الثورة الحسينية وإشكاليّة تعارض (أولي الأمر) مع (أولي الأرحام)

16 مايو 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
73 زيارة

الثورة الحسينية وإشكاليّة تعارض (أولي الأمر) مع (أولي الأرحام)

الشيخ محمد حسن قدردان قراملكي(*)

 

مقدّمة ــــــ

يعتبر القرآن الكريم أنّ طاعة «أُولي الأمر» في طول طاعة الرسول|، والتي هي ـ بدورها ـ في طول طاعة الله عزَّ وجلَّ، الواجبة على كلّ مسلم. ثمّ إنّ أغلب أهل السنّة يفسّرون «وليّ الأمر» بالحاكم والمتصدّي لشؤون الحكم؛ ولذا يرَوْن أنّ طاعة الحاكم وتبعيّته ليست واجبة على كلّ مسلم وحَسْب، بل إنّ مخالفته والقيام عليه تعني مخالفة حكم الله ورسوله، وبالتالي فالمخالف يُعتبر باغياً. لكنّنا نجد ـ من جهة أخرى ـ أنّ القرآن الكريم منح أهل بيت النبيّ| مقاماً خاصّاً؛ باعتبارهم من أرحام النبيّ، فأوجب احترامهم وطاعتهم لذلك. والروايات النبويّة شاهدةٌ على هذا المعنى أيضاً. ومن هنا يمكن القول: إنّ هذين المبنيين يمكن أن يكونا مثاراً للنزاع، وموطناً للتعارض والتناقض عند أهل السنّة، حين يختلف مصداق «أُولي الأمر» عن مصداق «أُولي الأرحام»، عبر فردين مختلفين يباين كلّ واحد منهما الآخر ويعارضه. ومن ثمّ سيصبح الإمام الحسين× المصداق الأبرز لهذا التناقض.

ونلفت النظر إلى أنّ الفكر الشيعي يعتبر حركة الإمام الحسين× وثورته لمواجهة حكومة يزيد حركةً إصلاحيّةً، يعمل الإمام فيها على إحياء الدين. فمع العصمة التي يعتقد بها الشيعة في حقّ الأئمّة تصبح جميع أعمالهم وتحرّكاتهم مطابقة للحقّ، ومصونة عن أيّ نوع من الخطأ. ومن هذا المنطلق لا يعود هناك أي شكّ في شرعيّة ثورة الإمام الحسين×، ولا في عدم شرعيّة حكومة يزيد من أصلها، ولا في عدم شرعيّة الطريقة التي تعاطى فيها مع الإمام. وبالتالي لا يُتصوّر أبداً البحث ـ في الفكر الشيعي ـ حول وجود تناقض بين قيام الإمام وبين حكومة يزيد.

أمّا في الفكر السياسي لأهل السنّة فنفس الحكومة والحاكم يتمتّعان بالقداسة، وطاعتهم واجبة؛ حيث يعبّرون عن الحكّام بـ «أُولي الأمر». كما أنّ البعض منهم اعتبر يزيد مصداقاً لـ «أُولي الأمر»، ومن ثمّ فطاعة أوامره لازمةٌ ومشروعةٌ، ويرَوْن أنّ مخالفته، بأيّ نحو من الأنحاء، أو التمرّد عليه خروجٌ على «وليّ الأمر»، ومصداقٌ لـ «البغي». ولذا تعتبر ثورة الإمام الحسين× ومواجهته لحكومة يزيد ـ بنظر أهل السنّة ـ غير مقبولة.

لكن في مقابل ذلك الإمام× شخصٌ ينتسب إلى نبيّ الإسلام|، وهو ممَّنْ وردت في حقّه العديد من الآيات والروايات التي تشير إلى شأنه، وتأمر بلزوم احترامه، وحفظ حرمته. ووجود هذه الآيات والروايات يجعل أهل السنّة مُردَّدين في إدانة خروج الإمام، ولا سيّما أنّ عنوان «أُولي الأرحام» يشير إلى أنّ الإمام الحسين×، الذي هو من أرحام النبيّ| وأولاده، مصداقٌ بارزٌ لـ «أُولي الأرحام». وقد أكّد كلٌّ من القرآن الكريم والنبيّ الأكرم| على وجوب حفظ حرمة «أُولي الأرحام» وقداستهم على جميع المسلمين، وبالتالي يجب احترام مقام الإمام الحسين× وشخصيّته؛ طبقاً لكتاب الله وسنّة رسوله.

ومن هنا واجه أهل السنّة تناقضاً وتعارضاً في تفسير وتوجيه قيام الإمام، وكيفيّة تعاطيه مع حكومة يزيد.

ولحلّ التعارض والتناقض الحاصل نضع الفرضيّات التالية:

أـ القول بشرعيّة ثورة الإمام×، وعدم شرعيّة حكومة يزيد.

ب ـ القول بشرعيّة حكومة يزيد وأفعاله، وعدم شرعيّة ثورة الإمام×.

ج ـ إعطاء الشرعيّة للجبهتين معاً، مع توجيههما.

د ـ عدم شرعيّة كلا الجبهتين.

وعند البحث في المصادر التاريخيّة يمكن لنا أن نجد مؤيِّداً لكلّ واحدة من الاحتمالات الثلاث الأُول، لكنّ الفرضيّة الرابعة تبقى مجرّد فرضيّةٍ، ولا يوجد مَنْ يقول بها أو يتبنّاها.

وأمّا من الناحية التاريخيّة فليس هناك شكٌّ في أنّ الإمام× لم يبايع حكومة يزيد أبداً. ثمّ إنّه لم يكتفِ بالمواجهة الخطابيّة، بل استجاب ـ عملياً ـ لمكاتبات أهل الكوفة، ودعوتهم المتكرّرة؛ ليصبح قائداً وزعيماً لحركة مسلّحة تسعى إلى إزالة حكومة يزيد. وأقدم ـ ولو بحسب الظاهر ـ على إيجاد المقدّمات التي تحقّق أهدافه، فأرسل سفيره «مسلم بن عقيل» نحو الكوفة لهذا الغرض. وبحسب ما اتّفق عليه المؤرّخون فقد أدّت هذه الثورة إلى استشهاده× وأَسْر أهل بيت النبيّ|. لكنّ موطن النزاع والسجال الدائر في طرفي القضيّة المذكورة هو التالي: هل كانت ثورة الإمام× على حكومة يزيد شرعيّةً ومطابقةً للمباني الدينيّة؟ وفي المقابل: ما هي المباني والأُسس الدينيّة التي يمكن ليزيد أن يستند إليها في توجيه ما قام به من قتل الإمام الحسين× وسبي أهل البيت؟ إنّ الإجابة عن الأسئلة السابقة خارجةٌ عن عهدة المؤرِّخين، وملقاة على عاتق العلماء والمفكِّرين الدينيّين وغير الدينيّين على مختلف تخصّصاتهم وأطيافهم، من قبيل: الفقهاء، والمتكلّمين، والفلاسفة السياسيّين…، فهم مَنْ يجب عليه أن يسعى إلى إيجاد حلٍّ لهذا التعارض. أمّا نحن فسينصبّ جهدنا في هذا المجال على تحليل ومناقشة ثورة الإمام الحسين× من وجهة نظر علماء أهل السنّة، انطلاقاً من النظريّات المختلفة للمسألة التي طرحوها:

 

 النظريّة الأولى: تقديم جانب «وليّ الأمر»، وجعل الأولويّة لحقّه ــــــ

يرى أكثر أهل السنّة أنّ هناك شرطين أساسيّين لإضفاء الشرعيّة على الخلافة والحكومة: الأوّل: امتلاك بعض الصفات الخاصّة، كالعلم والتقوى والورع([1])؛ والثاني: تنصيب الخليفة من قبل خليفةٍ سابق عليه، أو مبايعة الناس له([2]). ومع تحقّق هذين الشرطين تغدو الحكومة شرعيّةً، ويحوز الحاكم على وصف «وليّ الأمر».

وهناك وجهة نظر موجودةٌ بين السنّة على أقلّ تقدير، إلاّ أنّ القائلين بها غير معروفين، وهي قائمة على الاعتقاد بأنّ حكومة يزيد كانت تحوز على الشرطين المتقدّمين؛ أي إنّ يزيد نفسه كان يمتلك المؤهّلات التي تجعله صالحاً للحكومة، من ناحية العلم والتقوى، وكذلك الأمر من جهة تنصيبه عبر الخليفة السابق (معاوية)، مضافاً إلى بيعة الناس له؛ لكي يتربّع على مسند الخلافة. وبالتالي فإنّ حكومة يزيد تعدّ حكومة شرعيّة ودينيّة، ويكون مصداقاً لـ «أُولي الأمر»، المذكورين في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ‏﴾ (النساء: 59).

ويعتبر المؤيّدون لهذه الرؤية أنّ يزيد صالحٌ لاستلام مقام الخلافة، وهم ـ خلافاً لما تواتر من الروايات التي تنقل أنّ يزيد كان فاسقاً، شارباً للخمر، يلعب بالقرود، ولا أهليّة له لتحمّل منصب الخلافة ـ ينكرون الصفات الرذيلة التي تذكر في حقّه.

 

القاضي أبو بكر ابن العَربي(468 ـ 543هـ) ــــــ

هو أوّل مَنْ أيّد شرعيّة حكومة يزيد على مدى التاريخ، فكان ينتقد ثورة الإمام الحسين×، معلِّلاً ذلك بمخالفتها لحكومة يزيد. وكان يرى أنّ يزيد رجلٌ عادلٌ، صالحٌ للحكم والحكومة. وهو ما يتّضح في جوابه عن الإشكال باشتراط العدالة والعلم في الخليفة، حيث قال: قلنا: وبأيّ شيء نعلم عدم عِلْمه أو عدم عدالته؟! ولو كان مسلوبهما لذَكر ذلك الثلاثةُ الفضلاء الذين أشاروا عليه بأنْ لا يفعل، وإنّما رمَوْا إلى الأمر بعيب التحكّم، وأرادوا أن تكون شورى([3]).

كما أنّه يدّعي في شأن شرب يزيد للخمر ـ وهو ممّا أجمع عليه المؤرّخون ـ أنّه لا يوجد شاهدان يؤيّدان ذلك.

ثمّ إنّه أورد عبارة لمؤرّخٍ اسمه «ليث» سمّى يزيد فيها «أمير المؤمنين»، فاعتبر ذلك دليلاً على عدالته([4]).

مضافاً إلى قوله بأنّه لو وُجد المبرّر للقيام على حكومة يزيد لكان ابن عبّاس أَوْلى الناس بالقيام([5]). ومفهوم كلامه أنّ قيام الإمام× كان يفتقر لأدنى تبرير.

هذا ويذكر أبو اليسر عابدين في أغاليط المؤرّخين أنّ نسبة قتل الإمام إلى يزيد يعدّ غلطاً من أغلاط المؤرّخين.

كما أنّ عبد المغيث بن زهير الحربيّ كتب كتاباً في فضائل يزيد. إلاّ أنّ كتابه هذا اشتمل على كثيرٍ من التحريفات في نقل الأحاديث والفضائل المختلقة ليزيد؛ لذا هاجمه العديد من مؤرِّخي أهل السنّة وعلمائهم، مثل: ابن الجوزي([6])، وابن كثير([7])، وابن عماد([8])، وابن الأثير([9]).

وأمّا محبّ الدين الخطيب ـ وهو من المعاصرين، وكان في السابق رئيساً لتحرير مجلّة الأزهر ـ فاعتبر في تعليقته على كتاب القاضي ابن العَربي أنّ يزيد كان يراعي المصالح وأحكام الشريعة، وكان يرفق بالناس، ويعتني بهم، وأنّه عندما تتكشّف الحقيقة سيجده الناس في مصافّ الذين امتُدحوا في التاريخ، وذكروا بالخير([10]).

