الحديث الشريف بين المصادر المذهبيّة والإسلاميّة

17 فبراير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬043 زيارة

الحديث الشريف بين المصادر المذهبيّة والإسلاميّة

قراءةٌ استدلاليّة في مرجعيّة الحديث الإسلامي

ـ القسم الثاني ـ

الشيخ حيدر حبّ الله

3ـ المانع الشرعي والإشكاليّة الدينيّة

المانع الثالث: وهو ما نسمّيه بالمانع الشرعي، أي المانع الذي ينطلق من مبرّرات دينية تجعل الأخذ بأخبار غير الشيعي محظوراً شرعاً بالنسبة للشيعي، والأخذ بأخبار غير السنّي ومصادره محظوراً كذلك بالنسبة للسنّي مثلاً. فليست القضيّة قضية انعدام الثقة أو عدم وجود حاجة، إنّما هي قضيّة وجود نصوص أو منطلقات فقهيّة تحول دون إمكان الأخذ بخبر غير الشيعي، أو بمصادر الحديث عند سائر المذاهب.

ولا نقصد هنا ما دلّ على شرط العدالة في الراوي، مع أخذ الاعتقاد مستبطناً في العدالة؛ فهذا ما تقدَّم بحثه، وأنّه غير صحيح، وفاقاً للمتأخِّرين. بل نقصد وجود روايات أو معطيات فقهية وفقهائيّة تتّصل بشكلٍ أو بآخر بهذا الموضوع، وتعيق جريان القواعد العامّة ومقتضياتها في هذا الملفّ.

ومنهجةً للبحث نرى أنّ ما نسمّيه بالمانع الشرعي يمكن جعله على أنواع، أبرزها:

3ـ 1ـ المانع الشرعي الروائي المباشر، أو نصوص القطيعة المعرفيّة

النوع الأوّل هنا هو المانع الشرعي الروائي المباشر. ونقصد به وجود روايات عن أهل البيت النبوي تمنع عن الرجوع في مسائل الدين إلى غير الشيعي الإمامي. فهذه الروايات تشكّل مستنداً قويّاً لظاهرة القطيعة بين التراثين: الشيعي؛ والسنّي. وقد لاحظنا بعض علماء الإماميّة يستند إلى بعض هذه الروايات لإثبات مخالفة أهل السنّة، حتّى في غير حال تعارض الأحاديث، مثل: المحدِّث الجزائري([1]).

ونظراً للأهمّية الفائقة لهذه النصوص سوف نستعرضها ونستقصيها قَدْر الإمكان من مواضعها المتفرِّقة؛ لننظر فيها سنداً ودلالةً، وذلك على النحو التالي:

الرواية الأولى: خبر عليّ بن أسباط، قال: قلتُ للرضا×: يحدث الأمر لا أجد بُدّاً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحدٌ أستفتيه من مواليك؟ قال: فقال: «ائْتِ فقيه البلد فاستَفْتِه في أمرك، فإذا أفتاك بشيءٍ فخُذْ بخلافه، فإنّ الحقَّ فيه»([2]).

فهذه الرواية تدلّ على عدم الرجوع إلى السنّي من ناحيتين:

الناحية الأولى: ما يكشفه فرض السائل ـ وهو عليّ بن أسباط الثقة ـ من أنّه فَقَد أحداً من الشيعة كي يرجع إليه، فإنّ هذا معناه أنه لو وجَدَ شيعيّاً يرجع إليه ويستفتيه لرجع إليه. فمركوزيّة هذا الأمر في ذهن السائل تدلّ على وجود وَعْيٍ متشرَّعي بعدم الرجوع إلى غير الشيعيّ في قضايا الدين.

الناحية الثانية: ما يكشفه جواب الإمام عليّ الرضا، حيث طلب منه مخالفة المستفتى غير الشيعي؛ فإنّ هذا دالٌّ على كمال القطيعة، ليس حدَّ عدم الأخذ فقط، بل حدّ العمل بعكس ما يقول الآخر.

فالرواية من الروايات واضحة الدلالة على المطلوب في المقام.

إلاّ أنّه يوجد مجالٌ للنقاش في الرواية، وذلك:

أوّلاً: إنّ الرواية قد وردت في عيون أخبار الرضا وتهذيب الأحكام بثلاثة أسانيد، ترجع كلّها إلى أحمد بن محمد السياري. وهو رجلٌ ضعيفٌ جدّاً، وصفه الرجاليّون بـ فاسد المذهب، والضعيف في الحديث، والمجفوّ الرواية، وهو من مشاهير الكذّابين([3]).

ويوجد للرواية سندٌ رابع، ورد في علل الشرائع، عن عليّ بن أحمد البرقي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن عليّ بن أسباط. فالخبر محذوفٌ منه ـ مقارنةً بالسند السابق ـ شخصان، وهما:

أـ ماجيلويه، الذي كان واسطةً بين عليّ بن أحمد وأحمد بن محمد.

ب ـ السيّاري، الذي كان واسطةً بين أحمد بن محمد وعليّ بن أسباط.

فالظاهر وقوع سقط في السند في علل الشرائع. وحتّى لو لم يكن هناك سقطٌ في السند، كما ليس ببعيد، فإنّ عليّ بن أحمد البرقي مجهولٌ لم يذكره أحدٌ، سوى أنه شيخ الصدوق الذي ورد في المشيخة([4]).

فالخبر ضعيفٌ.

ثانياً: إنّ الرواية أجنبيّةٌ عن باب الإخبارات، فهي من مسائل شرط الإيمان في المُفْتي، فلم يأْتِ فيها حديثٌ عن حجِّية ما ينقله عن رسول الله|، وإنّما في عدم حجِّية ما يفتي به. ومن الواضح أنّ باب الفتوى مختلفٌ تماماً عن باب الرواية؛ ولهذا نجد الكثير من الفقهاء شرطوا في مرجع التقليد الإيمان، ولم يشرطوه في باب الروايات. وقد قلنا غير مرّةٍ عن الاستدلال القرآني على حجِّية خبر الواحد أنّ الاجتهاد في ذلك الزمان وإنْ كان قريباً من الروايات، إلاّ أنّه كان يُعْمَل فيه الرأي والقياس والنظر والمناهج البحثية الخاصّة أيضاً، ولا سيَّما عند أهل السنّة في عصر الإمام الرضا، حيث كان فقهاء كبار لهم آراء قد ظهروا، كالشافعي ومالك وأبي حنيفة والأنصاري والشيباني وغيرهم، وفاقاً لرأي السيد الخميني([5]).

فالرواية لو تمَّتْ سنداً لا علاقة لها بما نحن فيه دلالةً؛ لأنّ نظرها لاجتهاداتهم، لا لخصوص رواياتهم.

ثالثاً: لو تمّ الاستدلال بهذه الرواية لم يكن هناك فرقٌ بين الراوي السنّي في المصادر السنّية وهو عينه في المصادر الشيعيّة، فكيف ميَّز الأصوليّون والفقهاء والمحدِّثون ـ عملياً ـ بينهما؟ وبأيِّ وجهٍ أُخذ بروايات غير الشيعة الموجودة في مصادر الشيعة؟!

وهذا في الحقيقة إشكالٌ نقضيّ عليهم.

رابعاً: ما ذكره السيد نور الدين العاملي، في الشواهد المكّية، مورداً على الأمين الإسترآبادي في استعراضه هذه الروايات، من أنّه لا يمكن الأخذ بها؛ لمخالفتها للعقل والاعتبار، فإنّنا لا نختلف مع أهل السنّة في كلِّ شيءٍ حتّى نعمل دَوْماً بعكس ما يقولون، فكيف يصحّ هذا التعميم؟!([6]).

وهذا الإشكال قد يُورَد عليه بأنّه تكفي المخالفة في أغلب الأحكام؛ ليعطي الإمام أمارةً غالبيّة تكشف عن الواقع. لهذا فالأفضل تغيير صيغة الإشكال إلى أنّه يُحْرَز التوافق بين الشيعة والسنّة في أكثر الأحكام، بمعنى أنّنا لو حَسَبنا في زماننا هذا الرأي الشيعي وما فيه من اختلافٍ بين الشيعة، وحَسَبنا الرأي السنّي وما فيه من اختلافٍ بين السنّة، فإنّ القضايا المشهورة عند السنّة، بحيث يأخذ بها الأغلب، وتكون في الوقت عينه ممّا لا يُحْرَز اتّفاق الرأي فيها مع الشيعة وعندهم، لن تكون هذه القضايا إلاّ يسيرةً، فكيف يجعل الأخذ بالمخالف أمارةً حينئذٍ؟!

وبعبارةٍ أخرى: إنّنا نحرز اليوم أنّ أغلب ما هو في الفقه ممّا هو مشتركٌ بين الشيعة والسنّة، ومع هذه الغلبة كيف يقدِّم الإمام أمارةً نوعيّة في هذا السياق؟ إلاّ إذا قيل بحُسْن المخالفة لهم في ذاتها، كما اختاره بعضهم! وسيأتي الكلام فيه إنْ شاء الله.

ولعلَّه لهذا كلِّه لا يعمل أحدٌ من الفقهاء بهذا المعيار قبل إجراء البراءة وبعد فقده الأدلّة، فلاحِظْ سيرة الاجتهاد الفقهي عن الشيعة تجِدْ صدق ما نقول. فهل تجد فقيهاً شيعيّاً إذا فقد الأدلّة المحرزة والأمارات على الحكم الشرعي يذهب ـ بَدَل إجراء أصالة البراءة ـ إلى فقه السنّة، فما أفتَوْا به يفتي بخلافه، ويعتبر ذلك حكماً شرعيّاً؟!

الرواية الثانية: خبر أبي إسحاق الأَرَّجَاني، رفعه، قال: قال أبو عبد الله×: «أتدري لم أُمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامّة؟»، فقلتُ: لا أدري، فقال: «إنّ عليّاً× لم يدِنْ الله بدينٍ إلاّ خالف عليه الأمّة إلى غيره، إرادةً لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين× عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدّاً من عندهم؛ ليلبسوا على الناس»([7]).

فالرواية تدلّ على أنّ العمل بخلاف ما عليه أهل السنّة ليس معاندةً، وإنما هو لسببٍ تاريخي، وهو أنّ الأجيال السابقة هي مَنْ عاندت أمير المؤمنين، ولهذا عندما نَذَرُ ما عندهم، ونعمل بعكسه، فإنما هو من باب الكشف عن الموقف الحقيقيّ للشريعة، المتمثِّل بعليٍّ وآل عليّ.

وهذه الرواية تَرِدُ عليها:

أـ الملاحظة الثالثة المتقدِّمة عند الكلام في الرواية السابقة؛ لأنّها تشمل ما يرويه السنّة ممّا دخل في كتب الحديث الشيعيّة؛ إذ يصدق على روايات السكوني أنّها روايات السنّة، فينطبق عليهم القاعدة المذكورة، وإخراجهم يحتاج إلى دليلٍ.

وإجماعُ الشيعة على العمل بهذه الروايات ـ بوصفه مخصِّصاً أو مقيِّداً لهذه الرواية وأمثالها ـ لا ينفع؛ لعلمنا بأنّه ليس مستندهم إلاّ الثقة بالسكوني وأمثاله، وتصحيح مضمون رواياته، وهذا العنصر لو أحرَزْناه في مكانٍ آخر لزم تطبيقه بعينه.

فالتمييز المطلق غير واضح منهجيّاً.

ب ـ ما أثَرْناه في الملاحظة الثانية المتقدِّمة على الرواية السابقة؛ وذلك لظهور كلمة (ما تقول العامّة) في الرأي، لا في الإخبار. ولا أقلّ من التردُّد، فيقتصر في الدلالة على القَدَر المتيقَّن. ولعلّ الضدّ الذي عندهم نشأ من الاجتهاد، لا من جعل روايةٍ من قبلهم حَصْراً.

ج ـ إنّ هذه الرواية ضعيفة السند؛ لأنّ الأرّجاني رفعها إلى الصادق. والمرفوعة مرسلةً، لا يحتجّ بها على الإطلاق. فضلاً عن كون الأرّجاني نفسه رجلاً مهملاً جدّاً في كتب الرجال الشيعية والسنّية([8])، بعد الأخذ بعين الاعتبار طبقته.

د ـ ما ذكره بعض الأصوليّين، من أنّ هذه الرواية وأمثالها ليس فيها إطلاقٌ يأمر بالأخذ بما خالف العامّة، بل هي تحاول تفسير السبب وراء وجود مثل هذا الأمر. أمّا أين كان هذا الأمر؟ فلعلّه خاصٌّ بحال التعارض بين أخبار الإماميّة، فلا يكون لها إطلاقٌ يشمل المخالفة الابتدائيّة([9]).

