معانٍ اشتقاقية معروفة ومثبتة في أشهر القواميس، وهي تعبِّر في مضامينها عن معاني الصفح والجود والتساهل وغضّ الطرف. ونلاحظ أن كلاًّ من التسامح والتفاهم كمضمونٍ ومعنى وإنْ لم يكونا بنفس اللفظ موجودَيْن في الكتاب والسنّة، ويعبَّر عنهما بألفاظ أخرى، مثل: العفو والأخوّة والفضل والإحسان والتعاون والألفة والرأفة والرحمة…إلخ، وحديثاً استُعملت كلمة التسامح في الأدبيات العربية بوصفها مقابلاً وترجمة للكلمة الفرنسية (Tolerance) للإشارة إلى فكرة احترام ثقافة الآخرين وعقائدهم([39]).

ويضيف حنفي([40]) أن مصطلح التفاهم قد ظهر بعد سيادة العقلانية الغربية، وظهور مقولات العقل والفهم والذهن، إلاّ أن كلاًّ من مصطلحي تفاهم وتسامح مفهومان مزدوجان يدلاّن على فعلين متبادلين، وليس فعلاً واحداً من طرف واحد، وهو الفرق بين سامح وتسامح، بين فهم وتفاهم. وبالتالي نستخلص أن التسامح ممارسة خارجية للتفاهم، والتفاهم تأصيلٌ نظري للتسامح. وقد نجد أن التفاهم أكثر عمقاً من التسامح؛ لأنه يتوجه نحو الظروف الاجتماعية التي تعيشها كل الطوائف، ومعرفة الأسباب التي تؤدّي إلى العنف الطائفي، أي الفهم المشترك، وهو مدخل معرفي تأسيسي لفهم أسباب العنف الاجتماعي، قبل المناداة بالتسامح مع الآخرين([41]). أيضاً أجد أن كلمة التسامح قد ارتبطت بمجال الخطاب الديني والوعظي، وربما تمّ توظيفها من قِبَل رجال الدين بشكلٍ أكثر اتّساعاً؛ لتؤدي إلى معانٍ مثل: الرحمة والمودة والتعاطف بين أفراد المجتمع؛ بهدف تهيئة المجتمع «لقبول الآخر اجتماعياً، وإنْ كان نفسياً وعقلياً ما زال موضع نفي ورفض». أما التفاهم ـ كما يشير حنفي([42]) ـ قد يوظّف الأسلوب العلمي والتحليل الموضوعي كما يفعل علماء الاجتماع لاكتشاف الأسباب والاعتراف بخصوصيات هذا المختلف، تمهيداً للوصول إلى العناصر المشتركة بينها في نظامٍ كلّي عامّ. وبالتالي «فهو ليس مجرد إلزام أخلاقي لإحلال ثقافة السلام محلّ ثقافة الحرب، بل هو موقف إيجابي يتلخّص في الاعتراف بالحرّيات الأساسية للآخرين»([43]).

ومن الجليّ أننا نسعى إلى التفاهم الديني أكثر من التسامح الديني؛ فالأخير قد يوحي بنوعٍ من التضحية من جانب طرفٍ للاعتراف بالآخر، أي وجود طرف أقوى وطرف أضعف، في حين أن التفاهم أساسه الفهم والقبول بالآخر المختلف، وليس اختلافه لأنه في الطرف الصحيح عقائدياً، أو كوني في الطرف الصحيح عقائدياً، بل الاعتراف بوجود قناعات وقراءات مختلفة لدى البشر بصفة عامّة، وحرّية الفرد في تطبيق قناعته بما لا يمسّ حرّية ومعتقد الآخر. وبالتالي فإن التفاهم لا بُدَّ أن يكون صنو الاحترام أيضاً، سواء كان هذا التفاهم والتسامح داخل الدين الواحد أو ما بين الأديان نفسها. إلا أنه يبقى من هذا النقاش حول التسامح والتفاهم والاعتراف بوجود الآخر وحقّه في التعبير وممارسة شعائره وعباداته إشكالية مهمّة جدّاً، وبحاجة إلى نقاش موسّع، لا يتَّسع المجال لمناقشتها هنا، ولا يمكن أيضاً إهمالها، وهي حدود التسامح، فإلى أيّ حدٍّ يجب أن نكون متسامحين؟ وماذا لو كان هذا التسامح يدمِّر مجتمع التسامح ومبادئه؟

وباختصارٍ أجد عبارة علبي هنا([44]) مثرية، بقدر ما هي فاتحة لنقاشٍ أعمق، لا يتَّسع المجال هنا إلاّ للإشارة إليه، دون إهماله: «هل نتسامح مع مَنْ لا يتسامح؟».  فقبول التسامح قد يؤدّي إلى قبول النزعات والتصرُّفات المتطرّفة التي قد تسيء إلى المجتمع، مثل: تصرفات الفاشية والنازية والصهيونية. كما أن التسامح مع المعتدين والصهاينة…إلخ هو تعاون معهم، وجبن، ولا إنسانية. ونقلاً عن كارل بوبر يقول: «إذا ما أخذنا بالتسامح المطلق، حتّى تجاه غير المتسامحين، ولم ندافع عن المجتمع المتسامح ضدّ هجماتهم، يفنى المتسامحون ومعهم التسامح أيضاً»([45]).

