الحديث الشريف بين المصادر المذهبيّة والإسلاميّة

14 أبريل 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
231 زيارة

الحديث الشريف بين المصادر المذهبيّة والإسلاميّة

قراءةٌ استدلاليّة في مرجعيّة الحديث الإسلامي

ـ القسم الثالث ـ

الشيخ حيدر حبّ الله

3ـ 2ـ المانع الشرعي القرآني العام

النوع الثاني من الموانع الشرعيّة عن الرجوع إلى مصادر الحديث غير المذهبي هو المانع الشرعي القرآني العام. ويتمثَّل في كلماتهم في ثلاثة أدلّة، وهي:

الدليل الأوّل: إنّ الله قد حرَّم الركون إلى الظالمين، فقد قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ (هود: 113). والرجوع إلى مصادر الحديث عند سائر المذاهب ركونٌ إلى الظالمين، فضلاً عن الرجوع إلى اجتهاداتهم وآرائهم في الرواة والروايات والفقه وغير ذلك.

وقد أجاب العلاّمة المامقاني هنا بأنّه لا ملازمة بين الاثنين([1]). وما أفاده صحيحٌ واضح؛ فإنّ الاستفادة من الآخرين لتحقيقِ أمرٍ ديني أو أخلاقي أو علمي ليس ركوناً، إنّما الركون هو نوعٌ من العلاقة معهم توجب الانتماء أو التبعيّة أو السكوت عن أفعالهم واللحاق بهم ووقف العمل بالدين من أجلهم ونحو ذلك. وأين هذا ممّا نحن فيه؟!

أضِفْ إلى ذلك أنّه أوّل الكلام صدق عنوان الظالمين على كلّ الرواة وأصحاب الكتب الحديثيّة؛ فإنّ العنوان غير واضح الانطباق. ولو صحّ هذا الاستدلال للزم حرمة المتاجرة والمناكحة والتعامل مطلقاً معهم في كلّ أمور الحياة، وهو مقطوعُ البطلان عند كلّ المذاهب في حقّ المذهب الآخر.

كما أنّه لو صحّ تفسير الظلم بهذا المعنى العريض هنا للزم النهي عن الاحتجاج بخبر الفاسق الثقة، مع أنّهم يلتزمون بإمكان الاحتجاج بخبره في قول كثيرٍ من العلماء. كما أنّ هذا يمنع من القبول بروايات الشيعي الواردة في كتب السنّة ومصادرهم، وكذلك بروايات السنّي الواردة في كتب الشيعة ومصادرهم، وغير ذلك من المذاهب، مع أنّ سيرتهم وإجماعهم عند كافّة المذاهب على العمل بذلك في الجملة، فكم من راوٍ شيعي أو قدري أو خارجي عملوا برواياته في كتب السنّة؟! وكم من راوٍ واقفي أو فطحي أو سنّي أو زيدي عملوا برواياته في كتب الشيعة، كالسكوني وغياث بن كلوب وأبي الجارود وغيرهم؟!

الدليل الثاني: إنّ القرآن الكريم يقول: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ (السجدة: 18)، حيث يُعتبر المخالف في المذهب فاسقاً وغير مؤمن، ومن ثم فلا يستوي مع المؤمن، فكيف يساويه في الأخذ بخبره؟!

ولم يقبل العلاّمة المامقاني هنا بهذا الاستدلال، معلِّقاً بعبارةٍ مختصرة([2]).

والحقُّ معه؛ وذلك أنّه لو كان كذلك لزم التمييز بين كلّ مسلم وكلّ شيعي أو بين الشيعة والسنّة في كلّ شيءٍ؛ حتّى لا يستوي أيّ أحدٍ مع الآخر. وهذا تخصيصٌ للأكثر واضح الفساد.

علماً أنّ الآية الكريمة ليست في هذا الصدد أصلاً، ولا بهدف وضع معطيات قانونية وفقهيّة. وما قبلها وما بعدها من آيات يؤكِّد أنّ المراد هو أنّ المؤمن لا يكون جزاؤه كالفاسق، بل كلّ واحد يذهب إلى نهايةٍ مختلفة عن الآخر. فلنلاحظ سياق الآيات لنجد ذلك بشكلٍ واضح، ومن ثمّ فهي منصرفةٌ تماماً عن مثل هذه الأمور هنا. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (السجدة: 13 ـ 22).

علماً أنّ هذا الاستدلال يلزم منه أيضاً عدم جواز العمل بخبر غير المنتمي للمذهب الحقّ ولو كانت رواياته في كتب هذا المذهب، وهو ما جرَتْ سيرتهم على عكسه، كما قلنا.

الدليل الثالث: الاستناد إلى النصوص القرآنية والحديثيّة الناهية عن العمل بالظنّ؛ وذلك بدعوى أنّه خرج منها المنتمي للمذهب الحقّ ـ كلٌّ حَسْب اعتقاده ـ، ويبقى الباقي تحت عمومات النهي عن العمل بالظنون.

والجواب واضحٌ؛ فإنّه ـ مضافاً إلى أنّ الرجوع إلى سائر المصادر أعمّ من تحصيل الظنّ والاطمئنان، ولو بضمّها إلى المصادر المذهبيّة ـ قد بحثنا في أدلّة حجِّية الظنّ الصدوري الخاصّ، وتبيَّن أنّها عامّة تشمل مطلق الثقة أو الخبر الموثوق، وأنّه لا يوجد دليلٌ فيها على التخصيص بخصوص المنتمي لمذهبٍ معيَّن، ومن ثمّ فالمخصِّص بسعة تخصيصه يُخْرجنا من العامّ هنا، وهذا واضحٌ.

3ـ 3ـ المانع الشرعي الأصولي أو الفقهي

النوع الثالث من الموانع الشرعيّة هو ما نسمّيه بالمانع الشرعي الأصولي أو الفقهي. ويمكننا صياغة هذا المانع من عدّة جهات. ولا نقصد التمييز بين الفقه والقرآن والحديث، وإنما استخدمنا هذا المصطلح للذهاب خلف المعطيات الفقهيّة والأصوليّة التي تشكِّل موانع، وإنْ كان خلفها ـ بطبيعة الحال ـ أدلّتها الخاصّة.

وأهمّ أشكال المانع الشرعي الفقهيّ أو الأصوليّ أو الحديثيّ هو:

الشكل الأوّل: المزاج الفقهي الإمامي العامّ تجاه غير الشيعي

أوّل الأشكال هو ما نعتبره مانعاً فقهيّاً، يمكن التوصُّل إليه عبر تتبُّع الموقف الفقهيّ من الشخص غير الشيعي الإمامي، بوصف ذلك مقدّمةً لمعرفة أنّ مذاق الشارع هو عدم إعطائه مكانةً في الدين والدنيا. فمثلاً: يذهب الفقه الإمامي إلى أنّه لا يصحّ أن يكون غير الشيعي وليّاً وحاكماً للمسلمين، ولا مرجع تقليد، ولا قاضياً، ولا إمام جماعة، ولا يُعْطى الخمس ولا الزكاة إلاّ بعنوان المؤلَّفة قلوبهم ونحوه، ولا يكون شاهداً في أيّ قضيّةٍ يوجد فيها شهادةٌ في حقّ الشيعي، بل هو يجوز غيبته والوقيعة فيه وسبّه، وغير ذلك، فضلاً عن قول بعضهم بكونه كافراً في الواقع، يُتعامل معه معاملة المسلم في الدنيا؛ تقيّةً، أو لما يرجع لمصلحة الشيعي.

فتجميع هذه الموارد الجزئية يكوِّن لدينا تصوُّراً كلّياً يقضي بأن الشارع لا يرغب في إعطاء غير الشيعي مكانةً ومنزلة في المجتمع الشيعي المتديِّن. ومعه فكيف يمكن أن يكون محروماً من مثل هذه الأمور ثم نضع فقهنا وديننا بيده، ونأخذ أخبار الرسول‘ وأهل بيته منه؟!

وهذا المانع يمكن الجواب عنه بما يلي:

أوّلاً: لا ملازمة بين هذه الأحكام وبين جواز أخذ الروايات من غير الشيعي على تقدير وثاقته، أو جواز الرجوع إلى علومهم لأخذ ما يثبت لدينا أنّه صحيحٌ موافق لقواعد العقل والنقل. وقد ذهب الكثير من العلماء إلى الأخذ بروايات غير الشيعة مع الوثاقة، بل قد تقدَّم إدعاء الطوسي الإجماع عليه، مع التزامهم بهذه الفتاوى، دون أن يشعروا بأيّ حَرَجٍ. فالموارد مختلفةٌ. تماماً كما هي الحال في الكافر؛ حيث لا تجوز معه هذه الأمور أيضاً، لكنْ يجوز الاستفادة من علومه وأفكاره ونقولاته وإخباراته ما دامت خاضعةً للمعايير، كاليونانيّين. بل لهذا لا يشترطون في أهل الخبرة التشيُّع، رغم أنّ قوله قد يوجب إفطار الإنسان في شهر رمضان أو ترتيب آثار شرعيّة كثيرة مختلفة. واشتراط إيمان الشاهد أمرٌ آخر؛ لأنّ باب القضاء له أحكامه الخاصّة، والدليل أنّهم مجمعون على اشتراط التعدُّد في البيِّنة مع العدالة، وفي الوقت عينه لا يشرطون ـ إجماعاً تقريباً ـ التعدُّد في خبر الثقة في باب الروايات، كما يذهب الكثيرون منهم إلى عدم اشتراط العدالة، فأدلّة الأبواب مختلفة؛ ولعلّ ذلك لخصوصيات ترجع إلى باب القضاء وحساسيّته وطبيعة عمله، وربما لهذا تجد أنّ الشهادات عند القاضي تختلف بين جريمة الزنا مثلاً وجريمة القتل. فالباب المعرفيّ شيءٌ والباب العمليّ الميداني شيء آخر.

