أحدث المقالات

تحدّث الكثيرون في الآونة الأخيرة وكتبوا عن موضوع الثقافة والتنمية، وكان محور أغلب تلك الكتابات، تحديد المعيقات الثقافية في عملية التنمية للتخلّص منها، وفي هذه الكتابات نجد تأكيداً متزايداً على التنمية، أمّا الثقافة فتعتبر مجرّد وسيلة تابعة يمكن تغييرها، لذا ينبغي التخلّي عن تلك التقاليد بالعقلانية والعلم.

إنّ هذا النوع من الفهم لا يعني فقط، إهمال الثقافة، بل يحوِّل العملية التنموية إلى حالة من الفوضى والعدمية؛ لأنّنا لا ندري ما الذي يجب تغييره في الثقافة، للوصول إلى التنمية؟ وكيف يمكن لنا تغيير الثقافة؟ وما هي قدراتنا في ذلك؟ فهل المجتمع البشري آلة، حتى يمكن إحداث تغيير فيه بهذه السهولة؟ وما هي الثقافة التي يريد بعضهم تغييرها؟

لو أدرك هؤلاء جيداً معنى الثقافة لعرفوا أنّه لا يمكن تغييرها بقرار رسمي، فيقولون ــ مثلاً ــ يجب فهم الدين وإدراك أحكامه على نحو آخر، كما يجب نبذ كل ما يُعبّر فيه عن عدم اهتمام بالدنيا أو اكتراث.

والمشكلة أنّ القائلين بهذا يتعاملون مع الدين على أساس فهمهم الخاص له، ويصرّون على تعريفه حسب رؤيتهم؛ لذا فعليهم أن يوسّعوا من فهمهم له، فإذا لم يقوموا بذلك، يجب أن لا ينتظروا حصول تغيير، ولو أرادوا تغيير عقائد المجتمع، فعليهم أن يأتوا بشيء مكانها، إذ إن إفراغ الناس من عقائدهم ليس بديلاً، فما هو الذي يستبدلون به عقائد الناس؟ أهي الحداثة التي نشأت في أوروبا وقد وهنت أسسها اليوم؟! إنّ هذه الشجرة لا يمكن غرسها في مكان آخر، كما لا يمكن إعادة التاريخ إلى الوراء.

بعضهم يتصوّر أنّ هذه الأفكار قد تبلورت بعد البحث والدراسة؛ لذلك يمكن طرح أفكار بهذا الأسلوب أيضاً؛ لكن هؤلاء المغرمين بحداثة وعقلانية القرن الثامن عشر، لا يدركون أنه لا يمكن لتيار ثقافي وفكري أن ينتهي؛ لذلك هم يتصوّرون أنّه يمكن لتيار آخر الاحتفاظ بصوابيته، أو حتى إرجاعه إلى شبابه، فنراهم يثورون عند سماع آراء تتحدّث عن انحطاط فكرة الحداثة، ويرون ذلك كلاماً غير معقول في أوروبا وأمريكا، فضلاً عنّا نحن الذين لازلنا في بداية الطريق.

إنّ هؤلاء على خطأ؛ لأنّنا لسنا في بداية الطريق إلى الحداثة، فمنذ زمن ونحن تحت ظلّها.. ننتظر سقوط ثمارها علينا، واليوم مع كثرة ثمار هذه الشجرة، إلاّ أننا لا نستطيع الاستفادة من ظلّها لتباعد أغصانها، إذاً من السذاجة القول باستمرار هذا الطريق الذي سار عليه الغرب، فقبل عشرين أو ثلاثين سنة ظهر كلام حول نقل الحداثة إلى دول العالم الثالث ودول الجنوب، وأنّ الغربيين يقومون بتحديثها وإيصال أهلها إلى قشور الحضارة والحداثة! والظاهر أن السؤال مطروح بشكل يمكّننا من خلال اختيار أحد هذين الطريقين، وحيث إن الطريق الأول قُطع على الغرب، فيجب علينا التفكير بالطريق الثاني، والذي لا يمكن الوصول من خلاله إلى الهدف إلاّ بالجدّ والمثابرة.

الحداثة والتنمية ـــــــ

يقولون: من أجل الوصول إلى التنمية، يجب الاشتراك مع الغرب في عقلانيته وتفسير الدين والتقاليد على أساس ذلك، وعلى حدّ قولهم: يجب أن نسعى لتحصيل هذه العقلانية، وبهذا لن نكون بحاجة إلى جدل ونزاع، وأقلّ ما يمكن عمله لتحصيل هذا العقل هو دراسة تاريخه والمسيرة التي قطعها، ومن ثم دراسة وضعه الحالي.

إنّ معرفة تاريخ العقل الحديث، توصلنا إلى النتيجة التالية: إن إمكانات العالم الغربي الحالية قد وصلت إلى نهايتها، وأنه يمكننا فقط أخذ ما هو ضروري من هذا العالم، ومن الطبيعي أنّه لا يمكن معرفة الأشياء الضرورية واقتباسها دون الارتباط بالعقل الغربي؛ لكنّ سبيل الارتباط لن يكون طبقاً لآراء الخبراء والأيديولوجيين الغربيين وتوجيهاتهم، وإنما عبر الاختبار والتجربة.

وفي هذه المرحلة، يمكن معرفة العقل والعقلانية والتقنية الحديثة من خلال فكرة انحطاط الحداثة، فهي ليست ضدّ العقل أو العقلانية ــ كما يتصوّرها بعضٌ ــ وإنما هي تشكيك في كونها ــ أي العقلانية ــ مطلقة؛ أليس العقل الحديث هو العقل النقدي، وأنّ كل ما هو خارج عن دائرة النقد لا أهمية له؟ واليوم وضعوا العقل نفسه ضمن هذه الدائرة، وهذا لا يعني أنّهم سلبوا منه اعتباره ومكانته. فإذا لم نستطع معرفة هذا التاريخ الغربي، وكنا نصرّ على حالة وصورة معينة منه، فإن هذا الإصرار سيكون على شيء لا يمكننا الوصول إليه.

