التفكير النقديّ

14 يناير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
575 زيارة

التفكير النقديّ

محمد باقر الصدر أنموذجاً

ـ الحلقة الأولى ـ

حيدر حب الله(*)

تمهيد ــــــ

سنفتح في هذا المقال نافذةً صغيرة، نستلهم من خلالها من منهج الشهيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه نَمَطاً في التفكير، وأسلوباً في قراءة الأمور. وسأحاول أن أعالج قضيّة تتعلّق بالتفكير. وسأفترض أنّ التفكير يتنوَّع إلى مجموعة أنواع، دون أن يكون هذا التنويع ناشئاً من قسمةٍ منطقيّة. وسأقرأ فكر السيد الصدر من خلال هذه الأقسام.

التفكير، من التنظيم إلى الفهم إلى النقد ــــــ

ينقسم التفكير ـ بنحوٍ ما ـ إلى:

1ـ التفكير المنظَّم؛ ويقع في مقابله التفكير العشوائي.

2ـ التفكير التفسيريّ أو الفهميّ، القائم على الشرح والاستيعاب؛ ويقع في مقابله التفكير المجتزأ أو الناقص، العاجز عن الفهم.

3ـ التفكير النقدي بأنواعه المتعدِّدة، التي سنشير إلى بعضها إنْ شاء الله.

النوع الأوّل: التفكير المنظَّم (أزمة العشوائيّة) ــــــ

التفكير العشوائي هو تفكيرٌ شائع حتّى بين الناس الذين يُعَدّون الأشدّ ذكاءً في العالم. ولا حاجة لقراءة علم النفس، ولا الدراسات الحديثة، لفهم ذلك، بل يمكن أن نلمس مثل هذا التفكير في حياتنا اليوميّة. وجوهر هذا التفكير هو القفز من مكانٍ إلى مكان، وربطُ ما لا يرتبط، والانتقال من نقطةٍ إلى نقطة أخرى من دون وجود ترابط وتسلسل بين النقطتين.

وهذا يشبه ما تحدَّث عنه الفلاسفة والمتكلِّمون ممّا أسمَوْه (الطَّفْرة)، حين قالوا بأنّ النملة لا يمكن لها الانتقال من النقطة (أ) إلى النقطة (ج)، من دون المرور بالنقطة (ب)، كأنْ تقفز قفزاً مثلاً بهذا المعنى للقفز.

ورغم شدّة الذكاء الذي يتمتَّع به بعض الناس، إلاّ أننا نلاحظ عندهم غياب المنهجة، وحضور البعثرة مكانها.

وكثيراً ما يكون ذلك في الخطباء الدينيّين والسياسيّين، وعند المشتغلين بالثقافة الإعلاميّة. فهم لا يضعون جسوراً بين الأفكار، ليكوِّنوا منها صورةً، لينتقلوا من مكانٍ إلى مكان بطريقةٍ منطقيّة، عبر جسرٍ يتمّ العبور منه إلى الضفّة الأخرى.

إنّهم عشوائيّون في التفكير. إنّهم يفتقدون الترابط والتراتبيّة، ورؤية العلاقات بين الأفكار بشكلٍ صحيح، فيختزلون، ولا يُشْبعون الموضوعات سيراً، وينتقون ما يريدون بطريقةٍ مقصودة أو غير مقصودة.

يقولون: إنّ العلاّمة الطباطبائي صنَّف كتاب (بداية الحكمة) وفق أساسٍ مفاده: إنّ كلّ مسألةٍ لاحقة تُبْنى على المسألة التي سبَقَتْها. وإذا صحّ هذا الأساس في كلّ المسائل فهو تفكيرٌ بالغ التنظيم، ولا يقوم على أيِّ عشوائيّةٍ؛ لأنّه يبني الأساس الثاني على الأساس الأوّل، وهكذا الثالث والرابع، حتّى يُنهي بناءه الفلسفي بطريقةٍ بارعة.

