التغيير وغياب النزعة النقدية

18 مايو 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
115 زيارة

التغيير وغياب النزعة النقدية

إيمان شمس الدين[1]

النظريات السيسيولوجية تهتم بدراسة ظاهرة واحدة في أكثر من مجتمع[2]، وغياب النزعة النقدية ظاهرة إسلامية بشكل عام، وعربية بشكل خاص، وخليجية بشكل أخص، وتعتبر من أهم عوائق الاصلاح ومراكمة الفساد، وتشكل عقبة حقيقية في مسار النهضة والتطوير والتقييم، وكونها ظاهرة مشتركة في أكثر من مجتمع، فسنسلط الضوء على ملابسات هذه الظاهرة وأسبابها، بل دورها المحوري في عملية الاصلاح، والتي هي مظهرا جليا من مظاهر التغيير في المجتمع. وهنا نحن لا نقتصر في استهدافنا للاصلاح على المجتمع، بل نعني به أيضا الاصلاح على مستوى الفرد، لأن التغيير يبدأ من الداخل لكي يحقق ثمرات التغيير الخارجي كما أشرنا في الفصل الأول، ولذلك، فإن الاصلاح أيضا كمصداق من مصاديق التغيير، له عدة مراتب في امتداد بعضها البعض:

١. مراتب داخلية متعلقة بالفكر والنفس، في بعديهما المعنوي والأخلاقي المؤثر في السلوك، خاصة فيما يتعلق بإصلاح منظومة الأفكار، وعلى ضوئها إصلاح منظومة المعارف والأخلاق، ومنظومة القيم والمعايير.

٢. مراتب خارجية متعلقة بالأهداف ووسائل تحقيق الأهداف، وبعملية الاصلاح السياسي والاجتماعي والديني، ومنهجها وإشكالياتها.

ويعتبر النقد مقدمة هامة وأولية في تشخيص الخلل، والإشكاليات المعيقة للاصلاح والنهضة، وعملية التغيير الفردي والاجتماعي، لأن التقييم والمراجعة والنقد والمحاسبة مقدمات هامة، بل ضرورية لتحقيق هدف التغيير والاصلاح، وغياب النزعة النقدية هو غياب لشرط تحقيق الاصلاح والنهضة.

والنقد نوعان:

١. نقد إيجابي.

٢. نقد سلبي.

 فالناقد قد يمارس النقد الإيجابي للاصلاح، وقد يمارس النقد السلبي لتكريس الفساد، بمعنى أن هناك من يمارس النقد لأجل الاصلاح والتغيير، وهناك من يمارس نقد حركات الاصلاح والتغيير، لا نقدا بناء في سبيل معالجة ثغراتها، بل نقدا هداما مضادا مواجها للاصلاح والتغيير، ومكرسا للفساد بل مراكما له، ” فلقد انتقد المشركون من أهل مكة نوع النظام الاجتماعي الذي جاء به الاسلام، وذلك لما ينطوي عليه من تبديل للعادات والتقاليد، أو إقرار التشريعات الاسلامية والتعاليم غير المألوفة في أسلوب الحياة الجاهلية وثقافتها”[3] ..وهو مصداق للنقد السلبي، الرافض للتغيير نتيجة التنميط الاجتماعي، والاعتياد والخوف على المصالح الخاصة لكبار القوم من أن تتضرر، نتيجة النقد والمطالبة بالتغيير،”فيما انتقد النص القرآني هذا المجتمع المتخلف، ووصفه بالجاهلي، ودعاهم إلى عبادة الله تعالى، وتصحيح تصوراتهم الفاسدة، وتحقيق العدالة الاجتماعية فيما بينهم..”[4]

ونحن هنا معنيين بالنقد الإيجابي الذي يحقق الاصلاح، ويحدث تغييرا في البنى الاجتماعية السياسية والاقتصادية والدينية.

وبين النقد الإيجابي والآخر السلبي تدافع مستمر، وهذا التدافع والتنافس يخلق آفاق للعملية الإصلاحية، لو أدرك المصلحون و أصحاب النقد الإيجابي ذلك، فمواجهة الاصلاح من قبل معارضيه، يكشف للمصلحين ثغرات جديدة في جسد الفساد، ويكشف خطط المفسدين ومنهجهم، ففي حال لم يتم شخصنة الصراع بين طرفي الصراع، وعدم انجرار المصلحين الحقيقيين للانشغال في شخوص المفسدين، فإن المصلحين سيتمكنون من التركيز على نقاط الضعف، وكشف الثغرات، واكتشاف الفساد أكثر، من خلال ردود فعل المفسدين ومواجهتهم للنقد الإيجابي بنقدهم السلبي. فالتنافس والتدافع في عملية النقد بين نوعيه السلبي والإيجابي أمرا طبيعيا، ضمن قوانين الطبيعة البشرية والتاريخية، إلا أن آلية التعاطي مع النقد السلبي، هي التي تحدد قدرة المصلحين على تحقيق هدف الاصلاح من عدمه، وعلى مصداقية مقاصدهم الاصلاحية.

إننا في عملية النقد الإيجابي لتحقيق الاصلاح والتغيير نستهدف بذلك عدة مراتب:

١. المنظومة الفكرية والمعيارية والقيمية للفرد والمجتمع، لدورها الفعال والهام في رفع قابليات الجمهور، والنهوض بمستوى وعيهم، لإدراك الإشكاليات المعيقة، وتسييل المفاهيم من النخبة المتصدية للإصلاح، ومن موقع التنظير إلى موقع التطبيق، وميدان التطبيق الأول هو الجمهور.

٢. المنهج والأدوات واليات القيادة، سواء علي مستوى التفكير أو التطبيق، الذاتي أو الاجتماعي.