وهذا التحليل يقف على خلاف تحليل أمثال المحقِّق الإصفهاني، الذي فهم من هذا الخبر والخبر السابق الدعوةَ لمخالفة جمهور أهل السنّة، حتّى لو لم يوجَدْ خبرٌ، فضلاً عن وجود تعارضٍ بين خبرين([10]).

إلاّ أنّ هذه الإشكاليّة يمكن مناقشتها بأنّ تعليل الإمام في الرواية يوضِّح وجود حالةٍ عامّة كانت سائدة، وهي جعل الروايات ـ لو سلَّمْنا أنّ الخبر ناظرٌ لمسألة الرواية، بعد تجاوز ما تقدَّم من ملاحظات ـ في مقابل قول عليٍّ. وهذا الأمر نسبته إلى حال التعارض وعدمه متساويةٌ. فلو أنّه علَّل بالتقيّة لاحتملنا مسألة التعارض، لكنّ التعليل هنا له روحٌ عامّة أوسع من باب التعارض، كما هو واضحٌ. وبهذا يترجَّح في الدلالة ما قاله الإصفهاني، وإنْ لم نطابقه تماماً في المعنى.

الرواية الثالثة: خبر الحسين بن خالد، عن الإمام الرضا×، قال: «شيعتنا المسلِّمون لأمرنا، الآخذون بقولنا، المخالفون لأعدائنا، فمَنْ لم يكن كذلك فليس منّا»([11]).

فإنّ إطلاق المخالفة للأعداء يقتضي رفضاً لما عندهم مطلقاً، وهو المطلوب.

وهذه الرواية:

أـ مضافاً لشمولها للروايات السنّية في المصادر الحديثيّة الشيعيّة، ومن ثمّ تَرِدُ عليها الملاحظة المتقدِّمة.

ب ـ هي ضعيفة السند بعليّ بن معبد؛ إذ هو رجلٌ مجهول، لا توثيق له شيعيّاً([12]). نعم، يوجد شخصٌ اسمه عليّ بن معبد ورد عند أهل السنّة، ووثَّقه بعضهم، لكنّه وُصِف بالمصريّ، فيما الوارد شيعيّاً عن هذا الرجل أنّه بغدادي. ولا ندري إذا كان هو عينه. فالمسألة بحاجةٍ لمزيدٍ من التدقيق.

ج ـ إنّه من البعيد إرادة الإطلاق في هذه الرواية؛ لعدم تصوُّره، بل الظاهر منها مخالفة مَنْ يعادي أهل البيت، والوقوف في الصفّ المقابل لهم. وأين هذا من مطلق التعامل معهم، أو الاستفادة منهم في الجملة؟! فنحن نخالف أعداء الأمّة الإسلامية، لكنّ هذا ليس فيه إطلاقٌ لعدم الاستفادة العلميّة منهم مثلاً، وإلاّ لزم تحقيق القطيعة الاجتماعيّة مع سائر المسلمين، والقول بعدم جواز متاجرتهم، ولا مناكحتهم، ولا غير ذلك؛ تمسُّكاً بإطلاق المخالفة!

د ـ إنّه ليس كلّ سنّي أو زيديّ أو فطحيّ أو صوفي معادياً لأهل البيت. فالخبر أخصُّ من المدَّعى. فلعلَّه يريد خصوص النواصب والسلطات الغاشمة الظالمة الغاصبة لحقّ أهل البيت، لا مطلق مَنْ ليس شيعيّاً.

هـ ـ ما ذكره السيد الخميني والميرزا هاشم الآملي وغيرهما، من أنّ ظاهر هذه الرواية هو المخالفة في العقائد، لا مطلق المخالفة، ولو بنحوٍ يكون هناك خبرٌ موافق لهم، وليس له معارضٌ، فنطرحه لأجل المخالفة([13]).

ولعلَّه يقرب منه ما ذكره الميرزا حبيب الله الرشتي، من أنّ هذه الأخبار لا مساس لها بالأخبار المتعارضة، ولا بالأخبار مطلقاً، بل الظاهر أنّها وردَتْ في حقّ طائفة من ضعفاء الشيعة، كانوا يخالطون ويراودون أعداء الدين بغير إذنهم^، ويستمعون وينقادون لهم في ما يأمرون من غير إذنهم، فوردت هذه الأخبار تنبيهاً على غفلاتهم، وردعاً لهم عن الباطل([14]).

إلاّ أنّ افتراض الرشتي لا شاهد له. وتخصيص الخبر بالجانب العَقْدي غير واضح. بل الأظهر أنّ الحديث يريد من الشيعة إعلان مخالفتهم لأعداء آل محمد، والوقوف في صفٍّ مقابل لهم، وعدم الاتّباع لهم. ولهذا وجدنا الرواية تقابل بين الاتّباع والمخالفة، فلا يحقّ للشيعي اتّباعهم والسَّيْر في ركبهم، لكنَّ هذا غير الاستفادة منهم، والتعاون معهم، والتواصل.

الرواية الرابعة: خبر المفضَّل بن عمر، قال الصادق×: «كذب مَنْ زعم أنّه من شيعتنا وهو متمسِّك بعروة غيرنا»([15]).

فالرواية تنهى عن التمسُّك بعروة غير أهل البيت، والرجوع إلى أهل السنّة تمسُّكٌ بغير عروة أهل البيت.

وهذا الخبر لا دلالة له في المقام، فإنّه:

أوّلاً: يدلّ على عدم جواز التمسُّك بعروة غير أهل البيت، ونحن إنّما نرجع إلى المصادر السنّية لا للتمسُّك بعروتهم، بل للتمسُّك بأحاديث الرسول|؛ إذ من الواضح أنّ هذه الروايات تُؤخَذ طريقاً للوصول إلى أخبار النبيّ، ليكون التمسُّك بها. وشاهد ذلك أنه لا يدَّعي أحدٌ أنّ التمسُّك بروايات مصادر الشيعة تمسُّكٌ بغير أهل البيت من الرواة، سواء كانوا شيعةً أم سنّة. نعم، لو أخذت روايات الصحابة والتابعين غير المنسوبة إلى الرسول| مصدراً، واحتجّ بها، لصدقَتْ هذه الرواية هنا.

ويؤيِّد ما نقول ما ذكره بعض المعاصرين، قال: «ثمّ فرقٌ بين الخبر والفتوى، فإنّ ناقل الخبر ناقلٌ لكلام المعصوم×، فيقبل منه لو كان من الثقات، وإنْ كان مخالفاً. بخلاف الفتوى، فإنّه يَنسب الحكم إلى نفسه، بأنّه استفاد ذلك من الأدلّة التفصيليّة، وحينئذٍ كيف يتبصَّر في الفروع ولا يتبصَّر في عقائده؟ والمرجعيّة الحقّة تتلو منصب الإمامة المعصومة، فمن وَهْن المذهب الحقّ أن يسلَّم مقاليد الأمور وزعامة المؤمنين إلى مَنْ كان فاسد المذهب وباطل العقيدة»([16]).

ثانياً: إنّ هذه الرواية ضعيفة السند؛ فإنّه قد ورد في سندها محمد بن سنان، ولم تثبت وثاقته.

وقد وردت هذه الرواية بصيغةٍ أخرى، وهي: «كذب مَنْ زعم أنّه يعرفنا…». رواها إبراهيم بن زياد (إبراهيم بن أبي زياد)([17]). ولم تثبت وثاقته أيضاً، إلا على مبنى وثاقة كلّ مَنْ روى عنه ابن أبي عمير. وهو مبنى حقَّقنا في علم الرجال عدم ثبوته.

هذا، وهناك الكثير من الأحاديث التي وردَتْ في ضرورة الرجوع إلى أهل البيت، وأنّهم مرجع الأمّة، ممّا لا علاقة له ببحثنا إطلاقاً، كما هو واضحٌ.

يُشار إلى وجود خبرٍ لابن مُسْكان، عن أبي عبد الله الصادق، يقول فيه: «نحن أصل كلّ خير، ومن فروعنا كلّ برّ، فمن البرّ التوحيد والصلاة والصيام وكظم الغيظ والعفو عن المسيء ورحمة الفقير وتعهّد الجار، والإقرار بالفضل لأهله. وعدوّنا أصل كلّ شرّ، ومن فروعهم كلّ قبيح وفاحشة، فمنهم الكذب والبخل والنميمة والقطيعة وأكل الرِّبا وأكل مال اليتيم بغير حقِّه وتعدّي الحدود التي أمر الله، وركوب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والزنى والسرقة، وكلّ ما وافق ذلك من القبيح. فكذب مَنْ زعم أنّه معنا وهو متعلِّق بفروع غيرنا»([18]).

ولعلّ ما في الرواية التي نحن فيها يرجع إلى هذه الرواية؛ من حيث إنّ مَنْ يتعلَّق بعروة أهل البيت يعمل الصالحات، فكذب مَنْ يدَّعي أنّه تعلَّق بعروتهم وهو متعلِّق بالمفاسد والسيِّئات. فتكون أجنبيّةً عمّا نحن فيه. والله العالِم.

الرواية الخامسة: خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: قال الصادق×: «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله…، فإنْ لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فذَرُوه، وما خالف أخبارهم فخُذُوه». ونحو هذا الخبر خبرٌ آخر([19]).

فهذا الخبر يجعل الميزان أخبار العامّة، على خلاف الحال من رواياتٍ أخرى تعطي المرجِّح في أقوال العامة، لا أخبارهم. وعليه تكون هذه الرواية مؤشِّراً على أمارة غالبيّة ظنيّة بمخالفة أخبار أهل السنّة للواقع. ومعه كيف يكون لنا الرجوع إلى أخبارهم، مع جعل مخالفتها قرينةً على مطابقة الواقع في كلام الإمام؟!

ويناقش هذا الخبر:

أوّلاً: إنّه ضعيف السند؛ إذ هو من روايات سعيد بن هبة الله الراوندي، في رسالته في اختلاف الأخبار. وقد تعرَّضْنا لها مفصَّلاً في كتابنا (حجِّية الحديث)([20])، وقلنا بضعفها السندي. والخبر الثاني أيضاً كذلك.

ثانياً: إنّه يشمل مطلق الأخبار. فكيف ـ لو فسَّرناه بأنّه قرينةٌ كاشفة وأمارة نوعيّة ـ مع وجود هذه الرواية عمل الشيعة بأخبار السنّة الموجودة في كتب الشيعة بالآلاف؟! فمقتضى هذا الخبر عدم التمييز في الروايات السنّية بين وجودها في مصادر الحديث الشيعي أو غيرها. إلاّ إذا قيل بأنّ المراد في هذا الخبر ما يَرْوُونه عن رسول الله|، لا ما يرويه السنّي عن أحد أئمّة أهل البيت. وهذا يحتاج إلى شاهدٍ. وأمّا دعوى إخراج هذه الروايات التي في مصادر الشيعة بالإجماع القائم فقد سبق التعليق عليه، فلا نعيد.

وربما يُدَّعى الانصراف إلى خصوص المتداول بينهم من الحديث النبويّ ممّا لم يكن متداولاً بين الشيعة.

ثالثاً: إذا كان هذا المعيار صحيحاً فلا بُدَّ أن يكون غالبيّاً، مع أنّنا نجد اشتراكاً كبيراً جدّاً في أحاديث الطرفين؛ فإما أن يكون هذا الأمر خاصّاً بفترة الإمام الصادق، حيث لم تكن أحاديثهم قد تبلوَرَتْ؛ أو يُراد ـ وهذا احتمالٌ جادّ نطرحه للتداول ـ أنّه لا يُقْصَد من العامّة أهل السنّة، بل هذا الاصطلاح متأخِّرٌ عند الفقهاء والأصوليّين، وإنما يُقصد عامّة الناس، مقابل أهل الحديث ونقّاده. وحيث الأخبار بيد عامّة الناس تكون غير دقيقة، وفيها طابعٌ مضاف على الحديث، وتكون بعيدةً عن الروح الحقيقيّة للإسلام؛ لكثرة الخرافة والزيادة والاضطراب عندهم في هذا الأمر، جُعل ذلك أمارةً على صحّة الحديث أو سقمه([21]).