التعدّدية الدينية لمحاربة التطرُّف

تُعَدّ التعدّدية الدينية (وهنا أقتصر على التعدّدية داخل الدين الواحد) المكوِّن الأساسي لمحاربة التطرُّف. كما أن أحد أسباب التطرُّف هو القهر الديني. وما أقصده بالقهر الديني هو أن تُفاضل الدولة بين مواطنيها تَبَعاً للأديان والمذاهب التي يتبعونها، وهو ما يؤدّي بالأفراد إلى الشعور بمعاداة النظام لمذاهبهم وأفكارهم.

ولا بُدَّ هنا من ترسيخ مفهومين أساسيين:

الأول: مفهوم المواطنة، واعتبار جميع طوائف المجتمع باختلافاتهم العرقية والدينية مواطنين بنفس الدرجة، ولا درجات أخرى هنا.

الثاني: هو التفاهم الديني، وتقبُّل الآخر المختلف دينياً.

ويرى غالستون([46]) أن العنف الممارس باسم الدين لا يُقاوَم بالعلمانية، كما يرى بعض الباحثين، بل إنه يُقاوَم ويتجاوز بالتعدّدية المؤسّسية. ويختلف الباحث مع الذين يعتبرون الدين مصدراً مستقلاًّ للنزاعات؛ فهو يرى أن «العمل الديني بمثابة شاشة تظهر عليها مظالم وشكوى وعقد عميقة، ناجمة عن الفقر والحرمان وذكريات الاستعمار وأحاسيس الإذلال»([47]). وقد يكون ذلك صحيحاً إلى حدٍّ كبير، وخاصّة بالنسبة إلى العنف ضدّ الآخر من الديانات الأخرى، ولكنْ قد يؤدّي القهر الديني داخل الدين الواحد، وعدم تكافؤ الفرص، إلى نموّ ذلك كلّه وتفاقمه، وخاصة إذا كانت الدولة حامية للتشدُّد الديني، وحينها يصبح الاختلاف الديني ومحاربة التعدّدية المذهبية أو الطائفية سبباً لقهر الآخر على كلّ الأصعدة.

وشعور الفرد بالقهر الديني أشدّ من شعوره بالظلم الطَّبَقي الذي قد يُمايز في الحقوق والواجبات بين الغني والفقير. فالغنى والفقر حالةٌ اجتماعية قابلةٌ للتبدُّل، في حين أن المعتقد يرتبط بالهوية، ويمكن الاستدلال عليه من اسم الفرد أو العائلة أو القبيلة أو مكان التنشئة، ويمكن ملاحظته عبر الممارسات اليومية الدينية، وقد يتجلّى أيضاً في الممارسات الفكرية والشعائرية. وتمييز الدولة ضدّ الفرد على أساس اجتماعي أو طبقي لا يتبعه توجيه اتهامات فكرية أو طائفية، أو الاتهام بالخيانة والولاء للأجندات الخارجية، لكنّه يحدث مع أشكال التمييز المبنية على أسس طائفية أو مذهبية، مؤدِّياً بذلك إلى رفع خطورة القهر الديني، بالمقارنة مع أشكال أخرى من التمايزات. ولا يمكن نشر ثقافة التعدّدية الدينية داخل إطار المذهب الواحد إلاّ بإجراء تغييرات جَذْرية في أسلوب التنشئة الاجتماعية والمدرسية والخطاب الإعلامي والخطاب الديني، كما أشرنا سابقاً.

إذن لا بُدَّ في هذه الحالة من الاعتراف بالآخر. وقد يمرّ هذا الاعتراف بمرحلتين:

ففي المرحلة الأولى نحن نطلب من الآخرين الاعتراف بوجودنا، وهو اعترافٌ ضيِّق في هذه الحالة. وقد لا يكون اعترافاً إيجابياً. وبالتالي لا يكتمل إلاّ بالمرحلة الثانية، وهي التأكيد على قيمتنا الإنسانية. فالاعتراف وحده لا يكفي؛ حيث يرى تودوروف([48]) أن كراهية الآخر أو التعامل معه باستعلاء أو عدوانية هي اعترافٌ حادّ بوجودنا، وإنْ كان هذا الاعتراف يفتقر إلى التسامح والرغبة في التعايش. والاعتراف الذي نسعى إليه يهدف إلى التعايش والتفاهم، وربما يتطلَّب أن يكون على مستوى القيادات ـ سواء كان خطاباً أو ممارسةً ـ، والإيمان والقبول بوجود مكونات مذهبية أخرى، بغضّ النظر إنْ كانت من الأغلبية أو الأقلية، فما يجمع الكلّ هو التمتُّع بحقوق المواطنة المتساوية، والحقّ الطبيعي في الاختلاف «المذهبي»، وكون هذه المكونات جزءاً أساسياً، وليس طارئاً أو متطفّلاً على نسيج المجتمع الواحد. وكما يقول تودوروف: «نحن جميعاً في حاجةٍ إلى اعتراف الآخر بنا، حتّى يغدو بإمكاننا أن نوجد»([49]).

