الجذور اليهوديّة للتشيُّع

31 ديسمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬813 زيارة

الجذور اليهوديّة للتشيُّع

دراسةٌ نقديّة لنظريّة يوليوس فلهاوزن

أ. محمد يسري محمد حسن(*)

كان الاعتقاد بتفرُّد وتباين كلّ دين أو ملة عن الأديان والملل الأخرى قائماً لفترة كبيرة من فترات التاريخ، حيث كان أتباع كلّ دين يرَوْن أن المصدر الوحيد ـ بل الأوحد ـ لدينهم هو الإله الذي يعبدونه ويقدّسونه، ولذلك لم يهتم المؤمنون بالدين بأن يبحثوا عن الأسباب المادية والمؤثرات الاعتقادية التي دخلت في تشكيل الصورة النهائية لدينهم، حتّى وصل إلى الصيغة النهائية التي يؤمنون بها.

ولكنْ مع التطوُّر الكبير الذي أصاب العلوم الاجتماعية والإنسانية عموماً، وعلوم التاريخ والفلسفة والاجتماع ونقد النصوص خصوصاً، نجد أن اتّجاهاً جديداً بدأ يظهر على الساحة الفكرية العلمية المتعلقة بدراسة الدين.

فقد ظهر علم جديد يعرف بمقارنة الأديان. واختص هذا العلم بدراسة الظاهرة الدينية وتجلّياتها المختلفة، ومقارنة تلك الظواهر والتجلّيات مع بعضها البعض في الأديان المختلفة.

وتم التعامل مع النصوص والشرائع الدينية لا على كونها أوامر إلهية ربانية غيبية المصدر، لا تقبل النقد، ولا يأتيها الباطل، بل على كونها نصوص بشرية بحتة تشكّلت بفعل عدد من الأسباب المادّية التي لها الكثير من الشواهد والدلائل في التاريخ البشري، وبذلك أصبح من الممكن أن يوجّه علماء مقارنة الأديان سهامهم للنصوص الدينية والدين بشكلٍ عام، وساعدهم على ذلك الصبغة العلمانية المضادة للدين والكنيسة، والتي سادت في أوروبا ـ حيث تمّ تقنين أصول علم مقارنة الأديان وتأسيسه وتقسيم فروعه ومعارفه ـ منذ بواكير عصر النهضة وحتى الآن.

وبمرور الوقت بدأ العديد من الأطراف في استخدام علم مقارنة الأديان في أهداف بعيدة عن الأهداف الأولى التي وضع من أجلها في بدايته، فقد هرع الكثير من علماء الدين لاستخدام علم مقارنة الأديان في توجيه سهام النقد والتشكيك للأديان الأخرى.

وتمّ استخدام ذلك العلم في عمليات الدعوة والتبشير للأديان عن طريق إثبات تهافت وضعف وبطلان أصول الأديان الأخرى، تلك التي توجه الدعوات التبشيرية لتحويل المؤمنين بها وثنيهم عن معتقداتهم وأفكارهم.

وسرعان ما توسع استخدام علم مقارنة الأديان ليدخل إلى حيِّز ونطاق جديدين. فقد تم استخدام هذا العلم في مجال مقارنة المذاهب داخل الدين الواحد، فأصبحنا ـ على سبيل المثال ـ نجد الكثير من الكتابات التي وضعها مسلمون من أتباع المذهب السني لإثبات بطلان المذهب الشيعي، مستخدمين طرق ووسائل علم مقارنة الأديان والنقد النصي، وفي نفس الوقت وجدنا من الشيعة مَنْ يحاول أن يضرب الأساس العقائدي السني، مستخدماً نفس الوسائل، ونفس المنهج والطريق.

وحاول الكثير من الباحثين أن يربطوا بين المذهب الشيعي الإمامي على وجه الخصوص وغيره من المذاهب والمؤثرات القديمة أو المعاصرة، ومن ذلك، على سبيل المثال ـ لا الحصر ـ: محاولة المستشرق الهولندي الكبير رينهرت دوزي لربط أصول التشيُّع بالعقائد الفارسية الزرادشتية؛ ومحاولة الدكتور كامل مصطفى الشيبي في ربطه بين المذهب الشيعي والتصوُّف، في كتابه المهمّ (الصلة بين التصوُّف والتشيُّع)([1]).

والبحث الذي نحن بصدده الآن يتعلق بإحدى المحاولات التي قام بها أحد كبار المستشرقين؛ لإثبات وجود علاقة قوية ما بين المذهب الشيعي الإمامي من جهة والدين اليهودي من جهةٍ أخرى.

وقبل أن نبدأ في موضوع البحث يجب أن نشير إلى عدد من النقاط المهمة المتعلِّقة به:

النقطة الأولى

بالفعل يوجد الكثير من نقاط التشابه والاتفاق ما بين المذهب الشيعي الإمامي من جهة والدين اليهودي من جهةٍ أخرى. ولكنّ ذلك التشابه لا يقوم على وجود علاقة أو رابطة خاصّة بين الفكرين، كما حاول فلهاوزن أن يشير في بحثه. بل إن ذلك التشابه سببه أن المذهب الشيعي ينتمي فكرياً إلى إطار فكري أوسع، ونقصد به الإطار الإسلامي، ولا يوجد خلافٌ بين العلماء والباحثين حول العلاقة المتينة ما بين الإسلام واليهودية.

فبالنسبة إلى المفكِّرين والباحثين الماديين، الذين ينظرون إلى الدين على أنّه ظاهرة سوسيولوجية مادية، هم يعتقدون أن دين الإسلام قد بُني في أساسه على عدد من الأسس الحضارية والفكرية الأقدم، والتي كان الدين اليهودي من أهمّها، وأكثرها تأثيراً، كمّاً وكيفاً.

فعن فكرة التداخل والاقتباس في الأديان السامية الكبرى الثلاث يقول (روبرتسن سميث)، مفسِّراً: إن موضوعنا لا ينصب على تاريخ الأديان العديدة ذات الأصول السامية، بل على ديانة الساميين ككلٍّ، بسماتها المشتركة ونمطها العام. فاليهودية والمسيحية والإسلام ديانات إيجابية، بمعنى أنها لم تنشأ كالأنساق الوثنية القديمة… بل تعود في أصولها إلى تعاليم قام بنشرها مجدّدون دينيون، ذوو شأن عظيم، كانوا ينطقون بالوحي الإلهي، ويتحاشون سنن الماضي عن عمدٍ. وفي ما وراء هذه الأديان الإيجابية يكمن التقليد الديني القديم، الذي يتمثل في مجموع العقائد والأعراف الدينية، التي لا يمكن أن تنسب إلى تأثير عقليات فردية([2]).

أما علماء الدين الإسلامي فهم يقرّون صراحةً بالتشابه في الكثير من العقائد والأفكار والشرائع بين الإسلام واليهودية؛ وذلك لأنهم يعتبرون أن هناك مصدراً واحداً للرسالتين، وهو (الله)، الذي أرسل موسى داعياً إلى الدين اليهودي، كما أرسل محمداً‘ بشيراً ونذيراً بالإسلام.

ويظهر ذلك بشكل واضح في القرآن الكريم، حيث نجد أن قصص موسى وبني إسرائيل قد استحوذت على مساحةٍ كبيرة جدّاً، حتّى قيل: كاد القرآن أن يكون لموسى.

ومحصَّل كلّ ما قد سبق أنه في حال وجود أيّ تشابه ما بين المذهب الشيعي الإمامي والدين اليهودي فإنه يجب أن يتم النظر إلى تلك التشابهات على أنها قد أتت من طريق الدين الإسلامي نفسه، ولا يجب أن نخصّص تلك التشابهات، أو نؤكِّد على أن وجودها بفعل تأثير مباشر من الفكر اليهودي على الفكر الشيعي، إلاّ بعد التأكُّد من عدم وجود تلك التشابهات في المذاهب الفكرية والعقائدية الإسلامية الأخرى، مثل: المذهب السني؛ الصوفية؛ المذهب الأشعري؛ وغيرها من المذاهب.

ونلاحظ أن فلهاوزن نفسه قد أشار إلى تلك النقطة بطريقةٍ عفوية في أحد أهم كتبه، عند الحديث عن ازدواج صفة النبوة وصفة الملك في شخص الرسول‘. فقد قال: وفكرة النبي ـ الملك هذه ترجع إلى اليهود في عصرهم الأخير، وهي تتجلّى على نحو مميز في الفرق بين صموئيل وشاوول… فالنبي هو ممثِّل السيادة الإلهية في الأرض، والله ورسوله يذكران معاً دائماً، وهما يدخلان معاً في العقيدة([3]).

فهو هنا يبين أن فكرة ارتباط النبوة بالملك هي فكرة يهودية الأصل، وأن تلك الفكرة قد اقتبسها الإسلام عن اليهودية. بينما في كتابٍ آخر له يؤكّد أن ارتباط النبوّة بالملك هي إحدى الخصائص والسمات الشيعية، التي اقتبسها الشيعة الأوائل عن اليهودية مباشرة. وهو الأمر الذي سنتناوله بشيءٍ من التفصيل في الصفحات القادمة.

النقطة الثانية

إن وجهة نظر يوليوس فلهاوزن حول الأصول اليهودية للمذهب الشيعي قد انتشرت بشكلٍ كبير في النطاق المجتمعي، والنطاق الأكاديمي.

فقد سادت تلك الفكرة في الأوساط السنّية المخالفة والمعادية للتشيُّع، وتم الربط ما بين نظرية فلهاوزن الجديدة المعاصرة من جهةٍ وبعض كتابات عدد من رموز الفكر السنّي التي تقدح في الشيعة وتربطهم باليهودية، من أمثال: ابن حزم(456هـ)؛ وابن تيميّة(728هـ)، من جهةٍ أخرى.

وبالإضافة إلى ذلك فقد انتشرت فكرة فلهاوزن بشكلٍ كبير في الساحة العلمية الأكاديمية. والدليل على ذلك أن هناك الكثير من الباحثين العرب المعاصرين قد استدلّوا بها، وأيدوها، ومنهم: الدكتور أحمد أمين، في كتابه المهمّ (فجر الإسلام)، وغيره من الباحثين والأكاديميين.

يوليوس فلهاوزن Wellhausen. J

وُلد فلهاوزن في عام 1844م في وستفاليا بألمانيا. وابتدأ حياته العلمية بدراسة اللاهوت المسيحي، ثم توجَّه بعد ذلك لدراسة التوراة، ودرس اللغات الشرقية في جوتنجين([4]).

وبرع فلهاوزن بشكلٍ كبير في علم نقد النصوص الكتابية، وخصوصاً نقد العهد القديم، حتّى اعتبره الكثير من الباحثين بمثابة الأب الروحي أو المؤسِّس الحقيقي لذلك العلم([5]).

وبعد أن قطع فلهاوزن شوطاً كبيراً في دراسة التوراة وجّه جهوده لدراسة عصر صدر الإسلام ومصادره المبكّرة، فكان من أهمّ المستشرقين الذين تعرّضوا بالبحث والدراسة لتلك الفترة المهمة، حيث قام بتأليف عددٍ كبير من الأبحاث والدراسات التي تناولت تلك الحقبة، ومنها([6]):

1ـ محمد في مكة.

2ـ أديان عرب الجاهلية.

3ـ تحقيق تاريخ الطبري، حيث قام بالتعريف بشخصيّات الرواة، وحلَّلها، وعدَّلها وجرحها.

4ـ دستور المدينة أيام النبيّ.

5ـ فتوح إيران.

6ـ الدولة العربية وسقوطها، من ظهور الإسلام حتّى نهاية الدولة الأموية.

7ـ الخوارج والشيعة.

وتوفي يوليوس فلهاوزن في عام 1918م، عن عمرٍ يناهز أربعةً وسبعين عاماً.

نظرية فلهاوزن عن أصول المذهب الشيعي

في كتابه المهمّ، المعنون بـ (أحزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الإسلام، الخوارج والشيعة)، يتناول فلهاوزن تاريخ نشأة وتكوين المذهب الشيعي، والعوامل التاريخية والفكرية التي أسهمت في تأسيس قواعده الأولى.

والمدخل الذي دخل منه فلهاوزن للتنظير للمذهب الشيعي هو ربطه بين ثلاثة عناصر وحركات كبرى ارتبط كلٌّ منها بشكلٍ أو بآخر بالمذهب الشيعي. وتلك العناصر الثلاثة هي:

1ـ حركة المختار الثقفي.

2ـ فرقة السبئية.

3ـ فرقة الكيسانية.

حيث اعتقد يوليوس فلهاوزن بوجود مزجٍ ما قد حدث بين العناصر الثلاثة السابقة حتّى وصلت العقائد الشيعية إلى النتاج النهائي لها، ذلك النتاج الذي عُرِف بعد ذلك بالمذهب الشيعي.

اعتقد فلهاوزن بأن الصراع والتنافس السياسي والحضاري الذي كان قائماً بين ولايتي العراق والشام كان هو اللبنة الأولى في تكوين البناء الشيعي، وأن ذلك التنافس سرعان ما نجده قد أخذ صورة جديدة بعد أن تمكّن الأمويون من الوصول إلى السلطة، بعد الصلح الذي تمّ عقده بين الحسن بن عليّ ومعاوية بن أبي سفيان في عام 40هـ. فقد اشتدّ ذلك التنافس بدرجةٍ كبيرة، وبدأ أهل العراق في التعبير عن غضبهم وسخطهم من السلطة الأموية.

وحاول الأمويون أن يقضوا على حركة المعارضة في العراق، فعملوا على استمالة أشراف أهل العراق وكبارهم، فأغرَوْهم بالمناصب والأموال والثروات، حتّى انضم هؤلاء إلى صفوفهم.

وبعد خروج طبقة الأشراف من الكيان العراقي المعارض للسلطة، نجد أن الحركة السياسية العراقية المعارضة قد تحوّلت شيئاً فشيئاً إلى صورة دينية ذات طابع مثالي خيالي([7]). واجتذبت الحركة بشكلها الجديد العديد من الموالي الفرس، الذين كانوا يكرهون العرب. وبذلك تخلَّت الحركة عن رابطة القومية العربية، واستبدلتها برابطةٍ أخرى، وهي رابطة الإسلام([8]).

ولكنّ الإسلام الذي ربط بين أعضاء الحركة الشيعية لم يكن نفسه ذلك الدين التقليدي الذي كان معروفاً من قبل. ففلهاوزن يرى أن الحركة قد استندت إلى (السبئية)، وهي بدعة غريبة غامضة، وأنه سرعان ما حدث مزجٌ بين السبئية والكيسانية، حتّى أصبح الاسمان يطلقان على فرقةٍ واحدة([9]).

ثم يردّ فلهاوزن على آراء عدد من المستشرقين، مثل: (دوزي) و(ملر)، الذين اعتقدوا أن الصورة الأولى من المذهب الشيعي (السبئية والكيسانية) قد تمّ اقتباسها من مؤثرات فارسية. ويستدلون على ذلك بأن معظم أعضاء الحركة الشيعية المبكرة كانوا من الموالي الفرس، الذين لا بُدَّ أنهم قد نقلوا إلى الدين الإسلامي الكثير من عقائدهم وأفكارهم المستمدة من أديانهم القديمة، فيقول فلهاوزن، رافضاً تلك الآراء: «إن آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيين فهذا أمرٌ لا سبيل إلى الشكّ فيه. أما كون هذه الآراء قد انبعثت من الإيرانيين فليست تلك الملاءمة دليلاً عليه»([10]).

وهو يستدلّ على ذلك بكون التشيُّع كان قائماً في بداية الأمر بين العرب، ثم انتقل منهم إلى الفرس. وكذلك فإن السبئية كانوا من العرب، الذين انضموا إلى حركة المختار الثقفي، وكانت علاقاتهم بقبائلهم سيّئة جدّاً.

إذن ما هو المصدر الخارجي الذي اقتبس منه التشيُّع أصوله ومبادئه الأولى، من وجهة نظر يوليوس فلهاوزن؟

يبني فلهاوزن نظريته على أساس أن الدور الأكبر في وضع عقائد الشيعة الأولى كان لشخص يهودي الأصل، اسمه عبد الله بن سبأ. ويربط فلهاوزن ما بين الدين الأصلي لـ (ابن سبأ)، وهو اليهودية، والمعتقدات الشيعية، فيقول صراحةً: إن التشيُّع يرجع إلى اليهود أقرب من أن يرجع إلى الإيرانيين([11]).

ويذكر فلهاوزن أنه سوف يدلِّل على صحة مذهبه بطريقةٍ عارضة، دون أن أعير المسألة من الأهمّية أكبر ممّا تستحقّ.

والحقيقة أن فلهاوزن كان يقصد ما أورده عندما قال: إنه سيحاول التدليل على صحة مذهبه بطريقةٍ عارضة، ذلك أنه قام بعرض أدلّته في عشر صفحات فقط من كتابه.

وقد عرض فلهاوزن أوجه التشابه ما بين المذهب الشيعي والدين اليهودي في النقاط التالية:

1ـ النبوّة والإمامة.

2ـ المهديّة.

3ـ الرجعة.

وهي النقاط التي سنتعرّض لها بالتفصيل، ضمن نقد النظريّة ككلٍّ، في الصفحات التالية.