إذا راجعنا إنجازات السيد الشهيد محمد باقر الصدر في كلِّ أعماله العلميّة، وحتى شبه العلميّة ـ نظير: الإنجازات التي لا تحمل الطابع التخصُّصي ـ، فسوف نجد عنده سمةً هائلة في عمليّة التنظيم والخطو بشكلٍ تدريجي من فكرةٍ إلى فكرة أخرى، بناءً على ترابطٍ وثيق وقريب بين الفكرتين، دون قفزٍ أو اختزال.

نحن نعيش اليوم وسط ثقافة شعبيّة ومنبريّة وكتابيّة، بل حتّى وفق ثقافة نخبويّة، مليئة بالعشوائيّة.

وينبغي التنبّه إلى نمط التفكير العشوائي الذي نعاني منه جميعاً في ساحتنا العربيّة والإسلاميّة؛ حيث نلاحظ القفز من الخاصّ إلى العامّ، دون أن نلاحظ الآليّة التي سمحَتْ باستنتاج القاعدة الكليّة من شيءٍ محدود؛ وننتقل ـ نتيجة تشابهٍ بسيط ـ من موقف اتَّخذناه من (أ) إلى آخر يُراد لنا أن نتَّخذه من (ب)؛ ونحصل على يقينٍ من أشياء لا تُعطي الموضوعيةُ يقيناً منها.

إنّنا لو طالعنا المشهد الثقافي اليوم في ساحتنا العربية والإسلاميّة ـ سواء المؤيِّد أم المعارض ـ نجد هذه الظاهرة واضحة، حيث يُنتَقَل إلى نتيجةٍ من خلال معطىً أضيق دائرة من تلك النتيجة.

فيقول مثلاً: هناك مشاكل في الفقه الإسلاميّ، ويبدأ بسرد خمسين مشكلة مثلاً، وهكذا يقرِّر؛ جرّاء ذلك، نتيجة عامّة تفيد: بطلان الفقه الإسلاميّ، وعدم وجود جدوى وفائدة منه.

أو يلاحظ مجموعة مشاكل في الفكر العلماني فيتخذ قراراً بأنّه باطل، ومن ثم ينبغي شطبه من الجدارة الفكريّة.

إن مجرّد العثور على بعض الإشكاليّات في الفقه الإسلاميّ لا يعني ـ دائماً ـ الانتقال إلى قانون عام يقرّر خلو الفقه الإسلاميّ من المصداقيّة.

والمؤسف أنّ هذا الأمر هو ثقافةٌ شائعة اليوم، سواء في الإعلام المكتوب أم غير المكتوب، وفي المجلاّت والصحف والنَّشْريات، وفي الكتب والمصنَّفات، وحتّى في الحلقات البحثيّة.

وفي هذا السياق التنظيميّ لو أردنا الوقوف قليلاً مع السيد الصدر؛ لاستلهام هذه الخاصيّة التنظيميّة العلائقيّة بين الأفكار، للاحظنا أن خطواته كانت قصيرةً دون قفزٍ. وإذا أردنا أن نشبِّهه فهو نظير الشخص الذي يسير في الطريق حيث تكون الخطوة الثانية قريبةً من الخطوة الأولى. فهو لا يحاول القفز على المقدّمات؛ ليستعجل النتائج، بل إنّ خطواته متقاربةٌ، ولديه قدرةٌ متميّزة على تفكيك المعلومات والأفكار، والخطو بها شيئاً فشيئاً.

وسأعطي مثالاً واحداً ـ وبالإمكان استخراج نماذج أخرى من تراثه المنشور ـ: في حدود تتبُّعي المتواضع لم أجِدْ شخصاً فسَّر الاستقراء الأرسطيّ، وفكّك نظريّته ـ بصرف النظر عن موافقته في التفكيك ـ، بحيث جعل المجمل مفصّلاً، وجعل المدمج أمراً مفكَّكاً، وخطا مع قارئيه خطوةً خطوة، في عمليّة الوصول إلى النتيجة…، لم أجِدْ كالسيد الصدر& في القسم الأوّل من الأسس المنطقيّة للاستقراء. بل نحن لم نجد ذلك حتّى عند الأرسطيّين أنفسهم، بَدْءاً من أرسطو، ومروراً بالفارابي وابن سينا ونصير الدين، وانتهاءً بالمعاصرين له من الفلاسفة والمناطقة الأرسطيين.