وبغير وعي الدولة بالإشكالات السابقة فإن الظلم الاجتماعي، وعدم التكافؤ في الفرص والمنافع لأبناء المجتمع الواحد، والإصرار على إقصاء الآخر والصراع معه، قد يؤدّي بالفرد إلى التقوقع والاحتماء بالجماعة التي ينتمي إليها، معزِّزاً من مكانة الجماعة على حساب الانتماء للوطن، ويتحوَّل الانتماء للجماعة (القبلي أو الديني أو المذهبي أو الاثني) إلى هوية أو هويات تحقِّق للفرد حاجاته، خاصّة حاجة الانتماء للجماعة، مروراً بالحاجات الأخرى، كالكسب والعيش والزواج([50]).

ومن الشروط الاجتماعية لتحقيق الاتّفاق في الفكر الوطني هو تأصيل وتأسيس مبدأ الحوار والمناقشة الفكرية بين الفئات والجماعات المختلفة في المجتمع؛ حيث يتمّ التوصُّل للاتفاق من خلال تذويب التناقضات، وأسباب العزلة الفكرية والنفسية بين الناس؛ بهدف الترابط العضوي والفكري والتكيُّف الوطني مع ظروف المجتمع وتحدّيات الداخل والخارج([51]).

 

التعدّدية الثقافية تساوي الخصوبة الثقافية

يشير تودوروف([52]) إلى ما يلي: «بمجيء الطفل للعالم يجد نفسه منغمساً في ثقافة سابقة على ولادته، فنحن نولد في حضن اللغة، اللغة التي يتكلَّمها آباؤنا أو مَنْ يتكفَّلون برعايتنا. وليس بمقدور الطفل أن يتجنَّب اللغة، واللغة في هذه الحالة ليست أداة محايدة، بل هي مشبعة ومتشربة لأفكار وسلوكيات وأحكام متوارثة من الماضي، ولا يمكن للمرء أن يختار ثقافته الأصلية، وإنْ كان قادراً على الإعجاب والانغماس في ثقافةٍ أخرى، ولكنّ المعيار هنا أن أختار الوطن الذي أريد أن أكون مواطناً صالحاً فيه». ورغم أن الكاتب يتحدّث في الفقرة السابقة عن الأقلّيات والهوية الثقافية، إلاّ أن فكرته تنسجم مع الأديان والعقائد. فالمعيار في الأديان والعقائد التي ولدنا عليها ليس التزامنا بها، بقدر إيماننا بأن هذه العقائد والأديان تؤمِّن لنا العيش المشترك بجوار الآخرين. فالتعدّدية الثقافية / الفكرية في حدّ ذاتها ليست مشكلةً، فمن حقّ كلّ فردٍ وكلّ جماعة أن يكون لها من الطرق الفكرية والمذهبية ما تريد، شريطة أن تكون كلّ المرجعيات الثقافية قائمةً على أساس المصالح الوطنية العليا، ولا تشكِّل خرقاً لمسلَّمات الوطن. فالوطنية هي الوعاء الأكبر الذي يجب أن يستوعب التعدّدية، ويقودها نحو التلاقح الثقافي([53]).

وقد يفهم البعض الاختلاف بين أعراق البشر وثقافاتهم داخل المجتمع الواحد على أنه قد يسيء إلى الوحدة والتضامن، الذي يجب أن يسود بين أبناء البلد الواحد. في حين أن هناك قضيتين تتّصل بالفكرة السابقة، ويجدر مناقشتها:

القضية الأولى: إن شعور التضامن والتآخي بين أبناء مجتمعٍ واحد لا يمكن فرضه بإلغاء الأعراق والثقافات التي يعود إليها مَنْ ينتمون إلى هذا المجتمع، وفرض ثقافة أحادية، والادّعاء أنها تمثِّل جميع هذا المجتمع. ولا يعني ذلك إنكار أن هناك قواسم وسمات مشتركة تجمع بين مَنْ ينتمون إلى مجتمعٍ محدَّد، كالحرص على الوحدة، والرغبة بالتطوُّر، والشعور بالتضامن، برغم الاختلافات العرقية والثقافية.

القضية الثانية: إن العديد من الدول والمجتمعات فهمت الاختلاف العرقي والثقافي على أنه مصيبة كبرى، يجب القضاء عليها ومحاربتها، وفرض العقوبات على مَنْ يتحدى فرض هذه (الثقافة الأحادية)، في حين أن هذا التنوُّع العِرْقي هو أكبر دليل على ثراء وغنى أيّ مجتمع. ويمكن توظيف هذا التنوُّع من أجل إنتاج تراث فكري وثقافي واجتماعي متعدّد، وذي إمكانيات واسعة، ورؤى متنوعة. وهذا بدوره قد يخلق جوّاً من الإبداع، ويُلْهِم أبناء المجتمع للاستفادة من تنوّعهم العرقي والثقافي، والسعي نحو التميُّز والابتكار بين الأمم والمجتمعات الأخرى. وما المبادرات التركية للاعتراف باللغة والهوية الثقافية الكردية، وقبول الجزائر للغة الأمازيغية مثلاً كلغةٍ وطنية، إلى جانب العربية، إلا دليلٌ على أن المنع الجَبْري على ممارسة ثقافة أو لغة متأصلة في المجتمع لا يمكن انتزاعه لمجرّد أنها تمثِّل ثقافة الأقلية.