ثانياً: إنّ جملةً من هذه الموارد المذكورة لا دليل عليها سوى بعض الوجوه الضعيفة. ونحن لن نخوض فيها هنا، بل بَحَثْنا بعضها في مكانه. فمثلاً: لا دليل يذكر على شرط الإيمان في مرجع التقليد، سوى رواياتٍ ضعيفة، بعضها مما مرَّ معنا في المانع الروائي المتقدِّم، مضافاً إلى السيرة المتشرِّعية التي مجال نقاشها واسعٌ هنا. وهكذا الحال في القضاء. وقد كَتَبْنا بحثاً مفصَّلاً في نفي شرط الإيمان الخاصّ في مستحقّ الخمس والزكاة([3]). وكان لنا بحثٌ آخر في نفي القول بشرعيّة غيبة المخالفين في المذهب، وأنّ الصحيح هو حرمة غيبة كلِّ مسلمٍ. كما أثبتنا في موضع آخر أنّ الدعاء والترحُّم والاستغفار يثبت لجميع المسلمين، بلا فرق بين مذاهبهم. وأثبتنا جواز تغسيل وتجهيز الميت من قبل أبناء المذاهب في حقّ بعضهم بعضاً([4]).

ونحن نعرف أنّه لا يُراد جعل الآخر ذا نفوذ وهيمنة في المجتمع الشيعيّ، لكنّ هذا شيءٌ والاستفادة من علومه وأخباره وخبراته شيءٌ آخر، لهذا لا تمانع الدول من الاستفادة من عقول وأدمغة رعايا الدول الأخرى، لكنّها لا تسمح لهم بأن يكونوا نافذين وقادةً لدولها. وهذا تماماً مثل: مطبعة لشخصٍ غير شيعيّ تطبع الكتب الشيعيّة، فهي طريقٌ لمعرفة الكتب، وكتبُ الحديث هنا طريقٌ لمعرفة الروايات.

ثالثاً: إنّ أكثر هذه الأحكام ثابتٌ في حقّ المرأة فقهيّاً عند المشهور، كعدم جواز كونها إماماً للمسلمين، ولا الجماعة، ولا المرجعيّة، ولا القضاء، وأكثر موارد الشهادات، ومع ذلك لم يلتزم أحدٌ بعدم حجِّية رواياتها أو عدم الرجوع إلى علومها وخبراتها. فإذا كان هذا دليلاً لزم على الآخذ به أن يقول بسقوط حجِّية أخبار النساء الثقات أيضاً. وهو واضحُ الضعف، ولم يقُلْ به أحدٌ. وهذا إشكالٌ نقضيّ عليه.

الشكل الثاني: اشتهار اشتراط سلامة العقيدة في الأخذ بخبر الراوي

ثاني أشكال الاستناد إلى معطيات الموروث الفقهي والأصولي والحديثي هو الاستناد إلى دعوى شهرة اشتراط الإيمان بالمصطلح المذهبي ـ أي الاثني عشريّة ـ في الراوي. فقد ادّعى الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، في كتاب المعالم، أنّ المشهور بين الأصحاب اشتراط الإيمان([5]). وتبعه في ادّعاء الشهرة غيره([6]). فتكون هذه الشهرة حجّةً حينئذٍ وعائقاً أمام الأخذ بخبر كلِّ راوٍ غير إماميّ.

وربما تؤيَّد هذه الشهرة بنصوص العديد من العلماء أو سلوكيّاتهم في التعامل مع أحاديث غير الإماميّ، بل قد يُدَّعى أنّ السيرة المتشرِّعية قامت على ذلك أيضاً في القرون الثلاثة الهجريّة الأولى؛ إذ لم نجدهم يرجعون لكتب وحديث سائر المذاهب الإسلاميّة.

وهذا الأمر لا يختصّ بالشيعة، بل يطال العديد من علماء أهل السنّة. فالمعروف بين علماء أهل السنّة والحديث النقاش في إمكانيّة قبول قول غير السنّي من فرق الخوارج ومتطرِّفي الشيعة والقدريّة والجبريّة والمرجئة وغير ذلك بحَسَب تصنيف المحدِّثين وفقاً لعقيدتهم. ويُطلقون على هذه الفرق اسم أهل الأهواء تارةً، وأهل البِدَع أو المبتدعة أخرى. فبعضهم قبل قوله مطلقاً، وبعضهم رفض قوله مطلقاً، وبعضهم كان له تفصيلٌ. وهذا كلُّه يشهد على أنّ المزاج العامّ ـ متشرِّعياً وفقهائيّاً وعلى مستوى المشتغلين بالحديث منذ القرون الأولى ـ هو مزاج متحفِّظ، ومن ثمّ يشكِّل عائقاً متبادلاً بين أطراف التنازع المذهبيّ عن الرجوع للحديث الشريف في سائر المصادر غير المذهبيّة.

إلاّ أنّه يمكن التوقُّف عند هذا الشكل من العوائق التاريخيّة/الفقهيّة، وذلك:

أوّلاً: سلّمنا بانعقاد هذه الشهرة بين الفقهاء والأصوليّين والمحدّثين والرجاليّين، لكنّها ليست حجّةً، وخاصّةً تلك الشهرة التي تنعقد خارج مدرسة الإماميّة، أعني خارج إطار عصر النصّ عندهم، والذي ينتهي بوفاة الرسول الأكرم، ولا سيَّما أنّ هذا الأمر من الأمور النظريّة الاجتهاديّة. ولعلّ بل المعطيات تؤكِّد أنّ مدركهم في ذلك:

أـ إما تقصير المخالف للحقّ في العقيدة أو كفره، ولو كفر تأويل، ممّا يمنع من عدالته على مسلك أخذ العقيدة قيداً في مفهوم العدالة، الذي افترضوا أنّه مأخوذٌ في آية النبأ. ومع بطلان المدركين السابقين لا يمكن الاعتماد على مثل هذه الشهرة المدركيّة.

ب ـ أو الروايات التي تقدَّمت سابقاً. وقد تبيّن عدم إمكان الاعتماد عليها.

ج ـ أو المزاج الفقهي العامّ بشكله الأوّل المتقدِّم. وقد تبيَّن أنّه لا ينهض لتشكيل معيقٍ حقيقي هنا.

د ـ أو المستندات القرآنية التي ذكرها بعضهم. وناقشناها.

هـ ـ أو الخوف من الحاجة لأهل المذاهب الأخرى، أو نفوذ أفكارهم، كما رأيناه في بعض الروايات المنسوبة لأهل البيت، وكما هو المنقول ـ في المقابل ـ عن زائدة بن قدامة الثقفي(161هـ)([7]). وهذا الخوف مجرَّد قلق، وإلاّ فكما نرجع لكتب التاريخ واللغة والتفسير وغيرها عند مختلف المذاهب، ثم نناقشها ونفنِّدها، ولا يكون خوفٌ، فلماذا هذا الخوف هنا ما دمنا نعتمد منهجاً علميّاً ونقديّاً سنديّاً ومتنياً، يؤصِّل لرؤية واضحة، وليس الأمر حركةً شعبيّة جماهيرية قد يُخشى منها هنا وهناك؟! فنحن نتحدَّث في سياق نُخَب متمرِّسة، تعيش خبرويّة الحديث، وقادرة على ممارسة النقد الداخلي والخارجي فيه، سواء جاء في مصادرها أم في مصادر غيرها.

وعليه، فلعلّهم استندوا إلى شيءٍ من هذا كلّه أو إلى مجموعه، فشكَّل لهم قناعةً بالتحفُّظ عن الرجوع لمصادر الآخرين من غير مذهبهم، فيكون إجماعهم أو شهرتهم قائمين على المستندات الاجتهاديّة التي من حقِّنا الفحص عنها، والنقاش فيها.

وبعبارةٍ أخرى: إنّ غاية ما يستفاد هنا هو أنّ المشهور من العلماء ذهبوا ـ بحَسَب اجتهاداتهم ـ إلى هذه النتيجة، لكنّ اجتهاداتهم ليست ملزمةً لنا، وإنْ كنّا نحترمهم جميعاً، إلاّ عندما يقدِّمون لنا مستنداتهم في هذا الاجتهاد؛ لننظر فيها. ولعلّنا لا نقتنع بتلك المستندات، كما رأينا في ما سبق. وقولُهم ولو اشتهر بينهم في فترةٍ زمنية معيّنة ليس ملزماً لنا تعبُّداً.

بل حتّى التفكيك الذي مارسوه بين حديث المخالف في المذهب ممّا هو موجودٌ في مصادرهم وحديثه في غير مصادرهم هذا التفكيك يمكن أن يكونوا قد انطلقوا فيه ـ رغم اعتقادنا أنّ فيه قدراً من الازدواجيّة الأوليّة([8]) ـ من أزمة الوثوق والثقة، لا من أساسٍ شرعي وديني عامّ وملزم، أي من عدم تحقُّق الصغرى عندهم، لا من تحقُّق الكبرى المانعة، بمعنى أنّ السنّي الذي كانت له خلطة بالشيعة كانوا لمعرفتهم به يثقون به، بل قد يلحقونه بهم. كما نجد أنّ النجاشي مثلاً يذكر بعض مَنْ هم من غير الشيعي ويترجمهم؛ لخلطتهم بالشيعة وتصنيفهم في قضاياهم. وهكذا الحال في الشيعي الذي تكون له خلطة بالسنّة، بحيث يعرفونه، فيحصل لهم في بعض الأحيان وثوقٌ أو ثقة به. أمّا في غير هذه الحالات، وبسبب القطيعة التواصليّة فيما بينهم، وصيرورة كلّ واحد منهم منفصلاً عن الآخر؛ وبسبب الصراعات المذهبيّة والطائفيّة، وطبيعة الجفاء الذي ساعدت عليه السلطات السياسية، فإنّهم يحصل لهم هذا الارتياب العامّ، فيفضِّلون عدم الرجوع إليهم، والاكتفاء بما عندهم والاستغناء به. وهذا مبرِّرٌ تاريخيّ لهم، لكنّه ليس أساساً دينيّاً، بمعنى أنّه لو حصل لشخصٍ اليوم وثوقٌ أو إحراز وثاقة بعض المخالفين له في المذهب من الرواة والمحدِّثين فلا يكون ما حصل مع السابقين ملزماً له شرعاً أو عقلاً، بل هي تجربتهم التاريخيّة، ولسنا ملزمين بها قانوناً، غاية ما في الأمر أنّها تدفعنا نحو الحذر والتريُّث في القبول بحديث الآخرين، لا أنّها تُلزمنا شرعاً وقانوناً بذلك. وفرقٌ كبير بين الأمرين.