ويطرح السيد محمد تقي الحكيم تفسيراً لمفهوم (العامّة) في روايات مخالفة العامّة، يظهر منه قربه ممّا طرحناه. لكنّه يقدِّم فهماً آخر، حيث يقول في نصٍّ مهمّ: «المراد بالعامّة هنا أولئك الرعاع وقادتهم من الفقهاء الذين كانوا يسيرون بركاب الحكّام، ويبرِّرون لهم جملة تصرُّفاتهم، بما يضعون لهم من حديثٍ، حتى انتشر الوضع على عهدهم انتشاراً فظيعاً… وليس المراد بالعامّة في الصحيحة وأمثالها أولئك الأئمّة الذين عُرِفوا بعد حينٍ بأئمّة المذاهب الأربعة وأتباعهم، لأنّ هؤلاء الأئمّة ما كان بعضُهم على عهد الإمام الصادق×، كالشافعي، وابن حنبل، والذين كانوا على عهده ما كان لهم ذلك الشأن، بحيث يكوِّنون رأياً عامّاً؛ ليصحّ إطلاق لفظ العامّة عليهم وعلى أتباعهم. وعامّة الناس من السنّة لم تجمع كلمتهم عليهم ـ بواسطة السلطة ـ إلاّ في عصورٍ متأخِّرة جدّاً عن عصر الإمام الصادق×، حيث أبطل الظاهر بيبرس البندقداري غيرها من المذاهب في مصر، وقصرها عليها، ومنه انتشرت في بقيّة الأمصار. وعلى هذا، فإنّ كلمة الإمام الصادق× لم توجَّه إلاّ إلى أولئك الكذّابين من أذناب الحكّام، فقهاء ومحدِّثين، ممَّنْ يستسيغون الكذب والدسّ؛ مراعاةً لعواطفهم وميولهم السياسيّة وغيرها»([22]).

رابعاً: لو بُني على اختصاص هذا الخبر وأمثاله بحال التعارض لأمكن افتراض أنّ الإمام جعل هذه العيِّنة هنا لا من باب أنّ أخبارهم لا قيمة لها، بل من باب أنه قد يصدر عنه ما يوافقهم تقيّةً، أو أنّه كان يبيِّن فتاوى سائر المذاهب، إضافةً إلى فتواه، لمَنْ كان يسأله من أبناء تلك المذاهب، كما يحتمله بعضهم([23])، فأراد بيان ما صدر واقعاً عنه، وأُريد جِدّاً منه، وهذا لا علاقة له بأصل رواياتهم في نفسها في هذا الصدد.

الرواية السادسة: خبر الحسين (الحسن) بن السري، قال: قال أبو عبد الله×: «اذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخُذُوا بما خالف القوم»([24]). ومثل هذا الخبر أخبار أخرى، مثل: مقبولة عمر بن حنظلة، وغيرها من الروايات الواردة في التعارض.

وهذا النوع من الروايات ليس له علاقةٌ ببحثنا؛ لظهوره في نظرهم وآرائهم، لا في رواياتهم ومرويّاتهم ممّا نبحث عنه هنا. فقد يوردون روايةً لكنَّهم لا يعملون بها، ولا يُفْتُون على وفقها. وهذه هي سيرة علماء الإماميّة في التعامل مع الروايات المتعارضة عندهم، حيث يرجعون إلى الآراء، لا إلى الأخبار. فتكون أجنبيةً عمّا نحن فيه، بصرف النظر عن سندها؛ فخبر ابن السري مثلاً ضعيف السند؛ بالإرسال و…

مضافاً إلى ورود بعض الإشكالات المتقدِّمة، مثل: قرينة الغالبيّة، ومسألة الاختصاص بالتعارض مع فرض التقيّة، وغير ذلك، و…

الرواية السابعة: خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله× قال: «ما أنتم ـ واللهِ ـ على شيءٍ ممّا هم فيه، ولا هم على شيءٍ مما أنتم فيه، فخالفوهم، فما هم من الحنيفيّة على شيءٍ»([25]).

وهذه الرواية قويّةٌ جدّاً في الدلالة على المفاصلة والقطيعة بين الفريقين. ومعها كيف يمكن الرجوع إلى مصادرهم الحديثيّة؟!

لكنْ يمكن مناقشة الاستناد إلى هذه الرواية بأمور:

أوّلاً: وردت هذه الرواية في رسالة الراوندي، التي لم يُعثر عليها بنفسها لحدّ الآن. وهذا معناه أن هذا المقطع وصلنا على الشكل المتقدِّم، فكيف عرفنا أنّ المراد من الضمير في الحديث هم أهل السنّة، إلاّ الاستئناس؟ فلعلّهم فرقةٌ خاصة أو جماعة بعينها تحدَّث عنها الإمام. ونحن لا نعرف طبيعة الأمر، فكيف نستند إلى الرواية للتعميم، وإنْ كان احتماله قويّاً؟!

ثانياً: إنّنا نقطع ببطلان مضمون هذه الرواية لو فُهم منه الإطلاق الذي قد يقصده المستدلّ هنا؛ ذلك أنّها تفيد التباين التامّ بين المذهب الشيعي ومطلق غير الشيعي، كالسنّي. وهو أمرٌ غير صحيح قطعاً، بل مفادها تكفير كلّ ملّة الإسلام، إلاّ الإماميّة. وهذا مناقضٌ للواقع والروايات في إسلام أهل السنّة، ومخالف في شقّه الثاني لمشهور المتأخِّرين في إسلام أهل السنّة. فكيف يمكن التصديق بهذه الرواية، إلاّ على ضربٍ من المبالغة؟! هل يعقل أنّ الشيعي لا يلتقي مع السنّي في شيءٍ، وهما يؤمنان بمشتركاتٍ تكاد لا تحصى؟! ألا يوحي ذلك بأنّ واضع هذا الحديث ـ لو كان موضوعاً ـ يمكن أن يكون قد انطلق من حالٍ من الحقد الطائفي، أو على الأقلّ يشكِّكنا في ذلك؟!

ولعلّه لهذا ذهب السيد الخميني إلى جعل هذه الرواية واردةً في قضايا العقائد فقط([26])، كما سبق منه في خبر آخر. إلا أنّ قضايا العقائد هي الأخرى لا تصحّ هنا، فكم من مشتركٍ عَقْدي يُعَدُّ في أصول الإسلام تشترك المذاهب فيه؟ فلماذا هذا التجاهل لكلِّ هذه المشتركات الواقعيّة التي نراها بأمِّ أعيننا؟! كيف يمكن التصديق بذلك على أرض الواقع؟!

وبعد هذا، فمن الغريب ما يقوله الحُرّ العاملي، من أنّه لا يخفى أنّ ذلك إنْ لم يكن كُلِّياً فهو أكثريٌّ غالب في المسائل النظريّة([27]). فهل اتَّفق الشيعة أنفسهم في تلك المسائل النظريّة؟

ثالثاً: إنّ الخبر ضعيف السند بعليّ بن أبي حمزة البطائني، الذي وصفه ابن فضّال ـ حَسْب نقل الكشّي ـ بأنه كذّابٌ متَّهم. وهذا ما يعارض بعض مباني توثيقه.

فلا يحتجّ برواياته.

فضلاً عن كون هذا الخبر قد ورد في رسالة الأخبار للراوندي، التي لم تثبت أساساً، كما قلنا.

الرواية الثامنة: مرسل داوود بن الحُصَيْن، عن أبي عبد الله× قال: «واللهِ، ما جعل الله لأحدٍ خيرةً في اتّباع غيرنا، وإنّ مَنْ وافقنا خالف عدوَّنا، ومَنْ وافق عدوَّنا في قولٍ أو عمل فليس منّا، ولا نحن منهم»([28]).

ويَرِدُ على الرواية:

أـ مضافاً إلى ضعفها السندي بالإرسال، إلى جانب ورودها في رسالة الراوندي المفقودة غير الثابتة.

ب ـ أنّ العمل بها في غاية الإشكال مع لحاظ صيغتها الإطلاقيّة، فلا بُدَّ أن تُحْمَل على موافقة الغير في ما هو مخالفٌ لأهل البيت. فكيف يعقل أن يكون الموافق لأهل البيت في العمل بالصلاة مخالفاً لغيرهم، مع أنّ الآخر يؤمن بالصلاة ويؤدّيها أيضاً؟! وكيف يمكن أن يكون الموافق لأهل السنّة في الإيمان بالقرآن مخالفاً لأهل البيت؟! كما أنّها تشير إلى موضوع الاتّباع الظاهر في موالاة غيرهم، لا في مجرّد الاستفادة من علومهم، ووثائقهم، وما ينقلونه.

ج ـ على أنّ كلمة (عدوّ) يشكل إطلاقها على مطلق المخالف، كما قلنا.

هذا، وسيأتي احتمالٌ في تفسير مثل هذه الرواية عند الحديث عن الرواية اللاحقة.

الرواية التاسعة: خبر الحلبي، عن بشير، في حديث سليمان مولى طِرْبَال، قال: ذكرت هذه الأهواء عند أبي عبد الله× قال: «لا واللهِ، ما هم على شيءٍ ممّا جاء به رسول الله|، إلاّ استقبال الكعبة فقط»([29]).

فهي تفيد المباينة التامّة ما بينهم وبين ما جاء به رسول الله، حتّى لم يَبْقَ إلاّ استقبال الكعبة، في إشارةٍ رمزيّة إلى بقاء بعض القشور الشكليّة الطفيفة.

ولكنْ يُناقَش أوّلاً: إنّ المشار إليهم من أهل الأهواء في هذه الرواية غيرُ واضحٍ، والإشارة بـ (هذه) نحو تخصيصٍ وتعيين؛ إذ يوجد احتمال أنّه كان يريد بعض الفِرَق الخاصّة المنحلّة أخلاقياً، أو الفرق الإباحيّة التأويليّة، أو النواصب، أو غير ذلك، فكيف نعرف أنّه يقصد كلَّ المذاهب الأخرى غير الإماميّة؟

ثانياً: إنّ الرواية لو حُملَتْ على مطلق غير الشيعي مطلقاً لكانت مقطوعة البطلان؛ فهذه الألسنة غير واقعيّةٍ بأجمعها. وهذا تاريخ المسلمين شاهدٌ على نقاط اشتراك كثيرةٍ جدّاً، فكيف تصدر مثل هذه المبالغة غير الواقعيّة من أهل البيت النبوي، بحيث يبدون وكأنّهم غير منصفين على الإطلاق؟!

ثالثاً: إنّ الرواية ضعيفة السند؛ إذ إنّ بشير، الراوي عن سليمان مولى طربال، الواقع في السند، مجهولٌ تماماً في هذه الطبقة.

رابعاً: لعلّ الأرجح في تفسير هذه الرواية، وبعضٌ آخر من الروايات هنا، أنّها لا تريد النظر إلى الجانب العلمي والعقدي والروائي وأمثال ذلك، بل تقصد النظر إلى الجانب العملي، فهي تريد أن تقول بأنّ ما هم عليه ليس سوى قشور الإسلام، وأنّهم لا يعملون بالإسلام، ولا يطبِّقونه، ولا يُجْرون منه إلاّ قشوره وظواهره، لكنَّهم في حياتهم متهتِّكون، لاعبون بالشريعة، متمرِّدون على أحكام الله تعالى. ومثل هذا اللسان موجودٌ في بعض الروايات عن بعض الصحابة، الذين كانوا يقولون بأنّ ما كان على عهد رسول الله لم يَعُدْ موجوداً، في إشارةٍ إلى خروج الكثيرين عن مقتضى سنّة النبيّ واتّباعه. وهذا غير أصل اعتقاداتهم ورواياتهم وأنظارهم. بل هو ناظرٌ لجانب العمل والسلوك وتحكيم الدين والشريعة. فهو مثل بعض النصوص التي تتكلَّم عن آخر الزمان أو نحو ذلك، وأنّه سيأتي زمانٌ على الناس لا يبقى من الدين إلاّ اسمه، ومن القرآن إلاّ رسمه.

الرواية العاشرة: خبر عليّ بن سويد السابي (النسائي)، قال: كتب إليَّ أبو الحسن×، وهو في السجن: «وأمّا ما ذكرْتَ، يا عليّ، ممَّنْ تأخذ معالم دينك، لا تأخذَنَّ معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنّك إنْ تعدَّيْتَهم أخذْتَ دينك عن الخائنين، الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم. إنهم ائتمنوا على كتاب الله فحرَّفوه وبدَّلوه، فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله، ولعنة ملائكته، ولعنة آبائي الكرام البررة، ولعنتي، ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة…»([30]).

والرواية واضحةٌ في القطيعة المعرفيّة، ووصف الخيانة والاتّهام بالتحريف مؤشِّران على سلب الوثاقة عن هؤلاء. والسياق التعليلي يفيد العموم.

لكنْ يُناقَش:

أوّلاً: إنّ الرواية ضعيفة السند؛ فقد ورد فيها عليّ بن حبيب المدائني المُهْمَل جدّاً([31]). والذي يبدو أنّه لا رواية له غير هذه الرواية الواردة عند الكشّي فقط، ولا أثر له في الكتب الأربعة. كما لم أجد اسمه في أيِّ مصدرٍ حديثيّ، ولا رجاليّ، سنّي. ولعلَّه حصل تصحيفٌ.