 

أوّلاً: مدخلٌ تاريخي

بنى فلهاوزن نظريته التي تقول: إن المذهب الشيعي بُني على أساس الاقتباس من الدين اليهودي على أساس استناده إلى عددٍ من الأحداث التاريخية التي جرت في الدولة الإسلامية، بدءاً من زمن ثورة الأمصار على الخليفة الثالث عثمان بن عفّان، ومروراً بالمعارك والحروب الأهلية بين المسلمين في عهد الخليفة الرابع عليّ بن أبي طالب، وانتهاءً بفاجعة مقتل الحسين بن عليّ في كربلاء في عام 61هـ، وما تبعها من محاولات وحركات ثورية للانتقام من جانب الشيعة ضدّ السلطة الأموية.

وسوف أحاول في السطور القادمة أن أتعرّض باختصار للحركات الثلاث التي رجع إليها فلهاوزن عند دراسته لأصل الشيعة، وأقصد بها:

1ـ السبئية.

2ـ المختارية.

3ـ الكيسانية.

 

1ـ السبئية

ربما لم تُحدث شخصية في تاريخ الإسلام من التساؤلات والمجادلات ما أحدثته شخصية عبد الله بن سبأ، الذي تنسب إليه الفرقة السبئية.

والنزاع حول شخصية (عبد الله بن سبأ) قد حدث بين الكثير من المؤرِّخين والباحثين والمستشرقين.

فهناك طائفةٌ اعتقدت بأن (ابن سبأ) شخصية تاريخية حقيقية، وأنه لا رَيْب في ذلك، وأنه كان صاحب دور عظيم في أحداث الثورة ضد (عثمان بن عفان)، وفي وضع عقائد الشيعة الأولى. ومن هؤلاء:

1ـ نيكلسون.

2ـ جولد تسيهر([12]).

3ـ د. حسن إبراهيم حسن([13]).

4ـ د. سعد الهاشمي([14]).

ويستند هؤلاء إلى أن ذكر (عبد الله بن سبأ) قد ورد في الكثير من المصادر التاريخية الإسلامية المهمة، مثل:

1ـ تاريخ الرسل والملوك، للطبري.

2ـ الكامل في التاريخ، لابن الأثير.

3ـ البداية والنهاية، لابن كثير.

4ـ العبر وديوان المبتدأ والخبر، لابن خلدون.

وغيرها من المصادر وكتب الفرق والمذاهب.

أما الفريق الآخر فيرى أن شخصية (عبد الله بن سبأ) هي شخصية وهمية أسطورية، تمّ اختلاقها، وأنه لم يكن له أيّ وجودٍ حقيقي، وأن ما ينسب إلى تلك الشخصية من تدبير خططٍ، والقيام بأحداث تهدف إلى الإطاحة بحكم الخليفة الثالث (عثمان بن عفان)، ما هو إلاّ محض ادّعاء كاذب وافتراء، وأن الثورة على عثمان كانت قد توافر لها من الأسباب الموضوعية ما أدّى إلى اشتعالها، بغضّ النظر عن نظرية المؤامرة، التي تجعل من (ابن سبأ) المدبِّر الرئيس للثورة.

ومن أهم مَنْ أنكر حقيقة وجود (عبد الله بن سبأ) كلٌّ من:

1ـ برنارد لويس.

2ـ ليون كايتاني([15]).

3ـ مرتضى العسكري([16]).

4ـ د. عبد الله فياض([17]).

5ـ د. عبد العزيز صالح الهلابي([18]).

6ـ د. طه حسين.

7ـ د. محمد كامل حسين.

8ـ د. كامل مصطفى الشيبي([19]).

ويستند هؤلاء إلى العديد من الأدلة التي يرَوْنها تدحض مسألة الوجود التاريخي لـ (ابن سبأ). ومن أقوى أدلتهم أن هناك الكثير من المصادر التاريخية الإسلامية المتقدّمة المهمّة، التي بالرغم من كونها قد تطرّقت لمسألة الفتنة الكبرى، والثورة على الخليفة (عثمان بن عفان)، إلاّ أنها لم تذكر مطلقاً أي معلومات عن (ابن سبأ)، وهو ما يتعارض مع المنطق السليم.

ومن المصادر المتقدّمة التي لم يذكر فيها (ابن سبأ) على الإطلاق:

1ـ الطبقات الكبرى، لابن سعد(230هـ).

2ـ تاريخ خليفة بن خياط العصفري(240هـ).

3ـ فتوح مصر وأخبارها، لابن عبد الحكم(257هـ).

4ـ الأخبار الطوال، لأبي حنيفة الدينوري(282هـ).

5ـ كتاب الولاة والقضاة، للكندي(283هـ).

6ـ تاريخ اليعقوبي(292هـ).

7ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر، للمسعودي(346هـ)([20]).

وبغضّ النظر عن مسألة حقيقة الوجود التاريخي لعبد الله بن سبأ من عدمه فإننا إذا رجعنا الى الكتابات والمصادر التاريخية، ومصنَّفات الفرق والمذاهب التي تطرَّقت إلى الحديث عن عقيدة وأفكار الفرقة السبئية، فإننا سوف نجد أن هناك خلافاً كبيراً بين تلك الكتابات.

فعلى سبيل المثال: يذهب الملطي(377هـ) إلى أن السبئية هو اسم فرقة من الشيعة قد (ألَّهت عليّ بن أبي طالب)([21]).

 أما القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني(415هـ)، في كتابه (تثبيت دلائل النبوة)، فيذكر اسم (ابن سبأ) عند الحديث عن فرق الشيعة، ويذكر أن (علي بن أبي طالب) قد قام بنفي (ابن سبأ) من الكوفة إلى المدائن، فلمّا قُتل أمير المؤمنين× قيل لابن سبأ: قد قتل ومات ودفن، فأين ما كنتَ تقول من مسيره إلى الشام؟ فقال: …لو جئتمونا بدماغه مسروراً لما صدقنا أنه قد مات([22]).

بينما يورد الأسفراييني(471هـ)، في كتابه (التبصير في الدين)، أن اعتقاد السبئية هو أن الأرض لا تخلو من إمامٍ، غير أنه يظهر لخلقه في صور مختلفة، في كلّ زمان صورة غير الصورة التي ظهر بها في الزمان الذي قبله، وفي الزمان الذي بعده([23]).

أما فخر الدين الرازي(606هـ) فيرى أن السبئية قد اعتقدوا أن علي بن أبي طالب هو الله تعالى بذاته([24]).

2ـ المختارية

وقائد تلك الحركة هو «المختار بن أبي عبيد الثقفي». وهو من أهل الطائف. انتقل من الطائف إلى المدينة، مع أبيه، في زمن عمر بن الخطاب، وكان أبوه أبو عبيد الثقفي قائداً للمسلمين في موقعة الجسر، واستشهد يومها.

ويظهر أن تأييد المختار لآل بيت الرسول‘ قد بدأ منذ وقت مبكر.

فعندما خرج الحسين بن عليّ إلى العراق، بناءً على رسائل أهل الكوفة، نجد أن المختار كان يريد أن ينضمّ إليه، وينصره حينها، لولا أن والي الكوفة عبيد الله بن زياد قد حبسه، وضربه؛ ليمنعه من نصرة الحسين([25]).

وبواسطة شفاعة عبد الله بن عمر، زوج أخت المختار، تمّ الإفراج عنه، فرحل إلى الحجاز، وانضمّ لعبد الله بن الزبير([26]). ولكن يبدو أن انضمام المختار لقوات ابن الزبير لم يكن عن اقتناعٍ حقيقي، وإنما كان لأهداف براغماتية نفعية بحتة؛ فقد ورد أن المختار لما بايع ابن الزبير قال له: «لا خير في كثرة الكلام، إني قد جئتُ لأبايعك على أن لا تقضى أمراً دوني، وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك»([27]).

وقد قاتل المختار مع قوات ابن الزبير ضدّ «الحصين بن نمير»، عندما قدم جيش الشام إلى الحجاز. واستطاع المختار أن يظهر الكثير من مه»اراته وكفاءته العسكرية في تلك الحرب. واستطاع المختار أن يقنع عبد الله بن الزبير برحيله إلى العراق، ليعمل على تثبيت نفوذ ابن الزبير فيها. ولكنْ بمجرّد أن وصل المختار إلى العراق بدأ يدعو إلى الانتقام والقصاص من قتلة الحسين بن عليّ، وبدأ يجمع الأتباع حوله.

وكان من الطبيعي أن يقوم والي الكوفة عبد الله بن يزيد بسجن المختار؛ خوفاً من انتشار دعوته وخطورتها([28]). ومرّةً أخرى يستخدم المختار صلة القرابة بـ «عبد الله بن عمر»؛ ليتمكن عن طريق شفاعته من الخروج من السجن.

وبعد قيام عبد الله بن الزبير بإقالة والي الكوفة عبد الله بن يزيد، وتعيين والٍ آخر على قدرٍ كبير من الضعف، وهو «عبد الله بن مطيع»، استطاع المختار أن يؤلِّب الناس ضد الزبيريين، وأن يثور على ابن مطيع، ويضطرّه إلى الهرب من الكوفة. وبذلك أصبح المختار سيِّداً على تلك المدينة المهمة، وقام بدعوة الناس إلى مبايعته، قائلاً: «تبايعوني على الكتاب، والسنّة، والمطالبة بدماء أهل البيت، وقتال مَنْ قاتلنا، ومسالمة مَنْ سالمنا». وقد انضم الكثير من الأنصار والمقاتلين إلى حركة المختار، حتّى وصل عددهم إلى سبعة عشر ألف رجل.

وقد حاول المختار في تلك المرحلة أن يحصل على تأييد أهل بيت الرسول‘؛ ليستخدم ذلك التأييد في الدعاية السياسية لحركته، فبدأ في مراسلة كلٍّ من: محمد بن الحنفية بن عليّ بن أبي طالب، وزين العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ.

وتتعدّد الروايات التي توضّح موقف هؤلاء الأئمة من دعوة المختار. فبعض الروايات تذكر أن المختار قد بعث إلى عليٍّ زين العابدين يريد تأييده، وأرسل له الكثير من الأموال، ولكنّ عليّاً قام برفض ذلك كله، وأظهر كذبه وادّعاءه أمام الناس([29]). وهناك بعض الروايات الأخرى التي تظهر أن محمد بن الحنفية قد ساعد المختار، فإنه لما قام المختار بدعوة الناس إلى الانضمام لحركته باسم محمد بن الحنفية شكَّ بعض الناس في ذلك، فقدموا على ابن الحنفية؛ ليتأكَّدوا منه، فقال لهم: «وأما ما ذكرتم من دعاء مَنْ دعاكم إلى الطلب بدمائنا فواللهِ لوددْتُ أن الله انتصر لنا من عدونا بمَنْ شاء من خلقه».

ولم يكتفِ ابن الحنفية بذلك، بل إنه أرسل إلى إبراهيم بن الأشتر يدعوه إلى نصرة المختار وتأييده. وقد جاء في خطابه إلى إبراهيم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عليّ إلى إبراهيم بن الأشتر، أمّا بعد، فإن المختار بن أبي عبيد على الطلب بدم الحسين، فساعده في ذلك، وآزره، يُثبك الله ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة»([30]).

وقد استطاع المختار، بعد تحالفه مع إبراهيم بن الأشتر، أن يكوِّن جيشاً قويّاً يستطيع به أن يواجه القوّة الأموية. واستطاع إبراهيم بن الأشتر أن ينتصر على جيش الشام في موقعة «الخازر»، وتمكّن من قتل عددٍ من الرجال الذين اشتركوا في قتل الحسين بن عليّ في كربلاء([31]).

وقام المختار بقطع رأس عبيد الله بن زياد، وأرسل بها إلى علي زين العابدين في المدينة. وروى البعض «أن عليّاً لم يُرَ ضاحكاً يوماً قطّ منذ قتل أبوه إلاّ في ذلك الوقت، وأن نساء أهل بيت الرسول‘ قمْنَ وقتها بامتشاط شعورهنَّ واختضبْنَ، ولم يكنَّ يفعلْنَ ذلك قطّ منذ مقتل الحسين بن عليّ»([32]).

وتروي بعض الروايات أن المختار قد بعث برأس عبيد الله بن زياد إلى عبد الله بن الزبير، وهو الأمر الذي يدلّ على أن المختار كان يحاول أن يحافظ على تبعيته الشكلية لابن الزبير. وكان انتهاء أمر المختار عندما قام عبد الله بن الزبير بتوجيه أخيه مصعب بن الزبير([33]) لحكم العراق، في عام 68هـ/687م، فدخل مصعب مع المختار في عددٍ من المعارك الضارية لمدّة أربعة عشر شهراً، حتّى انتهى الأمر بقتل المختار([34]).

3ـ الكيسانية

الكيسانية اسمٌ لحركة ارتبطت بشكلٍ أو بآخر بحركة المختارية.

وهناك الكثير من الأقوال والتفسيرات التي قال بها علماء الفرق والمذاهب لتفسير اسم الكيسانية؛ فهناك مَنْ قال بأن اسم الفرقة الكيسانية قد تمّ اشتقاقه من كيسان مولى عليّ بن أبي طالب؛ ويوجد رأيٌ أخر يرى أصحابه أن اسم الكيسانية قد تمّ اشتقاقه من كيسان أبي عمرة، صاحب شرطة المختار الثقفي، وأحد زعماء الحركة المختارية؛ أما الرأي الثالث في تسمية تلك الفرقة فيرجّح أصحابه أن الاسم قد تم أخذه من وصف كيسان، وهو الوصف الذي سمّاه محمد بن الحنفية للمختار الثقفي؛ لكياسته([35]).

ويرى الدكتور محمود إسماعيل أن أكثر تلك الأراء قابلية للتصديق والقبول، وأقربها إلى المنطق السليم، هو أن اسم الكيسانية قد تمّ اشتقاقه من كيسان أبي عمرة، وخصوصاً أن كيسان هذا كان من زعماء المختارية القلائل الذين لم يقتلوا مع المختار، وقد استمرّ على ولائه لأفكاره القديمة، ممّا جعله قبلةً لجميع أنصار المختار ومناصري حركته فيما بعد([36]).

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي عقائد الكيسانية؟ وما هي الفروق التي جعلتها تختلف عن باقي حركات الشيعة المبكرة الأخرى؟

والحقيقة أنه لا توجد لدينا إجابةٌ واضحة عن هذا السؤال.

فهناك مَنْ يعتقد بأن الكيسانية كانت مرادفاً تامّاً للمختارية، وأنه إذا كانت حركة المختار الثقفي حركة سياسية عملية فإن حركة الكيسانية كانت بما فيها من أبعاد دينية مذهبية ظهيراً فكرياً مكمّلاً ومتمّماً لها، بدون انفصال أو تمييز.

على أن الروايات التي بين أيدينا تحمل لنا الكثير من المعلومات المتضاربة. فنجد أن عدداً من المصادر يذكر أن الكيسانية اعتقدوا بأن محمد بن الحنفية هو الإمام بعد أبيه عليّ بن أبي طالب، وأن أباه قد عهد إليه بالإمامة؛ بدليل أنه أعطاه الراية يوم الجمل، وقدَّمه على أخويه الحسن والحسين([37]).

وهناك مَنْ يرى أن الكيسانية اعتقدوا بأن محمد بن الحنفية قد تسلَّم الإمامة عقب مقتل أخيه الحسين في كربلاء، واستشهدوا على ذلك بالشعر الذي جاء فيه:

ألا إنّ الأئمة من قريش ولاة الحقّ أربعة سواء
عليّ والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّ وسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتّى يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى فيهم زماناً برضوى عنده عسلٌ وماء([38])

وهو ما يعني أن الكيسانية كانوا ـ كغيرهم من فرق الشيعة الإمامية ـ قد اعتقدوا بإمامة عليّ بن أبي طالب، ومن بعده ولده الأكبر الحسن، ومن بعده أخوه الحسين، حتّى إذا قتل الحسين وصلت الإمامة من بعده إلى أخيه محمد بن الحنفية، وأن ابن الحنفية لم يمُتْ، ولكنّه حيٌّ، ويعيش في جبل رضوى، حيث ينتظر الوقت الذي يخرج فيه؛ لقتال أعداء الشيعة، والانتصار عليهم.

ملاحظاتٌ على (السبئية والمختارية والكيسانية)

بعد أن عرضنا للحركات الثلاث التي استند إليها فلهاوزن في تنظيره لدراسة أصول المذهب الشيعي المبكّر وجذوره الأولى، يُلحّ علينا سؤال في غاية الأهمية، وهو: هل كان المستشرق الألماني موفَّقاً ومصيباً عندما حاول أن يتّخذ من تلك الحركات الثلاث مدخلاً يعبر منه لدراسة الفكر والمذهب الشيعي في أصوله الأولى؟

الواقع أن ما طرحناه في الصفحات السابقة يوضّح أن الاعتماد على ما ذكرته كتب الفرق والمقالات حول الحركات الثلاث لا يمكن أن يعطينا صورةً واضحة عن الفكر الشيعي في تلك المرحلة المبكرة.

فالخلافات التي تنقلها لنا الروايات حول الحركات الثلاث لا تقتصر على مسائل فرعية جزئية، بل إننا نجد أنفسنا أمام العديد من الروايات المتناقضة حول أصول الحركات ومبادئها ومعتقداتها الأساسية، بل إنه يوجد خلافٌ حول مؤسِّسي كلّ حركة، وحقيقة وجودهم التاريخي من عدمه.

ولنا أن نتخيَّل أن الأبيات الشعرية التي أوردتها في الصفحة السابقة؛ للتدليل على عقيدة الكيسانية، وهي الأبيات التي ذاع صيتها، وردّدتها الألسن، وأوردتها جميع كتب الفرق والمقالات الإسلامية، يوجد خلافٌ كبير حول شخصية صاحبها. ففي الوقت الذي يرى عددٌ من المؤرِّخين أن صاحب تلك العبارات هو الشاعر المعروف (كُثير عزّة)([39])؛ نجد أن هناك آراءً أخرى تنسبها إلى شاعرٍ مشهور آخر، وهو (السيد إسماعيل بن محمد الحميري)([40]).