هذا، وقد قلنا سابقاً بأنّ عملهم جميعاً تقريباً بروايات غير أهل مذهبهم التي في كتبهم شاهدٌ على أنّهم ما كانوا يؤمنون بكلّ تلك الأدلّة التي تقدَّمت معنا؛ إذ لا فرق فيها بين كون رواية المخالف في المذهب في كتب هذا الفريق أو ذاك.

بل يمكن أن نتخطّى فكرة اشتهار شرط الإيمان بالمعنى الخاصّ في الراوي، سواء أخذ الإيمان مستبطناً في العدالة أم لا، ونقول: إنّنا نشكِّك في أخذهم الاعتقاد شرطاً في العدالة، إلاّ على نظريَّتي التقصير والكفر السالفتين، أو على فرضيّة الحرام الواقعي؛ لأنّ الذي يراجع تعريفات وكلمات الفقهاء والأصوليّين الشيعة ـ وقد استعرضنا بعضها سابقاً ـ لا يجد أيّ إشارةٍ إطلاقاً إلى أخذ الإيمان في العدالة. وعليه إذا أُبطلت نظريّة الكفر، والتقصير، والعصيان الواقعي، فلا نحرز أنّ الفقهاء الشيعة يأخذون الإيمان في العدالة، حيث لم يذكروا ذلك في نصوصهم وأبحاثهم حولها. ومعه إذا أبطلنا هذه النظريّات الثلاث السابقة ـ إضافةً إلى إبطال المستندات الخاصّة المتقدّمة آنفاً ـ لم يَعُدْ هناك شيءٌ يُسْتَنَد إليه في كلمات المشهور.

بل إذا قمنا بجولةٍ سريعة في بعض الروايات الأساسيّة في باب العدالة والشهادة سنجدها لا تحكي بتاتاً عن موضوع الاعتقاد بوصفه شرطاً أو قَيْداً فيها، وقد ذكرنا بعضها في ما تقدَّم، فليراجع ما نقلناه عند الحديث عن الروايات المعارضة التي استأنسنا بها في مقابل روايات القطيعة المعرفيّة، وخاصّةً الروايات رقم 11، 12، 13، 14، 15، فلا نعيد.

ثانياً: إنّنا نشكِّك في أصل انعقاد هذه الشهرة الغالبة:

أـ أمّا عند الشيعة الإماميّة فقد وجدنا الطائفة الشيعيّة الإماميّة تعمل منذ قديم الأيام بأخبار الرواة الشيعة والسنّة بمذاهبهما، وتُدرجها في مختلف مصنَّفاتها الحديثية. ولو حذفنا أخبار الرواة غير الإماميّة، أي ما كان في سنده ولو شخصٌ واحد غير إمامي، لحذفنا في الحدّ الأدنى ثلاثة أرباع الروايات الموجودة بين أيدينا، أو نصفها، فكيف اهتمّ الشيعة بجمع هذه الروايات كلّها واستخدموها في أبحاثهم الفقهيّة وغيرها، والحال أنّهم يمنعون عن الأخذ بخبر غير الإماميّ بوصفه قانوناً دينيّاً مطلقاً؟! إنّ هذه الظاهرة تشكِّكنا بدعوى اشتهار شرط الإيمان في الراوي؛ فسيرة الشيعة على العكس من ذلك تماماً، بل نصُّ الشيخ الطوسي(460هـ) المتقدِّم واضحٌ في التدليل على عمل الطائفة بروايات أهل السنّة، مثل: أخبار حفص بن غياث والسكوني وغياث بن كلوب وغيرهم. فعدم الإيمان ليس عندهم مانعاً من الأخذ بالرواية.

بل حتّى التجربة الرجاليّة الإماميّة شاهدٌ واضح على اعتمادهم في بعض الأحيان على غيرهم. فالطوسي اعتمد على كتاب رجال الصادق، لابن عقدة الزيدي، في تأليفه لرجاله، كما ذكر هو نفسه، فجعله أساساً وأضاف إليه ما رآه([9]). وهكذا اعتمدوا في تقويمات الرجال على الفطحيّة، كبني فضّال، كما يظهر من الكتب الرجاليّة الإماميّة بوضوحٍ. فمثلُ هذه الحال في إقدام عالم شيعيّ إمامي كبير، كالطوسي، على اعتماد مصنَّف ضخم لابن عقدة الزيدي في مسألة الرجال وطبقاتهم وما يتصل بهم، وبهذا الحجم الكبير، شاهدٌ على أنّهم ما كانت لديهم مواقف مسبقة تمنع عن الأخذ باجتهادات وإخبارات غير الإمامي، فلماذا لا يحقّ لنا اليوم ـ لو اقتنعنا في موضعٍ ما ـ أن نقوم بخطواتٍ شبيهة بتلك الخطوة من الطوسي والمتقدِّمين؟!

ولعلّ تجربة السيد البروجردي في القرن العشرين مفتاحٌ جيّد للقيام بخطوةٍ من هذا النوع في العصر الحاضر. فقد نقل عنه الشيخ المنتظري والسيد محمد رضا الجلالي أنّه كان من سيرته التي استقرّ عليها أنّه في بحوثه ودروسه يستحضر فقه وروايات الفريقين، وأنّ ذلك كان سنّةَ المتقدِّمين من العلماء([10]). فلماذا لا يمكن البناء على مثل هذه التجارب، بدل ادّعاء وجود شهرة عكسيّة؛ فالمعطيات لصالح الانفتاح على التراث الحديثي، ولو في الجملة، ومن حيث المبدأ، لا في صالح الانغلاق التامّ.

هذا، مضافاً إلى وجود كلمات متفرِّقة هنا وهناك، نجد من خلالها ما يشير إلى دعوةٍ هنا أو قبولٍ هناك بمبدأ إمكانيّة الرجوع إلى الحديث عند سائر المذاهب([11]). بل في بعض الموارد طبَّق بعض الفقهاء قاعدة الجبر السندي على رواياتٍ غير شيعيّة، بعد فرض أنّها ضعيفة السند وفق المعايير الشيعيّة، كما فعل السيد علي الطباطبائي(1231هـ)، والميرزا فتاح الشهيدي(1372هـ)، الأمر الذي رفضه المحقِّق النجفي(1266هـ)، ناسباً عدم جريان قاعدة الجبر في أخبار أهل السنّة إلى طريقة الأصحاب وظاهرهم([12]). والأمر عينُه حصل بين ابن الجنيد، الذي نُسب إليه الإفتاء أخذاً بظاهر رواية غير شيعيّة، بينما رفض ذلك منه الشهيد الثاني([13]).

ويظهر من المحدِّث البحراني أنّ العلامة الحلّي ومَنْ تبعه كان مسلكهم العمل أحياناً بروايات غير شيعيّة، حيث يقول البحراني ما نصّه ـ معلِّقاً على العلاّمة الحلّي ـ: «أما ما احتجّ به من الرواية فلا تقوم بها حجّةٌ في هذا المجال، وإنْ اشتهر نقلها في كتب الاستدلال؛ حيث إنّها عاميةٌ. والعجب منه ـ & ـ وممَّنْ تبعه في ذلك؛ حيث إنهم كثيراً ما يطعنون في الأحاديث الصحيحة ويردّونها؛ لمخالفتها ما اصطلحوا عليه من هذا الاصطلاح الجديد، ويعتمدون هنا في أصل الحكم على روايةٍ عامّية، ويفرِّعون عليها فروعاً، ويرتِّبون عليها أحكاماً. والحال كما ترى»([14]).

ويقول الميرزا فتاح الشهيدي التبريزي(1372هـ) في حاشيته المشهورة على المكاسب بأنّ «الرواية إذا كانت موثوقاً بها، ولم تكن مشتملةً على تشييد أهل البِدْعة والضلالة، لا بأس بالعمل بها، فإنّهم عملوا بأردأ منها من حيث الراوي…»([15]).

ويستخدم الشيخ ناصر مكارم الشيرازي روايةً غير شيعيّة؛ للتأييد في البحث الفقهي في مباحث الحدود والتعزيرات([16]).

يضاف إلى هذا كلِّه أنّ المُلْفِت أنّنا لم نسمع ادّعاء الشهرة هنا إلاّ من الشيخ حسن، المتوفّى بدايات القرن الحادي عشر الهجري (1011هـ). نعم، لا نرتاب في أنّ فكرة التمييز بين الشيعي وغيره في الروايات كانت موجودةً منذ ابن إدريس، وكذلك أنصار مدرسة العلاّمة الحلّي. كما أنّ فكرة المفاضلة بين روايات الشيعي وغيره، وتقديمها على روايات غيره عند التعارض، موجودةٌ منذ قديم الأيّام، كما يظهر من نصّ الطوسي نفسه. إلاّ أنّ ادّعاء الشهرة في الاشتراط المطلق مشكلٌ. وتفصيل هذا الأمر موكولٌ إلى ما بحثناه في كتابنا (نظريّة السنّة في الفكر الإمامي الشيعي).