٣. الأفراد والجماعات والمجتمع، من حيث منهجية التفكير وآليات مواجهة المشاكل والإشكاليات، وكيفية التعامل مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية والدينية، ومدى ممارستها دورها الرقابي للقيادة ومنهجها.

٤. القيادة بكافة مصاديقها ومراتبها ( سياسية أو دينية، حزبية أو سلطوية، تيارية أو اجتماعية، خاصة أو عامة).

١.١ النقد الإيجابي بهدف التدوير والتدرج:

التدوير والتدرج الوظيفي أو الموقعي، فكرة جدلية بين رافض لها مطلقا أو قابل لها مطلقا، كونها تستهدف تجديد الدماء وتغيير العقول والوجوه. ومنطقة عملها هي الرتب العالية أو بمعنى آخر، مواقع المسؤولية المتقدمة رتبيا، من حيث الموقع والمهام والسلطات والنفوذ، سواء كانت على مستوي القيادة كمرتبة، أو القيادة كوظيفة ودور، أو هي على مستوى اجتماعي وسياسي وديني، ولكل من الاتجاهين أدلته وتصويباته.

وعادة يأتي التدوير والتغيير لأسباب عديدة أهمها:

  • ١. ممارسة التفكير النقدي للفرد على أداء المتصدين، نتيجة تقصير أو قصور أو عدم مواكبة.
  • ٢. تغيير الموجود بمن هو أكفأ منه، نتيجة بروز كفاءات جديدة لم تكن موجودة في الساحة قبل ذلك.
  • ٣. ضرورة زمنية متعلقة بالتقدم في العمر، وضرورة رفد المواقع بطاقات شابة كفوءة، تعطى لها الثقة لقيادة المسيرة، مع بقاء القدماء في موقع التصويب والاستشارة لخبراتهم المتراكمة.
  • ٤. إخفاق القيادة أو المتصدين في مواقع المسؤولية في أداء دورهم، وعدم مواكبتهم لمسيرة التطور في التفكير والممارسة والأداء والأدوات، وعدم تلبيتهم لمتطلبات الراهن ومعالجة إشكالياته بما يناسبه ، وهو ما ينعكس جليا على واقع الفرد والمجتمع والجماعة، من حيث التفكير والانتاج، ومسار المنظومة المعيارية والقيمية في المجتمع.

كثيرة هي آثار عدم التدويروتعطيل التدرج مطلقا على تهميش الطاقات، والتبذير أو الإسراف بالعقول بتعطيلها أو صرفها إلى وجهة غير وجهتها الواقعية، وما ينتج عن هذا التهميش من خلق نزاعات وصراعات نفوذ ومواقع وفتن، على مستوى الأفراد أو الجماعات، من تيارات وأحزاب ومؤسسات دينية أو سياسية أو مدنية. فتتحرك نتيجة ذلك الفئات المهمشة أو المعطلة بعنوان الاصلاح كرد فعل ، مع عدم وجود مشروع للاصلاح حقيقي يهدف لاصلاح الواقع، دون إحداث خلل في بنية المجتمع ووحدته. فالعمل تحت شعار الإصلاح كرد فعل وليس كفعل مدروس وفق مشروع بنيوي هادف، سيراكم من الخلل لا يعالجه. فحب الذات صفة مغروسة في فطرة كل انسان، وغرست لهدف خلق الدافع وبعث الارادة لدى الانسان، للعمل والتنافس في ساحات الدنيا لعمارتها بما ينفع الإنسان[5] . وهذب الله حب الذات ووجهه نحو الخير، و ليثبت الانسان ذاته عند الله وليس عند البشر، وليحرز موقعية خالدة عند الله، وليس ليحقق مصالح دنيوية في الدنيا قد تحرفه عن الصراط، وتجعله يظلم ويهتك حرمات ويضيع حقوق ، لذلك مواجهة ما فطر الله الناس عليه ستكون له آثار عكسية على الفرد والمجتمع. ففي السنن التاريخية مواجهة الفطرة التي لا تبديل لها وتحديها، يمكن أن ينجح مدة زمنية، لكن الانقلاب في مسار المواجهة، سيعيد توجيه الفطرة لوجهتنا الصحيحة، ويعكس مسار المواجهة ليضعها في الطريق السليم. وهذا التهذيب لا يستدعي معنى الزهد السلبي، بل يخلق عند الإنسان الدافعية القصوى في عمارة الأرض، وفي الاستفادة من خيراتها ونعمها، لكن دون استحواذ وظلم.

إلا أن ما يحدث خلال مواجهة الفطرة ومدتها من تداعيات خطيرة على الواقع الفردي والاجتماعي، قد يعاني منه الأجيال، فتتوارث إرث منحرف وتُراكِم عليه، وتحرف مسار الإرادة الإلهية من خلق الإنسان، وتحرف وظيفة الإنسان الحقيقية وتحولها عن مسارها السليم، و تحدث خللا في بنية الدعوة إلى التوحيد وتحقيق العدالة. هذا فضلا عن تأخير مسار تقدم المجتمع، وتعريضه لنكسات وخيبات أمل، نتيجة عدم تطوير الأفهام والأدوات، وعدم محاكاة الواقع بعقل الراهن، ومحاولة معالجة الإشكاليات أو المشكلات بطريقة نمطية، لا تخرج عن مألوف المتصدين القدماء، ولا تكسر التابو الذي اعتادوه وألفوه كمرجعية تحدث لهم اطمئنانا موهوما، يهتز مع أقل ريح فتنة. ويعتبر تعطيل الطاقات بتهميشها، أو عدم إعطاءها فرصتها، هو انتهاك صارخ وسلب واضح لحقها في ممارسة دورها ووظيفتها، ليس فقط على مستوى القيادة، بل على مستوى التخطيط والتطوير والنقد والبناء والمشورة.