والمشكلة هنا أن تلك الأبيات التي يستخدمها الجميع؛ للتدليل على عقائد الفرقة الكيسانية، قد فقدت قيمتها العلمية؛ لعدم التأكُّد من شخصية صاحبها.

كما أن العلاقة ما بين المختارية والكيسانية يشوبها الكثير من مظاهر الشكّ والغموض. فقد بيَّنّا أن المختار قد حاول أن يجد من أهل البيت مَنْ يدعمه ويؤيِّده، وأنه قد عرض ذلك الدعم على كلٍّ من: (علي بن الحسين)؛ و(محمد بن الحنفية). وبالرغم من الروايات التي تبيِّن أن الثاني قد أبدى الكثير من مظاهر التأييد للحركة، فإننا لا نستطيع أن نجعل منه أباً روحياً أو زعيماً دينياً لها، فابن الحنفية لم يَسْعَ للانتقال من مكّة ـ التي يفرض عبد الله بن الزبير سلطانه عليه ـ إلى الكوفة ـ حيث استطاع المختار أن يؤسِّس لحكمه فيها ـ، بل إن ما لدينا من روايات يبين أن قوات المختار قد قامت بتحرير محمد بن الحنفية من قبضة عبد الله بن الزبير، واكتفَتْ بذلك، دون أن تقوم بنقله إلى معقل المختارية في الكوفة.

ثم إن حركة المختار كانت قد قامت في الأساس، كما بيَّنّا، من أجل الثأر للحسين بن عليّ. ولذلك جعل المختار قتل الأفراد الذين شاركوا في مذبحة كربلاء على رأس اهتماماته وأولويّاته، وهو ما يُبعد عن الأذهان فكرة أن المختارية قد قامت في الأساس على فكرة الإمامة الروحية لمحمد بن الحنفية.

والشكوك التي تحيط بالمختارية والكيسانية هي نفس الشكوك التي أحاطت قبلهم بالعقيدة السبئية. فإذا نحّينا السؤال الأهمّ حول الوجود التاريخي لعبد الله بن سبأ من عدمه جانباً وجدنا أنفسنا نصطدم بسؤالٍ جديد حول المعتقدات والأفكار السبئية نفسها؛ إذ إن المصادر لا تقدِّم لنا إجاباتٍ شافية حولها.

فما بين الاعتقاد بإمامة عليّ بن أبي طالب من جهةٍ والاعتقاد بألوهيّته من جهة أخرى يوجد فرقٌ شاسع وكبير، لا يمكن تجاهله أو التغاضي عنه. بل إن تلك الروايات المختلفة ـ التي تصل في الكثير من الأحيان إلى حدّ التضادّ والتنافر ـ من الممكن أن تصل بنا في نهاية المطاف إلى تدعيم الرأي الذي يرى أصحابه عدم الوجود التاريخي لتلك الفرقة، وأن أعداء الشيعة قد اخترعوا تلك الفرقة، وألصقوا بها الكثير من الاتّهامات والأباطيل؛ للتشنيع على التشيُّع برمّته.

ولم يحاول يوليوس فلهاوزن أن يلتفت إلى جميع تلك الجوانب الجوهرية المعارضة لبعضها البعض في البناء الفكري للفرق الثلاث (السبئية ـ المختارية ـ الكيسانية)، بل نجده قد بنى نظريته على أساس ما اختاره وانتقاه من معلوماتٍ وردت في كتب المقالات والمذاهب والمصادر التاريخية السنّية (المعارضة للفكر الشيعي) حول الفرق الثلاث.

ومن ذلك أن فلهاوزن قد اختار بعض الروايات الضعيفة التي تذكر أن المختار قد أخرج كرسيّاً قديماً لعليّ بن أبي طالب، واصطحب ذلك الكرسي معه في حروبه، متشبِّهاً بملوك بني إسرائيل، الذين كانوا يصطحبون تابوت العهد معهم في حروبهم ضدّ الكنعانيين.

إذن اختار فلهاوزن ما اعتقد أنه يناسب ويتوافق مع نظريته حول أصول الشيعة وجذورها الأولى المستمدّة من العقيدة اليهودية، وفي الوقت ذاته تغاضى عن عمدٍ عن كلّ الأدلة والشواهد التي تخالف نظريّته، وهو الأمر الذي سنحاول إثباته في الصفحات التالية.

ثانياً: نقاط التشابه بين المذهب الشيعي والعقيدة اليهودية في نظريّة فلهاوزن

1ـ النبوّة والإمامة

يرى فلهاوزن أن فكرة الإمامة عند الشيعة قد تمّ اقتباسها من مفهوم النبوة في العقيدة اليهودية عند بني إسرائيل. فهو يقول: وقبل محمد وجدت سلسة طويلة متصلة من الأنبياء، الذين يتلو بعضهم بعضاً، على نحو ما يقول اليهود (سلسلة دقيقة من الأنبياء)… وكما ورد في الإصحاح 18 من سفر التثنية من أنه لم يخْلُ الزمان أبداً من نبيٍّ يخلف موسى، ومن نوعه. وهذه السلسلة لا تقف عند محمد، ولكلّ نبيٍّ خليفته إلى جانبه، يعيش أثناء حياته، هو أيضاً فكرة يهودية. فكما كان لموسى خليفة هو يوشع كذلك لمحمد خليفة هو عليّ به يستمرّ الأمر. على أن كلمة نبي لم تطلق على عليّ وبنيه، بل أطلق عليهم أسماء الوصيّ أو المهديّ أو الإمام عامّة([41]).

وفي الحقيقة إن كلام فلهاوزن قد يبدو سليماً ومنطقياً للوهلة الأولى. ولكنْ إذا أمعنّا النظر فيه، ودرسنا نظرية النبوّة والإمامة بين العقائد اليهودية والفكر الشيعي، لوجدنا أن هناك الكثير من النقاط التي توضِّح حجم الخلاف بين وجهتي النظر، وأنّ كلاًّ منهما قد بُني على أسس فكرية مختلفة.

أـ مفهوم الانتقائية في اختيار النبي (اليهودي) / الإمام (الشيعي)

وأقصد بذلك السلالة أو الأسرة أو العائلة التي يتمّ اختيار النبيّ / الإمام منها. فبالنسبة للعقيدة اليهودية إذا رجعنا لتاريخ بني إسرائيل ولقصص أنبياء العهد القديم نجد أن مفهوم الانتقاء الأوّل كان لنبيّ الله إبراهيم؛ فقد ورد في العهد القديم أن الله قد باركه([42])، ثم تجدّد الاصطفاء مرة أخرى لإسحاق الذبيح، وبعد ذلك يعقوب، حيث تمّ تجديد العهد مع الله([43]).

 ولكنْ من بعد يعقوب نجد أن مفهوم الانتقاء قد توزَّع ليشمل معظم أسباطه الاثني عشر.

ولعلّ ذلك هو الأمر الذي جعل اليهود يميِّزون أنفسهم عن باقي أقربائهم من أبناء عمومتهم؛ بكونهم قد عرفوا أنفسهم بأنهم بنو إسرائيل، في إشارةٍ إلى آخر انتقاء تخصيصي في السلالة الإبراهيمية.

إذا حاولنا أن نراجع تاريخ بني إسرائيل فيما بعد يعقوب (إسرائيل) وجدنا أن هناك الكثير من الأنبياء والزعماء والقادة السياسيين والروحانيين الذين تمّ انتقاؤهم من جميع أسباط بني إسرائيل، وليس من سبطٍ واحد محدَّد، يتميَّز بنقاء أو اصطفاء معين.

فموسى النبي الذي قاد بني إسرائيل في رحلة خروجهم الملحمية من مصر كان من أصول ترجع إلى السبط لاوي. وكذلك كان أخوه ومساعده هارون من سلالة السبط نفسه.

أما يوشع خادم موسى وخليفته وقائد جيوش إسرائيل ضدّ الكنعانيين فكان من السبط إفراييم بن يوسف.

وبعد ذلك دخلت فكرة الانتقاء في طورٍ جديد، بعد أن جاء عصر القضاة، الذين كان كلٌّ منهم يحكم مساحةً معيَّنة من الأرض، ويحكم سبطٌ من أسباط بني إسرائيل، فكان لكلّ عشيرة أو سبط قاضٍ محدّدٌ، يتمتَّع بسلطات روحية ومادية كبيرة.

وبعد القضاة تمّ توحيد السلطة في شخص الملك، فكان شاوول، المنحدر من سلالة بنيامين، هو أوّل ملوك بني إسرائيل.

على أننا نجد الدولة الإسرائيلية قد وصلت إلى أوسع حدودها وأقوى مراحل نهوضها وقوّتها في عهدي خليفتي شاوول: داوود؛ وابنه سليمان، اللذين يعودان إلى السبط يهوذا.

وبعد هذا العرض المقتضب نجد أن الشخصيات السياسية ـ الدينية الرئيسة في تاريخ بني إسرائيل، منذ الخروج وحتّى انهيار المملكة المتّحدة، قد انحدرت من فروع وسلالات إسرائيلية مختلفة، مثل: لاوي؛ يهوذا؛ بنيامين؛ إفراييم، مع ملاحظة أننا لم نتطرَّق للحديث عن الكثير من الشخصيات الأخرى المؤثِّرة، التي لو تطرَّقنا إلى ذكر أنسابها والسلالات المنحدرة منها لذكرنا جميع أسباط إسرائيل الاثني عشر.

وفي المقابل إذا حاولنا أن نتناول فكرة ومفهوم الانتقائية وعلاقتها بالإمامة عند الشيعة الإمامية لوجدنا أن هناك خلافاً كبيراً وواسعاً بينها وبين ما سبق الإشارة إليه في عقائد اليهود.

ففكرة الانتقاء عند الشيعة الإمامية تقوم على أن الإمام يتمّ اختياره على أساس كونه من أهل البيت، أي من أبناء كلٍّ من: علي بن أبي طالب؛ وزوجه فاطمة الزهراء بنت الرسول‘. فقد اعتبر الشيعة الإمامية أن الإمام يجب أن يتمّ اختياره من ذلك الفرع، لا من غيره من الفروع. فنجد أن الشيعة الإمامية الاثني عشرية قد اعتقدوا بإمامة اثني عشر إماماً متعاقبين، من نسل عليّ وفاطمة([44]). أما الشيعة الإسماعيلية فقد اتفقوا مع الاثني عشرية حتّى الإمام السادس جعفر الصادق، ولكنّهم اختلفوا معهم في الإمام الذي يخلفه، فقد اعتقد الإسماعيلية بإمامة إسماعيل بن جعفر، بينما اعتقد الاثنا عشرية بأنّ إسماعيل قد توفي في حياة أبيه، ولذلك آمنوا بإمامة أخيه موسى الكاظم.

وبالرغم من هذا الاختلاف، إلاّ أننا نجد أن فكرة الانتقائية لم يتمّ المساس بها في حالة الخلاف بين الاثني عشرية والإسماعيلية، لأن الفريقين قد حافظا على الفكرة الرئيسة التي قام عليها الانتقاء الإمامي عند الشيعة، وهي أن يكون الإمام من ذرّية علي وفاطمة.

وسوف نلاحظ أن هناك عدداً من الفرق التي شذَّتْ عن تلك الفكرة الانتقائية، مثل: الفرقة الكيسانية، التي اعتقدت بإمامة محمد بن الحنفية؛ والهاشمية، التي اعتقدت بإمامة أبي هاشم بن محمد بن الحنفية. وقد ناقشنا من قبلُ أفكار بعض تلك الفرق، ولا يمكن أن نبني مقارنتنا على تلك الأفكار، وخصوصاً أن تلك الفرق قد ضاعت واندثرت منذ فترةٍ مبكّرة من تاريخ التشيُّع، ممّا لا يجعل من مبادئها وأفكارها حجّة على عموم الشيعة.

ب ـ مسألة وجود أكثر من نبيٍّ في وقتٍ واحد

نحن نلاحظ أن هناك اختلافاً كبيراً بين أنبياء بني إسرائيل والأئمة الشيعة الاثني عشر في تلك النقطة؛ ذلك أننا لو رجعنا إلى العهد القديم لوجدنا أنه في الكثير من الفترات كان هناك أكثر من نبيٍّ لبني إسرائيل، يعيشون ويقومون بمهامّ النبوّة مع بعضهم البعض، في وقتٍ واحد.

فيوسف كان نبياً في نفس وقت نبوّة أبيه يعقوب.

وكذلك كان هارون نبياً مسانداً لأخيه موسى أثناء جهوده لتحرير العبرانيين من عبوديتهم للمصريين.

وبعد عصر القضاة نجد أن صموئيل النبيّ، آخر القضاة، هو الذي مسح شاوول وعيَّنه ملكاً على بني إسرائيل. وكذلك هو الذي مسح داوود، وهذا معناه أنه في زمن واحد كان هناك ثلاثة أشخاص لهم علاقة مباشرة أو اتّصال روحي بيهوه.

واستمر وجود أنبياء بني إسرائيل مع بعضهم البعض في عصر انقسام المملكة وزمن السبي البابلي، وحتّى في فترة ما بعد الرجوع من السبي.

والملاحظ أنّ تعاصر هؤلاء الأنبياء مع بعضهم البعض لم يقتصر على التعاصر العمري الزمني، بمعنى أنهم عاشوا مع بعضهم البعض وحَسْب، بل إننا نجد أنهم تشاركوا مع بعضهم البعض في وظيفة الاتصال بالله، ورفع مشاكل وطلبات الشعب إليه.

أما على الجانب الآخر فإننا نجد أن مفهوم الإمامة في الفكر الشيعي الإمامي يختلف تماماً عن مفهوم النبوة عند بني إسرائيل في ما يخصّ تلك النقطة.

فالإمام الشيعي بمثابة الحجّة التي يتّخذها الله على عباده، فلا يمكن أن يجتمع حجّتان في زمنٍ واحد؛ لأن وجود أحدهما فيه غناء عن وجود الآخر. ومن ثمّ فإنّ الفكر الشيعي الإمامي قد نظر للإمامة على كونها تسير في خطّ رأسي، فكلّ إمام يقوم بمهامّ منصبه حتّى يبلغ أجله، فيقوم بتسليم الراية من بعده لخليفته.

وقد ظهرت بعض التساؤلات المحيطة بتلك الفكرة؛ إذ كيف نفسِّر أن بعض الأئمة قد عاشوا مع بعضهم البعض لفتراتٍ طويلة؟ فمَنْ كان الإمام الحجّة في وقت اجتماعهم؟

نجد أن الفكر الشيعي قد حسم تلك المسألة بتقديم الإمام الأكبر، وبعدم الاعتقاد بإمامة خليفته حتّى انقضاء أجل الإمام الأول؛ وذلك لأنه لا يجتمع إمامان في زمن واحد، إلاّ وكان أحدهما صامتاً([45]).

ومن هنا نجد أن مفهوم الإمامة عند الشيعة الإمامية يختلف كلّياً في نظرته (للتعاقب) عن (لا مركزيّة النبوة) في العقائد اليهودية. وقد ترتّب على ذلك مسألة في غاية الأهمّية، وأقصد بها مسألة الوصاية.

إننا نجد أن الوصاية تظهر بشكلٍ ملحوظ ومؤثّر جدّاً في الفكر الشيعي الإمامي؛ لأن كلّ إمامٍ يستمدّ حجّيته من مصدرٍ مركزي واحد فقط، وهو الإمام السابق له. فلكي يصبح الإمام إماماً يجب أن يعلن سلفه بشكلٍ واضح شخصية مَنْ يخلفه، وأن يوضِّح ذلك بشكلٍ صريح لأتباعه. ولذلك كانت مسألة الوصاية في الفكر الشيعي بديلاً قريب الشبه من فكرة ولاية العهد أو الاستخلاف في العقلية السياسية السنّية.

والمتتبِّع لتاريخ الشيعة الإمامية، سواء من الاثني عشرية أو الإسماعيلية، سوف يجد أنه في الكثير من اللحظات التاريخية الفارقة قد تغيَّر مسار الخطّ الشيعي بسبب الخلاف حول وصية الإمام السابق لتعيين خليفته. فالانقسام الاثنا عشري ـ الإسماعيلي وقع في إحدى تلك اللحظات الفارقة. والانقسام بين المستعلية والنزارية قد وقع في لحظةٍ مشابهة([46]).

أما الفكر اليهودي فنستطيع أن نلمح مفهوم الوصاية فيه في العهود المبكِّرة، وفي زمن الآباء الأوائل، بينما نجد أن ذلك المفهوم يقلّ ويضعف فيه في المرحلة ما بين الخروج من مصر وحتّى السبي البابلي، ليعود مرّةً أخرى إلى الظهور في شكلٍ معنوي بحت، مرتبطاً بكرّة المشيحانية أثناء عصور ضعف وتدهور الدولة الإسرائيلية.

ج ـ مفهوم العصمة

لعلّ من أكثر النقاط التي تثبت خطأ نظرية يوليوس فلهاوزن، في ربطه لأصول المذهب الشيعي وجذوره بالعقائد اليهودية، هي النقطة الخاصّة بمفهوم العصمة عند الفريقين.

فنحن إذا رجعنا إلى العقيدة اليهودية، وكتب وأسفار العهد القديم، وحاولنا أن نبحث فيها عمّا يدلّ على (عصمة الأنبياء) لوجدنا أنه تقريباً لا وجود لأيّ أثر لهذا المفهوم أو تلك الفكرة في كلّ أسفار العهد القديم، بدءاً من سفر التكوين، وانتهاءً بسفر ملاخي.