ما نحتاج إلى ترسيخه هو الاعتراف بالآخر، وبإنسانيته، وتراثه، وجذوره، مقابل الاعتزاز أيضاً بما نملكه، ومن ثم القدرة على تقبُّل هذه الاختلافات الحَتْمية، وبَدَلاً من التصادم معها، العمل على تحويلها إلى أداةٍ خلاّقة. يشعر الفرد بالفخر إذا ما انتمى إلى مجتمعٍ ناضج، قادر على فهم اختلافاته، والتعامل معها على أنها مبعث ثراء وفخر، وأداة للإبداع، مع وجود الأنظمة التي تكفل للجميع حقوقهم الشخصية. ومدينةٌ مثل: مدينة بريزبن الأسترالية مثلاً قد تمثِّل نموذجاً يفترض التعلُّم منه. فالمدينة تضم أعراقاً متنوّعة وأقلّيات متعدّدة، ينتمي مواطنوها إلى أصولٍ أوروبية وأفريقية وآسيوية، ومنها: العربية. وقد دعا ذلك الحكومة إلى الترويج لسياسة التعايش السلمي بين ساكنيها، وخلق برامج تناسب هذا التعدّد الحضاري، بل ووضع خطط مستقبلية بعيدة المدى تعلِّم الأجيال الناشئة احترام الثقافات والديانات الأخرى، تحت شعار: (مدينة واحدة، ثقافات عدّة). وتتميّز القيادات التي تتولّى الإشراف على قضايا التنوُّع والتعدُّد العرقي والثقافي بوعيها ورؤيتها المستقبلية لما ستكون عليه المدينة كموطن متسامح مع أعراق وديانات مختلفة، ومن ضمنها: الدين الإسلامي. وما يبعث على الاحترام هو الوعي الذي يحمله العديد من مواطني المدينة حول مسألة تقبُّل الآخر أيّاً كان عرقه وديانته. وقد يعود السبب الأساس في ذلك إلى أن السكان تعود أصولهم إلى جنسيات وديانات مختلفة، ولكنّ هذا الاختلاف الشديد لم يؤدِّ إلى التصادم، بل أصبح محوراً يدعو إلى الاعتزاز، والإشارة إليه كسمةٍ تتفرّد بها أغلب المدن الأسترالية. بل إنه وفق قوانين الهجرة المعمول بها في النظام الأسترالي، والتي تعتمد على الحصول على عددٍ محدَّد من النقاط، فإن المتقدِّم لطلب الحصول على إقامة دائمة في مدنها يكافأ بعددٍ محدّد من النقاط في حال إجادته لأيّ لغةٍ من لغات المجتمع الأسترالي العديدة، والتي تشكِّل اللغة العربية إحداها. إذن لا بُدَّ أن نسعى إلى قراءةٍ جديدة وفهمٍ أكثر نضجاً للاختلاف والأسلوب الأمثل للتعامل مع السلبيات، والسعي لاكتشاف واستغلال الإيجابيات. لا بُدَّ لهذه القراءة الجديدة أن تعلِّمنا أن الاختلاف قد لا يعني الشقاق، بل قد يؤدّي إلى التميُّز، مع ضرورة الحرص على حفظ حقوق وواجبات كلّ فرد في المجتمع.

ويرى مكّي([54]) أن في التعدّد ما هو ثقافي، كالاثنية؛ وما هو ذو طابع بيولوجي غير ثقافي، كالعِرْق والعنصر؛ أو اقتصادي، كالطبقة؛ أو جغرافي، كالإقليم، وما نطلق عليه تعدّدية ثقافية هو بالأصل تعدّد اجتماعي. وهذه التعدّدية موجودة، ولكنها برزت إلى السطح بسبب ممارسات الإقصاء والاستبعاد لكلّ ما لا يتناسب مع الفكر الشمولي، أو غلبة ثقافة الأغلبية. ويرى الكاتب أنه لا توجد وصفةٌ سحرية لحلّ مشكلة التعدّدية؛ بسبب اختلاف الأوضاع الاجتماعية والسياسية والتاريخية لكلّ منطقة، وقد تحتاج هذه الأوضاع المختلفة إلى حلولٍ تتناسب معها([55]).

التعدُّدية الدينية في سلطنة عُمان

تتميَّز سلطنة عُمان بوجود قوانين واضحة تهدف لحماية الحرّيات الدينية والثقافية؛ حيث تشير المادة (17) من النظام السياسي لسلطنة عُمان حول المساواة إلى أن «المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تميز بينهم في ذلك؛ بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي»([56]).