ثانياً: ليس المقصود في الرواية الأخذ بمعنى النقل، بل الظاهر أنّه بمعنى المرجعيّة، بحيث يكون هؤلاء هم المرجع لك في أمور الدين ومعالمه في مقابل الأخذ عن أهل البيت النبويّ. ويشهد لذلك أنّه ليس كلّ غير شيعي شارك في تحريف الكتاب وتبديله وخيانة الله ورسوله، بل هو إشارةٌ إلى زعماء القوم، الذين مارسوا ذلك.

ولعلّ هذا ما قصده السيد محسن الحكيم وغيره من قوله بأنّ مركز الأمر في الرواية هو الخيانة، لا مطلق الخلاف، وأنّ نظر الرواية إلى مثل القضاة وأمثالهم، ممَّنْ كانوا يعملون بالقياس وغيره من السبل غير المشروعة في مذهب أهل البيت النبوي([32]).

لكنّ هذه المناقشة برُمَّتها مبنيّةٌ على تفسير التحريف في الرواية بتحريف القرآن حقيقةً، لا التحريف المعنوي للقرآن، وإلاّ لشمل مفهومها تحريف الحديث، وهذا يعني أنّهم إذا حرَّفوا نصّ الكتاب فكيف يوثق بهم في سلامة نصّ السنّة. ويكفينا الترديد للشكّ في الدلالة.

ثالثاً: لو تمّ الاستناد لمثل هذه الرواية لشملت مطلق غير الشيعي، أينما وردت روايته، كما تقّدم مراراً.

الرواية الحادية عشرة: خبر دعائم الإسلام، عن أبي جعفر (بن) محمد بن عليّ×، أنّه ذكر له عن عبيدة السلماني، أنّه روى عن عليٍّ× بيع أمّهات الأولاد، قال أبو جعفر: «كذبوا على عبيدة، أو كذب عبيدة على عليٍّ×، إنّما أراد القوم أن ينسبوا إليه الحكم بالقياس، ولا يثبت لهم هذا أبداً. نحن أفراخ عليٍّ. فما حدَّثناكم به عن عليٍّ فهو قوله، وما أنكرناه فهو افتراءٌ؛ فنحن نعلم أنّ القياس ليس من دين عليٍّ، وإنما يقيس مَنْ لا يعلم الكتاب، ولا السنّة، فلا تضلَّنَّكم روايتهم (رواتهم)، فإنّهم لا يدعون أن يضلّوا…»([33]).

فإنّ هذه الرواية تؤكِّد عدم الانخداع برواتهم وروايتهم، ممّا يدلّ على ضرورة ترك مرويّاتهم، وعدم الاعتداد بها.

ولكن يُجاب أوّلاً: إنّ الرواية ضعيفة السند بالإرسال الشديد؛ حيث لم يُذْكَر لها سندٌ أساساً. وكتاب دعائم الإسلام لم تثبت صحّته، أو وثاقة رواته غير المعروفين، على ما حقَّقْناه في علم الرجال أيضاً.

ثانياً: إنّ الرواية واردةٌ في مسألة القياس. ولعلّ المراد بروايتهم هنا هو تلك الرواية التي روَوْها عن عليٍّ؛ لجعله من العاملين بالقياس، فأرادَتْ الرواية تحذير الشيعة من أن ينغرّوا بما يقولونه لهم من مرويّاتٍ عن عليٍّ في أمر القياس، فلا يكون لها إطلاق.

وبتعبيرٍ آخر: لعلّ الرواية ناظرةٌ إلى ضرورة الانتباه والحذر من المرويّات التي لا تكون بطريق أهل البيت، بحيث يمكن أن يدخلها الخَلَل، وعليه فيكون المرجع في تصحيح تلك الروايات هو مرويّات أهل البيت، فما وافقها ووافق مزاجها العامّ يمكن الأخذ به، وإلاّ تمّ تركه؛ لمكان مخالفته لروايات أهل البيت. فأكثر من هذا المقدار لعلّه لا يستفاد من مثل هذه الرواية. وربما يشهد له أنّه لم يقُلْ: لا تأخذوا بروايتهم، أو لا ترجعوا إليها، بل قال: لا تضلَّنَّكم روايتهم. فيجب الحذر من ضلال روايتهم عبر عرضها على معايير. والله العالم.

الرواية الثانية عشرة: خبر أحمد بن حاتم بن ماهويه، قال: كتبتُ إليه ـ يعني أبا الحسن الثالث× ـ أسأله: عمَّنْ آخذ معالم ديني؟ وكتب أخوه أيضاً بذلك. فكتب إليهما: «فهمْتُ ما ذكرتما، فاصمدا في دينكما على كلِّ مستنّ (مسنٍّ) في حبِّنا، وكلّ كثير القدم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إنْ شاء الله تعالى»([34]).

وهذا ما تؤيِّده رواية زيد الشحّام في تفسير آية: ﴿فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ (عبس: 24)، حيث جاء فيها عن الإمام أبي جعفر×: «إلى العلم الذي يأخذه عمَّنْ يأخذه»([35]).

فهذه الرواية تجعل مرجع الدين هو الشيعي، معتبرةً أنه يكفي الإنسان أمورَ دينه إنْ شاء الله. ومعه فلا حاجة إلى غير الشيعي حتّى نستفيد منه في قضايا الدين، سواء بالرأي أم الاجتهاد أم الرواية.

لكنْ يمكن الجواب: أوّلاً: إنّ الرواية ـ بصرف النظر عن احتمالها لباب الاجتهاد والتقليد والاتّباع والمعرفة، لا مثل مجرّد النقل والرواية ـ ضعيفة السند:

أـ تارةً بابن ماهويه المُهْمَل جدّاً([36]). نعم، ذكره التفرشي في نقد الرجال، واعتبر أنّ هذه الرواية تفيد مدحه([37]). ولعلّه لذلك عدَّه المجلسي في الوجيزة من الممدوحين([38]).

لكنَّها حتّى لو أفادت مدحه ـ مع أنّها لا تدلّ سوى على الأمر، إلاّ إذا قيل بأنّ نفس خروج مكاتبةٍ لهما من السجن دليلُ وثاقتهما، كما قيل مثله في خروج التوقيعات في زمن الغيبة الصغرى. وهو ضعيفٌ على ما بحثناه في علم الرجال ـ لا تنفع؛ لأنّه هو راويها، ويبدو أنه لا رواية أخرى له إطلاقاً في كتب الحديث سوى هذه الرواية، التي نقلها الكشّي في رجاله. فالصحيح ضعف الرواية، كما نصّ عليه السيد الخميني والسيد الخوئي والشيخ المنتظري والسيد الحائري([39]).

ب ـ وأخرى بموسى بن جعفر بن وهب، الذي لا توثيق له، سوى أنه ورد في كامل الزيارة، أو كان له كتاب، أو ما شابه ذلك من المباني الضعيفة([40]).

ج ـ وثالثةً بجبريل الفاريابي، الذي لم تثبت وثاقته.

كما أنّ خبر زيد الشحّام ضعيفٌ بالإرسال، حيث رواه البرقي، عمَّنْ ذكره، عن زيد. مضافاً إلى أنّه مطلق غير محدَّد المعالم.

ثانياً: ما ذكره بعضهم، من أنّ هذا الحديث يُحْمَل على الاستحباب ونحوه؛ لأنّه مخالفٌ للإجماع القطعي([41]). ولعلّ مرادهم أنّه من المقطوع به أنّه لا يشترط في أخذ معالم الدين أن يكون المأخوذ عنه بهذه المثابة من المواصفات العالية؛ فأغلب الرواة ليس حالهم كذلك، مع أنّ الطائفة عملَتْ برواياتهم منذ مئات السنين.

وربما يمكن الردّ بأنّ هذه التعابير كنايةٌ عن تشيُّع الرجل تشيُّعاً حقيقيّاً([42]). فلو صحّ هذا التفسير ارتفع هذا الإشكال.

وقد يُراد بالإجماع المقطوع به هو عمل الطائفة قطعاً بروايات أهل السنّة التي في كتبها، كالسكوني وحفص بن غياث وأمثالهما، فلو كان العمل منحصراً بخبر الشيعي فهذا يخالف ما أجمعَتْ عليه كلمتهم وعملهم، الأمر الذي يوجب مهجوريّة هذا الخبر عندهم لو فُسِّر بهذه الطريقة، وهو من موجبات وَهْنه النوعي؛ بوصف ذلك قرينةً، لا دليلاً.

ثالثاً: إنّ هذه الرواية تسأل عن حالة شخصيّة، والجواب فيها شخصيّ بَحْت، وليس مرفقاً بتعليلٍ يشير إلى قانونٍ عام. ومن المحتمل جدّاً أن يكون الإمام بصدد التأكيد على هذين الشخصين السائلين أن لا يذهبا خلف أشخاص ليسوا بتلك المثابة من المواصفات العالية، ولو من باب أنّه يخاف عليهما الضلالة بعد الهداية. وحيث إنّ اللسان لسانٌ شخصي، ويحتمل معه مثل هذه الاحتمالات والمناشئ، فلا نستطيع التمسُّك بالإطلاق في مثل هذه الأمور التي تحتمل بطبيعتها القضايا المتحرِّكة الميدانية والمورديّة، وخاصّة عندما تكون العمومات والمطلقات على خلاف ما تفيده مثل هذه النصوص.

رابعاً: إنّ الظاهر من التعبير الوارد في الرواية كفاية أن يكون الشخص محبّاً لأهل البيت، ومتعلِّماً على أيديهم، بحيث كان يتردَّد عليهم، ويأخذ منهم. وهذا أعمّ من كونه شيعيّاً إماميّاً أو غيره، ومن كون رواياته وردت في مصادر السنّة أو غيرهم. فقد يكون زيديّاً، ووردت روايته في مصادر السنّة، فيكون مشمولاً لهذا الحديث. فالنسبة بين منطوق الحديث وما نحن فيه ليست متطابقةً. إلاّ إذا قيل بكون التعابير كنائيةً عن التشيُّع الإماميّ الخاصّ، فتأمَّلْ جيِّداً.

الرواية الثالثة عشرة: الخبر المشهور الذي ذكره الكليني في الكافي، وهو: «دَعُوا ما وافق القوم؛ فإنّ الرشد في خلافهم»([43]). على أساس أنّ هذا التعليل الوارد في الرواية يمثِّل قاعدةً عامّة تجعل الرشد في مخالفة أهل السنّة. ومثل هذا المفهوم القواعديّ الكبير لا يمكن أن ينسجم مع جعل كتبهم وأحاديثهم وعلومهم مرجعاً أو مادّةً للاستفادة منها. بل الأصحّ مخالفتهم، وهجرانهم، وعدم التشبُّه بهم، وما شاكل ذلك.

وقد ذهب جماعةٌ من أكابر العلماء الشيعة إلى جعل هذا النصّ أصلاً لا يؤخذ به في باب التعارض فقط؛ لأجل قضية التقيّة؛ لأنّ الرواية ليس فيها مؤشِّرٌ على ذلك، بل المخالفة لأجل «أنّ المخالفين للحقّ لذواتهم المنكوسة وقلوبهم المعكوسة لا يرتضون غالباً إلاّ الباطل. فالرواية التي تخالف قولهم أقرب إلى الصحّة والصواب. وهذا نظير ما روي عن النبيّ| من الأمر بمشاورة النساء ومخالفتهنّ…»([44]). كما أنّ «من جملة نعماء الله على هذه الطائفة أنّه خلَّى بين العامّة والشيطان، فأضلَّهم في كلِّ مسألةٍ نظريّة؛ ليكون الأخذ بخلافهم ضابطةً لنا»([45])، على حدّ تعبير الحرّ العاملي في رسالته في الغناء. بل احتمل صاحب الكفاية أن تكون المخالفة في نفسها حسنةً، وبما هي، بقطع النظر عن أنّهم يوافقون الباطل وما شابه ذلك([46]).

ومثل هذا الخبر أيضاً ما جاء في مقبولة عمر بن حنظلة، من قوله×: «…ما خالف العامّة ففيه الرشاد»([47])، والواردة في مورد الخبرين المتعارضين. وهذا النصّ وإنْ لم يظهر منه التقعيد العامّ في غير باب التعارض، غير أنّ نقل الطبرسي في الاحتجاج له جاء على الشكل التالي: «يُنْظَر إلى ما هم إليه يميلون، فإنّ ما خالف العامّة ففيه الرشاد»([48])، حيث سيق النصّ مساقَ التعليل بكبرىً كلِّية.