 

 مباني النظريّة ــــــ

يعمد المؤيّدون لهذه النظريّة أوّلاً إلى إثبات شرعيّة يزيد وأهليّته لتولّي منصب الحكومة والخلافة ـ من خلال مزاعمهم ـ، فيجعلونها صغرى القياس، ثمّ يُفسِّرون مخالفة الإمام× وقيامه على حكومة يزيد الجائرة الفاسقة بالبغي والخروج على الحكومة الشرعيّة، ويعتبرون أنّ ذلك القيام لم يكن إلاّ إثارةً للفتن والاضطرابات التي ينبغي مواجهتها، طبقاً للأُسس والمباني والأدلّة الدينيّة (القرآن والروايات النبويّة) بأشدّ نحوٍ ممكن.

وقد كتب أبو بكر ابن العربي في هذا الصدد ما يلي: «ولا قاتلوه إلاّ بما سمعوا من جدّه…، المُحذِّرِ من دخول الفِتن…، منها قوله|: إِنّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَ هَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفّرِقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّة وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ، كَائِناً مَنْ كَانَ»([11]).

كما تمسّك المؤيّدون لهذه النظريّة بالحديث التالي: مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْراً فَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ([12]).

 

 استعراضٌ وتحليل ــــــ

من الجيِّد عند استعراض وتحليل نظريّة «ولاية الأمر» المزعومة لحكومة يزيد، وتبرير قتل الإمام الحسين×، والمباني الأخرى، أن ندقّق في النقاط التالية:

 

1ـ فسق يزيد وفجوره العلني ــــــ

إنّ التأكيد على أهليّة وصلاحيّة يزيد ـ من ناحية العدالة وعدم ارتكابه للمعاصي ـ للتصدّي لمقام الحكم كان واحداً من المقدّمات والمباني الفكريّة للنظريّة المتقدّمة، والتي أصرّ ابن العربي وأمثاله على التمسّك بها.

لكنّ مجرّد إلقاء نظرة عابرة على التاريخ، والاعترافات التي قدّمها كبار العلماء من أهل السنّة على ارتكاب يزيد للمعاصي والفسق والفجور، ستُسفِر عن وَهْن الادّعاء بصلاحيّة يزيد.

وسنعمد هنا إلى إبراز بعض الاعترافات التي قدّمها كبار أهل السنّة، حتّى أولئك الذين قاموا بتبرير أفعال يزيد في بعض الأحيان:

 

نجل يزيد ــــــ

عملاً بالمَثَل القائل: «أهل البيت أدرى بما فيه» يكون ابنُ يزيد أقرب الناس إليه، ومخدع أسراره. وقد قرّرت الكتب التاريخيّة على نحو التواتر أنّ ابن يزيد «معاوية بن يزيد» وصل إلى سدّة الخلافة بعد موت والده يزيد، لكنّه استعفى منها بعد مدّة قصيرة، وذكر آنذاك أنّ هذا المنصب لم يكن من حقّه، ولا من حقّ والده. فقد نقل عنه أنّه قال في وصف أبيه: «فركب هواه، واستحسن خطاه، وأقدم على ما أقدم عليه من جرأته على الله، وبغيه على مَنْ استحلّ حرمته من أولاد رسول الله|، فقلَّت مدته، وانقطع أثره، وضاجع عمله…، وندم حيث لا ينفعه الندم»([13]).

 

الإمام أحمد بن حنبل ــــــ

كان ابن حنبل قد أجاب عن سؤال حول جواز لعن يزيد بأنّ لعنه ورد في القرآن. وسأله ابنُه عبد الله عن موضع اللعن؛ لأنّه قرأ القرآن ولم يجدْ آيةً في ذلك، فدلّه ابن حنبل إلى الآيات التالية: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللهُ‏﴾ (محمد: 22 ـ 23)، ثمّ استدلّ بها على مراده فقال: وأيُّ فساد و قطيعة أشدّ ممّا فعله يزيد([14]).

وأغلب علماء أهل السنّة اعترفوا بفسق يزيد وفجوره. لكنّنا سنقتصر على ذكر أسماء البعض منهم: ابن الجوزي([15])، وابن عماد([16])، وابن خلدون([17])، والسيوطي([18])، وابن حجر([19])، والآلوسي([20])، ومحمد عبده([21])، وآخرون…([22]).

إذاً الشرط الأساسي لتحقّق عنوان وليّ الأمر ـ وهو العدالة ـ لم يكن متحقِّقاً في يزيد، حتّى يتزيّا بعباءة «أُولي الأمر».

 

2ـ عدم شرعيّة تنصيب الخليفة السابق ــــــ

يذكر مدّعو الشرعيّة لحكومة يزيد أنّ دليل دعواهم هو تنصيب يزيد كخليفة من قبل الخليفة السابق (معاوية). ويجعلون تنصيب الخليفة السابق في عرض «المبايعة»، فيعتبرونها مصدراً من مصادر شرعيّة تلك الحكومة. ويرَوْن أنّ يزيد يخضع لهذه القاعدة أيضاً. وعليه فهو حائزٌ لمقام الخلافة وحكمه شرعيّ.

لكنْ ينبغي التمعّن في النقاط التالية لنقد هذا المبدأ:

أـ إنّ القاعدة والأصل المتقدّم يفتقد للمبنى الفقهي؛ لأنّه لا يمكن إقامة الدليل عليه من الكتاب أو من السنّة النبويّة، كما لا يمكن الاستناد إلى إجراءٍ مشابه من قبل بعض الخلفاء الراشدين وجعله كأصلٍ ومبنى فقهي كلّي؛ لاحتمال أنّهم إنّما أقدموا على هذا الفعل لأسبابٍ خاصّةٍ. ثمّ بما أنّ أهل السنّة ينكرون العصمة لغير النبيّ| فلا يمكنهم أن يعتبروا الخلفاء منزَّهين عن الخطأ أو الاشتباه.

ب ـ إنّ معاوية بتنصيبه لولده يزيد في منصب الخلافة يكون قد خالف ما اتّفق عليه مع الإمام الحسن×، طبقاً لبنود الصلح المعقود بينهما، فهو لا يمتلك هذا الحقّ أصلاً. إذاً أساس ذلك التنصيب كان يفتقد للشرعيّة.

ج ـ حتّى لو غضضنا النظر عن عدم شرعيّة الخليفة السابق، وما أقدم عليه، فمع ظهور الفسق والفجور من يزيد، وفقدانه العدالة قبل تولّيه الخلافة، يمكن الاستدلال بأنّه يفتقد لشرط الصلاحيّة للحكم منذ ذلك الزمن. ومن هذا المنطلق لا ينبغي أن يكون لتنصيبه من قبل معاوية أيُّ أثر.

 

3ـ عدم تحقّق البيعة ــــــ

قد يستند البعض في تبريرهم لشرعيّة حكومة يزيد إلى مبايعة الصحابة في كلا الخلافتين: خلافة معاوية؛ وخلافة يزيد. إلاّ أنّه عند الرجوع إلى التاريخ يتّضح أنّ أكثر الصحابة كانوا مخالفين لإعطاء ولاية العهد ليزيد. ونستطيع أن نمثّل لذلك بـ: ابن عبّاس([23])؛ وعبد الله بن جعفر([24]).

أمّا الموافقون على خلافته فكانت موافقتهم ظاهريّة فقط، أو أن تأييدهم لها كان بسبب تهديدات الحكومة الأمويّة لهم، حتّى لو لم نرَ منهم مخالفة لحكومة يزيد؛ باعتبار أنّ ذلك يرجع إلى خوفهم من الفتنة، وإضعاف موقعيّة الدين. ومخالفة أهل المدينة لحكومة يزيد، ومقاومتهم لعمّاله وولاته، يثبت المدّعى المتقدّم، حتّى أنّ يزيد لم ينتزع منهم البيعة إلاّ باستخدام الشدّة والقسوة معهم([25]).

وقد طالب ابن الجوزي مَنْ يقول بشرعيّة حكومة يزيد أن يراجع كتب السِّيَر، وأن ينظر كيف تمّت البيعة ليزيد؛ حيث انتزعت البيعة تحت الضغط والتهديد، وكيف أنّه لم يتورّع عن استخدام كلّ أنواع الظلم الممكنة لتدعيم أركان حكمه وحكومته؛ حيث قال: لو نظروا في السِّيَر لعلموا كيف عُقدَتْ له البيعة، وألزم الناس بها، ولقد فعل في ذلك كلّ قبيح([26]).

أمّا محمد رشيد رضا فيذكر، في تفسير المنار، أنّ الإمساك بزمام حكومة يزيد إنّما كان باستخدام المكر والسلطة([27]).

 

4ـ اعتبار شرط العدالة في الحاكم ــــــ

لقد ورد في فقه أهل السنّة، وفي طيّات فكرهم السياسي، شروط مختلفة للتصدّي للمنصب الحكومة والخلافة، ومن أهمّها: العدالة، والتقوى، والورع. ومعنى اشتراط العدالة والتقوى في الحاكم هو أنّه مع فقدان ذينك الشرطين ستصبح الحكومة فاقدة للشرعيّة الدينيّة. ولذا لا يمكن أن يطلق على الحاكم عنوان «وليّ الأمر»، ولا أن يطالب بالطاعة من الآخرين.

أمّا جواز الخروج على حاكمٍ كهذا ومواجهته أو عدم جواز ذلك فمسألةٌ أخرى. وقد اختلفت الآراء حول هذا الأمر، وسوف نشير إليها فيما بعد. لكن عند فقدان شرط العدالة تصبح حكومة الحاكم فاقدةً لأيّ غطاءٍ دينيّ، سواءٌ اعتقدنا بجواز الخروج عليه أم بعدم الجواز.

وأشهر الأدلّة على لزوم طاعة الحاكم، وشرعيّة حكومته، هو الآية التي ورد فيها أنّ طاعة «أُولي الأمر» كطاعة رسول الله، وأنّها في طول طاعة الله، قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59).

ومَنْ يميل إلى اعتبار الشرعيّة لحكومة يزيد يرى أنّ الشرعيّة إنّما أضفيت على حكومته من خلال تطبيق عنوان «أُولي الأمر» عليه. ولذا فهم يعتبرون أنّ خروج مخالفيه غيرُ مبرّر. لكنّ اعتبار شرط العدالة في الحاكم يعدّ مقيِّداً ومفسِّراً لمعنى «أُولي الأمر». ومع ملاحظة ذلك نستكشف أنّ الآية الشريفة لم تكن في صدد الحكم بطاعة كلّ حاكم، وإنّما تحكم بطاعة الحاكم العادل، الذي له منزلة تشابه منزلة الله ورسوله، أمّا الحاكم الفاسق فهو ممَّنْ ينصرف ظهور الآية عنه.

وسوف نستعرض هنا بعض آراء مَنْ يرى شرط العدالة في الحاكم:

1ـ أبو الحسن الماوردي: «وأمّا أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها: العدالة…»([28]).

2ـ الإمام الغزّالي: «…فأن يكون أهلاً لتدبير الخلق، وحملهم على مراشدهم، وذلك بالكفاية والعلم والورع»([29]).

3ـ عبد القاهر البغدادي: «…الثاني: العدالة والورع»([30]).

4ـ ابن خلدون: «وأمّا شروط هذا المنصب فهي أربعة: العلم، والعدالة، والكفاية…»([31]).

