الجهاد في الدراسات الجديدة رصدٌ موجَز، وتقييمٌ إجماليّ ـ الحلقة الثانية ـ

5 ديسمبر 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
722 زيارة

الجهاد في الدراسات الجديدة رصدٌ موجَز، وتقييمٌ إجماليّ  ـ الحلقة الثانية ـ

3ـ حركة الإسلام المعرفي، انفجار حركة النقد

اتجاه الإسلام المعرفي تيارٌ تعاطى مع الملفّ الفكري الإسلامي برؤى معرفية، فأعاد قراءة الأصول المعرفية والفكرية التي انطلق منها الآخرون. ووجد ـ من وجهة نظره ـ أنّ المشكلة لا تكمن في الملفّ السياسي التقليدي، ولا في الملفّ السياسي أو الاجتماعي أو…، وإنّما تكمن في مناهج المعرفة بوصفها كلاًّ شاملاً. من هنا عمد هذا التيار إلى إعادة النظر في المناهج؛ فظهر محمد أركون ناقداً منهجيّاً بامتياز؛ وعرف العقدان الأخيران من القرن العشرين صخباً فكرياً في العالم العربي حول مشروع نقد العقل العربي، الذي أطلقه محمد عابد الجابري بالتدريج منذ بدايات الثمانينيات؛ وعلى هذا الخطّ نفسه ظهرت الاتّجاهات الهرمنوطيقيّة واللسانيّات لتتحدّث عن إعادة فهم النصّ وفق منهاجيات جديدة. لهذا رأينا نصر حامد أبو زيد، وقبله خلف الله وطه حسين، ورأينا محمد شحرور، ورأينا محمد مجتهد شبستري وعبد الكريم سروش، وصولاً إلى الاتّجاه القصدي في فهم النصّ مع عالم سبيط النيلي.

وفي هذا الخطّ رأينا حركة نقدية للمناهج الفلسفيّة السابقة، ولا سيّما مناهج الفلسفة الأرسطية والصدرائية، وللعقلية المدرسيّة. فبصرف النظر عن التيارات الوضعيّة، مع مثل: زكي نجيب محمود وغيرها، مثل: علي حرب وعبد الله العروي و…، ظهرت حركة السيد محمد باقر الصدر في نقد المنطق الأرسطي لصالح منطق الاستقراء؛ وحركة مصطفى ملكيان في نقد العقل النظري لصالح الاتجاه الإيماني، مقترباً من بعض النزعات الغربيّة على المستوى الفلسفي، مثل: عمانوئيل كانط، وعلى المستوى الديني، مثل: شلايرماخر، وحركة المدرسة التفكيكيّة الإيرانية الخراسانية في نقد المدرسة الصدرائية المهيمنة على الثقافة الإيرانية. وهذه الحركات النقديّة كلّها أثرت على فهم الإسلام بكلِّ أطيافه، بما فيها الحركة السوسيولوجية، مع مثل: علي الوردي وعلي شريعتي، وتركت أثراً على قضايا العلاقات مع الآخر والاتّجاه الإنساني، حيث لم نجد أكثرها ـ وليس جميعها بالتأكيد ـ يميل إلى قضايا الجهاد وملفّاته، بل وجدنا بعض أنصار الهرمنوطيقا الجدد، كشبستري، يميل إلى حقوق إنسان وضعيّة لا دينيّة، تجرِّد النصوص الدينيّة من حقِّها في وضع نظم مدنية وحقوقية وتجارية وسياسية واقتصاديّة وغيرها.

كانت أهمّية هذا الفريق النقدي تكمن في أنّه لم يحاول إغراق نفسه في التفاصيل، ولم يرَ الحلّ في إصلاح فتوى هنا أو مفهوم هناك، وإنّما أشرف على العلوم الإسلامية من الأعلى، وأعاد إصلاح أنماط التفكير فيها أو هيكليّتها أو مداخلها أو زوايا الأولويّات فيها. وحتى بين العلوم الإسلامية سعى هذا الفريق لوضع رسومات توضِّح أهمّية العلوم ودرجاتها، فطالب بالحدّ من تضخُّم علوم ثانوية على حساب علوم أوليّة من وجهة نظره. لهذا وجدنا دعوة إلى إصلاح علم الكلام، وإعطائه الأولويّة، والحدّ من تنامي علم أصول الفقه وعلم الفقه على حساب علوم أُخَر، وهكذا…

وقد لعب ظهور فلسفة العلم وتطوُّر الهرمنوطيقا في القرن العشرين بقوّة دوراً كبيراً في نهضة النقد المعرفي. فقد استعار النقّاد المسلمون أدوات وعِدَد معرفيّة أنتجت في الغرب، وحاولوا توظيفها في قراءة التراث الإسلامي.

 

تيّارات الإسلام المعرفي النقدي

ومن داخل هذا الفريق ظهرت تيارات متعدّدة، يصعب حصرها هنا، لكنْ نشير إلى أبرزها:

 

أـ التيّار التاريخي المعاصر

وهو الاتّجاه الذي يميل إلى فهم التراث الإسلامي فهماً تاريخياً، أي قراءة الوقائع والأحداث والنصوص في مناخها التاريخي؛ إمّا بوصف التاريخية منهجاً من مناهج الفهم، بحيث تكون هذه القراءة وسيلة للحصول على فهم أفضل للتراث؛ أو باعتبارها منهجاً يحكم الواقع السابق كلّه. وعلى الخط الأوّل تأتي نظرية سروش في أنّ الجهاد الابتدائي شُرِّع في بداية الدعوة ومرحلة التأسيس؛ لحاجات تعود إلى طبيعة المرحلة، أو نظريّة نصر حامد أبو زيد في أن تعدُّد الزوجات (أي الأربع) كان تشريعاً تمهيديّاً؛ للوصول إلى الزوجة الواحدة في مجتمع لا يعرف حدوداً للتعدُّد… وكذلك سعى خليل عبد الكريم ـ في كتابه (الجذور التاريخية للشريعة) وغيره ـ لرصد الجذور التاريخية لكثير من أحكام الشريعة، بما فيها خمس الغنائم والسلب والصفايا، في محاولة لإيجاد مقاربة بين التشريعات المتّصلة بباب الجهاد و… والمناخ التاريخي، وهذا ما برز فيه بقوّة سيّد محمود القمني في دراساته حول الحضارات القديمة والمقاربة بينها وبين الإسلام، في قضايا الشعائر الدينية، والجنس، والمرأة، و…

أما على الخطّ الثاني فيظهر أمثال محمد أركون، وبدرجةٍ تالية، وعلى مستوى الشريعة، محمد مجتهد شبستري؛ حيث يعتقد الأوّل بأنّ الخطاب القرآني يمثِّل خطاب ما قبل الحداثة، وأنّ عصر النهضة قد طوى هذه المرحلة. لهذا فالقرآن عنده كتابٌ يخاطب أُمَماً ماتَتْ، ولم يعُدْ له مخاطبٌ اليوم. وهذا ما نجد أصداءه عند مثل: هشام جعيط، وعبد المجيد الشرفي. ومن الطبيعي أن تزول الصورة القرآنيّة للجهاد والحرب في ظلِّ مثل هذا التفكير؛ لأنّ نظم القرآن الكريم والسنّة الشريفة في قضايا الحرب والسلم لن تعبِّر هنا سوى عن قوانين متناسبة مع ما قبل عصر النهضة، أو فلنقُلْ: مع الحياة الزراعيّة والقبليّة.

فيما يعتقد الثاني ـ أي شبستري ـ أنّ الفقه الإسلامي فقهٌ تاريخي، بمعنى أنّه ليس حلاًّ لمشاكلنا اليوم، وحتّى عدالة الإمام عليّ عنده لم تعُدْ اليوم عدالةً لو أردنا استنساخها. لهذا يفترض البحث عن حقوق إنسان مدنيّة وضعيّة بدل حقوق إنسان إسلاميّة. وهذا ما من شأنه أن يطيح بالكثير، وربما أكثر الأحكام الشرعيّة والتصوُّرات الدينية في قضايا الجهاد والعلاقات الدوليّة.

لقد حفر النقّاد المعرفيّون في التراث بقراءات جديدة، وأشغلت نظريّاتهم في العقود الثلاثة الأخيرة العالم الإسلامي. فقضية نصر حامد أبو زيد التي تحدَّث فيها عن جدلٍ بين النصّ القرآني والواقع التاريخي، ومن ثم لا معنى لقِدَم القرآن…، أشغلت الإعلام والصحافة والثقافة لفترةٍ طويلة.

 

ب ـ التيّار الإيماني الروحي

وهو التيّار الذي يميل إلى التركيز في الدين على البُعْد الروحي في العلاقة مع المقدَّس المتعالي، وعدم جعل العقيدة بما هي مجموعة من القضايا الخبرية، ولا الفقه بما هو سلسلة من الأحكام والقوانين، أساساً في الدين، بل الجوهر الأهمّ هو تلك العلاقة. ومن أبرز أنصار هذا الاتّجاه مصطفى مَلَكيان. وهو اتّجاهٌ يستبطن أيضاً حلَّ عناصر الاختلاف بين الأديان، ومطالعتها؛ لاكتشاف وحدة العناصر الأساسيّة فيها. فهناك دينٌ واحدٌ مشترَك فيها يجب اكتشافه، أشبه شيء باللغة الموحَّدة التي نظَّر لها عالم سبيط النيلي.

اعتُبر فريق النقد المعرفي أخطر الناشطين الفكريّين على الدين. فوقعت معه سجالات كبيرة، وتنامى التكفير وظواهره في التعامل مع هذا الفريق. ويرى أمثال محمد عمارة أنّ فريق النقد المعرفي هذا يقدِّم نفسه للأمّة بوصفه امتداداً لخطّ التنوير الذي جاء مع الأفغاني وعبده ومحمد رشيد رضا، فيما يمثِّل في واقعه خطَّ التزوير الذي جاء مع أمثال موسى سلامة وطه حسين وخلف الله وحسن حنفي ونصر حامد أبو زيد والمستشار محمد سعيد العشماوي ونوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وغيرهم. وبهذا حصل خلطٌ ـ من وجهة نظر عمارة ـ بين ما يسمِّيه: التنوير والتزوير، حتّى ألَّف كتاباً بهذا الاسم.

الأمر عينه جاء في الوسط الشيعي، حيث سعى بعض أنصار الفريق المعرفي النقدي لإبداء أنفسهم امتداداً للصدر والطباطبائي ومطهّري ومغنيّة والأمين و…، فيما اتَّهمهم خصومهم بأنّهم خطٌّ آخر يتلطّى تحت هذه الأسماء. من هنا رُفضت بشدّة مقولة محمد خاتمي أنّ مشروعه هو قراءة جديدة للخمينيّة؛ فيما اعتبرها النقّاد ـ من أمثال الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي ـ بأنّها إطاحةٌ بها.

 

حركات المعارضة للاتّجاه النقدي في العالم الإسلامي

تنوّع خصوم النقّاد المعرفيّين، فكان منهم:

1ـ تيّار فقهي نصّي، تمثَّل في بعض المفتين والمراجع والفقهاء والقضاة أو مجالس الفتوى في العالم الإسلامي، والذين أبدَوْا آراءهم هنا وهناك فيهم؛ إمّا بالحكم بالكفر والردّة؛ أو بالضلالة؛ أو بأنّ كتبهم كتب ضلال؛ أو بمنع كتبهم ومجلاتهم من النشر؛ أو…

2ـ ومنهم تيّار عقدي، رأى في النقد المعرفي نقداً يطال الأصول العقائدية للدين الإسلامي أو لهذا المذهب أو ذاك. لهذا استخدم أمثال الدكتور عبد الصبور شاهين و… مثل ملفّ قدم القرآن مادّةً لشنّ الحملة القوية على نصر حامد أبو زيد. والأمر عينه ساهم فيه السلفيّون الحنابلة بحقِّ أبو زيد وغيره، وهم الفريق الأكثر تشدُّداً في الأمّة إزاء القضايا العقدية كما نعرف. ولأنّ التيار النقدي المعرفي طال بنقده الصحابة والخلفاء والقرآن والسنّة والإجماع وأئمّة المذاهب والحديث و… كان السلفيّون في الواجهة؛ لأنّ النقد المعرفي يفضي ـ ولا سيّما في مدرسته التاريخية ـ إلى إسقاط القداسات. وهذا ما يصطدم بالفريق العقدي في الأمّة.

من هنا كانت هناك حساسيّة من مشروع حسن حنفي لإعادة هيكلة علم الكلام الإسلامي، تحت تأثير التوظيف السياسي لعلم الكلام، حيث اعتقد حنفي بأنّ علم الكلام هو علم الخلاف السياسي في تاريخ المسلمين، ولهذا يجب دمجه في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ولا معنى لتجريده. ومن هذا المدخل أطلق مشروعه «من العقيدة إلى الثورة»، الذي انتُقد عليه وعلى ما تلاه؛ من حيث تأثُّره بالفكر الاشتراكي تارةً؛ وبالنزعات الثورية اليساريّة تارةً أخرى. ولأنّه تناول علم الكلام كانت هناك حساسية خاصّة منه. والأمر عينه حصل مع حسين مدرسي طباطبائي، الذي مارس قراءة تاريخيّة سياقية للكلام الشيعي. ورغم تحفُّظه تعرَّض لنقدٍ مختلف من جانب بعضهم.

3ـ ومنهم تيّار قومي لم يعجبه هذا النقد؛ لأنه رأى في نقد التراث العربي بالخصوص تدميراً لتاريخ الأمّة والحضارة العربية، وإفراطاً في التعامل مع هذا التراث، وانبهاراً بالحضارة الغربية. وكان من أبرز النقّاد هنا جورج طرابيشي في نقده الموسَّع لمشروع الجابري، الذي اعتبر فيه أنّ الجابري استعار المقولات الغربية لا غير، وأنّه لم يقُمْ بأيّ إبداع.

4ـ ومنهم تيّار عقلي ـ صوفي، ساهم في النقد؛ اعتقاداً منه بوجود طفرات وهفوات وقع فيها النقّاد. وبرز هنا اسم الدكتور طه عبد الرحمن في نقده للعديد من التصوُّرات النقدية الجديدة، ولا سيّما مشروع محمد عابد الجابري، وكذلك الشيخ عبد الله جوادي الآملي والسيد محمد حسين الطهراني في نقدهما لبعض النظريّات المعرفيّة لعبد الكريم سروش.

 

أسباب ظهور التيّار النقدي في العالم الإسلامي

أعتقد بأنّ هناك عناصر فجَّرت التيار النقدي، وأطلقته صيحةً في أرجاء العالم الإسلامي، أبرزها:

1ـ نكسة عام 1967م، بعد نكبة 1948م، حيث انهارت عندهما كلُّ النظريات القوميّة والتراثية وغيرها، ممّا عمَّق النقد، ووسَّع دائرته.

2ـ فشل الدول القومية والبعثية والقطرية ونظم العلمانية والاشتراكية العربية في إجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ممّا عمَّق الإحساس بالمشكلة، ووسّع الهوّة بين الحكومات والشعوب. من هنا قوي التيار النقدي، ومنه: تيار الإسلام السياسي النقدي. ولمّا انتصرت الحركة الإسلاميّة، وأمسكت بزمام السلطة، ولم تحقِّق إصلاحاتٍ بالحجم الذي كان متوقَّعاً ـ كما في السعوديّة وأفغانستان والسودان ونيجيريا ـ، تحوَّلت الحركة النقدية إليها نفسها، وتوسَّعت دائرة نقد الدين والمؤسَّسة الدينية والأحزاب الدينية؛ بعد شعور بعدم تحقيق الإصلاحات حتّى من طرف هذا الفريق نفسه؛ أو لعدم قدرته بعد عقود على الوصول إلى السلطة، ممّا حوَّله أحياناً إلى تيارات وصولية منفعيّة، سقطت مصداقيّتها عند الجماهير، وأحياناً أخرى إلى تيّارات تخلَّت عن إسلاميّتها، وثالثة إلى تيّارات أصولية راديكالية صدامية، ممّا زاد من صدامها مع الواقع، وسمح بممارسة نقدٍ عليها. وهذا ـ بأنواعه وأسبابه ـ ما شاهدناه مع أحزاب إسلامية عريقة، مثل: الإخوان المسلمين في مصر، وحزب الدعوة الإسلامية في العراق، وحركة أمل في لبنان، وحركة النهضة في تونس، و… وعلى صعيد الدول الإسلامية ـ ولو شعاراً ـ حصلت إخفاقات في الإصلاحات، تختلف زيادةً ونقيصة، مثل: التجربة الإسلاميّة في السودان والسعودية وباكستان وأفغانستان، وأخيراً في مصر، ولا سيّما مع الأخذ بعين الاعتبار كلاًّ من النموذج التركي والماليزي، الذي حقَّق تقدُّماً كبيراً على الصعيد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي مقارنةً بمثل هذه الدول.

من هنا وجدنا منذ الثمانينيات من القرن الماضي حركة نقدٍ قويّة للفكر السياسي الإسلامي، وجنوحاً نحو علمانيّة؛ بعضها متطرِّفٌ؛ وبعضها مؤمنٌ، كما يميل إليه السيد محمد حسن الأمين. فبرز تيار اليسار الإسلامي، وبرز نقّادٌ هنا ومحلِّلون، تناولوا الإسلام السياسي بالنقد على اختلاف النظريّات، وما أكثرهم، مثل: برهان غليون، ورضوان السيد، ومحسن كَدِيوَر، ومحمد عابد الجابري، ومحمد سعيد العشماوي، ومحمد أَرْكُون، وحسن حنفي، ومحمد مهدي شمس الدين، ومحمد حسن الأمين، ووجيه كوثراني، وعبد الكريم سروش، وفؤاد زكريا، وعادل ظاهر، ومهدي بازرگان، وأحمد الكاتب، و…

وكانت بدايات نقد أصول الفكر السياسي الديني عموماً مع كلٍّ من: عليّ عبد الرازق(1966م) في مطلع القرن العشرين، وأحمد لطفي السيد(1963م)، وطه حسين(1973م)، وإسماعيل مظهر(1962م)، وخالد محمد خالد(1920م)، وفرح أنطون(1922م)، ونجيب عازوري(1916م)، وشبلي الشميل(1917م)، وفرنسيس مراست(1873م)، بدرجات مختلفة، في محاولاتٍ لعلمنة المجتمع الإسلامي من زاوية هنا وهناك.

وفي إطار نقد الحركة الإسلاميّة جاء نقد المؤسَّسة الدينية وعلماء الدين. وقد كُتبت حول المؤسَّسة الدينية دراسات كثيرة أكثر من أن تحصى. وكانت محلّ خلافات من أبسط القضايا الصغيرة، كتغيير المناهج الدراسية، وحتّى أكبرها، وهو أصل وجود مؤسَّسة دينية وإكليروس إسلامي. وهو ما بلغ أوجَهُ مع مثل علي شريعتي وسروش في إيران.

إنّ النكسة في مواجهة الآخر الحضاري والعسكري، المتمثِّل بالغرب الاستعماري والكيان الصهيوني من جهةٍ؛ وفشل الإصلاحات في العالم الإسلامي على مستوى الدولة القومية والقطرية والدينية من جهة أخرى…، عزّز حركة النقد المعرفي، بل وحركة النقد عموماً، سواء نقد الإسلاميّين لغيرهم أم نقد غيرهم لهم. فهذا الواقع هو الذي دفع إلى ما نجده اليوم من حركات نقديّة لقضايا الأمّة والوطن والدين.

وبهذا كلِّه ظهرت مستويات النقد لدى الفريق النقدي. فمن الواضح أنّ النقد المعرفي كان أعمق النقود، وأكثرها سعةً، يليه في ذلك فريق النقد السياسي والاجتماعي.

قضايا الجهاد، مقارنةٌ بين التيّارات المتنازعة

بعد هذا العرض الموجز يمكن تقديم تقييم عابر لمجمل ما قدَّمته هذه التيارات، وذلك على الشكل التالي:

أوّلاً: لقد كان الحقّ مع التيّار الإحيائي في ضرورة إعادة تذكير الأمّة بقضيّة الجهاد؛ كونها ـ كما هو واضح الكتاب العزيز ـ من أساسيات قيامة الأمّة المسلمة، وحماية وجودها وكيانها، ولا معنى لتعطيل الجهاد ما دام ركناً من أركان الوجود الإسلامي.

ثانياً: لم يكُنْ يمكن إحياء هذه الفريضة الغائبة دون إعادة قراءة لها وفقاً لتطوُّر الاجتهاد الإسلامي وتعقيدات العصور اللاحقة. ولهذا كان إحياؤها شعاراً في الأمّة، دون قيام العلماء والفقهاء بتقديم دراسات جادّة لهذا الموضوع، ولما يرتبط به ارتباطاً وثيقاً، مثل: قضيّة العلاقات الدوليّة…، ثغرةً رئيسة، ربما تكون قد تسبَّبت ببعض الأخطاء. والدعوة لدراسة فقه الجهاد لا تقف حتى يومنا هذا؛ كونه موضوعاً ما زال نابضاً في حياة الأمّة، تستجدّ فيه كلّ يوم حوادث ونوازل.

من هنا نقترح عقد مؤتمرات فقهيّة جادّة خاصّة بأهل الاختصاص من الفقهاء والفضلاء والقانونيّين والحقوقيّين؛ لمعالجة قضايا الجهاد ونوازله معالجةً علميّة وزينة، دون الاقتصار على الجانب الخطابي والشعاري في الموضوع، وأن تكون لدينا الجرأة ـ حيث يتطلَّب الدليل ـ للتخلّي عن أفكار شاعَتْ بيننا، أو لتبنّي أفكارٍ لطالما ظلَّت مستهجنةً في أوساطنا.

ثالثاً: لقد استخدمت بعض قضايا التشريعات الجهاديّة في الإسلام لتشويه صورته تشويهاً رهيباً. وهنا كان من الضروري ـ بعد تجديد القراءة الاجتهادية لموضوع الجهاد ـ أن يُصار إلى تقديم دفاع عقلاني عن التشريعات الإسلاميّة. ولا يقف هذا الدفاع عند حدود الاستناد إلى النصوص الدينية؛ لأنّ الخصم هذه المرّة لم يكن ليبالي كثيراً بمرجعيّة هذه النصوص. لهذا كان من الضروري تقديم منظومة تشريعات متناسقة ـ على أساس فقه نظريّة الحرب والسلم في الإسلام أو فقه العلاقات الدوليّة ـ تستطيع أن تبرِّر نفسها عقلانيّاً أمام منظومات التشريعات الحقوقيّة في العالم. وهنا من الحسن أن تكون لدينا ذهنيّة تاريخية في قراءة النصوص؛ لا لكي تكون هذه الذهنية وسيلة للإطاحة بالتشريعات الإسلاميّة، كما فعل بعضهم، بل ـ وكما قلنا مراراً ـ كي تكون وسيلةً لفهم الرسالة الأمّ التي جاءت النصوص من أجلها، وتجاوز الاستنساخ الحرفي للتاريخ، دون هدر النصّ حيث لا يمكن.

رابعاً: إنّه وإنْ كانت هناك الكثير من الأخطاء التي ارتكبَتْها الحركة الإسلاميّة وبعض الدول التي تسمّي نفسها إسلاميّةً، إلاّ أنّ هذا لا يُلغي إمكانيّة النظر إلى نقاط القوّة في بعض التجارب الأخرى. فتجربة المقاومة الإسلاميّة في لبنان يمكنها أن تكون مادّةً هامّة للذين يريدون الجَمْع بين الجهاد وقضايا حقوق الإنسان، في تعاملها الإنساني مع العدوّ، ومَنْ يتعامل معه في أكثر من موقع. وهذا ما يؤشر إلى إمكانيّة تقديم نماذج عمليّة لتجارب ناجحة، حتّى وفق التصوّرات الأكثر ليبراليّة، إذا استطعنا تقديم هذه النماذج الناجحة بطريقة عقلانية واعية، بعيدة عن الانفعالات والتحيُّزات والمذهبيّات التي يريد الآخرون تقزيمنا بالتقوقع داخلها.

خامساً: كما طالب غيرُ واحد ـ وهم مُحِقُّون ـ بعدم تسرية ذهنية الحرب إلى الحياة المدنيّة؛ لأنّ لكلّ واحدةٍ منهما نمطها وقوانينها، كذلك يمكن أن نطالب الفريق المتمايل إلى النزعات الليبرالية بالفعل المذكور. فللحرب ظروفها وقسوتها وقاطعيّتها وجدّيتها وعنصر الحسم فيها، بما لا يمكن معه التعامل مع العدو فيها بمنطق تقبيل اللحى ونهج الابتسامة على الدوام، وللشدّة موقعها. ولا يجوز تشويه صورة الجهاد بربطه بالعنف والإرهاب بما يحمله من معنى سلبيّ؛ لأنّ للحرب متطلَّباتها التي لا تتخطّى القِيَم العليا. من هنا نأخذ على بعض التيّارات المعاصرة معارضتها لكلّ أشكال الجهاد، واعتقادها الصريح أو الضمني بضرورة إقفال هذا الملفّ في لحظتنا المعاصرة، رغبةً دفينة في الحياة الهادئة والعيش الرغيد على نَسَق الوضع القائم في البلدان المتقدِّمة. وما غاب عن هذا الفريق أنّه كان يخطئ دوماً في التعامل مع البلدان النامية ودول العالم الثالث بقوانين تحكم الدول المستقرّة، وهو خطأٌ يقف على النقيض من القناعات الزمكانيّة التي تبني هذه التيّارات قراءتها للأمور عليها.

نحن مع أنسنة الجهاد؛ حتّى لا يكون ذريعةً لشريعة غابٍ، لكنّ هذا لا يعني إفراغه من مضمونه، وترجيح الخنوع والاستسلام عليه دائماً. فالجنوح للسِّلْم إنّما يكون حيث يجنح الآخر له، لا حيث يجنح الآخر به عليك.

هذا وقد تلقَّيْنا، ونحن نقوم بتهيئة هذا العدد من المجلَّة، نبأ وفاة العلاّمة الفقيد الدكتور الشيخ الفقيه عبد الهادي الفضلي رحمه الله تعالى، المشرِف العامّ السابق على مجلّة (نصوص معاصرة)، وعضو الهيئة الاستشاريّة لمجلّة (الاجتهاد والتجديد).

وقد أصدرت أسرة المجلّة بهذا الصدد بيان نعي وتعزية، وهذا نصُّه:

 

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

 

بمزيدٍ من الحُزْن واللَّوْعة والأسى والرضا بقضاء الله تعالى تلقَّيْنا نبأ وفاة العلاّمة الجليل، والعالم الفاضل، الفقيه الحجّة، الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي، رحمه الله تعالى. هذا الرجل المِعْطاء، الذي نَذَر نفسه لخدمة الدِّين والعلم والمعرفة، والحوزات العلميّة والجامعات، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وظلَّ حتّى النَّفَس الأخير يواصل جهوده المضنية في سبيل الله، وخدمةً للدين وللإنسان، وتربية جيلٍ إسلاميّ واعٍ وبصير، وتحقيق التقارب والتواصل بين المسلمين.

إنّنا إذ نفتقد للمشرف العامّ على مجلّة (نصوص معاصرة)، وأحد أعضاء الهيئة الاستشاريّة لمجلّة (الاجتهاد والتجديد)، والذي رعاهما بعطفه وعنايته المعنويّة والروحيّة، وآمَن معهما برسالة الوعي والانفتاح والتجديد والتطوير في المعرفة الدينيّة، نسأل الله تعالى أنْ يوفِّقنا للاستمرار على نهجه، ومواصلة دربه، في رفد المعرفة الإسلاميّة بالجديد، وإيصال الرسالة الدينيّة باللغة العصريّة إلى مختلف شرائح المجتمع وأرجاء المعمورة.

ونتوجَّه إلى عامّة المسلمين، وإلى العلماء والحوزات والمعاهد الدينيّة، ولا سيّما علماء المنطقة الشرقيّة، وعامّة بلدان الخليج، وإلى أهل الفقيد وأسرته الكريمة، بالعزاء، ونسأل الله لهم الصَّبْر والسلوان، ولفقيدنا الكبير الرحمة والرضوان، إنَّه وليٌّ قدير، وبالإجابة جديرٌ.