ب ـ وأمّا عند جمهور أهل السنّة ففي تقديري أنّ الأمر أوضح؛ إذ لا يوجد إجماعٌ ولا شهرة، بل القبول بأخبارهم هو الرأي السائد. غاية الأمر أنّه قد وضعت شروط. ويحدِّثنا هذا النصّ للخطيب البغدادي عن الاتجاهات التي كانت سائدة بين علماء أهل السنّة في هذا الموضوع حتّى زمانه، حيث يقول: «اختلف أهل العلم في السماع من أهل البِدَع والأهواء، كالقدريّة والخوارج والرافضة، وفي الاحتجاج بما يروونه، فمنعت طائفةٌ من السلف صحّة ذلك؛ لعلّة أنّهم كفّار عند مَنْ ذهب إلى إكفار المتأوِّلين، وفسّاقٌ عند مَنْ لم يحكم بكفر متأوِّل. وممَّنْ (لا) يروى عنه ذلك مالك بن أنس. وقال مَنْ ذهب إلى هذا المذهب: إنّ الكافر والفاسق بالتأويل بمثابة الكافر المعاند والفاسق العامد، فيجب أن لا يُقبل خبرهما، ولا تثبت روايتهما. وذهبت طائفةٌ من أهل العلم إلى قبول أخبار أهل الأهواء الذين لا يعرفون منهم استحلال الكذب والشهادة لمَنْ وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة. وممَّنْ قال بهذا القول من الفقهاء أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، فإنه قال: وتُقبل شهادة أهل الأهواء، إلا الخطّابية من الرافضة؛ لأنّهم يرَوْن الشهادة بالزُّور لموافقيهم، وحكى أنّ هذا مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري، وروى مثله عن أبي يوسف القاضي. وقال كثيرٌ من العلماء: يُقْبَل أخبار غير الدعاة من أهل الأهواء، فأما الدعاة فلا يحتجّ بأخبارهم. وممَّنْ ذهب إلى ذلك أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل. وقال جماعةٌ من أهل النقل والمتكلِّمين: أخبار أهل الأهواء كلّها مقبولة، وإنْ كانوا كفّاراً وفسّاقاً بالتأويل»([17]).

وهكذا نجد أنّ جمهوراً من العلماء لم تكن لديه مشكلةٌ في أصل الأخذ من المخالف في المذهب، وإنّما كانوا يضعون القيود لأجل ضمان النقل الصحيح أو نحو ذلك. فمثلاً: يشرط بعضهم أن لا يكون ممَّنْ يستحلّ الكذب. وهذا شرطٌ معقول؛ لأنّ استحلال الكذب لنصرة مذهبه أو لغيره معناه أنّ احتمال كذبه كبيرٌ رغم تديُّنه. وكذلك الداعية إلى البِدْعة أو الرأس فيها فإنّه من الممكن فيه أن يكون واضعاً للحديث؛ انتصاراً لبدعته التي يدعو لها، بخلاف سائر الرواة الذين ينقلون الحديث ولا يكونون أعلاماً دعاةً إلى بِدْعتهم مثلاً([18]). وهذا كلّه يؤشِّر إلى أنّ هناك تيارات كبيرة لم تمانع من الأخذ بحديث المختلف في المذهب. وبالإمكان مراجعة الخطيب البغدادي في الفصل اللاحق على كلامه هذا، حيث قام بسرد بعض المواقف لكبار العلماء من أهل السنّة ممَّنْ يقبل برواية المبتدع([19]). ولا نريد أن نطيل هنا في استعراض المواقف والنصوص، فمراجعة بعض الكتب العمدة في علوم الأصول ومصطلح الحديث ترشد لذلك بشكلٍ واضح.

بل إنّ واقع كتب الحديث عند أهل السنّة ـ بما فيها الصحيحان ـ يشهد على أنّ بعض الرواة كانوا من المذكورين بالتشيُّع تارةً؛ وبالانتماء للخوارج ثانية؛ وغير ذلك، ولهذا نجد الخطيب البغدادي عندما يريد أن يسرد حجّة القائلين بجواز الاعتماد على خبر أهل الأهواء يقول: «والذي يعتمد عليه في تجويز الاحتجاج بأخبارهم ما اشتهر من قبول الصحابة أخبار الخوارج وشهاداتهم ومَنْ جرى مجراهم من الفسّاق بالتأويل، ثم استمرار عمل التابعين والمخالفين بعدهم على ذلك؛ لما رأوا من تحرِّيهم الصدق، وتعظيمهم الكذب، وحفظهم أنفسهم عن المحظوارت من الأفعال، وإنكارهم على أهل الرَّيْب والطرائق المذمومة، ورواياتهم الأحاديث التي تخالف آراءهم ويتعلَّق بها مخالفوهم في الاحتجاج، فاحتجّوا برواية عمران بن حطّان، وهو من الخوارج، وعمرو بن دينار، وكان ممَّنْ يذهب إلى القدر والتشيُّع، وكان عكرمة إباضيّاً، وابن أبي نجيح، وكان معتزليّاً، وعبد الوارث بن سعيد وشبل بن عبّاد وسيف بن سليمان وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة وسلام بن مسكين، وكانوا قدريّة، وعلقمة بن مرثد وعمرو بن مرة ومسعر بن كدام، وكانوا مرجئة، وعبيد الله بن موسى وخالد بن مخلد وعبد الرزاق بن همام، وكانوا يذهبون إلى التشيُّع، وخلق كثير يتّسع ذكرهم دوَّن أهل العلم قديماً وحديثاً رواياتهم، واحتجّوا بأخبارهم، فصار ذلك كالإجماع منهم، وهو أكبر الحجج في هذا الباب، وبه يقوى الظنّ في مقاربة الصواب»([20]).

ولهذا ينقل الخطيب البغدادي بسنده عن عليّ بن المديني أنّه «لو تركتُ أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي، يعني التشيُّع، خربت الكتب. قوله: خربت الكتب يعني لذهب الحديث»([21]).

ويقول الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب: «أبان بن تغلب الكوفي، شيعيٌّ جلد، لكنّه صدوق، فلنا صدقه، وعليه بدعته. وقد وثَّقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم. وأورده ابن عدي، وقال: كان غالياً في التشيُّع. وقال السعدي: زائغ مجاهر. فلقائلٍ أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع وحدّ الثقة العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عَدْلاً مَنْ هو صاحب بِدْعة؟ وجوابه: إنّ البِدْعة على ضربين: فبِدْعة صغرى، كغلوّ التشيُّع، أو كالتشيُّع بلا غلوّ ولا تحرُّف، فهذا كثيرٌ في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق. فلو رُدَّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبويّة، وهذه مفسدةٌ بيِّنة. ثم بِدْعة كبرى، كالرفض الكامل والغلوّ فيه، والحطّ على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتجّ بهم، ولا كرامة([22]). وأيضاً فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم، والتقيّة والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل مَنْ هذا حاله! حاشا وكلاّ. فالشيعيّ الغالي في زمان السلف وعُرْفهم هو مَنْ تكلَّم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممَّنْ حارب عليّاً رضي الله عنه، وتعرَّض لسبِّهم. والغالي في زماننا وعُرْفنا هو الذي يكفّر هؤلاء السادة، ويتبرّأ من الشيخين أيضاً، فهذا ضالٌّ معثر، ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلاً، بل قد يعتقد عليّاً أفضل منهما»([23]).

نعم يوجد فريقٌ لا يُستهان به بين علماء أهل السنّة ومتقدِّميهم يرى التشدُّد في الأخذ عن غير السنّي، وخاصّةً الشيعيّ، كما هو المعروف من مذهب زائدة بن قدامة الثقفي(161هـ)([24]).

يقول ابن قدامة المقدسي: «فالفسوق نوعان: أحدهما من حيث الأفعال، فلا نعلم خلافاً في ردّ شهادته. والثاني من جهة الاعتقاد، وهو اعتقاد البِدْعة، فيوجب ردّ الشهادة أيضاً. وبه قال مالك وشريك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور. وقال شريك: أربعة لا تجوز شهادتهم: رافضي يزعم أنّ له إماماً مفترضة طاعته، وخارجيّ يزعم أنّ الدنيا دار حرق، وقدري يزعم أنّ المشيئة إليه، ومرجئ. وردّ شهادة يعقوب، وقال: ألا أردّ شهادة مَنْ يزعم أنّ الصلاة ليست من الإيمان؟ وقال أبو حامد، من أصحاب الشافعي: المختلفون على ثلاثة أضرب: ضرب اختلفوا في الفروع، فهؤلاء لا يفسّقون بذلك، ولا تردّ شهادتهم، وقد اختلف الصحابة في الفروع، ومَنْ بعدهم من التابعين. الثاني من نفسِّقه، ولا نكفِّره، وهو مَنْ سبَّ القرابة، كالخوارج، أو سَبَّ الصحابة، كالروافض، فلا تقبل لهم شهادة؛ لذلك. الثالث مَنْ نكفِّره، وهو مَنْ قال بخلق القرآن ونفي الرؤية، وأضاف المشيئة إلى نفسه، فلا تقبل له شهادةٌ. وذكر القاضي أبو يعلى مثل هذا سواء قال: وقال أحمد: ما تعجبني شهادة الجهمية والرافضة والقدريّة المعلنة. وظاهر قول الشافعي وابن أبي ليلى والثوري وأبي حنيفة وأصحابه قبول شهادة أهل الأهواء. وأجاز سوار شهادة ناس من بني العنبر ممَّنْ يرى الاعتزال. قال الشافعي: إلا أن يكونوا ممَّنْ يرى الشهادة بالكذب بعضهم لبعضٍ، كالخطّابية، وهم أصحاب أبي الخطاب يشهد بعضهم لبعضٍ بتصديقه. ووجه قول مَنْ أجاز شهادتهم أنّه اختلاف لم يخرجهم عن الإسلام أشبه الاختلاف في الفروع، ولأنّ فسقهم لا يدلّ على كذبهم؛ لكونهم ذهبوا إلى ذلك تديُّناً واعتقاداً أنّه الحقّ، ولم يرتكبوه عالمين بتحريمه بخلاف فسق الأفعال»([25]).