كما ذَكر في موطن آخر أنّ فائدة اعتبار الشرط المذكور هو حُرمة قتل الإمام الحسين× على يزيد، ووضَّح أنّ غفلة القاضي أبو بكر ابن العربي عن اشتراط عدالة الحاكم كان سبب خطئه، واشتباهه في انتقاد ثورة الإمام× وقيامه([32]).

كما دافع أيضاً عن اعتبار عدالة الحاكم كلٌّ من: التفتازاني([33])، والروزبهان([34])، وابن حزم([35])، والقاضي الإيجي([36])، والقرطبي([37])، وآخرين.

وبالتالي، فبناءً على مبنى بعض أهل السنّة([38]) ـ الذين لا يرَوْن العدالة شرطاً في الحاكم ـ سيكون بحث التعارض السابق موجوداً.

ولكنْ ينبغي أن نقول في نقدنا لهذا المبنى ما يلي:

أوّلاً: إنّه مخالفٌ لرأي الجمهور والإجماع اللذين نقلهما أمثال الفخر الرازي والإيجي والقرطبي.

ثانياً: حيث إنّ حكومة يزيد يشوبها إشكالٌ من ناحية كيفيّة التنصيب والبيعة ـ كما أشير إلى ذلك سابقاً ـ فشرعيّة حكومته مجروحة، إلاّ أن يُعتمد على رأيٍ شاذٍ في تبرير حكومة يزيد المجروحة، وهو الذي يعتبر أنّ الغلبة والإجبار ممّا يضفي الشرعيّة على هذه الحكومة([39]).

 

 عروض الفسق يوجب عزل الحاكم ــــــ

هناك فرضان مختلفان حول النقطة الأخيرة التي تتعلّق بمانعيّة فسق الحاكم من استمرار شرعيّة حكومته:

1ـ فسق الحاكم وانعدام عدالته قبل الخلافة.

2ـ عروض الفسق وانعدام العدالة بعد الخلافة.

في الفرض الأوّل يتّفق أهل السنة في الرأي على أنّ حكومة الفاسق لا تنعقد من الأساس؛ وذلك طبقاً لما نقله الإمام السنوسي، حيث قال: «إذا كان فاسقاً قبل عقدها فاتّفقوا على أنّها لا تنعقد له»([40]).

أمّا بناءً على الفرض الثاني فهناك رأي يقول بالمانعيّة؛ لأنّ الأدلّة الدالّة على اعتبار الشروط الخاصّة في الحاكم ـ والتي من جملتها العدالة ـ ظاهرة في الحدوث والبقاء؛ وبتعبير أصولي وحقوقي: إنّ صفات وشروط الحاكم لا تعود إلى الشخص الحقيقي، بل إلى شخصيّته الحقوقيّة. وما دام الحاكم متلبّساً بعنوان الحاكميّة ينبغي له أن يكون واجداً لصفات الحاكم.

ويُعدّ المعتزلة من جملة المذاهب الكلاميّة التي دافعت بقوّة عن لزوم استمرار شرط العدالة، فضلاً عن الشروط الأخرى، فاعتبروا أنّ الخروج على الحاكم الفاسق جائزٌ. وقد كتب ابن أبي الحديد ما يلي: «وعند أصحابنا أنّ الخروج على أئمّة الجور واجبٌ، وعند أصحابنا أيضاً أنّ الفاسق المتغلِّب بغير شبهةٍ يعتمد عليها لا يجوز أن يُنصر على مَنْ يخرج عليه»([41]).

إنّ ظاهر عبارات الفقهاء الأشعريّين دالّةٌ أيضاً على ذلك. وقد أشرنا في ما مضى إلى البعض منها، وسنعرض هنا مجموعةً أخرى ممَّنْ صرّحوا بهذا الأمر:

1ـ الإمام الشافعي: «إنّ الإمام ينعزل بالفسق والفجور»([42]).

2ـ إمام الحرمين: «وإذا جارَ والي الوقت، فظهر ظلمه وغشمه، ولم يرعوِ لزاجر عن سوء صنيعه، فلأهل الحلّ والعقد التواطؤ على ردعه، ولو بشهر السلاح ونصب الحروب»([43]).

3ـ أبو الحسن الماوردي: «ارتكابه للمحظورات، وإقدامه على المنكرات؛ تحكيماً للشهوة، وانقياداً للهوى. فهذا فسقٌ يمنع من انعقاد الإمامة، ومن استدامتها. فإذا طرأ على مَنْ انعقدت إمامته خرج منها، فإنْ هو عاد إلى العدالة لم يعُدْ إلى الإمامة، إلاّ بعقدٍ جديد»([44]).

4ـ الإمام القرطبي: يرى القرطبي انفساخ خلافة الحاكم بمجرّد صدور الفسق، ونسب ذلك إلى «الجمهور»، فقال: «الإمام إذا نُصب ثمّ فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور: إنّه تنفسخ إمامته، ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم؛ لأنّه قد ثبت أنّ الإمام إنّما قام لإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وما فيه من الفسق يُقعِده عن القيام بهذه الأمور»([45]).

5ـ ابن الجوزي: يرى انفساخ بيعة يزيد على فرض التسليم بحصول البيعة، وذلك ضمن جوابه الآخر التنزُّلي ـ في كتابه السرّ المصون ـ، بعد إنكاره لانعقاد بيعة حقيقيّة لحكومة يزيد، حيث كتب: «ثم لو قدَّرنا صحة عقد البيعة فقد بدت منه بوادٍ كلُّها توجب فسخ العقد»([46]).

نعم، يوجد هناك قولٌ ضعيف لا يعتبر أنّ طروء الفسق العرضيّ والمتأخِّر على الحاكم مانعٌ من استمرار شرعيّة حكومته، بل يرى أنّ اعتقاد الحاكم بأمورٍ تعتبر تجديفاً وكفراً ـ أعمّ من أن تكون قبل الخلافة أو بعدها ـ هي التي تخلّ في شرعيّته. ويمكن لنا في هذا المقام أن نحيل إلى: السنوسي([47])، والنووي([48]).

ولتحليل ذلك ينبغي القول:

أوّلاً: إنّ هذا الأمر مخالفٌ لظاهر المباني والأدلّة التي تدلّ على اعتبار الشروط الخاصّة بالحاكم، ومخالفٌ أيضاً لفلسفتها الوجوديّة.

ثانياً: في ما يتعلّق بالإمام الحسين× نقول: حتّى مع القبول بالمبنى المتقدّم لا يمكن اعتبار حكومة يزيد شرعيّةً؛ لأنّ التاريخ قد أثبت أنّه كان مشتهراً منذ عصر معاوية بارتكاب المعاصي وشرب الخمر، وبالتالي ففسقه يعود إلى زمن يسبق خلافته، ممّا يعني أنّ خلافته لم تنعقد من الأساس.

وفي اعتقادنا أنّ مراد القائلين بشرعيّة حكام الجور وعدم مانعيّته إنّما كان مع فرض الافتقاد إلى الحاكم العادل، أو أن يكون في مقام الضرورة، ليس إلاّ. بل نقترب من القطع بهذا الاحتمال في نظريّة التفتازاني؛ لأنّه في البداية ـ وفي مقام تعداد صفات الحاكم ـ اشترط في الحاكم العدالة، بالإضافة إلى سائر الشروط الأخرى، لكنّه بعد صفحات صرَّح بأنّه: «لا ينعزل الإمام بالفسق أو الإغماء».

وهو نفسه عندما أراد أن يبرِّر الأمور السابقة، ويربطها بنحوٍ متناسق، عمد إلى التفكيك بين حالة الاختيار وحالة الاضطرار، فقال: وبالجملة مبنى ما ذكر في باب الإمامة على الاختيار والاقتدار، وأمّا عند العجز والاضطرار، واستيلاء الظلمة والكفّار، وتسلّط الجبابرة الأشرار، فقد صارت الرياسة الدنيويّة تغلّبيّة…، ولن يعبأ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط، والضرورات تُبيح المحظورات([49]).

كما خصَّص ابن الجوزي أيضاً روايات عدم الخروج والقبول بالحاكم الفاسق بحالات الضرورة والخوف من الفتنة([50]).

 

5ـ عدم صدق عنوان البغي على قيام الإمام× ــــــ

إنّه من غير المتصوَّر أبداً في مسألة قيام الإمام الحسين× على حكومة يزيد أن يصدق عليها عنوان البغي، أو الخروج على الحكومة الدينيّة، أو على وليّ الأمر.

ولتوضيح الأمر لا بدّ من بيان معنى العنوان المتقدّم:

 

أـ عدم الانسجام مع روايات النبيّ| ــــــ

لقد نقل أهل السنّة رواياتٍ مختلفةً، وصلت إلى حدٍّ يفوق التواتر، جميعها في عظمة الإمام الحسين× وشخصيّته، أو في الإنباء بدخوله الجنّة تحت عنوان «سيّد شباب أهل الجنة». والنتيجة المستفادة من هذه الأخبار هي وجوب احترام شخصيّة الإمام الحسين×، والالتزام بأنّ أفعاله وتصرّفاته كانت محلّ تأييد من رسول الله. فإذا اعتبرنا أنّ حركة الإمام× ـ والعياذ بالله ـ كانت مصداقاً لعنوان البغي والخروج على الحكومة الشرعيّة فهذا لا يعني أنّ روايات النبيّ كاذبة فحَسْب، بل سيتعدّى الجرح والتكذيب إلى نبوءات النبيّ، وإلى النبيّ نفسه؛ لأنّ الجنّة والثواب ليسا من جزاء الباغي في الإسلام، وإنّما جزاؤه عداء الله وعذاب جهنّم.

ومن هذا المنطلق فإنّ الالتفات إلى الروايات المتواترة ـ مضافاً إلى ملاحظة شخصيّة الإمام× ـ يجعل عنوان البغي والخروج غير متصوَّر في حقّ الإمام بتاتاً. لذا فأغلب المنحازين والمبرِّرين لأعمال يزيد لا يرَوْن أنّ الإمام× من البغاة، ولا من الخوارج ـ بل قد يكونون متّفقين على ذلك ـ، وإنّما يعتبرونه مجتهداً، ويرَوْن أنّ قيامه كان على أساس مبانيه الاجتهاديّة الشخصيّة، مع غضّ النظر عن كون الإمام ـ على حدّ زعمهم ـ مصيباً في اجتهاده أو مخطئاً.

 

ب ـ توقّف البغي على مخالفة الدين والفساد في الأرض ــــــ

يطلق عنوان الباغي عند السنّة والشيعة على الفرد ـ أو الجماعة ـ الذي ينفصل عن مذهب الحقّ والصواب، بناءً لوجود تأويلات واشتباهات عقائديّة أو اجتماعيّة، ثمّ يعمل على مخالفة الحكومة الشرعيّة في زمنه. وعلى الحاكم الإسلامي أن يدعوه إلى الحقّ والهداية أوّلاً، وعندما تصل جميع سبل الصُلْح إلى حائط مسدود يلجأ إلى قتاله. لكنّ الأمر الأساسي هنا ـ وهو عدم صدق عنوان «البغي» على قيام الإمام× ـ يعود إلى أنّ استعراضاً بسيطاً لشخصيّة الإمام× ولشخصيّة يزيد سيكشف أنّ يزيد كان حاكماً فاسقاً وظالماً، وهو برأي بعض علماء السنّة ـ ممَّنْ ستأتي الإشارة إليهم ـ قد جانب سبيل الصواب والرشد منذ اليوم الأوّل لتشكيل حكومته. وأمّا في الضفّة الأخرى فيوجد الإمام الحسين× الصحابيّ، وسبط النبيّ|، الذي رُويت في حقّه الأخبار المتواترة عن النبيّ الأكرم|، والتي تؤيِّد الأبعاد المختلفة في شخصيّته.