وفي ظل هذه المواجهة نحن امام ٣ حالات:

١.استمرار القدماء في مواقعهم، رغم تقدمهم في السن مع تراكم خبراتهم أو ضحالتها، وما يستدعيه ذلك من تأخر في العطاء، وتنميط في التفكير، والبقاء داخل صندوق مقفل عقليا في صناعة الحدث وتفسيره، أو في تشخيص المشكلات والإشكاليات ومعالجتها، و في الابداع وحتى في مواكبة العصر. وهو ما يجعل مسار التطور والمواكبة بطيء، ويراكم من الإشكاليات والمشاكل المحيطة بل يعمقها، و يدفع بتهميش المستحقين الأكفاء من الشباب من التصدي لهذه المواقع، بالتالي يؤدي ذلك إلى:

أ. انكفاء البعض من الكفاءات بعيدا عن الحياة العامة، كونها تسعى لرضا الله، ودرءا للفتنة ولكسب النفس من الضياع، بالتالي تترك الساحة بما هي عليه من خلل وتنجو بذاتها، وبذلك تعطل طاقة كفوءة كان يمكنها دفع المجتمع سنوات من العطاء والنهوض والتقدم. ويأتي الانكفاء كخيار بين خيارين: الانكفاء أحدهما، والآخر هو الرضا بالموجود، والانخراط في العمل حتى مع ضعف القيم وخلل المنهج والرؤية .

ب. انقلاب بعض من الكفاءات للمعارضة العنيفة بحجة الاصلاح، وممارستها للنقد وتتبع الذلات، مما يسبب فرقة داخل المجتمع وتشتت كبير، ولغط وفتنة.

ج. تطويع كفاءات وتدجينها، لأنها ترغب بالعمل لإثبات ذاتها، لكن دافعيتها للعمل لإثبات ذاتها تكون في مقابل سلب عقلها وقدرتها على التصويب والتقويم والنقد، وتنمطيها تنميطا سلبيا باستخدام عناوين شرعية كالتكليف، حيث يطرح هذا العنوان بطريقة استغلالية تعطيلية، إضافة لعنوان طاعة ولي الأمر، وربطها بطاعة الله، انطلاقا من فهم محرف للطاعة، يتوافق ورغبة المتصدين في البقاء، أو فهمهم النمطي التقليدي للطاعة. وهنا نفقد ايضا كفاءات وندجنها في مسار هو بالأصل فيه خلل، لنكرسه كمنهجا يتم توارثه لينتج قطيعا وجنودا، لا علماءً ومفكرين، ومنتجوا معرفة.

و التكليف الشرعي: هو وظيفة الشخص المكلف في حياته على ضوء الأوامر والنواهي الإلهية، او هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين طلبا أو تخييرا. كطلب القيام بالصلاة وطلب الامتناع عن الكذب، او التخيير بين الفعل وعدمه كالأكل، وعلى ضوء دوره كخليفة الله على الأرض. وهنا عندما نقول خليفة الله، نعني امتلاكه لكل مقومات الاستخلاف، والقابليات والأدوات التي تمكنه من أداء دوره الاستخلافي. فنحن نقول أن الإنسان خلق بالقوة ليمارس دور الخلافة، بمعنى أودعت به هذه الوظيفة فطريا بالتساوي بين كل البشر، لكن فعليا يختلف البشر بين من هو واقعا خليفة، وبين من هو ابتعد عن دوره الاستخلافي في الأرض، لبعده عن مُرادات المستخلِف.

وبناء على ذلك يتم التكليف الشرعي لمن أدرك وظيفته الاستخلافية في الأرض على ضوء إرادة المستخلِف، وإذا أدرك ذلك بعقله، سعى لمعرفة الإرادة الإلهية في الأرض بطريقة عقلايية توصله إلى المطلوب. وبعد معرفة المنهج الصحيح على ضوء إرادة الله، يصبح هنا قادرا على تشخيص مساره في الدنيا ووظيفته، وهي النهوض المستمر في كل لحظة، لمواجهة كل محاولات الانحراف في المسار، أو محاولات حرفه عن جادة الحق. لكنه في ذات الوقت يجب أن يمتلك القدرة على تشخيص مراتب هذه المواجهة و كيفيتها وآلياتها، التي تحقق هدف النهوض، كون الانحراف ليس بمرتبة واحدة، وكل مرتبة لها أسلوب مواجهة وتوقيت وطريقة.

فالنهوض حركة دائمة مستمرة على طول المسار الإنساني في الدنيا، لأن الصراع بين الحق والباطل لن يتوقف فيها، بالتالي هو بحاجة مستديمة لتقييم المسار وتقويمه والنهوض به، سواء نهوضا أخذ في حسبانه الزمان والمكان، ومواكبا للعصر. أو نهوضا يسعى من خلاله إعادة المسار بعد انحرافه لطريقه القويم. وحينما يرتبط التكليف كمفهوم بمفهوم المسؤولية، فهذا يدلل بشكل كبير على أنه ليس تعطيلا للإنسان وعقله، بل هو تصويبا له، وتثويرا لطاقاته المكنونة وغير المكنونة، وهو لا يعني إبدا أن تسلم عقلك للبشر، بل يعني أن تسلمه فقط لله، وأن تستخدمه في معرفة من هم المختصين الصالحين في إيصالك إلى طريق الله، وفي إرشادك للطريق الأقصر، وليس في تغييب عقلك أبدا. فالمسؤولية الاستخلافية لا يمكن أن تتم بدون معرفة، والمعرفة أداتها العقل، والعقل يحتاج مرشد صالح، وهو يمتلك القدرة كعقل على تشخيص الحسن والقبيح، فبالنهاية هو مسؤول في تشخيص الأصلح، ومسؤول في معرفة الطريق، ومسؤول في تحديد الأدوات الصالحة للسير، ومسؤول في فهم الأهداف وطريقة الوصول إليها. وهذا كله يقع ضمن دائرة التكليف وليس خارجها أبدا، وهو ما يؤكد أن التكليف وخاصة الشرعي هو حركة دائمة، ولا يمكن أن يصبح تكليفا إلا باستخدام العقل وفهم المهام، فالتكليف ليس تعطيلا ولا سكونا، ولا إعفاء من مسؤولية الفهم والمعرفة، بل هو مؤكدا على مسؤولية العقل والفرد، للسعي الدائم نحو المعرفة في كل شيء، لأننا نحتاج المعرفة في كل شيئ.

