التغيير المجتمعيّ: مراحله ومعالمه وأدبيّاته

11 ديسمبر 2016
التصنيف: غير مصنف
عدد التعليقات: ٠
215 زيارة

التغيير المجتمعيّ: مراحله ومعالمه وأدبيّاته

مطالعةٌ في ضوء القرآن الكريم

ـ الحلقة الثالثة ـ

حيدر حبّ الله

 

بعد أن تحدّثنا عن بعض ميزات المرحلة المكية نعّرج بنحو الاختصار أيضاً على المرحلة المدنيّة. ولها ميزاتها وخصائصها، وأبرزها:

1ـ فرض منطق القوّة وإيجاد التوازن: فعندما ينتقل المؤمنون إلى المرحلة المدنيّة في التغيير فإنّ عليهم أن يفرضوا قواعد جديدة للعبة، وهي القائمة على منطق توازن القوى. إنّ القوّة معيارٌ رئيس هنا. فالحقّ لا ينتصر بحقّيّته فقط، بل يحتاج إلى القوّة كي تشكّل ضماناً له وحماية، وإلا انهار تحت أقدام الآخرين، ومن هنا فُرض في الإسلام الجهاد تعبيراً عن منطق فرض التوازن وحماية الجماعة، وجاءت الأوامر بالغِلْظة مع الكافرين؛ لأنّ الكافرين هم رمز الاعتداء والعدوان على الدعوة الإسلامية؛ حيث حاصروها منذ انطلاقتها، وأعملوا كلّ وسائل القتل والتشريد، ومصادرة الأموال، وتسقيط الأشخاص، وتأليب الناس على الداعين إلى الله تعالى.

إنّ الكفر في المنطق المدنيّ تعبيرٌ عن الآخر الذي يقف في المواجهة، وليس فقط تعبيراً عن اعتقاد أو وجهة نظر، وهذا هو واقع الكافرين في المرحلة المدنيّة. والانحراف الفكريّ عندما يحارب حركة الهداية والرشاد يصبح معادياً، ويخرج عن كونه مجرّد وجهة نظر، فيحتاج إلى القوّة التي تردعه، وليس فقط إلى الحوار الفكريّ الذي يقنعه.

من هنا نجد قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29)، والشدّة على الكفّار تعني الشدّة على كفار المواجهة والحرب، وإلاّ فإنّ الله يقول: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (الممتحنة:8)،فإنّ البرّ هنا ضرب من الرحمة. ولا تنافي بين الآيتين الكريمتين، حتّى يُدَّعى نسخ الثانية، كما قال بعض المفسّرين وعلماء القرآنيات؛ لأنّ الكافر في جملة من النصوص القرآنية هو ما أسمّيه (كافر المواجهة)، وليس (كافر المعتقد). ولا أريد أن أدخل في ثنايا البحث التفسيري والقرآني هنا، وإنما أكتفي بإيجاز وجهة نظري هذه.

(فكافر المواجهة) يستحقّ الغِلْظة، ولا يستحقّ الرحمة، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة:123). فالغلظة ضرورةٌ ضدّ مَنْ يستخدمها ضدّك؛ حتّى يقف عند حدّه، وكذلك الشدّة والحزم.

ومن هنا ذهبت الآيات القرآنية إلى تأسيس منطق القوّة؛ بهدف إيجاد التوازن والردع والمنع، المعبّر عنه في القرآن الكريم بإيجاد الرهبة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: 60).

إنّ منطق القوّة هو منطق أن يخشاك الآخر، فلا يعتدي عليك، ولا يفكّر في التطاول على دينك ومقدّساتك وذاتك وأمّتك. ومن هنا يلتقي (مبدأ الإعداد والاستعداد)، وهو أحد مبادئ المرحلة المدنيّة، بمبدأ (القوّة)، الذي هو مبدأ آخر؛ ليكون الأوّل محقِّقاً للثاني، وليكون هدفهما مبدأ ثالثاً، هو مبدأ (التوازن وحماية الجماعة المؤمنة من العدوان، وحفظ الدين، وتأمين مسيرته).