إنّ قدرة الإنسان على تنظيم الأفكار ـ ولا يُكتفى بالذَّكاء والنباهة ـ، ووضع كلّ فكرةٍ في موضعها، هي قدرةٌ إضافيّة على الذَّكاء والمعرفة؛ لأنها تجعل الإنسان قادراً على الوصول بطريقةٍ منظَّمة إلى أفكاره.

ومن الضروري في ما أظنّ أن نستلهم هذا النمط التنظيميّ الهائل من السيد الصدر.

خُذْ كتاب التعارض من البحث الأصوليّ، ولاحِظْ القدرة التنظيميّة الهائلة على الخطو بخطواتٍ صغيرة، خطوةً تتبع خطوة؛ للوصول إلى النتائج.

وهذه القدرة يفتقدها خطابنا الدينيّ في أماكن كثيرةٍ؛ إذ سرعان ما نقفز ونعطي النتائج، دون أن نستلهم الخطوات بطريقةٍ أو بأخرى.

ما تقدَّم كان زاويةً من زوايا التفكير المنظَّم، في مقابل العشوائيّة في التفكير، التي تعشعش في ثنايا تفكيرنا كنُخَبٍ، على اختلافها فيما بينها.

إنّ التفكير منظَّم الخطوات يحتاج إلى شخصٍ هادئ، غير مستعجلٍ، ولا متسرِّعٍ، ولا منفعلٍ، ولا مُسْقِطٍ للنتيجة على الدراسة والبحث، ولا يعتمد التكلُّف، ولا التأويل، ولا التطويع، ولا لَيَّ عنق الحقيقة.

هذه منطلقاتٌ تساعد الإنسان أيضاً على أن يخطو بهدوءٍ؛ كي يصل إلى النتائج.

وخلاصةُ ما أريد قوله: إنّ عشوائية التفكير قد تُفقد النقد قدرته على إصابة كبد الحقيقة، بل قد تفضي في بعض الأحيان إلى ضبابيّة الأفكار، والابتعاد عن جوهر الموضوع، وإرباك العمليات البحثية؛ بتطويل المسافات عليها.

النوع الثاني: التفكير الفهميّ ــــــ

في هذا النوع من التفكير هناك أشخاصٌ رأيناهم في عموم المحافل العلميّة لديهم قدرةٌ جيّدة على النقد والتحليل، لكنّهم لا يملكون تلك القدرة على فهم ما يقوله الآخر. وهذا الأمر فنٌّ من الفنون.

فمن الممكن أن يفكِّر الشخص، وينتج أفكاراً، لكنْ قد يكون عاجزاً عن فهم أفكار الآخرين.

ولو تأمّل الإنسان قليلاً لرأى كيف أنّه ربما يعاني من هذه المشكلة، وهي العجز عن فهم الآخر، وتحليل أفكاره، واستيعاب جميع جوانب رأيه. وهذا ما يؤدّي إلى الوقوع في أخطاء كبيرة؛ إذ غالباً ما يكون النقد قائماً أو منبعثاً من عدم وجود فهمٍ صحيح للآخر، ومن ثمّ يصبح نقداً خاطئاً، حتّى لو كان النقد يكشف عن توقُّدٍ ذهنيّ وذكاءٍ خاصّ.

أوّل مهمّةٍ في العمليّة النقديّة هي فهم الشيء المراد نقده. وقدرة الفهم والاستيعاب ليست أمراً في متناول الجميع، ولا سيَّما إذا كان الآخر لم يُجْلِ نفسَه ويوضِّحها. وفي مثل هذه الحال لا بُدَّ من الحفر والتنقيب؛ لاستجلاء مكنون أفكاره وشرحه وتحليله. وبعد كلِّ هذا تأتي عمليّة النقد أو الموافقة.

