الجهاد الابتدائي وحرية الإنسان دراسةٌ نقدية

24 مايو 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
273 زيارة

الجهاد الابتدائي وحرية الإنسان دراسةٌ نقدية

د. الشيخ علي أكبر جهاني(*)

 

تمهيد

يعدّ بحث حرية الإنسان في الحياة الفردية والاجتماعية من الأبحاث التي كانت دائماً موضع اهتمام الباحثين، والتي ورد التأكيد عليها في النصوص الدينية. والذي قد يلفت النظر إليه أن تشريع الجهاد الابتدائي فيه جنبة الضدّية والشدّة، فإن الإسلام أراد بتشريعه نشر الدين والتديّن بين الناس والمجتمع، علماً بأنّ الاعتقاد بالدين من الأمور الإرادية والاختيارية.

ويرى العلماء ـ بعد تسليم الجهاد الابتدائي، والتأكيد عليه ـ أن الدفاع عن التوحيد والوحدانية والعدل والإيمان يقع في صراط حرّية الإنسان، ويرَوْن تحقق الحياة الطيبة من خلال هذا المنظار.

وسوف نقوم في هذا المقال بنقد ودراسة أقوال الفقهاء في الجهاد الابتدائي، ومنافاته مع قانون الصلح، وحقّ الحياة، والشؤون الإنسانية، وحرّية الدين والعقيدة، حيث سنبيِّن أن الدفاع عن الدين والعقيدة بحاجة إلى استنفار القوى الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية.

 

بيان المسألة

قال المحقق النجفي: إن الأصلي منه قتال الكفار ابتداءً على الإسلام، وهو الذي نزل فيه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾، وهو فرضٌ على كلّ مكلّف حُرّ ذكر، غير هِمٍٍّ ولا معذور([1]).

ولا بُدَّ من معرفة أن الدفاع ومواجهة الكفار والمشركين والمعتدين على الدين والكيان الإسلامي يعدّ من ملاحق الجهاد الابتدائي، وأنه واجب على كلّ الناس. فما ينبغي أن يقال في هذا المجال هو أن الإسلام ـ بعد التأكيد على أصل الحياة وأهمّيته([2])، والتصريح بدور وأهمّية كرامة الإنسان([3])، واعتماداً على الحرّية في العقيدة والدين([4]) ـ كيف يريد أن يهدي الإنسان الحُرّ الدين والعقيدة بالإكراه والسيف؟

وهل يكون مثل هذا الدين مقبولاً ومطلوباً وموضع اهتمام؟

هل لا يتنافى تشريع الجهاد الابتدائي مع قانون الصلح والحياة السلمية التي يتطلع إليها كلّ إنسان حُرّ؟

وسوف يكون اهتمامنا في هذا المقال ـ اعتماداً على كلام العلماء والفقهاء ـ دراسة منافاة أو عدم منافاة الجهاد الابتدائي مع الأصول المذكورة، وبيان أنّ الجهاد إنما شُرِّع لأجل تحقّق الحياة الطيبة للإنسان، وأن المعرفة الصحيحة والعقلانية له تمنع الإنسان المنصف عن الحكم غير الصحيح.

وعلى هذا الأساس سوف نبين المباحث المرتبطة بالمقام في أربع نقاط:

 

النقطة الأولى: الجهاد الابتدائي في كلام الفقهاء

ورد في كتاب الدروس أنّ جميع الفقهاء اتَّفقوا على وجوب الجهاد على جميع المسلمين؛ لدلالة الآيات والروايات على ذلك، وعدم اختصاصه بزمان حضور الإمام×([5]).

ويرى أتباع المذهب المالكي ـ أيضاً ـ وجوب الجهاد في سبيل الله، وقالوا: يعدّ الجهاد في سبيل الله؛ من أجل علوّ كلمة الله، وجوباً كفائياً عندما يقوم به بعض المسلمين، ووجوباً عينياً عندما يدعو الإمام والحاكم المنصوب من قبله الناس إلى الجهاد([6]).

ويرى المذهب الحنفي ـ أيضاً ـ وجوب الجهاد مع الكفّار والمشركين، وأنّه وظيفة جميع المسلمين([7]).

كما يرى علماء الشافعية والشيعة وجوب الجهاد ولزومه، إلا أن الشيعة يرَوْن ضرورة الدعوة إلى الإسلام قبل القتال([8]).

قال القمّي: يجب جهاد الكفار والمشركين وأمثالهم على المسلمين حتّى تستقرّ كلمة الله ودينه([9]).

وقال المحقق النجفي: لا ريب في أن الأصلي منه قتال الكفار ابتداءً على الإسلام… ويلحق به قتال مَنْ دهم المسلمين منهم([10]).

وقال في موضعٍ آخر: وهو فرض على كلّ مكلَّف حُرّ ذَكر، غير هِمٍّ ولا معذور، فلا يجب على الصبيّ، ولا على المجنون…، ولا على المملوك…، ولا على المرأة([11]).

وقال في موضعٍ ثالث: وعلى كلّ حال فلا خلاف بيننا، بل الإجماع بقسمَيْه عليه، في أنه إنّما يجب على الوجه المزبور، بشرط وجود الإمام× وبسط يده أو مَنْ نصبه للجهاد([12]).

يجب جهاد الكفار والمشركين على نحو الوجوب الكفائي، ويجب القيام به بحسب الضرورة، وأقلّ ما يمكن القيام به مرّة واحدة في السنة على يد الإمام أو نائبه([13]).

ومستند الفقهاء في وجوب الجهاد الابتدائي الآيات والروايات. ونشير إلى بعضها:

أما الآيات فهي:

قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ (التوبة: 29).

وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (التوبة: 5).

وأما الروايات فمنها:

ـ قول النبيّ|: أُمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا بأن لا إله إلا الله. والجهاد في أمتي إلى يوم القيامة([14]).

ـ قول الإمام عليّ×: الجهاد فرض على جميع المسلمين؛ لقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ([15]).

ـ ما رُوي عنه× أيضاً: إن الله عزَّ وجلَّ كتب على الرجال الجهاد([16]).

ـ ما رواه بشير عن أبي عبد الله×: قال: قلتُ له: إني رأيت في المنام أنّي قلتُ لك: إن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرامٌ، مثل: الميتة والدم ولحم الخنزير؟ فقلت لي: نعم، هو كذلك، فقال أبو عبد الله×: هو كذلك([17]).