والنتيجة التي نخرج بها أنّه من غير المعلوم أن يكون هناك إجماعٌ أو شهرة على ردّ رواية المختلف في المذهب، بل طبيعة مناقشاتهم تدلّ على اعتمادهم على المعطيات التي سبق أن ناقشناها، وغالباً ما تكون تحفُّظاتهم ـ سنّة وشيعة ـ ناتجة عن مواقف مذهبيّة، فيما نريد نحن هنا شيئاً يتّصل بمعايير علميّة واضحة تسمح بإخراج رواية غير المنتمي لما تعتقده أنت المذهب الحقّ عن الحجِّية لو تحقَّقت فيه الشروط من العدالة والوثاقة، فضلاً عن حالة انضمام إخبارات مجموعة بعضها على المذهب الحقّ دون بعضٍ في الإخبار بأمرٍ معيّن ممّا يفيد الوثوق به. ففي تقديري القضية في مواقفهم كانت ناتجةً عن اجتهادات شخصيّة ميدانيّة غالباً، وليس عن قوانين عقلية أو نصوص دينيّة، ومن ثم فلسنا ملزمين باجتهاداتهم هذه بعد أن ناقشنا المستندات.

الشكل الثالث: المقاطعة الاجتماعيّة لأبناء المذاهب الأخرى

تتّجه الثقافة الفقهيّة والحديثية إلى القول بضرورة الحَذَر في التعامل مع الآخر المذهبي في الحياة الاجتماعيّة والسياسية. ففي أدبيّات أهل السنّة الكثير الكثير من التحذير من الخلطة والتواصل والمداهنة لأهل البِدَع والأهواء والزنادقة والفرق المنحرفة، والدعوة للشدّة والغِلْظة معهم. وليس هنا مجالُ نقلها؛ فإنّها كثيرة.

وفي ثقافة أهل البيت وفق الفقه الإمامي والمنقول الحديثي رفضٌ للفِرَق الأخرى، وذمٌّ لأنصارها، والتجريح بهم، ولعنهم، والتحذير منهم، والدعوة حتّى لترك مجالستهم، كما ورد في حقّ مثل: المرجئة([26])، وعدم أخذ الدين إلاّ من الثقات المأمونين من الشيعة. فهذه الثقافة تعارض الأخذ من غير أبناء المذهب الواحد في أمر الروايات، بحيث يقول كلُّ فريقٍ: كيف نسلِّم لهم برواياتنا ونأخذ منهم ونثق بهم فيها، ونحن مطالبون بضربٍ من الحَذَر والقطيعة الاجتماعيّة والعلائقيّة معهم وسوء الظنّ بهم؟!

والحقيقةُ أنّ هذا الوجه فيه خلطٌ بين التحذير من التواصل مع هؤلاء؛ خوف التأثُّر بأفكارهم والانحراف العقائدي معهم، أو خوف زوال الخصوصيّة والهويّة المذهبيّة، وبين تصديقهم إذا كانوا ثقاتٍ في إخباراتهم. فهذان مطلبان مختلفان. والذي يظهر بمراجعة الروايات والنصوص أنّ أئمّة أهل البيت النبويّ كانوا أحياناً يحذِّرون من باب عدم التأثُّر بأفكارهم، لا من باب الوثاقة أو مطلق القطيعة وأمثال هذه المفاهيم، فلم تذكر النصوص ولم يُفْتِ الفقهاء يوماً ـ كما هو المشهور بين المذاهب كلّها تقريباً ـ بحرمة إجراء المعاملات معهم، ولا السلام عليهم، ولا زيارتهم، ولا أمثال ذلك، وإنّما قيَّدوه بخوف الفتنة، بل الروايات الأكثر والأقوى سنداً عن أهل البيت تحثّ على التواصل معهم، وحضور جنائزهم، والصلاة معهم في مساجدهم، وغير ذلك ممّا هو كثيرٌ، لا نطيل به هنا.

نعم، إذا روى هؤلاء روايات فيها منافع عقائديّة لهم فقد تسقط رواياتهم عن الاعتبار من وجهة نظر المختلف معهم في المذهب، لا لأنهم مخالفين في المذهب، بل لانخفاض قوّة الاحتمال نتيجة وجود داعي الكذب، كما بحثناه مفصَّلاً في محلّه عند الكلام عن نظريّة الوثوق الوثاقتي، التي طرحها السيد محمّد باقر الصدر. فلا يوجد دليل معتبر على تركهم مطلقاً وهجرهم إلاّ لخوف الفتنة أو زوال الهويّة أو من باب إنكار المنكر، بل بعض الروايات جاء فيه الأخذ برواياتهم ولو كانوا من غير الإماميّة، كما في الخبر المتقدِّم الوارد في روايات بني فضّال. ولو كان هذا الأمر صحيحاً، وبنينا على شهرة عمل الشيعة بأخبار الآحاد الظنّية، فإنّ سيرة المتشرِّعة قائمةٌ على تناقل روايات غير الشيعة الإماميّة، وهذا بنفسه دليلٌ قطعي معارض لبعض الروايات الدالّة على ترك التعاطي معهم مطلقاً، الأمر الذي يفرض إمّا فهماً تاريخيّاً لها أو كونها جاءت في سياق الحماية والتحذير وأخذ الحيطة وعدم الاغترار وغير ذلك من المفاهيم التي نتفهَّم أخذ جميع المذاهب لها، لكنّها لا تعني القطيعة المطلقة، بما فيها القطيعة التي ترجع للأخذ بالأخبار من باب الوثوق أو الوثاقة أو العدالة.

بل لو صحّ هذا التفسير ببُعْده الإطلاقي في القطيعة الاجتماعيّة وغيرها هنا للزم عدم إمكان الرجوع إلى كتب اللغة والنحو والصرف والمعاجم وكتب التاريخ والتفسير والسيرة، وكلّ أشكال الرجوع لما هو غير إماميّ! ولا أظنّ أحداً يقول بذلك.

والنتيجة التي يمكن الخروج بها أنّه لم يقم دليلٌ خاصّ، لا في الكتاب الكريم، ولا في السنّة الشريفة، ولا في التراث الفقهي المذهبيّ، لا بطريقةٍ مباشرة ولا غير مباشرة، كزاوية العدالة، على شرط المذهبيّة (الاثني عشريّة أو التسنّن أو غير ذلك) في الراوي.

فالصحيح ما ذهب إليه مشهور علماء المسلمين ـ على مستوى النظريّة ـ من لزوم كون الراوي ثقةً مأموناً، حتّى لو لم يكن متَّفقاً معي أو معك في المذهب والعقيدة الخاصّة. وهذا معناه القبول برواية المختلف في المذهب، ولو في الجملة، وضمن شروط.

فلا المانع الروائي ولا المانع الفقهي يصلحان عائقاً حقيقياً عن الرجوع إلى غير الإمامي بالنسبة للإمامي، وغير السنّي بالنسبة للسنّي… في العلم والفكر والرواية مع تحقُّق الشروط.

نعم، لا بُدَّ من التدقيق والنقد والتمحيص وعدم حصول ذوبان في الآخر ـ في ما أراه مخطئاً فيه ـ بطريقةٍ غير علميّة. ولعلّ هذا هو ما أرادته النصوص من التحذيرات السابقة.

4ـ الموانع التطبيقيّة الميدانيّة

آخر الموانع التي أعتقد أنّها من الموانع الأساسيّة في العلاقات الحديثية بين المذاهب هو الإشكاليّات الميدانية في كتب الحديث المذهبي من وجهة نظر المذاهب الأخرى.

ويمكن تلخيص أهم هذه الإشكاليّات التي تثار بين المذاهب على الشكل التالي:

أزمة الدسّ والتزوير والتحريف والاختلاق في الكتب الحديثيّة. وهذه تهمة وجّهها الجميع تقريباً ضدّ الجميع.

أزمة مناهج النقد الحديثي والرجالي عند الفرق كلّها. فكلُّ فريقٍ يرى أنّ مناهج الفريق الآخر غير مجدية، ولا بالموثوق بها، بينما يرى مناهج محدِّثيه ممتازة وقويّة ومتينة ومتقدِّمة خطوات على مناهج غيره.

إشكاليّة العنعنة في تراث بعض المذاهب مثل الشيعة، حيث اتّخذت بمثابة دليلٍ على عدم الوثوق بكتبهم الحديثيّة.

إشكاليّة التعارض واختلاف الأخبار الموجودة في كتب هذا الفريق وذاك، وخاصّة الإماميّة، فقد اعتبرت شاهداً على ضعف حديثهم، ومن ثم عدم إمكان الرجوع إليه نتيجة ذلك.

أزمة الانحراف العقائدي لدى المحدِّثين. فكلُّ شخصٍ يقول عن محدِّثي الفريق الآخر بأنّه منحرفٌ عقائديّاً، وغير مأمون على الدين من حيث تحكيمه لعقائده.

الضعف المتني في الأحاديث، حيث يرى كلُّ فريقٍ أنّ حديث الفريق الآخر يعاني من أشكال كبيرة من ضعف المتن، وتناقض رواياته مع القرآن والسنّة القطعيّة والعقل وحقائق التاريخ ومنطق الأشياء.