ومضافاً إلى الأبعاد المختلفة لشخصيّة الإمام× فإنّ التأمّل في أهداف ثورة الإمام× وفلسفة خروجه، من خلال خطب ذلك الإمام الهمام([51])، سيكشف أنّ حركته× كانت حركةً دينيّةً، تهدف إلى الأمر بالمعروف، وإحياء باقي التعاليم الدينيّة. بينما لم تكن ردّة فعل يزيد تجاه تلك الحركة بدافع حماية الدين، وإنّما كانت لإرساء دعائم سلطانه وحكومته، وهو ما أشار إليه بعض علماء السنّة، مبيِّنين هذه النقطة وهذا المائز بين التصرُّفين:

ابن عقيل: وكان قد سمع في عصر استشهاد الإمام تهمة كونه خارجيّاً، فأنكرها بشدّة. وسنتعرّض لذلك في الحديث عن «أُولي الأرحام»([52]).

ابن الجوزي: اعتبر أنّ القول بأنّ الإمام الحسين× «خارجيّ» مجرَّد تهمة، والعقل والدين لا يصدّقها، فقال: إنّما يُقال «خارجيٌّ» لمَنْ خرج على مستحقٍّ، وإنّما خرج الحسين لدفع الباطل وإقامة الحقّ… وأمّا تسميته خارجيّاً، وإخراجه من الإمامة؛ لأجل صون بني أميّة، فهذا ما لا يقتضيه عقلٌ ولا دين([53]).

ابن حزم: رأى في تحليله وتقييمه للجبهتين المتقابلتين أنْ لا مبرّر لأفعال يزيد، التي كانت مصداقاً تامّاً لعنوان «البَغْي المحض»؛ لأنّه كان من عبيد الدنيا، في حين أنّه وصفَ تحرُّك الإمام بكونه طلباً لإظهار الحقّ والحكم بالعدل، وأنّ الذي خالفه (أي يزيد) هو الباغي. وهذا نصّ عبارته: ومَنْ قام لعرض دنيا فقط، كما فعل يزيد بن معاوية و…، فهؤلاء لا يُعذَرون؛ لأنّهم لا تأويل لهم أصلاً، وهو بَغْيٌ مجرَّد. وأمّا مَنْ دعا إلى أمرٍ بمعروف، أو نهيٍ عن منكر، وإظهار القرآن، والسنن، والحكم بالعدل، فليس باغياً، بل الباغي مَنْ خالفه([54]).

ابن خلدون: اعتبر أنّ حركة الإمام الحسين× ما كانت لتكون إلاّ كنتيجة لظهور فسق يزيد إلى العلن. ويرى أيضاً أنّ الإمام كان شخصاً مؤهَّلاً لرفع الظلم وفسق يزيد. قال: وأمّا الحسين فإنّه لمّا ظهر فسق يزيد عند الكافّة من أهل عصره…، رأى الحسين أنّ الخروج على يزيد متعيِّنٌ؛ من أجل فسقه، ولا سيّما على مَنْ له القدرة على ذلك، وظنّها من نفسه؛ بأهليّته وشوكته. فأمّا الأهليّة فكانت كما ظنّ وزيادة…([55]).

ويرى ابنُ خلدون أنّ الإمام أخطأ في حساباته العسكريّة، وفي تقييمه لقوّة العدو، لكنّ ذلك لا يؤثِّر على الحكم الشرعيّ المتعلِّق بثورة الإمام([56]).

وقد نسب بعض علماء السنّة المعاصرين ـ أمثال: مولوي محمد شهداد الحنفي، والملاّ علي قاري الحنفي ـ (اتّهام الإمام بالبغي) إلى الخوارج وثرثرتهم الفارغة([57]).

والحاصل أنّه ليس هناك أيُّ أساسٍ لتحقّق عنوان البغي في الإمام×، بل هو منتفٍ عنه من الأصل. وأغلب أهل السنّة متَّفقون على هذا الأمر، سواءٌ القائلون منهم بجواز لعن يزيد أم المانعون من لعنه عند ذكر اسمه، مثل: ابن تيمية؛ والغزّالي.

 

 ج ـ توقّف صحّة قتال الباغي على شرعيّة الحاكم ــــــ

لقد أشرنا في النقطة السابقة إلى عدم تحقُّق عنوان البغي في الإمام×. وبقي البحث في الجانب الآخر من البحث، وهو انتفاء الشرط المصحِّح لقتال البغاة في خصوص يزيد؛ لأنّه ممّا يُشترط في قتالهم صلاحيّة الحاكم والخليفة الذي سيقوم في وجههم، وهي لا تكون إلاّ بحيازة العلم (الاجتهاد)، والتقوى، والعدالة، وهي بأجمعها غير متحقِّقة في يزيد. وممّا عرضناه سابقاً صار من الوضوح بمكانٍ أنّ يزيد رجلٌ فاسقٌ، جاهلٌ، لا علم له ولا اجتهاد. ويبقى هناك اشتراط «عدالة الحاكم»؛ لصحّة القتال. وهو من الشروط الخلافيّة بين علماء السنّة. ولكنْ بناءً على الرأي الصائب بينهم تعتبر «العدالة» شرطاً في شرعيّة الحاكم، حدوثاً واستمراراً. إذاً فيزيد الذي يفتقدها في الأمرَيْن لا يصلح لمواجهة الإمام×.

يرى الشيخ محمّد الخطيب (توفي في القرن السابع الهجري) أنّ البعض من قدماء فقهاء أهل السنّة جعلوا وصف العدالة قَيْداً للإمام الذي يريد قتال البغاة. ونحيل في ذلك ـ بحسب ما نصّ عليه الشيخ محمّد الخطيب ـ إلى أربعة كتب مشهورة من كتب أهل السنّة: الشرح، والروضة، والأمّ، والمختصر. أمّا الخطيب نفسه فلا يؤيِّد وجود قيد العدالة في الإمام، لكنّه مع ذلك يستثني ثورة الإمام×، ويخرجها من مصاديق «البغي»([58]).

قال الإمام القرطبي: «أمّا حكّام أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهلٍ؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن عليّ (رضي الله عنهم)»([59]).

ابن خلدون: «قتال البغاة عندهم من شرطه أن يكون مع الإمام العادل. وهو مفقودٌ في مسألتنا، فلا يجوز قتل الحسين مع يزيد، بل هي من فعلاته المؤكِّدة لفسقه، والحسين فيها شهيدٌ مثابٌ، وهو على حقٍّ واجتهادٍ»([60]).

روزبهان: «البغي في الشرع هو خروج الظالمين عن طاعة الإمام العادل، وعدم الانقياد له…. والواجب على الإمام العادل قتال أهل البغي»([61]).

الشيخ محمد عبدُه: يرى أنّ الإمساك بزمام الحكومة من خلال القوّة والغلبة ليس أمراً مشروعاً. وهو من القائلين بلزوم الإطاحة بحكومة من هذا النوع، لو توفّرت الإمكانيّة، من دون أن يستتبع ذلك حصول الفتنة. وهو يرى أنّ خروج الإمام الحسين× كان مصداقاً لهذا الأمر: وأمّا طاعة المتغلّبين فهي للضرورة، وتقدّر بقدرها بحسب المصلحة، ويجب إزالتها عند الإمكان، من غير فتنة ترجح مفسدتها على المصلحة. فخروج الإمام الحسين السبط× على يزيد الظالم الفاسق كان حقاً موافقاً للشرع([62]).

رشيد رضا، تلميذ «الشيخ عبدُه»: يرى، خلافاً لأستاذه، أنّه لا ينبغي الخروج على الإمام، مستدلاًّ على ذلك بالروايات. ويعتقد أنّ قيام الصحابة ـ ومنهم الإمام الحسين× ـ كان استثناءً على أصل عدم الخروج. ويضيف إلى ذلك أنّ الإنسان ليقشعر شعر بدنه من سماع فِرْية البغي على الإمام الحسين×([63]).

والخلاصة أنّه مع وجود مجموعة من الفقهاء يعتبرون العدالة شرطاً في الإمام الذي يريد قتال البغاة، ومع وضوح عدم عدالة يزيد، يتَّضح أنّ يزيد لم تكن له الصلاحيّة ولا الأهليّة لقتال الإمام الحسين×.

 

 6ـ كفر يزيد ــــــ

إنّ آخر نقطة تستحقّ التأمّل عند تحليل الحاكميّة، أو عند نقد الادّعاء بكون يزيد مصداقاً لأُولي الأمر، هي مسألة اتّصافه بالكفر. فبعض علماء أهل السنّة لا يكتفون بالاعتقاد بكون يزيد من الفسّاق، أو من العصاة فقط؛ اعتماداً على العديد ممّا قام به من أعمال الفسق والفجور والظلم، بل يعتقدون أنّه لم يكن مسلماً في أعماق قلبه حقيقةً، وأنّ إظهاره للإسلام لم يكن إلاّ تمثيلاً وتظاهراً؛ لتأمين الاستمراريّة لحكومته؛ ينقل سبط ابن الجوزي أشعار يزيد المصرِّحة بالكفر، والتي أنشدها عندما التقى سبايا كربلاء:

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل

فأهلّوا واستهلّوا فَرَحاً *** ثمّ قالوا: يا يزيد لا تشلّ([64])

ومن هؤلاء العلماء:

ابن عقيل: يرى أنّ يزيداً كان كافراً وزنديقاً، وأنّ أشعاره تمثّل أفضل دليلٍ على إلحاده، وخبث طينته واعتقاده([65]).

مجاهد: يقرِّر بأنّ أشعار يزيد دليلٌ على نفاقه، حيث قال: «نافق فيها»([66]).

ونسبة الكفر إلى يزيد كانت موجودة بين أهل السنّة منذ البداية. فالمؤرّخون والباحثون في ثورة الإمام الحسين×، وفي سيرة يزيد، يقرّون بأنّ جماعةً من أهل السنّة يعتقدون بكفر يزيد. وقد كتب ابن حجر عن هذا الأمر ما يلي: اعلم أنّ أهل السنّة اختلفوا في تكفير يزيد بن معاوية؛ فقالت طائفة: إنّه كافر…([67]).

سبط ابن الجوزي: يرى أنّ أعمال يزيد القبيحة، من قبيل: قتله الإمام الحسين×، وأسره أهل البيت^، وإرهابه أهل المدينة، وهتكه حرمة الكعبة…، جميعها دليلٌ على فسقه، وسندٌ على حقده ونفاقه وعدم إيمانه([68]).

كما اعتبر في كتابه الآخر أنّ أشعار يزيد في مجلس الأسرى دليلٌ على كفره([69]).

التفتازاني: ذكر أنّ بعضهم أطلق اللعن عليه؛ لأنّه كفر حين أمر بقتل الحسين(رضي الله عنه). ويذكر أنّ رأيه في الأمر هو عدم التردُّد في كفره أبداً؛ حيث قال: فنحن لا نتوقّف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وأنصاره وأعوانه([70]).

الآلوسي، صاحب تفسير روح المعاني، والمفتي المشهور لأهل السنّة في العراق: يذكر ـ بعد أن ينقل ما جزم به جماعةٌ من العلماء من كفر يزيد ـ أنّ ظنّه الغالب هو أنّ يزيد لم يكن يعتقد بالإسلام. قال: قد جزم بكفره، وصرّح بلعنه، جماعةٌ من العلماء… إنّ الذي يغلب على ظنّي أنّ الخبيث لم يكن مصدِّقاً برسالة النبيّ|، ولم يتصوَّر أن يكون له مِثْلٌ من الفاسقين. والظاهر أنّه لم يَتُب([71]).

