التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

6 أبريل 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
272 زيارة

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

دراسةٌ في أطروحة السيد الصدر

د. غلام علي عزيزي(*)

ترجمة: حسن الهاشمي

 

 التفسير وأنواعه ــــــ

إن تفسير القرآن الكريم هو في الحقيقة توأم القرآن؛ حيث وُلدا في وقت واحد. وإن التفسير يهدف إلى بيان مراد الله سبحانه وتعالى من الآيات الشريفة التي أنزلها على قلب رسول الله|. وإنّ أول مفسّر ومبين للمعارف السماوية النازلة على شكل آيات القرآن الكريم هو مُنزلها سبحانه وتعالى؛ حيث يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: 19). كما أنّ رسول الله| يعتبر أول إنسان عالم بتفسير القرآن الكريم، وقد عمل على تبيينه وشرحه للمؤمنين، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44). وبعد رسول الله أتى دور خلفائه من الأئمة المعصومين^؛ إذ كانوا هم المفسِّرين الحقيقيين للمعارف والمضامين القرآنية العالية. وقد قاموا في فترات زمنية متفرّقة ومناسبة بتفسير شيءٍ قليل من القرآن الكريم، آخذين بنظر الاعتبار مستوى فهم المخاطبين.

لقد كان علم التفسير بين المسلمين في بداية أمره عبارة عن روايات متفرّقة حول أسباب النزول، أو بيان معاني المفردات، ونزر يسير في معاني الآيات. وكان يتمّ نقلها مشافهة وحفظاً عبر الأجيال، حتّى عمد بعض المؤلِّفين إلى إبداع كتب في «غريب القرآن». كما بادر آخرون إلى جمع روايات أسباب النزول وغيرها. وقد استمر هذا الأمر لثلاثة قرون. وفي بداية القرن الهجري الرابع ظهرت تفاسير أكثر اكتمالاً. ومن الأمثلة البارزة على ذلك: كتاب «جامع البيان عن تأويل آي القرآن»، لمؤلفه محمد بن جرير الطبري. وإنّ هذا التفسير وأمثاله قد استوعب بحث ودراسة جميع القرآن من بدايته إلى نهايته.

وفي تبويبٍ عام يمكن تقسيم تفسير القرآن الكريم إلى قسمين:

 

 أ ـ التفسير الترتيبي ــــــ

في هذا النوع من التفسير ـ الذي يمتدّ لأكثر من عشرة قرون ـ يعمد المفسِّر إلى تفسير الآيات من بداية القرآن، ويستمرّ في بحثه آية آية، حتّى يستوعب جميع آيات القرآن الكريم، وصولاً إلى نهايته. وقلّما يحدث أن ينتقل في الحديث والبحث في آية عن البحث في آية أخرى، إلاّ إذا كانت الآية تدور حول فرع من الفروع الفقهية، فعندها يضطر المفسِّر إلى الاستعانة بالآيات العامة والخاصة، والناسخة والمنسوخة، والمجملة والمبينة، وما إلى ذلك؛ ليخرج من مجموعها إلى بيان وتفسير الحكم الواقعي المنشود للقرآن الكريم.

 

خصائص التفسير الترتيبي ــــــ

 1ـ الإيجابيات ــــــ

رغم اعتقاد بعض الباحثين في الشأن القرآني أنّ بعض الآيات قد نقلت من موقعها الأول إلى موقع آخر من القرآن، فلم تعُدْ تحتفظ بسياقها، فإن هذا الكلام لا يؤثِّر سلباً على ضرورة الالتفات إلى موقع الآية وسياقها عند تفسيرها؛ لأن ما ذكر لا يشمل جميع آيات القرآن الكريم، وإنما يقتصر على عدد قليل من مجموع آلاف الآيات، وذلك لا على نحو الجزم واليقين، وإنّما هو حدس وظنّ بسبب بعض القرائن. وعلى هذا الأساس يتمّ الاهتمام في التفسير الترتيبي بموقع الآية كثيراً. وهذا ما يعبِّر عنه المفسِّرون بـ «رعاية السياق». فقد لا يتمّ الكشف عن المراد الحقيقي من الآية إلا من خلال النظر في الآيات السابقة واللاحقة لها، بحيث إننا لو أخذناها مفردةً لأعطت نتيجةً مغايرة. وعليه فإنّ هذه المزية تعتبر من أهم مزايا التفسير الترتيبي، وهو أمر يُدركه جميع المفسِّرين. وقد كان السيد الشهيد الصدر& محيطاً وعالماً بهذه الحقيقة تماماً، وقد راعى ذلك في بحوثه الأصولية.

 

 2ـ السلبيات ــــــ

في التفسير الترتيبي ـ الذي كان هو التفسير الغالب، بغضّ النظر عن بعض التفاسير التي اشتملت على صبغة موضوعية ـ يسعى المفسِّر إلى الاكتفاء بظاهر الآية، متجنِّباً ربطها بآيات أخرى ذات صلة بموضوعها، بحيث يمكن من خلال مجموع هذه الآيات الخروج بنظرية معرفية متكاملة. وفي هذه الحالة لا يمكن الحصول على النظرية القرآنية حول مختلف الموضوعات، ولن يكون فهمنا لآيات القرآن فهماً كاملاً. ومن باب المثال: إذا أردنا تفسير آية تتحدَّث عن الشفاعة دون ربطها بسائر الآيات الأخرى التي تتحدَّث عن ذات المسألة فسوف لا نتمكن من التوصُّل إلى النظرية القرآنية المتكاملة بشأن الشفاعة، وسيكون فهمنا لها فهماً مبتوراً ومجتزأ وناقصاً، بل قد يكون مشوَّهاً ومحرَّفاً أحياناً.

 

 ب ـ التفسير الموضوعي ــــــ

يُطلق التفسير الموضوعي على مجموع المباحث التي تدرس موضوعاً بعينه من خلال التدبّر والتدقيق في جميع الآيات ذات الصلة بذلك الموضوع. ويتمّ استنطاق هذه الآيات للوصول إلى النتيجة الحاسمة والنهائية. وفي هذا النوع من التفسير لا يُنظَر إلى ترتيب الآيات في القرآن، وإنما يتمّ بحث مختلف الآيات في أكثر من موضع في آنٍ واحد.