مشكلة التعصّب والانحياز الطائفي والمذهبي. وقد أشَرْنا إلى بعضه عند الحديث عن حاجز الثقة العام.

أزمة التوثيق، بمعنى كيف للشيعي أن يوثِّق كبار أئمّة الحديث السنّة وأئمّة الرجال السنّة، ولا توثيق لهم في كتب الحديث والرجال الشيعيّة؟! وكيف للسنّي أن يوثِّق كبار أئمّة الحديث الشيعة أو كبار أئمّة الجرح والتعديل عندهم، وهم لا توثيق لهم على الإطلاق في كتب الرجال والحديث والتراجم السنّية؟!

كثرة وجود الضعفاء في كتب الحديث. وهذا إشكالٌ سجَّله السنّة على الشيعة، وسجَّله الشيعة على السنّة، فقال الطرفان بأنّ الكثير من كبار المحدِّثين، بل أئمّة الحديث والجرح والتعديل، وردت فيهم طعونٌ عدّة([27])، وأنّ الوضّاعين كثروا في كتب الحديث المذهبي الآخر، ومن ثم لا يمكن الوثوق بحديث سائر المذاهب الإسلاميّة؛ لكثرة الوضّاعين عندهم، ومن كبار الرواة الواقعين في الطرق والأسانيد، كيف وبعض كبار رواتهم كانوا من جماعات الدولة الأمويّة، كالزهري وغيره، ومن النواصب والخوارج([28])، كما يقول بعض الإماميّة، أو من الغلاة الخارجين عن جادّة الصدق، كما يقول بعض أهل السنّة.

وعليه، فحتى لو كانت المعطيات النظريّة، ومقتضيات القواعد العامّة، وأدلّة الحجِّية في باب الرواية والخبر، لا تميِّز بين مذهبٍ وآخر في حجِّية الحديث ما دام شرط العدالة أو الوثوق أو الوثاقة موجوداً، إلاّ أنّ الحواجز الميدانيّة هي التي تعيق إمكانيّة الرجوع إلى مصادر الحديث المختلف في المذهب.

مثلاً: يذكر العلامة الأميني(1970م)، في المجلّد الخامس من الغدير، بحثاً مطوَّلاً للحديث عن الوضع والموضوعات والوضّاعين في مصادر أهل السنّة، رادّاً على بعض أهل السنّة ـ مثل: عبد الله القصيمي ـ الذين اتَّهموا بدورهم الشيعة بالوَضْع. وقد جمع الأميني، انطلاقاً من كلمات علماء رجال أهل السنّة، 702 كذّاباً عندهم، وقدّم فهرساً بـ 35 وضَاعاً، تبلغ مجموع أحاديثهم الموضوعة والمقلوبة 98683 حديثاً، بل ذكر بعض أسماء علماء أهل السنّة ممَّنْ اتُّهموا بالكذب([29]).

وعلى المنوال عينه تأتي أعمال الشيخ محمد حسن المظفَّر(1375هـ)، حيث قدّم لنا تجربتين فيهما قدر كبير من التكرار:

 إحداها: ما جاء في الجزء الأول من كتابه الشهير (دلائل الصدق لنهج الحقّ)، حيث أورد أسماء علماء ورجال كبار سنّة طعن عليهم، وسجّل أسماء 366 راوياً عندهم وُصفوا بالكذّابين([30]). وقد طبعت هذه التجربة عينها في القاهرة في كتابٍ مستقلّ حمل عنوان (رجال السنّة).

أمّا التجربة الثانية فكانت كتاب (الإفصاح عن أحوال رواة الصحاح)، الذي نشرته مؤسّسة آل البيت في أربعة مجلّدات، جمع فيه مَنْ طُعن فيهم من الرواة، كما تعرَّض فيه لمَنْ ضعَّفوه؛ لأنّه روى فضائل أهل البيت، إلى غيرها من كتبٍ في هذا المجال.

وفي هذا السياق يظهر حجم الروايات الموضوعة والرجال الوضّاعين في كتب أهل السنّة. ويكفي أبو هريرة، الذي كتب عنه السيد عبد الحسين شرف الدين، للتدليل على ذلك؛ إذ لديه أكثر من خمسة آلاف رواية لوحده. ومعه كيف يمكن لعاقلٍ أن يعتمد على هذه الكتب، وهذا هو حالها؟!

وهكذا الحال على المقلب الآخر. فالسنّة يعتقدون بأنّ الشيعة بيت الكذب، وأنهم كذبوا حتّى على مستوى اختلاق كتاب الكافي برمّته، ونسبته إلى الكليني؛ وكذلك الزيادة لآلاف الروايات على كتاب التهذيب، للشيخ الطوسي، وهكذا.

مداخلاتٌ وتعليقات على الموانع التطبيقيّة الميدانيّة

لا بُدَّ لنا هنا من بعض الوقفات. لكنْ من الضروري أن نعرف أنّ أغلب هذه المشاكل الميدانية قد بحثناها بالتفصيل في كتابنا: (المدخل إلى موسوعة الحديث النبوي عند الإماميّة)([31])، حيث درسنا مجمل هذه الملاحظات وتفاصيلها بما لا يمكن تكراره هنا؛ إذ بلغ مئات الصفحات. وقد تعرَّضنا لمختلف الاتجاهات في تقويم الحديث النبوي عند المذاهب، وناقشنا الكثير من إشكاليّات الشيعة على الحديث السنّي، وإشكاليات السنّة على الحديث الشيعي، وتوصَّلنا إلى ما أطلقنا عليه (الاعتبار الإجمالي للحديث غير المذهبي). وقد رأينا هناك في تجربتنا ـ وبالأرقام والشواهد ـ أنّ أغلب إنْ لم يكن جميع الإشكاليّات التي يوجِّهها كلّ فريقٍ مذهبي إلى حديث الفريق الآخر يعاني هو منها في مكانٍ ما من حديثه، ولكنّه يمتلك تخريجاتٍ لحلّ المشكلة التي واجهها هو في حديثه المذهبي، فيما يرفض تطبيق تلك المخارج على الحديث غير المذهبي. وهذا نوعٌ من الازدواجية غير الموضوعية التي رأيناها.

لكنّنا هنا سنتوقَّف قليلاً عند بعض الملاحظات التي قد لا نكون قد ذكرناها أو بعضَ جوانبها في ذلك الكتاب، أو نشير إليها هنا بوصفها عناوين عامّة باختصار شديد، ومَنْ أراد التفصيل فليراجع هناك.

وعلى أيّ حالٍ فهذه الموانع التطبيقية يمكن التعليق عليها بتعليقاتٍ سريعة، أبرزها:

التعليق الأوّل: إنّ النظريات التي تعطي الحجِّية لقول الرجالي يمكن فرض مصداقٍ لها في علم الرجال غير المذهبي. فمثلاً: على نظريّة الخبروية أو مطلق الظنّ أو الاطمئنان النوعي والشخصي، أو على نظريّة خبر الثقة أو العدالة (كما بيَّنا سابقاً)، أو غيرها، لا يوجد مانعٌ يمنع عن الرجوع إلى توثيقات وتضعيفات ومعطيات علماء المذاهب الأخرى في ما يقدِّمونه. وقد تعرَّضنا في بحوثنا الرجاليّة لمشكلة الفساد العقدي في بعض الرجاليّين، مثل: ابن عقدة الزيدي وابن فضّال، بالنسبة للإماميّة. وأجبنا وغيرنا عن تلك الملاحظة هناك. لكنْ توجد مشكلةٌ واحدة بسيطة، وهي أنّه كيف نوثِّق أئمّة الفقه والأصول والتاريخ والحديث والرجال عند المذاهب الأخرى؟ إنّنا لا نجد لهم توثيقاً في علم الرجال المذهبي، فكيف نفتح هذا الباب الأوّل الأهمّ في هذا المجال؟

الجواب الذي نراه هنا هو ما طرحناه في مباحثنا الرجاليّة عند الحديث عن إثبات الوثاقة والعدالة بالشهرة والاستفاضة، حيث قلنا هناك بأنّ شهرة وثاقة عالمٍ من العلماء وعدالته ونزاهته وتقواه وتديُّنه وورعه بين أبناء طائفته كافٍ لأبناء الطوائف الأخرى الذين لا اطّلاع لهم على أحوال هذه الطائفة وخصوصيّاتها من الداخل. فتوثيق الشيخ الكليني لا يحتاج أن يثبت في مصادر أهل السنّة، وتوثيق الشيخ البخاري لا يحتاج أن يثبت في مصادر الشيعة؛ فكلُّ أمّةٍ من الناس أعرف برجالها ورموزها، فإذا أطبقت ـ واشتهر بينها، بلا معارضٍ عندها ولا عند غيرها، ولا كاشفٍ عن الخطأ في هذا الإطباق ـ على وثاقة شخصٍ من كبار رموزها كفى في التوثيق. نعم، لو ثبت المعارض أمكن التفصيل في المسألة.

وهذا الذي ندَّعيه أمرٌ عقلائي. فأنت عندما تذهب إلى قرية أو مدينة، وترى اشتهار الحديث عن كرم شخصٍ من الأشخاص، بحيث يبدو أمراً منتشراً، ولا يظهر لك مبرِّرٌ عكسي لهذه الشهرة، ولا معارض، أو مخطّئ، ففي هذه الحال ترى أنّ هذا الشخص كريمٌ. وهكذا لو دخلت مسجدهم، فوجَدْتَ المئات يصلُّون خلفه، وأنت تعلم أنّهم يطلبون عدالة الإمام في العادة، ففي هذه الحال حتّى لو لم تتأكَّد من عدالتهم هم فرداً فرداً فإنّ منطق الاحتمال يشير إلى الاطمئنان بوثاقة هذا الشخص في العادة، ما لم يبرز بعد الفحص اللازم معارض، أو معطى عكسي تماماً. فهذه سبلٌ عقلائيّة معرفية متداولة.