2ـ مبدأ (حبّ الجهاد والمواجهة) أو مبدأ (حبّ التضحية): وهما من أعظم المبادئ في الفترة المدنية؛ لأنّ حركة الدعوة والهداية في هذه المرحلة لا يكفي فيها أن تجاهد ولو بالإلزام، بل المطلوب صناعة حالة الحبّ والعشق للتضحية ونكران الذات. إنّ هذا جزءٌ من عقيدة المواجهة في منطق القوّة الإسلامي، قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24).

فالجهاد والمواجهة ناتجان في التربية الدينيّة عن عشق الله وحبّه وحبّ رسوله، وعن عشق التضحية في سبيلهما، وليسا ناتجين عن مصالح أخرى، فكلّ المصالح الدنيويّة عند الإصلاحيّ والتغييريّ تصبح لا شيء في سبيل مصلحة القِيَم والمبادئ التي يؤمن بها. ولهذا ركّزت نصوص القرآن الكريم على خطورة أن يتحوّل الجهاد في عالم مقاصده من ساحةٍ للعشق الإلهيّ وتفضيل الآخرة على الدنيا إلى ساحة لطلب الدنيا نفسها، فيحصل تحوُّل في المفهوم والظاهرة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيداً * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيماً * فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ (النساء: 72 ـ 74). إنّ هذه الآية الكريمة تريد أن تحصر القتال تقريباً بأولئك الذين يبيعون الدنيا مقابل أن يحظَوْا بالآخرة، هؤلاء هم الذين ينبغي أن يقاتلوا، لا أولئك الذين إنما يقاتلون لأجل الغنائم وتحصيل المكاسب الدنيوية.

وهكذا تجد في حركة الإصلاح والتغيير بعض الأشخاص الوصوليّين الانتهازيّين الذين يريدون أن ينضمّوا إلى المسيرة بهدف تحقيق بعض المكاسب التي يجدونها عند هذا الفريق، ولا سيّما عندما يلاحظون تقدُّم هذا الفريق في مواقع القوّة وتحقيقه بعض المنجزات، ولهذا لم يساوِ القرآن الكريم بين أنواع المقاتلين أنفسهم، فضلاً عن عدم مساواته بين القاعدين والمجاهدين، فقال عزَّ من قائل: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُمْ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (الحديد: 10).

هذه الآية الكريمة تؤكّد أنّ المقام الأسمى يكون لأولئك الذين واجهوا وتحمّلوا في مواقع الشدّة؛ لأنّ هذا العنصر يكشف عن درجةٍ إيمانيّة عالية عندهم وجهادٍ حقيقيّ مخلص، حيث لم يكن يرجو صاحبه شيئاً وهم القلّة الضعيفة، أما بعد الفتح فإنّ الإسلام صار قويّاً، وصار الانضمام إليه شأن المخلص وغيره، وشأن المؤمنين على اختلاف درجات الإيمان، ويشوبه حينئذٍ تمازج المصالح الدنيويّة والأخرويّة.

إن الاختبارات والامتحانات جهازٌ لتصفية المقاصد وكشف الأغراض والغايات، ومَنْ يقف معك في موقع الشدّة يختلف عمَّنْ يقف معك في موقع الضعف، حيث سيكلِّفه الوقوف معك كثيراً.

ونحن نرى كيف أنه داخل الأوساط الدينيّة يحكم هذا المنطق أيضاً. فكم من أشخاص يصدق عليهم ما صدق في حقّ كثير من الناس زمن الإمام الحسين× «قلوبهم معك، وسيوفهم عليك». فأنتَ ترى الكثيرين يتفاعلون مع حركة الوعي والبصيرة والهداية مقابل حركة الغلوّ والخرافة والتهريج من جهةٍ، وحركة التمييع والتقزيم والمحاربة للدين من جهةٍ ثانية، لكنْ عندما تتطلَّب الأمور منهم موقفاً فإنّك لا تجد أحداً، ولا ترى نفسك إلاّ شبيهاً ـ في الصورة ـ لمشهد مسلم بن عقيل، فإذا قوي عودك سمعتَ ثناءهم ومدحهم وإطراءهم.

هنا أهمّيّة الحفر في المقاصد؛ لتكون مقاصد سليمة وصحيحة، فيناضل الإنسان لأجل الله تعالى، ويستعدّ للتضحية، فإذا بني هذا القصد في الروح الإنسانيّة فسوف تجد مع مسلم بن عقيل الكثيرين.

ـ يتبع ـ