 

الجذور التاريخية للتفسير الموضوعي ــــــ

منذ نزول الآيات الأولى على النبيّ الأكرم، وحتّى نزول الآيات الأخيرة، استغرقت المدّة ما يزيد على العشرين سنة، حيث اختتمت رسالة الوحي و(جبرئيل). وفي هذه المدة حدثت متغيِّرات واستجدّت شروط وظروف كثيرة، من قبيل: الضغوط والمعارضة من قبل الكفّار في المدينة (مهد الإسلام)، وهجرة النبيّ الأكرم| والمؤمنين، وتأسيس المجتمع الإسلامي في المدينة، والمواجهات العديدة بين المسلمين من جهة والكفار والمنافقين والكتابيين من جهة أخرى، وفتح مكّة، والانتظام التدريجي للقوانين والأحكام العبادية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في الإسلام.

وكان ملك الوحي في كلّ حين ينزل على رسول الله| ببعض الآيات بما يتناسب ومقتضى الحال والحاجة؛ لهداية المجتمع الإسلامي. وعليه فإن التعاليم القرآنية تكون قد نزلت في مناسبات وظروف مختلفة ومتنوّعة، الأمر الذي تسبَّب في تناول موضوع واحد في موارد متعدّدة. وفي كلّ مرّة يتمّ علاج جانبٍ من الموضوع بما يتناسب والحاجة، أو يتمّ بيان موضوعات متنوِّعة يقوم بينها نوع من الترابط بشكلٍ مستقلّ عن بعضها، بحيث لو أراد شخص البحث عن رأي القرآن في موضوع خاصّ لم يَسَعْه الاكتفاء بموردٍ واحد فقط، بل تعيَّن عليه النظر في جميع الآيات المرتبطة بالموضوع المعيَّن بشكل مباشر أو غير مباشر، وأن يعمل على دراسة كلّ آية في موضعها، وبعد ذلك يتمّ التوصّل إلى رأي القرآن النهائي من خلال النظر في مجموع هذه الآيات.

وقد قام المفسِّرون الحقيقيون للقرآن الكريم ـ أي رسول الله|، وأهل البيت الأطهار^ ـ منذ القدم بالنظر إلى القرآن الكريم بشكلٍ موضوعي، وعرّفوا الناس بهذه الطريقة. ويعتبر النظر في الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، من أوائل أشكال التفسير الموضوعي. فلو أننا نظرنا في آية منسوخة ـ لوحدها ـ نكون قد توصَّلنا إلى رأي مخالف لما يريده القرآن الكريم. وهكذا الأمر فيما لو نظرنا في آية متشابهة دون النظر إلى الآيات المحكَمات. وقد سبق أن أدّى النظر إلى بعض الآيات دون بعضها الآخر إلى ظهور الكثير من الأشخاص والفرق المذهبية المنحرفة. من هنا فقد صدر الكثير من التحذيرات عن الأئمّة الأطهار^ في هذا الشأن. بل عمد الأئمة إلى ممارسة المنهج الموضوعي في تفسير القرآن الكريم، وبذلك سلكوا أفضل الطرق لتعليم المضامين القرآنية.

ومن الأمثلة عن الرؤية الموضوعية لآيات القرآن الكريم في صدر الإسلام تلك التي نطالعها في سيرة الأئمّة الأطهار في إطار استنطاق القرآن الكريم. وهي تُثبت نوعاً من الرؤية الموضوعية. ورغم أنها كانت ترتبط ـ وفقاً لحاجة تلك المرحلة ـ في الغالب بالموضوعات الفقهية أو الاعتقادية، إلاّ أنها تثبت ضرورة ربط الآيات المتعلقة بموضوع واحدٍ ببعضها؛ للخروج بنتائج صحيحة ومضمونة. وهو ما نشاهده في الوصول إلى أقلّ مدّة للحمل عند النساء، وذلك من خلال الجمع بين مضامين الآيات الثلاث التالية:

1ـ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: 233).

2ـ ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً﴾ (الأحقاف: 15).

3ـ ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (لقمان: 14).

فقد ذكرت آيتان من الآيات الثلاثة المتقدّمة أنّ مدّة الرضاع عامان كاملان، وأما الآية الثالثة فقد ذكرت أن مجموع مدّة الرضاع والحمل ثلاثون شهراً. وعليه يمكن للمرأة أن تحمل لستّة أشهر، وترضع وليدها بعد وضعه لسنتين كاملتين، فيكون مجموع مدّة حملها ورضاعها ثلاثين شهراً([1]).

وكذلك نجد مثالاً آخر للتفسير الموضوعي في بيان مقدار ما يقطع من اليد في حدّ السارق، وذلك من خلال الجمع بين الآيتين التاليتين:

1ـ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: 38).

2ـ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (الجنّ: 18).

فهنا نجد الآية الأولى تأمر بقطع يد السارق دون أن تحدِّد مقدار ما يجب قطعه. وأما الآية الثانية فقد اعتبرت المساجد ـ المواضع التي يستند عليها المصلّي من أعضاء جسمه حالة السجود ـ لله، ومن تلك المساجد راحة الكفّ. وعليه يتمّ التوصُّل إلى النتيجة القائلة بوجوب الاقتصار على قطع أربعة أصابع فقط؛ لتبقى راحة اليد؛ ليستند عليها المصلّي في سجوده.

ومن الأمثلة الكلامية في هذه الرؤية ما روي عن الإمام علي× بشأن استحالة رؤية الله، حيث تمّ تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: 22 ـ 23) بالنظر إلى كيفية إعطاء الله للثواب، وذلك عندما تقول الملائكة لأصحاب الجنة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (الزمر: 73). كما جاء تفسير كلمة «ناظرة» في بعض المعاجم اللغوية بـ «منتظرة»، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (النمل: 35). وفي كلتا الصورتين سوف لا يكون هناك تنافٍ بينها وبين قوله تعالى: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير﴾ (الأنعام: 103). وإنّ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (النجم: 13) يعني رؤية النبي الأكرم| لجبرئيل×، وهو ما أشير له في آية أخرى أيضاً، وهي قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (النجم: 17 ـ 18).