كما تنصّ المادة (28) على أنّ «حرّية القيام بالشعائر الدينية طبقاً للعادات المرعية مصونةٌ، على أن لا يخلّ ذلك بالنظام العامّ، أو ينافي الآداب».

ووجود النصّ والحماية القانونية هي المرحلة الأولى من الاعتراف بحقّ الآخر واختلافه، فالنصّ القانوني في أيّ مجتمعٍ يُعَدّ صمّام الأمان ضدّ أيّ مساومات أو محاولات للتمييز بين أفراده، وحماية لحقوق هذا المواطن كشريكٍ في البلد.

المرحلة الثانية من الاعتراف بهذه الحقوق هي في تطبيق هذه القوانين فعليّاً، فهي وُضعت لأجل أن تكون في موقع التنفيذ في حال وجود تجاوزات. وجود قانون واضح يشعر جميع المواطنين أن لا نيّة لدى الدولة في التشديد على حرّياتهم ومعتقداتهم، ولا تحاربهم، بل هي تتّخذ التدابير اللازمة لحمايتهم، ويترك المواطن في ثقة بعدالة القانون. كما أن وجود النصّ القانوني لا يعني احترام الجميع له، أو حتى اقتناع بعض الأفراد بهذا القانون، ولكنّ وجود هذا القانون وما يترتَّب عليه من عقاب يجعل الفرد مسؤولاً عن تصرّفاته وتصريحاته العلنية، فلا يمكنه أن يقوم ببثّ الفتن أو تهييج الأفراد ضدّ طائفة أو اثنية أخرى في البلد. ومن حقّ المواطن على القضاء؛ حفظاً للأمان والمساواة، النظر في دعواه، والحكم له، إنْ تعرَّض لمعاملة غير عادلة. ورغم ذلك فإن تطبيق القانون من دون الاقتناع به قد يشكِّل نوعاً من الخطورة. ففي هذه الحالة نحن لا نتعامل مع حقوق مادية يجب الالتزام بها من كلا الطرفين، ولو بالإجبار، ولكنّنا نناقش قناعةً داخلية نحاول أن نحمي المواطن بتأطيرها قانونياً. فإذا ما غاب القانون، أو حيث لم يمكن تطبيقه، يصبح المواطن عرضةً للمعاملة غير العادلة. وهنا يأتي دور التغيير الجذري الذي يجب أن يرافق الأطر، وهو أهمّية التنشئة الأسرية والمدرسية في تأكيد هذه القِيَم الإنسانية.

ويمكن في ختام هذه الورقة الإشارة إلى أهمّ محاور التعدّدية الدينية في عُمان (في إطار الدين الواحد) بما يلي:

١ـ تتميَّز السلطنة وتعترف بوجود ثلاث مذاهب، هي: السنّة؛ والإباضية؛ والشيعة. وإنْ كان المذهب الرسمي للدولة هو المذهب الإباضي، إلاّ أنه يُحسب للمذهب أنه لم يسعَ «إلى مدّ سلطته على مَنْ سواه؛ فإنّ بقية المذاهب وجدت الاحترام لأفكارها ومفكِّريها وعلمها وعلمائها، وترك باب الاجتهاد مفتوحاً لكل المذاهب»([57]).

٢ـ يمكن لأصحاب المذاهب المختلفة ممارسة شعائرهم الدينية على مرأىً ومسمعٍ من الدولة، بل إن الدولة قد توفِّر الجانب الأمني والتنظيمي الملائم لهذه الممارسات.

٣ـ تتفهَّم الدولة وجود التنوُّع الفقهي بين المذاهب المختلفة. وقد أدّى هذا إلى وجود التنظيم في جانب المعاملات والقضايا الفقهية (الأوقاف)، التي تتمتَّع إلى حدٍّ ما باستقلالها، الذي يسمح لها بتنظيم أمورها وفق الرؤية الفقهية لكلّ مذهب.

٤ـ تفهُّم القيادات في البلد لضرورة وجود المثال الحَسَن والتطبيق العملي، فمفتي البلاد الشيخ الخليلي مثلاً يكتسب احترام جميع أتباع المذاهب في البلد، وقلّ أن توجد شخصيةٌ دينية تتمتَّع باحترام وتوافق من جميع طوائف المجتمع. وهي رسالةٌ للجميع من جميع المذاهب أن التفاهم وتقبُّل الآخر يجب أن يكون المعيار الذي يتَّفق عليه الجميع. وسياسة السلطنة في هذا الجانب ناجحةٌ تماماً؛ من حيث إنها سياسة احتواء. وهي سياسة حماية أيضاً. فالدولة مُناطٌ بها حماية المواطنين والأقلّيات من أيّ محاولة تعدٍّ من قِبَل المواطنين الآخرين. ومن الأفضل أن لا يفسح الإنسان المجال لأدوات القدرة والسلطة لإثبات الحقّانية في باب المعتقدات والدين، ولا يدافع عن العقيدة والدين بأدوات السلطة، بل يضع الحكومة بمعزل عن النزاعات الدينية([58]). وهذا المفهوم يؤكِّد عليه أيضاً المستشار العلمي بمكتب وزير الأوقاف والشؤون الدينية محمد سيف المعمري، حيث أكَّد على ضرورة حماية (الدين) من (الدولة).