وعلى الرغم من مخالفة فقهاء كبار للجهاد الابتدائي، أمثال: الشيخ الطوسي والقاضي ابن البراج ومحمد بن عليّ بن حمزة الطوسي ومحمد بن إدريس الحلّي والمحقق الحلّي والعلاّمة الحلّي وفخر المحقِّقين والشهيد الثاني([18])، إلاّ أن جماعة آخرين من العلماء، أمثال: الشيخ المفيد وسلاّر بن عبد العزيز والشيخ أبي الصلاح الحلبي، لا يرَوْن اشتراط الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة بإذن الإمام.

قال الشيخ المفيد: فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم أئمة الهدى من آل محمد×، ومَنْ نصبوه لذلك من الأمراء والحكام. وقد فوَّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان، فمَنْ تمكن من إقامتها على ولده وعبده ولم يخَفْ من سلطان الجور إضراراً به على ذلك فليُقِمْها، ومَنْ خاف من الظالمين اعتراضاً عليه في إقامتها، أو خاف ضرراً بذلك على نفسه أو على الدين، فقد سقط عنه فرضها. وكذلك إن استطاع إقامة الحدود على مَنْ يليه من قومه، وأمن بوائق الظالمين في ذلك، فقد لزمه إقامة الحدود عليهم… وهذا فرضٌ متيقَّن على مَنْ نصبه المتغلِّب لذلك على ظاهر خلافته له أو الإمارة من قبله على قومٍ من رعيّته، فيلزمه إقامة الحدود وتنفيذ الأحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفّار ومَنْ يستحقّ ذلك من الفجّار([19]).

وقال سلاّر بن عبد العزيز: فأما الجهاد فإلى السلطان ومَنْ يأمره السلطان، إلا أن يغشى المؤمنين العدوّ، فليدفعوا عن نفوسهم وأموالهم وأهليهم([20]).

وقال الشيخ أبو الصلاح الحلبي في هذا الصدد: يجب جهاد كلٍّ من الكفار والمحاربين من الفساد؛ عقوبةً على ما سلف من كفره أو فسقه، ومنعاً له من الاستمرار على مثله بالقهر والاضطرار؛ لكون ذلك مصلحة للمجاهِد على جهة القربة إليه سبحانه، والعبادة له([21]).

النقطة الثانية: أدلة تضادّ الجهاد الابتدائي مع الصلح (حقّ الحياة، حرية العقيدة، الشؤون الإنسانية)

أـ تضادّ الجهاد مع حقّ الحياة

ورد في المادّة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: «لكلّ فردٍ الحقّ في الحياة والحرّية وسلامة شخصه»([22]). وكما هو الملاحظ فإن الحياة حقّ الإنسان، ولا يمكن لأحد سلبه عنه. والحق الثاني هو الاستفادة من حقّ الحرّية؛ إذ إنّ كلّ إنسان حُرّ في حياته له أن يعيش كيف يشاء. والحقّ الثالث المذكور هو حقّ الأمن الفردي، فلكلّ إنسان أن يشعر في حياته بالاطمئنان، ولا يجوز لأحدٍ سلب هذا الحقّ منه. والسؤال المطروح الآن هو كيف يمكن أن يشرِّع الإسلام الجهاد الابتدائي قبل أن يقوم الكفّار والمشركون بفعلٍ ضدّ المسلمين؛ لكي يسلب من الإنسان الحقوق الطبيعية والقانونية، كالحياة والحرّية؟

إن مقتضى هذه الحقوق أنه لا يحقّ لأحدٍ سلبها عن الإنسان، في حال أعلن الإسلام رسميّاً بتشريعه للجهاد الابتدائي عن موقفه المنافي لهذه الحقوق.

 

ب ـ منافاة الجهاد الابتدائي لحرّية الدين والعقيدة

ورد في المادة الثامنة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: «لكلّ شخص الحقّ في حرّية التفكير والضمير والدين. ويشمل هذا الحقّ حرّية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرّية الإعراب عنها بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها، سواء أكان ذلك سرّاً أم مع الجماعة»([23]). ويستفاد من صراحة هذه المادة القانونية أنّ الإنسان حُرّ في اختيار الدين والعقيدة، وأنه قادرٌ على تغييرهما متى أراد ذلك. لكنّ الإسلام بتشريع الجهاد الابتدائي يسلب الحقّ الطبيعي والمسلَّم للإنسان، ويخيره بين الدين على إكراهٍ أو القتال. ولما كان الدين أمراً فردياً فما معنى الإكراه في قبوله؟

وكذا ورد في المادة الأولى من هذا الإعلان: «يولَد جميع الناس أحراراً، متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وُهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء»([24]).

والسؤال المطروح هو: بماذا يمتاز المسلمون عن غيرهم؛ لكي يفرضوا دينهم على غيرهم؟ فيستفاد من التأمُّل في هاتين المادتين وبعض المواد الأخر منافاة وتضادّ الجهاد الابتدائي مع حقّ حرّية الدين والعقيدة.

 

ج ـ منافاة الجهاد الابتدائي للشؤون الإنسانية

ورد في المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: «لا يعرض أيّ إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطّة بالكرامة»([25]). مضافاً إلى مواد أخرى كثيرة من إعلان حقوق الإنسان المبيّنة للمادة الخامسة. وبعبارة أخرى: يمكن أن تكون المادة الخامسة نتيجة للمادة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والسادسة عشر والثامنة عشر والحادية والعشرين والرابعة والعشرين والسابعة والعشرين والثامنة والعشرين. فالإسلام بتشريع الجهاد الابتدائي ضدّ الكفار والمشركين العزّل يكون قد استهدف الشؤون الإنسانية، ووفَّر بذلك أسباب وهن وحقارة الإنسان.

 

النقطة الثالثة: دراسة أدلّة تضادّ الجهاد الابتدائي مع الأصول المذكورة

أــ نقد نظرية منافاة الجهاد الابتدائي لحقّ الحياة

عدم إطلاق حقّ الحياة ومشروطيّته

يتصوّر الذين يرَوْن مناقضة الجهاد الابتدائي للصلح أن حقّ الحياة حقّ مطلق، لا يمكن سلبه عن الإنسان مهما كان. وعلى هذا الأساس يكون نظام القيم هو المحور في تفسير الحرّية، وبتفسير الحرّية تتجلّى مظاهر عدم الاعتراف بالقِيَم ونفيها. لكنّ الملفت للنظر أن كثيراً من القِيَم في حقوق الإنسان ليست مطلقة، بل مقيدة بقِيَم أخرى، وأن القِيَم المطلقة في نظر الإسلام ـ والتي لها دائرة أوسع من سائر القِيَم ـ هي الكمال الروحي والمعنوي للإنسان، الذي لا يحصل إلاّ بالتقرُّب إلى الله تعالى، ونيل مقام الزلفى والمنزلة الخاصّة لديه([26]).