فالعقيدة اليهودية التقليدية نظرت نظرة تقديس وتوقير واحترام للعديد من شخصيات وأنبياء العهد القديم. ولكنْ في نفس الوقت نجد أن اليهود لم يفكِّروا أبداً في تنزيه تلك الشخصيات عن الخطأ البشري، أو الاعتقاد بعصمتهم عن ارتكاب الخطايا والموبقات والوقوع في ما وقع فيه غيرهم من البشر من ذنوب ومعاصي لله.

ولعلنا لو تجوّلنا جولةً سريعة خاطفة في أسفار العهد القديم لهالنا ما سنجده من خطايا وكبائر اعتقد اليهود أن أنبيائهم قد ارتكبوها وقاموا بها. فعلى سبيل المثال، لا الحصر: سنجد أن لوط قد زنى مع ابنتيه وهو واقعٌ تحت تأثير الخمر([47])؛ ويعقوب يكذب على أبيه الضرير إسحاق، ويسرق البركة من أخيه عيسو([48])؛ ويهوذا بن يعقوب، الذي هو أحد أهم الشخصيات في العقلية اليهودية، حتّى أن اليهود يُنسبون إليه، نجده يزني مع سامار زوجة ابنه المتوفّى، دون أن يعرف شخصيتها([49])؛ كما أننا نجد أن هناك عدداً من أبناء يعقوب يقومون بنكث وعودهم، ويشتركون في قتل قبيلة شكيم بن حامور، مستغلين مرضهم وضعفهم([50])؛ وهارون وأخته مريم كذلك يقعان في الكبائر والمعصية، بالرغم من دورهم الكبير في مساعدة موسى النبيّ لإخراج بني إسرائيل من مصر، فهارون يتابع اليهود في غيِّهم، ويوافقهم على صناعة العجل الذهبي، وشقيقته مريم تحقد على أخيها موسى، فيصيبها يهوه بالبَرَص([51])؛ وشاوول (مسيح الربّ) يحقد على داوود، ويحاول قتله أكثر من مرّة؛ أما خليفته على العرش داوود فهو يستغلّ فرصة غياب أحد قادته في أحد الحروب ويزني مع زوجته، وتحمل منه سفاحاً، فيدبِّر لقتل زوجها؛ خشية معرفته بالأمر([52])؛ أما سليمان، الذي بنى الهيكل المقدَّس، فإنه يسير على نهج سابقيه، فيقع في الخطيّة، ويدنِّس بيت يهوه بأصنام الآلهة الوثنية، التي أتت بها أزواجه الأجنبيّات([53]).

إذن فالصورة التي يقدِّمها العهد القديم لشخصيات أبطاله وأنبيائه هي في الواقع صورة منحطّة بائسة، تبدو فيها جميع الخطايا البشرية بصورةٍ واضحة جليّة مثيرة للغثيان([54]). فما بين السرقة والخداع والزنا والفجور والقتل والكفر تتشكَّل ملامح جميع الشخصيات المهمة في كتب العهد القديم. وهو ما يثبت أن الفكر اليهودي الكتابي التقليدي لم يفكِّر لحظةً في انتحال صفة العصمة لشخصياته المقدَّسة.

ويعبِّر عن ذلك أحد الحاخامات المعاصرين المعروفين بقوله: بحسب التناخ فإن الإنسان العادي ليس الوحيد الذي يقترف الذنوب، بل حتّى الأنبياء والملوك([55]).

ونلاحظ أن مفهوم النبوة عند بني إسرائيل لم يرتبط مطلقاً في صورته الكلاسيكية بفكرة العصمة. ففي الكثير من اللحظات التاريخية نجد أن شعب بني إسرائيل قد تعامل بعنفٍ وقسوة مع أنبيائه ومقدّميه، فتعرَّضوا لهم بالإيذاء النفسي والجسدي، إلى الحدّ الذي جعل عالماً يهودياً شهيراً، مثل: سيجموند فرويد، يبني أطروحته عن موسى على أساس أن بني إسرائيل الخارجين من مصر قد قاموا في إحدى لحظات غضبهم وتهوُّرهم بقتل موسى، ثم ندموا على ذلك بعد فترةٍ([56]).

ومن الجدير بالذكر أن معظم الإشارات القليلة التي تلصق نوعاً من التقديس أو العصمة بشخصيات وأنبياء العهد القديم في الفكر اليهودي متناثرةٌ في كتب علماء الدين والمفكِّرين اليهود الذين عاشوا في ظلّ المجتمعات الإسلامية، وتأثَّروا كثيراً بنظرة المسلمين للأنبياء والرسل. فعلى سبيل المثال: نجد أن (موسى بن ميمون) يذكر في كتابه (دلالة الحائرين) أنّ الله اختار أنبياءه بعد تهيئة وإعداد، بحيث يكونون قد وصلوا إلى درجة معينة من درجات الكمال([57]).

وفي المقابل إذا حاولنا أن ندرس مفهوم العصمة عند الشيعة الإمامية لوجدنا أن العصمة هي أحد أهمّ وأبرز النقاط والعناصر التي يرتكز عليها المذهب الشيعي الإمامي. فالشيعة الإمامية يقولون بعصمة الإمام، فلا يجوز الخطأ عليه، ولا يصدر منه إلاّ ما كان صواباً([58]).

وقد ورد التأكيد على مبدأ عصمة الإمام في الكثير من المصادر الشيعية الإمامية المتقدمة، وكذلك في المراجع المعاصرة([59])، بحيث تأكّد بما لا يَدَع مجالاً للشكّ كون العصمة هي من أهمّ مبادئ القوم، ومن أعظم اعتقاداتهم.

والعصمة عند الشيعة الإمامية تشمل جميع الأئمة الاثني عشر. فهم يرَوْن أن العصمة صفةٌ أصيلة في الأنبياء والرسل الذين أرسلهم وابتعثهم الله إلى البشر. ولمّا كان الأئمة يقومون بإكمال العمل الذي بدأه الأنبياء كان يلزمهم أن يتّصفوا بصفة العصمة، حتّى يصبحوا حجّةً لله على العباد.

والعصمة عند الشيعة الإمامية عصمة مطلقة، غير منقوصة، ولا مجزّأة. فهي عصمة عن ارتكاب جميع الأخطاء والذنوب، سواء كانت صغيرة أو كبيرة. هي عصمة تختلف عن مثيلتها في عقائد أهل السنّة والجماعة، الذين يرَوْن أن الأنبياء قد وقع منهم في بعض الأحيان بعض الأخطاء والذنوب الصغيرة التي غفرها الله لهم بعد ذلك([60]).

وبناءً على ذلك يمكننا التأكيد على كون العصمة هي أحد أهمّ النقاط التي تعارض نظرية فلهاوزن في تأثير العقائد اليهودية على المذهب الشيعي.

د ـ سلطة النبيّ / الإمام

إذا قمنا بعقد مقارنة بين مفهوم السلطة عند أنبياء بني إسرائيل والسلطة عند أئمة الشيعة الاثني عشرية لوجدنا اختلافاً كبيراً جدّاً، بحيث لا يمكن أن نعتبر أنّ التشيُّع قد اقتبس ذلك المفهوم من الفكر الديني والعقائدي اليهودي.

فإذا رجعنا إلى أسفار العهد القديم لوجدنا أن النبيّ اليهودي دائماً ما يفرض سلطته على عائلته وأسرته أو عشيرته، دون أن تمتدّ تلك السلطة على جميع الشعوب المجاورة له.

فسلطة الآباء الأوائل إبراهيم وإسحاق ويعقوب كانت سلطة أبوية عشائرية قبلية فحَسْب، وربما كان ذلك بسبب أمرين اثنين، وهما:

الأوّل: إن نظرة اليهود لدينهم وإلههم كانت نظرة محلية ضيقة، فاليهودية لم تكن ديناً تبشيرياً في أي مرحلةٍ من مراحل تاريخها، ولذلك لم يحاول اليهود أن يجتذبوا إليهم العشائر والأقوام المتاخمين لهم، ومن ثم ظلت سلطة زعيم وقائد العبرانيين مقتصرة على أتباعه اليهود فقط.

الثاني: إن الظروف الحضارية والمجتمعية التي ظهر فيها آباء العبرانيين الأوائل قد أثرت كثيراً على تشكُّل مفهوم السلطة عند حكامهم وأنبيائهم فيما بعد. فقد ظهر العبرانيون الأوائل في مجتمعٍ بدوي قبلي، بعيدٍ كلّ البعد عن حياة التحضُّر والتمدُّن والاستقرار، مما أدّى لسيطرة بعض العادات والأنظمة المرتبطة بالفكر القبلي، وهو الأمر الذي قوّى ظهور فكرة الزعيم العشائري.

والملاحظ أن بني إسرائيل كانوا دائماً ما ينزعون للتشكُّل في هيئة مجتمعات قبلية عشائرية قليلة العدد. وقد ظهر ذلك بوضوح أثناء تواجدهم في مصر، وبعد خروجهم منها في زمن موسى النبيّ. فقد بقي اليهود محافظين على أنسابهم، وتمايزوا في شكل عشائر كبيرة العدد. وكان المرتكز الأساس الذي تقوم عليه كلّ عشيرة هو نسبة كلّ منها إلى أحد الأسباط الاثني عشر من أبناء يعقوب.

وظهر أثر تلك التنظيمات العشائرية بوضوحٍ بعد خروج بني إسرائيل من مصر. فقد اعتاد اليهود الاعتراض على قرارات موسى النبيّ، وخالفوه في الكثير من الأمور؛ وذلك لرفضهم فكرة الزعيم الأوحد الذي ينضوي جميع الشعب الإسرائيلي تحت رايته.

وممّا يدلّ على ذلك أن اليهود قد امتعضوا من فكرة أن موسى وحده هو الذي يكلِّم الله، ويسمع منه الوصايا والأوامر، فطلبوا من موسى أن يشتركوا جميعاً في سماع أوامر الله. واستجاب الله لطلب اليهود([61]). ولكنّ العهد القديم يخبرنا بأن بني إسرائيل لم يستطيعوا أن يتحمَّلوا صوت الربّ، وكادوا أن يموتوا وهم يسمعونه، فطلبوا من موسى أن يكون وسيطاً بينهم وبين الله([62])، فكان موسى منذ ذلك الوقت على قاعدة: (فما لله أمام الشعب، وما للشعب أمام الله)([63]).

وهكذا نجد أن اليهود قد قبلوا فكرة سلطة موسى عليهم؛ لكونهم مضطرّين لذلك. وبعد فترة قليلة من وفاة موسى رجع بنو إسرائيل مرّةً أخرى إلى فكرة الزعيم القبلي العشائري في عصر القضاة. ولكنْ بعد أن مكث الإسرائيليون فترةً في فلسطين، بجوار الشعوب الكنعانية المستقرّة، والأكثر تحضُّراً، نجد أن هناك نوعاً من التأثير في الفكر السياسي قد حدث للعقلية اليهودية، فقد طالب اليهود بتعيين (ملك لهم ليقودهم في حروبهم ضدّ أعدائهم، ووافق الربّ على طلب شعبه، وتم تعيين شاوول ليصبح أول ملوك بني إسرائيل)([64]).

وسرعان ما حدث اختلاطٌ بين مفهومي النبوّة والملك في عهد داوود وابنه سليمان، خلفاء شاوول.

ولكنْ بعد انقسام الدولة الإسرائيلية نجد أن نوعاً من الانفصام قد حدث مرّة أخرى بين المفهومين.

فقد تفرّدت السلطات الدينية، ولم تعُدْ مجتمعةً في شخصٍ واحد. وكما يقول الأب (متى المسكين): إنه في تلك المرحلة قد (تفرّدت السلطات وتخصَّصت، فصار الله هو الذي يعين الملك بواسطة النبيّ، فيقوم الكاهن بمسحه وتنصيبه)([65]).

وهناك ملاحظتان مهمتان حول مسألة تفرُّد السلطات الدينية في اليهودية:

الملاحظة الأولى: إنه في الكثير من الفترات، وخصوصاً بعد انقسام الدولة الموحدة إلى: مملكة شمالية (إسرائيل)؛ ومملكة جنوبية (يهوذا)، نجد أن هناك تصاعداً في نفوذ وسلطات الكاهن على حساب سلطة النبيّ. ويفسر أحد الباحثين اليهود المعاصرين ذلك بارتباط الكهنة بالمعبد وبطقوس العبادة، وأن الانبياء كانوا مجرّد تابعين ومساعدين للكهنة([66]).

ويظهر ذلك في الكثير من أسفار العهد القديم. فعلى سبيل المثال: نجد النبي (آرميا) يتّهم الأنبياء الذين تنبّأوا كذباً بأنهم آلة في أيدي الكهنة؛ ليمدّوا سلطانهم على الشعب([67]).

الملاحظة الثانية: إن الشريعة اليهودية قد بقيت حاكمةً ومسيطرة في المجتمع اليهودي، بالرغم من توالي الأنبياء وتعاقبهم.

كانت الشريعة المعتمدة في الأساس على الوصايا العشر كياناً قائماً بذاته، ولا يخضع لتفسيرات وتأويلات الأنبياء، وهو الأمر الذي أضعف من سلطة النبيّ الروحية والزمنية.

 وإذا تركنا الفكر اليهودي، وانتقلنا لتناول مفهوم السلطة عند الشيعة الإمامية، لوجدنا أن هناك اختلافاً وتعارضاً تامّاً حول فكرة السلطة في كلٍّ من الفكرين، بحيث إننا نستطيع أن نجزم بعدم وجود علاقة بين كلٍّ منهما والآخر، وأن كلاًّ منهما قد نشأ وتطوّر في ظروف مختلفة ومتباينة.

فالإمام عند الشيعة الإمامية يتمّ اختياره بواسطة الله وحده، ولا دور للبشر في ذلك الاختيار([68]).

وسلطة الإمام هي سلطة مطلقة في كلّ أمور ونواحي الحياة؛ ذلك أن الإمامة هي زعامة في أمور الدين والدنيا، وهي نيابة عن الرسول‘ في حفظ شريعته من الزيادة والنقيصة، وإقامة الحدود، ودرء الفساد، ونحوها من فوائدها اللازمة، على الوجه الشرعي والقانون الإلهي([69]).

ولذلك فإن اعتقاد الشيعة هو أن طاعة الإمام من طاعة الله([70]). فسلطة الإمام عندهم مستمدّة من سلطة الرسول‘ وسلطة الله. ولذلك فإننا نجد أن اعتقاد الشيعة في أئمّتهم أن أمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليّهم وليّه، وعدوّهم عدوّه، ولا يجوز الردّ عليهم، والردّ عليهم كالرادّ على الرسول‘، والرادّ على الرسول كالرادّ على الله تعالى، فيجب التسليم لهم، والانقياد لأمرهم، والأخذ بقولهم([71]).

ومن هنا فإننا نجد أن مفهوم السلطة الممنوحة للإمام عند الشيعة يختلف اختلافاً كبيراً عن مفهوم السلطة عند أنبياء بني إسرائيل.

فالإمام يعتبر امتداداً لله، أما النبيّ الإسرائيلي فيعتبر وسيطاً بين الله وشعبه.

وهناك ملاحظتان مهمّتان على مفهوم السلطة لدى أئمّة الشيعة، وهما:

الملاحظة الأولى: إن مفهوم الإمامة المرتبط بالنبوة وبرسالة محمد‘ قد ارتبط بفكرة عالمية الدين، ومن ثم فإنه لمّا كان الإمام امتداداً للرسول‘ فإننا نجد أن سلطة الإمام كانت سلطةً روحية على جميع أتباعه في كلّ مكان. وكان المفترض أن يؤمن به جميع البشر في زمنه؛ لأنه حجّةٌ على الناس كافّةً في كلّ أنحاء المعمورة.

الملاحظة الثانية: إنه لم يحدث في التاريخ الشيعي أن انقسمت السلطة على أكثر من جهة. فالإمام دائماً وأبداً هو محور الدين ومرتكزه الأساس، وهو الشخص الذي اجتمعت فيه جميع السلطات (الشرعية)، ولو أن الظروف القهرية قد اضطرّت الشيعة في بعض الأحيان للخضوع للسلطة الحاكمة الممثَّلة في شخص الخليفة السنّي الذي يعيشون في دولته.

كما أن الشريعة وأحكام الدين وثوابته لم تضعف من سلطة الإمام أو توهن منها؛ لأن الإمام كان هو الشخص الوحيد الموكل إليه الصلاحيات المتعلِّقة بتفسير وتأويل النصوص الدينية. ولذلك نجد أن (الشريعة) كانت منضويةً تحت سلطان الإمام، وخاضعةً له خضوعاً تامّاً.

ويدلّ على ذلك قول (الشاطبي) في الشيعة الإمامية: فحكموا الرجال على الشريعة، ولم يحكموا الشريعة على الرجال([72]).

 

2ـ المسيح والمهدي

النقطة الثانية التي ربط فيها فلهاوزن ما بين العقيدة اليهودية والمذهب الشيعي الإمامي هي نقطة التشابه ما بين الاتجاهين في فكرة المخلِّص المنتظر، ذلك الذي عرف في اليهودية باسم (المسيا) أو (المسيح)، بينما عُرف في المذهب الشيعي بـ (المهدي).

وقد أشار فلهاوزن إلى الروايات التاريخية التي تدّعي أن (محمد بن الحنفية) هو المهدي المنتظر، الذي يتوارى عن الأنظار في جبل رضوى، حيث يسود السلام، منتظراً الوقت المناسب للخروج والظهور للناس؛ لتحقيق حلم العدل، وإقامة الحقّ، والقضاء على الظلم والجَوْر.