وهذا تماماً كاشتهار شخصٍ بالخبروية في قريته في مجالٍ معين، فلا يحتاج أن يكون شهد لك شخصٌ من أبناء قريتك، بل تكفي حالة الشياع في قريته، ما لم يظهر معارض فيها أو في قريتك، أو يظهر لك خطأ منشأ هذا الشياع. وهذا أمرٌ عقلائيّ واضح، ليس يمكن أن يواجهه إلاّ أزمة الثقة التي تحدَّثنا عنها سابقاً.

وبعد تحقيق هذا المدخل الأساس([32])، يرجع الشيعي ولو إلى بعض رجاليّي السنّة، وبالعكس مثلاً، فيطبِّق عليهم ما يطبِّقه على أيّ عالمٍ رجالي. نعم، لو ثبت له خطؤهم في التوثيق أو التضعيف، أو استنادهم إلى نظريّة غير ثابتة عنده في توثيقٍ هنا أو تضعيف هناك، مثل: نظريّة عدالة الصحابة بالنسبة للإمامي، فمن حقِّه رفض التوثيق. وهكذا لو ضعَّفوا على أساس فهمهم لروايات الراوي واتّهامه بالتشيُّع، وكان الإمامي لا يرى أنّ هذه الروايات موجبةٌ للطعن في هذا الراوي، فمن حقِّه رفض هذا الطعن، وتخطئة الرجاليّين السنّة فيه([33]). وهكذا. ومرجع ذلك كلِّه إلى أنّ حجِّية قول الرجالي تسقط عند العلم بخطئه أو تهاوي الظنّ بصحّة قوله على جميع المسالك في حجيّة قول الرجالي تقريباً، وهذا تطبيقٌ من تطبيقاته.

ولو فرضنا أنّ باب التوثيقات والتضعيفات تكثر فيه المشاكل المتناقضة على مستوى النظريات التي ينطلق منها الرجاليّون من المذاهب، والأصول الموضوعة التي يعتمدون عليها، فإنّ علم الرجال لا يقف عند هذا الحدّ، بل هو يتّصل بالتعريف باسم الراوي واسم والده وجدّه وكُنيته ولقبه وانتسابه المناطقي والعشائري والقبلي، وبعض المعلومات عن حياته، وكذلك تاريخ ولادته ووفاته، وأسماء كتبه ومصنَّفاته، وطبيعة عمله ومهنته، ومَنْ روى عنهم ورووا عنه، والكثير من المعلومات الأخرى التي لا تدخل في إطار الاختلاف في الأصول الموضوعة للتوثيق والتضعيف عند المذاهب، وهذا لا أظنّ أنّه يوجد مبرِّر لتجاهلها من قبل أحد بحجّة التمايز المذهبي.

يُشار أيضاً إلى أنّ الرواة المشتركين الواردين في مصادر الشيعة والسنّة ليسوا قلّة، بل عددهم معتدٌّ به، وقد صدر عن دفتر تبليغات في إيران مؤخَّراً كتاب (راويان مشترك پژوهشي در بازشناسي راويان مشترك شيعه وأهل سنت)، لمجموعة مؤلِّفين هم: حسين عزيزي، وپرويز رستگار، ويوسف بيات، وقام بنشره مؤسّسة بوستان كتاب، في مدينة قم، وقد صدر منه باللغة الفارسيّة ثلاثة مجلّدات، اشتملت على 523 راوياً، مرتبين على الترتيب الألفبائي، وأوّلهم أبان بن تغلب، وآخرهم يونس بن يعقوب.

التعليق الثاني: لم أفهم وجه التمييز الدقيق في الأداء المذهبي تجاه تراث المذاهب الأخرى. فالشيعة مثلاً يرجعون عندما يريدون ممارسة بحث تاريخي إلى كتب التاريخ، بلا فرق في مؤلِّفيها بين الشيعة والسنّة. وهذه سيرتهم منذ قديم الأيام إلى يومنا هذا. وهكذا عندما يريدون دراسة مسألة فلسفية أو كلامية أو لغوية أو معجمية أو نحوية أو صرفية أو بلاغية أو تفسيرية أو عرفانية أو قرآنية أو غير ذلك لا يتجاهلون في الغالب تراث المذاهب الأخرى، ولا سيَّما المذاهب الكبرى السائدة، بل حتّى في كتب الفقه والأصول استمرّت هذه الحال حتّى القرن الحادي عشر الهجري، حيث بدأت بالانحسار، ولهذا نجد بحوثاً أصولية شيعيّة على متون سنّية، كمختصر ابن الحاجب. لكنّ الغريب أنّه عندما نصل اليوم إلى الحديث والرجال والفقه والأصول تظهر هذه القطيعة تماماً! فلا يشعر الباحث الفقهي أو الأصولي أنّه معنيٌّ أساساً بالذهاب خلف التراث الأصولي أو الفقهي للمدارس الإسلاميّة الأخرى، لا لكي يقلِّدها، بل لكي ينظر فيها، ويثري معلوماته، ويناقش ويحلِّل كما يفعل في تراثه بنفسه! كيف يمكن تفسير هذا الأمر؟ هل تجد مفسِّراً شيعيّاً لا يرجع إلى تفسيرَيْ الطبري والفخر الرازي؟ ألم يضع العلاّمة الطباطبائي تفسيرَيْ الرازي والمنار أمامه، وهو يقوم بتدوين تفسيره الوزين؟ وهل تجد مؤرِّخاً شيعياً لا يرجع إلى مقدّمة ابن خلدون أو تاريخ الطبري؟ وهل تجد فيلسوفاً أو باحثاً فلسفيّاً شيعياً أو سنّياً لا يرجع إلى ابن سينا أو الفارابي أو بهمنيار، أو حتّى غير المسلمين، مثل: أرسطو وأفلاطون وغيرهم، فلا يرى بُدّاً من الرجوع إليهم لاستكمال بحثه وإنضاجه، ولا يشعر بأيّ حَرَجٍ في هذا المجال، ولا بأيّ خوفٍ على الهويّة؟ فلماذا عندما نصل إلى كتب الحديث والفقه يظهر الحَظْر أو القطيعة؟ هل السنّي في علوم اللغة يمكن أن نرجع إليه لننظر في تراثه ونستفيد منه فيما لا نرى عنده فيه من خطأ، وهناك يكون صادقاً وخبيراً، أمّا في كتب الحديث فلا؟! ما هو السبب الموضوعي العلمي في هذا الأمر غير أزمة الثقة العامّة، التي تمثِّل تراكمات الصراع المذهبي، لا أنّه توجد خصوصية علمية في الموضوع؟

ولعلَّه لهذا نجد المحقِّق القزويني يورد نَقْضاً على الذي يشكلون على علم الرجال بأنّه يرجع إلى المصادر الرجاليّة غير الإمامية، كابن فضّال الفطحي وابن عقدة الزيدي، بالقول بأنّهم يرجعون لكتب أهل اللغة بفروعها، وغالب مصنِّفيها من غير الإماميّة([34])، مع أنّ الانحيازات المذهبيّة لم تبتعد أحياناً عن كتب اللغة ونتائجها أيضاً، كما يعرف المختصّون.

التعليق الثالث: إنّ ما نتحدَّث عنه هنا هو رفض إصدار حكم مسبق على التراث الحديثي للمذاهب الأخرى. أمّا لو أنّ شخصاً إماميّاً ذهب وبحث في كلّ كتب الحديث السنيّة مثلاً، وتوصَّل إلى وجود خللٍ مشترك فيها يؤثِّر في كلّ قيمتها التاريخيّة، وقدَّم شواهد على ذلك، أو قام بهذا الفعل في حقّ كتاب البخاري أو مسلم أو غيرهما، فهذا خارجٌ عن إطارنا تماماً. فنحن نقرّ له بما توصَّل إليه، ونقبل منه موقفه، حتّى لو اختلفنا معه في المعطيات التي قدَّمها، ولم نوافقه في نتيجته، لكنّنا نحترم جهده. وهذا معناه أنّه يوجد فرقٌ عظيم بين إصدار حكمٍ مسبق على التراث الحديثي للمذاهب الأخرى، وبين أن يقوم الباحثون في كلّ مذهبٍ بدراسة مصادر الحديث الأخرى في سائر المذاهب، كما يدرسون مصادرهم، ويحقِّقون فيها، وفي نُسَخها، وفي إثبات نسبتها لأصحابها، وفي مناهج مؤلِّفيها، وفي مشاكلها الداخليّة والخارجية، ثم يقولون ما يقولون. فهذا مثل: أن يبحث الإمامي في التفسير المنسوب لعليّ بن إبراهيم القمّي، ويرى أنّه لا قيمة لنُسْخة التفسير المتداولة اليوم بين أيدينا ـ كما هو الصحيح، وفقاً لما بحثناه مفصَّلاً في علم الرجال ـ، فهذا شيءٌ طبيعي. لكنّ هذا معناه أنّه يلزم على جميع المذاهب أن يدرسوا دائماً مصادر الحديث الإسلاميّة الأخرى بموضوعية وتجرُّد، لينظروا فيها، كما يدرسون دائماً مصادر حديثهم، وليخرجوا بما يريدون بعد ذلك. أما أن يغلقوا باب البحث فيها، أو يبحث فيها شخص أو شخصان، كما هي الحال عند الإماميّة بالنسبة لكتب السنّة، حيث يوجد بعض الأشخاص المهتمّين بهذا الموضوع([35])، ولا يشكِّلون واحداً من عشرة آلاف من المتخصّصين بالحديث والرجال والفقه، بحيث لا نجد عند الإماميّة درساً قائماً ثابتاً في تحقيق التراث الحديثي السنّي، كما هي الحال في دراسة الحديث الإمامي، بل يتَّخذون موقفاً مسبقاً، ثم لو دخلوا الموضوع فيكون دخولهم متفرِّعاً على هذا الحكم المسبق، وليس سابقاً عليه…، إنّ هذا كلَّه هو الذي لا نفهم مبرِّراً له.