 

النظريّة الثانية: تقديم أُولي الأرحام ــــــ

إنّ النظريّة الأولى التي كانت مطروحة في أوساط أهل السنّة تتعارض ـ على أقلّ تقدير ـ مع كون الإمام الحسين× من أُولي الأرحام.

وقد بحثنا في الصفحات السابقة النظريّة الأولى ـ وهي تقديم أُولي الأمر ـ بتفصيلٍ دقيق، وعملنا على نقدها، فكانت النتيجة أنّ حكومة يزيد كانت تفتقد إلى الشرعيّة والغطاء القانوني منذ بدايتها. ولذا في مقام الثبوت والتصوُّر يواجه الأصل الأوّلي بكون يزيد من أُولي الأمر معارضات جديّة. كما أنّنا ذكرنا في محلّه أنّ عنوان «البَغْي» لا يصدق أبداً على ثورة الإمام، ولا يمكن تطبيقه عليها بتاتاً. وبالتالي ليس ليزيد ـ بعنوانه حاكماً ووليّاً للأمر المزعوم ـ الحقّ في قتل الإمام وأصحابه، ولا في سبي أهل البيت وأسرهم بتلك الطريقة الشنيعة.

والنتيجة: حيث إنّ يزيد لم يكن وليّاً للأمر، وحيث إنّ عنوان «البَغْي» لا ينطبق على الإمام الحسين×، لذا كان من الواجب على يزيد ـ باعتباره إنساناً وحاكماً ـ أن يحفظ احترام الإمام×؛ لكونه إنساناً وصحابيّاً مرموقاً. وهذا الوجوب وجوبٌ عقليٌّ وشرعيٌّ. لكنّ يزيد ـ كما هو معلوم ـ قد خالفه، وتخلّف عنه. ومضافاً إلى ذلك فإنّ الإمام الحسين× كان له حيثيّة أخرى، وهي أنّه كان سبطاً للنبيّ|، ومن أرحامه. وطبقاً للآيات والروايات هو من الشخصيّات الواجب احترامها، وعلى كلّ الحكومات في كلّ الأزمان ـ أعمّ من حكومة الخلفاء الراشدين، أو معاوية، أو يزيد… ـ أن تتقيّد بهذا الواجب، واعتباره أصلاً دينيّاً، وواحداً من تعاليمه، علماً بأنّ هذا الأصل كان معمولاً به في عصر الخلفاء السابقين على يزيد.

 

مباني النظريّة، والمؤيِّدون لها ــــــ

سنستعرض هنا مجموعة من الآيات والروايات المتعلِّقة بشخصيّة الإمام وموقعيّته، الدالّة على كونه من أُولي الأرحام:

 

المباني القرآنيّة ــــــ

1ـ قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى‏﴾ (الشورى: 23).

ويعدّ الإمام الحسين× مصداقاً بارزاً لـ «القربى»، الذين تتحدّث عنهم الآية الشريفة. والمودّة للإمام هنا واجبةٌ ـ بناءً للأصل الملزِم ـ على جميع المخاطَبين بالآية، ويحرم عليهم معاداته. وأيّ نوعٍ من هتك حرمة الإمام×، أو حتّى التقصير في هذا الجانب، يعدّ تجاوزاً ومعصيةً للأمر الوارد في الآية الشريفة. وبذلك يتّضح حكم ما قام به يزيد بحقّ الإمام، وما فعله من أسرٍ وسبي لأهل بيت النبوّة.

وقد ذكر ابن عقيل هذه الآية باعتبارها جواباً ونقداً على مَنْ اتَّهم الإمام الحسين× بأنّه خارجيّ، موضِّحاً بأنّ حكام الجور ـ وعلى رأسهم يزيد ـ قاموا بقتل أبناء الرسول| وأصحابه، بدلاً من أداء حقّه وحقوقهم([72]).

وقد نقل التفتازاني، عند عرضه للآية الشريفة، وتفسيره «المودّة» بالحبّ الشديد وعدم الإيذاء، عن النبيّ| أنّه عندما سُئل عن «القربى» مَنْ هُم؟ قال: «عليّ وفاطمة وابناهما»([73]).

وقد أورد كلٌّ من: البيضاوي([74])، وابن كثير([75])، والسيوطي([76])، وآخرين، هذه الرواية في تفاسيرهم.

وتعتبر هذه الآية من الموارد التي نالت كثير اهتمام بين المفسِّرين؛ لكونها من أُسس شرعيّة قيام الإمام الحسين× من جهةٍ، وعدم شرعيّة ما فعله يزيد بحقّه من جهةٍ أخرى.

2ـ قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُم‏ * أُولئِكَ الَّذينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى‏ أَبْصارَهُم‏﴾ (محمد: 22 ـ 23).

تذكر الآيات الشريفة أنّ الفساد في الأرض، وقطع حرمة الأقارب والأرحام، وعدم احترامهم، هو موضوع وسبب السنّة الإلهيّة التي توجب صمّ الآذان وإعماء الأبصار. وصدر الآية: ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يشير إلى أمر الحكومة وتولّي أمور المجتمع من قبل بعض الحكّام الذين استحقّوا لعن الله لهم؛ بسبب فسادهم في الأرض وقطعهم الرحم. ومن الواضح أنّ يزيد قام بقطع الأرحام، من خلال إهماله لمقام الإمام الحسين× وشخصيّته، كما أنّه؛ بقتله للإمام وأسره لأهل بيت النبوّة، أوجد الفساد في الأرض؛ ولذا فهو يستحقّ اللعن من هذه الحيثيّة.

وقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل هذه الآية باعتبارها من الشواهد القرآنيّة على جواز لعن يزيد. وقد عرضنا عبارته في ما تقدَّم.

وقال قتادة ـ وهو أحد المفسِّرين الأوائل ـ، مشيراً إلى الآية الشريفة: كيف رأيتم القوم حتّى تولَّوْا عن كتاب الله؟! ألم يسفكوا الدم الحرام؟! ويقطعوا الأرحام؟!([77]).

يرى كلٌّ من المسيّب بن شريك والفرّاء أنّ هذه الآية ناظرةٌ إلى علاقة حكومة الأمويّين مع بني هاشم، وأنّهم أهملوا حرمة أهل البيت، فصاروا من المفسدين في الأرض؛ بذلك([78]).

ويذكر ابن مسعود رواية عن الإمام عليّ× كمؤيِّد للتفسير المتقدّم (من كونها إشارة إلى الحكومة)؛ حيث يقول: ويدلّ عليه قراءة عليّ بن أبي طالب «تَوَلِّيْتُم» بفتح التاء والواو وكسر اللام، يقول: إنْ وُليتم ولاةً جائرين خرجتم معهم في الفتنة، وعاونتموهم([79]).

وكانت هذه الآية محطّ عناية المسلمين منذ القدم؛ بما تمثِّله من مبنى لشرعيّة ثورة الإمام الحسين×، وعدم شرعيّة أفعال يزيد؛ حيث إنّ الإمام السجّاد× قام بتطبيق هذه الآية عليه وعلى آل البيت، حين أجاب ذلك الشخص الذي قال له في «الشام» عندما رآه أسيراً: «الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم…»: «…فقال له عليّ بن الحسين(رضي الله عنه): أقرأتَ القرآن؟ قال: نعم، قال: أقرأتَ آل حم؟ قال: لا. قال: أما قرأتَ ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى‏﴾؟ قال: فإنّكم لأنتم هم؟! قال: نعم»([80]).

3ـ ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ (الأحزاب: 6).

رغم أنّ هذه الآية نزلت ـ طبقاً للتفاسير ـ في حكم الإرث بين الأقارب، إلاّ أنّها تشير ضمناً إلى أنّه ينبغي على الإنسان إعطاء الأولويّة للأقارب، وتقديمهم على مَنْ سواهم في أيّ حق أو مال، ولكنْ على نحو كلّي. وحيث إنّ الإمام الحسين يعتبر من المصاديق البارزة لـ «أُولي الأرحام» من الرسول| فلو فرضنا تساوي الإمام في الشروط والصفات المؤهِّلة للحكم مع بقيّة الحكّام الآخرين ـ وفرض المحال ليس محالاً ـ عندها يكون الإمام أَوْلى بالحكومة والإمامة من غيره؛ بسبب هذا المرجِّح. وبوجود الإمام الحسين، الذي يمتلك عنوان السِّبط، وعنوان أُولي رحم النبيّ، ينبغي للآخرين أن لا يجلسوا على مسند الحكم ما دام موجوداً. وبعبارة أخرى: إنّ الحكومة كانت من حقّ الإمام، ويزيد؛ بجلوسه على كرسي الخلافة، يمثّل غاصباً وباغياً على حقّ الإمام الحسين×.

وهذا الاستدلال ليس نتيجة جهد فكريّ جديد، بل كان المسلمون قد تنبّهوا له حتّى في عصر معاوية. فعبد الله بن جعفر أجاب معاوية، الذي أعلن عن رغبته في أخذ البيعة ليزيد في المدينة، بما يلي: إنّ هذه الخلافة إنْ أخذ فيها بالقرآن فأُولو الأرحام بعضُهم أَوْلى ببعضٍ في كتاب الله([81]).

ومعاوية نفسه كان ملتفتاً إلى كون الإمام الحسين× من «أُولي الرحم»، إلاّ أنّه كان يتعامل مع هذا الأمر بأدنى صوره وأبهتها؛ بمعنى أنّه كان يفسِّر ذلك بحفظ احترام الإمام الحسين× ومقامه المعنويّ فقط. وهو ما يظهر جليّاً في وصيّته، التي أكّد فيها ليزيد بأنّ الإمام الحسين× هو مصداقٌ لعنوان «أُولي الرحم»، قبل أن يكون خارجيّاً. فوصّى ابنه برعاية حقّ الإمام× واحترامه، وعدم مواجهته بطريقة عنيفة، حتّى لو ثار عليه الإمام×. واستدلّ على ذلك بكون الإمام من أُولي الرحم، قال: فإنْ خرج عليكَ، وظفرتَ به، فاصفَحْ عنه، فإنّ له رَحِماً ماسّة، وحقّاً عظيماً([82]).

وعندما تظاهر يزيد بإنكار كونه الآمر بقتل الإمام، ناسباً ذلك كلّه إلى عبيد الله بن زياد، قال: قبَّح الله ابن مرجانة، لو كانت بينهم وبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بهم، ولا بعث بكم هكذا([83]).

حتّى (معاوية) بن يزيد كان يعتقد بلزوم حفظ حرمة الإمام×، ورعايتها، وحرمة قتله، معتمداً بذلك على آيات القرآن الكريم. ولذا تجده عندما وصف حكومة يزيد، وعدّد أخطاءها، أشار إلى قتل الإمام واستحلال دم أولاد رسول الله|([84]).

4ـ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: 33).

نقل أغلب المفسِّرين عدّة رواياتٍ، من طرق مختلفة، تبيِّن أنّ المقصود بـ «أهل البيت» هم الخمس من آل العبا، وأنّ الآية الشريفة إنّما نزلت في واقعة العبا، وهي المشهورة بـ (حديث الكساء). وعلى هذا الأساس فالإمام الحسين× ـ بحسب القرآن ـ شخصٌ طاهرٌ ومطهَّرٌ، وكلّ تصرّفاته وتحرّكاته محلّ قبولٍ وتأييدٍ، وأمّا فعل يزيد تجاهه فهو مخالفٌ للآيات القرآنيّة.