وعلى هذا الأساس لا بُدَّ من القول بأنّ حقّ الحياة ليس أمراً مطلقاً؛ لكي يكون السلب الاحتمالي له ناقضاً لحقوق الإنسان، أي إن تشريع الحرب والجهاد الذي يحتمل أن يؤدّي إلى القتل وإراقة الدماء لا ينافي قانون الصلح والحياة والسلم؛ لأن الحرب والصلح في نفسهما ـ ومع قطع النظر عن سائر القِيَم الأخرى ـ لا ينبغي المقارنة بينهما، أي إن الحرب إذا كانت في سبيل إقامة نظام ديني، وفي سبيل رقيّ الإنسان ووصوله إلى الكمال الإلهي المنشود، فهي أمر مقدَّس، ولكنّها إذا لم تكن في هذا الصراط، ولم تكن في سبيل رقيّ الإنسان إلى الكمال، فهي حربٌ غير مقدَّسة، أي إن الحياة السلمية للمسلم مع الكافر إذا كانت في سبيل الكمال والقرب الإلهيّ فهي أمر مطلوب ومقدَّس، وأما اذا كانت حياته مع الكافر مقرونة بالذلّ والعار والاستسلام للظلم فإنّه لا يكون الجهاد حينئذ أمراً مقدَّساً، ويكون مبغوضاً. لذا فإن قيام وقعود الأئمّة× يوزَن بهذا المعيار المقدَّس ـ أي القرب الإلهيّ ـ، وهو واضح في الكثير من كلمات الإمام الحسين× في كربلاء، كقوله: «ألا إن الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلة»([27])، وقوله× في مسيره إلى كربلاء: «إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادةً، والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَماً»([28]).

 

ب ـ نقد نظرية تضادّ الجهاد الابتدائي مع حرية الدين والعقيدة

1ـ شمولية الدين وعدم كونه أمراً شخصيّاً

حاول مدَّعو تناقض الجهاد الابتدائي مع قانون الصلح الضرب على دفّ حرّية الفكر والرأي. فهم يرَوْن أنفسهم أنّهم منادو الديموقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، حتّى إنهم اتَّهموا الإسلام، بل طالبوا بحذف آيات الجهاد من القرآن الكريم. فهم يرَوْن تضادّ الجهاد الابتدائي مع حرّية الفكر والرأي والعقيدة. والسبب في هذا النوع من التفكير أنّهم يرَوْن أنّ الدين والتوحيد والاعتقاد الديني أمر شخصيّ وفرديّ، فكما أن الإنسان حُرٌّ في اختيار نوع الغذاء واللباس والسَّكَن والزوجة وغيرها من الأمور، وأنّه لا يحقّ لأحدٍ التدخّل في شؤونه، كذلك بالنسبة إلى كونه موحِّداً أو مشركاً، متديِّناً أو غير متديِّن، فإنّها أمور فرديّة لا شأن للمجتمع بها.

وهذا الكلام وإنْ كان بالنسبة إلى منكري التوحيد والدين أمراً مقبولاً، لكنّه لاحظّ له من الحقيقة؛ لأن الإنسان المتديِّن إنسان موحِّد، ويعترف بالآخرة، وهو يعلم بأنه مخلوق من أجل هدف معين، وأنّ عليه تجاوز مراحل الكمال؛ لأن تحقق أسباب الكمال لا تتيسَّر إلاّ بفعليّة الأحكام الفردية والاجتماعية، والقيام بأداء تكليف العبودية؛ إذ إن هداية كلّ فرد وضلالته ـ حسب التعاليم الدينية ـ بمثابة هداية المجتمع وضلالته، وإن صلاح المجتمع وفساده يتأثَّر بصلاح كلّ فرد وفساده. وعلى هذا الأساس فإن إحدى وظائف الأنبياء والأئمة والمصلحين المهمّة هي التبشير والإنذار والتبليغ، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 2).

والحقّ أن الدين لوكان شخصيّاً، ولو كان توحيد العقيدة أمراً فردياً، فما معنى إرسال الرسل؟ ولو كان التكامل أمراً شخصياً، ولا علاقة له بالمجتمع، فما معنى حقوق الإنسان؟ هل لا تكون مثل هذه الرؤية سبباً في صحّة كلام علماء الدين حيث قالوا: إن الأنظمة غير الإلهية قائمة على أساس الشرك، وإنّ الوحيد الذي له حقّ التقنين هو العالِم بأسرار العالَم والإنسان، وهو الله تبارك وتعالى، فلا حقّ لمَنْ لا حظّ له من هذا العلم أن يكون مقنِّناً([29]).

وعلى هذا الأساس لا بُدَّ من القول بأنّ التوحيد والإيمان بالوحدانية إنّما هو من أجل تحقّق السعادة والكمال البشري، الكمال الذي يؤدّي إلى القرب الإلهي، ومن الواضح والمعلوم أن التوحيد والتديّن ليس حقّاً شخصيّاً.

 

2ـ الجهاد الابتدائي سبب رفع موانع التوحيد والتدين

بعد أن علمنا أهمّية التديُّن ودوره الكبير اتَّضح أن الجهاد هو من أجل رفع الموانع التي تكون سدّاً في طريق التوحيد والتدين. فكما أن موانع الحرّية لا بُدَّ من رفعها وقمعها كذلك لا بُدَّ من إزالة ما يقع في طريق التوحيد والتديّن من موانع وعقبات. فاذا كان رفع موانع الحرية أمراً مطلوباً وحسناً فإنّ إزالة موانع التوحيد أمر مقبول وممدوح أيضاً([30]).

إنّ التأمّل في الآيات والروايات يعرِّفنا الموانع التي أوجدوها في طريق التوحيد والتديّن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (الأنفال: 36).

كيف لا يكون الإنفاق من أجل إيجاد الموانع وصدّ الناس عن سبيل الله قبيحاً وغير مطلوب ـ بل قد يكون حسناً ـ، ويكون رفع الموانع الدينية والإيمانية متنافياً مع الصلح والحياة السلمية؟

إن المهم هو أن التعاليم القرآنية تعرّفنا وتوقفنا على الموانع العقائدية والإيمانية، وتطالبنا بمواجهتها، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 193).