قامت وزارة الأوقاف، في سعيها لنشر مبدأ التسامح وتقبُّل المذاهب والأديان، إلى إنشاء مجلّة فصلية مطبوعة جادّة، هي مجلة التفاهم (التي انطلقت في عام 2003، تحت مسمّى (التسامح بداية)). وتساهم أبحاث هذه المجلة والمؤتمرات والندوات التي تنظِّمها في نشر فكر التعدّدية الدينية. وتهدف المجلة إلى التأكيد على أن الثقافة والانفتاح الفكري طريقٌ لتعزيز قِيَم التفاهم والتسامح والحوار داخل إطار الدين الواحد وبين الأديان، وتسعى أيضاً إلى إعادة الاعتبار للاجتهاد بوصفه مسألة حيوية في الفكر الإسلامي؛ من أجل تجديد ذاته في مواجهة العصر ومتغيِّراته، والعمل على إصلاح مواطن الخلل في الفكر الإسلامي، وفتح المجال لتصوُّرات إسلامية تصدر عن وحدانية لا تشوبها شائبة لتجسيد رؤى مستنيرة، بعيداً عن التعصب([59]).

ويشير السالمي([60])، رئيس التحرير، إلى أن الهمّ الأول للمجلة كان يتمثَّل في التجديد في الدراسات الإسلامية من ثلاث نواحٍ: «الأولى: إعادة قراءة التاريخ الفكري والكلامي والاجتماعي القديم الذي سيطرت على مجالاته كلها قراءات أصولية وتأصيلية حديثة ومعاصرة، حيث إن تلك القراءات اتّجهت لفرض تأويلٍ واحد للأصول في القرآن والسنّة وفي ناتجهم التراثي. وقد استكتبت المجلة من أجل ذلك باحثين، ومنهم من الشباب المجدِّد وغير الدوغمائي، ولم تُراعِ في النشر أو عدمه ـ وبتوجيهٍ من معالي الوزير ـ غير الشروط الأكاديمية المعروفة». الناحية الثانية كانت في الإفادة من الفكر العالمي للتجديد في المناهج والموضوعات، والإفادة من دراسات وتجارب علماء الدين المعاصرين بالغرب في زمن «عودة الدين»، بحَسَب تعبيرهم. واهتمّت المجلة بقضايا حقوق الإنسان ومواثيق الحقوق وقضايا العدالة والسلام والعلاقات بين الأمم والحضارات، واستكتبت من أجل ذلك أساتذةً مختلفين من أوروبا وأمريكا في تخصُّصات فلسفة الدين واللاهوت والأخلاقيات والعلوم السياسية. والناحية الثالثة هي الإسهام بالتجديد الفكري والحضاري للباحثين من المؤسَّسات الدينية وللدعاة المسلمين بشكلٍ عامّ، ولذلك نشرت المجلة دراسات عديدة في التجديد الفقهي والديني([61]).

من الانتقادات التي وُجِّهت للمجلة من بعض المتابعين هو انطلاقها من مفهوم التسامح كمفهومٍ أوروبي، وهذا فيه إشارةٌ إلى المفهوم الذي ابتدعه جون لوك، وكان يعني به التسامح الذي ينبغي أن يسود بين الكاثوليك والبروتستانت، وهي حالة ليست موجودة لدينا، بل هي تابعةٌ لظرف تاريخي أوروبي أو غربي. ويوضِّح السالمي في مقاله أن المصطلح أوروبي بالفعل، لكنّه يرى أن المشابهات موجودة، ولا يمكن إغفال تلك الصراعات الموجودة داخل المجتمعات العربية والإسلامية ذات الخلفية الدينية، وعدم التسامح في العلائق بين المسلمين والغرب، وأحياناً بين المسيحيين والمسلمين. فالمصطلح وممارساته ضروريةٌ؛ لأنها كما يرى تشكِّل خطوة في اتجاه قبول الآخر([62]).

والملفت أيضاً بما يخدم نقاشنا السابق حول مصطلحي مفهومي التسامح والتفاهم هو تغيُّر مسمّى المجلة بعد تسع سنوات من إصدارها من التسامح إلى التفاهم. يوضِّح السالمي أن المجلة عند نشوئها أخذت في الاعتبار مسألتين: الأولى: الاختلاف بين المسلمين، وضرورة تجاوز تلك الخلافات إلى رحابة الإسلام؛ والمسألة الثانية هي العلاقات الجديدة بين الإسلام والديانات الأخرى، وبخاصّة الأديان الإبراهيمية في شتّى مذاهبها ومدارسها. وفي ذلك قامت المجلّة بنشر بحوث ودراسات لكُتّاب من شتّى الاتجاهات الفكرية للمسلمين، ومن خارجها، على أساس أن الإفادة ممكنةٌ بل ضروريةٌ من مقولات هؤلاء المختلفين. كما انفتحت المجلة على جامعات وكنائس واتجاهات في الدراسات الدينية وفلسفة الدين في الولايات المتّحدة وأوروبا، ولم يكن تغيير المسمّى لأن الخلافات قد انتهت بين المذاهب الفكرية أو بين الأديان، ولكنْ لأن الهدف أصبح الوصول إلى التفاهم أو اللقاء على القواسم المشتركة([63]).