وقارن فلهاوزن ما بين تلك الروايات وما ورد في العهد القديم، في سفر أشعيا، في الإصحاح 7 والإصحاح 11، حيث وجد المستشرق الألماني أن هناك الكثير من أوجه الشبه ما بين تلك النصوص([73])، ممّا يجعل منها دليلاً ـ من وجهة نظره ـ على صدق نظريته التي ترى أن المذهب الشيعي الإمامي قد تمّ اقتباس أصوله من العقائد والأفكار اليهودية.

المسيح في العقيدة اليهودية

كانت فكرة المخلِّص المنتظر الموعود الذي ينتظره شعبه من أوسع الأفكار انتشاراً في العصور القديمة. ويلاحظ الدكتور أحمد أمين، في كتابه (المهدي والمهدوية)، أن تلك الفكرة قد انتشرت في الشرق أكثر بكثير من انتشارها في الغرب. وهو يبرِّر ذلك بقوله: وذلك لأن الشرقيين أكثر أملاً، وأكثر نظراً للماضي والمستقبل، والغربيين أكثر عملاً، وأكثر نظراً إلى الواقع([74]).

وقد ظهرت فكرة المخلِّص المنتظر في العقيدة اليهودية، كما ظهرت بعد ذلك في الأديان والعقائد المسيحية والإسلامية([75]). على أننا نلاحظ أن تلك الفكرة قد أخذت شكلاً مختلفاً في كلّ دين بحَسَب ظروفه وأسسه ومبادئه العامّة والحالة التي يعيشها شعبه ويمرّ بها.

فإذا حاولنا أن نتناول فكرة المخلِّص المنتظر في العقيدة اليهودية لوجدنا أن تلك الفكرة قد مرَّتْ بعددٍ من المراحل والتطورات، حتّى أخذت في النهاية الصيغة والشكل النهائي لها.

فالدارس للعهد القديم سوف يجد أنه لا توجد إشارة واحدة واضحة وصريحة تشير إلى انتظار مخلِّص منتظر عند اليهود في أسفار التوراة الخمسة([76])، وإنْ كان هناك عددٌ من التأويلات المسيحية التي ترى أن هناك عدداً من النصوص التي ترمز إلى المخلِّص، ومن ذلك: ما ورد في سفر التكوين([77]) حول (شيلون)، الذي سيأتي وتخضع له شعوب، حيث تمّ تفسير كلمة شيلون بمعنى حاكم السلام([78]).

وكذلك وردت بعض الإشارات في سفر أشعيا([79]) تلمح إلى أنه سوف يأتي زمن يقضي الله فيه على كل الجور والظلم الموجودان في العالم([80]).

ومع مرور الوقت وازدياد الاضطهاد الواقع على شعب بني إسرائيل من القوى العظمى التي احتلَّت فلسطين، وأخضعتهم مجبرين لسلطانها، ظهرت فكرة ترى أن أحد أبناء داوود الملك سوف يظهر، ويحرِّر العبرانيين من الظلم والجور الواقعين تحته، وأنه سوف يقيم ملكاً عظيماً. وتمّ تخليد تلك الفكرة في كلٍّ من: التلمود؛ والمدراش([81]).

ويرى العديد من الباحثين أن فكرة انتظار ملك مخلِّص من نسل داوود هي فكرة فارسية الأصل، وأن اليهود قد اقتبسوها من الديانة الزرادشتية([82]).

وعبر التاريخ اليهودي الطويل نجد أن الكثير من اليهود قد ادّعوا أنهم هم أنفسهم المسيا أو المسيح المنتظر.

والمسيح هو الاسم الذي يشير إلى ملك أو كاهن أدخل إلى المركز رسمياً عن طريق مسح رأسه بالزيت. والكلمة مشتقة من اللفظة العبرية (الماشيح) المنتظر.

ومن أهم الأشخاص الذين ادّعوا أنهم المسيح المنتظر في التاريخ اليهودي:         1ـ ثيوداس؛ 2ـ يهوذا الجليلي؛ 3ـ بركوكبا؛ 4ـ عوبديا؛ 5ـ سيرينوس؛ 6ـ داوود الرائي؛ 7ـ أشرإملين؛ 8ـ داوود الرأوبيني؛ 9ـ شبتاي صبي؛ 10ـ يعقوب فرانك([83]).

وهناك عددٌ من الخصائص المميزة لفكرة المخلِّص المنتظر أو المسيح في العقيدة اليهودية. وتلك الخصائص والسمات التي تهمّنا في عملية مقارنة المسيح اليهودي مع المهدي الشيعي هي:

1ـ إنه لم ترِدْ معلومات كافية في العهد القديم وباقي المصادر الدينية اليهودية المعتبرة حول شخصية المسيح المنتظر أو صفاته وشكله، وهو الأمر الذي أتاح الفرصة أمام الكثير من اليهود للادّعاء أنهم هم المقصودون بالبشارة، دون غيرهم.

2ـ بما أن اليهودية لم تهتمّ بالحياة الأخروية أو مسألة البعث والنشور بعد الموت فإننا نجد أن المسيح المنتظر في العقيدة اليهودية كان يتمّ تخيُّله على كونه ملكاً قوياً بيده سلطان يستطيع به أن يحقِّق السعادة والخير لبني قومه على الأرض في حياتهم، ولذلك السبب لم يتقبَّل اليهود أيّ شخصٍ يدّعي أنه المسيح، دون أن تكون معه قوّة كافية لتحقيق الملك والسيادة.

ولعلّ حالة (المسيح عيسى ابن مريم) من أكثر الحالات التي تدلّ على ذلك. فقد رفض اليهود تصديق المسيح، وناصبوه العداء، واتَّهموه بالكذب؛ لأنهم كانوا ينتظرون ملكاً قوياً، يقيم دولتهم، ويعيد بناء هيكلهم، فإذا بهم يجدون رجلاً مسالماً، ينزع الى الإصلاح والتطهُّر، دون أن يتّخذ مسالك القوّة والعنف.

3ـ إن اليهود لا يؤمنون بفكرة غيبة المسيح بعد ظهوره. فالمسيح في الاعتقاد اليهودي يأتي ويحمل معه الخير والسعادة والعدل (وسيأتي بالخلاص المباشر، ولا يحتاج إلى قدومٍ ثان)([84]). فلا معنى لظهور المسيح ثمّ غيابه مرّةً أخرى؛ لأن الهدف الرئيس من ظهور المسيح هو الذي أدّى لاختلاق نظرية وجوده في الأساس، وبالتالي فلا ضرورة لوجود المسيح متغيِّباً أو مختفياً.

المهديّ في المذهب الشيعي

وبعد أن تناولنا فكرة المسيح في الفكر اليهودي نتناول الآن فكرة المهدي المنتظر في الفكر الشيعي الإمامي.

يأتي اسم المهدي من الفعل «هدى»، أي بيَّن طريق الهدى وعرَّفه وأرشد إليه([85]).

أما المدلول العام لتلك الكلمة فهو «الإشارة إلى رجلٍ هداه الله الطريق القويم»([86]).

وأخذت تلك الكلمة معنى اصطلاحيّاً معيناً، وهو «الإشارة إلى إمامٍ منتظر، يأتي في آخر الزمان، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً»([87]).

ولم تَرِدْ كلمة المهدي بهذا المعنى في القرآن الكريم، وكذلك لم تَرِدْ في صحيح البخاري، أو صحيح مسلم. ولكنْ مع ذلك وردت الإشارة إلى المهدي المنتظر في العديد من الكتب المعتبرة عند أهل السنّة و الجماعة([88]).

وتكاد جميع الفرق والمذاهب الإسلامية تتّفق على أن المهدي هو شخصية بها نوع من القداسة، وأنه هو الذي سوف يقود قوى الخير والإيمان ضدّ قوى الباطل والظلم والعدوان([89]).

وهناك اختلافٌ حول الصفات اللازم توافرها في شخص المهديّ؛ فهناك مَنْ يرى أنّه يلزم أن يوافق اسم المهدي اسم الرسول محمد‘، دون الأخذ في الاعتبار اسم أبيه؛ وهناك مَنْ يرى أن اسم المهدي يجب أن يكون «محمد بن عبد الله»، بحيث يتطابق مع اسم الرسول‘ واسم أبيه([90])؛ ويرى بعض علماء السنّة أن المهدي هو «المسيح عيسى ابن مريم×»([91])([92]). أما الشيعة الإسماعيلية فتعتقد أن المهدي المنتظر هو «عبيد الله المهدي»، الذي ولد عام260هـ/873م، واستطاع أن يقيم دولة إسماعيلية شيعية في المغرب في عام297هـ/909م([93]).

وأمام التباين والاختلاف في صورة وشخص المهدي في عقلية الفرق الإسلامية المختلفة زعم الكثير من المستشرقين والباحثين الغربيين أن فكرة المهدية ليست بفكرةٍ أصيلة في العقيدة الإسلامية، وأنها تعود إلى أصول يهودية أو نصرانية.

فإذا انتقلنا لدراسة فكرة المهدية في المغرب الإسلامي وجدنا أن تلك الفكرة قد حظيت بانتشارٍ كبير على أثر نجاح حركة عبيد الله المهدي مؤسِّس الدولة الفاطمية([94]). ويفسِّر أحد الباحثين ذلك النجاح لفكرة المهدية في بلاد المغرب بأنه «يوجد استعدادٌ نفسي عند أهل المغرب في تقبُّل والتماس الحلّ الخارق»([95]).

أما الشيعة الاثنا عشريّة فيعتقدون أن المهدي المنتظر هو «محمد بن الحسن بن عليّ بن محمد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب»، وهو الإمام الثاني عشر في سلسلة الأئمة. وقد ولد ليلة النصف من شعبان في عام 255هـ، وتولى الإمامة بعد وفاة أبيه، وكان عمره وقتها خمسة أعوام فقط([96]). ويعتقدون أنه اختفى في «سامراء»([97]) في عام265هـ/874م، أو 266هـ/875م، وأنه منذ ذلك الوقت في الغَيْبة، وأنه عندما يشاء الله سوف يخرج من غَيْبته، ويخرج للناس، «فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً».

وانقسمت فترة اختفاء المهدي عن أنظار الناس إلى مرحلتين مميزتين:

المرحلة الأولى: وتعرف بـ (الغيبة الصغرى)، وفيها كان المهديّ يتواصل مع أتباعه عن طريق وسطاء معينين من قبله، وهم:

1ـ عثمان بن سعيد العمري.

2ـ محمد بن عثمان بن سعيد العمري.

3ـ الحسين بن روح النوبختي.

4ـ عليّ بن محمد السمري([98]).

المرحلة الثانية: وتعرف بـ (الغيبة الكبرى)، وفيها لم يعُدْ هناك نواب أو وكلاء للمهدي، وأصبح المهدي يظهر بنفسه لبعض أتباعه بين الحين والآخر([99]).

ملاحظاتٌ على نظريّة المهديّ عند الشيعة الاثني عشريّة

1ـ إن هناك الكثير من الأدلة النقلية والعقلية التي تؤيِّد فكرة المهدي المنتظر في المذهب الشيعي الاثني عشري. فهناك عددٌ من الآيات التي يؤوِّلها الشيعة، ويرَوْن أن المقصود بها هو المهديّ المنتظر، مثل:

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 106).

﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 56).

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: 5 ـ 6).

كما أن هناك الكثير من الأحاديث النبوية التي جاء فيها ذكر المهديّ، حتّى أنه ـ بحَسَب رأي أحد العلماء الشيعة ـ قد تجاوزت تلك الأحاديث حدّ التواتر، بحيث لا يبقى هناك مجالٌ ولا موضع للمناقشة([100]).

وأيضاً يوجد الكثير من أقوال الأئمة التي تذكر المهديّ، وتبشِّر به، وتتحدّث عنه.

 أما عن الأدلة العقلية فهي أدلّةٌ تتوافق مع مفهوم الإمامة في العقلية الشيعية الاثني عشرية. فلما كان الإمام هو حجّة الله على الناس فقد توجَّب أن يكون المهدي الذي يحيل الظلم إلى عدل، والجور إلى خير وسعادة، هو آخر هؤلاء الأئمة.

2ـ إن مفهوم الغيبة هو مفهوم أصيل في الفكر الشيعي الإمامي في ما يتعلَّق بفكرة المهدي المنتظر؛ حيث إننا نجد أن الكثير من أقوال الأئمة قد تنبّأت بغيبة المهديّ، وبشَّرت بها، في كتب الشيعة ومصادرها المتقدِّمة([101]).

إن فكرة الغيبة قد جاءت لتعالج مشكلةً في مفهوم الإمامة عند الشيعة الاثني عشرية؛ لأن اقتصار الإمامة على اثني عشر إماماً قد أدّى إلى ظهور مشكلة في ما يتعلَّق بمَنْ يخلف الإمام الثاني عشر، فكانت الغيبة تحلّ تلك الإشكالية؛ لأنها حافظت على فكرة الحجّة الباقية ما بقيت حياة الناس على الأرض، وفي نفس الوقت حافظت على عدد الأئمة الاثني عشر.

3ـ الرَّجْعة

والرَّجْعة هي النقطة الثالثة التي يبني عليها يوليوس فلهاوزن نظريته التي تذهب إلى أن المذهب الشيعي يعود في أصوله إلى عقائد وأفكار يهودية.

وبدايةً سوف نذكر ما أورده (فلهاوزن) بخصوص تلك النقطة. يقول فلهاوزن: وأقيم تأليه بيت الرسول على أساسٍ فلسفي بواسطة مذهب الرجعة، أو تناسخ الأرواح. فالأرواح تنتقل بالموت من جسمٍ إلى جسم… ويستفيد هذا المذهب أهمّية عملية خصوصاً عن طريق رفعه إلى روح الله التي تحلّ في نفوس الأنبياء، فهذه الروح تنتقل من نبيٍّ إلى آخر بعد وفاة السابق([102]).

ويربط المستشرق الألماني ذلك ببدعة يهودية منسوبة إلى كليمانس، وهي تقول: إن روح الله تتّحد في أدم مع شخص إنسان يظهر بصفة النبيّ الصادق، في صور متعدّدة، وقد قدّر له السيادة على الملكوت الدائم([103]).

ثمّ يبين التغيُّر الذي حدث في مفهوم الرجعة عند الشيعة المتأخِّرين، فيقول: ولكنّ المتأخِّرين قد فهموا ـ في ما يبدو ـ الرجعة على نحوٍ آخر، فقد تصوَّروها على نحو ديالكتيكي، فقالوا بفترة غيبة دورية للإمام الصادق، ثمّ سمّوا ـ في مقابل ذلك ـ ظهوره من جديدٍ رجعة([104]).

ولنا على كلام فلهاوزن عددٌ من الملاحظات المهمة، وهي:

أوّلاً: إن مفهوم الرجعة الشيعي لا نكاد نلمح له أيّ أثر على مدار التاريخ العقائدي الفكري اليهودي. فالديانة اليهودية أولَتْ معظم اهتمامها وتوجيهاتها لأتباعها في ما يخصّ الحياة الدنيوية على الأرض، فلا تذكر شيئاً عن الحياة الآخرة أو البعث والنشور والقيامة والجنّة والنار. ويذهب الكثير من علماء الدين اليهودي إلى أن جنة اليهود ستتحقّق لهم على الأرض؛ فقد وعدهم التناخ بالسلام والثروة والصحة والحياة الطيبة في هذا العالم إذا هم أطاعوا التوراة الإلهية([105]). ولم تَرِدْ أيّ إشارةٍ في العهد القديم تذكر أن الإنسان سوف يرجع إلى الأرض مرّةً أخرى بعد وفاته.

ثانياً: إن الإشارة الوحيدة التي يستشهد بها فلهاوزن على الأصل اليهودي لفكرة الرجعة هو ما ورد في بعض المواعظ ـ التي يعترف فلهاوزن نفسه أنها منحولة ومغلوطة ـ المنسوبة إلى بابا روما (كليمنتس الأول)، والتي تعود إلى القرن الأول الميلادي.

والغريب أن فلهاوزن ـ وهو العالم الخبير في مجال نقد الكتاب المقدَّس، والعهد القديم على وجه الخصوص ـ يقوم بالاستشهاد بكتاباتٍ ـ يعترف هو نفسه بوجود احتمالية كبيرة في خطئها ـ لعالم دينٍ مسيحي، ويعتبر أن تلك الكتابات دليلٌ وشاهد على العقيدة اليهودية.

ولستُ أدري كيف وقع فلهاوزن في ذلك الخطأ المنهجي الذي لا يغتفر لباحثٍ مبتدئ، فما بالك وقد وقع فيه باحثٌ متمرس مثل: فلهاوزن؟! والتفسير الوحيد الذي أراه منطقياً لتبرير ذلك أن فلهاوزن قد قام بليّ عنق ما ورد في تلك المواعظ، وأخذ منها ما ظنَّه يتوافق مع نظريّته وفكرته المسبقة لتأييد رأيه وتدعيمه.

وقد ظهر ذلك بوضوحٍ عندما قام بوصف (مواعظ كليمنتس) بأنها (بدعة يهودية)، بالرغم من أن التوصيف المنضبط لها هو أنها (أفكارٌ مسيحية مبكّرة)، فلماذا قام المستشرق الألماني الكبير بذلك الخلط والتمويه المقصودين؟! إذ إنه لو اتّبعنا نفس المنهجية التوصيفية التي استخدمها هو لوصلنا في النهاية إلى كون المسيحية برمّتها ما هي إلاّ (هرطقة يهودية كبرى) وحَسْب، وبذلك تسقط الحواجز والفوارق الرئيسة بين الأديان، وتفقد كلٌّ منها ملامحها الأساسية وسماتها المميِّزة التي تفرِّق كلاًّ منها عن الآخر.