ويظهر من التفاسير أن المراد من الفتنة الشرك بالله تعالى، وهو ما كان يقوم به مشركو مكّة، حيث كانوا يجعلون الأصنام شركاء لله. يقول المفسِّرون بأنّ في الآية دلالة على وجوب الدعوة قبل الشروع في القتال؛ فإن أسلم المشركون فقد وضعت الحرب أوزارها؛ وإن لم يُسلموا فلا حرمة لدمائهم، ويجب قتالهم. فيُعلَم أنّ الدين وحقيقة التديّن تنتهي إلى الله تبارك وتعالى([31]).

 

3ـ الجهاد الابتدائي سبب الخلاص من قيود أسر الشرك

يعتبر الشرك وعبادة الأوثان في نظر التعاليم الدينية من أكبر أنواع الأسر، فإن المشرك ببُعْده عن الحقيقة، وعمله على خلاف فطرته الباطنية ـ حيث يجعل غير الله دخيلاً وشريكاً في تحديد مصيره ـ، يكون قد ظلم نفسه، قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: 3).

إنّ الإنسان باعتقاده غير الله يجعل نفسَه أسيراً لوجودات لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضرّاً، قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً﴾ (الرعد: 16)، فكيف يمكن لهذه الموجودات أن ترفع مشاكل غيرها؟ قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ (الإسراء: 56).

إنّ المشرِك قد يصل بشِرْكه حدّاً يكون فيه من أولياء الشيطان، قال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ (مريم: 45). فالكافر من أجل تحقيق أهدافه يجعل معبوده هوى نفسه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (الجاثية: 23).

وهذا القيد والصفد مبغوض إلى الله جدّاً، بحيث إنّ الله يغفر كلّ ذنب برحمته ولطفه، إلاّ الشِّرْك، فقد استثني المشرك من جميع العصاة والطغاة، ولا يخلف الله وعده في عدم المغفرة له، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ (النساء: 48)، وقال النبيّ| لعبد الله بن مسعود: «يا بن مسعود، إيّاك أن تشرك بالله طَرْفة عَيْن، وإنْ نشرت بالمنشار أو قطِّعت أو صلِّبت أو حرِّقت بالنار»([32]).

فلا بُدَّ أن يُعْلَم أنّ الله؛ ومن أجل منع الإنسان من السقوط في أسر الكفر والشرك، جعل المشرك نَجِساً، فقال عزَّ من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (التوبة: 28).

وجاء في مفردات الراغب: إن النجاسة بمعنى كلّ ما هو قَذِر، وهي على نوعين: الأول: القذارة الحسّية، والآخر: القذارة الباطنية([33]).

وقال الطبرسي: كلّ شيء يرفضه طبع الإنسان وينفر منه فهو نَجِس([34]).

إذن المراد من النجاسة ما هو أعم من النجاسة الاصطلاحية الشاملة للأمور الحسّية، أي إنّ نجاسة الكافر والمشرك نوع قذارة باطنية، لا بُدَّ من الخلاص من أسرها. وأيّ قذارة أفظع من هذه القذارة؟ ومن أجل ذلك كانت النجاسة قذارةً وأسراً باطنياً، بحيث منع الكافر شَرْعاً من دخول المسجد الحرام، على الرغم من عدم الإشكال في حَمْل النَّجِس والمتنجِّس الاصطلاحي إليها، مثل: الدم، واللباس المتنجِّس به. ومن هنا لا بُدَّ من معرفة أن الكفر والشرك بالله مبغوضٌ؛ لأن الكافر عدوّ لله، ولا يجوز دخول عدوّ الله إلى المسجد الحرام([35]).

ولما كان الكفر والشرك قذارة، والمُشْرِك نَجِساً في الشريعة، ولا يمكن في حقّه المغفرة، وكان الشرك ظلماً عظيماً، حينئذ يكون الشرك ـ كما في التعاليم الدينية ـ من الأسر، كما هو واضح.

إذن فالجهاد الابتدائي إنّما هو لخلاص المُشْرِك من هذا الأسر، فإنّ مَنْ أنقذ إنساناً من الكفر فقد أحياه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾(المائدة: 32).

وقال الإمام× في آداب الجهاد الابتدائي: «وأوّل ذلك الدعاء إلى طاعة الله من طاعة العباد، وإلى عبادة الله من عبادة العباد، وإلى ولاية الله من ولاية العباد»([36]).

إذن تحرُّر المُشْرِك من قيود العبودية وأسرها أمر مقدَّس. وإن الجهاد لتحقيق مثل هذا الهدف من أعظم مصاديق الأمور الإنسانية.

 