ولقد أدرك المفسِّرون من أتباع مدرسة أهل البيت^ أهمّية الرؤية الموضوعية للقرآن الكريم، وعملوا على توظيفها في بيان بعض المسائل والموضوعات الملحّة، من قبيل: المسائل الخلافية، مثل: الشفاعة، وأفعال الله وصفاته، والإمامة، حيث تمّ بيانها علمياً من خلال التفسير الموضوعي، وتمّ استنباط نظرة القرآن من خلال تضاعيف الآيات المتعدّدة. ونحن نشاهد هذا الأسلوب في طيّات التفسير الترتيبي للمفسِّرين الشيعة، بالإضافة إلى بعض الباحثين في الشأن القرآني من الشيعة، الذين أقاموا صرح جهودهم على دراسة القرآن موضوعياً، وتبويب أقسام القرآن الكريم، من أمثال: محمد بن إبراهيم النعماني ـ من تلاميذ الشيخ الكليني ـ، الذي كان يعيش في النصف الأول من القرن الهجري الرابع، فقد ترك لنا جزءاً من التفسير المنسوب إليه، وقد طبع بعناوين متعدّدة. وإنّ جميع ما تبقى من هذا التفسير المنسوب إليه، والذي هو روائيّ في غالبيته، قد ضمّته الصفحات من واحد إلى 97 من الجزء الثالث والتسعين من بحار الأنوار؛ أو الشريف الرضي الذي بحث في الكثير من آيات القرآن الجدلية بحثاً موضوعياً في كتابه «حقائق التأويل عن متشابه التنزيل».

لم يشهد التفسير الموضوعي أيّ نمو أو تطوير على مرور الزمن، بل خمد بريقه، واتَّجهت أغلب الأعمال التفسيرية بعد ذلك إلى التفسير الترتيبي. ولكنْ بعد اتّساع رقعة العلوم في القرن الرابع عشر، وظهور مختلف المدارس الفكرية التي كانت تظهر أفكارها وانتماءاتها حول مختلف موضوعات العلوم الإنسانية بشكلٍ منسجم، معتمدة في عرض نتائجها على العلوم البشرية، دون الاعتماد على الوحي السماوي، عمد الباحثون المسلمون ـ الأعمّ من الشيعة والسنّة ـ إلى دراسة التعاليم القرآنية بشكلٍ جديد، وعرضه على المتعطّشين إلى التعاليم السماوية. وبذلك عادت الحياة إلى التفسير الموضوعي ثانية، وحظي باهتمام العلماء من جديد، وبدأت تظهر بالتدريج أبعاد جديدة تضاف إلى دائرة الثقافة الإسلامية ـ القرآنية الواسعة. وها نحن إذ نعيش في النصف الأول من القرن الهجري الخامس عشر نشاهد نماذج متعدِّدة من البحوث الموضوعية في تفسير القرآن، الأمر الذي يدعو إلى التفاؤل والأمل بظهور آفاق جديدة من خلال جهود المحقِّقين، وأن تحمل إجابات عن تساؤلات الجيل الراهن.

 

خصائص التفسير الموضوعي ــــــ

تقوم الجهود في التفسير الموضوعي على استخراج وفهم النظرة القرآنية بشأن الموضوع مورد البحث من خلال مختلف الآيات التي تعكس رأي القرآن حول ذلك الموضوع. وهذا الأمر لا ينسجم إلاّ من خلال البحث الموضوعي. وبعبارة أخرى: إن هذا يعكس الدور الحصري الذي يلعبه التفسير الموضوعي في باب بيان الرؤية القرآنية؛ إذ لا يمكن استنطاق القرآن والحصول على رأيه الأخير إلاّ من خلال ضمّ جميع الآيات المرتبطة بالموضوع مورد البحث إلى بعضها، وتفسيرها، واكتشاف العلاقة بينها.

وعلى الرغم من الدور الحصري للتفسير الموضوعي المتقدّم فإنّ جدوائية هذا الأسلوب في فهم كلّ آية بشكل صحيح، بعد استئصالها من موضعها وسياقها، موضع تأمُّل؛ إذ كما تقدّم في بيان خصائص التفسير الترتيبي فإنّ لكلّ آية سياقها الخاصّ ضمن موقعها من الآيات السابقة واللاحقة لها، وهذا يؤثِّر في بيان مؤدّى الآية ومرادها، في حين لا يؤخَذ هذا السياق بنظر الاعتبار في ما يتعلَّق بالتفسير الموضوعي، وعليه لن نحصل من خلال ذلك على المراد الحقيقي لله سبحانه وتعالى. وهذا من نقاط الضعف الجوهرية في التفسير الموضوعي([2]).

المقترحات العملية لرفع السلبيات عن كلا النهجين ــــــ

لقد قدّم المحقِّقون في التفسير طرقاً ـ نظرية أو عملية ـ لرفع السلبيّات الموجودة في كلا الاتّجاهين التفسيريين (الترتيبي؛ والموضوعي). وهي تجمع بين مزايا التفسير الترتيبي والتفسير الموضوعي، وتخلو من سلبياتهما. وإنّ تلك الطرق المطروحة هي:

 

1ـ تفسير الآيات ضمن سياقها في إطار النظر إلى الآيات الأخرى ذات الصلة بنفس الموضوع ــــــ

لقد عمد بعض الباحثين في الشأن القرآني إلى اختيار هذه الطريقة من أجل الحفاظ على مزايا وإيجابيات التفسير الترتيبي، والتحرُّر من سلبيات التفسير الموضوعي. وإنّ هذا الأسلوب الذي يمكن لنا تسميته بالأسلوب «الترتيبي ـ الموضوعي» يلبّي الحاجات الجديدة إلى حدٍّ ما، ويمثِّل مدخلاً لكشف النظرية القرآنية في مختلف الموضوعات. وفي هذه الطريقة يتمّ بحث الآيات طبقاً لترتيبها في القرآن الكريم، ويتمّ التفصيل بشأنها بما يتناسب مع موضوعها؛ وذلك بمعنى أنّه إذا كان في هذه الآية بحث موضوعي يتمّ التوسّع فيها من خلال استقصاء الآيات الأخرى المشابهة لها، دون حاجة إلى تكرار الآية نفسها. فلو فرضنا مثلاً كانت هناك عشر آيات تتحدَّث عن موضوع «الشفاعة» يمكن للمفسِّر أن يختار إحدى هذه الآيات ليطرح جميع الأبحاث المرتبطة بموضوع الشفاعة؛ أو أن ينتخب الآية التي تتحمَّل الثقل الأكبر في موضوع الشفاعة، ثم يأتي بمجموع الآيات الأخرى بسياقاتها؛ للحصول على بحث متكامل في هذا الشأن؛ وربما أمكن بيان مجموع هذا البحث الموضوعي بوصفه بحثاً مستقلاًّ إلى جانب تلك الآية. ويعتبر تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي مثالاً بارزاً للتفسير الترتيبي ـ الموضوعي، حيث يعمد ضمن سياق التفسير الترتيبي إلى بحث الموضوع المرتبط بالآية من خلال إحدى الطرق المتقدّمة.