الهوامش

(*) كاتبةٌ ومهتمّة بأدب الأطفال، متخصِّصةٌ في مجال الإعلام والعلاقات العامّة. لها أعمالٌ ثقافيّة عدّة. من سلطنة عُمان.

([1]) عبد السلام العالي، «من مفهوم الكثرة إلى مفهوم التعدُّد»، مجلة الدوحة، العدد ٩٩: ٦٣.

([2]) رضوان السيد، «المواطنة والقومية والتعدّدية الثقافية في الفكر العربي المعاصر»، مجلة التسامح، العدد ١٤: ٥٧ ـ ٩٣؛ العدد 15: ٥٧ ـ ٨٠.

([3]) رضوان السيد، «المواطنة والقومية والتعدّدية الثقافية في الفكر العربي المعاصر»، مجلة التسامح، العدد ١٤: ٥٧ ـ ٩٣؛ العدد 15: ٥٧ ـ ٨٠؛ عبدالوهّاب الأنصاري، «لنا ما لهم»، مجلة الدوحة، العدد ٩٩: ٧٠ ـ ٧٣؛ سعيد العلوي، «ثقافة الاختلاف والتفاهم في الفكر العربي الإسلامي في العصر الكلاسيكي»، مجلة التسامح، العدد ٣١: ٥٥ ـ ٧٢؛ محمد عوّاد، «منطلقات التسامح عند الفلاسفة المسلمين»، مجلة التسامح، العدد ١: ٩٢ ـ ١١٨؛ صلاح جرار، «من صور التسامح الإسلامي في الأندلس»، مجلة التسامح، العدد ١: ١١٩ ـ ١٢٨؛ رضوان السيد، «التفكُّر الإسلامي في المسيحية: الجدال والحوار والفهم المختلف في العصور الوسطي، مجلة التفاهم، العدد ٤٦: ١٥١ ـ ١٧٤؛ محمد المنتار، «القرآن الكريم وحقّ الاختلاف»، مجلة التفاهم، العدد 46: ٨٧ ـ ١١٤؛ محمد بو هلال، «مقولة حوار الحضارات وجدالها في التجربة التاريخية الإسلامية»، مجلة التسامح، العدد ٤٦: ٢٠٧ ـ ٢٣٢.

([4]) رضوان السيد، «المواطنة والقومية والتعدّدية الثقافية في الفكر العربي المعاصر»، مجلة التسامح، العدد ١٤: ٥٧ ـ ٩٣؛ العدد 15: ٥٧ ـ ٨٠.

([5]) محمد المنتار، «القرآن الكريم وحقّ الاختلاف»، مجلة التفاهم، العدد 46: ٨٧ ـ ١١٤.

([6]) المصدر نفسه.

([7]) عبد الكريم سروش، «التراث والعلمانية: البنى والمرتكزات، الخلفيات والمعطيات»، ترجمة: أحمد القبانجي، دار الانتشار العربي، بيروت.

([8]) المصدر نفسه.

([9]) عبد الكريم سروش، «الصراطات المستقيمة، قراءة جديدة لنظرية التعدُّدية الدينية»: ٢٧٨، ترجمة: أحمد القبانجي، دار الانتشار العربي، بيروت.

([10]) سروش، «التراث والعلمانية: البنى والمرتكزات، الخلفيات والمعطيات».

([11]) المصدر السابق.

([12]) رضوان السيد، «المواطنة والقومية والتعدّدية الثقافية في الفكر العربي المعاصر»، مجلة التسامح، العدد ١٤: ٥٧ ـ ٩٣؛ العدد 15: ٥٧ ـ ٨٠.

([13]) وليام غالستون، «العنف الديني أم التعدّدية الدينية؟ ضرورة الاختيار»، مجلة التسامح، العدد 15: ١٠٨.

([14]) علي ليلة، «المجتمع المدني العربي: قضايا المواطنة وحقوق الانسان»، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.

([15]) عبد الرحمن السالمي، «من التسامح الى التفاهم»، مجلة التفاهم، العدد ٣١: ٣٣٤.

([16]) وليام غالستون، «العنف الديني أم التعدّدية الدينية؟ ضرورة الاختيار»، مجلة التسامح، العدد 15: 94 ـ 109.

([17]) سروش، «التراث والعلمانية: البنى والمرتكزات، الخلفيات والمعطيات».

([18]) نادر كاظم، «طبائع الاستملاك»، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.

([19]) عبد الكريم سروش، «الصراطات المستقيمة، قراءةٌ جديدة لنظرية التعدّدية الدينية».

([20]) توماس مارتنـز، «التسامح، الفضيلة النادرة»، مجلة التسامح، العدد ١٨: ١٩١.

([21]) المصدر السابق، العدد ١٨: ١٩٠ ـ ١٩١.

([22]) سروش، «التراث والعلمانية: البنى والمرتكزات، الخلفيات والمعطيات»: ١٧.