٢.تنازل القدماء عن مواقعهم للأجيال القادمة من الطاقات الكفوءة، والسماح لهم بخوض تجربتهم في قيادة الساحة مع عدم خبرتهم، وفقدانهم لخبرة القدماء وتجاربهم المتراكمة التي خلقت لديهم معرفة عميقة وخبرة ميدانية مهمة، خاصة انهم كفاءات سابقة . وهو ما يؤدي لنسف التجربة السابقة على يد كفاءات جديدة، لكنها لا تمتلك خبرة كافية وخاصة ميدانية، وهذا أيضا يسبب فوضى.

٣. بقاء القدماء في مواقع استشارية في الظل، مع تقديم الكفاءات الجديرة لتسنم مواقع قيادية متقدمة، وبشكل متدرج ، لكنهم يبقون لرفد هذه الكفاءات بالخبرة وتصويب التجربة، وتفعيلها بالطريق الأصوب الذي يجمع بين عقلية الجيل الشاب ونظرته الحيوية لراهن العصر، وعقلية القدماء ونظرته العميقة المليئة بالخبرة والمعرفة للواقع، لأن الأحداث تتكرر غالبا لكن في قوالب عصرية تناسب الزمان والمكان. وبذلك يتم ضمان استمرار مسار الخير عبر الأجيال، حتى بعد رحيل هذه القيادات القديمة، ويتم ضمان اكتساب هذه الطاقات الشابة مع الممارسة، الخبرة اللازمة لمواصلة المسير.

٤. بعض القيادات لها فاعلية زمنية عابرة للتاريخ والزمن، بمعنى أنها قيادات تمتلك قدرة ذهنية فائقة في القراءات الاستراتيجية وفي مواكبة التطورات ومعالجة الإشكاليات، بما يتناسب والراهن والعصر الذي تتواجد فيه، هذه القيادات تمثل امتداد زمني حيوي فعال غير متوقف ولا منغلق، ومع ذلك تمتلك جهاز استشاري متخصص يرفدها بكل ما هو جديد، لتطور قدراتها وقراءتها وأفكارها وتكون على تماس مباشر مع آخر التطورات في كافة المجالات، وهذه الفئة نادرة عبر التاريخ، وتدويرها يكون خسارة حقيقية. لكن هذا لا يعني عدم نقدها وتصويبها، بل يعني السعي المستمر في النقد، وفي تغيير الجهاز الاستشاري أو تغيير الأدوات في حال عدم فاعليتها، لذلك التدوير والتغيير على مستوى القيادة قد يكون له استثناءات مشروطة ومتعلقة بشخص القيادة وصفاتها، وقدراتها العقلية والفكرية والخبروية والتطبيقية في الساحة المستهدفة للاصلاح. ومتعلقة أيضا بالظروف المحيطة بهذه القيادة، لأن الظروف المضطربة سياسيا وأمنيا، لا تتناسب وفكرة التدوير إلا إذا كانت هذه القيادة هي سبب مباشر لهذه السياسات والاضطرابات، وإلا فإن فكرة التدوير لابد أن تدرس الظروف والتداعيات، فهي فكرة يتم تطبيقها لأجل التقدم خطوة نحو الاصلاح والنهضة، واستمرار الاستقرار، بينما إذا كان التدوير لا يحقق ذلك، بل يحدث انشقاقات وفتن وخلل أمني اجتماعي، فإن التدوير هنا يكون مرفوضا.

فلا بد من توافر مجموعة شروط وحيثيات لتطبيق مشروع التدوير، وأهمها أن يكون التدوير علاجا لإشكاليات كانت سببا في حدوث خلل في الاستقرار الاجتماعي والأمني، نتيجة السياسات الخاطئة أو عدم مواكبة من هم في مواقع متقدمة للراهن، وأن يحقق التدوير التقدم والنهضة، ويغير من الواقع الراهن إلى الأحسن، وأن لا يعد تكرارا لأخطاء القدماء، واستخدام منهجياتهم التي لم تحقق أي تطور ونهضة تذكر.

إن تهميش الطاقات بدعاوى دينية وشرعية، وبقاء تسنم القدماء للمواقع المتقدمة في المجتمع مع عدم تحقيقهم لوظيفتهم كما يجب، وعدم إفساح المجال للجيل الشاب ليمارس دوره الفعال في النقد والاصلاح، هو تعطيل للدور الناقد التغييري في المجتمع . فعدم إعطائهم الثقة في تسنم المواقع المتقدمة، هو تجميد لطاقة النقد المودعة في الإنسان، و تعطيل هذه الطاقة الضرورية في أداء وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو تعطيل لأي محاولة تصحيح مسار وإصلاح انحراف في داخل التيارات أو المجتمع. هذا فضلا عن تعطيل الكفاءات وعدم تطوير قدراتها من خلال الارتقاء التدريجي في المواقع لكسب الخبرة، مما يثبت استمرارية المسار السليم عبر الأجيال دون توقف، إلا أن منع ذلك هو قتل للكفاءات وتعطيل للتطوير، ومع التقادم قطع للمسار، بما يدفع الكفاءات للعمل الفردي، أو اللجوء لجهات أخرى تمكنها من إثبات ذاتها، وقد تستغل كثير من الجهات المشوهة فكريا هذه الطاقات المعطلة في تمكين أفكارها اجتماعيا، وإضعاف الأفكار الرصينة.