ثالثاً: إن فلهاوزن ينسب إلى الشيعة الإمامية أنهم اعتقدوا بكون الرجعة نوعاً من تناسخ الأرواح، حيث (تنتقل الروح بعد الموت من جسمٍ إلى جسم). ولكنْ بمراجعة المصادر المتقدِّمة والمراجع المتأخِّرة في عقائد الفكر الشيعي الإمامي نجد أن واحداً من أعظم وأهمّ العلماء الإمامية، وهو الشيخ الصدوق، يصرِّح بأن تناسخ الأرواح باطلٌ وكذب، وأن مَنْ أعتقد بالتناسخ فهو كافر([106]).

أما الرجعة التي يؤمن بها الشيعة الإمامية فهي على النحو الذي يشرحه الشيخ محمد رضا المظفَّر، في كتابه (عقائد الإمامية)، بقوله: إن الله تعالى يُعيد قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعزّ فريقاً، ويذلّ فريقاً آخر([107]).

ويستدلّ علماء الشيعة الإمامية ببعض الآيات التي وردت في القرآن الكريم، والتي يظهر منها الاعتقاد بالرجعة، على هذا المفهوم، ومنها:

﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس: 76 ـ 78).

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (غافر: 10 ـ 11).

ومن الممكن أن نجد أثراً لما يشبه عقيدة الرجعة عند المسلمين السنّة، في اعتقادهم بأن الله قد أعاد الحياة لعددٍ من الموتى، مثل: مَنْ قام المسيح عيسى ابن مريم بإحيائه بإذن الله؛ وعزير الذي أُعيد إلى الحياة بعد موته.

الخاتمة والنتائج

بعد عمل مقارنة في النقاط التي أوردها فلهاوزن في نظريته التي قالت بأن أصول وجذور المذهب الشيعي الإمامي مقتبسةٌ من العقائد والأفكار اليهودية يمكن القول بأننا قد قمنا بإثبات خطأ النظرية، حيث إنه قد وُجد عددٌ من الاختلافات في النقاط التالية:

1ـ مفهوم انتقائية النبيّ (عند اليهود) والإمام (عند الشيعة).

2ـ فكرة السلطة عند كلٍّ من الفريقين.

3ـ مفهوم العصمة.

4ـ الاختلاف حول فكرة المسيا والمهديّ.

5ـ الخلاف حول فكرة الرجعة.

الهوامش

(*) ماجستير في التاريخ الإسلامي. من مصر.

([1]) د. كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوُّف والتشيُّع: 409 ـ 454، ط3، دار الأندلس، بيروت، 1982م.

([2]) روبرتسن سميث، محاضرات في ديانة الساميين: 1، ترجمة: عبد الوهاب علوب، مراجعة وتقديم: د. محمد خليفة حسن، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997م.

([3]) يوليوس فلهاوزن، تاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية: 8 ـ 9، نقله عن الألمانية وعلق عليه: د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، راجع الترجمة: د. حسين مؤنس، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1968م.

([4]) نجيب العقيقي، المستشرقون: 724، دار المعارف، القاهرة، 1964م.

([5]) ريتشارد إليوت فريدمان، من كتب التوراة: 24، ترجمة: عمرو زكريا، مراجعة وتقديم: أيمن حامد، دار البيان للنشر والتوزيع، القاهرة، 2003م.

([6]) نجيب العقيقي، المستشرقون: 725.

([7]) يوليوس فلهاوزن، أحزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الإسلام (الخوارج والشيعة): 238، ترجمه عن الألمانية: د. عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1958م.

([8]) المصدر السابق: 239.

([9]) المصدر نفسه.

([10]) المصدر السابق: 241.

([11]) المصدر السابق: 244.

([12]) د. سعد الهاشمي، ابن سبأ حقيقة لا خيال: 8 ـ 9.

([13]) د. حسن ابراهيم حسن، زعماء الإسلام: 49.

([14]) د. سعد الهاشمي، ابن سبأ حقيقة لا خيال: 7.

([15]) المصدر نفسه.

([16]) راجع: مرتضى العسكري، خمسون ومئة صحابي مختلق 1: 70؛ عبد الله بن سبأ وأساطير اخرى 2: 381.

([17]) د. عبد الله فياض، تاريخ الإمامية: 92 ـ 110.

([18]) د. عبد العزيز صالح الهلابي، عبد الله بن سبأ (دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة): 9.

([19]) د. سعد الهاشمي، ابن سبأ حقيقة لا خيال: 9 ـ 22.

([20]) د. عبد العزيز صالح الهلابي، عبد الله بن سبأ (دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة): 13.

([21]) الملطي، التنبيه والردّ على أهل الأهواء والبدع: 16، تقديم وتحقيق وتعليق: د. محمد زينهم محمد عزب، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1993م.

([22]) عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، تثبيت دلائل النبوة 2: 549، تحقيق وتقديم: د. عبد الكريم عثمان، دار العربية، بيروت.

([23]) الأسفراييني، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين: 163، تحقيق: كمال يوسف الحوت، عالم الكتب، بيروت، 1983م.

([24]) الرازي، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: 57، مراجعة وتحرير: علي سامي النشّار، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1938م.

([25]) تاريخ اليعقوبي 2: 174؛ الطبري، تاريخ الرسل والملوك 7: 45.

([26]) تاريخ اليعقوبي 2: 174؛ الطبري، تاريخ الرسل والملوك 7:  48؛ المسعودي، مروج الذهب 2: 76.

([27]) المقدسي، البدء والتاريخ 6: 15؛ أبو النصر محمد الخالدي، توابع الفتنة الكبرى: 129.

([28]) الطبري، تاريخ الرسل والملوك 7: 52؛ أبو النصر محمد الخالدي، توابع الفتنة الكبرى: 133.

([29]) المسعودي، مروج الذهب 2: 76.

([30]) أبو حنيفة أحمد بن داوود الدينوري، الأخبار الطوال: 283، مطبعة السعادة، القاهرة، 1911م.

([31]) تاريخ اليعقوبي 2: 175 ـ 176؛ الطبري، تاريخ الرسل والملوك 7: 100، 130.

([32]) تاريخ اليعقوبي 2: 176.

([33]) هو مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، كان يكنى بأبي عبد الله، تولّى حكم العراق في خلافة أخيه عبد الله، وقتل في عام 72هـ/691م. (ابن سعد، الطبقات 7: 181 ـ 182).

([34]) تاريخ ابن خيّاط: 264؛ تاريخ اليعقوبي 2: 181؛ الطبري، تاريخ الرسل والملوك 7: 144؛ المقدسي، البدء والتاريخ 6: 23.

([35]) لمراجعة الخلافات حول أصل تسمية الكيسانية راجع: الحسن بن موسى النوبختي وسعد بن عبد الله القمّي، فرق الشيعة: 34 ـ 38، تحقيق: د. عبد المنعم الحفني، دار الرشاد، القاهرة، 1992م؛ أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلين: 89 ـ 90، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1950م؛ الشهرستاني، الملل والنحل: 55.

([36]) د. محمود إسماعيل، فرق الشيعة بين التفكير السياسي والنفي الديني: 17، سينا للنشر، القاهرة، 1995م.

([37]) النوبختي والقمّي، فرق الشيعة: 33.

([38]) أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين: 90 ـ 91.

([39]) أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين: 90.

([40]) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: 42، تصحيح وتقديم وتعليق: حسين الأعلمي، منشورات الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1991م.

([41]) فلهاوزن، أحزاب المعارضة السياسية الدينية: 246.

([42]) وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ، فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً، وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ، وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ». (التكوين 12: 1 ـ 3).

([43]) وَظَهَرَ اللهُ لِيَعْقُوبَ أَيْضاً حِينَ جَاءَ مِنْ فَدَّانَِ أَرَامَ وَبَارَكَهُ. وَقَالَ لَهُ اللهُ: «اسْمُكَ يَعْقُوبُ. لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِيمَا بَعْدُ يَعْقُوبَ، بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِسْرَائِيلَ». فَدَعَا اسْمَهُ «إِسْرَائِيلَ». وَقَالَ لَهُ اللهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. أَثْمِرْ وَاكْثُرْ. أُمَّةٌ وَجَمَاعَةُ أُمَمٍ تَكُونُ مِنْكَ، وَمُلُوكٌ سَيَخْرُجُونَ مِنْ صُلْبِكَ. وَالأَرْضُ الَّتِي أَعْطَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ لَكَ أُعْطِيهَا، وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أُعْطِي الأَرْضَ». (التكوين 35 : 9 ـ 13).

([44]) المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد 2: 345 ـ 347، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت^ لإحياء التراث، بيروت، 1995م؛ الشهرستاني، الملل والنحل: 55.

([45]) الكليني، أصول الكافي 1: 126، دار المرتضى، بيروت، 2005م.

([46]) في النصف الثاني من حكم الخليفة الفاطمي المستنصر بالله كان الوزير بدر الجمالي قد استطاع أن يفرض سلطته على الدولة الفاطمية بشكلٍ كامل، بحيث أصبح هو الحاكم الحقيقي للبلاد. وعندما اشتد المرض ببدر فإنه قام باستصدار قرارٍ من الخليفة الفاطمي المستنصر بالله بتعيين ولده «الأفضل شاهنشاه» في منصب الوزارة. وفي عام 487م توفي المستنصر بالله، وبمجرد أن عرف الوزير الأفضل شاهنشاه بوفاة الخليفة المستنصر بالله فإنه ذهب لقصر الخلافة، واجتمع بأبناء المستنصر الذكور الأربعة، وهم: نزار، عبد الله، إسماعيل، أحمد، وأمر نزار وعبد الله وإسماعيل بمبايعة أخيهم أحمد، فرفضوا ذلك، واحتجّوا بكونهم جميعا أكبر منه سنّاً. واستطاع نزار أن يهرب من القاهرة، فتوجَّه إلى الإسكندرية، والتي كانت تمثِّل في ذلك الوقت أحد معاقل المعارضة القويّة. وهناك وجد التأييد من أهل الإسكندرية، كما سانده بعض القادة والأعيان ورجال الدين. ولكنْ سرعان ما تمّت هزيمته، ووقع في الأسر، ثم قتل بعد ذلك في سجنه.

وقد أدّى ما حدث من انقسام فى صفوف الفاطميين في مصر إلى حدوث اختلاف بين الإسماعيليين في شتّى أنحاء العالم الإسلامي، فقام الإسماعيليون في بلاد فارس وجزء كبير من بلاد الشام بإعلان ولائهم المطلق لنـزار والأئمة من عقبه، وعرفوا باسم «النـزارية»، أما باقي الإسماعيليين في مصر واليمن وجزء من بلاد الشام فقد اعتقدوا بصحّة ولاية المستعلي بالله، فعرفوا باسم «المستعلية».

([47]) 30وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَسَكَنَ فِي الْجَبَلِ، وَابْنَتَاهُ مَعَهُ، لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صُوغَرَ. فَسَكَنَ فِي الْمَغَارَةِ هُوَ وَابْنَتَاهُ. 31وَقَالَتِ الْبِكْرُ لِلصَّغِيرَةِ: «أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ لِيَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الأَرْضِ. 32هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا خَمْراً وَنَضْطَجعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلاً». 33فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْراً فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَدَخَلَتِ الْبِكْرُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا، وَلاَ بِقِيَامِهَا. 34وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ الْبِكْرَ قَالَتْ لِلصَّغِيرَةِ: «إِنِّي قَدِ اضْطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي. نَسْقِيهِ خَمْراً اللَّيْلَةَ أَيْضًا فَادْخُلِي اضْطَجِعِي مَعَهُ، فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلاً». 35فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْراً فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَيْضاً، وَقَامَتِ الصَّغِيرَةُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا، وَلاَ بِقِيَامِهَا، 36فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا. 37فَوَلَدَتِ الْبِكْرُ ابْناً، وَدَعَتِ اسْمَهُ «مُوآبَ»، وَهُوَ أَبُو الْمُوآبِيِّينَ إِلَى الْيَوْمِ. 38وَالصَّغِيرَةُ أَيْضاً وَلَدَتِ ابْناً، وَدَعَتِ اسْمَهُ «بِنْ عَمِّي»، وَهُوَ أَبُو بَنِي عَمُّونَ إِلَى الْيَوْمِ. (التكوين 30: 19 ـ 38).

([48]) 1وَحَدَثَ لَمَّا شَاخَ إِسْحَاقُ، وَكَلَّتْ عَيْنَاهُ عَنِ النَّظَرِ، أَنَّهُ دَعَا عِيسُوَ ابْنَهُ الأَكْبَرَ، وَقَالَ لَهُ: «يَا ابْنِي». فَقَالَ لَهُ: «ها أَنَا ذَا». 2فَقَالَ: «إِنَّنِي قَدْ شِخْتُ، وَلَسْتُ أَعْرِفُ يَوْمَ وَفَاتِي. 3فَالآنَ خُذْ عُدَّتَكَ: جُعْبَتَكَ وَقَوْسَكَ، وَاخْرُجْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَتَصَيَّدْ لِي صَيْداً، 4وَاصْنَعْ لِي أَطْعِمَةً كَمَا أُحِبُّ، وَأْتِنِي بِهَا لآكُلَ؛ حَتَّى تُبَارِكَكَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ». وَكَانَتْ رِفْقَةُ سَامِعَةً إِذْ تَكَلَّمَ إِسْحَاقُ مَعَ عِيسُو ابْنِهِ. فَذَهَبَ عِيسُو إِلَى الْبَرِّيَّةِ؛ كَيْ يَصْطَادَ صَيْدًا لِيَأْتِيَ بِهِ. 6وَأَمَّا رِفْقَةُ فَكَلَّمتْ يَعْقُوبَ ابْنَهَا، قَائِلةً: «إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ أَبَاكَ يُكَلِّمُ عِيسُوَ أَخَاكَ، قَائِلاً: 7ائْتِنِي بِصَيْدٍ وَاصْنَعْ لِي أَطْعِمَةً؛ لآكُلَ وَأُبَارِكَكَ أَمَامَ الرَّبِّ قَبْلَ وَفَاتِي. 8فَالآنَ يَا ابْنِي اسْمَعْ لِقَوْلِي فِي مَا أَنَا آمُرُكَ بِهِ: 9اِذْهَبْ إِلَى الْغَنَمِ، وَخُذْ لِي مِنْ هُنَاكَ جَدْيَيْنِ جَيِّدَيْنِ مِنَ الْمِعْزَى، فَأَصْنَعَهُمَا أَطْعِمَةً لأَبِيكَ كَمَا يُحِبُّ، 10فَتُحْضِرَهَا إِلَى أَبِيكَ لِيَأْكُلَ؛ حَتَّى يُبَارِكَكَ قَبْلَ وَفَاتِهِ». 11فَقَالَ يَعْقُوبُ لِرِفْقَةَ أُمِّهِ: «هُوَ ذَا عِيسُو أَخِي رَجُلٌ أَشْعَرُ، وَأَنَا رَجُلٌ أَمْلَسُ. 12رُبَّمَا يَجُسُّنِي أَبِي فَأَكُونُ فِي عَيْنَيْهِ كَمُتَهَاوِنٍ، وَأَجْلِبُ عَلَى نَفْسِي لَعْنَةً، لاَ بَرَكَةً». 13فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: «لَعْنَتُكَ عَلَيَّ، يَا ابْنِي. اِسْمَعْ لِقَوْلِي فَقَطْ، وَاذْهَبْ خُذْ لِي». 14فَذَهَبَ، وَأَخَذَ، وَأَحْضَرَ لأُمِّهِ، فَصَنَعَتْ أُمُّهُ أَطْعِمَةً كَمَا كَانَ أَبُوهُ يُحِبُّ. 15وَأَخَذَتْ رِفْقَةُ ثِيَابَ عِيسُو ابْنِهَا الأَكْبَرِ الْفَاخِرَةَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهَا فِي الْبَيْتِ، وَأَلْبَسَتْ يَعْقُوبَ ابْنَهَا الأَصْغَرَ، 16وَأَلْبَسَتْ يَدَيْهِ وَمَلاَسَةَ عُنُقِهِ جُلُودَ جَدْيَيِ الْمِعْزَى. 17وَأَعْطَتِ الأَطْعِمَةَ وَالْخُبْزَ الَّتِي صَنَعَتْ فِي يَدِ يَعْقُوبَ ابْنِهَا. 18فَدَخَلَ إِلَى أَبِيهِ، وَقَالَ: «يَا أَبِي»، فَقَالَ: «ها أَنَا ذَا. مَنْ أَنْتَ يَا ابْنِي؟». 19فَقَالَ يَعْقُوبُ لأَبِيهِ: «أَنَا عِيسُو بِكْرُكَ. قَدْ فَعَلْتُ كَمَا كَلَّمْتَنِي. قُمِ اجْلِسْ وَكُلْ مِنْ صَيْدِي؛ لِكَيْ تُبَارِكَنِي نَفْسُكَ». 20فَقَالَ إِسْحَاقُ لابْنِهِ: «مَا هذَا الَّذِي أَسْرَعْتَ لِتَجِدَ يَا ابْنِي؟» فَقَالَ: «إِنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ قَدْ يَسَّرَ لِي». 21فَقَالَ إِسْحَاقُ لِيَعْقُوبَ: «تَقَدَّمْ لأَجُسَّكَ يَا ابْنِي. أَأَنْتَ هُوَ ابْنِي عِيسُو أَمْ لاَ؟». 22فَتَقَدَّمَ يَعْقُوبُ إِلَى إِسْحَاقَ أَبِيهِ، فَجَسَّهُ، وَقَالَ: «الصَّوْتُ صَوْتُ يَعْقُوبَ، وَلكِنَّ الْيَدَيْنِ يَدَا عِيسُو». 23وَلَمْ يَعْرِفْهُ؛ لأَنَّ يَدَيْهِ كَانَتَا مُشْعِرَتَيْنِ كَيَدَيْ عِيسُو أَخِيهِ، فَبَارَكَهُ. 24وَقَالَ: «هَلْ أَنْتَ هُوَ ابْنِي عِيسُو؟» فَقَالَ: «أَنَا هُوَ». 25فَقَالَ: «قَدِّمْ لِي لآكُلَ مِنْ صَيْدِ ابْنِي؛ حَتَّى تُبَارِكَكَ نَفْسِي». فَقَدَّمَ لَهُ فَأَكَلَ، وَأَحْضَرَ لَهُ خَمْراً فَشَرِبَ. 26فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ أَبُوهُ: «تَقَدَّمْ وَقَبِّلْنِي يَا ابْنِي». 27فَتَقَدَّمَ وَقَبَّلَهُ، فَشَمَّ رَائِحَةَ ثِيَابِهِ وَبَارَكَهُ، وَقَالَ: «انْظُرْ! رَائِحَةُ ابْنِي كَرَائِحَةِ حَقْلٍ قَدْ بَارَكَهُ الرَّبُّ. 28فَلْيُعْطِكَ اللهُ مِنْ نَدَى السَّمَاءِ، وَمِنْ دَسَمِ الأَرْضِ، وَكَثْرَةَ حِنْطَةٍ وَخَمْرٍ. 29لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ، وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّداً لإِخْوَتِكَ، وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ. لِيَكُنْ لاَعِنُوكَ مَلْعُونِينَ، وَمُبَارِكُوكَ مُبَارَكِينَ». (التكوين 1: 27 ـ 29).