ويمكن التعليق على هذين الخبرين:

أوّلاً: إنّ الخبر الأوّل المشهور جدّاً لم نجِدْه في أيّ كتابٍ حديثي، سوى في مقدِّمة كتاب الكافي، للكليني، حيث ذكره وهو يبيِّن للسائل الذي كتب له الكتاب ما العمل في حال التعارض، فذكر الخبر، دون ذكر أيِّ سَنَدٍ له، بل دون ذكر راويه. فيكون في غاية الضعف، حتّى لو أرسله إرسال الأمر الواضح؛ إذ لا قيمة لذلك. فغايته يقينه بصدوره، وهو حجّةٌ له وعليه، ولا سيَّما أنّ هذا الخبر لم يذكره أحدٌ من المحدِّثين حتّى بعد الكليني، مثل: الصدوق؛ والطوسي، فكيف يمكن الاعتماد عليه وهو بهذه الحال؟! ونحن نحتمل أن يكون أصل هذا الخبر هو مقبولة عمر بن حنظلة، وأمثالها، فلا يكون هناك خبران أساساً، بل خبرٌ واحد.

وأما مقبولة عمر بن حنظلة فهي لم تثبت سنداً، كما ذكرنا سابقاً، رغم اشتهارها بين المتأخِّرين؛ لأنّها ليست من المشهورات الروائيّة، حيث لم يذكرها سوى الكليني في الكافي، لا غير، وإنّما أخذها بعد ذلك الطبرسي، ثم المتأخِّرون. نعم، هي معمول بها بين المتأخِّرين، لكنَّنا لا نرى عمل متأخِّري الأصحاب بهذه الطريقة جابراً لضعف السند.

ثانياً: إنّ هذه الرواية وأمثالها تحتمل احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أن يُقْصَد مخالفة أهل السنّة بحيث تكون هذه المخالفة طريقاً إلى إدراك الواقع، مع الأخذ بعين الاعتبار حالة التعارض. وفي هذه الحال لا تفيد هذه الرواية شيئاً هنا؛ لأنّ معناها أنه عندما يقع أمامك خبران متعارضان فانظر المخالف لأهل السنّة، وخُذْ به. وهذا المقدار صامتٌ؛ إذ يحتمل أن تكون هذه القاعدة قد أعطيت من قِبَل الإمام على أساس أنها قاعدةٌ عامّة؛ كما يحتمل أن يكون قد أعطاها على أساس غلبة احتمال الموافقة؛ لأجل التقيّة بمعانيها، فتكون مؤشِّراً يدلُّنا على المراد الجِدِّي عند الإمام في أقواله المتعارضة، لا مؤشِّراً كلِّياً بما يفيد أنّهم غالباً على خلاف الحقّ…

ومن الواضح أنّ مقبولة عمر بن حنظلة يصعب تعميمها لغير حالة التعارض بهذا اللحاظ، ولا سيَّما على غير صيغة كتاب الاحتجاج؛ حيث لا تعليل بكبرىً كلّية، فإنّ المقبولة اعتبرت أنّ ما خالف العامّة ففيه الرشاد. ومن المترقَّب أن يكون المراد بالاسم الموصول (الحديث)، أي إنّ حديثي المخالف لهم هو الحقّ. وهذا ما يستوي فيه كونهم مخالفين دائماً للحقّ، وكون الإمام يصدر خلاف الحقّ تقيّةً منهم، أو لسبب ثالث لا نعرفه، ولو في بعض الموارد. وهذا ما فهمه الفقهاء. ولهذا فخلاف السنّة ليس دليلاً لوحده في الفقه عندهم، بوصفه كاشفاً ولو ظنيّاً أو غالبيّاً عن الواقع، بصرف النظر عن باب التعارض.

الاحتمال الثاني: أن تكون المخالفة طريقاً إلى إدراك الواقع بصرف النظر عن التعارض. وهنا كي يكون هذا الطريق منطقيّاً لا بُدَّ من افتراضٍ مسبق، وهو دوام أو غَلَبة مخالفتهم للواقع. وقد بيَّنّا سابقاً أنّ هذا الكلام صعبٌ جدّاً مع الأخذ بعين الاعتبار اختلافاتهم واختلافاتنا فيما بينهم وبيننا. فلو صحَّتْ هذه القاعدة للزم منها تخصيص الأكثر المستَهْجَن عُرْفاً.

ودعوى أنّ المراد غلبة مخالفتهم للواقع في ما لم يصدر عن أهل البيت موافقٌ له لا تنفع هنا، فهي ـ مضافاً إلى عدم وجود قرينة عليها في النصّ ـ تارةً يُفهم منها ما لم يصدر واقعاً من النبي وأهل بيته، ففي هذه الحال لا شَكَّ في مخالفة ما ذهب إليه أهل السنّة للواقع، لكنَّه ليس هو المنظور لنا؛ إذ كيف نعرف أنّه لم يصدر واقعاً عنهم بعد فرض ورود روايات نبويّة من طرق أهل السنّة عن المعصوم في ذلك، وعدم وجود نافٍ لها في روايات الشيعة؟! وأخرى يفهم منها غير الواصل لكم من رواياتنا، وهذا مفهوم هُلامي؛ إذ يختلف غير الواصل بين شخصٍ وآخر، فإذا جعل المعيار هو مخالفة أهل السنّة مع كون غير الواصل مختلفاً، فلا معنى لهذا المعيار إلاّ كون أغلب ما عندهم مخالفاً للواقع، ومن ثمّ فهذا عَوْدٌ إلى مناقضة هذا المفهوم للوح الواقع، كما قلنا مطلع هذه الملاحظة.

يُضاف إلى ذلك أنّه لو صحّ هذا النصّ بهذا التفسير العامّ لعنى ذلك أنّ كلّ ما عند أهل السنّة فإنّ خلافه ـ بمقتضى هذا النصّ الحديثي ـ هو الواقع الحقيقي، ومن ثمّ لزم إخراج كلّ ما ثبت عند الإماميّة عبر مستندٍ كتابي أو حديثي، ممّا هو مشترك مع السنّة. وهذا الإخراج يقع من خلال الأدلّة التفصيلية لكلِّ موردٍ مورد، وبالتالي يشكِّل مخصِّصاً لقاعدة الرُّشْد في خلافهم. ونظراً لكثرة التخصيصات سوف يؤدّي ذلك إلى التخصيص المستَهْجَن عُرْفاً، وهو من مُوهِنات هذا الخبر؛ لأنّه يسوف يعارضه عددٌ هائل من المخصِّصات، تتعدَّى التخصيص العُرْفي، فتأمَّلْ جيِّداً.

الاحتمال الثالث: أن يُراد المصلحة السلوكيّة، أي إنّ نفس المخالفة، بصرف النظر عن الواقع، ممدوحةٌ، كما احتمله صاحب الكفاية. وهذا الاحتمال:

أـ غير ظاهر من سياق مثل: مقبولة عمر بن حنظلة، التي هي بصدد ترجيح رواية أو حكم على آخر، وذكر سبل الوصول لمعرفة الصادر الواقعي، وليست بصدد تعيين وظيفةٍ عمليّة مَحْضة.

ب ـ لا علاقة له ببحثنا؛ لأنّنا نبحث في السُبُل إلى الواقع الشرعي، لا في المخالفات التي تميِّز الشيعة عن السنّة، فقد لا يعملون بخبرٍ وارد عندهم وقد يعملون.

ج ـ إذا حُملَتْ المخالفة هنا على قضاياهم الشرعيّة ورواياتهم وما يُفْتُون به لزم المحذور عينه الموجود في الاحتمال الثاني، فكيف يؤخذ بإطلاق هذه الرواية مع كون أغلب ما عندهم ممّا هو موجودٌ عند غيرهم؟! فيلزم تخصيص الأكثر المستَهْجَن عُرْفاً؛ إذ سيصبح المعنى: خالفهم في كلِّ ما عندهم، إلا في كذا وكذا وكذا، ممّا هو كثيرٌ جدّاً.

وأمّا إذا حُملَتْ على عاداتهم وأعرافهم كمجتمعاتٍ سنّية فهذا ما لا ربط له ببحثنا هنا إطلاقاً؛ إذ هو سيشبه ما جاء في بعض الروايات من ترك التشبُّه بالكفّار، أو ترك التشبّه بالعجم، في عاداتهم وملابسهم، عندما نحملها على ذلك. وهذا المفهوم فرع عدم ثبوت هذا الشيء الذي يفعله الكفّار عندنا، فلو ثبت عندنا خرج من تحت عموم النهي عن التشبُّه بشكلٍ واضح. والمفروض أنّ بحثنا هنا في ما هو الداخل عندنا في الشرع أو لا؟ وفي أنّ روايات غير الشيعي هل يمكن اعتبارها من ضمن السبل التي نصل من خلالها إلى ما هو الداخل عندنا أو لا؟ فإذا بحثنا فلم نتوصَّلْ إلى دخول شيء في الدين الإسلاميّ، ثم رأينا أنّه عُرْف وعادة قائمة وجارية يَدْعُون إليها في المذاهب الأخرى، فهنا نطبِّق هذا الحديث بهذا المفهوم، وإلاّ فلا معنى لتطبيقه، فتأمَّلْ جيِّداً؛ فإنّ رتبة بحثنا أسبق من رتبة تطبيق هذا المفهوم.

ثالثاً: إنّ الظاهر من الرواية مخالفتهم في اعتقاداتهم وآرائهم، لا مخالفتهم بمعنى ترك ما يَرْوُونه أو ما يطرحونه من علومٍ، وإلاّ لزم ترك جميع علومهم، والتي منها: كتب التاريخ والتفسير وأسباب النزول، والعلوم الطبيعيّة وغيرها، فهذه الأمور منصرفةٌ عنها الرواية إلى قضاياهم الدينية التي يذهبون إليها اعتقاداً.

وقد يُقال بأنّ الصحيح أنّ الرواية أعمّ من الاعتقاد، وخاصّةً لو لاحظنا مقبولة عمر بن حنظلة، فتخصيص هذه النصوص بالاعتقادات غيرُ واضحٍ.

رابعاً: نحن لا نعرف كيف يمكن التمييز في التعامل مع أهل السنّة، إذا أخذنا بهذه الرواية، بين رواياتهم في مصادرنا وغيرها، وبين علم الفقه والعقيدة وغيرها من العلوم، وهكذا…، ومن ثمّ يكون العمل المجمع عليه عند الإمامية في الأخذ بروايات أهل السنّة الواردة في كتب الإماميّة ناقضاً لهذا المفهوم من هذه الرواية. فهذا كلُّه دليلٌ على أنّه لا يُراد بهذا الخبر إلاّ الاحتمال الأوّل من الاحتمالات الثلاثة المتقدِّمة، والذي عليه اعتقاد الكثير وعملهم من أصوليِّي الشيعة وفقهائهم، حيث نجدهم يتلفَّظون باحتمال التقيّة في هذه الموارد بوصفها المفسِّر لهذا الترجيح في باب التعارض. وربما يعثر الإنسان على تفسيرٍ آخر.

فهذه الرواية وأمثالها يصعب الاستناد إليها بوصفها قاعدةً عامّة في غير باب التعارض.

الرواية الرابعة عشرة: خبر بشير الدهان، قال: قال أبو عبد الله×: «لا خير في مَنْ لا يتفقَّه من أصحابنا. يا بشير، إنّ الرجل منهم إذا لم يستغْنِ بفقهه احتاج إليهم؛ فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم»([49]).

والرواية دالّةٌ على التحذُّر من الرجوع إليهم في قضايا الدين؛ احتياطاً على الدين، فتدلّ على ضرورة الاستقلال العلمي للشيعة عن أهل السنّة في الفكر والرواية.

ويناقش الاعتماد على هذا الحديث:

أوّلاً: الظاهر أنّ الإمام هنا يُطالِب بالاحتياط مخافة الضلالة، وهذا معناه أنّه إذا أحرزنا عدم الضلالة، ولو مع الرجوع إلى علومهم وروايتهم، لم يكن هناك بأسٌ، إلاّ إذا كان ذلك إعلاناً من الإمام بعلمه الغيبي أنّ كلَّ مَنْ يرجع إليهم أو أغلب مَنْ يرجع إليهم يقع في الضلالة.

ولعلَّ ما قلناه في هذا الإشكال هو مراد الحُرّ العاملي من اعتباره هذه المفسدة أقرب إلى الأولاد الصغار؛ لضعف تمييزهم([50]).