([23]) المصدر السابق: ٢٢.

([24]) يوسف الحسن، «أسئلة الهوية والتسامح وثقافة الحوار» (١٣٩): 11، دار الصدى للصحافة والنشر، الإمارات العربية المتحدة.

([25]) محمد المنتار، «القرآن الكريم وحقّ الاختلاف»، مجلة التفاهم، العدد 46: ١٠٣.

([26]) يوسف الحسن، «أسئلة الهوية والتسامح وثقافة الحوار» (١٣٩)، دار الصدى للصحافة والنشر، الإمارات العربية المتحدة.

([27]) نادر كاظم، «طبائع الاستملاك».

([28]) حسن حنفي، «من التسامح إلى التفاهم، تحليل فينومينولوجي»، مجلة التفاهم، العدد ٣١: ٢٧.

([29]) باقر سلمان النجار، «الفئات والجماعات: صراع الهوية والمواطنة في الخليج العربي»، مجلة المستقبل العربي، العدد 352: ٣٦.

([30]) توماس مارتنـز، «التسامح، الفضيلة النادرة»، مجلة التسامح، العدد ١٨: ١٨٩ ـ ٢٠٦.

([31]) يوسف الحسن، «أسئلة الهوية والتسامح وثقافة الحوار» (١٣٩)، دار الصدى للصحافة والنشر، الإمارات العربية المتحدة.

([32]) حسن حنفي، «من التسامح إلى التفاهم، تحليل فينومينولوجي»، مجلة التفاهم، العدد ٣١: ٢٢ ـ ٣٩.

([33]) عبد الرزاق الدُّوَاي، «في أخلاقيات الحوار بين الثقافات حول مبدأي التسامح وحقّ الاختلاف»، مجلة التسامح، العدد ١٥: ٢٨٦ ـ٣١٠.

([34]) عاطف علبي، «إشكالية التسامح»، مجلة التسامح، العدد 18: 209.

([35]) المصدر السابق، العدد 18: ٢١٢.

([36]) المصدر نفسه.

([37]) توماس مارتنـز، «التسامح، الفضيلة النادرة»، مجلة التسامح، العدد ١٨: ١٨٩ ـ ٢٠٦.

([38]) يوسف الحسن، «أسئلة الهوية والتسامح وثقافة الحوار» (١٣٩)، دار الصدى للصحافة والنشر، الإمارات العربية المتحدة.

([39]) حسن حنفي، «من التسامح إلى التفاهم، تحليل فينومينولوجي»، مجلة التفاهم، العدد ٣١: ٢٢ ـ ٣٩.

([40]) المصدر نفسه.

([41]) المصدر نفسه.

([42]) المصدر نفسه.

([43]) عبد الرزاق الدُّوَاي، «في أخلاقيات الحوار بين الثقافات حول مبدأي التسامح وحقّ الاختلاف»، مجلة التسامح، العدد ١٥: ٢٩٢.

([44]) عاطف علبي، «إشكالية التسامح»، مجلة التسامح، العدد 18: ٢٠٧ ـ ٢٢٤.

([45]) المصدر السابق، العدد 18: ٢١٦.

([46]) وليام غالستون، «العنف الديني أم التعدّدية الدينية؟ ضرورة الاختيار»، مجلة التسامح، العدد 15: 94 ـ 109.

([47]) المصدر السابق، العدد 15: 96.

([48]) تزيفتان تودوروف، «تأمّلات في الحضارة والديمقراطية والغيرية»، ترجمة: محمد الجرطي، كتاب الدوحة (82)، وزارة الثقافة والفنون والتراث، قطر.

([49]) المصدر السابق: ١٠٠.

([50]) باقر سلمان النجار، «الفئات والجماعات، صراع الهوية والمواطنة في الخليج العربي»، مجلة المستقبل العربي، العدد 352: ٣٤ ـ ٤٧.

([51]) إبراهيم الصبحي، «المواطنة بين المنظور والتطبيق»، مؤسسة عمان للصحافة والنشر والاعلان، سلطنة عُمان.

([52]) تزيفتان تودوروف، «تأمّلات في الحضارة والديمقراطية والغيرية»: ٧٣.

([53]) إبراهيم الصبحي، «المواطنة بين المنظور والتطبيق».

([54]) يوسف مكي، «أبعاد العيش المشترك»، مجلة الدوحة، العدد ٩٩: ٥٨ ـ ٦١.

([55]) المصدر نفسه.

([56]) إبراهيم الصبحي، «المواطنة بين المنظور والتطبيق»: ٦٨.

([57]) المصدر السابق: ٧٢.

([58]) سروش، «التراث والعلمانية: البنى والمرتكزات، الخلفيات والمعطيات»: ٢٧٦.

([59]) http://tafahom.com/

([60]) عبد الرحمن السالمي، «من التسامح إلى التفاهم»، مجلة التفاهم، العدد ٣١: ٣33 ـ 344.

([61]) المصدر نفسه.

([62]) المصدر السابق، العدد ٣١: ٣٣٧.

([63]) المصدر السابق، العدد ٣١: ٩.