 

 2ـ اعتبار إيجابيات كلّ واحد من هذين الأسلوبين مكمّلاً للأسلوب الآخر ــــــ

إن السيد الشهيد الصدر& من جملة الباحثين والمحقّقين في الشأن القرآني. وقد رأى تأثيراً كاملاً للتفسير الموضوعي في تلبية الحاجة المعاصرة، من خلال تأصيل وحفظ تراث المتقدّمين، وتكميل التفسير الترتيبي، معتبراً ذلك خطوة متقدّمة تتخطى التفسير الترتيبي؛ وذلك لاستحالة التعرّف الصحيح والكامل على مراد الله دون الأخذ بنظر الاعتبار القرائن المؤثّرة في فهم الآيات ودلالاتها المتنوّعة ومعاني الألفاظ والعبارات وظهورها. من هنا فإن التفسير الترتيبي يكون هو المدخل الوحيد لفهم الآيات، ولكنه ليس كافياً لاستنباط النظريات القرآنية في ما يتعلَّق بالموضوعات المتعدّدة في الحياة، وهو بحاجة إلى متمِّم، وإن هذا المتمِّم ليس سوى تبويب الآيات المتعلِّقة بموضوعٍ معيّن، وبيان ارتباطها ببعضها.

ومن الجدير بالذكر أنه ليس من الضروري في هذا الفرض أن نعمد إلى تفسير جميع آيات القرآن الكريم بالترتيب، ليكون ذلك مقدّمة للتفسير الموضوعي المنشود؛ فإن هذا يستغرق وقتاً طويلاً، وهو قلّما يتأتّى للمختصّين، بل يمكن ملاحظة تلك الآيات المرتبطة بموضوع معيَّن ضمن النصّ القرآني، والحصول على مؤدّاها الواقعي من خلال أسلوب تفسيري صحيح، ومن ثمّ إخضاع هذه الآيات المفسَّرة للبحث؛ بغية استنباط النظرية القرآنية من خلالها. وبعبارة أخرى: إن التفسير الموضوعي يشتمل على عمليتين، ولكلّ عملية خصائصها التي لا يمكن تجنّبها، وإنه في الوقت نفسه لا يمكن تجنُّب التفسير الترتيبي. لا يمكن لنا أن نضع البحث الموضوعي في المقدّمة؛ إذ إنّ البحث التفسيري المذكور هو المقدّمة والمدخل إلى البحث الموضوعي، ومن دونه لا يمكن التعرُّف على مؤدّى الآية. ومن البديهي أن الجمع الموضوعي للآيات التي لا نعلم مؤدّاها لا يحلّ المشكلة، وإنّ ربطها ببعضها لا يؤدّي إلى عملية بديعة. وعليه من الضروري أن تكون كلتا هاتين العمليتين حاضرةً في فهم رؤية القرآن الكريم.

والعملية الأولى عبارة عن فهم كلّ آية في موضعها الخاصّ، من خلال الالتفات إلى القرائن وأساليب الحوار العقلائي.

والعملية الثانية عبارة عن الربط بين الآيات المتعلّقة بموضوع معيَّن؛ للوصول إلى استنباط النظرية القرآنية.

وإن وجود العملية الأولى لا يكفي لوحده في الإجابة عن التساؤلات الكثيرة، ولا تحتوي بطبيعتها على الكمال الضروري. كما أن العملية الثانية لا تكتمل إلاّ من خلال العملية الأولى، التي تشكِّل دعامة تفسيرية صحيحة وجامعة للآيات مورد البحث. وإن العملية الثانية دون الأولى ستكون ناقصة، ولن يترتَّب عليها إلاّ نظريات تفسيرية دخيلة على القرآن، وأجنبية عن روحه ومحتواه.

 

مزايا التفسير الموضوعي ــــــ

يذهب السيد الصدر إلى القول باشتمال التفسير الموضوعي على المزايا التالية:

 

أ ـ التوظيف المنهجي الهادف للنصّ القرآني ــــــ

«حصيلة التفسير التجزيئي [الترتيبي] للقرآن الكريم كلّه تساوي ـ على أفضل تقدير ـ مجموعة مدلولات القرآن الكريم ملحوظة بنظرة تجزيئية، أي إننا سوف نحصل على عدد كبير من المعارف والمدلولات القرآنية، ولكنْ في حالة تناثر وتراكم عددي، دون أن نحدِّد في نهاية المطاف نظريّة قرآنية لكلّ مجال من مجالات الحياة. فهناك تراكم عدديّ للمعلومات، إلاّ أنّ مجموع هذه المعلومات، والذي يحوِّلها إلى مركَّبات نظرية ومجاميع فكرية، وإن كان يحصل أحياناً، ولكنّه ليس هو المستهدَف بالذات في منهج التفسير التجزيئي»([3]).

ليس المراد من هذا الكلام أنّ مؤدّى الآيات القرآنية لا يتجلّى إلاّ من خلال التفسير الموضوعي، بل المراد أنّ نظرية القرآن بشأن مختلف الموضوعات التي تظهر مع تقدُّم الزمن مسألة جديدة، ولا يمكن فهمها إلاّ من خلال هذا المنهج. وإلاّ فإنّ الكثير من الآيات القرآنية واضحة الدلالة في ظاهرها، ولا تحتاج إلى التفسير الموضوعي، من قبيل: الآيات المتعلّقة بالصلاة، والزكاة، والحجّ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحدود، والقصاص، والتلاوة والتدبُّر في القرآن. كما ذكر ذلك السيد الشهيد الصدر في موضع آخر، حيث يقول: «من هنا كانت عملية التفسير الموضوعي عملية حوار مع القرآن الكريم، واستنطاق له، وليست مجرَّد استجابة سلبية، بل استجابة فعّالة وتوظيفاً هادفاً للنصّ القرآني؛ في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى»([4]).

ب ـ الحيوية ــــــ

إن التفسير الموضوعي يتجاوز التفسير التجزيئي [الترتيبي] بخطوة»؛ لأن التفسير التجزيئي يكتفي بإبراز المدلولات التفصيلية للآيات القرآنية الكريمة، بينما التفسير الموضوعي يطمح إلى أكثر من ذلك، فهو يتطلَّع إلى ما هو أوسع من ذلك، ويحاول أن يستحصل أوجه الارتباط بين هذه المدلولات التفصيلية، ويحاول أن يصل إلى مركَّب نظري قرآني… ويحتل في إطاره كلّ واحد من تلك المدلولات التفصيلية موقعه المناسب([5]).