ثانياً: إنّ هذا الحديث ضعيف السند، كما اعترف بذلك العلاّمة المجلسي في مرآة العقول([51]). والظاهر أنّ الضعف جاء من أبي إسحاق المُهْمَل جدّاً عند المسلمين جميعاً([52]). ولعلّه ليس له سوى هذه الرواية. وليس المراد به أبا إسحاق الكندي، المعروف بابن الخنازيري، الذي نقل الخطيب البغدادي توثيقه عن الدارقطني([53])؛ لأنّ ابن الخنازيري توفي عام 312هـ، فيما يقع الراوي هنا في الطبقة الرابعة قبل الكليني المتوفّى 329هـ؛ وبينه وبين الإمام الصادق(148هـ) واسطةٌ واحدة، هي بشير الدهّان. فالرواية ضعيفة، فضلاً عن عدم وثاقة بشير، كما حقَّقناه في محلّه.

الرواية الخامسة عشرة: خبر يونس بن ظبيان، عن الصادق× ـ في حديثٍ ـ، قال: «لا تغرَّنك صلاتهم وصومهم (وكلامهم) ورواياتهم وعلومهم، فإنّهم حُمُر مستنفرة، ثم قال: يا يونس، إنْ أردْتَ العلم الصحيح فعندنا أهل البيت…»، فقلتُ: يا ابن رسول الله، كل مَنْ كان من أهل البيت ورث ما ورثْتَ (كما ورثتم) مَنْ كان من ولد عليٍّ وفاطمة؟ فقال: «ما ورثه إلاّ الأئمّة الاثنا عشر»([54]).

فالرواية كالصريحة في عدم وجود شيءٍ عند الآخرين حتّى يرجع إليهم، وقد شملت الروايات والعلوم، وهذه قمّة القطيعة.

ويناقش:

أوّلاً: إننا لا نعرف عمَّنْ تتحدّث الرواية، بل لعلّ نظرها إلى بعض مدَّعي الإمامة من الفِرَق الشيعيّة الصغيرة التي تلاشَتْ اليوم؛ وذلك بقرينة الدليل المشير إلى عدم علم أولاد عليّ غير أهل البيت الاثني عشر، ومن ثم يصعب التمسُّك بإطلاقٍ لها في المقام.

ثانياً: قد يُقال بأنّ الرواية ليست بصدد بيان عدم الرجوع إليهم، بل هي بصدد عدم الاغترار بما عندهم، بما يوحي وكأنّهم أصحاب العلم، في مقابل التأكيد على أنّ العلم الحقيقي تجده عندنا. فهي لا تريد نفي قيمة علومهم ورواياتهم بالمطلق، بل تريد القول بأنّ هذه العلوم غير كافيةٍ، وليست شيئاً أمام علوم أهل البيت. فهي أشبه بالحصر الإضافي، وأين هذا ممّا نحن فيه؟!

ثالثاً: إنّ الرواية ضعيفة السند جدّاً؛ بعمر بن عليّ العبدي، فهو رجلٌ مُهْمَل للغاية([55]). ولعلّه ليس له سوى روايتين أو ثلاث في المصادر الحديثية. ولم يُشِرْ إليه رجاليٌّ شيعي أو سنّي. فمثل هذا الإهمال يُضعِّف الرواية جدّاً، ولا سيَّما مع ورودها فقط في كتاب كفاية الأثر، للخزّاز القمّي(400هـ).

يُضاف إلى ذلك ورود يونس بن ظبيان في السند، وهو المتَّهم بالغلوّ، الذي ضعّفه الغضائري. ووصفه النجاشي بالضعيف جدّاً، وأنّه لا يُلتفت إلى ما رواه، وأنّ كلّ كتبه تخليط. وأورد فيه الكشّي بعض الروايات الذامّة أيضاً([56]).

الرواية السادسة عشرة: خبر هارون بن خارجة، قال: قلتُ لأبي عبد الله×: إنّا نأتي هؤلاء المخالفين، لنستمع (فنسمع) منهم الحديث، يكون حجّةً لنا عليهم؟ قال: «لا تأْتِهم، ولا تستمع (تسمع) منهم، لعنهم الله، ولعن مللهم المشركة»([57]).

ويناقش:

أوّلاً: إنّ الخبر ضعيفٌ، بجهالة طريق ابن إدريس الحلّي(598هـ) إلى أبان بن تغلب؛ مع وجود بعض المشاكل الأخرى المعروفة.

ثانياً: إنّ السائل يسأل عن الذهاب إليهم للاستماع منهم؛ كي يحتجّ عليهم بحديثهم، ومع ذلك ينهاه الإمام، فلا بُدَّ من حمل النهي على خصوصيّةٍ في ذلك الشخص، من حيث كونه يُخشى عليه من الانحراف مثلاً، أو لخصوصيّةٍ في تلك الفترة أو نحو ذلك، وإلاّ فلا يُعْقَل أن ينهاه عن ذلك، مع أنّ القصد هو الردّ عليهم. فهذا المضمون في غاية النكارة، ومهجورٌ تماماً، لو أريد الأخذ بإطلاقه، فيحمل على أنّه خطابٌ خاصّ لذلك الشخص. ولعلّه لهذا استخدم الإمام صيغة المفرد في الجواب.

الرواية السابعة عشرة: صحيحة محمد بن إسماعيل بن يزيع، قال: سألتُ الرضا× عن صلاة طواف التطوُّع بعد العصر؟ فقال: «لا»، فذكرت له قول بعض آبائه^: «إنّ الناس لم يأخذوا عن الحسن والحسين’ إلاّ الصلاة بعد العصر بمكّة»، فقال: «نعم، ولكنْ إذا رأيْتَ الناس يُقبلون على شيءٍ فاجتَنِبْه»، فقلتُ: إنّ هؤلاء يفعلون؟ فقال: «لستُم مثلهم»([58]).

فهذه الرواية تفيد ضرورة اجتناب ما يقول به جمهور الناس. وقد فهم منها المحدِّث البحراني قاعدةً عامّة خارج بحث التعارض أيضاً، وأنّها تفيد وتؤكِّد مبدأ أنّهم ليسوا على الحنيفيّة في شيءٍ، وهو المستفاد من سائر الأخبار هنا([59]).

إلا أنّ هذه الرواية لا يعقل فهمها بهذه الطريقة، بل لا بُدَّ من القول بشيءٍ من الإجمال فيها، أو تقديم تفسير آخر؛ والسبب في ذلك أنّ الإمام يقرّ بكون صلاة التطوُّع بعد العصر شرعيّة، وأنّ المسلمين اتَّبعوا في ذلك ما قاله لهم الحسن والحسين، ومع ذلك يقول لابن بزيع بأنّ عليه أن يتجنَّب ما عليه الناس! فكيف يُعْقَل الجمع بين هذين المفهومين؟! وهل يمكن أن يستفاد من ذلك أنّ كلّ ما ثبت عن أهل البيت يجب التوقُّف عن العمل به إذا كان الناس قد أخذوه من النبيّ وأهل البيت^ أيضاً؟!

لهذا صار بعض العلماء بصدد تقديم تفسيرٍ آخر لهذه الرواية يمكن أن يُعْقَل، أو رفع اليد عنها؛ فذهب السيد الخميني إلى أنّه لا بُدَّ من رفع اليد عنها لو فسِّرت بشكلٍ مطلق([60])؛ فيما قد يُستوحى من بعضٍ آخر أنّ الإمام نهاه عن ذلك خوفاً من أن يفهم الآخرون فعلهم أنّه ناتجٌ عن تشيُّعهم؛ وناقش آخرون في هذا بأنّه غير واضحٍ، بعد فرض أنّهم يعملون مثلهم.

والرواية عندي مجملةٌ، تحتمل تفاسير متعدِّدة لا نخوض فيها الساعة، فيصعب الاستدلال بها على شيءٍ هنا.

ثالثاً: إنّ الرواية ليست في مقام الحديث عن مرجعيّة علومهم ورواياتهم، بل هي في مقام الحديث عن سلوكهم وما يفعلونه، ولو على أساس ما وصلهم عن النبيّ وأهل البيت، فلا تساوي مطلقاً في النسبة بين المفهومين، فقد يَرْوُون روايةً لكنّهم لا يعملون بها.

الرواية الثامنة عشرة: خبر التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري، حيث جاء فيه: «.. فمَنْ قلَّد من عوامنا [من] مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمَّهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم. فأما مَنْ كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلِّدوه. وذلك لا يكون إلاّ [في] بعض فقهاء الشيعة، لا جميعهم؛ فإنّ مَنْ ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئاً، ولا كرامة لهم. وإنّما كثر التخليط في ما يتحمّل عنّا أهل البيت لذلك؛ لأنّ الفسقة يتحمَّلون عنا، فهم يحرِّفونه بأسره لجهلهم، ويضعون الأشياء على غير [مواضعها و]وجوهها؛ لقلّة معرفتهم، وآخرين يتعمَّدون الكذب علينا؛ ليجرّوا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنّم»([61]).

ولكنّ هذا الخبر ـ بغضّ النظر عن ضعف سند هذا التفسير، بل قال بعضهم، كالسيد الخوئي، بأنّه موضوعٌ، ورفض بعضٌ آخر، كالسيد السيستاني، ما ادُّعي من ظهور علامات الصدق عليه([62]) ـ لا علاقة له بما نحن فيه؛ فإنّه يشير إلى فسقة فقهاء العامّة، وهذا غير أنّ جميع فقهاء العامّة فسقة. فغايته أنّ ظاهرة الفسق في فقهاء العامّة منتشرةٌ، لا أنّ كلّ فقهاء العامّة هم فسقة، فلا يؤخذ بكلامهم، فلاحِظْ جيّداً. فالرواية لا تنفع في تأسيس مبدأ عدم الرجوع، ولهذا لا يحتجّ بها لترك روايات أهل البيت عند الشيعة؛ بسبب أنها تشير إلى كثرة الكذّابين عليهم والمخلِّطين في الشيعة أنفسهم.

ولعلَّه لهذا فهم الشيخ الأنصاري من هذا الحديث أنّ المعيار هو التحرُّز عن الكذب، وليس العدالة، وإنْ كان يظهر منه العدالة([63]).

إلاّ إذا قيل بأنّ الإمام ينفي وجود الفقهاء الصالحين إلا في بعض الشيعة، لا غير، فتدلّ، لكنّها ضعيفة السند.

المقاربة الإجماليّة التحليليّة لروايات القطيعة المعرفيّة

هذا هو مهمُّ الروايات ذات الصلة بشكلٍ من الأشكال بموضوع بحثنا.

وبالرجوع إلى مصادر الحديث نجد:

أنّ هناك الكثير جدّاً في مصادر عامّة المسلمين من الروايات الدالّة على مرجعيّة أهل البيت النبوي، وعدم جواز تركهم إلى غيرهم، وأنّ كل ما لم يخرج من عندهم فهو باطلٌ. وهذه لا علاقة لها ببحثنا؛ لما قلناه من أنّ الرجوع إلى مصادر الحديث الشيعية أو السنّية إنّما هو على سبيل الطريق للرجوع إلى كلمات النبيّ وأهل بيته.

ثمّة الكثير من الروايات الناهية عن الأخذ ببعض أساليب الاجتهاد ممّا هو متداول عند جمهور أهل السنّة، كالقياس، وعدم التأثُّر بهم في ما وقع عندهم من أخطاء في مناهج العمل الاجتهادي. وهذا أيضاً خارجٌ عن بحثنا؛ لأنّنا لا نتكلّم في مناهج الاجتهاد، ولا في الرجوع إلى فتاوى المخالفين في المذهب، بل في الروايات ومجال النقل والتحديث فحَسْب. كما أنّ هذا لا يختصّ بالسنّة، ولا بالمسلمين، بل يشمل بعض الشيعة أيضاً في أخطائهم في مناهج الاجتهاد. وهنا المفروض النظر في نصوصهم وعلومهم وتحقيقها ونقدها وتمحيصها؛ لاستخراج المفيد منها طبق القواعد المقرَّرة سَلَفاً، والمبَرْهَن عليها عَقْلاً ونَقْلاً.

ومن هذا النوع الروايات الدالّة على عدم الرجوع إليهم في القضاء، والنهي عن الترافع إليهم، فهذا راجعٌ تارةً إلى عدم جعلهم نافذين في مجتمع الشيعة؛ وأخرى إلى تخطئتهم في استنتاجاتهم الفقهيّة. ولا علاقة له بما نحن فيه.

أنّ هناك العديد من الروايات أيضاً تدلّ على ابتلاء النبيّ وأهل بيته بالكذّابين عليهم. وهذا أيضاً لا علاقة له ببحثنا أبداً؛ لأنّه متساوي النسبة إلى جميع المذاهب الإسلاميّة. فدعوى أنّ هذه النصوص تريد أن تُلزمنا بترك أحاديث سائر المذاهب غير واضحة؛ فقد يكون الكذاب مغالياً وشيعيّاً؛ وقد يكون غير ذلك. ومن ثمّ فيجب وضع قواعد لتمييز الأحاديث الصحيحة من الكاذبة، بلا فرق في طريق هذا الحديث أو ذاك، ولا في مصدره أو مرجعه.