” فقد يتولى بعض الرجال على البعض الآخر من الأتباع، ويتم التأسيس لنوع من العلاقات الاجتماعية، أو أنماط من الولاية السياسية، وذلك من خلال التضليل الفكري، وصناعة حواضن غير سوية التفكير، تقوم على صناعة المغالطات حتى لو بأواطر شرعية، التي لا تنطلي على الناقد الفذ، فحقيقة المغالطات هي: نماذج فكرية تترتب عليها أبنية فكرية عديدة قائمة علي الخلط أو الدس أو التعمية، وذلك بالإفادة من المقدمات مغشوشة أو مشوهة الفهم، ووضعها بشكل خفي داخل في الاستدلال والاستنباط، أو في طريقة استنطاق الفتوى والاجتزاء.

ومع وجود الأتباع، والقوى الاجتماعية السائدة التي يفكر بعضها بنقد البعض الآخر، بل وفي تكفيره وإزاحته من الساحة والتنافس، يتحول المشهد من التراشق الكلامي والنقد اللفظي، إلى التفكير بوسائل العنف والتمرد والتراشق، الأمر الذي يكشف عن خطورة هذا الاسلوب في الحياة الاجتماعية والتحولات التي يمكن أن تتولد عنه في معالجة المشكلات الاجتماعية“.[6]

١.١ التفكير الناقد والتغيير:

”التفكير النقدي في الإسلام هو تفكير ذو طبيعة قرأنية في الأساس، فهو من طبيعة التفكير عند الأنبياء، لها قدرة علي شجب الواقع البائس للإنسانية واستثماره لتغييره. والنقد دعوة صريحة لوعي الآخرين ودعوتهم للتغيير والمشاركة في الإصلاح والنقد، والاستنكار لكل أنواع الضلالات والمغالطات السائدة التي يعج بها الواقع الإنساني[7].

إن النظريات التقليدية الاجتماعية، نراها ظاهرة في المجتمعات التقليدية النمطية، وهي تختزل الفضاء الاجتماعي في تفسير أحادي النظرة، غير متعدد وتفرز عنه صراعات وجودية يدخل فيها إثبات الذات نتيجة الاقصاء والتهميش والتعطيل. وتتداخل فيها الوظائف دون تحديد معالمها وهويتها والحدود بينها، ليصيح الرمز والسوبرمان، مفاهيم حاضرة بقوة في الوجدان الشعبي، ومتناسب مع نمط التعطيل للطاقات، والترميز للشخوص، هذا فضلا عن خلق صورة نمطية ساكنة عن وظيفة الإنسان ودوره، تتناسب ومنهج المتصدين وأهدافهم وأدواتهم.

إن ترسيخ أداة النقد والرقابة والتأسيس لمبدأ التدوير الوظيفي والموقعي، ومشاركة كل الأطياف والفئات العمرية وفق مبدأ الكفاءة، ومبدأ تشخيص المرتبة والوظيفة لكل فئة وفق الحاجة والراهن والمتطلب، هو تفعيل لمبدأ المشاركة الاجتماعية، والدفع باتجاه النهضة والتقددم الاجتماعي، و العمل علي تماسك المجتمع ومنع أي فتنة وصراع، قد تنشأ من التهميش والتعطيل، ومنع الآخرين من ممارسة دورهم في عمارة الأرض. بل هو تفعيل لوظيفة الاستخلاف الإلهية، التي تتطلب استنفار كل الطاقات في كل المواقع، لضمان استمرارية خلافة الخير في الأرض.

ويعتبر تعطيل أداة النقد الاجتماعي على مستوى الأفراد، أو مستوى الجماعات مقدمة ضرورية لتعطيل مبدأ التدوير الوظيفي والموقعي، إذ بتدجين العقول وتنميطها من خلال ثقافة الترميز الغير منطقية، والتقديس الغير شرعية، وأعني هنا بالتحديد الترميز لمن لا يستحق ومن لا يملك مواصفات الرمزية، والتقديس لغير ما هو مقدس، كما يحدث من تقديس في الوجدان الشعبي لكثير من الأشياء التي لا تتعدى كونها أمور بشرية خارج نطاق المقدسات الحقيقية، فما يحدث من تدجين وتنميط باستخدام هذه الأدوات، يعطل قدرة النقد تحت هالة المقدس واحترام الرمز، و بحجة أنه الأقدر والأكفأ على قيادة المسيرة وتدبير أمور الفرد والجماعة، سواء كان ذلك ضمن أحزاب أو تيارات أو مؤسسات دولة أو مؤسسات دينية، فإن مجرد تعطيل أداة النقد السليمة، هو تعطيل لحق الفرد في استخدام عقله، وتصويب المسيرة وإصلاح الثغرات، التي قد لا يراها الفرد في موقع السلطة منفردا، بل يحتاج لأن يجمع العقول إلى عقله حتى تكتمل الصورة وتنهض الأمة.