هناك أشخاصٌ تجدهم أقوياء في النقد، لكنّهم ضعفاء في الفهم. والعكس صحيحٌ؛ إذ هناك أشخاص أقوياء في الفهم، ولكنّهم عاجزون عن نقد ما يُطْرَح.

والجمع بين الفهم والنقد ليس أمراً بسيطاً. والغالب في حياتنا العلميّة هو الوقوع في أحد الخطأين؛ إمّا خطأ الفهم؛ أو خطأ النقد. وهي مشكلةٌ أساسيّة في هذا الإطار.

وإذا جئنا إلى السيد الصدر فيكفينا كاشفاً عن وجود تفكير استيعابيّ وفهميّ لنظريّات وأفكار الأخرين عنده قدرتُه على شرحها؛ فإنّ أهمّ علامةٍ دالّة على استجلاء فهم الطرف الآخر للأفكار والرؤى هي التمكُّن من شرح الأفكار وإيضاحها بتسلُّطٍ وهيمنة. وكما عبّر بعض أساتذتنا: إنّ أولئك الذين لا يتمكَّنون من إيضاح الفكرة متَّهمون ـ في الجملة ـ بأنهم لم يفهموا حتّى فكرتهم أيضاً، وأمّا أولئك الذين قدروا على طرح الفكرة بأسلوبٍ واضح وجليّ، وشرحوها باستيعاب، فهم يملكون ذلك العقل القادر على فهم الأشياء، واستجلاء عناصرها، وتحليل مفرداتها ومكوّناتها.

وإذا رجعنا إلى (فلسفتنا) و(اقتصادنا) و(الأسس المنطقيّة)، حيث شرح النظريّات الاشتراكيّة والرأسماليّة والوضعية، بحَسَب ما توفَّر عنده من مصادر، وكذا إذا رجعنا إلى موروثه الفقهي والأصولي، أقول: مراجعة ذلك تكشف بطريقةٍ جليّة عن القدرة الواضحة على فهم الآخرين، والقيام بشرحٍ وتحليل لأفكارهم، بطريقة ربما تكون أكثر من قدرة أصحاب الفكرة نفسها على شرحها وتحليلها وتفكيكها في بعض الأحيان. وهذه علامةٌ مهمّة لضمان سلامة التفكير.

طبعاً، لا أنفي أنّ السيد الصدر قد تكون التبست عليه مجموعةٌ من الأفكار التي طرحها الماركسيّون وغيرهم، لكنّنا نتكلَّم في الجوّ العام لكتاباته. فأرجو التنبُّه لهذا الأمر.

من هنا؛ ولكي تنتظم عمليّة التفكير، لا بُدَّ من استلهام المنهج الفكريّ المنظَّم من هذا الرجل العظيم، في مقابل العشوائيّة الضاربة في أوساط الكثيرين في العالم الإسلاميّ.

كما نستلهم منه أيضاً قدرة الفهم التي تحتاج إلى الصبر وعدم الاستعجال. ففي كثيرٍ من الأحيان نجد أنّ أشخاصاً كُثراً يعلِّقون على أفكار بعضهم ببعض التعليقات الكاشفة عن عدم قراءتهم، أو عدم فهم ما قاله الآخرون؛ جرّاء الاستعجال في الفهم. وهذه نقطةُ عيبٍ كبيرة جدّاً ومعقّدة.

وأعتقد أنّ هذه الخصلة عند السيد الصدر ـ وهي القدرة على البيان النابعة من القدرة على الفهم ـ يمكن أن تكون مُلْهِماً لنا في سبيل تطوير طرائق تفكيرنا، أو بتعبيرٍ أدقّ: لتجويد طرائق تفكيرنا في هذا الإطار.

ـ يتبع ـ

(*) محاضرةٌ ألقيت في المؤتمر الأوّل للسيد الشهيد الصدر، في مدينة قم الإيرانيّة، بدعوةٍ من مكتب الشهيد الصدر الثاني، بتاريخ 5 ـ 5 ـ 2013م. مع بعض التصرف والتعديل.