ج ـ نقد نظرية تضادّ الجهاد الابتدائي مع الشؤون الإنسانية

كون الجهاد الابتدائي دفاعياً، لا هجومياً

إن مَنْ يرى أن الجهاد الابتدائي مخالِفٌ للصلح والتعايش السلمي يعتقد أن الجهاد الابتدائي نوعٌ من التعذيب والعقوبة الظالمة في حقّ المشركين والكفّار، وأنها خلاف الإنسانية والشؤون الإنسانية. ولا بُدَّ من القول بأن هؤلاء قارَنوا الجهاد الابتدائي مع هجوم الظالمين على المظلومين والعُزَّل، في حين أنّ الجهاد الابتدائي هو مصداقٌ من مصاديق الدفاع، كما ذكر العلاّمة الطباطبائي، فإنه قال: لا رَيْب أن الاجتماع أينما وجد، كاجتماع نوع الإنسان، وسائر الاجتماعات المختلفة النوعية التي نشاهدها في أنواع من الحيوان، فإنما هو مبنيّ على أساس الاحتياج الفطري الموجود فينا، الذي يراد به حفظ الوجود والبقاء. وكما أن الفطرة والجِبِلّة أعطتها حقّ التصرُّف في كلّ ما تنتفع به في حياتها، من حفظ الوجود والبقاء، كالإنسان يتصرَّف في الجماد والنبات والحيوان، وحتى في الإنسان، بأيّ وسيلة ممكنة، فيرى لنفسه حقّاً في ذلك، وإنْ زاحم حقوق غيره من الحيوان، وكمال غيره من النبات والجماد، وكأنواع الحيوان في تصرّفاتها في غيرها، وإذعانها بأنّ لها حقّاً في ذلك، كذلك أعطتها حقّ الدفاع عن حقوقها المشروعة لها بحسب فطرتها، إذا كان لا يتمّ حقّ التصرُّف بدون حقّ الدفاع. فالدار دار التزاحم، والناموس ناموس التنازع في البقاء. فكلّ نوع يحفظ وجوده وبقاءه بالشعور والحركة يرى لنفسه حقّ الدفاع عن حقوقه بالفطرة، ويذعن بأن ذلك مباحٌ له، كما يذعن بإباحة تصرُّفه المذكور. ويدل على ذلك ما نشاهده في أنواع الحيوان من أنّها تتوسَّل عند التنازع بأدواتها البدنية الصالحة لأنْ تستعمل في الدفاع، كالقرون والأنياب والمخالب والأظلاف والشوك والمنقار وغير ذلك، وبعضها الذي لم يتسلَّح بشيء من هذه الأسلحة الطبيعية القوية تستريح إلى الفرار أو الاستتار أو الخمود، كبعض الصيد والسلحفاة وبعض الحشرات، وبعضها الذي يقدر على أعمال الحيل والمكائد ربما أخذ بها في الدفاع، كالقرود والدبّ والثعلب وأمثالها. والإنسان مسلَّح بالشعور الفكري الذي يقدر به على استخدام غيره في سبيل الدفاع، كما يقدر عليه في سبيل التصرُّف للانتفاع، وله فطرة كسائر الأنواع… فكلّ قتال دفاعٌ في الحقيقة، حتى أن الفاتحين من الملوك والمتغلِّبين من الدول يفرضون لأنفسهم نوعاً من الحقّ، كحقّ الحاكمية، ولياقة التأمُّر على غيرهم، أو عسرة في المعاش، أو مضيقة في الأرض، أو غير ذلك، فيعتذرون بذلك في هجومهم على الناس وسفك الدماء وفساد الأرض وإهلاك الحرث والنسل. فقد تبين أن الدفاع عن حقوق الإنسانية حقّ مشروعٌ فطري مباح الاستيفاء للإنسان. نعم، لمّا كان هذا حقّاً مطلوباً لغيره، لا لنفسه، يجب أن يوازن بما للغير من الأهمّية، فلا يقدَّم على الدفاع إلاّ إذا كان ما يفوت الإنسان بالدفاع من المنافع هو دون الحقّ الضائع المستنقَذ في الأهمّية الحيوية. وقد أثبت القرآن أنّ أهم حقوق الإنسانية هو التوحيد، والقوانين الدينية المبنيّة عليه([37]).

إذن من الواجب علينا الدفاع عن الدين والعقيدة، كما ندافع عن أموالنا وأرواحنا وأعراضنا ووطننا. ولكن الأمر المهمّ هو أن العدوّ يعتدي على الأمة أحياناً، فيسلب أموالها وممتلكاتها، فيتصرف فيها، وعندما يعجز عن ذلك يحاول تركيعها باستخدام أساليب سياسية وثقافية، فيتسلط على عقائدها وأفكارها. ولمّا كان العدوّ المشرك والكافر في صدد الهجوم على الإسلام والمسلمين، والقضاء على الإسلام، أفلا يجب على المسلمين في مثل هذه الظروف التسلُّح والدفاع عن دينهم وعقيدتهم، عِلْماً منهم بأنّ العدوّ في حال استعدادٍ وتجهيز لنفسه بالسلاح باستمرار([38])؟

ثم إن هناك آياتٍ كثيرةً في القرآن الكريم تدلّ على أن العدوّ يطمع في تغيير الدين والعقيدة، وأنه يحارب من أجل ذلك. ومنها:

ـ قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (البقرة: 120).

ـ قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (النساء: 189).

ـ قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾(البقرة: 179).

وحيث إن العدوّ يطمع دائماً في تغيير الدين، ويعمل يوماً بعد آخر على تقوية بنيته العسكرية، كان من اللازم علينا الاستعداد لجهاد المشركين والكفّار، وذلك أن الله وعد المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾(النساء: 141)، فإنّ فرض مثل هذه السلطة للكافرين أمرٌ محال في قاموس التشريع؛ لقوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعاً﴾ (النساء: 141)، وقال تعالى في موضعٍ آخر: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8).

والحاصل أن الجهاد الابتدائي هو نوعٌ من أنواع الدفاع، وأنّه لا يتنافى مع الصلح، بل هو يقع في طريق الصلح وأمن المجتمع. كما قال المطهري بأن النزاع هنا صغرويّ، لا كبرويّ، فإنه لا يتردَّد أحدٌ في مشروعيّة الدفاع، إلاّ أن البحث في الصغرى، وهل أن مصداق الدفاع هو الدفاع الشخصي أو الوطني على أكثر التقادير؟ أو أن الدفاع يشمل الدفاع عن الإنسانية أيضاً؟

نحن نقول في المقام: إنّ من المسلَّم أنّ أصل التوحيد كأصل الحرّية؛ بلحاظ كونه من الحقوق الإنسانية. فاذا جاهدت الأمّة من أجل التوحيد وقاتلت الشِّرْك فإنه سوف يكون لقتالها جنبة دفاعية، لا جنبة استعمارية واستثمارية وعدوان([39]).

بل للجهاد بجميع أقسامه جنبة دفاعية، حتى الجهاد الذي يعبِّر عنه الفقهاء بالجهاد الابتدائي، إلاّ أنّ المهمّ هو متعلَّق الدفاع؛ فإنه تارة يكون دفاعاً عن الماء والتربة؛ وأخرى يكون دفاعاً عن نفوس وأموال المسلمين. فإنْ كان الأمر كذلك يكون الدفاع دفاعاً عن العزّة والشرف الإسلامي، ويكون الدفاع عن حقّ الله تعالى نوعاً آخر من الجهاد، وهو الذي يعبَّر عنه بالجهاد الابتدائي([40]).

ولا بُدَّ أن يُعلَم بأنّ حقّ الله تعالى أكثر الحقوق أصالة، وسائر الحقوق إنما يكون لها معنى ضمن هذا الحقّ؛ لأن الله خالق ومالك الكون وجميع الموجودات، بما فيها الإنسان، وهي تحت إرادته. وعلاقة الخالقية والمالكية تقتضي أن يكون المخلوق والمملوك متجانِساً مع رأيه وإرادته، بأنْ يرى حقَّه تعالى محترَماً، وأيُّ حقٍّ أفضل من أن تكون إرادته في سبيل تحقُّق كلمة التوحيد، فإنّ ﴿كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ (التوبة: 40)، وقد أرسل تعالى من أجل تحقيق هذه الكلمة الرُّسُل، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾(الصف: 9).

ومن الملفت للنظر أنه تعالى دعا الإنسان إلى تجارةٍ رابحة تضمن له سعادة الدنيا والآخرة، ألا وهي تجارة الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الصف: 10 ـ 11)، فكيف لا يكون من المناسب أن يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ﴾ (الانفال: 139)؟!