فنحن إذا أمام منهج تعطيلي توقيفي يبدأ كالتالي:

  • ١.التربية على ثقافة المقدس والرمز بطريقة غير منطقية ولا عقلية، تمنع الفرد المستهدف من توظيف قواه العقلية بطريقة سليمة، وتدعوه مبكرا لتسليم أغلب زمام عقله للرمز، أو لجهة وضعت لها هالات القداسة من البشر دون وجه منطقي، وهنا لا أعني أبدا ضرب الاحترام القيمي، أو إنكار المراتب الوجودية التي رفع الله بها البشر بعضهم على بعض، ولكن أعني أن هذه المرتبية في الوجود، لا تعني الاستعباد والاستغناء، بل تعني المشاركة والتكامل والتنافس في مدارج الكمال، لترفع كل مرتبة عليا من هو أدنى منها إلى الأعلى، وتعينه على أن يتحررمن كل أنواع العبوديات والقداسات والترميزات البشرية، وتفعّل قدرته على امتلاك أدوات منطقية، يستخدم فيها العقل المناهج السليمة في التفكير والتشخيص.
  • ٢.منع النقد وتعطيله بحجة التكليف، أو القداسة التي تمنع كل محاولة نقد وتقويم، أو الرمز الذي يعتبر المخول الوحيد للقرار والقدرة على التفكير وفق هذا المنهج التعطيلي، وهنا لا أنكر وجود التكليف في كثير من المسارات، ولكن أنكر توظيف هذا المصطلح، توظيفا يعطل ويشل قدرة الإنسان على التفكير والاستقلال في القرارات المتعلقة بمصيره وعلاقته مع الله. وهو أمر يحدث مع الدين برمته، حيث يتم توظيفه على مر التاريخ من قبل فراعنة كل عصر، لكي يستطيعوا بذلك تعطيل عقول الناس واستعبادهم، سواء استعبادا مباشرا كما يحدث من قبل المستبدين بالقهر والظلم والقوة، أو غير مباشر كما يحدث من قبل كثير من الزعماء السياسيين والدينيين والمؤسسات المرؤوسة، حيث يتم كي وعي الأفراد كما أشرنا سابقا، بطرق مختلفة دينية وغير دينية، ويتم السيطرة على مجال الإدراك، بما يعطل وظيفة التفكير الذاتي المستقل لدى الأفراد، ويخلق في وجدانهم ولاوعيهم حالة القصور، و التي تعني الحاجة المستديمة لولاية الآخر على النفس والعقل وطرق التفكير، والاقتناع بعدم القدرة الذاتية على المشاركة، بل الاقتناع بضرورة تسليم زمام العقل والنفس والمصير في يد هؤلاء.
  • ٣.منع التدوير الوظيفي والموقعي، وهي الخطوة التي تأتي بعد تعطيل العقل بما سبق، وهنا تُعَطَّل طاقات الشباب، أو تُوَظَّف بطرق غير سليمة، أو تُهَمَّش كفاءات. وتبدأ عملية الانتكاس العكسي التي لا تظهر اجتماعيا إلا بعد مدة زمنية قد تطال عدة أجيال، لتحدث عملية الانتكاس الكبرى بشكل جلي، بعد عقد أو عقدين من الزمن من ممارسة هذا المنهج، وقد تطول المدة أو تقصر، وفقا لحركة الوعي ومدى فهم الأجيال لما يحدث، وهو ما يتطلب خروجا من الصناديق المقفلة، التي وضعت فيها هذه الجهات الجماهير. وهنا يأتي دور النخب في قيادة المجتمع نحو حراك وعي، وهو ما يحتاج لبحث منفرد حول نكسة النخب أو نجاحها في نهضة المجتمعات والشعوب. والسير في هذا المنهج يعطل الاصلاح، ويسبب ركود في الحركة والتفكير، ولكنه مع التقادم قد يؤدي لانفجار، يؤدي إلى حدوث تغيير دفعي يضر في أغلبه ولا ينفع، بينما كان بالإمكان مع وجود النقد الهادف، وتفعيل التدوير، وعدم تعطيل العقول، أن يتم التغيير بشكل تدريجي هادئ، يستغل كل الطاقات، ويعمد لصناعة عالم مليئ بالآفكار وتطبيقاتها، والتي في نهاية المطاف ستصب في عمارة الأرض ونهضة الإنسان.

ولكن أين تكمن المشكلة ؟

المشكلة الحقيقية ليست في النقد فقط ، فهو حق مكفول، شريطة أن يتصف بالموضوعية والأدب، ونقد الفكرة لا صاحبها، وأن يتمسك بمنهجية اقرع الدليل بالدليل، واضرب الرأي بالرأي يخرج منه الصواب.

ولكن نحن أمام معضلتين حقيقيتين، تتطلبا وقفة ومحاولة تفكيك وعلاج:

١- النقد حق، لكن هل هو حق مطلق لا يراعي ظروف الزمان والمكان، ومسار الأحداث؟ وهل النقد عليه أن يسبب فوضى وفتنة وتقويض بنى المجتمع؟

٢- عدم النقد، بحجة استهداف بنية المجتمع أو التيار أو الأحزاب أو المؤسسات بكافة أشكالها، وإذا توقفت كيف يمكن إصلاح الخلل في مسيرة هذه التيارات أو الأحزاب أو المؤسسات، وتحصين ثغراتها لتقويتها، بل ولمواجهة كافة أشكال الاستعمار، وأخطرها الثقافي والفكري؟

والتوقف أيضا يعني إضفاء هالة قداسة تعصم هذه الجهات من الخطأ، وهو ما يعمق تكميم العقل وتبعيته المطلقة، بالتالي نبقى ندور في ذات الإشكالية، وهي طرح الغث والثمين دون تمحيص وقبول الناس به، مما يعزز من حالة التردي، ويقوي حالة الشعبوية أكثر، ويمكن الاستعمار بكافة أشكاله من استلاب هويتنا، وطرح نفسه كبديل بعد معرفته للثغرات ونقاط الضعف.