 

المباني الروائيّة ــــــ

رُوي عن النبيّ| العديد من الروايات المتواترة في حقّ الإمام الحسين×، وموقعيّته، وفي التأكيد على صفاته المعنويّة. والقدر المتيقّن منها لزوم محبّته ومودّته، واجتناب عداوته أو التصرّف معه بشكلٍ عنيف، أو إيذائه بأيّ نحو من الأنحاء.

وإطلاق الروايات شاملٌ للمسلمين كافّة، ومنهم شخص الحاكم أيضاً.

كتب ابن كثير ـ وهو أحد مفسِّري السنّة المعروفين(774هـ) ـ عن وصيّة النبيّ في حقّ أهل البيت ـ والإمام الحسين× واحدٌ منهم ـ، فقال: لا ننكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم؛ فإنّهم من ذريّة طاهرة، من أشرف بيت وُجد على وجه الأرض فخراً و حسباً و نسباً،…، كالعباس وبنيه، وعليّ وأهل بيته وذرّيته([85]).

وسنكتفي هنا بنقل مجموعةٍ من الروايات الواردة في بيان وصيّة النبيّ بأهل بيته: حُسَيْنٌ مِنِّي وَ أَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْناً([86]).

وقد نقل ابن كثير عن النبيّ|، بطريقٍ صحيح، أنّه قال في خطبة غدير خمّ المشهورة: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ؛ وَعِتْرَتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ([87]).

وقد بيَّن النبيّ| في إحدى الروايات أنّ عليّاً وفاطمة والحسن الحسين هم «القربى»، وأكّد على أنّ أجر رسالته هو مودّتهم: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ قَرَابَتُكَ الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْنَا مَوَدَّتُهُمْ؟ قَالَ: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَابْنَاهُمَا([88]).

وهذه الروايات بأجمعها تُوصي بالمحبّة القلبيّة للإمام×. وهناك رواياتٌ أخرى تجعل مقام الإمام الحسين× أعلى من المحبّة والمودّة، وتؤكّد أنّ كلّ عداوة أو إيذاء للإمام× هي عداوةٌ للنبيّ، توجب الحرمان من السعادة الأخرويّة، ولن تكون إلاّ بمثابة إعلان الحرب على النبيّ|: «إِنِّي حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكُمْ، وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكُم»([89])، و«مَنْ أَبْغَضَنَا أَهْلَ البَيْتِ فَهُوَ مُنَافِق‏»([90])، و«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يُبْغِضُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ رَجُلٌ إِلاّ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّار‏»([91]).

وقد صرّح النبيّ| باسم الإمام الحسين× في إحدى الروايات؛ حيث قال: مَنْ أَحَبَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي([92]).

 

النظريّة الثالثة: الجمع بين النظريّتين، وتبرير فعلة يزيد ــــــ

اختار بعض أهل السنّة خيارين اثنين؛ لكي يرفعوا عن أنفسهم تعارض «ولاية الأمر» مع «حقوق أُولي الأرحام»:

الأوّل: هو الانحياز إلى جانب «ولاية الأمر» ليزيد بن معاوية، ثمّ يقومون بتبرير ما فعله من قتلٍ للإمام×. فيصرّحون بعد ذلك بأنّ ما أقدم عليه الإمام هو الذي لم يكن له أيّ تبرير، وأنّه يتهافت مع «ولاية الأمر» ليزيد.

الثاني: هو الانحياز إلى جانب الإمام الحسين× في تفسير الحقّ، واعتبار يزيد رجلاً غير مؤهَّلٍ لأصل الحكومة، ولا لمنصب «وليّ الأمر»، وبالتالي فعمله لم يكن شرعيّاً.

لكنّ البعض من علماء أهل السنّة رغبوا بالجمع بين الطرفين، وإضفاء صفة الحقّ في الجهتين؛ فهم عندما ينظرون إلى شخصيّة الإمام الحسين الفريدة، وإلى كونه من «أُولي الأرحام»، لا يستطيعون ـ من جهةٍ ـ إنكار هذا المقام له، ومن جهةٍ أخرى ينظرون ـ بنظرةٍ متحجّرة ـ إلى يزيد ومنصبه الحكوميّ، فيرَوْن أنّ حيازته لعنوان «وليّ الأمر» مانعٌ من الحكم على أفعاله بالبطلان أو بفقدانه للشرعيّة. ولذا جهدوا للعمل على حلّ التعارض بين هذين الأصلين، عن طريق تبرير أعمال يزيد، لعلَّهم يُفلِتون بذلك من أسر هذا التعارض.

وسنستعرض في ما يلي مجموعة من المؤيّدين، وحلولهم التي طرحوها في تبريرهم لأفعال يزيد:

 

1ـ تأويل يزيد واجتهاده ــــــ

يمكن الاستنتاج من ظاهر عبارات بعض علماء أهل السنّة أنّ ما قام به يزيد من قتلٍ للإمام× كان خطأً منه واشتباهاً ليس إلاّ، وأنّه؛ بسبب كونه حاكماً و«وليّاً لأمر» المسلمين، فعل فعلته عملاً بتأويله واجتهاده الشخصي؛ أي إنّه لم يكن له أيّ غرضٍ أو عنادٍ حين حكم بتحليل الحرام الشرعي المتمثِّل بقتل الإمام، بل كان ظنّاً منه أنّه حكم بالحكم الشرعي والديني، وهذا شبيهٌ بأحكام المجتهدين وفتاوى الفقهاء؛ حيث لا تعدّ فتواهم الخاطئة إلاّ اشتباهاً محضاً منهم. وبعبارة أخرى: إنّ تصدّيه لقتل الإمام× كان حكماً حكوميّاً واجتهاديّاً، ولذا فلا يمكن لنا ـ من هذه الجهة ـ أن نعاتبه؛ إذ هو ليس بعاصٍ، ولا يستحقّ العقوبة. ولكنْ بما أنّ هذا الحكم لم يكن مطابقاً للواقع، وبما أنّ الإمام الحسين× لم يكن يستحقّ ما فعله به…، اعتبر يزيد مخطئاً في ما فعله.

ابن تيمية: وهو من أوائل أهل السنّة الذين جهدوا في سعيهم لتبرير خطأ يزيد، مع اعترافه ضمناً بأنّه أخطأ؛ وذلك من خلال القول بأنّه اجتهد وأوّل. ففي البداية اعترف بصدور الأعمال المنكرة والقبيحة من يزيد، مثل: واقعة «الحَرّة». لكنّه مع ذلك يرفض لعنه؛ لأنّ أعماله ـ بحسب زعمه ـ لم تكن قد وصلت إلى حدّ الكفر، وبالتالي يُحتمل أن ترفع عنه لعنة الله؛ بسبب التوبة والأعمال الصالحة؛ وبسبب الشفاعة([93]).

وخلافاً لبعض مَنْ سعى جاهداً لإنكار كون يزيد هو مَنْ أصدر الأمر بقتل الإمام× لعبيد الله بن زياد نجد ابن تيمية يقرّ بأنّ يزيد هو الآمر بقتل الإمام من الأوّل، وبأنّه ترك عمّاله وقاتلي الإمام أحراراً، فلم يُقدِمْ على معاقبتهم بأيّ وجهٍ من الوجوه؛ لأنّهم إنّما أرادوا بفعلتهم تلك المحافظة على دعائم سلطان يزيد([94]). وقد دافع كلٌّ من: ابن حجر([95])، والقزويني([96])، عن يزيد، وبرَّروا فعله بهذا التبرير.

 

بعض المعاصرين ــــــ

وقد انحاز إلى هذه النظريّة كلٌّ من السطحيّين والمتطرِّفين وبعض أهل السنّة، أمثال: أبو سرو المقدسي([97])، والدكتور أحمد شلبي([98])، ممَّنْ كان لديه نزعةً متطرِّفة في ذلك.

وقد عمدت بعض البرامج التلفزيونيّة في أيّامنا هذه ـ مضافاً إلى مجموعة من المواقع الإلكترونيّة على الشبكة العنكبوتيّة (الإنترنت) في العالم العربي ـ إلى تبرير أعمال يزيد. ونذكر منها على سبيل المثال: موقع «أنا عربي»، و«السحاب»، و«الجارح»، مضافاً إلى مجموعة تسمّي نفسها «جمعيّة الدفاع عن يزيد»، تُعنَى بالبحث في الكتب التاريخيّة لتجميع الآراء النادرة لعلماء أهل السنّة التي تدافع عن حقّ يزيد بحسب زعمهم([99])، أمثال: ابن تيميّة؛ والغزّالي.

فمع أنّ حقّانيّة الإمام الحسين× وشخصيّته ساطعة كنور الشمس؛ بحيث إنّهم مضطرّون للإذعان لها كلّ إذعان، إلاّ أنّهم يعملون على التوهين من قدر الشيعة من خلال بعض المسائل الهامشيّة، مثل: عدم رضا الإمام عليّ× عن أصحابه، وكذا عدم رضا كلٍّ من الإمام الحسن× والإمام الحسين× عن أصحابهما، ويزعمون أنّ كلّ ذلك مُستخرَج من كلمات الأئمّة^([100]).

أمّا الدكتور أحمد شلبي، وهو أحد كتّاب السنّة المعاصرين، فيرى أنّ معاوية كان مصيباً في تنصيبه ليزيد كخليفةٍ من بعده([101]).

 

يزيد لم يجتهد ــــــ

اعتمد بعض أهل السنّة على ذريعة الاجتهاد والتأوُّل؛ بغية تبرئة كافّة الصحابة من كلّ خطاءٍ أو معصية قاموا بها. فأكّدوا على أنّ ما فعله الصحابة ـ ومنهم: معاوية ويزيد وغيرهم ـ من ظُلمٍ لأهل بيت النبوّة وجفائهم لم يكن عن قصدٍ ولا عنادٍ، بل كان مجرّد اجتهادٍ منهم وتأوّلٍ. لكنّهم لم يُبيِّنوا هل أنّ جميع الصحابة في ذلك العصر كانوا مجتهدين ومسلّطين على المباني الدينيّة؟ وكيف ليزيد، الذي قضى عمره ـ بناءً لنقل المؤرّخين من أهل السنّة ـ بصحبة الخمر والقرود وملذّات الحياة، أن يصبح عالماً مطَّلعاً على المباني الدينيّة؟

ولم يلتفتوا ـ في الواقع ـ إلى معنى نسبة الاجتهاد ليزيد، ولوازم ذلك؛ لأنّ الاجتهاد حتّى القرن السادس الهجري كان يتطلَّب نوعاً من العلم الخاصّ، من قبيل: التسلّط على القرآن، ومعرفة المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، مضافاً إلى الإحاطة بالروايات، ومعرفة المتقدِّم منها والمتأخِّر، ومعرفة المطلَق والمقيِّد…، وقد عرّف الغزالي الاجتهاد كالتالي: المجتهد له شرطان: أحدهما: أن يكون محيطاً بمدارك الشرع، متمكّناً من استثارة الظنّ بالنظر فيها، وتقديم ما يجب تقديمه، وتأخير ما يجب تأخيره؛ الثاني: أن يكون عَدْلاً مجتنباً للمعاصي([102]).

لكنّ المبرِّرين ليزيد، وعملاً بالمَثَل القائل: «حبّ الشيء يعمي ويصمّ»، لا يرَوْن أنّه يفتقد صفات العلم والعدالة، حيث رفعوه من منصب الحاكم إلى منصب المجتهد والفقيه.