ثمّة العديد من الروايات تحتمل الدلالة على ما أسمَيْناه القطيعة المعرفيّة، وهي ما ذكرناه بحسب ما تتبَّعنا ممّا رأيناه يستحقّ أن يُدرج في ما يكون له ترقُّب احتمال الدلالة احتمالاً معتدّاً به. وحاصل ما استخلصناه:

أـ لقد رأينا أنّ هناك ثماني عشرة رواية قد يكون لها نوع ترقُّب دلالي في موضوع بحثنا. وجميعُها ضعيفٌ من حيث الإسناد، إلاّ واحدةً، وهي صحيحة ابن بزيع (رقم 17). وهذا بصرف النظر عن الدلالة في هذه النصوص.

ب ـ إنّ اللافت في هذه المجموعة من الروايات هو أنّ أسماء الرموز الكبيرة المتَّفق أو شبه المتَّفق على توثيقها ومكانتها من الثقات الأثبات في عالم الرواية عند الشيعة غائبة عنها، مثل: محمد بن مسلم، ويونس بن عبد الرحمن، وزرارة بن أعين، وبريد العجلي، ومعاوية بن عمّار، وأبي حمزة الثمالي، والفضيل بن يسار، وجميل بن درّاج، وعبد الله بن مُسْكان، وسائر كبار وجوه الشيعة الأخرى الغائبة عن هذه الروايات، إلاّ ما شذَّ وندر، بينما نجد أسماء مجاهيل كثيرة ومهملين ومضعَّفين متَّهمين بالغلوّ، كما رأينا، بل بعضهم لم نعثر له إلاّ على روايةٍ أو روايتين، ولم يُترجم في كتب الرجال والتراجم والفهارس، كما بيَّنا ذلك عند الحديث عن كلّ رواية على حِدَة.

ج ـ إنّ ضعف أغلب هذه الروايات السندي من النوع القويّ جدّاً، حيث ورد في غير واحدٍ منها رواة لا أثر لهم في مصادر الحديث والرجال، لا السنّية ولا الشيعية، وبعض الأسانيد ـ كما قلنا ـ تالفةٌ بوجود مضعَّفين في هذه الطرق، كيونس بن ظبيان وغيره.

د ـ لو رجعنا إلى مصادر هذه الروايات لوجدنا أنّه لم يَرِدْ منها في الكافي إلاّ خبران، لو وحَّدنا مقبولة ابن حنظلة مع مرسل الكافي في المقدِّمة؛ ولم يَرِدْ في التهذيب إلاّ خبران؛ وورد خبرٌ واحد في محاسن البرقي؛ وآخر في رجال الكشي؛ أمّا سائر الروايات ـ أي اثنتا عشرة رواية أخرى، وهي تشكِّل ثلثي هذه الروايات ـ فوردت في مصادر من الدرجة الثانية والثالثة، مثل: رسالة الراوندي، التي ظهرت في القرن الحادي عشر الهجري؛ وعلل الشرائع وصفات الشيعة ومعاني الأخبار، للصدوق؛ وكفاية الأثر، للخزاز القمّي؛ ودعائم الإسلام، للقاضي النعمان؛ والتفسير المنسوب للعسكري، وكلّها بأسانيد واحدة منفردة غير متعدِّدة المصادر ولا الطرق غالباً.

هـ ـ بعد البحث والفحص وجدنا أنّ عدد الروايات التي لا دلالة فيها هو أغلب هذه الروايات ـ وفي الحدّ الأدنى يشكِّل ثلثي هذه الروايات ـ على ما تقدَّم توضيحه؛ إذ رأينا أنّها من حيث الدلالة لا تدلّ على المطلوب هنا. كما رأينا أنّ القليل الدالّ منها ـ وفقاً لبعض التفاسير فيه ـ يعارض بعضُه حقائقَ الواقع والتاريخ، بحيث لا يمكن الأخذ بإطلاقه، بل إنّ سيرة المشهور قائمةٌ على معارضة بعض إطلاقات هذه النصوص كما رأينا. وبناءً عليه كيف يمكن التوصُّل إلى نتيجة بهذه الخطورة ـ أي القطيعة المعرفيّة ـ ببضع روايات من هذا النوع؟! سواء على مبنى حجِّية خبر الثقة أو الموثوق، فضلاً عمّا بنينا عليه من حجِّية خصوص الخبر الاطمئناني والعلمي فقط، وخاصّة في القضايا بالغة الخطورة.

يُضاف إليه أنّ زيادة هذه الروايات التي هذه حالها من حيث المصادر والأسانيد لا يحصِّل تواتراً، حتّى لو تجاهلنا ضعفها الدلالي؛ لأنّ داعي الكذب فيها موجود وعالٍ، وهو التحيُّز المذهبي المهيمن آنذاك على حياة المسلمين. وهذا ما يضعِّف منطقيّاً من قوّة الضخّ الاحتمالي في هذه النصوص، ويعجزها عن تخصيص عمومات ومطلقات الأدلّة الدالّة على حجِّية خبر الثقة أو العادل.

و ـ إنّ ما دلّ على الأخذ بما اشتهر بين أصحابك، لو صحّ سنداً، لا ينفع هنا، خلافاً لما أفاده الوحيد البهبهاني في ما تحتمله عبارته في حاشيته على مدارك الأحكام([64])؛ فإنّ الشهرة بين أصحابك جاءت في مقابل الندرة والشذوذ، لا أنّ عنوان (أصحابك) جاء في مقابل غير أصحابك؛ إذ الرواية ليست في مقام البيان من هذه الناحية، فيصحّ إطلاقها بملاحظة الغَلَبة، فلاحِظْ جيِّداً.

ز ـ إنّه ربما يمكن أيضاً الاستئناس ـ في مقابل هذه الروايات ـ ببعض النصوص الحديثية، ولو الضعيفة سنداً، أو غير المباشرة دلالةً، والتي تُعطي ثقافةً معاكسة، إلى جانب عمومات ومطلقات دليل حجِّية الخبر.

ونذكر منها على سبيل المثال، لا الحصر:

الرواية الأولى: مرسل الطوسي في العدّة، عن الإمام جعفر الصادق، أنّه قال: «إذا نزلت بكم حادثةٌ لا تجدون حكمها في ما رَوَوْا عنّا، فانظروا إلى ما رَوَوْا عن عليٍّ× فاعملوا به». وعقَّب الطوسي بالقول: «ولأجل ما قلناه عملَتْ الطائفة بما رواه حفص بن غياث، وغياث بن كلوب، ونوح بن درّاج، والسكوني، وغيرهم من العامّة عن أئمّتنا^ في ما لم ينكروه، ولم يكن عندهم خلافه»([65]).

وقد ذكر الشيخ حسين بن عبد الصمد في هذا الصدد فقال: «وأما الموثَّق، فلأنّ نقل المذهب قد يُعلم بالفسّاق فضلاً عن الموثَّقين، كما يُعلم من مذهب الشافعي كذا وإنْ لم ينقله عنه عَدْل؛ لقول الصادق×: إذا نزلت بكم حادثةٌ لا تجدون حكمها…»([66]).

ويقول الشيخ الأنصاري معلِّقاً على هذا الحديث: «دلّ على الأخذ بروايات الشيعة وروايات العامّة مع عدم وجود المعارض من روايات الخاصّة»([67]).

الرواية الثانية: عن أمير المؤمنين×: «الحكمة ضالّة المؤمن، فخُذْ الحكمة ولو من أهل النفاق»([68]). وقد وردت هذه الرواية مرسلةً في نهج البلاغة، ووردت مسندةً بسندٍ ضعيف؛ بعمرو بن شمّر الكذّاب، عن الإمام الصادق، وفي ذيلها: «فحيثما وجد أحدكم ضالّته فليأخذها»، حَسْب نقل الكليني في الكافي([69])، وجاءت مرسلةً في تحف العقول، وفي ذيلها: «فليطلبها ولو في أيدي أهل الشرّ»([70]).

وبمضمون هذا الحديث ما جاء في نهج البلاغة وخصائص الأئمّة، للشريف الرضي، مرسَلاً عن عليٍّ×: «خذ الحكمة أنّى أتتك؛ فإنّ الحكمة تكون في صدر المنافق، فتلجلج في صدره حتّى تخرج، فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن»([71]).

بل وردت هذه الرواية أيضاً، منسوبةً إلى رسول الله|، عن أبي هريرة، بسندٍ ضعيف في سنن ابن ماجة([72])، وكذلك في سنن الترمذي([73])؛ وعن أبي بردة موقوفةً، في مصنَّف ابن أبي شيبة([74])؛ ومسندةً إلى زيد بن أسلم، في مسند الشهاب([75])؛ ومرسلةً إلى عليّ بن أبي طالب، في جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البرّ([76])؛ وغيرها من المصادر.

فهذا الحديث يربّي على الاهتمام بمضمون الفكر، لا بصاحبه، وعدم الوقوف عند الرجال، بل العبور منهم إلى الأفكار والحكمة والمعرفة.

الرواية الثالثة: ما جاء في محاسن البرقي، مرفوعاً ضعيف السند، قال: قال المسيح×: «خذوا الحقّ من أهل الباطل، ولا تأخذوا الباطل من أهل الحقّ»([77]).

الرواية الرابعة: خبر السكوني، الضعيف بالنوفلي، عن أبي عبد الله×، عن آبائه^، عن رسول الله| قال: «غريبتان: كلمة حكمةٍ من سفيه فاقبلوها؛ وكلمة سَفَهٍ من حكيم فاغفروها»([78]).

الرواية الخامسة: خبر زرارة، عن أبي جعفر×، قال: «قال المسيح×: …خذوا العلم ممَّنْ عنده، ولا تنظروا إلى عمله»([79]).

الرواية السادسة: خبر أبي بصير (وهو صحيح السند على بعض المباني الرجاليّة)، عن أبي جعفر× أو عن أبي عبد الله×، قال: «لا تكذِّبوا الحديث إذا أتاكم به مرجئٌ، ولا قدريّ، ولا حروريّ، ينسبه إلينا، فإنّكم لا تدرون لعلَّه شيءٌ من الحقّ، فيكذَّب الله فوق عرشه»([80]).

الرواية السابعة: خبر هشام بن سالم في بصائر الدرجات، قال: قلتُ لأبي عبد الله×: جُعلت فداك، عند العامة من أحاديث رسول الله| شيءٌ يصحّ؟ قال: فقال: «نعم، إنّ رسول الله| أنال وأنال وأنال، وعندنا معاقل العلم، وفصل ما بين الناس»([81]).

فهذا يؤكِّد وجود الصحيح عندهم، غايته أهل البيت هم الفصل بحَسَب الثبوت.

وبمضمون هذا الخبر أخبارٌ أخرى تزيد عن ستّة، تلتقي في نفس المضمون، وتتقارب في التعبير([82]).

الرواية الثامنة: قوله|: «اطلبوا العلم ولو في الصين»([83])، إذا أخذ عنصر كفر أهل الصين بالاعتبار، لا ما إذا اعتبرت الصين إشارة إلى محض البُعْد. والرواية ضعيفة السند جدّاً.

الرواية التاسعة: خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله×، أنّه سُئل عن اليوم الذي يُقضى من شهر رمضان، فقال: «لا تَقْضِه إلاّ أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متّى كان رأس الشهر…»([84]).

يقول الميرداماد، وهو بصدد تصحيح العمل بروايات غير الشيعي، كالسكوني: «وتدلّ على قبول خبر العَدْل الواحد، وإنْ كان عامّيّاً، صحيحةُ أبي بصير، عن الصادق×، في مَنْ لم يصُمْ يوم ثلاثين من شعبان، ثمّ قامت الشهادة على رؤية الهلال ـ وذكر الرواية المتقدِّمة، ثم قال: ـ وجه الدلالة أنّ شهادة عدلين في باب الشهادة كإخبار عدل واحد في باب الرواية، على ما سيستبين لك إنْ شاء الله العزيز، فإذا كانت شهادة عدلين من جميع أهل الصلاة معتبرةً فكذلك تكون رواية عَدْل واحد معتبرةً منهم جميعاً»([85]).

الرواية العاشرة: خبر عبد الله الكوفي، خادم الشيخ الحسين بن روح، قال: سُئل الشيخ ـ يعني أبا القاسم رضي الله عنه ـ عن كتب ابن أبي العزاقر بعدما ذمّ وخرجت فيه اللعنة، فقيل له: فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها مِلاءٌ؟ فقال: أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما، وقد سُئل عن كتب بني فضّال، فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها مِلاءٌ؟ فقال صلوات الله عليه: «خُذوا بما رَوَوْا، وذَروا ما رَأَوْا»([86]). وبنو فضّال من الفطحيّة.