وعلى أساس هذه التعاليم الدينية قال الفقهاء في تعريف الجهاد بأنّه شَرْعاً بمعنى بذل النفس وما يتوقف عليه من المال في محاربة المشركين، أو الباغين على وجه مخصوص، أو بذل النفس والمال والوُسْع في إعلاء كلمة الإسلام، وإقامة شعائر الإيمان. وهو وإنْ كان شاملاً للكافرين والباغين، إلاّ أنّه غير مانع؛ لأن إعزاز الدين أعمّ من كونه بالجهاد المخصوص([41]).

 

النقطة الرابعة: التبرّي وقانون الصلح

يقع الكلام في أن الإسلام اذا كان دين المحبّة، ويفكِّر في مصير البشرية، وكانت قوانينه شاملة لجميع الناس، وكان رسوله رحمةً للعالمين، فلماذا بوضعه لقانون التولّي يطالب بمحبّة أولياء الله، وبوضعه لقانون التبرّي البراءة والعداء لأعداء الله؟

وبعبارة أخرى: إن وضع هذين الفرعين الدينيّين ـ وخصوصاً التبرّي ـ ينافي روح المحبّة للإنسانية؛ وذلك أن الفروع الدينية تبيِّن الجانب العلمي للإسلام، حيث تتحقَّق أصول الدين والمذهب من خلال التطبيق العملي لهذه الفروع. ومع وضع قانون التبرّي سوف لا يكون قانون التولّي والمحبّة والإحسان إلى غير المسلم مشروعاً، كما ورد في عددٍ من الآيات الكريمة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 144)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (الممتحنة: 1)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (المائدة: 51).

دراسة نقديّة لآيات التبرّي

1ـ لو لاحظ المستشكِل تتمّة الآيات المذكورة آنِفاً فسوف يدرك الحِكْمة من التبرّي، مما لا حاجة بعد ذلك إلى مراجعة الآيات والروايات.

فقد ورد في تتمّة الآية 144 من سورة النساء: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا للهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾.

وورد في تتمة الآية 1 من سورة الممتحنة: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.

وورد في تتمّة الآية 5 من سورة المائدة: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

وقال تعالى في موضعٍ آخر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: 51).

ويظهر من تتمّة الآيات الثلاثة المذكورة، ومن الآية الرابعة، أن التبرّي بالنسبة إلى غير المسلمين ليس صِرْفاً من أجل عقيدتهم وكفرهم، بل لأنّ أعمالهم وسلوكهم يحكي عداءَهم العمليّ للإسلام والمسلمين، لذا صاروا يستهزئون بالدين، وقصدوا السلطة على المسلمين، فأخرجوهم من ديارهم، وحاولوا تغيير دينهم.

2ـ هناك آياتٌ أخرى تدلّ بصراحة على أن حبّ الكفّار والإحسان إليهم ليس منهيّاً عنه إذا لم يُظْهِروا العَداء العملي للمسلمين، بل هو أمرٌ ممدوح وحسن، قال تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة: 8 ـ 9).

إذن الإسلام يرى أنّ الحُبّ والإحسان والعدل لا يختصّ بالمسلم، بل من اللازم على كلّ إنسان مؤمن القيام بهذه الأمور الحَسَنة تجاه جميع المخلوقات. ولكنّ عليه أن يعلم بأنّ علاقته بغير المسلم يجب أن تكون محدودةً، بحيث لا يعدّه عضواً من بدنه، ويطلعه على سرّ باطنه وظاهره، ويعدّ أرضية نفوذه.

3ـ آيات التبري وقاعدة نفي السبيل: النكتة المهمّة والأساسية في التبرّي هي نفي كل أنحاء السلطة الاحتمالية للكافر على المسلم. وسرّ احتياط المسلم في علاقته مع غير المسلم وتولّيه مخفيّ في هذا الأمر الأساس. فلا ينبغي أن تكون العلاقة بينهما بنحوٍ يتأثَّر المؤمن بالكافر في العقيدة والدين، بحيث يعدّ من خلال ذلك أرضية نفوذه، ويمهِّد لسلطته على الإسلام والمجتمع المسلم؛ فإنّ هذه السلطة رفضتها الشريعة، وقد نهى الله تعالى عن جميع أنحاء السلطة على المؤمن والمسلم، وسدَّ الطريق أمام غَلَبة الكفّار وسلطتهم على المسلمين، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: 141). فإنّ هذه المسألة في غاية الأهمّية والقيمة والاعتبار في المجتمع الديني، بحيث لا بُدَّ أن يعلم المسلم بأنّ عليه سدّ الطريق أمام أي نحوٍ من أنحاء سلطة الكفّار على المسلمين، الأمر الذي يعبِّر عنه الفقهاء في القواعد الفقهية بقاعدة (نفي السبيل). إلا أنّ المدرك الأصلي والمتقن لقاعدة نفي السبيل، التي تعيِّن نوع علاقة المسلم بالكافر في الأمور الاجتماعية والتجارية والسياسية والعلمية والثقافية، هو هذه الآية الشريفة([42]).

فلنعلم أنّه لا بُدَّ من معرفة أنّ المراد من نفي السبيل ليس هو سدّ طريق السلطة تكوينيّاً وفيزيائيّاً، بل سدّ طريق التسلُّط تشريعاً وقانوناً، أي إن قوانين المسلمين الفقهية (الحقوقية) ينبغي أن تكون بنحوٍ لا ينفتح من خلالها طريق السلطة للكفّار وغير المسلمين.

إذن يجب على المسلم رعاية الاحتياط التامّ في علاقاته و روابطه مع الكفّار؛ وذلك أنّ الحقّ تعالى جعل دينه وما شرَّعه هو الأفضل، ونفى أيّ حقٍّ للكافر على المسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ (آل عمران: 19)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: 85).

كما ورد عن النبيّ| أنّه قال: «الإسلام يعلو، ولا يُعْلى عليه»([43]).

فعلى أساس هذه القاعدة (نفي السبيل) ذكر الفقهاء مصاديق، وحذَّروا المسلمين من أيّ علاقة مع الكفّار؛ لكي لا يكون ولاؤهم سبباً في نفوذهم إلى المجتمع المسلم، فيكون ذلك في النتيجة سبباً لتسلُّطهم على المسلمين.

ومن مصاديق عدم ولاية الكافر على المسلم: عدم لزوم إذن الأب الكافر في نفوذ نَذْر وَلَده المسلم، عدم جواز تولّي الكافر لأوقاف المسلمين، عدم ثبوت حقّ الشُّفْعة للكافر في المعاملات، عدم جواز زواج المرأة المسلمة من الكافر، بطلان الزواج في حال كُفْر الزوج، سقوط حقّ القصاص لورثة المقتول الكافر، عدم جواز استشارة الكافر في مختلف أمور الحياة.