وإذا أردنا أن نعدِّد المجتهدين في النصف الأوّل من القرن الأوّل الهجري فسيأتي أمثال ابن عبّاس في الترتيب بعد الأئمّة الأطهار، ثمّ سيأتي أمثال الحسن البصري في رتبة أقلّ من ابن عبّاس.

أمّا إذا كان المراد من اجتهاد يزيد هو إبداء رأيه الشخصي، المتماشي مع سليقته، أو إصدار الأحكام كحاكمٍ في أقصى الحدود، فعندها ستكون تلك النسبة كاذبةً، لكنْ سيؤدّي ذلك إلى مشكلة لا يمكن معها حلّ مسألة قتل الإمام×. فما هو المستند الشرعي الذي استند إليه يزيد في قتل الإمام الحسين× وسبي حرائر بيت النبوّة؟!

إنّ التمسّك بالقول: إنّ يزيد كان حاكماً ووليّاً للأمر، وله بالتالي الحقّ في قتل الإمام، لن يجدي أيّ نفع؛ لأنّ الموجود في الجهة المقابلة هو حقّ «أُولي الأرحام»، الذين وصّى بهم القرآن والنبيّ| بشكلٍ خاصّ. وأما عنوان حاكميّة يزيد وولايته للأمر ـ على افتراض صحّة العنوان ـ فلا ينسجم إلاّ مع غير الإمام الحسين×، أمّا مع الإمام فهو متعارضٌ مع كونه من «أُولي الأرحام»، وبالتالي على يزيد ومؤيِّديه أن يقدِّموا دليلاً آخر يرجّح فعلتهم، غير هذا الدليل.

وإذا افترضنا المحال، وقبلنا بأنّ يزيد كان مجتهداً، فالسؤال سيكون حينها عن طبيعة أحكام يزيد التي حكم فيها بقتل الإمام الحسين×، وسبي نساء أهل بيت النبوّة، ونزع الحجاب عنهنّ، مضافاً إلى الفجائع التي نقلها التاريخ عنه ـ مثل: استباحة المدينة وأهلها لجيشه… ـ، هل كانت أحكاماً اجتهاديّاً كسائر أحكام الفقهاء؟ وهل كانت مبنيّة على أدلّة شرعيّة؟

إنّ مروراً سريعاً على حياته المسطَّرة في صفحات التاريخ، والمؤرّخة من قبل المُنْصفين وغير المتعصِّبين، سيُنير الطريق للإجابة عن هذا السؤال. وهو الجواب الذي صرّح به أمثال ابن حزم، حين قالوا: لم يكن يزيد معذوراً في قتله للإمام، وفعله لم يكن مبنيّاً على الاجتهاد، بل كان بغياً محضاً([103]).

كذلك يرى عليّ عبد الرزّاق (وهو من المشيِّدين المعاصرين للعلمانيّة) أنّ يزيد لم يُقدِمْ على ما أقدم عليه إلاّ حبّاً بالخلافة والحكم([104]).

وأخيراً نقول: إنّ القرائن والشواهد دالّةٌ على أنّ يزيد قتل الإمام الحسين× عن عنادٍ وتعصّبٍ جاهليٍّ؛ بغية تثبيت دعائم حكومته الظالمة، ولم يكن ذلك اجتهاداً أو تأوّلاً منه. وأبلغ شاهد على ذلك أشعاره التي أنشدها أمام السبايا، والتي نقلناها لك سابقاً.

2ـ عدم اطّلاع يزيد ورضاه ــــــ

إنّ التعارض بين ولاية الأمر والرحم في قضيّة استشهاد الإمام الحسين× إنّما يحصل عندما يظهر أنّ يزيد كان هو المسؤول عن قتل الإمام، وأنّه كان مطّلعاً على ذلك وراضياً به، أمّا عندما يسحب يده من تلك الحادثة الفجيعة، متعلِّلاً بجهله، لتصبح نظيفة من دم الإمام، عندها سينتفي التعارض من أساسه. وقد جهد بعض كبار أهل السنّة على تبرئة ساحة يزيد من جريمة قتل الإمام× عبر هذا الحلّ؛ بغية رفع الإشكال الناجم عن التعارض الموجود بحسب زعمهم.

ويمكن لنا أن نشير في هذا الصدد إلى كلٍّ من: ابن الصلاح([105])، وابن حجر([106])، وابن كثير([107])، والعلاّمة القاري([108])، وأبو اليسر عابدين([109])، ومن المعاصرين: أحمد السقّا؛ ومحمد عدنان([110]).

ولكنْ نقول: إنّ فداحة نفس العمل وشناعته؛ أي قتل رجلٍ كالإمام الحسين× وسبي نساء أهل بيت النبوّة، يُثبت وَهْن هذا المدَّعى. فكيف يمكن للوالي في قُطْر من الأقطار أن يُقدِم على فعلٍ كهذا من دون أدنى اطّلاعٍ للحاكم الذي يعلوه، أو من دون أخذ الإذن بفعله؟! نضيف إلى ذلك أنّ البحث والتنقيب في المصادر التاريخيّة يخرج الباحث بنتيجة يقينيّة ـ عبر التواتر المعنوي ـ، وهي أنّ يزيد كان مطَّلعاً على قتل الإمام× من الأساس، وأنّه كان راضياً بذلك. وهذا ما قاله التفتازاني، حيث قال: والحقّ أنّ رضا يزيد بقتل الحسين، واستبشاره بذلك، وإهانة أهل البيت، ممّا تواتر معناه([111]).

وكذلك الآلوسي كان يرى أنّ الأمر متواتر([112]).

وأمّا النقطة الأخيرة التي يمكن تسجيلها فهي أنّ يزيد إنْ كان يجهل حقّاً مجريات استشهاد الإمام وأسر أهل بيت النبوّة، ولم يكن راضياً عنه، بل لو افترضنا أنّ عبيد الله بن زياد اجترح هذه الفاجعة من نفسه، ومن دون إجازة يزيد بذلك، فلِمَ لمْ يوبِّخْ عامله، وقائد جنده، ومَنْ شارك بهذا العمل الفظيع في كربلاء بنحوٍ مباشرٍ؟! لِمَ لم يعاتبهم، ولم يعاقبهم على فعلهم؟!

وليس لدى المدافعين عن يزيد أدنى جواب عن هذا السؤال، بل يعملون دائماً على غضّ الطرف عنه.

 

النتيجة ــــــ

ذكرنا في هذه المقالة أنّ أهل السنّة يواجهون تعارضاً جدّياً عند تحليلهم لقضيّة قتل يزيد الإمام الحسين× ومواجهته له؛ لأنّ عنوان «ولاية الأمر» الثابت ليزيد في الظاهر كان يمكن أن يُبرِّر فعل يزيد الشنيع مع الإمام× لولا أنّ عنوان «أُولي الأرحام» أبرز عدم شرعيّة ذلك القتل.

وقد سلك أهل السنّة لحلّ هذا الإشكال أحد هذه الطرق الثلاثة:

الأوّل: امتلاك يزيد عنوان (وليّ الأمر).

وقد ذكرنا في نقدنا لهذا الاتّجاه أنّ الأدلّة المتوفّرة ـ ومن جملتها: فسق يزيد وكفره، وعدم شرعيّة نصب الخليفة السابق له، وعدم تحقّق البيعة له، وفقدانه لشرط العدالة ـ كلّها تُثبت أنّ يزيد كان حاكماً غير شرعيٍّ منذ البداية، وبالتالي فهو يفتقد لعنوان «وليّ الأمر» أيضاً.

الثاني: ترجيح عنوان «أُولو الأرحام» الذي يمتلكه الإمام×.

وقد أثبتنا في هذه المقالة مبانيه، بنحوٍ أعمّ من الكتاب والسنّة.

الثالث: سلوك أصحاب هذا الحلّ سبيلاً متحفِّظاً؛ حيث قاموا بتبرير عمل يزيد. فتمسَّكوا؛ للوصول إلى هذه النتيجة، بالقول بأنّ يزيد تأوَّل واجتهد، وأنّه اعتقد ـ خطأً ـ بأنّ الإمام× كان يستحقّ القتل؛ أو بعدم اطّلاع يزيد ورضاه عمّا جرى في كربلاء.

وقد ذكرنا في نقدنا لهذا الطريق أنّ يزيد لم يكن في مقامٍ يمكن لأيّ شخص أن يفرض عليه حكماً كهذا الحكم (قتل الإمام)، حتّى تصل النوبة إلى تبريره، وأمّا ما ادُّعي من عدم علمه بمجريات الأمور في كربلاء فهو خلاف التواتر التاريخي الواصل إلينا.

 

الهوامش

(*) أستاذٌ في مركز الدراسات الثقافيّة الإسلاميّة، ومن أبرز المهتمّين بعلم الكلام المدرسيّ في إيران.

([1]) سنتحدّث في البحوث اللاحقة عن هذا الشرط بشكلٍ مفصّل.

([2]) يلاحظ أنّه في الفكر السياسي لأهل السنّة تمّ طرح شرعيّة تعيين الخليفة اللاحق بواسطة الخليفة السابق، وكذا مسألة البيعة، بعنوانهما مصدرَيْن لشرعيّة الخلافة، ولكنْ في عرض بعضهما البعض. راجع: الغزّالي، الاقتصاد في الاعتقاد: 258؛ والتفتازاني، شرح المقاصد 5: 233؛ وأبو الحسن الأشعري، الإبانة عن أصول الدين: 170 ـ 171؛ وأبو الحسن الماوردي، الأحكام السلطانيّة: 6؛ والقاضي أبو يعلى، الأحكام السلطانيّة: 23؛ والقرطبي، جامع الأحكام الفقهيّة 3: 414.

([3]) القاضي أبو بكر ابن عربي المالكي، العواصم والقواصم في تحقيق مواقف الصحابة: 123.

([4]) المصدر السابق: 227 ـ 228.

([5]) المصدر السابق: 233.

([6]) ابن زهير كان معاصراً لابن الجوزي، فأراد تلامذته ومريدوه أن يجيب على شبهات ابن زهير، فكتب كتابه «الردّ على المتعصِّب العنيد»، فأثبت فيه، من خلال الإسناد والاستدلالات، اشتبهات ابن زهير، وكذلك دلَّل على نقصه العلميّ.

([7]) «ردّ عليه ابن الجوزي، فأجاد وأصاب» (البداية والنهاية 12: 328).

([8]) «أتى فيه بالموضوعات» (شذرات الذهب 4: 275).

([9]) «أتى فيه بالعجائب» (الكامل في التاريخ 11: 213).

([10]) «وإنْ كان مقياس الأهلية الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوّهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم وجماعاتهم، فإنّ يزيد يوم تُمحَّص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبيَّن من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممَّنْ تغنّى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم». (الفواصم من القواصم: 214 (الهامش)).

([11]) المصدر السابق: 232.

([12]) صحيح مسلم 3: 1479؛ وابن كثير، تفسير القرآن العظيم 1: 530.

([13]) حياة الحيوان 1: 34 (نقلاً عن: فلك النجاة: 59).

([14]) راجع: الصواعق المحرقة: 133؛ وتفسير روح المعاني 26: 72.

([15]) كتاب الردّ على المتعصّب العنيد: 14.

([16]) شذرات الذهب 3: 179.

([17]) مقدّمة ابن خلدون: 270.

([18]) تاريخ الخلفاء: 231.

([19]) الصواعق المحرقة: 132.

([20]) تفسير روح المعاني 26: 72.

([21]) تفسير المنار 12: 83.

([22]) حديوي حلاوة، مأساة الحسين في كربلاء: 58.

([23]) راجع: ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: 179.