([49]) 12وَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ مَاتَتِ ابْنَةُ شُوعٍ، امْرَأَةُ يَهُوذَا. ثُمَّ تَعَزَّى يَهُوذَا، فَصَعِدَ إِلَى جُزَّازِ غَنَمِهِ إِلَى تِمْنَةَ، هُوَ وَحِيرَةُ صَاحِبُهُ الْعَدُلاَّمِيُّ. 13فَأُخْبِرَتْ ثَامَارُ، وَقِيلَ لَهَا: «هُوَ ذَا حَمُوكِ صَاعِدٌ إِلَى تِمْنَةَ؛ لِيَجُزَّ غَنَمَهُ». 14فَخَلَعَتْ عَنْهَا ثِيَابَ تَرَمُّلِهَا، وَتَغَطَّتْ بِبُرْقُعٍ، وَتَلَفَّفَتْ، وَجَلَسَتْ فِي مَدْخَلِ عَيْنَايِمَ الَّتِي عَلَى طَرِيقِ تِمْنَةَ؛ لأَنَّهَا رَأَتْ أَنَّ شِيلَةَ قَدْ كَبُرَ، وَهِيَ لَمْ تُعْطَ لَهُ زَوْجَةً. 15فَنَظَرَهَا يَهُوذَا، وَحَسِبَهَا زَانِيَةً، لأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ غَطَّتْ وَجْهَهَا. 16فَمَالَ إِلَيْهَا عَلَى الطَّرِيقِ، وَقَالَ: «هَاتِي أَدْخُلْ عَلَيْكِ»؛ لأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا كَنَّتُهُ، فَقَالَتْ: «مَاذَا تُعْطِينِي لِكَيْ تَدْخُلَ عَلَيَّ؟». 17فَقَالَ: «إِنِّي أُرْسِلُ جَدْيَ مِعْزَى مِنَ الْغَنَمِ». فَقَالَتْ: «هَلْ تُعْطِينِي رَهْنًا حَتَّى تُرْسِلَهُ؟». 18فَقَالَ: «مَا الرَّهْنُ الَّذِي أُعْطِيكِ؟» فَقَالَتْ: «خَاتِمُكَ وَعِصَابَتُكَ وَعَصَاكَ الَّتِي فِي يَدِكَ». فَأَعْطَاهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَحَبِلَتْ مِنْهُ. 19ثُمَّ قَامَتْ وَمَضَتْ، وَخَلَعَتْ عَنْهَا بُرْقُعَهَا، وَلَبِسَتْ ثِيَابَ تَرَمُّلِهَا. (التكوين 12: 38 ـ 19).

([50]) 1وَخَرَجَتْ دِينَةُ ابْنَةُ لَيْئَةَ الَّتِي وَلَدَتْهَا لِيَعْقُوبَ؛ لِتَنْظُرَ بَنَاتِ الأَرْضِ، 2فَرَآهَا شَكِيمُ ابْنُ حَمُورَ الْحِوِّيِّ رَئِيسِ الأَرْضِ، وَأَخَذَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، وَأَذَلَّهَا. 3وَتَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِدِينَةَ ابْنَةِ يَعْقُوبَ، وَأَحَبَّ الْفَتَاةَ وَلاَطَفَ الْفَتاةَ. 4فَكَلَّمَ شَكِيمُ حَمُورَ أَبِاهُ، قَائِلاً: «خُذْ لِي هذِهِ الصَّبِيَّةَ زَوْجَةً». 5وَسَمِعَ يَعْقُوبُ أَنَّهُ نَجَّسَ دِينَةَ ابْنَتَهُ. وَأَمَّا بَنُوهُ فَكَانُوا مَعَ مَوَاشِيهِ فِي الْحَقْلِ، فَسَكَتَ يَعْقُوبُ حَتَّى جَاؤُوا. 6فَخَرَجَ حَمُورُ أَبُو شَكِيمَ إِلَى يَعْقُوبَ؛ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ. 7وَأَتَى بَنُو يَعْقُوبَ مِنَ الْحَقْلِ حِينَ سَمِعُوا. وَغَضِبَ الرِّجَالُ، وَاغْتَاظُوا جِدّاً؛ لأَنَّهُ صَنَعَ قَبَاحَةً فِي إِسْرَائِيلَ بِمُضَاجَعَةِ ابْنَةِ يَعْقُوبَ، وَهكَذَا لاَ يُصْنَعُ. 8وَتَكَلَّمَ حَمُورُ مَعَهُمَ قَائِلاً: «شَكِيمُ ابْنِي قَدْ تَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِابْنَتِكُمْ. أَعْطُوهُ إِيَّاهَا زَوْجَةً، 9وَصَاهِرُونَا. تُعْطُونَنَا بَنَاتِكُمْ، وَتَأْخُذُونَ لَكُمْ بَنَاتِنَا. 10وَتَسْكُنُونَ مَعَنَا، وَتَكُونُ الأَرْضُ قُدَّامَكُمُ. اسْكُنُوا وَاتَّجِرُوا فِيهَا وَتَمَلَّكُوا بِهَا». 11ثُمَّ قَالَ شَكِيمُ لأَبِيهَا وَلإِخْوَتِهَا: «دَعُونِي أَجِدْ نِعْمَةً فِي أَعْيُنِكُمْ. فَالَّذِي تَقُولُونَ لِي أُعْطِي. 12كَثِّرُوا عَلَيَّ جِدّاً مَهْراً وَعَطِيَّةً، فَأُعْطِيَ كَمَا تَقُولُونَ لِي. وَأَعْطُونِي الْفَتَاةَ زَوْجَةً». 13فَأَجَابَ بَنُو يَعْقُوبَ شَكِيمَ وَحَمُورَ أَبَاهُ بِمَكْرٍ وَتَكَلَّمُوا؛ لأَنَّهُ كَانَ قَدْ نَجَّسَ دِينَةَ أُخْتَهُمْ، 14فَقَالُوُا لَهُمَا: «لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ هذَا الأَمْرَ، أَنْ نُعْطِيَ أُخْتَنَا لِرَجُل أَغْلَفَ، لأَنَّهُ عَارٌ لَنَا. 15غَيْرَ أَنَّنَا بِهذَا نُواتِيكُمْ: إِنْ صِرْتُمْ مِثْلَنَا بِخَتْنِكُمْ كُلَّ ذَكَرٍ 16نُعْطِيكُمْ بَنَاتِنَا، وَنَأْخُذُ لَنَا بَنَاتِكُمْ، وَنَسْكُنُ مَعَكُمْ، وَنَصِيرُ شَعْباً وَاحِداً. 17وَإِنْ لَمْ تَسْمَعُوا لَنَا، أَنْ تَخْتَتِنُوا، نَأْخُذُ ابْنَتَنَا وَنَمْضِي». 18فَحَسُنَ كَلاَمُهُمْ فِي عَيْنَيْ حَمُورَ، وَفِي عَيْنَيْ شَكِيمَ بْنِ حَمُورَ. 19وَلَمْ يَتَأَخَّرِ الْغُلاَمُ أَنْ يَفْعَلَ الأَمْرَ، لأَنَّهُ كَانَ مَسْرُوراً بِابْنَةِ يَعْقُوبَ. وَكَانَ أَكْرَمَ جَمِيعِ بَيْتِ أَبِيهِ. 20فَأَتَى حَمُورُ وَشَكِيمُ ابْنُهُ إِلَى بَابِ مَدِينَتِهُِمَا، وَكَلَّمَا أَهْلَ مَدِينَتِهُِمَا، قَائِلِينَ: 21«هؤُلاَءِ الْقَوْمُ مُسَالِمُونَ لَنَا. فَلْيَسْكُنُوا فِي الأَرْضِ وَيَتَّجِرُوا فِيهَا. وَهُوَ ذَا الأَرْضُ وَاسِعَةُ الطَّرَفَيْنِ أَمَامَهُمْ. نَأْخُذُ لَنَا بَنَاتِهِمْ زَوْجَاتٍ، وَنُعْطِيهِمْ بَنَاتِنَا. 22غَيْرَ أَنَّهُ بِهذَا فَقَطْ يُواتِينَا الْقَوْمُ عَلَى السَّكَنِ مَعَنَا لِنَصِيرَ شَعْباً وَاحِداً: بِخَتْنِنَا كُلَّ ذَكَرٍ، كَمَا هُمْ مَخْتُونُونَ. 23أَلاَ تَكُونُ مَوَاشِيهِمْ وَمُقْتَنَاهُمْ وَكُلُّ بَهَائِمِهِمْ لَنَا؟ نُواتِيهِمْ فَقَطْ فَيَسْكُنُونَ مَعَنَا». 24فَسَمِعَ لِحَمُورَ وَشَكِيمَ ابْنِهِ جَمِيعُ الْخَارِجِينَ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ، وَاخْتَتَنَ كُلُّ ذَكَرٍ، كُلُّ الْخَارِجِينَ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ. 25فَحَدَثَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، إِذْ كَانُوا مُتَوَجِّعِينَ، أَنَّ ابْنَيْ يَعْقُوبَ: شِمْعُونَ وَلاَوِيَ، أَخَوَيْ دِينَةَ، أَخَذَا كُلُّ وَاحِدٍ سَيْفَهُ، وَأَتَيَا عَلَى الْمَدِينَةِ بِأَمْنٍ، وَقَتَلاَ كُلَّ ذَكَرٍ. 26وَقَتَلاَ حَمُورَ وَشَكِيمَ ابْنَهُ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَخَذَا دِينَةَ مِنْ بَيْتِ شَكِيمَ، وَخَرَجَا. 27ثُمَّ أَتَى بَنُو يَعْقُوبَ عَلَى الْقَتْلَى، وَنَهَبُوا الْمَدِينَةَ؛ لأَنَّهُمْ نَجَّسُوا أُخْتَهُمْ. 28غَنَمَهُمْ وَبَقَرَهُمْ وَحَمِيرَهُمْ وَكُلَُّ مَا فِي الْمَدِينَةِ وَمَا فِي الْحَقْلِ أَخَذُوهُ. 29وَسَبَوْا وَنَهَبُوا كُلَّ ثَرْوَتِهِمْ، وَكُلَّ أَطْفَالِهِمْ، وَنِسَاءَهُمْ، وَكُلَّ مَا فِي الْبُيُوتِ. 30فَقَالَ يَعْقُوبُ لِشَمْعُونَ وَلاَوِي: «كَدَّرْتُمَانِي بِتَكْرِيهِكُمَا إِيَّايَ عِنْدَ سُكَّانِ الأَرْضِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِيِّينَ، وَأَنَا نَفَرٌ قَلِيلٌ، فَيَجْتَمِعُونَ عَلَيَّ وَيَضْرِبُونَنِي، فَأَبِيدُ أَنَا وَبَيْتِي». 31فَقَالاَ: «أَنَظِيرَ زَانِيَةٍ يَفْعَلُ بِأُخْتِنَا؟». (التكوين 1: 34 ـ 31).

([51]) 1وَتَكَلَّمَتْ مَرْيَمُ وَهَارُونُ عَلَى مُوسَى بِسَبَبِ الْمَرْأَةِ الْكُوشِيَّةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا؛ لأَنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّخَذَ امْرَأَةً كُوشِيَّةً. 2فَقَالاَ: «هَلْ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَحْدَهُ؟ أَلَمْ يُكَلِّمْنَا نَحْنُ أَيْضاً؟». فَسَمِعَ الرَّبُّ. 3وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيماً جِدّاً، أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. 4فَقَالَ الرَّبُّ حَالاً لِمُوسَى وَهَارُونَ وَمَرْيَمَ: «اخْرُجُوا أَنْتُمُ الثَّلاَثَةُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ». فَخَرَجُوا هُمُ الثَّلاَثَةُ. 5فَنَزَلَ الرَّبُّ فِي عَمُودِ سَحَابٍ، وَوَقَفَ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ، وَدَعَا هَارُونَ وَمَرْيَمَ، فَخَرَجَا كِلاَهُمَا. 6فَقَالَ: «اسْمَعَا كَلاَمِي. إِنْ كَانَ مِنْكُمْ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ فَبِالرُّؤْيَا أَسْتَعْلِنُ لَهُ. فِي الْحُلْمِ أُكَلِّمُهُ. 7وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَلَيْسَ هكَذَا، بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. 8فَماً إِلَى فَمٍ، وَعَيَاناً أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ. فَلِمَاذَا لاَ تَخْشَيَانِ أَنْ تَتَكَلَّمَا عَلَى عَبْدِي مُوسَى؟». 9فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْهِمَا، وَمَضَى. 10فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ السَّحَابَةُ عَنِ الْخَيْمَةِ إِذَا مَرْيَمُ بَرْصَاءُ كَالثَّلْجِ. فَالْتَفَتَ هَارُونُ إِلَى مَرْيَمَ وَإِذَا هِيَ بَرْصَاءُ. 11فَقَالَ هَارُونُ لِمُوسَى: «أَسْأَلُكَ، يَا سَيِّدِي، لاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا الْخَطِيَّةَ الَّتِي حَمِقْنَا وَأَخْطَأْنَا بِهَا. 12فَلاَ تَكُنْ كَالْمَيْتِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ رَحِمِ أُمِّهِ قَدْ أُكِلَ نِصْفُ لَحْمِهِ». 13فَصَرَخَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ قَائِلاً: «اللَّهُمَّ اشْفِهَا». 14فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «وَلَوْ بَصَقَ أَبُوهَا بَصْقاً فِي وَجْهِهَا، أَمَا كَانَتْ تَخْجَلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ؟ تُحْجَزُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ، وَبَعْدَ ذلِكَ تُرْجَعُ». 15فَحُجِزَتْ مَرْيَمُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَرْتَحِلِ الشَّعْبُ حَتَّى أُرْجِعَتْ مَرْيَمُ. 16وَبَعْدَ ذلِكَ ارْتَحَلَ الشَّعْبُ مِنْ حَضَيْرُوتَ، وَنَزَلُوا فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ. (التكوين 1: 12 ـ 16).