الرواية الحادية عشرة: صحيحة عبد الله بن المغيرة، قال: قلتُ لأبي الحسن الرضا×: رجل طلَّق امرأته وأشهد شاهدين ناصبيّين، قال: «كلّ مَنْ ولد على الفطرة وعُرف بالصلاح في نفسه جازَتْ شهادته»([87]).

فالرواية لم تأخذ في شهود الطلاق مسألة الاعتقاد، وإنما ربطت الأمر بالصلاح في النفس، رغم أنّ العدالة شَرْطٌ في الشاهد.

الرواية الثانية عشرة: صحيحة البزنطي، قال: سألتُ أبا الحسن× عن…، قلتُ: فإنْ أشهد رجلين ناصبيّين على الطلاق، أيكون طلاقاً؟ فقال: «مَن ْولد على الفطرة أُجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يُعْرَف منه خيرٌ»([88]).

الرواية الثالثة عشرة: خبر سلمة بن كهيل، عن أمير المؤمنين×، أنّه قال: «واعلم أنّ المسلمين عدولٌ بعضهم على بعض، إلاّ مجلود في حدٍّ لم يتُبْ منه، أو معروف بشهادة الزُّور، أو ظنّين»([89]).

الرواية الرابعة عشرة: صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله× قال: «لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً…»([90]). فإنّ الضيوف عنوانٌ مطلق، ولا سيَّما في تلك الأزمنة، حيث كان اختلاط المسلمين ببعضهم.

الرواية الخامسة عشرة: صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلتُ لأبي عبد الله×: بِمَ تُعْرَف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تُقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: «أن تعرفوه بالستر والعفاف، وكفّ البطن واليد واللسان و… (وعدَّد جملةً من الواجبات والمحرَّمات)»([91]).

وغيرها من الروايات التي عندما طرحت عدالة الشاهد أو غيره، وهو ممَّنْ يحتجّ بخبره، لم تأتِ على ذكر مذهبه أو اعتقاده، وفي سياق تعريفها للعدالة لم تتعرّض لمثل هذا المفهوم.

إلى غيرها من النصوص([92])، التي تركِّز على المضمون، والوثاقة والسمة الخُلُقيّة، لا على الأشخاص من حيث الانتماء العقدي والمذهبي.

ونحن وإنْ كنّا نناقش سنداً أو دلالةً في أغلب هذه النصوص، لكنّنا أتينا بها هنا للاستئناس فقط.

وبهذا، ونتيجة هذه المعطيات الصدورية والدلالية والعناصر المضعِّفة، يظهر أنّ المانع الشرعي الروائيّ المباشر لم يثبت في المقام، وخاصّةً على مسلك حجِّية الخبر الاطمئناني.

ـ يتبع ـ

 

الهوامش

([1]) انظر: الجزائري، التحفة السَّنية: 15.

([2]) علل الشرائع 2: 531؛ وعيون أخبار الرضا 1: 249؛ وتهذيب الأحكام 6: 295؛ والحُرّ العاملي، الفصول المهمة 1: 575، أبواب أصول الفقه، باب30، ح1.

([3]) انظر: معجم رجال الحديث 3: 71 ـ 73؛ رقم 874.

([4]) انظر: معم رجال الحديث 12: 275 ـ 276، رقم 7905.

([5]) الخميني، الاجتهاد والتقليد: 75.

([6]) انظر: نور الدين العاملي، الشواهد المكِّية: 387.

([7]) علل الشرائع 2: 531؛ والفصول المهمة 1: 576، أبواب أصول الفقه، باب30، ح2.

([8]) انظر: النمازي، مستدركات علم رجال الحديث 8: 323.

([9]) انظر: الخميني، الرسائل 2: 82؛ والحكيم، المحكم 6: 187.

([10]) انظر: الإصفهاني، نهاية الدراية 3: 374 ـ 375.

([11]) الصدوق، صفات الشيعة: 3؛ والفصول المهمة 1: 576، أبواب أصول الفقه، باب30، ح3.

([12]) انظر: معجم رجال الحديث 13: 195 ـ 196، رقم 8535.

([13]) انظر: الخميني، الرسائل 2: 83؛ والآملي، مجمع الأفكار 4: 471؛ والروحاني، زبدة الأصول 4: 369.

([14]) بدائع الأفكار: 443.

([15]) الصدوق، صفات الشيعة: 3؛ والفصول المهمة 1: 576 ـ 57، أبواب أصول الفقه، باب30، ح4.

([16]) عادل العلوي، القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1: 414.

([17]) معاني الأخبار: 399؛ وتفصيل وسائل الشيعة 27: 129، كتاب القضاء، باب 10 من أبواب صفات القاضي، ح16.

([18]) الكليني، الكافي 8: 242 ـ 243.

([19]) تفصيل وسائل الشيعة 27: 118، كتاب القضاء، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح29، 34.

([20]) انظر: حيدر حبّ الله، حجِّية الحديث: 253 ـ 261.

([21]) الأمر يحتاج لدراسة تتبُّعية موسَّعة في مصطلح (العامّة) في نصوص أهل البيت؛ إذ يبدو لي أنّ الكثير منها ناظرٌ إلى العامّة، دون الخاصّة، ولا علاقة له بخصوصيّة المذاهب، فقد يشمل بعض الشيعة.

([22]) محمد تقي الحكيم، الأصول العامّة للفقه المقارن: 369 ـ 370.

([23]) انظر: المصدر السابق: 370؛ وعبد الحسين شرف الدين، أجوبة مسائل موسى جار الله: 61 (ط1، مؤسسة آل البيت، لبنان، 1999م).

([24]) تفصيل وسائل الشيعة 27: 118، كتاب القضاء، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح30.

([25]) تفصيل وسائل الشيعة 27: 119، كتاب القضاء، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح32.

([26]) الخميني، الرسائل 2: 83.

([27]) الحر العاملي، الاثنا عشريّة: 124.

([28]) تفصيل وسائل الشيعة 27: 119، كتاب القضاء، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح33.

([29]) البرقي، المحاسن 1: 156.

([30]) رجال الكشي 1: 7 ـ 8؛ وتفصيل وسائل الشيعة 27: 150، كتاب القضاء، باب 11 من أبواب صفات القاضي، ح42.

([31]) انظر: معجم رجال الحديث 12: 328، رقم 7992؛ والنمازي، مستدركات علم رجال الحديث 5: 324.

([32]) محسن الحكيم، مستمسك العروة الوثقى 1: 42؛ وراجع: الأنصاري، فرائد الأصول 1: 310؛ ومرتضى الحائري، شرح العروة الوثقى 1: 96؛ والخوئي، التنقيح (الاجتهاد والتقليد): 219 ـ 220؛ واللنكراني، تفصيل الشريعة (الاجتهاد والتقليد): 74؛ واللنكرودي، الدرّ النضيد 1: 422.

([33]) دعائم الإسلام 2: 536.

([34]) رجال الكشي 1: 15 ـ 16؛ وتفصيل وسائل الشيعة 27: 151، كتاب القضاء، باب 11 من أبواب صفات القاضي، ح45.

([35]) تفصيل وسائل الشيعة 27: 151، كتاب القضاء، باب 11 من أبواب صفات القاضي، ح44.

([36]) النمازي، مستدركات علم رجال الحديث 1: 274؛ والأمين، أعيان الشيعة 2: 331، 490.

([37]) التفرشي، نقد الرجال 1: 110.

([38]) انظر: المجلسي، الوجيزة: 18؛ والنمازي، مستدركات علم رجال الحديث 1: 274.

([39]) الخميني: الاجتهاد والتقليد: 100 ـ 101؛ وتهذيب الأصول 3: 183؛ والخوئي، التنقيح (الاجتهاد والتقليد): 219؛ والمنتظري، دراسات في ولاية الفقيه 2: 92، 102؛ وكاظم الحائري، بحث في التقليد، مجلة فقه أهل البيت، العدد 49: 16.

([40]) انظر: معجم رجال الحديث 20: 38.

([41]) محسن الحكيم، مستمسك العروة الوثقى 1: 42.

([42]) انظر: مرتضى الأردكاني، الاجتهاد والتقليد: 70.

([43]) الكافي 1: 8.

([44]) الإصفهاني، الفصول الغرويّة: 444.

([45]) الحُرّ العاملي، رسالة في الغناء: 60 (ضمن كتاب غناء وموسيقى).

([46]) الخراساني، كفاية الأصول: 509.

([47]) الكافي 1: 68.

([48]) الطبرسي، الاحتجاج 2: 107.

([49]) الكافي 1: 33.

([50]) تفصيل وسائل الشيعة 21: 477.

([51]) مرآة العقول 1: 107.

([52]) انظر: معجم رجال الحديث 22: 22، رقم 13931؛ وقاموس الرجال 11: 207.

([53]) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد 6: 155.

([54]) الخزاز، كفاية الأثر: 255؛ وتفصيل وسائل الشيعة 27: 71 ـ 72، كتاب القضاء، باب 7 من أبواب صفات القاضي، ح29.

([55]) انظر: النمازي، مستدركات علم رجال الحديث 6: 104.

([56]) رجال النجاشي: 448؛ ورجال الكشي 2: 657 ـ 658؛ والغضائري، الضعفاء: 101.

([57]) مستطرفات السرائر: 76؛ وبحار الأنوار 2: 216.

([58]) تهذيب الأحكام 5: 142؛ والاستبصار 2: 237.

([59]) انظر: الحدائق الناضرة 1: 110، 16: 152.

([60]) الخميني، الرسائل 2: 83.

([61]) تفسير الإمام العسكري: 300.

([62]) انظر: الخوئي، معجم رجال الحديث 13: 157؛ وعلي السيستاني، حجِّية خبر الواحد: 136.

([63]) انظر: فرائد الأصول 1: 304 ـ 305.

([64]) انظر: البهبهاني، الحاشية على مدارك الأحكام 3: 181.

([65]) الطوسي، العُدَّة في أصول الفقه 1: 149 ـ 150.

([66]) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار: 179.

([67]) فرائد الأصول 1: 302.

([68]) نهج البلاغة 4: 18؛ والشريف الرضي، خصائص الأئمّة: 94.

([69]) الكافي 8: 167.

([70]) تحف العقول: 201. ووردت الرواية ببعض الاختلافات في أمالي الطوسي: 625.

([71]) خصائص الأئمّة: 94؛ ونهج البلاغة 4: 18.

([72]) سنن ابن ماجة 2: 1395.

([73]) سنن الترمذي 4: 155.

([74]) ابن أبي شيبة، المصنَّف 8: 317.

([75]) مسند الشهاب 1: 119.

([76]) ابن عبد البرّ، جامع بيان العلم وفضله 1: 101.

([77]) البرقي، المحاسن 1: 230.

([78]) المصدر نفسه.

([79]) المصدر نفسه.

([80]) المصدر السابق 1: 231.

([81]) بحار الأنوار 2: 214.

([82]) المصدر السابق 2: 214 ـ 215؛ والاختصاص: 307 ـ 308.

([83]) روضة الواعظين: 10.

([84]) تهذيب الأحكام 4: 157.

([85]) الرواشح السماوية: 99.

([86]) الطوسي، الغَيْبة: 389 ـ 390.

([87]) تفصيل وسائل الشيعة 27: 398، كتاب الشهادات، باب 41، ح21.

([88]) المصدر السابق 22: 27، كتاب الطلاق، باب 10 من أبواب مقدِّماته وشرائطه، ح4.

([89]) المصدر السابق 27: 211 ـ 212، كتاب القضاء، باب 1 من أبواب آداب القاضي، ح1.

([90]) المصدر السابق 27: 372، كتاب الشهادات، باب29، ح3.

([91]) المصدر السابق 27: 391، كتاب الشهادات، باب41، ح1.

([92]) يستدلّ بعض الباحثين المعاصرين؛ لتبرير حجِّية حديث أهل السنّة عند الإماميّة، بالروايات التي رُويت عن أهل البيت بضرورة عرض حديثهم على حديث النبيّ، ويرى أنّه من غير المعقول أن يقصدوا حديث النبيّ الذي يَرْوُونه هم، فهذا مستبعدٌ، فلا بُدَّ من فرض أنّ المراد هو حديث النبيّ المعروف بين الناس، والمنقول من طرق الصحابة في الوَسَط السنّي والإسلامي العامّ، فانظر: د. جعفر نكونام، التراث الحديثي عند السنّة والشيعة، محاولةٌ لاعتراف متبادل (كتاب مسألة التقريب بين المذاهب، أوراق جادّة: 228).