 

ج ـ الموضوعية والتوحيدية ــــــ

«إن اصطلاح النهج «الموضوعي» و«التوحيدي» هنا باعتبار أنه يوحِّد بين التجربة البشرية وبين القرآن الكريم… بمعنى أنه يوحِّد بينهما في سياق بحث واحد، لكي يستخرج المفهوم القرآني الذي يمكن أن يُحدِّد موقف الإسلام تجاه هذه التجربة أو المقولة الفكرية التي أدخلها في سياق بحثه»([6]).

وقال السيد الشهيد في موضع آخر ما مضمونه: إنّ مواد هذا التفسير تكمن في التجارب البشرية، وكلّما كانت هذه التجارب أكثر كان التفسير أغنى وأثرى([7]).

«إن المفسِّر التوحيدي والموضوعي يركِّز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل…، ليأتي ويجلس بين يدي القرآن الكريم…، فيبدأ مع النصّ القرآني حواراً حول هذا الموضوع، وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح»([8]).

ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الكلام إنما يصحّ بالنسبة إلى الموضوعات التي تتغيّر مع تقدُّم الزمن، ولم يسبقْ أن كانت موجودة في السابق، فتكون التجارب البشرية مؤثِّرة في فهمها، دون الموضوعات التي تتخطّى التجارب البشرية، وقد سبق أن أشبعت بالتحقيقات الوافية، من قبيل: الآيات المرتبطة بالله وصفاته، والمعاد، والحياة بعد الموت، ومعاجز الأنبياء، أو آيات الأحكام التي لا دخل للتجارب البشرية في فهمها. خلافاً لمباحث من قبيل تلك التي تتحدَّث عن المجتمع والتاريخ، والتي يمكن لنا أن نفهم الآيات القرآنية في ضوئها فهماً أفضل، وتفتح أمام المفسِّر آفاقاً أوسع وأرحب.

 

د ـ الطريق الوحيد للحصول على النظريات الأساسية للإسلام ــــــ

إن بيان وتعيين وإحراز النظريات الأساسية في الشريعة الإسلامية أصلٌ ضروري ولا يمكن الاستغناء عنه، فهذا هو الطريق الوحيد للحصول على النظريات الأساسية للإسلام([9]).

 

التراث القيِّم للسيد الشهيد الصدر في التفسير الموضوعي ــــــ

لقد عمد السيد الشهيد الصدر&، بعد بيان رأيه في ما يتعلق بالتفسير الموضوعي، والذي تقدَّم الإشارة إليه، إلى تقديم نموذج عمليّ عن هذا التفسير، ووضعه في عهدة الباحثين في الشأن القرآني، والمتعطِّشين إلى المعارف القرآنية الخالصة. ولو أنّه حصل على فرصة أكبر لبحث في موضوعات أخرى من القرآن الكريم.

ومن الأمثلة العلمية للتفسير الموضوعي للسيد الشهيد الصدر&، والتي تعرّض فيها إلى أحد المباحث الحيوية، والتي تحظى باهتمام المحافل العلمية للجامعات، بحثُ فلسفة التاريخ والسنن الاجتماعية في القرن المعاصر. وهو بحثٌ أثار اهتمام المفكِّرين في العلوم الاجتماعية، وأثار آراءً مختلفة ومتنوّعة في ما يتعلَّق بالمجتمع والتاريخ. بيد أن هذه الآراء المذكورة تقوم بأجمعها على أساس الرؤية الخاصة لأولئك المفكِّرين (الأوروبيين)، المختلفة عن الأسس الفكرية للإسلام إلى حدٍّ بعيد. ولفهم موقف الإسلام في هذا الشأن، ومقارنته بالآراء الشائعة بين المذاهب الفكرية الأخرى، يجب علينا قراءة المصادر الإسلامية بنظرة أخرى. وقد سبق أن عمد الشهيد الشيخ مطهّري& إلى معالجة بعض هذه المباحث في كتاب له تحت عنوان (المجتمع والتاريخ). كما بادر السيد الشهيد الصدر& بدوره إلى بيان موقف القرآن في هذا الشأن ضمن كتاب قيِّم له، وقد ذكر فيه الطريقة العملية لاستخراج الآراء القرآنية، وعرضها على الباحثين في الشأن القرآني([10]).

 

منهج السيد الشهيد الصدر في تفسيره ــــــ

لقد استخدم السيد الشهيد الصدر& المنهج التالي في تفسيره (المدرسة القرآنية):

 

1ـ استعراض أسئلة البحث ــــــ

تقدّم في معرض بيان خصائص التفسير الموضوعي أنّ المفسِّر في عملية التفسير الموضوعي يأخذ دور المتسائل، ويسعى للحصول على الإجابة عن تساؤلاته من القرآن الكريم نفسه، ومن خلال استنطاق آياته. وعلى هذا الأساس فإنّ السيد الشهيد الصدر& عمد أوّلاً إلى بسط أسئلته في ما يتعلَّق بالموضوع مورد البحث. ومن باب المثال: نجده يطرح سبعة أسئلة في بداية مبحث السنن التاريخية في القرآن الكريم، وهي:

1ـ هل للتاريخ البشري سننٌ في مفهوم القرآن الكريم؟

2ـ هل للتاريخ البشري قوانين تتحكَّم في مسيرته وفي حركته وتطوُّره؟

3ـ كيف بدأ التاريخ البشري؟

4ـ كيف تمَّت عملية تطوُّر ونماء هذا التاريخ البشري؟

5ـ ما هي العوامل الأساسية في نظرية التاريخ؟

6ـ ما هو دور الإنسان في عملية التاريخ؟

7ـ ما هو موقع السماء أو النبوّة على الساحة الاجتماعية؟

ثم أضاف سماحته قائلاً: هذا كلّه ما سوف ندرسه تحت عنوان سنن التاريخ في القرآن الكريم([11]).

 

 2ـ تبويب الآيات المرتبطة بالموضوع ــــــ

إنّ الآيات المتنوِّعة الواردة بشأن مختلف الموضوعات لا يمكن بحثها دون تبويبها وتصنيفها ضمن تقسيم منطقي. وعلى هذا الأساس فإنّ أول خطوة نقوم بها بعد جمع الآيات؛ بغية العمل على بحثها ودراستها، هو أن نقوم بعملية تبويبها وتصنيفها. وقد تمّ تبويب الآيات المرتبطة ببحث السنن التاريخية في كتاب الشهيد الصدر على النحو التالي:

أـ الآيات العامّة التي تتضمّن ـ بشكلٍ عام ـ أنّ التاريخ يشتمل على السنن التاريخية الخاصّة به.