([52]) 1وَكَانَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ، فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْمُلُوكِ، أَنَّ دَاوُودَ أَرْسَلَ يُوآبَ وَعَبِيدَهُ مَعَهُ وَجَمِيعَ إِسْرَائِيلَ، فَأَخْرَبُوا بَنِي عَمُّونَ، وَحَاصَرُوا رِبَّةَ. وَأَمَّا دَاوُودُ فَأَقَامَ فِي أُورُشَلِيمَ. 2وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُودَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ، وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جِدّاً. 3فَأَرْسَلَ دَاوُودُ، وَسَأَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِدٌ: «أَلَيْسَتْ هذِهِ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ؟». 4فَأَرْسَلَ دَاوُودُ رُسُلاً، وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ مَعَهَا، وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. 5وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُودَ، وَقَالَتْ: «إِنِّي حُبْلَى». 6فَأَرْسَلَ دَاوُودُ إِلَى يُوآبَ يَقُولُ: «أَرْسِلْ إِلَيَّ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ». فَأَرْسَلَ يُوآبُ أُورِيَّا إِلَى دَاوُودَ. 7فَأَتَى أُورِيَّا إِلَيْهِ، فَسَأَلَ دَاوُودُ عَنْ سَلاَمَةِ يُوآبَ وَسَلاَمَةِ الشَّعْبِ وَنَجَاحِ الْحَرْبِ. 8وَقَالَ دَاوُودُ لأُورِيَّا: «انْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ وَاغْسِلْ رِجْلَيْكَ». فَخَرَجَ أُورِيَّا مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ، وَخَرَجَتْ وَرَاءَهُ حِصَّةٌ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ. 9وَنَامَ أُورِيَّا عَلَى بَابِ بَيْتِ الْمَلِكِ مَعَ جَمِيعِ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى بَيْتِهِ. 10فأَخْبَرُوا دَاوُودَ قَائِلِينَ: «لَمْ يَنْزِلْ أُورِيَّا إِلَى بَيْتِهِ». فَقَالَ دَاوُودُ لأُورِيَّا: «أَمَا جِئْتَ مِنَ السَّفَرِ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تَنْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ؟ » 11فَقَالَ أُورِيَّا لِدَاوُودَ: «إِنَّ التَّابُوتَ وَإِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا سَاكِنُونَ فِي الْخِيَامِ، وَسَيِّدِي يُوآبُ وَعَبِيدُ سَيِّدِي نَازِلُونَ عَلَى وَجْهِ الصَّحْرَاءِ، وَأَنَا آتِي إِلَى بَيْتِي لآكُلَ وَأَشْرَبَ وَأَضْطَجعَ مَعَ امْرَأَتِي؟ وَحَيَاتِكَ وَحَيَاةِ نَفْسِكَ، لاَ أَفْعَلُ هذَا الأَمْرَ». 12فَقَالَ دَاوُودُ لأُورِيَّا: «أَقِمْ هُنَا الْيَوْمَ أَيْضاً، وَغَداً أُطْلِقُكَ». فَأَقَامَ أُورِيَّا فِي أُورُشَلِيمَ ذلِكَ الْيَوْمَ وَغَدَهُ. 13وَدَعَاهُ دَاوُودُ فَأَكَلَ أَمَامَهُ وَشَرِبَ وَأَسْكَرَهُ. وَخَرَجَ عِنْدَ الْمَسَاءِ لِيَضْطَجِعَ فِي مَضْجَعِهِ مَعَ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَإِلَى بَيْتِهِ لَمْ يَنْزِلْ. 14وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ دَاوُودُ مَكْتُوباً إِلَى يُوآبَ، وَأَرْسَلَهُ بِيَدِ أُورِيَّا. 15وَكَتَبَ فِي الْمَكْتُوبِ يَقُولُ: «اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي وَجْهِ الْحَرْبِ الشَّدِيدَةِ، وَارْجِعُوا مِنْ وَرَائِهِ، فَيُضْرَبَ وَيَمُوتَ». 16وَكَانَ فِي مُحَاصَرَةِ يُوآبَ الْمَدِينَةَ أَنَّهُ جَعَلَ أُورِيَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّ رِجَالَ الْبَأْسِ فِيهِ. 17فَخَرَجَ رِجَالُ الْمَدِينَةِ، وَحَارَبُوا يُوآبَ، فَسَقَطَ بَعْضُ الشَّعْبِ مِنْ عَبِيدِ دَاوُودَ، وَمَاتَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضاً. (صمويل الثاني 1: 11 ـ 17).

([53]) 1وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً مَعَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ: مُوآبِيَّاتٍ وَعَمُّونِيَّاتٍ وَأَدُومِيَّاتٍ وَصِيدُونِيَّاتٍ وَحِثِّيَّاتٍ، 2مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَالَ عَنْهُمُ الرَّبُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: «لاَ تَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ إِلَيْكُمْ؛ لأَنَّهُمْ يُمِيلُونَ قُلُوبَكُمْ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ». فَالْتَصَقَ سُلَيْمَانُ بِهؤُلاَءِ بِالْمَحَبَّةِ. 3وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ. 4وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُودَ أَبِيهِ. 5فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. 6وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَاماً كَدَاوُودَ أَبِيهِ. (الملوك الأول 1: 11 ـ 6).

([54]) د. أحمد شلبي، اليهودية: 158 ـ 172، ط8، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1988م.

([55]) روبين فايرستون، ذرية إبراهيم: 28، ترجمة: عبد الغني بن إبراهيم، معهد هاريت وروبرت للتفاهم الدولي بين الأديان، 2005م.

([56]) سيجموند فرويد، موسى والتوحيد: 86، ط4، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، 1986م.

([57]) موسى بن ميمون، دلالة الحائرين: 391، عارضه بأصوله العربية والعبرية: د. حسين أتاي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، د. ت.

([58]) أحمد أمين، فجر الإسلام: 268، ط10، دار الكتاب العربي، بيروت، 1969م.

([59]) من تلك المصادر المتقدِّمة راجع: الكليني، الكافي: 100، دار المرتضى، بيروت، 2005م؛ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: 22، صحَّحه وقدَّم له وعلَّق عليه: حسين الأعلمي، منشورات الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1991م؛ الصدوق، الاعتقادات: 94 ـ 97، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، قم، 1992م.

ومن المراجع الحديثة راجع: محمد صادق الصدر، الشيعة الإمامية: 126، ط2، قدّم له: د. حامد حفني داوود، راجعه وعلَّق عليه: السيد مرتضى الرضوي، مطبوعات النجاح، القاهرة، 1982م؛ السيد أمير محمد الكاظمي القزويني، الشيعة في عقائدهم وأحكامهم: 39، ط3، دار الزهراء، بيروت، 1977م.

([60]) راجع: الصدوق، عيون أخبار الرضا×: 174 ـ 182، منشورات الشريف الرضى، قم، د. ت.

([61]) ستيفن م ميلر وروبرت ف. هوبر، تاريخ الكتاب المقدّس، منذ التكوين وحتى اليوم: 18، ترجمة: وليم وهبة، دار الثقافة، القاهرة، 2008م.

([62]) 18وَكَانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يَرَوْنَ الرُّعُودَ وَالْبُرُوقَ وَصَوْتَ الْبُوقِ، وَالْجَبَلَ يُدَخِّنُ. وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ ارْتَعَدُوا وَوَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ، 19وَقَالُوا لِمُوسَى: «تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ». 20فَقَالَ مُوسَى لِلشَّعْبِ: «لاَ تَخَافُوا؛ لأَنَّ اللهَ إِنَّمَا جَاءَ لِكَيْ يَمْتَحِنَكُمْ، وَلِكَيْ تَكُونَ مَخَافَتُهُ أَمَامَ وُجُوهِكُمْ حَتَّى لاَ تُخْطِئُوا». 21فَوَقَفَ الشَّعْبُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَمَّا مُوسَى فَاقْتَرَبَ إِلَى الضَّبَابِ، حَيْثُ كَانَ اللهُ. (الخروج 20: 18 ـ 21).

([63]) م. ص. سيجال، حول تاريخ الأنبياء: 20، ترجمه إلى العربية وعلَّق عليه: د. حسن ظاظا، منشورات جامعة بيروت العربية، د. ت.

([64]) روبن فايرستون، ذرية إبراهيم: 29.

([65]) متى المسكين، تاريخ إسرائيل من واقع نصوص التوراة والأسفار وكتب ما بين العهدين: 135، مطبعة دير القديس أنبا مقار، وادي النطرون، 1997م.

([66]) م. ص. سيجال، حول تاريخ الأنبياء: 36.

([67]) المصدر نفسه.

([68]) ابن أبي زينب النعماني، الغَيْبة: 59، تحقيق: فارس حسون كريم، دار الجوادين، بيروت، 2011م.

([69]) القزويني، الشيعة في عقائدهم وأحكامهم: 39.

([70]) الكليني، أصول الكافي: 132.

([71]) محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية: 58 ـ 59.

([72]) الشاطبي، الاعتصام: 482، أعدّ الفهارس: رياض عبد الله الهادي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2015م.

([73]) فلهاوزن، أحزاب المعارضة السياسية الدينية: 247.

([74]) د. أحمد أمين، المهدي والمهدوية: 6، دار المعارف للطباعة والنشر، القاهرة، 1951م.

([75]) المصدر نفسه.

([76]) د. حسن ظاظا، الفكر الإسرائيلي (أطواره ومذاهبه): 113، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1971م.

([77]) 10لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ، وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ. 11رَابِطًا بِالْكَرْمَةِ جَحْشَهُ، وَبِالْجَفْنَةِ ابْنَ أَتَانِهِ، غَسَلَ بِالْخَمْرِ لِبَاسَهُ، وَبِدَمِ الْعِنَبِ ثَوْبَهُ. 12مُسْوَدُّ الْعَيْنَيْنِ مِنَ الْخَمْرِ، وَمُبْيَضُّ الأَسْنَانِ مِنَ اللَّبَنِ. (التكوين 10: 49 ـ 12).

([78]) متى المسكين، تاريخ إسرائيل: 370.

([79]) 1وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، 2وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ. 3وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ، 4بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. 5وَيَكُونُ الْبِرُّ مِنْطَقَهَ مَتْنَيْهِ، وَالأَمَانَةُ مِنْطَقَةَ حَقْوَيْهِ. 6فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعاً، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا. 7وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعاً، وَالأَسَدُ كَالْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْناً. 8وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ. 9لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ. 10وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَصْلَ يَسَّى الْقَائِمَ رَايَةً لِلشُّعُوبِ، إِيَّاهُ تَطْلُبُ الأُمَمُ، وَيَكُونُ مَحَلُّهُ مَجْداً. 11وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ السَّيِّدَ يُعِيدُ يَدَهُ ثَانِيَةً لِيَقْتَنِيَ بَقِيَّةَ شَعْبِهِ، الَّتِي بَقِيَتْ، مِنْ أَشُّورَ، وَمِنْ مِصْرَ، وَمِنْ فَتْرُوسَ، وَمِنْ كُوشَ، وَمِنْ عِيلاَمَ، وَمِنْ شِنْعَارَ، وَمِنْ حَمَاةَ، وَمِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ. 12وَيَرْفَعُ رَايَةً لِلأُمَمِ، وَيَجْمَعُ مَنْفِيِّي إِسْرَائِيلَ، وَيَضُمُّ مُشَتَّتِي يَهُوذَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَطْرَافِ الأَرْضِ. 13فَيَزُولُ حَسَدُ أَفْرَايِمَ، وَيَنْقَرِضُ الْمُضَايِقُونَ مِنْ يَهُوذَا. أَفْرَايِمُ لاَ يَحْسِدُ يَهُوذَا، وَيَهُوذَا لاَ يُضَايِقُ أَفْرَايِمَ. 14وَيَنْقَضَّانِ عَلَى أَكْتَافِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ غَرْباً، وَيَنْهَبُونَ بَنِي الْمَشْرِقِ مَعاً. يَكُونُ عَلَى أَدُومَ وَمُوآبَ امْتِدَادُ يَدِهِمَا، وَبَنُو عَمُّونَ فِي طَاعَتِهِمَا. 15وَيُبِيدُ الرَّبُّ لِسَانَ بَحْرِ مِصْرَ، وَيَهُزُّ يَدَهُ عَلَى النَّهْرِ بِقُوَّةِ رِيحِهِ، وَيَضْرِبُهُ إِلَى سَبْعِ سَوَاق، وَيُجِيزُ فِيهَا بِالأَحْذِيَةِ. 16وَتَكُونُ سِكَّةٌ لِبَقِيَّةِ شَعْبِهِ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ أَشُّورَ، كَمَا كَانَ لإِسْرَائِيلَ يَوْمَ صُعُودِهِ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. (أشعيا 1: 11 ـ 16).

([80]) روبن فايرستون، ذرية إبراهيم: 36.

([81]) المصدر السابق: 37.

([82]) د. أحمد شلبي، اليهودية: 211.

([83]) د. حسن ظاظا، الفكر الإسرائيلي: 131 ـ 151.

([84]) روبن فايرستون، ذرية إبراهيم: 37.

([85]) محمد زنبير، المغرب في العصر الوسيط: 134.

([86]) أحمد محمد جلي، دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين (الخوارج والشيعة): 156، شركة الطباعة العربية السعودية، الرياض، 1986م.

([87]) المصدر نفسه.

Hodgson, the venture of islam, p. 265.

([88]) على سبيل المثال، راجع: أبو بكر عبد الرازق بن همام الصنعاني، المصنّف، ج11، ح20769، عني بتحقيق نصوصه وتخريج أحاديثه والتعليق عليه: حبيب الرحمن الأعظمي، منشورات المجلس العلمي، بيروت، د. ت؛ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة، السنن، ج2، ح4082، 4083، 4084، 4085، 4086، 4087، 4088، حقَّق نصوصه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه وعلّق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، بيروت، د. ت؛ أبو داوود سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني، السنن، ج4، ح4282، 4283، 4284، 4285، 4286، 4287، 4288، راجعه على عدّة نسخ وضبط أحاديثه وعلّق حواشيه: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء السنة النبوية، القاهرة، د. ت؛ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، السنن، ج4، ح2230، 2231، 2232، تحقيق وتعليق: إبراهيم عطوة عوض، شركة مكتبة ومطبعة مصطفي البابلي الحلبي وأولاده، القاهرة، د. ت؛ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، ج10، ح10213، 10214، 10215، 10216، حقّقه وخرج أحاديثه: حمدي عبد المجيد السلفي، وزارة الأوقاف إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، د. ت؛ الحسين بن مسعود الشافعي البغوي، مصابيح السنّة 1: 192 ـ 193، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة، د. ت؛ أبو السعادات مبارك بن محمد ابن الأثير الجزري، جامع الأصول من أحاديث الرسول|، ج11، ح7808، 7810، 7811، أشرف على طبعه: الشيخ عبد المجيد سليم، حققه: ـ محمد حامد الفقي، طـ2، دار إحياء التراث العربي، بيروت؛ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة: 609 ـ 625، صحّحه وعلق عليه: أحمد محمد مرسى، مطابع مذكور وأولاده، القاهرة، د. ت؛ محبّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: 218 ـ 220، مكتبة القدسي، القاهرة، 1937م؛ ولي الدين محمد بن عبد الله الخطيب العمري التبريزي، مشكاة المصابيح، ج3، ح5452، 5453، 5454، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، منشورات المكتب الإسلامي، دمشق، د. ت؛ أبو الفداء إسماعيل ابن كثير، كتاب النهاية أو الفتن والملاحم 1: 25 ـ 32، تحقيق: طه محمد الزيني، دار الكتب الحديثة، القاهرة، د. ت؛ الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، موارد الظمأن إلى زوائد ابن حِبّان، ح1876، 1877، 1878، 1879، 1880، حقَّقه ونشره: محمد عبد الرازق حمزة، المطبعة السلفية، القاهرة، د. ت؛ جلال الدين السيوطي، الحاوي للفتاوي 2: 123 ـ 166، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد؛ أحمد شهاب الدين بن حجر الهيثمي المكّي، الفتاوى الحديثية: 37 ـ 39، طـ2، شركة مكتبة ومطبعة البابلي الحلبي، القاهرة، 1970م.

([89]) مرتضى المطهري، نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ: 8، طـ2، دار التيار الجديد، بيروت، 2006م.

([90]) مهدي الفقيه الإيماني، الإمام المهدي عند أهل السنة: 17 ـ 19، طـ2، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي، أصفهان 1402هـ.

([91]) علي سبيل المثال، راجع: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، الاعتصام 2: 440، ضبط نصّه وقدّم له وعلّق عليه وخرج أحاديثه: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سليمان، مكتبة التوحيد، د. ت.

([92]) راجع: علي بن بابويه القمّي، المعروف بالشيخ الصدوق، الاعتقادات: 95، تحقيق: عصام عبد السيد، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، قم، 1992م؛ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، كتاب الغَيْبة: 177 ـ 187، تحقيق: عباد الله الطهراني وعلي أحمد ناصح، مؤسّسة المعارف الإسلامية، قم، 1411هـ؛ أحمد محمد أحمد جلي، دراسة عن الفرق: 159؛ جواد علي، المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية: 76 ـ 78، ترجمه عن الألمانية: أبو العيد دودو، منشورات الجمل، بيروت، د. ت.

([93]) أحمد أمين، المهدي والمهدوية: 5، دار المعارف للطباعة والنشر، القاهرة، 1951م؛ أحمد محمد أحمد جلي، دراسة عن الفرق: 159؛ عبد الحميد حسين حمودة، تاريخ المغرب في العصر الإسلامي: 387 ـ 388، الدار الثقافية للنشر، القاهرة، 2006م.

([94]) محمد زنبير، المغرب في العصر الوسيط: 136.

([95]) المصدر السابق: 35.

([96]) المفيد، الإرشاد 2: 339.

([97]) سامراء: مدينة بين بغداد وتكريت، على شرقي دجلة. بناها الخليفة العباسي المعتصم بالله، واتخذ منها عاصمةً له. (ياقوت الحموي، معجم البلدان 3: 173، دار صادر، بيروت، 1977م).

([98]) أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، الغَيْبة: 223 ـ 246، منشورات الفجر، بيروت، د. ت؛ محمد كاظم القزويني، الإمام المهدي: 169، مؤسّسة الوفا، قم، 1985م.

([99]) د. جواد علي، المهدي المنتظر: 77.

([100]) القزويني، الإمام المهدي: 31.

([101]) ومن تلك المصادر: الكليني، الكافي: 249 ـ 250؛ النعماني، الغَيْبة: 143 ـ 164.

([102]) فلهاوزن، أحزاب المعارضة: 248.

([103]) المصدر السابق: 249.

([104]) المصدر نفسه.

([105]) روبن فايرستون، ذرية إبراهيم: 36.

([106]) الصدوق، الاعتقادات: 63.

([107]) محمد رضا المظفَّر، عقائد الإمامية: 58 ـ 59.