 

قاعدة نفي السبيل وكلام الإمام الخميني&

لا بُدَّ من القول بأنّ أهمّية كيفية علاقة المسلم مع الكافر ليست من الأمور المغفول عنها في كلمات الفقهاء. فقد أشار الإمام الخميني، ضمن مسائل، إلى كيفية العلاقات التجارية والثقافية والسياسية مع الكفّار، فقال: «لو خيف على حوزة الإسلام من الاستيلاء السياسي والاقتصادي، ووهن الإسلام والمسلمين وضعفهم، يجب الدفاع بالوسائل المشابِهة والمقاومات السلبية، كتَرْك شراء أمتعتهم، وترك استعمالها، وترك المراودة والمعاملة معهم مطلقاً»([44]).

وقال أيضاً: «لو كان في المراودات التجارية وغيرها مخافة على حوزة الإسلام وبلاد المسلمين من استيلاء الأجانب عليها، سياسياً أو غيرها، الموجب لاستعمارهم أو استعمار بلادهم، ولو معنوياً، يجب على كافّة المسلمين التجنُّب عنها، وتحرم تلك المراودات»([45]).

وقال: «لو كانت الروابط السياسية بين الدول الإسلامية والأجانب موجبة لاستيلائهم على بلادهم أو نفوسهم أو أموالهم، أو موجِبة لأسرهم السياسي، يحرم على رؤساء الدول تلك الروابط والمناسبات، وبطلت عقودها، ويجب على المسلمين إرشادهم، وإلزامهم بتركها، ولو بالمقاومات السلبية»([46]).

إن هذه الرؤية هي التي دعَتْ الإمام الخميني إلى اتّخاذ موقفٍ تجاه ما يُسمّى بقانون (كاپيتولاسيون)، القانون الذي صوّت أعضاء البرلمان عليه في الواحد والعشرين من شهر مهر سنة(1343هـ.ش). وهذا القانون في الواقع يجعل البلاد تحت سيطرة أمريكا، وإن كان يحافظ بحسب الظاهر على حياة الأمريكيّين والأوروبيّين، ويمنحهم الحصانة تجاه الجرائم السياسيّة والجنائيّة لهم في إيران، وأنّه لا بُدَّ من دراسة جرائمهم وإحالتها إلى بلدانهم. ولكنّ هذه السياسة في الواقع وضعت علامة استفهام على الاستقلال السياسي والقضائي لإيران، كما هيّأَتْ أرضيّة هيمنتهم من جميع الجوانب. لذا اتَّخذ الإمام الخميني بعد التصويت على هذا القانون موقفاً صارماً وتاريخياً في بيانٍ أصدره، بدأ فيه بالبسملة، وآية ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ﴾، ثم أسهب في الكلام عن قانون الذلّ والعار المذكور، وعاتب أعضاء البرلمان على تصويتهم لهذا القانون.

وبعد أنْ ردَّ الإمام الخميني هذا القانون أشار إلى خطر هيمنة أمريكا وإسرائيل، ومعارضتهما للدين والمذهب والقرآن، ثم حذَّر جميع أطياف المجتمع ـ وخصوصاً الطبقة المثقَّفة، وكذا العلماء والمراجع ـ، وختم بيانه بتأسُّفه على الوضع الاقتصادي لإيران([47]).

وفي الرابع من شهر آبان من تلك السنة خطب سماحته خطبته الشهيرة في مدينة قم المقدَّسة، وعرض فيها بإسهاب الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية في البلاد، وذكر عظمة ما يتركه هذا القانون من الذلّ، حيث اعتبر سكوت الساكتين عنه من المعاصي الكبيرة، ودعا الجميع إلى مواجهة هذا القانون، فإنّه يرى أن المستكبرين من الشرق والغرب أحدهما أسوأ حالاً من الآخر، حيث إنهما في صدد السلطة والهيمنة، ثم أشاد بموقف السيد حسن المدرس الذي ردَّ اقتراح الروس، وأكَّد على ضرورة حضور المجتهدين وعلماء الدين في البرلمان، وإشرافهم على التصويت على القوانين، معتبراً الدولة وبرلمان ذلك الوقت من الخائنين للشعب([48]).

وبعد أن تبيَّن سرّ الاحتياط في تولّي الكفّار ظهرت أهمّية التبرّي منهم في المجتمع الديني؛ لتضيء الطريق أمام روابط وعلاقات المسلمين، وتصونها من المخاطر والمزالق في العقيدة والدين والسياسة والاقتصاد، وتنقذ الأمّة من الاستئثار والاستعمار، وتعطي الحياة السلمية معنىً. فقد ورد عن النبيّ الأكرم| أنّه قال: «انصُرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً، إنْ يكُ ظالماً فاردُدْه عن ظلمه، وإنْ يكُ مظلوماً فانصُرْه»([49]).

إنّه بعد التأمُّل في كلام النبيّ| نعلم أنّ الإسلام ألغى قانون النظام القبلي، وأن الملاك في ذلك لا بُدَّ أن يكون على أساس التعاون على التقوى، وأنّ على المسلم أن يوظِّف نفسه بدعوة الظالم إلى الحقّ، وكفِّه عن ظلم الآخرين؛ فإنّ هذا من أبرز مصاديق البرّ والتقوى التي أكَّدت التعاليم الدينية عليها. وقد وظف الأئمة المعصومون^ قدراتهم للقيام بمثل هذا العمل. وعلى أساس ذلك تعتبر مساعدة ضحايا الحقّ أمراً مطلوباً جدّاً. وإن وظيفة المسلم الدفاع عن المظلومين ومهجَّري الحروب، وهي من مصاديق التعاون على البرّ والتقوى، والتي يراها المسلم أمراً لازماً عليه.

 

حصيلة البحث ونتائجه

ممّا تقدّم يستفاد أن الجهاد الابتدائي من الأمور المذكورة في الدين الإسلامي وجميع الأديان التوحيدية.

وأما الذي يجعل من الجهاد الابتدائي بحَسَب الظاهر أمراً غير مبارك فهو حقّ الحياة السلمية، المقرونة بالطمأنينة والراحة، وحرّية الدين والعقيدة ومختلف الشؤون الإنسانية والكرامة. أي إن هذه الحقوق المسلَّمة والمؤكَّدة، العقلية والشرعية، هي التي تكون سبباً في تمسُّك العقلاء والعلماء بقوانين حقوق الإنسان. ولذا فهُمْ يرَوْن منافاة تشريع الجهاد الابتدائي للكثير من موادّ إعلان حقوق الإنسان.