ب ـ الآيات التي عمدت إلى بيان المفاهيم العامّة في إطار المصاديق والأمثلة.

ج ـ الآيات التي تؤكِّد وتحثّ على ضرورة الاعتبار بمصير الأسلاف، وتعمل على استقراء الشواهد التاريخية الواردة في هذا السياق.

 

 3ـ دراسة الآيات المذكورة وبحثها ــــــ

يعمد السيد الشهيد الصدر& في معرض الإجابة عن التساؤلات المطروحة إلى الاستشهاد بالآيات. ولكنّه لا يقوم قبل ذلك بعملٍ تفسيري بشأن الآية مورد البحث، كما هو ديدن المفسرين. ولهذا الأمر تبريران:

الأوّل: إنّ مؤدى الآيات ـ من وجهة نظره ـ واضحٌ. وعليه لسنا بحاجة إلى القيام ببيان المعاني اللغوية والقرآنية والروائية وما إلى ذلك.

الثاني: ربما قام& بالمباحث التمهيدية (التفسيرية) في موضعٍ آخر (خارج جلسات البحث).

وعلى أيّ حال فقد تمّ في هذا الأمر تجاهل نظريّته في باب تتميم الأسلوب الموضوعي؛ لأنّ المتمِّم إنما يؤتى على ذكره في الأصل إذا كان هناك أمرٌ موجود، في حين أنّه لا تفسير في البين حتّى يكون هذا البحث الموضوعي متمِّماً له.

 

4ـ الاستنتاج ــــــ

وفي كلّ قسمٍ من أقسام البحث، وبعد الدراسة والاستشهاد ببعض الآيات، يعمد سماحته إلى بيان نتيجة البحث. فمثلاً: في القسم الأول بعد أن عمد إلى دراسة الطوائف الثلاث من الآيات التي تقدَّمت الإشارة إليها تمكَّن من استنتاج أنّ للتاريخ من وجهة نظر القرآن قوانين وسنن خاصّة. وبذلك يكون قد أجاب عن السؤال الأول المطروح في هذا البحث.

 

 5ـ الإجابة عن الشبهات ــــــ

في معرض بيان رأي القرآن الكريم عمد السيد الشهيد الصدر& إلى بيان المواقف والآراء غير القرآنية بشأن الموضوع مورد البحث، وعمل على نقدها وبيان نقاط ضعفها ومواطن نقصها. وفي الحقيقة فإنّ السرّ الكامن وراء خوض سماحته في التفسير الموضوعي هو الحصول على الآراء الإلهية الخالصة في قبال الآراء القائمة على الفلسفات المادّية وغير السماوية. وعلى هذا الأساس فإن الإجابة عن الشبهات، ونقد الآراء المخالفة للقرآن الكريم، من أهمّ حلقات سلسلة المباحث الموضوعية في التفسير. ويمكن لنا أن نشاهد نماذج عن هذا الأمر بوضوح من خلال انتقاد آراء بعض المفكِّرين الأوروبيين في ما يتعلَّق بماهية المجتمع. فقد عمد السيد الصدر& بعد بيان الآيات المرتبطة بالعمل الجمعي (الملف الاجتماعي) إلى القول: «لكنْ لا ينبغي أن يوهم ذلك [المسائل التي تمّ بيانها بشأن العمل الاجتماعي أو العمل المرتبط بالمجتمع] ما توهَّّمه عددٌ من المفكِّرين الفلاسفة الأوروبيين من أنّ المجتمع كائنٌ عملاق له وجود وحدوي عضوي متميِّز عن سائر الأفراد، وكلّ فرد ليس إلاّ بمثابة الخلية في هذا العملاق الكبير… وهكذا تصوَّر (هيجل) مثلاً وجماعة من الفلاسفة الأوروبيين تصوروا عمل المجتمع بهذا النحو… إلا أنّ هذا التصوُّر ليس صحيحاً، ولسنا بحاجة إليه، إلى الإغراق في الخيال إلى هذه الدرجة؛ لكي ننحت هذا العملاق الأسطوري من هؤلاء الأفراد. ليس عندنا إلاّ الأفراد، إلا زيد وبكر وخالد، ليس عندنا ذلك العملاق المستتر من ورائهم. طبعاً مناقشة (هيجل) من الزاوية الفلسفية يخرج عن حدود هذا البحث، [فهو] متروك إلى بحث آخر؛ لأن هذا التفسير الهيجلي للمجتمع مرتبط بحسب الحقيقة بكامل الهيكل النظري لفلسفته»([12]).

«هذا الشكل من السنن التاريخية هو الذي أوحى في الفكر الأوروبي بتوهُّم التعارض بين فكرة سنن التاريخ وفكرة اختيار الإنسان وإرادته… وهذا التوهُّم نشأ من قصر النظر على الشكل الثاني من أشكال السنّة التاريخية، أي قصر النظر على السنة التاريخية المصاغة بلغة القضية الفعلية الوجودية الناجزة… ولكنْ يمكننا إبطال هذا التوهُّم عن طريق الالتفات إلى الشكل الأول من أشكال السنّة التاريخية، الذي تصاغ فيه السنة التاريخية بوصفها قضية شرطية…، وكثيراً ما تكون هذه القضية الشرطية معبِّرة عن إرادة الإنسان واختيار الإنسان، يعني أن اختيار الإنسان يمثِّل محور القضية الشرطية»([13]).

يبدو أنّ الشهيد الصدر& لم يقدِّم طرحاً جامعاً للتفسير الموضوعي الذي ينشده، وإنّما كان في صدد اختيار عدد من الموضوعات، والعمل على دراسة المسائل المرتبطة بها. في حين أن بعض الباحثين الآخرين في الشأن القرآني قد عمد إلى طرح مباحثه الموضوعية في إطار منسجم. والمثال على ذلك (المعارف القرآنية)، للشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، حيث قام بدراسة مجموع المباحث ضمن عشرة فصول، تقوم على محور واحد، وهو «الله» سبحانه وتعالى.

وربما لو سنحت الفرصة للسيد الشهيد& لإكمال تفسيره الموضوعي المنشود بجميع موضوعاته وأبحاثه لكان قد عمد إلى بيان المنظومة المنسجمة التي تربط بين هذه الموضوعات المذكورة، ولكان قد تمكَّن؛ لما نعرفه فيه من الدقّة والعمق الذي عهدناه في مؤلَّفاته العلمية الأخرى، من بيان طرحٍ جامع لتفسيره الموضوعي. ولكن للأسف الشديد فقد تمّ استعراض تلك الدروس التفسيريّة على عجل، الأمر الذي جعل الذبول يطال تفسيره الموضوعي على عتبة قطف ثماره.