“إن جميع مجاري الوجود هو مسير الحق، وأن الباطل تابع لمسير الحق، إذا فالاستعمار في جميع أشكاله وقبل أن يكون فعلا فإنه انفعال، وهذا يتعلق بميزان قدرة المقاومة والتخريب، وبنفس الدرجة يمكن أن نجد الضعف في جبهة الحق، وبالتأسيس على ما سبق فإن أفضل سبل لمواجهة الاستعمار، هو الاتجاه الإيجابي نحو جبهة الحق لتقوية الجبهة أكثر فأكثر، وليس بالضرورة تطبيق الاتجاه السلبي نحو جبهة الباطل بهدف تضعيفها.

ويجب الانتباه إلى أن التداخل الشديد بين السلب والإيجاب، لا يسمح بالفصل بينهما، والمقصود من الاتجاه الإيجابي نحو الحق والاتجاه السلبي نحو الباطل، هو وصفهم بالأصالة، حيث يمكن في باطن الاتجاه الايجابي، إعمال السلبي وبالعكس، فإذا ما كان اتجاها ما إيجابيا، فإنه يمكن ومن خلال توضيح وتبيين السلبي إيضاح وإظهار الإيجابي، وكذا فإن الاتجاه السلبي يمكن تبنييه من خلال إظهار وتوضيح الاتجاه السلبي بما فيه من وجوه إيجابية يمكن البحث فيها”[8]. لذلك يعتبر النقد الإيجابي من أهم الوسائل التي تكشف النقاب عن الثغرات والسلبيات والإيجابيات، وتميط اللثام عن نقاط ضعف غير مرئية لنا، يمكن لأي محاولات إحلال ثقافي واستلاب لهويتنا أن تنجح، نتيجة عدم التفاتنا لنقاط الضعف الخطيرة في مسيرتنا وفي جسد الأمة.

 ٢.١ إشكاليات منهج النقد:

من وجهة نظري يمكن حل الإشكاليتين من خلال تعديل المنهج. فمنهج النقد في مواجهة الخلل هو منهج يغلب عليه التالي:

١ـ الصدامية من خلال الألفاظ التي تستخدم، والتخوين الذي يمارس بحق الآخر.

٢ـ نقد من قال وليس ما قاله، أي التصدي بالنقد للشخص وشخصنة عملية النقد.

٣ـ عملية النقد للكلام أو الرأي غالبا تكون شعبوية، لا تحمل مقومات النقد العلمي، إذ أن أهم مقوماته هو مقارعة الحجة بالحجة، والدليل بالدليل حيث الله تعالى ” قل هاتوا برهانكم إن كنتم صدقين” [9]، فأي نقد لفكرة أو وجهة نظر، عليها أن تكون نقدا منهجيا، مفندا للفكرة بالدليل والبرهان.

٤ـ تصدي من ليس أهلا ولا مختصا، للنقد. فحينما تكون هناك أفكار خلافية، فيفترض أن الناقد لها يكون متخصصا في موضوعاتها وفاهما لعمقها وأبعادها. وعندما يكون النقد لفكرة، فلا أقلا أن يكون الناقد شخصا يملك إحاطة بكل الآراء المؤيدة والمعارضة لهذه الفكرة، حتى يستطيع طرح وجهة نظره حولها، بطريقة منهجية.

وهذا لا يعني إغلاق الباب أمام عقول الناس، ولكن يعني منهجة عملية النقد، لتكون منظمة ومدروسة حتى تأتي أكلها وتعطينا الثمرة، التي هي التغيير والاصلاح.

٥ ـ الإسقاط الإجتماعي إما للناقد، أو لصاحب الفكرة، وهذا أسوأ ما يمارس أخلاقيا اتجاه هؤلاء. بل هو كمن يقتل نفسا قتلا اجتماعيا يتضرر صاحبه بسمعته، مما يسقطه كليا، فيعطل طاقة حية في خدمة المجتمع، بحجة الدفاع عن حمى الدين أو السلطة أو الدولة، لكنه في الواقع هو معول هدم لكل ما سبق ، ويهدم فكرة ومنهج إصلاحي كاد أن يكون سببا في رقينا الفكري والحضاري. ولنا في التاريخ أمثلة كثيرة في هذا الصدد، والسبب الرفض والإسقاط الاجتماعي وغياب المنهجية العلمية في مناقشة الأفكار.

و قال تعالى : “مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ” [10]

فالإسراف في رفض الحق جاء بعد البينة التي جاء بها الرسل، وهو شبه كبير لواقعنا المعاصر.

إن أول خطوة لتحقيق مبدأ العدالة في العلاقات الاجتماعية وفي المواقع وتوزيع الأدوار، هو تفعيل أداة النقد المنهجية بشكل سليم، وتطوير قدرات الأفراد وأدواتهم المنهجية في استخدام العقل والتفكير، وتوظيف كل الطاقات في مواقعها السليمة وتطويرها، من خلال التدرج الموقعي والوظيفي الذي يفضى إلى التدوير الموقعي والوظيفي، فلا تَغَوُّل للأفراد على حساب المجتمع، ولا تَغَوُّل للمجتمع على حساب الأفراد، ولا تَغَوُّل للرموز والقيادات التي كانت يوما في صفوف الناس، على حساب باقي الأفراد الذين يمتكلون قدرات، وهم أيضا كفاءات، ولا تَغَوُّل لهذه الكفاءات على حساب القيادات القديمة والرموز، بل هو ميزان عدل، يجب أن لا تميل كفة فيه على حساب أخرى، ووفق قاعدة لا إفراط ولا تفريط. هذا على مستوى القيادة والمواقع المسؤولة، في أي مجال أو فضاء سياسي كان أو ديني، أو حزبي أو خلافه.