منذ مائتي عام والمستشرقون يقولون عنّا: إننا بلا عقل، ولا نخضع للنظام والقانون، وأننا فاقدون للصبر والاستقامة والهمم، وأننا لا زلنا نراوح مكاننا، وليس باستطاعتنا إنشاء مؤسّسة إدارية ونظام اجتماعي، وأننا لم نصل إلى مستوى جيد في الصناعة والتكنولوجيا والعلم و.. فما هو ردّ الفعل الذي يمكننا القيام به؟

بعضهم كذّب هذا الادعاء دون تردّد، وبعضٌ آخر صدّق المستشرقين في أقوالهم، وقالوا: علينا أن نسعى لإثبات قدرتنا على الخروج من هذه الحالة التي نحن عليها، وأن نصل إلى العقل والتدبير ونكون كالإنسان الغربي؛ فالمستشرقون قالوا كلاماً لا يمكننا تصديقه من جهة، وليس من السهل تكذيبه من جهة أخرى، هم صادقون في أننا لم ندخل نظام الحياة الغربية بشكل كامل، لكن يجب أن نشكّك في تصوّرهم أننا بشر من نوع آخر، وأننا غريبون عن العلم والعقل، وسنبقى غرباء عنهما.

إن المستشرقين يلوموننا دون سبب؛ لأنه إذا كان هناك فارق في وضعنا مع الحضارة التي ينتسبون إليها، فإن هذا الفارق عرضي طارئ، ونحن نسعى لإزالته.

والأفضل أن لا نعير اهتماماً لكلام المستشرقين، وأن لا نسعى إلى تقليد الغرب من جديد؛ لأننا سنضيّع أنفسنا، فالمستشرقون الذين كانوا ــ لفترة طويلة ــ لا يرون لنا مستقبلاً، لماذا يرسمون لنا طريق المستقبل الآن؟ لذا علينا أن ندرك مكانتنا في عالم اليوم، وإذا أردنا ان نحصل على التكنولوجيا الحديثة، يجب أن نفكّر في مستلزماتها وشرائطها القريبة؛ فالتطوّر التكنولوجي يتطلب سياسةً اقتصادية ــ اجتماعية مدروسة، ووجود نظام إداري صحيح وعملي، ومدارس وجامعات ومؤسّسات ومراكز أبحاث نشطة؛ ففي البرنامج العام للتنمية يجب أن نأخذ هذه الأمور جميعها بنظر الاعتبار، لكن المشكلة تكمن في تهيئة هذه الظروف والمستلزمات، لا في أخذها بنظر الاعتبار، فالتنمية تحدث بتوافر شروطها.

العلم والإنسان المعاصر ـــــــ

قلنا سابقاً: إنّ تجديد التاريخ لا يعني تجديد أحداثه ووقائعه، فبعض مواصفات العصر الذي نعيشه هو ضعف الإيمان بالعلم والعقل الحديث الذي كان موجوداً في القرن الثامن عشر؛ وبهذا ينتهي تاريخ الحداثة، وتنتفي الحاجة إلى تكراره، فالممكن هو وضع برامج للتنمية؛ وهذا ما يحصل من خلال معرفتنا بالانحطاط الحداثي.

فثقافة التنمية لا تعني ترديد أقوال mغيزوn و mكندورسهn، وإنما فهم الظروف والإمكانات، وإذا ما تمّ تحديد متطلّبات المجتمع من الخارج لشعب ما، فسينتهي به الأمر إلى الغفلة وعدم معرفة إمكانيّاته أيضاً، وبذلك تهدر الطاقات والإمكانات؛ لتغلب الضرورات الخارجية.

هل من الصحيح أن نلقي بأسباب هذا الفهم الخاطئ والقاصر على العقائد الدينية؟ أبداً، فالتقاليد والعقائد لم تقيّدنا، فلم يكن الناس قلقين ومضطرّين عندما كانوا قريبين من تقاليدهم وعقائدهم، إنّ القلق في الفكر والعمل ظهر وكثر عندما دخلت مشاريع الحداثة التغريبية في معركة مع تقاليد مجتمعاتنا وأصالتها.

إنّ الوصول إلى التنمية يتمّ بالسعي الحثيث إليها، وشرط ذلك ليس في إصلاح عقائد الناس، وإنما في التخلّص من الجمود والتحجّر، سواء كان هذا التحجر والجمود موروثاً أو معاصراً يتمثل بنظرة الإعجاب بالغرب، وإنّ الخروج من التحجّر لا يستلزم ــ بالضرورة ــ نبذ العقائد، فإذا كان الغرب قد وصل إلى التنمية عبر رفضه لعقائد القرون الوسطى، فليس من الضروري أن يتكرّر هذا الأمر في مكانٍ آخر.

إنّنا نرى أنَّ الشرط الأساس للخروج من هذا التحجّر هو الاتجاه نحو التديّن الحقيقي؛ فالمتدين الحقيقي هو الذي لا ينخدع بكل نداء صادر من الغرب، كما لا يكتفي بالقيام ببعض الأعمال العبادية وإجراء بعض التقاليد والآداب، فالدين أعمّ من ذلك وأشمل.

*   *     *

التنمية وتأثير قانونيّة نظام العقوبات الجزائية والجنائية والمدنية

(*) عضو الهيئة العلمية لقسم الفلسفة في جامعة طهران.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً