الجهاد والقتال في القرآن

الجهاد والقتال في القرآن

دراسة في أهم شبهات المستشرقين وأجوبتها القرآنية

المقالة I.                     مقدمة

من بين الطرق المختلفة التي استفاد منها القرآن في دعوته، أعم من الدعوة والموعظة والجدل والبرهان والجهاد في مقابل التيارات غير التوحيدية ـ المشركين والمنافقين والكفار من أهل الكتاب اليهود والمسيحيين ـ يتمتع الجهاد بمكانة خاصة، سواء في مبدأ اللجوء إليه والاستفادة منه أم في طريقة استفادة النبي والمسلمين منه، وقد ترافق ذلك مع أسئلة وشبهات متعددة طرحت في المقام بين مؤيدة ومعارضة.

و نتناول في هذا البحث أهم شبهات وإشكالات المستشرقين باختصار، وخصوصاً تلك الناظرة إلى أصل الجهاد، ونجيب عليها اعتماداً على آيات القرآن نفسها.

آراء المستشرقين وشبهاتهم

أكثَر المستشرقون، ضمن الأبحاث التي قاموا بها حول الاسلام وقاموا بدراستها، أعم من السيرة والروايات والفقه وغيرها، من تعرضهم؛ بغرض وبعيداً عن التحقيق، للقرآن الكريم، ومن البديهي أن هذا بالنظر لكون القرآن يتمتع بمكانة خاصة؛ باعتباره المصدر الأساس للإسلام والتعاليم الاسلامية.

وكان القرآن محلاً لدراسة المستشرقين من جوانب متعددة، وقام الاستشراق بدراسة كثير من الأشياء حول القرآن تفوق العد والحصر.

وهذه الدراسات نفسها هي بحد ذاتها دليل على الاهتمام الخاص لهم بهذا الكتاب، وهو الاهتمام الذي لم يحصل بدافع المعرفة الحقيقية بمقدار ما كان بدافع الهجوم على القرآن.

ترجم الاستشراق القرآن الكريم إلى اللغات الأوروبية المختلفة ترجمات بعيدة كثيراً عن الأصل العربي للقرآن، فضلاً عن عدد من الحواشي والهوامش التي تتضمن توجيهات غير منصفة ومضللة أحياناً أُخرى. ولم يكتف الاستشراق بهذا، بل قام بالتأليف حول كل ما يتعلق بالقرآن وأصله ومعانيه وتاريخه واللغة التي جاء فيها والعلوم والأحكام والتفسير ورسم الخط التي تتعلق به ([1]).

ثم إنّ التعرض بالدراسة لكل واحدة من هذه المسائل قضية خارجة عن عهدة هذا البحث، وقد كتبت كتب متعددة في هذا المجال سنشير إلى بعضها في خلال البحث، ولكن سنكتفي هنا بالتعرض لموضوع الجهاد.

درست إشكالات وشبهات المستشرقين حول الجهاد في الإسلام من خلال البحث عن الآيات والسور المكية والمدنية أو القرآن المكي والقرآن المدني ـ على حد تعبيرهم ـ، وذكر خصوصيات ومميزات كل واحدة منها، ودراسة شخصية النبي’ بشكل مباشر وغير مباشر، وبالطبع هناك أبحاث مستقلة أحياناً حول الموضوع، كما يمكن مشاهدة التعرض له في مطاوي بعض الأبحاث الأخرى. ونشير هنا إلى بعض هذه الآراء:

وصل الخبير في علم النفس والمستشرق الغربي «بي جي فاتيكيوتيس P.J. Vatikiotis» إلى نظرية مهمة في علم النفس، وتعرف نظريته بـ «تناقض التفكير الثوري مع وداعة الروح الانسانية وتكوينها العقلاني».

وهاجم في نظريته هذه الإسلام بشكل مباشر، وهاجم بشكل غير مباشر أصل الجهاد في سبيل الله في الدين الإسلامي.

وفي مقالة له في كتاب «الثورة في الشرق الأوسط»، الذي طبع في عام 1972م تحت إشراف مدرسة الدراسات الشرقية والآسيوية، قال: «كل إيديولوجية ثورية هي في تضاد مباشر، بل تهاجم مباشر، مع التكوين العقلاني والبيولوجي والروحي للبشر. والإيديولوجية الثورية تركن الى تغيير مفاجئ مبتن على أُسلوب وطريقة تطلب من أنصارها التعصب والعصبية التامة للعقيدة. بالنسبة لشخص ثوري السياسة ليست مجرد مسألة اعتقادية أو بديلة عن الاعتقاد الديني؛ بل يجب أن لا تكون الوضع الذي كانت عليه دوماً، أي نوعاً من النشاط المناسب والمتوافق مع الزمن من أجل البقاء. الثورة نفسها حالة من الخوف والهلع وتتمايز عن الطبيعة الملموسة والمتمايزة الإنسانية والاشتغالات الذهنية للحياة السياسية. والثوري كل جهده يبذل من أجل المسائل الانتزاعية والمجردة التي تميل إلى البطولة والمثالية. وجميع القيم الملموسة والمحسوسة تابعة لقيمة متعالية، وهي إعداد الإنسان والتاريخ في مسيرة مشروع عظيم لتحرير البشرية. الثورة لا ترضى بالسياسات الإنسانية ـ بقيودها المزعجة ـ بل هي بصدد خلق عالم جديد، وبالطبع ليس من خلال التعديل والتوافق أو الاحتياط، أي بشكل إنساني، بل من خلال عمل مخيف وبطولي ونصف إلهي. فكرة أن تكون السياسة في خدمة الإنسان غير مقبولة من جهة المنظرين الثوريين، بل في المقابل الهدف الوجودي للبشر هو أن يكون خاضعاً لنظام عنف تام».

ولـ «برنالد لوئيس» في هذا الكتاب «الثورة في الشرق الأوسط» مقالة تحت عنوان: المفاهيم الإسلامية للثورة. وقد تتبع فيه جذر كلمة «الثورة»، والتي هي اللفظة المشهورة في عالم الجهاد والثوريين في الإسلام، وكأنها في كتب اللغة قد «أُشربت معاني الحيوانية لا العقلانية، والتسرع وعدم الاستمرار والاختفاء، فكتب يقول: «في البلاد العربية تستعمل كلمة أخرى أي « ثورة». وجذرها «ث.و.ر» وهي في العربية القديمة كانت بمعنى الطول والرفع (مثلاً البعير). والحركة والهيجان، وبالخصوص في الاستعمال المغربي بمعنى الطغيان والفوضى. هذه اللفظة تستعمل غالباً في معنى تأسيس حكومة صغيرة ومستقلة. وفي توضيح هذه اللفظة في القاموس والصحاح جاءت عبارة «انتظر حتى تسكن هذه الثورة».

وقد طبع «لوئيس» هذا نفسه، الذي استمر في مهمته الاستشراقية الإمبريالية طيلة عمره، مقالة أخرى تحت عنوان «ثورة الإسلام/ The Revolute of Islam» في العام 1964م.

و بعد اثنتي عشرة سنة طبع المقالة نفسها في مجلة «دراسات» بعنوان جديد هو: «الرجوع إلى الإسلام»، اشتكى فيها من قيام المصريين 1945م ضد الصهاينة ووعد بلفور، وهو ما كشف عن السبب الحقيقي لانزعاجه القديم من التفكير الثوري والإسلام الثوري، وبتبعه قضية الجهاد في الإسلام ([2]).

وكتب ويليام موئيه، وهو مستشرق معروف، ومؤلف كتاب «حياة محمد/ The Life of Mohamed»، و«الخلافة: ظهورها وسقوطها/ Caliphate, Its Rise, Decline»، وهو يعتبر المدنية الغربية وثقافة الديمقراطية والحرية الغربية التي تعرف الحقيقة كلها في مقابل ثقافة الإسلام والجهاد، التي تتبلور في القرآن والسيف، يحذر الغربيين: سيف محمد والقرآن أخطر أعداء المدنية والحرية والحقيقة.

وكتب ريون فايرستون صاحب مقالة «الحرب والقتال» في «دائرة معارف القرآن ليدن» حول الجهاد يقول: «الحرب مبارزة بدنية خشنة من أجل النصر، والحرب من خصال العرب قبل الإسلام، والذين كانوا يحرمون الحرب في أزمنة وأماكن خاصة. وينهى القرآن الناس في بعض الآيات عن الحرب، ولكنه يجيز الحرب دفاعاً عن النفس، وفي بعض الآيات الأخرى يجيز الحرب في ظروف خاصة، وفي بعض الايات جاءت آيات الجهاد مطلقة دون قيد أو شرط، مثل الآية 216 من سورة البقرة {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}، {فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التوبة: 5).

وكتب ريزوي فايزر صاحب مقالة « الجيوش والمعارك » في دائرة المعارف السابقة نفسها بعد الحديث عن عدد الألفاظ التي جاءت في القرآن حول الحرب: «وفقاً للإسلام فإنّ محمداً أحد الأنبياء الكثر الذين حضهم الله على أساس عقائده على الحرب، فالقرآن يقول: إنّ الإسلام والتوحيد اتسع نطاقه على أثر الجهاد والقتال»([3]).

وقسَّم بلاشر الفرنسي مجموع السور النازلة طيلة الثلاث والعشرين سنة من دعوة النبي إلى أربعة أقسام: ثلاث مراحل في مكة، والمرحلة الرابعة كلها في المدينة، وأثناء الحديث عن خصائص ومميزات ووجوه تمايز السور المكية والمدنية بحسب أجواء كل من مكة والمدينة كتب حول جو المدينة يقول: «واختلف دور محمد في هذه المرحلة بحيث لم يعد ذلك النبي الذي اصطفاه الله لنشر رسالته في الصحراء، ولكنه أصبح رئيساً لجماعة دينية فرضت عليها الظروف المحيطة بها أن تتميز في مظهرها وسلوكها وعبادتها. هذه الجماعة التي عليها مواجهة ليس المشركين فحسب، ولكن ثلاث قبائل يهودية منظمة تنظيماً دقيقاً في المدينة، وخلقت لنبيها العديد من المشاكل الدينية والدنيوية على حد سواء. كما أنّ علاقة هذه الجماعة مع مشركي مكة لم تلبث أن تحولت إلى نزاع مسلح كان النصر فيه حليفها أولاً، ثم كانت الهزيمة من نصيبها في معركة أحد، ثم توالت الحروب سجالاً إلى أنّ انتهت إلى غايتها، وهي عودة النبي إلى مسقط رأسه فاتحاً مكللاً بالغار».

وفي نهاية البحث عن السور المدنية كتب يقول: «تمتاز النصوص القرآنية المدنية بمحاولة التفاهم مع اليهود ومجادلتهم مع النصارى بالتي هي أحسن، إلاّ أنّ الجدل والنقاش قد احتدم بين الطرفين عندما يئس كل طرف من اجتذاب الآخر إلى عقيدته، وتحول الجدل والخصام الديني والعقدي والثقافي إلى خصام حربي بلغ أقصى مداه، وذلك بانتصار الجماعة الإسلامية على اليهود وطردهم من الجزيرة العربية نهائياً. وقد صور لنا القرآن هذا الصراع الفكري والعسكري أروع تصوير في العديد من سوره وآياته.

كانت العلاقة بين الجماعة الإسلامية الناشئة وبين نصارى الجزيرة العربية جيدة في بدايتها، ولم تسجل الفترة الأولى من هذه المرحلة أي عداء بينهما، بالرغم من إنكار القرآن لألوهية المسيح، وعبادة التثليث. ولكن عندما اصطدمت هذه الجماعة بالإمبراطورية البيزنطية، وخاصة بعد موقعة «مؤتة»، واندلع بينهما ذلك النزاع المسلح الذي انتهى هو الآخر إلى غايته بعد حين»([4]).

هنا يشاهد بوضوح كيف أنّ بلاشر يعتبر الوجه الغالب للسور المدنية هو الاشتباكات المسلحة مع المشركين واليهود.

ويتحدث رودنسون، أحد هؤلاء المستشرقين، الذي قدم صورة تخيلية عن مراحل دعوة النبي في مكة، والتي تشبه إلى حدٍّ بعيد ما كتبه بلاشر، ولكن دون الإشارة الى تقسيمه لسور القرآن، عن أجواء مكة والمدينة قائلاً: «وتتحدث النصوص القرآنية في هذه الفترة عن ذلك الصراع الفكري والإيديولوجي بين النبي واليهود المقيمين بالمدينة، خاصة بعد أن حاول كلا الطرفين جذب الآخر إلى دينه وفشلهما في ذلك، فاتسعت الهوة بينهما، واندلع ذلك الصراع الفكري والثقافي بينهما طبقاً لما نصت عليه الآيات بالخصوص. كما نظمت النصوص القرآنية الجهاد الإسلامي وشرائطه، وكيفية تطبيقه والتزام المؤمنين به، وكانت هذه التعليمات والأوامر العسكرية صدىً واسعاً للمعارك الحربية التي خاضتها الجماعة الإسلامية ضد مشركي مكة، وضد اليهود بالمدينة، وضد الأعراب المتحالفين معهما» ([5]).

ويشير لامانس، وفي سياق الحديث عن تفاوت السور المكية والمدنية من حيث الفصاحة والبلاغة، إلى أنّ المجادلة مع الكفار في المدينة قلّت، وبدلاً عنها جاءت الأوامر العسكرية: «إنه من السهل التعرف إليها وتمييزها عن السور المكية في عهديها، سواء من حيث الشكل أو الموضوع، فمن حيث الشكل أصبح أُسلوبها يقترب إلى النثر العادي، كما أنّ النغم قد تغير عما كان عليه بمكة، فأصبح أكثر ثقة وأكثر تناسقاً، كما أصبحت مجادلة الكفار نادرة، إلاّ أنّ الهجوم قد انصب في هذه الفترة على اليهود والمنافقين والذين في قلوبهم مرض، كما أصبحت الخطب والأوامر العسكرية تحتل مكاناً بارزاً»([6]).

و هو ما جاء أيضاً بصيغة أُخرى: «إنّ القرآن الكريم بقسميه المكي والمدني تأثر في المواقف الحربية مع الأمم الأخرى، وخاصة اليهود والنصارى والوثنيين، مما جعله أكثر تطوراً حتى بالنسبة لألفاظه ومفاهيمه ونصوصه»([7]).

و طرح جولدزيهر الألماني المجري الأصل أكثر الأراء خطورة، ففي كتابه «العقيدة والشريعة في الإسلام» ذهب إلى أن النبي في المدينة تحول إلى إنسان مجاهد ومحارب، وقال: «وفي بدء رسالته كانت تأملاته تأخذ طريقها إلى الخارج في شكل أمثال مضروبة للحياة الأخرى، فكانت تفرض نفسها على مخيلته بقوة تزداد يوماً بعد يوم. وهذه التأملات هي التي كونت الفكرة الأساسية التي بنى عليها تبشيره، ولكن إذا كان محمد في حالته الجديدة قد استمر في الشعور برسالته وبوجوب تأديتها فإنّ تبشيره قد اتخذ إلى جانب هذا اتجاهاً جديداً، فلم يصبح حديثه حديث من استولت عليه الرؤى المشبعة بالدار الآخرة وما يكون فيها، بل إنّ تلك الحالة الجديدة جعلت منه أيضاً مجاهداً غازياً ورجل دولة ومنظم جماعات جديدة أصبحت تتسع وتنمو شيئاً فشيئاً»([8]).

و ذهب إلى أنّ محمداً في مكة كاليهود والمسيحيين، كان دينه ديناً فردياً تماماً، ولكن في المدينة فإنه ـ كما يقول ـ بدأ يقرع طبول الحرب، وتحول من شخص مضحٍّ وصابر إلى قائد عسكري وحربي: «والوحي الذي نشره محمد في أرض مكة لم يكن ليشير إلى دين جديد؛ فقد كانت تعاليم واستعدادات دينية نمّاها في جماعة صغيرة، لقد كان يطلب من المسلمين أن يكونوا من المتقين، لكن هذه التقوى كانت تبدو في شكل شعائر عملية زهدية، كما كان الحال كذلك لدى اليهود ولدى المسيحيين. في المدينة فقط ظهر الإسلام نظاماً له طابع خاص، وله في الوقت نفسه صورة الهيئة المكافحة. في المدينة قرعت طبول الحرب التي تردد صداها في جميع أزمنة التاريخ. ووعاها التاريخ في ما وعى. في المدينة صار الرجل الذي كان بالأمس ضحية صابرة، والذي كان يدعو لله ودينه في وسط فريق صغير من أتباعه، والذي شرّد عن الوسط الذي يسوده أشراف مكة، والذي كان خاضعاً مسلِّماً، صار هذا الرجل ـ وتلك حالته ـ ينظم أعمالاً حديثة، كما ينظم طريقة توزيع الغنائم والأسلاب» ([9]).

ويذكر بأنّ النبي الذي كان يؤيد في السابق عقائد اليهود والمسيحيين فجأة بدأ يجادلها ويعدها عدواً له: «والجدل ضد اليهود والمسيحيين شغل مكاناً كبيراً في الوحي المدني، لقد كان في ما مضي يعترف بأن الصوامع والبيع والصلوات تعتبر أمكنة عبادة حقيقية. {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 40)، لكن الأمر تغير بعد هذا، كما صار رهبان المسيحيين وأحبار اليهود موضع مهاجمة له، فالسنوات العشر بالمدينة كانت عصر دفاع وهجوم بالسيف واللسان»([10]).

ويستمر الكاتب إلى أن يصل الأمر به إلى حد التعبير عن نبي الرحمة بنبي الحرب وسفك الدماء الذي ينفخ في بوق الحرب باستمرار: «إنه من الواضح أننا لا نستطيع أن نطبق في العصر المدني على عمل محمد المثل القائل: «الكلمة أقوى من السيف»، فمنذ تركه مكة تغير الزمن، ولم يصر واجباً بعدُ الإعراض عن المشركين: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (الحجر: 40)، أو دعوتهم كما يقول القرآن بالحكمة والموعظة الحسنة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل: 125)، بل حان الوقت لتتخذ كلمته لهجة أخرى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}
(التوبة: 5)، و{وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 244).

فهو الآن يحمل السيف في العلانية، ولا يكتفي بـ«عصاه التي يضرب بها الأرض»، ولا بنفثات شفتيه لإبادة الكفرة، بل هو نفير الحرب الذي كان ينفخ فيه، وهو السيف الدامي الذي رفعه لإقامة مملكته، إنه حمل اللقب الذي ورد في التوراة، وهو «نبيّ القتال والحرب».

ثمّ يقول: «والنتيجة أنه لم يكن عنده أي إيثار للسلم {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ * فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ ولَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} (محمد: 34ـ35). ويجب الجهاد حتى تكون «كلمة الله هي العليا»، ومن قعد عن الجهاد من المؤمنين اعتبر كأنه لا يأبه بإرادة الله، ومسالمة الوثنيين الذين يصدون عن سبيل الله لا يمكن أن تكون فضيلة: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ ونْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِنْهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} (النساء: 95ـ96).

و في آخر حديثه أيضاً استشهاد بكلام نولدكه يقوم على أساس أنّ النبي لم يكتفِ بشبه الجزيرة العربية، بل تعدّى ذلك للتفكير في فتح بلدان العالم الأخرى: «وكما يقول نولدكه: إنّ خططه كانت ترنو إلى ميادين أوسع؛ إذ كان على يقين من الالتقاء بالروم خصوماً له، وكان آخر ما أوصى به المجاهدين منهجاً إلى غزو أو فتح الإمبراطورية البيزنطية» ([11]).

و في ما سبق أمران مهمان يلفتان الانتباه:

الأمر الأول: إنّ حملة أكثر المستشرقين ـ إذا لم نقل جميعهم ـ توجهت إزاء قضية الجهاد في الإسلام، وأمّا ما هو سبب هذا الهجوم؟ وماذا يمكن أن تكون دوافعه؟ هناك احتمالات يمكن ذكرها، وفي المقام يمكن أن نذكر كلاماً مهماً للمستشرق المسيحي المنصف إدوارد سعيد، حيث يقدم لنا سر هذه الهجمة الواسعة ضد الإسلام وفكرة الجهاد في الإسلام كما يلي: وما يكمن خلف جميع هذه الصور والوجوه هو تهديد الجهاد، وفي النتيجة الخوف من أن يسيطر المسلمون (أو العرب) على العالم كله ([12]).

ويقول لورانس براون Lawrence Brown أيضاً: الخطر الحقيقي يكمن في النظام الإسلامي. القوة التي يتمتع بها الإسلام للتوسع والاستيعاب هي في حيوية الدين الإسلامي. الإسلام هو المانع والجدار الكبير الوحيد في مقابل الاستعمار الأوروبي ([13]).

الأمر الثاني: الوجه المشترك بين جميع الآراء تقريباً هو أنها تريد القول: إنّ سبب توسع وتطور الإسلام، سواء في عصر النزول ـ خصوصاً في المدينة ـ أم في القرون التالية، هو عنصر الجهاد والسيف ـ على حد تعبيرهم ـ، وهذه الشبهة كما قال البعض هي أكثر الشبهات رواجاً على ألسنة معارضي الإسلام والقرآن ([14]).

و لما كانت الإجابة على جميع الآراء السابقة خارجة عن نطاق هذا البحث القرآني نكتفي في ما يأتي بذكر ثلاث نقاط كلية حول الحل القرآني لهذه الشبهات، كما أننا نشير في حدود ما يسمح به البحث إلى الآيات القرآنية المتعلقة بالموضوع ([15]).

وقفات نقدية مع آراء المستشرقين

1ـ الجهاد والحلّ الأخير

من بين طرق الدعوة والموعظة والبرهان والجدل والجهاد التي استفاد منها القرآن في مواجهة التيارات المعارضة، فإنّ الجهاد هو آخر طريق يلجأ إليه. وهذا الموضوع يمكن إثباته من خلال طرق عديدة، وأنسبها دراسة هذه الطرق في مسيرة نزول السور القرآنية، وهو ما نأتي بخلاصة له في ما يلي:

لتحديد طريقة استفادة القرآن من الطرق المختلفة التي لجأ إليها في مواجهة التيارات المعارضة، وخصوصاً ما يتعلق بترتيبها. من البديهي قبل كل شيء ترتيب نزول الآيات والسور القرآنية، ثم بعد ذلك دراسة الطرق التي نتناولها بالدراسة اعتماداً على ترتيب النزول، ونظراً إلى اختلاف وجهات النظر في ما يتعلق بترتيب السور والآيات بحسب نزولها([16]) فإننا نعتمد هنا الترتيب الذي اعتمده صاحب التفسير الحديث محمد عزت دروزه؛ لأنه المفسر الوحيد الذي فسر القرآن الكريم على أساس هذا الترتيب، وضمن تفسيره تحدث عن المراحل التاريخية المختلفة لدعوة النبي’، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن سائر الجهود المبذولة في ترتيب النزول، خصوصاً من قبل الباحثين المتأخرين تختلف قليلاً مع هذا الترتيب([17])، ومن جهة ثالثة فإن الاختلافات في ترتيب النزول بين العلماء ليس لها أثر على بحثنا كما سيأتي لاحقاً.

ترتيب نزول السور المكية: الحمد، العلق، القلم، المزمل، المدثر، المسد، التكوير، الأعلى، الليل، الفجر، الضحى، الانشراح، العصر، العاديات، الكوثر،
التكاثر، الماعون، الكافرون، الفيل، الفلق، الناس، الإخلاص، النجم، عبس، القدر، الشمس، البروج، التين، قريش، القارعة، القيامة، الهمزة، المرسلات، ق، البلد، الطارق، القمر، ص، الأعراف، الجن، يس، الفرقان، فاطر، مريم، طه، الواقعة، الشعراء، النمل، القصص، الإسراء، يونس، هود، يوسف، الحجر، الأنعام، الصافات، لقمان، سبأ، الزمر، غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف، الذاريات، الغاشية، الكهف، النحل، نوح، إبراهيم، الأنبياء، المؤمنون، السجدة، الطور، الملك، الحاقة، المعارج، النبأ، النازعات، الانفطار، الانشقاق، الروم، العنكبوت، المطففين، الرعد، الحج، الرحمن، الإنسان، الزلزلة ([18]).

ترتيب نزول السور المدنية: البقرة، الأنفال، آل عمران، الحشر، الجمعة، الأحزاب، النساء، محمد، الطلاق، البينة، النور، المنافقون، المجادلة، الحجرات، التحريم، التغابن، الصف، الفتح، المائدة، الممتحنة، الحديد، التوبة، النصر ([19]).

وبعد نظرة عابرة على ما يعتبره المفسرون عموماً الغرض والمحتوى الكلي لسور القرآن يبين المدعى السابق جيداً، وهو ما نستعرضه على أساس رأي العلامة الطباطبائي في تفسيره القيم <الميزان>، ورأي محمد عزت دروزه في تفسيره القيم <التفسير الحديث>.

المقالة II.                   أجواء سور السنوات الأوائل للبعثة بحيث إنّ المشركين قاموا بمعارضة دعوة النبي’ بألسنتهم وإفتراءاتهم

ـ في سورةالعلق (2) إشارة إلى أنّ المشركين كانوا يمنعون النبي عن إقامة الصلاة:

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى}، وفي مقابل هذا النهي في البداية كان يقول: {أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى}، وبعد نهيه عن هذا العمل {أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} يأتي التهديد بالعذاب الإلهي: {كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ}.

ـ في سورة القلم (3) ـ كما يقول العلامة الطباطبائي & ـ تسلية للنبي’ في مقابل التهم الظالمة التي وجهت للنبي’، فإن غرض السورة أن «تعزي النبي’ إثر ما رماه المشركون بالجنون، وتأمره أمراً أكيداً بالصبر لحكم ربه»([20]). ‌

ـ في سور السنة الثانية للبعثة بينت الخطوط الأصلية للسور، وقررت الاعتقادات الإسلامية، وفي طليعتها سورة الإخلاص (22)، وهو الشعار الأصلي للإسلام، أي التوحيد: «تقرير العقيدة الإسلامية بذات الله بأسلوب حاسم وقطعي ووجيز»([21])، أو «السورة تصفه تعالي بأحدية الذات ورجوع ما سواه إليه في جميع حوائجه الوجودية من دون أن يشاركه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، والتوحيد القرآني الذي يختص به القرآن الكريم ويبني عليه جميع المعارف الإسلامية»([22]).

ـ في سورة النجم (23) جاءت الأصول الأساسية الثلاثة في الإسلام: « غرض السورة التذكير بالأصول الثلاثة: فتبدأ بالنبوة، ثم تتعرض للوحدانية، ثم تصف انتهاء الخلق والتدبير إليه تعالى من إحياء وإماتة..، وتختم الكلام بالإشارة إلى المعاد»([23]).

ـ في سورة البروج (27) جاء وعيد شديد موجه للمشركين الذين يؤذون المؤمنين بالنبي’: «سورة إنذار وتبشير، فيها وعيد شديد للذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات لإيمانهم بالله، كما كان المشركون من أهل مكة يفعلون ذلك بالذين آمنوا بالنبي’، فيعذبونهم ليرجعوا إلى شركهم السابق»([24]).

ـ في سورة ق (34) حديث عن القيامة، وطرحت واحدة من أهم شبهات المشركين في إنكار القيامة وتجيب عنها: «السورة تذكر الدعوة وتشير إلى ما فيها من الإنذار بالمعاد وجحد المشركين به واستعجابهم، ذلك بأنّ الموت يستعقب بطلان الشخصية الإنسانية بصيرورته تراباً لا يبقى معه أثر مما كان عليه، فكيف يرجع ثانياً إلى ما كان عليه قبل الموت، فتدفع ما أظهروه من التعجُّب والاستبعاد بأن العلم الإلهي محيط بهم، وعنده الكتاب الحفيظ الذي لا يعزب عنه شيء مما دق وجل من أحوال خلقه» ([25]).

ـ في سورة الأعراف (39) انتقدت بعض عادات وأفكار عرب الجاهليين، فضلاً عن إقامة الدليل على المعاد والتوحيد، بل: « فيها صور عما كان عليه العرب من أفكار وعادات وتقاليد، وعن مواقف العناد والمكابرة التي كان يقفها الجاحدون المكذبون من النبي’، وفيها حملات علي المشركين وتفنيد لتقاليدهم وعقائدهم، وفيها تقريرات عن مشاهد قدرة الله في كونه للبرهنة على البعث وربوبية الله ووحدانيته»([26]).

ـ في سورة طه (45) أُقيمت مجموعة من البراهين على التوحيد: «وتضمنت حججاً بينة تلزم العقول على توحيده تعالى والإجابة لدعوة الحق»([27]).

ـ سورة يونس (51) التي نزلت في بداية السنة السابعة للبعثة أكدت على التوحيد من خلال ذكر آيات الله في السماء والأرض، عن طريق الإنذار والتبشير: «غرض السورة وهو الذي أنزلت لأجل بيانه تأكيد القول في التوحيد من طريق الإنذار والتبشير كأنها أُنزلت عقيب إنكار المشركين الوحي..، وإنّ الذي يتضمنه من معارف التوحيد كوحدانيته تعالى وعلمه وقدرته وانتهاء الخلقة إليه وعجائب سننه وخلقه ورجوعهم جميعاً.. كل ذلك مما تدل عليه السماء والأرض ويهتدي إليه العقل السليم، فهي معانٍ حقة ولا يدل على مثلها إلا كلام حكيم لا سحر مزوق باطل» ([28]).

ـ في سورة الأنعام (55)، وفي سياق الاحتجاج على المشركين بالتوحيد والنبوة والمعاد([29])، جاء عدد من مناظرات النبي’ والمشركين: «فصول ومشاهد متنوعة عما كان يقع بين النبي’ والكفار من مناظرات فيها فصول وصور عن عقائد العرب ونذورهم وتقاليدهم في الأنعام والحرث وقتل الأولاد والذبائح، وحجاج في صددها بين النبي’ وبين الكفار» ([30]).

و هكذا يمكن القول: بعد أساليب الدعوة والبرهان يصل الدور إلى أُسلوب المجادلة، مع أنّ بعضها موجود أيضاً في السور المتأخرة.

ـ في سورة سبأ (58) كما يصرح العلامة الطباطبائي& استعملت الحكمة والموعظة والمجادلة: «تتكلم السورة حول الأصول الثلاثة، أعني الوحدانية والنبوة والبعث، فتذكرها وتتذمر ممّا لمنكريها من الاعتراض فيها، والشبهات التي ألقوها، ثم تدفعها بوجوه الدفع من حكمة وموعظة ومجادلة حسنة» ([31]).

ـ في سورة الأحقاف (66) الجدال الأحسن للنبي’ مع المشركين: «حكاية لمواقف وأقوال الكفار وصور من الجدل والمناظرة بينهم وبين النبي’، ردود تنديدية وحجج مفحمة في سياقها وتدليل على قدرة الله على بعث الموتى» ([32]).

ـ في سورة المؤمنون (74) أيضاً طرحت أسئلة وأجوبة: «حملة على الكفار حكاية لبعض أقوالهم في إنكار البعث، وردود قوية عليهم من مشاهد قدرة الله وملكوته واعترافهم بذلك» ([33]).

ـ واستمر هذا النهج إلى آخر العهد المكي كما جاء في الغرض من سورة الروم (84): «تفتتح السورة بوعد من الله ثم تنتقل منه إلى ذكر ميعاد أكبر، وهو الوعد بيوم يرجع الجميع فيه إلى الله، وتقيم الحجة على المعاد، فغرض السورة هو الوعد القطعي منه تعالي بنصرة دينه، وقد قدم عليه نصر الروم على الفرس؛ ليستدل بإنجاز هذا الوعد على إنجاز ذلك الوعد، وكذا يحتج به ـ ومن طريق العقل ـ على أنه سينجز وعده بيوم القيامة لا ريب فيه»([34])، وفي سورة العنكبوت (85) أيضاً طرح الجدل والمناظرة: «حكاية لمواقف جدل ومناظرة بين النبي’ والكفار وأهل الكتاب في صدد القرآن..، تنديد بالمشركين لما يبدو منهم من تناقض في عقائدهم بالله ومواقفهم من الدعوة إليه» ([35]).

ومما سبق ذكره يتبين أنّ كل هم القرآن في أجواء مكة هو مواجهة المشركين بأساليب الدعوة والبرهان والجدال بالتي هي أحسن والحكمة وأمثالها، ولا أثر مطلقاً للخيار العسكري في دعوة النبي والمسلمين، وهو ما يشاهد أيضاً استمراره في السنوات الأولى في المدينة، وهو ما سنشير له أيضاً لاحقاً.

ويلاحظ أيضاً في سورة العنكبوت مجادلة ومناظرة النبي’ لأهل الكتاب؛ وهو ما لا يشاهد في غيرها من السور المكية وفي حالات معدودة مجرد ذكر لأسماء أشخاص وعلماء دخلوا في الإسلام.

و بناءً على هذا يجب القول إنّ مواجهة القرآن لأهل الكتاب بدأت في أواخر العهد المكي، وفي هذه المواجهة أيضاً كانت إستراتيجية النبي’ في مكة ثقافية، وهي ما تشاهد أيضاً في السور المدنية التي نذكرها تالياً:

ـ سورة الرعد (87) استمرار لذات أُسلوب السور المكية تقريباً: « فصول من المشاهد الجدلية التي كانت تقوم بين النبي’ والمشركين، وفيها صور من أقوالهم وتحديهم ومكابرتهم وإنكارهم رسالة النبي’ والآخرة، وطلبهم الآيات منه، وردود عليهم فيها إفحام وإنذار وتسفيه وتمثيل ومقايسة بين الصالحين وذوي النيات الحسنة والعقول السليمة والأشرار ذوي العقول الغليظة والسرائر الخبيثة، وتمثيل للحق والباطل وتقرير بقاء الحق، وإشارة إلى موقف أهل الكتاب المؤيد للرسالة النبوية والوحي القرآني»([36]). وهنا يشاهد الإشارة إلى أهل الكتاب.

ـ في سورة الإنسان (90) أيضاً ـ مثل سور أُخرى في أواخر العهد المكي ـ سياق تهديد وإنذار من العذاب الإلهي للكفار، وفي المقابل ذكرت ألواناً من النعمة للأبرار ([37]). وصورَّت مصير الفريقين واختلافه في الآخرة ([38]).

ـ بعد إشارات متعددة لأهل الكتاب في السور السابقة، نرى في سوره البقرة (92) مناقشة وتقريعاً لأهل الكتاب، وبالتحديد اليهود، إزاء بعض اعتقاداتهم وأعمالهم ([39]).

ـ في سورة الأنفال (93) إشارة لغزوة بدر والقتال مع المشركين، وهو ما سنتحدث عنه أكثر لاحقاً.

ـ سورة آل عمران (94) فيها ثلاثة فصول طويلة: اثنان منها يرتبطان تماماً بأهل الكتاب والجدال معهم؛ فـ«الفصل الأول في صدد مناظرة بين النبي’ وأهل الكتاب؛ والفصل الثاني في صدد مواقف اليهود ومكائدهم» ([40]).

ـ الفصل الأول من فصلي سورة الجمعة (96) في سياق الجدل مع عقائد اليهود: «تنديد باليهود بسب تفاخرهم باختصاص الله إيّاهم بالفضل على غيرهم وتكذيبهم وتحدٍّ لهم» ([41]).

ـ آيات من سورة النساء (98) المتعلقة بطريقة ارتباط المسلمين بغيرهم وأجوبة لليهود والنصارى: «تنظيم العلاقات السياسية بين المسلمين وغير المسلمين من حياديين ومعاهدين ومحاربين، وبيان حقيقة أمر عيسى×، وردود على اليهود والنصارى في شأنه» ([42]).

ـ مواضع مهمة من سورة المائدة (110) اختصت بأهل الكتاب ودعوتهم ومحاججتهم: «وفيها كذلك فصول عديدة في النصارى واليهود، احتوت دعوتهم إلى الإسلام، وإيذانهم برسالة النبي’ إليهم، وكون القرآن جاء مصدقاً لما قبله من الكتب ومهيمناً عليه، وتنديداً بأعمال ودسائس اليهود ومكرهم، وربط حاضر أخلاقهم ومواقفهم بماضي أخلاق آبائهم ومواقفهم، وحكاية تعجيزهم لموسى× في صدد دخول الأرض المقدسة، وحكاية قتل أحد بني آدم لأخيه وما احتوته شريعة اليهود من أحكام الجرائم..، وتقرير كون اليهود والمشركين أشد الناس عداوة للمسلمين، وتحذيراً منهم، ونهياً عن موالاة اليهود والنصارى الذين يعادون المسلمين ويسخرون من دينهم..، وتنديداً بعقيدة النصارى بالمسيح وأُمّه، وتقريراً ببطلانها لذاتها وعلى لسان السيد المسيح، ومشهداً من مشاهد إيمان بعض النصارى، وتقرير كون النصارى هم أقرب الناس مودة للمسلمين، وفصلاً عن رسالة المسح لبني إسرائيل» ([43]).

ـ في سورة التوبة (113) بحوث متعدِّدة، تتعلق بالتيارات غير التوحيدية، وسنشير إليها لاحقاً.

ومما سبق يتضح جيداً أنّ الدعوة والبرهان والجدل والحكمة وضرب الأمثال هي أول الأساليب في تعامل القرآن، والجهاد يأتي في المرحلة الأخيرة.

2ـ اختلاف القتال عن الجهاد

في دراسة الجهاد يجب الالتفات إلى نقطة مهمة وأساسية، وغالباً ما يغفل عنها، وهي التدقيق والتأمل في استعمال لفظتي الجهاد والقتال في القرآن، حيث إنّ الجهاد ليس دوماً بمعنى القتال؛ بل المراد من استعمال لفظة الجهاد في القرآن غالباً ما يكون هو الجهاد الثقافي أكثر مما هو الجهاد العسكري، ولفظة القتال وحدها هي التي تعني الحرب والمعركة والتعامل العسكري، وهو مصداق من مصاديق الجهاد، بحيث يمكن القول: إن أكثر الشبهات التي طرحت في المقام موجهة للقتال، وليست موجهة للجهاد بمعناه الدقيق.

و هذا ما سنوضحه من خلال دراسة استعمال هاتين اللفظتين في القرآن الكريم:

مادة «جهد» جاءت في القرآن الكريم إحدى وأربعين مرة، وفي تسع عشرة سورة من سور القرآن([44])، وفي هذه الموارد أربع وثلاثون مرة تتعلق بشكل أو بآخر بالجهاد، وبعض الموارد، مثل آية {ووَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} (العنكبوت: 8)، خارجة عن بحث الجهاد.

أصل مادة « جهد » بمعنى القدرة والطاقة. « المجاهدة » و« الجهاد » أيضاً يعني بذل نهاية الطاقة والقوة في القيام بعمل ما([45])، وعلى هذا الأساس « الجهاد » بمعنى « القتال » أي بذل الوسع والطاقة في الحرب. هذا المعنى استعمل أيضاً في سائر استعمالات هذه اللفظة في القرآن غير الجهاد، وأشرنا إلى بعضها سابقاً.

بناءً على هذا، ومع الالتفات من جهة إلى أنّ أصل مادة « جهد » ليس بمعنى القتال، ومن جهة أخرى استعلمت في القرآن في غير معنى القتال، لا دليل على أنّ لفظة جهاد في الاستعمالات محل البحث بمعنى القتال والحرب.

ولكن توجد موارد استعملت فيها هذه المادة نفسها في معانٍ ظاهرة في القتال، حيث يوجد شواهد وقرائن تظهر أنّ الجهاد ليس بالضرورة بمعنى المواجهة العسكرية والقتالية، وهي:

1 ـ في بعض الموارد التي أمر فيها المسلمون بالجهاد، أو حضوا عليه بشكل ما، جاء التعبير كما تقول الآية: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} (النساء: 95)، {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (الأنفال: 27) ([46]). وكما يلاحظ في الحالات المذكورة في البداية حديث عن الجهاد بالمال ثم الجهاد بالنفس بما يتناسب أكثر مع غير القتال في سبيل الله، ولو كانت الآيات تريد معنى القتال من البداية لوجب أن تتحدث بعد ذلك عن الجهاد بالسيف وما شابه في حين أنها لم تفعل.

2 ـ في موردين مشابهين تماماً يأمر الله تعالى رسوله’ بالجهاد: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ والْمُنَافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيرُ} (التوبة: 73؛ التحريم: 9). كما يشاهد في الآيتين أنّ الله تعالى يأمر النبي بجهاد المنافقين، في حين أنّ حياة النبي قاطبة وطيلة الدعوة الإسلامية لم تشهد أي اشتباك عسكري بين المسلمين والمنافقين، لذا يجب القول: إنّ مراد الآية الشريفة ليس الجهاد العسكري؛ لأنه في هذه الحالة يجب الالتزام بالقول: إنّ النبي’ لم يمتثل الأمر الإلهي. ولهذا قال بعض المفسرين «أي جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة»، وأيضاً عن صادق آل محمد’: «هل سمعتم أنّ رسول الله قاتل منافقاً؟ إنما كان يتألفهم» ([47]).

3 ـ من مجموع ثلاثة وثلاثين مورداً ذكرناها سابقاً هناك ست حالات استعملت فيها هذه اللفظة في السور المكية: موردان منها في الآية 52 من سورة الفرقان يخاطبان النبي’؛ ومورد آخر في الآية 110 من سورة النحل؛ وثلاثة موارد في الآيتين 6 و69 من سورة العنكبوت.

سورة الفرقان كما ذكرنا سابقاً نزلت في السنة الرابعة، وسورة النحل في السنة الحادية عشرة، وسورة العنكبوت في السنة الثالثة عشرة للبعثة؛ والحال أن الحقبة المكية لم تشهد أية مواجهة عسكرية بين المسلمين وأي تيار آخر، وبالطبع سياق جميع الآياتِ المكية لا يؤيد الاحتمال المذكور في معنى الجهاد، وليس فيه أي دليل على وجود معنى الاشتباك العسكري.

بناءً على هذا ومع الأخذ بعين الاعتبار الشواهد والقرائن والأدلة التي ذكرناها، فإنّ الحق هو القول بأنّ الغالب في استعمال لفظة الجهاد في القرآن هو الجهاد الثقافي أكثر مما هو الجهاد العسكري.

3ـ القتال في ظروف خاصة

ذكرت ماده « قتل » 171 مرة في القرآن، ومن هذا المجموع حدود 93 مرة ترتبط نوعاً ما بالحرب والقتال، وبالتالي ببحثنا ([48]).

والتدقيق في سياق هذا القبيل من الآيات والآيات التي في سياقها يظهر أنّ قتال التيارات المعارضة هو استمرار للإستراتيجية الثقافية للنبي’؛ وصولاً للأهداف السامية للدين الإسلامي في مسير الفطرة الإلهية للبشر، وليس إستراتيجية مستقلة، ويلجأ إليه مباشرة، بحيث لا يوجد آية أمِر فيها بالقتال بشكل مطلق وبدون أي ‌شرط أو قيد.

ففي حدود عشرين مورداً جاءت هذه اللفظة بصيغة الأمر، وبالطبع جميعها في السور المدنية، ونحن نبحثها، إضافة إلى بعض الموارد الأخرى، حسب ترتيب نزول السور:

ـ في سورة الحج (88) وللمرة الأولى أُجيز الجهاد([49]) وحكمته: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ولولا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وبِيَعٌ وصَلَوَاتٌ ومَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 39ـ40).

ـ في سوره البقرة (92) جاء أوّل أمر بالجهاد: {وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: 190)؛ ولكن يشاهد التأكيد على قتال الذين «يقاتلونكم»؛ ثم النهي عن العدوان على الآخرين، والآيات الثلاث التي بعد الآية: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ولا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ} (البقرة: 91ـ93). ويلاحظ وضع ضوابط وحدود للجهاد وحكمته في الرؤية الكونية الإسلامية.

في الآية 244 من نفس السورة أمر آخر بالجهاد: {وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، وبعد ذلك ضمن بيان قصة طالوت وجالوت وفرض القتال على قوم طالوت بناءً على طلبهم ولمواجهة تعدي قوم جالوت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الملأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} بعد ذكر بقية القصة وانتصار قوم طالوت بعد قتل داود× لجالوت، إشارة جديدة إلى حكمة الجهاد {ولولا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ولكنّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة: 251).

ـ وفي سورة الأنفال (93) جاء أمر آخر بالجهاد: {وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مولاكم نِعْمَ الْمَوْلَى ونِعْمَ النَّصِيرُ} (الأنفال: 39ـ40)، وبعد أمر «قاتِلوا» كما حصل في سورة البقرة أشير إلى حكمة القتال أنها {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، وبعد ذلك لوح بأنهم إذا انتهوا عن ذلك فلا تعترضوا سبيلهم، وإذا لم ينتهوا فقاتلوهم والله ناصركم. في الآيات السابقة أيضاً جاءت موارد متعددة تظهر جيداً حكمة الأمر بالجهاد: في صدد قتل النبي’: {وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال: 30)؛ من باب العناد واللجاجة وضمن إنكار الحق الذي يعترفون به يتمنون نزول العذاب: {وإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ * وإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (الأنفال: 31ـ32)؛ ليس فقط أنهم يسخرون من مناسك الحج، بل ويسعون بكل شكل ممكن الى الوقوف في وجه إقامة مناسك الحج: {ومَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ومَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إلا الْمُتَّقُونَ ولَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ * والَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} (الأنفال: 34ـ36)؛ وفي النهاية أيضاً، وقبل الأمر بالجهاد، يطلب منهم النبي’ التوقف عن ممارسة أعمالهم، وفي غير هذه الحالة فإنّ السنة الإلهية هي الجهاد،كما هو الحال مع غيرهم من الأقوام والأمم: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ} (الأنفال: 38).

في مكان آخر من هذه السورة هناك أولاً إشارة إلى عدم وفاء الكفار بعهودهم وتسميتهم بأنهم شر الدواب: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ} (الأنفال: 55ـ56)، وبعد الأمر بالإعداد والتهيؤ {وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ومِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ} (الأنفال: 60)، في البداية يقول بأن هؤلاء إذا جنحوا للسلم فسالموهم: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الأنفال: 61)، وإذا أرادوا الخداع: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} (الأنفال: 62)، عندها يطلب الله من النبي’ تحريض المؤمنين على القتال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} (الأنفال: 65).

ـ في سوره الأحزاب (97) جاء مورد آخر من موارد الأمر بالقتال: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاّ قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} (الأحزاب: 60ـ62).

ـ وهناك أمر آخر بالجهاد في موردين من سورة النساء (98). في المرة الأولى طلب من الذين يبغون الاخرة الجهاد في سبيل الله: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخرة ومَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} (النساء: 74)؛ وفي الآية الثانية يوبخ بعض الذين لم يمتثلوا هذا الأمر، وهو في حد نفسه أمر آخر بالجهاد: {ومَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ والْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا واجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً واجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} (النساء: 75)، وهو ما اعتبر قتالاً في سبيل الله والدفاع عن المظلومين، وليس لغرض آخر. وفي سياق هذه الآيات يؤمر النبي’ بالقتال ويطلب منه ترغيب المسلمين أيضاً به: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ}، ويرفقه بذكر السبب، وهو منع الفتنة: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وأَشَدُّ تَنْكِيلاً} (النساء: 84)، وهي الأمر الأشد من القتل: {والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (البقرة: 217).

وهناك مورد آخر مربوط بقتال المنافقين، وذكر فيه أيضاً عدة أسباب وشروط واستثناءات: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ.. وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ولا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً ولا نَصِيراً * إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سبِيلاً * سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ويُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً} (النساء: 88ـ91).

ـ في سورة الحجرات (105) جاء أمر بالقتال، ولكن ليس ضدّ المشرك أو اليهودي وأمثالهم؛ بل قتال ضدّ مجموعة تتصف بوصف الإيمان: {وإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخرى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9)، وهذا من جهة يظهر جيداً أهداف الإسلام الحكيمة والسامية من الجهاد، ومثله مرّ في سورة البقرة، وهو القضاء على الفتنة؛ ومن جهة أُخرى يبين أنّ الإسلام ليس بصدد طرح الجهاد مع خصوص التيارات غير التوحيدية، بحيث يكون فيه ذريعة للقول بأنه ليس بصدد عمل ثقافي، بل هو مجرد عنف وإرهاب؛ بل حتى إذا كان هناك مجموعة من المؤمنين تريد الخروج عن جادة الحق والصواب فيجب مواجهتهم والوقوف في وجههم وإعادتهم للحق.

ـ في سوره المائدة (110) ورد أشدّ أنواع المواجهة: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ مِنْ خلاف أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ولَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة: 33). كما يلاحظ في هذه الآية أنه لا يوجد بحث عن القتال والحرب؛ ولكن من جهة استعمال لفظة « قتل » فيها رأينا من المناسب أن نتعرض لها ضمن البحث عن القتال. ومن الضروري هنا توضيح ثلاث نقاط:

أولاً: ما طرح هنا في هذه الآية بعنوان جزاء هو للذين يحاربون الله ورسوله والذين يفسدون في الأرض، ومن البديهي أنّه لا يمكن طرح أية شبهة في مثل هذا الرد القاسي {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ مِنْ خلاف أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} مع الأشخاص الذين يواجهون الله وعباد الله.

ثانياً: في الآية التالية أعطي هؤلاء مهلة للتوبة، وعندها لن ينالهم العقاب، وسوف يغفر لهم: {إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (المائدة: 34).

ثالثاً: قبل هذه الآية محل البحث طرحت قضية من أهمّ القضايا في نظر الإسلام، وهي حرمة قتل النفس، حيث إنّ قتل نفس واحدة يعادل قتل الناس جميعاً: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ولَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرضِ لَمُسْرِفُونَ} (المائدة: 32).

ـ آخر مواردِ الأمر بالقتال جاء في سورة التوبة (113). والأمر بالقتال في سياق هذه السورة يظهر جيداً أنّ الاستفادة من هذا الطريق في الرؤية الكونية القرآنية الإسلامية هو فقط كوسيلة للوصول إلى أهدافٍ ثقافية، وذلك بعد إتمام الحجة من خلال طي مراحل الدعوة والبرهان والجدل والحكمة. وسورة التوبة من أواخر السور النازلة من الوحي.

وهناك شهادة مهمّة أخرى في تأييد الفكرة السابقة هي أنّه في بداية السورة إعلان لبراءة الله ورسوله من المشركين وضمنها دعوة لقبول الإسلام: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأرضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكبرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (التوبة:1ـ3)، وبالطبع طلب من المسلمين الوفاء بالعهد للمشركين الذين يلتزمون بعهودهم ومواثيقهم: {إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ولَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (التوبة: 4)، وبعدها جاء الأمر بقتل المشركين: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأشهر الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التوبة: 5)، وبالطبع يشاهد هنا أيضاً التذكير بأن قبول هؤلاء للإسلام لا يجوز أن يرفض. كما جاء في الآية التالية بعدها لو أراد أحد من المشركين أن يحقق ويبحث عن الحق فيجار ويكون في أمان إلى أن يسمع ويتحقق: {وإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كلام اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ} (التوبة: 6). وبقية الآيات أيضاً جديرة بالتأمل ولا تحتاج إلى تعليق: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ * فَإِنْ تَابُوا وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ونُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (التوبة: 7ـ11).

و في سياقها هناك أيضاً أمر بالقتال، وهو هنا أيضاً بسبب عدم الوفاء بالعهد وإخراج النبي’، والأهم من كل ذلك هو البدء بالإساءة: {وإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * ألا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} (التوبة: 12ـ13).

وفي الآيه 29 أُمر المسلمون بقتال أهل الكتاب الذين ذكر لهم خصوصيات معينة، وهذا هو السبب في التعامل معهم بهذا الشكل: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخرِ ولا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ}. وفي سياق اعتقادات المشركين أدلة أخرى على هذا التصرف: {وقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ويَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة: 30ـ31).

وفي الآية 36 طرح مبدأ الجهاد الدفاعي في الإسلام مرة أخرى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.

و آخر مورد للأمر بالقتال جاء في الآية 123: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}، وهو ما جاء توضيحه في آخر الآية جيداً بأنه في سياق التقوى، وليس في سياق التعدي والظلم.

نتيجة البحث

مما ذكر في الصفحات السابقة الأعم من شبهات المستشرقين حول مسألة الجهاد في الإسلام والقرآن والأجوبة القرآنية عليها يمكن استنتاج ما يلي:

1 ـ الدافع الأصلي للمستشرقين في هجمتهم الشرسة على مبدأ الجهاد في الإسلام هو في سياق السياسات الاستعمارية الظالمة والأهداف غير النزيهة الناشئة من خوف الغرب من جاذبية الإسلام وتأثيره على العالم.

2 ـ شبهات المستشرقين حول الجهاد تتركز بشكل أساسي حول رغبتهم في إلقاء فكرة أنّ السبب الأساسي لانتشار الإسلام ونفوذه ـ سواء في عصر النزول، ولا سيما في المدينة، أم في القرون التالية ـ هو عنصر الجهاد، وبتعبيرهم قوة السيف، وهذه أكثر الشبهات رواجاً وانتشاراً.

3 ـ يجب الالتفات إلى أنّ من بين الطرق المختلفة التي استفاد منها القرآن في مواجهة التيارات غير التوحيدية هي الدعوة والموعظة والبرهان والجدل بالتي هي أحسن، ويأتي الجهاد في المرتبة الأخيرة كجزء من إستراتيجية تقوم على عمل ثقافي يقوم به النبي’، وبعد عدم تأثير الطرق الأخرى على إثر العناد والاستكبار من قبل المعارضين وفي ظروف خاصة وبشروط محددة.

4 ـ دراسة استعمال لفظة جهاد في القرآن تظهر أنّ الجهاد غير القتال، وغالباً ما يكون المراد منه هو الجهاد الثقافي في سبيل الله، ويجب القول: إنّ الشبهات التي طرحت غالباً ما كانت ناظرة إلى القتال، وليس الجهاد بالمعنى الدقيق للكلمة.

5 ـ لا يوجد حالة واحدة من الحالات السابقة جاء فيها الأمر بالقتال بشكل مطلق ومن دون قيد أو شرط، كما ادّعاه بعض المستشرقين. كما يمكن الادّعاء ـ وبحق ـ أنّ القرآن جوّز القتال مع التيارات المعارضة الفعالة والنشيطة والتي تقف عملياً في وجه انتشار دعوة الحق وبعد إتمام الحجة عليها.

6 ـ في القرآن لم يطرح الجهاد مع التيارات غير التوحيدية فقط؛ بل في مورد الآية 9 من سوره الحجرات أمر بقتال المؤمنين الطاغين والباغين، وهو مؤيّد آخر على أن تشريع القرآن للقتال هو كواحدة من الوسائل لتحقيق الأهداف الثقافية والسامية للإسلام وليس شيئاً آخر.

الهوامش

(*) أساتذة مساعدون في جامعة تربيت مدرّس.

(1) محمد الدسوقي، سير تاريخي وارزيابي انديشه شرق شناسي: 136ـ151، ترجمة: محمود رضا افتخار زاده؛ تهران، نشر هَزاران، ط 1، 1376ش.

(2) محمد حسن زماني؛ نقد وبررسي آراء مستشرقان درباره قرآن: 423ـ245 قم، مؤسسه بوستان كتاب، ط1، 1385ش.

(3) محمد حسن زماني؛ المصدر السابق: 425 ـ427.

(4) ساسي سالم الحاج، نقد الخطاب الاستشراقي: الظاهرة الاستشراقية وأثرها في الدراسات الإسلامية 1: 350ـ356، بيروت، دار المدار الإسلامي، ط1، 2002م.

(5) المصدر السابق: 362 ـ 363.

(6) المصدر السابق: 349 ـ 350.

(7) غازي عنايت، شبهات حول القرآن وتفنيدها: 107؛ بيروت، دار ومكتبة الهلال، 1421ق ـ2000م.

(8) أغناطوس جولدزيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام: تاريخ التطور العقدي والتشريعي في الدين الإسلامي: 14ـ16، ترجمة: محمد يوسف موسى وعلي حسن عبد القادر وعبد العزيز عبد الحق، دار الكتب الحديثة بمصر ومكتبة المثنى ببغداد، ط2.

(9) المصدر السابق: 17ـ 18.

(10) المصدر السابق: 20 ـ 21.

(11) المصدر السابق: 34 ـ 40.

(12) إدوارد سعيد الاستشراق: 511، ترجمة: عبد الرحيم گواهي؛ دفتر نشر فرهنگ اسلامي، ط1، 1371ش.

(13) محمد حسن زماني، المصدر السابق: 425.

(14) عبد الصبور مرزوق وآخرون، حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين: 408، القاهرة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1423ق ـ 2002م.

(15) دونت كتب مستقلة أخرى أيضاً في هذا المجال. ومن جملتها كتاب حول محاكمة جولدزيهر الصهيوني، لمحمد الغزالي المصري، وترجمه إلى الفارسية صدر البلاغي، حيث تعرض بالتفصيل لنقد ودراسة كتاب <العقيدة والشريعة في الإسلام> لجولدزيهر، وكتب أخرى من قبيل: <شبهات حول القرآن وتفنيدها>، للدكتور غازي عنايت، و<حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين> لمحمود حمدي زقزوق، و<نقد الخطاب الاستشراقي> للدكتور ساسي سالم الحاج، و<سير تاريخي وارزيابي انديشه شرق شناسي>، للدكتور محمد دسوقي، و<الاستشراق>، لإدوارد سعيد، و<نقد وبررسي آراء مستشرقان درباره قرآن> و<شرق شناسي واسلام شناسي غربيان تاريخچه، اهداف، مكاتب وگستره فعاليت مستشرقان>، لمحمد حسن زماني، و<دفاع عن القرآن ضد منتقديه>، للدكتور عبد الرحمن بدوي، وباستثناء الموردين الأخيرين استفدنا من جميع الموارد السابقة.

(16) للاطلاع على آراء متعددة أخرى في السير التاريخي للبحث يراجع: سيد علي موسوي دارابي، نصوص في علوم القرآن 2: 517ـ717، إشراف: محمد واعظ زاده خراساني؛ مشهد، بنياد پژوهشهاي إسلامي آستان قدس رضوي، ط1، 1424ق ــ1382ش.

(17) محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 135ـ138، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1416ق. جعفر نكونام؛ درآمدي بر تاريخ‌ گذري قرآن؛ تهران، هستي‌نما، ط1، خريف1380ش. محمد مهدي جعفري، سير تحول قرآن: 24، چاپ فاروس ايران.

(18) أورد دروزه هذه السور الخمس في آخر السور المكية نظراً لتناسبها أكثر معها، ونحن نذكرها في ابتداء السور المدنية.

(19) محمد عزت دروزه؛ التفسير الحديث ترتيب السور حسب النزول 1: 14، دار الغرب الإسلامي، ط2، 1421ق ـ2000م.

(20) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 19: 383.

(21) محمد عزت دروزه، المصدر السابق 2: 68.

(22) محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق 20: 448.

(23) المصدر السابق 19: 26.

(24) الميزان 20: 278.

(25) الميزان 18: 341.

(26) الحديث 2: 361.

(27) الميزان 14: 117.

(28) الميزان 10: 6 ـ 7.

(29) الميزان 7: 5.

(30) الحديث 4: 63.

(31) الميزان 16: 264.

(32) التفسير الحديث 5: 7.

(33) التفسير الحديث 5: 300.

(34) الميزان 16: 159.

(35) التفسير الحديث 4: 465.

(36) التفسير الحديث 5: 515.

(37) الميزان 20: 131.

(38) التفسير الحديث 6: 105.

(39) الميزان 1: 46. الحديث6: 123.

(40) التفسير الحديث 7: 105.

(41) التفسير الحديث 7: 328.

(42) التفسير الحديث 8: 7.

(43) الحديث 9: 7 ـ 8.

(44) المعجم في فقه لغة القرآن 205:10، تأليف وتحقيق: قسم القرآن لمجمع البحوث الإسلامية، إشراف: محمد واعظ‌ زاده خراساني، مشهد، بنياد پژوهشهاي اسلامي آستان قدس رضوي، ط1، 1426ق ـ 1384ش؛ محمد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مادة <جهد>.

(45) الخليل بن أحمد الفراهيدي، العين 3: 386‏ القرن الثاني‏،‏ انتشارات هجرت‏، قم، 1410 ق‏؛ وابن منظور‏، لسان العرب، بيروت، صادر، 1414 ق؛ والجوهري، تاج اللغة وصحاح العربية 2: 460، تحقيق: أحمد بن عبد الله الغفور عطار، الناشر دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة 1407، المطبعة دار العلم للملايين؛ أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة: 227، بيروت، دار الفكر، حققه: شهاب الدين أبو عمر، الطبعة الأولى، 1415هـ ـ 1994م.

(46) موارد أخرى: التوبة: 20 و44 و81 و88.

(47) الطبرسي؛ جوامع الجامع 2: 80.

(48) محمد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم؛ ذيل مادة <قتل>.

(49) المقصود من الجهاد في هذه العبارات المعنى الرائج، أي القتال.

 

الكاتب کاظم قاضي زاده، محمد علي مهدوي راد، محمد علي لساني فشاركي، علي رضا حسني

کاظم قاضي زاده، محمد علي مهدوي راد، محمد علي لساني فشاركي، علي رضا حسني

مواضيع متعلقة

اترك رداً