([24]) كتب في جوابه على رسالة معاوية: «إنّ هذه الخلافة إنْ أخذ فيها بالقرآن فأُولو الأرحام بعضهم أَوْلى ببعض في كتاب الله». (محمود شلبي، حياة الحسين).

([25]) راجع: الإمامة والسياسة: 182، 209.

([26]) ابن الجوزي، السرّ المصون (نقلاً: عن تفسير روح المعاني 26: 74؛ والردّ على المتعصب العنيد: 30 وما بعدها، 68).

([27]) تفسير المنار 6: 367.

([28]) الأحكام السلطانيّة: 6.

([29]) الاقتصاد في الاعتقاد: 256.

([30]) أصول الدين: 277.

([31]) مقدّمة ابن خلدون: 241، الفصل 26.

([32]) المصدر السابق: 271.

([33]) الحاشية على الكشّاف 1: 524؛ شرح المقاصد 5: 233، 245.

([34]) سلوك الملوك: 78.

([35]) الفصل 4: 66؛ والمحلّى بالآثار 6: 362.

([36]) شرح المواقف 8: 349.

([37]) جامع الأحكام الفقهيّة 3: 416.

([38]) يستند أبو الحسن الأشعري إلى الإجماع في رأيه بلزوم إطاعة الحاكم الفاسق أو العادل بنحو مطلق، سواءٌ وصل إلى الحكومة برضا الناس أم عن طريق الغلبة والشدّة، حيث يقول: «وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمّة المسلمين، وعلى أنّ كلّ مَنْ وَلِيَ شيئاً من أمورهم عن رضا أو غلبة، وامتدت طاعته ـ من برٍّ وفاجر ـ لا يلزم الخروج عليه بالسيف؛ جارَ أو عَدَل». (أصول أهل السنّة والجماعة: 93، تحقيق: محمّد سيّد الجليند).

([39]) إنّ كلاًّ من: النووي، شارح صحيح مسلم (8: 34)، والإمام السنوسي، في حاشيته على صحيح مسلم (6: 22، باب الأمر بلزوم الجماعة)، لم يعتبرا أنّ فسق الحاكم بعد الخلافة مانعاً من شرعيّته؛ لكنّ وَهْن مدّعى أبو الحسن الأشعري في ما نسبه من لزوم طاعة كلّ حاكم إلى إجماع أهل السنّة سيتّضح في طيّات ما يأتي من صفحاتٍ.

([40]) حاشية صحيح مسلم 6: 22، باب الأمر بلزوم الجماعة.

([41]) شرح نهج البلاغة 5: 78.

([42]) التفتازاني، شرح العقائد النسفيّة: 239.

([43]) التفتازاني، شرح المقاصد 5: 233 ـ 234.

([44]) الأحكام السلطانيّة: 17.

([45]) جامع الأحكام الفقهيّة 3: 417.

([46]) تفسير روح المعاني 26: 74.

([47]) راجع: حاشية صحيح مسلم 6: 22.

([48]) راجع: النووي، شرح صحيح مسلم 8: 34.

([49]) شرح المقاصد 5: 71.

([50]) قال: «إنّما جاز هذا لموضع الضرورة، كلّ ذلك حذراً من الفتن». (الردّ على المتعصّب العنيد: 71).

([51]) راجع: تاريخ الطبري 7: 300؛ الكامل في التاريخ 4: 48.

([52]) الردّ على المتعصّب العنيد: 86.

([53]) راجع: المصدر السابق: 83، 86.

([54]) المحلّى بالآثار 11: 335، كتاب قتال أهل البغي.

أقول: إنّ نقل العبارة من قبل المصنّف حصل به تصرُّف. وهذا هو النصّ الأصلي: «ومَنْ قام لعرض دنيا فقط، كما فعل يزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان في القيام على ابن الزبير، وكما فعل مروان بن محمد في القيام على يزيد بن الوليد، وكمَنْ قام أيضاً على مروان، فهؤلاء لا يعذرون؛ لأنهم لا تأويل لهم أصلاً، وهو بغيٌ مجرَّد. وأما مَنْ دعا إلى أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، وإظهار القرآن والسنن، والحكم بالعدل، فليس باغياً، بل الباغي مَنْ خالفه». ونحن أشرنا إلى مواضع الحذف عن طريق وضع ثلاث نقاط كهذه (…). (المترجم).

([55]) مقدّمة ابن خلدون 1: 269 ـ 270.

([56]) المصدر نفسه.

([57]) محمّد شهداد، سرور إمام حسين× (فارسي): 5 ـ 44 (نقلاً عن: شرح الفقه الأكبر: 87).

([58]) راجع: الشيخ محمّد الشربيني الخطيب، مغني المحتاج 4: 123. ومن اللطيف ذكره أنّ الخطيب مع وجود ما نصّ عليه في ما تقدّم يدّعي الإجماع في عدم اعتبار العدالة، ويذكر أنّ مراد القائلين بلزوم تقييد الإمامة بالعدالة هو أن يكون الإمام إمام أهل العدل، أي الناس العادلين. وفي نفس الوقت يذكر أنّ الإجماع لا يشمل قيام الإمام×، وأنّ حجيّة الإجماع تشمل ما بعد ذلك.

([59]) جامع الأحكام الفقهيّة 3: 419.

([60]) مقدّمة ابن خلدون 1: 271.

([61]) سلوك الملوك (فارسي): 385، 389.

([62]) تفسير المنار 12: 83.

([63]) راجع: المصدر السابق 6: 367.

([64]) تذكرة الخواص: 298.

([65]) المصدر نفسه.

([66]) الردّ على المتعصّب العنيد: 48.

([67]) الصواعق المحرقة: 131.

([68]) راجع: رسائل الحافظ: 298، رسالة 11.

([69]) راجع: تذكرة الخواص: 298.

([70]) شرح العقائد النسفيّة: 248.

([71]) تفسير روح المعاني 26: 73.

([72]) «هذا رسول الله أكبر الناس حقوقاً على الخلق؛ هداهم وعلَّمهم وأشبع جائعهم وأعزّ ذليلهم ووعدهم الشفاعة في الآخرة، وقال: ﴿لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾». (الردّ على المتعصّب العنيد: 86).

([73]) الكشّاف 4: 220، (نقلاً عن: الطبراني الكبير 11: 444، رقم 12259).

([74]) تفسير البيضاوي 3: 237.

([75]) تفسير القرآن العظيم 4: 122.

([76]) تفسير الدرّ المنثور 6: 6.

([77]) تفسير معالم التنـزيل 5: 160.

([78]) المصدر نفسه.

([79]) المصدر نفسه.

([80]) تفسير الدرّ المنثور 6: 7.

([81]) راجع: باقر شريف القرشي، حياة الحسين 2: 206.

([82]) تاريخ الطبري 6: 179. أقول: حمل المصنّف قول معاوية: «إنّ له رَحِماً ماسّة» على أنّ معاوية يرى وجوب الصفح عن الإمام؛ لما للحسين× من رَحِم من رسول الله. ولكنْ ما يُستظهر من قراءة تاريخ معاوية ويزيد عدم رعايتهما لحرمة من حرم رسول الله، وإنّما يسنح في الفكر أنّه أراد من ذلك رحم الإمام الحسين من نفس معاوية ويزيد، فكلاهما من قريش، ويعودان إلى نفس الجدّ. (المترجم).

([83]) ابن كثير، استشهاد الحسين: 115. أقول: هذه المقولة دالّة على ما أسلفنا من أنّ يزيد إنّما كان يرى أهميّة لرحمه من الإمام الحسين×، لا لرحم الإمام من الرسول|. (المترجم)

([84]) «أقدم على ما أقدم، من جرأته على الله، وبغيه على مَنْ تحلّ حرمته من أولاد رسول الله». حياة الحيوان 1: 34. (نقلاً عن: فلك النجاة: 95).

([85]) تفسير القرآن العظيم 4: 122.

([86]) سنن الترمذي 8: 194؛ ابن كثير، البداية والنهاية 4: 142؛ المعجم الكبير 3: 32.

([87]) تفسير القرآن العظيم 4: 122.

([88]) أبو القاسم الطبراني، المعجم الكبير 3: 47.

([89]) المصدر السابق: 40؛ تفسير الدرّ المنثور 5: 199.

([90]) تفسير الدرّ المنثور 6: 7.

([91]) المصدر نفسه.

([92]) المعجم الكبير 3: 48 ـ 49.

([93]) راجع: ابن تيميّة، رأس الحسين×، بضميمة كتاب ابن كثير، المسمّى استشهاد الحسين×: 176 ـ 179، مع مقدّمة الدكتور محمد جميل غازي.

([94]) «وقد علم أنّه [يزيد] يأمر بقتله ابتداءً، لكنّه مع ذلك ما انتقم من قاتليه، ولا عاقبهم على ما فعلوه؛ إذ كانوا قتلوه لحفظ ملكه». (المصدر السابق: 181).

والجدير بالذكر أنّه في بعض النسخ جاءت كلمة «يأمر» مع حرف النفي، لتصبح «لم يأمر»، وبذلك يصبح مفادها: أنّ يزيد لم يأمر بقتله بدايةً، إلاّ أنّه أمر به فيما بعد.

([95]) الصواعق المحرقة: 133.

([96]) تراجم القرنين السادس والسابع: 6 (نقلاً عن: العاملي، الانتصار 8: 4).

([97]) «خلافة يزيد صحيحة». (راجع: المصدر السابق نفسه).

([98]) «كان معاوية مصيباً في تعيين ابنه يزيد». (التاريخ الإسلامي 2: 54، نقلاً عن: العاملي، الانتصار 8: 4).

([99]) في إشارةٍ إلى نظريّة ابن تيميّة ذكر الشطري في شبكة «أنا عربي»، بتاريخ: 27/6/1999م، ما هذا نصّه: «هكذا إذاً لم يكن في قتل الحسين وما جرى له ولأهل بيته عدوانٌ، ولا عمل محرّم، وحتّى في تعطيل حدود الله بحقّ قاتليه؛ لأنّه هنا متأوِّل، فهؤلاء إنّما قتلوا الحسين لحفظ ملكه». (العاملي، الانتصار 8: 2).

وينبغي التوضيح أنّ الشيعة قد عمدوا إلى إنشاء صفحات على الشبكة العنكبوتيّة للدفاع عن شخصيّة الإمام الحسين× الحقيقيّة، ومنها: شبكة الموسوعة الشيعيّة، وشبكة هجر الثقافيّة، والساحة العربيّة.

([100]) راجع: «جمعيّة الدفاع عن يزيد». (الانتصار 4: 8).

([101]) راجع: التاريخ الإسلامي 2: 54؛ العاملي، الانتصار 8: 4.

([102]) المستصفى في علم الأصول: 342.

([103]) قال: «مَنْ قام لعرض الدنيا فقط، كما فعل يزيد بن معاوية…، لا يعذرون؛ لأنّهم لا تأويل لهم أصلاً، وهو بغيٌ مجرّد». (ابن حزم، المحلّى بالآثار 11: 98).

([104]) قال: «أفهل غير حبّ الخلافة والغيرة عليها ووفرة القوّة دفعت يزيد بن معاوية إلى استباحة ذلك الدم الزكي الشريف؟!». (الإسلام وأصول الحكم: 75).

([105]) الصواعق المحرقة: 133.

([106]) المصدر نفسه.

([107]) استشهاد الحسين: 132.

([108]) ضوء المعالي شرح بدء الأمالي: 123.

([109]) أغاليط المؤرّخين: 117 ـ 142.

([110]) التفتازاني، شرح العقائد النسفيّة: 248 (الحاشية).

([111]) شرح العقائد النسفيّة: 117.

([112]) راجع: تفسير روح المعاني 26: 72.