أما على مستوى الأدوات والمنهجيات، فنعني بها أدوات النقد والتغيير التي تمثل الوسيلة، والتي يجب أن تكون أدوات صالحة، فلا يمكن استخدام أدوات ومناهج وآليات فاسدة لتحقيق غاية صالحة، ولا يمكن استخدام نفس أدوات ومنهج وآليات من تم انتقادهم بعد عملية تغييرهم وتحقيق الهدف من النقد، فالنقد للاصلاح والتغيير، وليس للتنافس على المواقع وتحقيق سلطة ونفوذ على عقول وقلوب الناس ورقابهم، بل النقد للتغير في المنهج والأدوات والأهداف، لا في الصور والشخصيات.

وحينما يقوم الفرد أو المجتمع أو الجماعة بممارسة النقد الإيجابي، فهناك مراحل مهمة جدا، واستيعابها يحقق غايته من النقد، وهو الانتقال لمرحلة الاصلاح والتغيير.

فنحن حينما نمارس عملية النقد لأجل الاصلاح، نكون أمام فئات عديدة أهمها:

١. فئة انخرطت في النقد الإيجابي لا بهدف الاصلاح الحقيقي، وإنما بهدف تغيير الأشخاص وأخذ مواقعها، وهي في حال حققت ما تريد وأخذت تلك المواقع، ستمارس نفس ممارسات من انتقدتهم وثارت عليهم، بل ستستخدم نفس منهجهم، فغايتها من النقد ليس للاصلاح، بل لأجل إحراز موقع وسلطة ونفوذ، ولا يهمها أبدا عملية الاصلاح وتحقيق العدالة.

٢. فئة تمارس النقد الإيجابي، لأن مصالحها تضررت، وما أن تحقق مصالحها من خلال النقد وتغيير من سبّب في تضرر مصالحها، حتى تمارس نفس المنهج المنحرف الفاسد في الإدارة والقيادة، أو الموقع المستهدف في عملية النقد.

٣. فئة تهدف عمليا وواقعيا للتغير والاصلاح، من خلال ممارستها الناقدة، وهذه الفئة لا تطمح لموقع أو سلطة ونفوذ، ولا تسعى لتحقيق مصالح، بل همها إحراز العدالة وتصويب مسيرتها والأدوات والمنهج، وفي حال حققت هذه الفئة الاصلاح من خلال ممارستها الناقدة، فسنراها تعود إلى صفوف الجماهير لتستمر في ممارسة دورها الرقابي. وبالطبع في أي حركة نقد جماعية يمكن أن نجد هناك خليط من كل هذه الفئات، فما إن تتبنى الفئة الثالثة عملية النقد والتقويم، حتى تستغل الفئات الأخرى هذه الحدث وتركب موجة النقد لأجل تحقيق غاياتها، التي لا تتلاقي مع غايات المصلحين الحقيقيين، لذلك نجد بعض الممارسات النقدية لا تحقق هدفها، لاستغلال هذه الفئات لحركة النقد، ومن ثم نجاحها في الوصول لأهدافها، لأنها غالبا تشكل السواد الأعظم، لتقوم بعد ذلك بالقضاء على الفئة الثالثة وتهميشها وتعطيلها، بعد أن كشفت كل مخططاتها وآليات حراكها وأدواتها.

لذلك قلت في المقدمة، أن هناك مراحل على الفرد والمجتمع والجماعة إدراكها والسير بها، كي تحقق الممارسة النقدية غايتها في الإصلاح، ومن ثم التغيير.

هذه المراحل من وجهة نظري القاصرة كالتالي:

١. إدراك الإشكاليات ووعيها، وتشخيص الخلل وثغراته، ومن ثم وضع خطة منهجية لمعالجته وفق الإمكانات والقدرات، ووفق الراهن والظروف ومعطيات الواقع.

٢. استخدام أدوات صالحة في ممارسة النقد للاصلاح والتغيير، وعدم استهداف الأشخاص، بل منهجهم وأدواتهم وغاياتهم وممارساتهم وما حققوه من نتاجات ومنافع، ومدى نفعها للفرد والمجتمع.

٣. وجود قيادة صالحة أبوية، قادرة على قيادة عملية النقد والاصلاح للتغيير، بمنهج الشورى والتراحم والحجة والبرهان، وتقديم الأكفأ والأجدر.

٤. أهداف صالحة وإصلاحية واضحة، تحقق التغيير في المضمون والشكل، وليس فقط في الشكل.

_________________________

[1] المصدر:التغيير والإصلاح مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوقات/إيمان شمس الدين/ دار الإنتشار العربي/ط1

[2] محمود محمد جاد، النظرية الاجتماعية، الاتجاهات والتيارات الكلاسيكية، دار الانتشار العربي، بيروت،ط١،٢٠١٢،ص٢١.

[3] خطاب النقد الاجتماعي بين الإمام علي ع والنظرية الاجتماعية المعاصرة/ غالب الناصر/ص ٢٢/ ط ١ / دار الكتب والوثائق ببغداد.

[4] المصدر السابق

[5] راجع/ي الفصل الأول من الكتاب/ ص ٢٨ـ-٣٤

[6] خطاب النقد الاجتماعي بين الإمام علي ع والنظرية الاجتماعية المعاصرة/ غالب الناصر/ص ٦١/ ط ١ / دار الكتب والوثائق ببغداد.بتصرف

[7] مصدر سابق ص ٦٠ بتصرف

[8] الاستغراب ١٢ ص ٥٦

[9] البقرة ١١١

[10] المائدة ٣٢