 

التفسير الموضوعي، و«ضرب القرآن ببعضه»([14]) ــــــ

إن من مزالق التفسير الموضوعي ـ وليس الأمر منحصراً بهذا الجانب ـ اضطراب الآيات القرآنية وتشتيتها، بحيث تبتعد الآية عن مؤداها الحقيقي، وبدلاً من أن تكون مصدر هداية للمخاطب تكون مصدر ضلاله. وتجنُّباً لهذا المحذور الخطير يجدر بالمفسِّر أن يتعرّف على مكانة وموقع كلّ آية بشكل دقيق، وأن يعمل على تبيين نسبتها إلى سائر الآيات الأخرى المشتركة معها في ذات الموضوع؛ لكي لا يتمّ الخلط بين معاني بعضها البعض أثناء بحثها مجتمعة. قال بعض الباحثين: «إن الذين شكَّلوا مصداقاً بارزاً لضرب القرآن بالقرآن إنّما كانوا يهدفون إلى شيء واحد فقط، وهو إبطال القرآن الكريم، ولم يكونوا يتمتَّعون بروح التسليم والإذعان للقرآن أبداً»([15]). بيد أننا من خلال الإيضاح المتقدِّم نرى أنه ليس كلّ ضرب للقرآن بالقرآن ناشئاً عن اعتبار القرآن باطلاً؛ إذ في الكثير من الموارد يكون المفسِّر مؤمناً بأن القرآن حقّ، ولكنّه؛ بسبب جهله وعدم تخصُّصه بالمقدار اللازم في توظيف الآيات، يقع في مغبّة الخلط بينها، الأمر الذي يؤدّي إلى إعطاء نتائج معكوسة وغير صائبة. وإنّ ما رُوي عن النبيّ الأكرم| أنّه قال: «إنّما ضلَّت الأمم السابقة بذلك (ضرب بعض النصوص المقدَّسة ببعضها الآخر)»([16]) يُثبت أنّهم لم يكونوا من الضالين بادئ ذي بدء، وكانوا يعتبرون كتابهم حقّاً، وإلاّ كان من المفترض أن يقال: إنهم كانوا كافرين منذ البداية. وهذا خلاف الظاهر من الرواية النبوية.

 

ملاحظات على تفسير السيد الشهيد الصدر& في ما يتعلَّق ببعض الآيات ــــــ

لا شكّ في أنّ السيد الشهيد الصدر& واحد من الكواكب الساطعة في سماء المباحث القرآنية في الحقبة المعاصرة. ولم يقتصر نبوغه الفذّ على هذا المجال فقط، بل شمل مجالات أخرى أيضاً، من قبيل: الفقه، والأصول، والفلسفة، والمنطق، كما هو ثابتٌ للجميع. وقد تلقى المنظِّرون آراءه ونظرياته العميقة بالقبول. كما لا يمكن تجاهل تأثير حركته العلمية في مختلف المجالات. ولكنّ هذه العظمة العلمية لا تمنع من بيان أسئلتنا أثناء مطالعتنا لمؤلَّفاته العظيمة، أو أن نحجم عن طرحها؛ وذلك لأن السيد الشهيد نفسه من أكبر المشجِّعين على البحث والنقاش الفكري وبحث آراء الآخرين، وهو من أكبر الناقدين للمباحث العلمية. وكان& في حياته يبدي سعادة كبيرة إزاء نقد أفكاره. من هنا فإننا لا نشكّ الآن في أنّ روحه الساكنة الآن في المحل الأعلى مع الشهداء والصالحين ستسعد لنقدنا هذا أيضاً؛ لأن حيوية الأفكار لا تستمر إلاّ من خلال إشباعها بالبحث والنقد والتحقيق. وإنّ نقد النظريات العالية لا ينتقص منها، بل يزيد من أهمّيتها واشتهارها. من هنا فإننا سنعمد في ما يلي إلى طرح بعض الموارد في هذا الإطار؛ عسى أن نصل إلى فهم المراد، من خلال توجيهات الخبراء والمختصّين في هذا المجال:

1ـ لقد ساق السيد الصدر& ـ في معرض بحثه في الآيات التي تطرح السنن التاريخية في إطار المصاديق ـ ثلاث آيات، مستفيداً منها سنّة وقاعدة تأثير العدالة في توزيع الرفاه الاجتماعي. وهذه الآيات الثلاثة هي:

أـ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 166).

ب ـ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 96).

ج ـ ﴿وَأَنْ لَوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ (الجنّ: 16).

ثمّ قال معقِّباً: «هذه الآيات الثلاث تتحدَّث عن علاقة معينة. هذه العلاقة المعينة علاقة بين الاستقامة وتطبيق أحكام الله سبحانه وتعالى وبين وفرة الخيرات ووفرة الإنتاج، وبلغة اليوم علاقة بين عدالة التوزيع وبين وفرة الإنتاج. القرآن يؤكِّد أن المجتمع الذي تسوده العدالة في التوزيع، هذه العدالة في التوزيع [هي] التي عبَّر عنها القرآن تارةً بـ ﴿وَأَنْ لَوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾، وتارة أخرى بـ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾، وتارةً أخرى بـ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾؛ لأن شريعة السماء نزلت من أجل تقرير عدالة التوزيع، ومن أجل إنشاء علاقات التوزيع على أسس عادلة. يقول: لو أنهم طبَّقوا عدالة التوزيع إذاً لما وقعوا في ضيق من ناحية الثروة المنتَجة، لما وقعوا في فقر من هذه الناحية، لكنَّهم تخيَّلوا أنّ عدالة التوزيع تقتضي التقسيم، وبالتالي تقتضي فقر الناس، بينما الحقيقة [هي أنّ] السنّة التاريخية تؤكِّد عكس ذلك، [فهي] تؤكِّد أنّ تطبيق شريعة السماء وتجسيد أحكامها في علاقات التوزيع تؤدّي دائماً وباستمرار إلى وفرة الإنتاج، وإلى زيادة الثروة، وإلى أن تفتح على الناس بركات السماء والأرض»([17]).