ونحن بعد التأكيد على تشريع الجهاد الابتدائي، والتصريح بالموادّ المذكورة، بيَّنّا هذه المواد، وأوضحنا أنّ حقّ الحياة ليس حقّاً مطلقاً، ليكون الإنسان مكلَّفاً بالحفاظ عليه على كلّ حال، بل هذا الحقّ، كالكثير من الحقوق، مقيَّد بقِيَم أخرى، بحيث بعد الالتفات إليها يجد هذا الحقّ معنىً ومفهوماً، ولكنْ ضمن التأكيد على حرّية العقيدة والدين ـ وهو أمرٌ معقول؛ لأن فرض العقيدة وتحميلها لا يتصوّر منطقياً لكي يصل إلى مرحلة التصديق ـ.

وقد أشرنا إلى عدم كون الدين والتديّن أمراً شخصيّاً، وكونه أمراً عامّاً.

وأوضحنا أن الهداية والدعوة إلى التوحيد في صراط تحرُّر الإنسان من الغِلّ والأصفاد العقائدية أمرٌ صحيح ومعقول، وأنّ الدفاع عن العقيدة من وظائف الجميع؛ وذلك أن الجهاد سببٌ في رفع موانع التديُّن. وكما أنّ رفع موانع الحرية العقائدية والتعبير عن الرأي في الحياة الاجتماعية أمرٌ مطلوب، كذلك رفع موانع التوحيد أمر معقول ومنطقي أيضاً؛ فإنّ الإنسان يتحرَّر بالجهاد الابتدائي والدفاع عن العقيدة من أسر الشرك، ويطهِّر فطرته الباطنية من كلّ قبيح، ويجلي مرآة ضميره الطاهرة.

إن التعاليم الدينية لا تتنافى مع الشؤون الإنسانية؛ لأن هذا الجهاد ليس هجومياً ومباغتاً، بل فيه جنبة دفاعية؛ إذ كما أن الدفاع عن المال والنفس بحكم الغريزة والفطرة وظيفة إنسانية وجماعية فإنّ الدفاع عن الأمور الفطرية والباطنية وظيفة إنسانية وجماعية.

وعلى هذا الأساس كان الجهاد باباً من أبواب الجنّة، وإن المتخلِّفين عنه يسيرون في طريق الضلال.

ولا بُدَّ أن يعلم أن التولّي والتبرّي مقرونٌ بقانون الصلح والحياة السلمية، وأنّه لا منافاة بينهما؛ لأن الإسلام والأديان التوحيدية ـ وبعد اهتمامها بمصير جميع الناس، وسعيها في تحرير الجميع من قيود الظلم والجَوْر العقائدي والاجتماعي والثقافي ـ تحاول إخافة المسلمين من مخاطر التأثُّر بالمشركين والحاقدين. وعلى هذا الأساس عمل المسلمون بقاعدة التبرّي، فأخذوا بالحيطة والحذر في تعاملهم مع غير المسلمين. ولذا لا بُدَّ أن تكون العلاقة معهم بمقدار الضرورة، بعيداً عن أيّ نحوٍ من أنحاء السلطة. وهذه هي الإرادة الحقّة التي ورد التأكيد عليها.

الهوامش:

(*) عضو الهيئة العلمية في جامعة العلم والتصنيع في إيران (طهران).

([1]) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 21: 4.

([2]) المائدة: 32.

([3]) الإسراء: 70.

([4]) البقرة: 256.

([5]) محمد ابراهيم الجناتي، دروس في الفقه المقارن 2: 103.

([6]) أحمد صاوي، بلغة المسالك 2: 1280.

([7]) مرتضى الحسيني الزبيدي، عقود الجواهر المنيفة 1: 146.

([8]) محمد بن عبد الله (ابن جزي)، القوانين الفقهية: 98.

([9]) أبو القاسم القمي، جامع الشتات 1: 352.

([10]) جواهر الكلام 21: 4.

([11]) المصدر السابق 21: 5.

([12]) المصدر السابق 21: 11.

([13]) محمد مكي (الشهيد الأول)، اللمعة الدمشقية: 44.

([14]) صحيح البخاري 2: 45.

([15]) محمد حسين البروجردي، جامع الأحاديث 13: 37.

([16]) جماعة من المؤلِّفين، الجوامع الفقهية: 66.

([17]) محمد بن الحسن الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 11: 32.

([18]) محمد مؤمن، فقه أهل بيت 9: 26.

([19]) محمد بن محمد (المفيد)، المقنعة: 16.

([20]) جماعة من المؤلفين، الجوامع الفقهية: 66.

([21]) أبو الصلاح الحلبي، الكافي في الفقه: 246.

([22]) الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: 3.

([23]) المصدر السابق: 18.

([24]) المصدر السابق: 1.

([25]) المصدر السابق: 5.

([26]) محمد تقي مصباح اليزدي، الجهاد في القرآن: 140.

([27]) محمد صادق النجمي، كلام الحسين من مدينة النبيّ إلى مكّة: 236.

([28]) محمد مهدي الريشهري، ميزان الحكمة 6: 67.

([29]) عبد الله جوادي الآملي، حكمة الحقوق الإنسان: 116.

([30]) مرتضى مطهري، الجهاد: 51.

([31]) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 2: 62.

([32]) الحسن بن الفضل الطبرسي، مکارم الاخلاق 2: 357.

([33]) الراغب الإصفهاني، المفردات في غرائب القرآن: 483.

([34]) الحسن بن الفضل الطبرسي، مجمع البيان 5: 130.

([35]) أبو القاسم الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 44.

([36]) وسائل الشيعة 11: 7.

([37]) الميزان في تفسير القرآن 2: 69.

([38]) اليزدي، الجهاد في القرآن: 148.

([39]) مطهري، الجهاد: 44.

([40]) اليزدي، الجهاد في القرآن: 151.

([41]) جواهر الكلام 21: 3.

([42]) أبو الحسن البجنوردي، القواعد الفقهية 1: 158.

([43]) محسن شير محمدي، نهج الفصاحة: 21.

([44]) روح الله الخميني، تحرير الوسيلة 1: 466.

([45]) المصدر نفسه.

([46]) المصدر نفسه.

([47]) حميد الروحاني، دراسة وتحليل من الصورة للإمام الخميني: 729.

([48]) المصدر السابق: 740.

([49]) شير محمدي، نهج الفصاحة: 394.