لقد تمَّ بيان هذه الآيات الثلاث بأجمعها على صيغة الجملة الشرطية، وهي تشترك في مضمونٍ واحد. ففي إحداها تمّ اشتراط إقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم (إلى أهل الكتاب) من الله. وفي الآية الثانية تمّ اشتراط الإيمان والتقوى. وفي الآية الثالثة والأخيرة تمّ اشتراط الإيمان والثبات والاستقامة على الطريقة (الإسلام). وبذلك يمكن اختصار ذلك بالقول: إن الشرط هو الإيمان بالله وتطبيق الأحكام الإلهية (وتجنُّب التمرُّد على الله والعصيان)؛ لأن مؤدّى التوراة والإنجيل و(الطريقة)، التي هي الأسلوب الصحيح في الحياة، ليست سوى الإيمان والاعتقاد بالمبدأ والمعاد والتمسُّك بالأحكام النازلة فيها. وأما المشروط فهو نزول البركات من السماء، وخروج البركات من الأرض، وباختصار: (الرفاه الاقتصادي). وعليه فإنّ هذه الآيات تهدف إلى بيان العلاقة والارتباط الوثيق بين الإيمان والأفعال التي تنشد رضا الله وبين نزول البركات والرفاه الاقتصادي. كما نجد آيات أخرى ترصد العلاقة المعكوسة لهذه العلاقة، بمعنى زوال النعم ونزول أنواع البلاء؛ بسبب ظهور الفساد وتفشّي المعاصي بين الناس، كما في قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: 41)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: 30).

وعليه كيف يمكن اعتبار الشرط المذكور هو خصوص «العدالة في التوزيع» فقط؟ فهل لو أنّ مجتمعاً مشركاً راعى العدالة في التوزيع، وارتكب كلّ الموبقات الأخرى، سيتحقَّق له المشروط المذكور في هذه الآيات؟ والشيء الوحيد الذي يمكن لنا أن نقوله في توجيه هذه الرؤية هي أنّ العدالة في التوزيع تعتبر جزءاً من مخطَّط وبرنامج عامّ يتمثَّل بتطبيق العدالة في النظام الإلهيّ. من هنا فإن الشرط المذكور في هذه الآيات لا يتحقَّق بمجرّّد تطبيق العدالة في التوزيع، وإنّما لا بدّ من تحقيق الإيمان والتقوى الإلهية، وهذا هو الذي يوفِّر الأرضية لتحقيق الرفاه الاجتماعي.

2ـ في ما يتعلَّق بتقسيم المجتمع الفرعوني عمد& إلى استعراض بعض الآيات التي يبدو أنّها لا تدلّ على وجود مثل هذه الموارد في المجتمع الفرعوني. فقد استشهد الصدر& في معرض الحديث عن (أعوان الظلمة) بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ (سبأ: 31)، في حين أنّ المصداق لظلمهم في هذه الآية إنما هو ظلمهم لأنفسهم؛ بسبب عدم إيمانهم، ويسوقون دليلاً كاذباً مفاده وجود المستكبرين من حولهم. ففي ما يتعلَّق بما إذا كان هؤلاء من الذين ظلموا سائر الناس الآخرين، وكانوا ـ بحسب المصطلح ـ مصداقاً لـ (أعوان الظلمة) أم لا، ليس هناك في هذه الآية دلالةٌ على ذلك، وخاصّة بعد ضمّها إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ…﴾ (النساء: 97) حيث يتَّضح أنّ المراد من (الظالمين) في الآية المتقدِّمة هم خصوص الذين ظلموا أنفسهم. ومهما كان فإن هاتين الآيتين ترتبطان باعتذار بعض الكفار الذين لا يقبل عذرهم يوم القيامة، ولا يمكن اعتبار هذه الجماعة مصداقاً للجماعات المنبثقة عن المجتمع الفرعوني.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى كلّ مَنْ اعتبرهم سماحته مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب: 67) من المشرَّدين المستضعفين، أو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ (النساء: 97) من المظلومين الساكتين، أو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 34) من الهاربين من ساحة المواجهة، والذين اعتُبر الرهبان مصداقاً لهم، لا صلة لأيٍّ منها بتحليل ودراسة المجتمع الفرعوني. بل إن الرهبانية المذكورة في هاتين الآيتين الأخيرتين لم تظهر بين النصارى إلاّ بعد زوال المجتمع الفرعوني بمئات السنين، فلا يمكن أن تكون ذات صلة بذلك المجتمع. وإنّ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يرتبط بالعلماء من اليهود والنصارى الذين وقفوا في وجه دعوة النبيّ الأكرم|، ولم يعترفوا بصدق دعوته، وعمدوا؛ بوصفهم من المرجعيات الدينية لأهل الكتاب (من اليهود والنصارى)، إلى أكل أموال الناس بالباطل. من هنا يبدو أن لا شيء من هذه الآيات أو القرائن المرتبطة بها يدلّ على كون هذه الجماعات المذكورة موجودة في تقسيمات المجتمع الفرعوني.

 

الهوامش

(*) باحثٌ وكاتب في الحوزة والجامعة.

([1]) انظر: تفسير العياشي 1: 348، بيروت، منشورات الأعلمي للمطبوعات، 1411هـ.

([2]) انظر: محمد تقي مصباح اليزدي، معارف قرآن 1: 9، قم، در راه حق، 1367هـ.ش.

([3]) محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية: 22 ـ 23.

([4]) المصدر السابق: 29 ـ 30.

([5]) المصدر السابق: 34.

([6]) المصدر السابق: 35.

([7]) المصدر السابق: 9.

([8]) المصدر السابق: 29.

([9]) المصدر السابق: 39.

([10]) وقد عمد المحقِّقون الآخرون في الشأن القرآني ـ فيما بعد ـ إلى التطرُّق لهذه المباحث، ومن بينهم: الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي في كتابه (المجتمع والتاريخ من وجهة نظر القرآن).

([11]) محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، السنن التاريخية في القرآن الكريم: 46.

([12]) المصدر السابق: 86 ـ 87.

([13]) المصدر السابق: 93 ـ 95.

([14]) لقد تمَّ النهي عن (ضرب القرآن بعضه ببعض) في عدد من الروايات. انظر: الصدوق، معاني الأخبار: 190، قم المقدسة، انتشارات إسلامي، 1361هـ.ش.

([15]) سيد هدايت جليلي، روش شناسي تفاسير موضوعي (مناهج التعريف بالتفاسير الموضوعية): 199، 212، طهران، انتشارات كوير، عام 1372هـ.ش.

([16]) جلال الدين السيوطي، الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 2: 9، بيروت، دار الكتب العلمية، 1421هـ.

([17]) محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، السنن التاريخية في القرآن الكريم: 65 ـ 66.