والمشهد على المقلب السنّي أشدُّ وأقسى في تجاهل الحديث الإمامي والإباضي والزيدي والإسماعيلي، وكأنّه لا وجود له في تاريخ المسلمين. وإذا أُريد له أن يُدرس فيُدرس بعد الحكم المسبق عليه سَلْباً، لا أنّه يُدرس لكي نخرج بنتائج في الحكم عليه سَلْباً أو إيجاباً!

من هنا، نحن نطالب بأن تكون دراسة مصادر الحديث والرجال عند كافّة المذاهب مادةً أساسيّة في جميع المعاهد الدينية عند المسلمين قاطبةً، لتدرس المصادر الحديثية دراسة موضوعيّة محايدة، يتمّ التعامل فيها بطريقة مهنيّة وأكاديميّة عالية، قبل صدور الأحكام عليها، وتظل مادّةً ثابتة يدرسها كلُّ متخصِّص، لا أنه يبحث شخص أو شخصان فيها، ثم يتَّكل المذهب كلُّه على أحكامهم، فيما لا يفعلون ذلك مع مصادرهم المذهبيّة الداخليّة!

التعليق الرابع: إنّ عدد الضعفاء يختلف حَسْب اختلاف النظريات. وطريقة الأميني والمظفَّر وأمثالهما قامت على جمع كلّ مَنْ كان هناك نصٌّ لعالم سنّي رجالي في تضعيفه، ولو كان هذا العالم السنّي مثل الذهبي المتأخِّر زمناً جدّاً. ونحن إذا طبقنا هذه الطريقة في الوسط الشيعي، وجمعنا الضعفاء في كتب الشيعة، آخذين بعين الاعتبار مباني مثل العلاّمة الحلّي وابن داوود والجزائري و… لوصلنا لأرقام كبيرة أيضاً؛ فالضعفاء أو المذمومين أو المتروكين عند ابن داوود بلغ عددهم 565 راوياً، وعند العلاّمة الحلي 509 رواة، وعند الجزائري(1021هـ) 1168 راوياً، وعند محمد طه نجف(1277هـ) 541 راوياً، وعند الغضائري 159 راوياً، بل قد استدرك السيد الجلالي على النسخة المطبوعة اليوم لرجال الغضائري، ممّا نُقل عن الغضائري في الكتب الأخرى، فبلغ ضعفاء الغضائري معه 225 راوياً، وهكذا.

بل قد قام الشيخ حسين الساعدي مؤخَّراً، تحت إشراف مؤسّسة دار الحديث، بطباعة كتاب من ثلاثة مجلَّدات تحت عنوان: الضعفاء من رجال الحديث، جمع فيه كل مَنْ جرى حديثٌ عن تضعيفه، فبلغت موسوعته 407 رواة. إذن فالفارق بين السنّة والشيعة في عدد الضعفاء ليس بالفارق الهائل الخيالي، حتّى يتّهم السنّي الشيعة بضعف رواتهم عندهم، أو يتّهم الشيعي السنّي بضعف رواته عنده، ولا سيَّما أنّ عدد الرواة في كتب الشيعة لا يقلّ عن عشرة آلاف راوٍ، فالضعيف لا يزيد عن العُشْر لو بلغنا به ما بلغنا، كما أنّ الرواة في كتب السنّة أزيد من ذلك بكثيرٍ، فالحال هي الحال نفسها.

إذن، يجب أن ننظر بشمولية لهذه الظاهرة، أي ظاهرة الوضّاعين والضعفاء، وعند الطرفين معاً، ثم نحكم بعدها بما نريد أن نحكم به.

التعليق الخامس: إنّ بعض رجال أهل السنّة، وكذا الشيعة، قد يضعّفون راوياً، لكنْ ليس من الضروري أن ينسب تضعيفه للطائفة كلّها؛ لكثرة وجود اختلاف في تضعيف بعض الرجال، مثل: محمد بن سنان وسهل بن زياد و… وهذا معناه أنه لا يصحّ أن نحكم بضعف هذا الراوي عند الشيعة أو السنّة بمجرّد أن يكون أحد علماء الرجال ـ ولا سيَّما المتأخِّرين ـ قد ضعَّفه. وقد كانت بعض الأسماء في تجربة الأميني والمظفَّر والساعدي من هذا النوع.

التعليق السادس: لقد كتب السنّة والشيعة في الضعفاء، بل كتب السنّة أكثر من الشيعة. فعلى الصعيد السنّي كان هناك كتاب الضعفاء الصغير، للبخاري(256هـ)، والضعفاء والمتروكين، للنسائي(303هـ)، والضعفاء الكبير، للعقيلي(322هـ)، والمجروحين من المحدِّثين، لابن حِبّان البستي(354هـ)، وتاريخ أسماء الضعفاء والكذّابين، لأبي حفص ابن شاهين(385هـ)، والضعفاء والمتروكين، للدارقطني(385هـ)، والكامل في الضعفاء، لابن عدي(365هـ)، والضعفاء، لأبي نعيم الإصفهاني(435هـ)، والضعفاء والمتروكين، لأبي الفرج ابن الجوزي(597هـ)، والمغني في الضعفاء، للذهبي(748هـ)، والكشف الحثيث عمَّنْ رُمي بوضع الحديث، لبرهان الدين الطرابلسي الحلبي، المعروف بـ (سبط العجمي)(841هـ)، وغيرها من الكتب.

وأما على الصعيد الشيعي الإمامي فكان هناك كتاب الضعفاء، للغضائري، والقسم الثاني من كتاب الممدوحين والمذمومين، لأبي عليّ الكوفي (346هـ)، وكذلك الممدوحين والمذمومين لأبي الحسن القمّي(368هـ)، وأيضاً لأبي جعفر الكرخي، والجزء الثاني الخاصّ بالمجروحين والمجهولين، لابن داوود الحلّي(704هـ)، والقسم الثاني من الخلاصة، للعلاّمة الحلّي(726هـ)، والقسم الرابع من حاوي الأقوال، للجزائري(1021هـ)، والقسم الثالث من إتقان المقال، لمحمد طه نجف(1277هـ)، ومعرفة الحديث، للبهبودي المعاصر، الذي خصَّص فيه قسماً كاملاً للضعفاء ذكر فيه 150 رجلاً، والضعفاء من رجال الحديث، للشيخ حسين الساعدي المعاصر، وغير ذلك.

وبناءً عليه، إذا كان علماء الطرفين وجهابذتهم متنبِّهين بنسبةٍ ما إلى الضعفاء، وقد صنَّفوا فيهم بكلّ جرأةٍ وبسالة وشفافية ووضوح، وكشفوا الكثير من الضعفاء، إذن فلماذا نهوِّل عليهم بوجود ضعفاء عندهم، بدل أن يزيد ذلك اطمئناناً بوجود سعيٍ لتصفية الحديث على الدوام؟!

ولا ندَّعي صحّة كلّ الأحاديث الباقية. لكنّ تضعيف كلّ فريق لمئاتٍ من رواة الفريق نفسه دليلٌ واضح على التنبُّه لهذا الموضوع، وكشف الوضّاعين. وهذا ـ مبدئيّاً ـ من علامات الوثوق، لا عدم الوثوق.

التعليق السابع: لقد صنَّف السنّة كثيراً في علم موضوعات الحديث، على خلاف الحال إماميّاً. فقد ألَّفوا كتاب: الموضوعات للمقدسي (507هـ)، والموضوعات لابن الجوزي(597هـ)، والدرّ الملتقط في تبيين الغلط للصاغاني(650هـ)، والموضوعات لابن تيمية الحرّاني(728هـ)، والمنار المنيف لابن قيِّم(751هـ)، واللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة لجلال الدين السيوطي(911هـ)، وتنزيه الشريعة لابن عراق(963هـ)، والموضوعات الكبير للملا علي القاري(1014هـ)، وله أيضاً المصنوع في معرفة الحديث الموضوع، و…

ولم يصنِّف الشيعة الإماميّة مستقلاًّ في هذا العلم. ولعلّ أهمّ كتابين لهما جاءا في القرن العشرين، وهما كتاب الأخبار الدخيلة للمحقِّق التستري(1405هـ)، والموضوعات في الآثار والأخبار للسيد هاشم معروف الحسني(1403هـ). ويبدو أنّ هناك مشروعاً ضخماً في هذا الإطار سيقوم به مركز دار الحديث في قم قريباً، كما سمعنا. ومهما اختلفنا مع هذا أو ذاك في تقويم الموضوع، وبعضهم جعل الحديث الضعيف السند موضوعاً، وهو خطأٌ، إلاّ أنّ هذا يدلّ على وجود حسٍّ نقدي في هذا المجال، ويؤكِّد سعيَ السنّة والشيعة لتصفية الحديث، ممّا يزيد الوثوق في الجملة، ولا يضعّفه.

التعليق الثامن: إنّ رقم 98683 حديثاً من صنع 35 وضّاعاً، كما يذكر العلاّمة الأميني رقمٌ موهم جدّاً؛ إذ يتصوّر أنّ هذا العدد من الأحاديث موجودٌ الآن في مصادر أهل السنّة. في حين ليس المراد ذلك. بل كلّ ما في الأمر أنّ هؤلاء الرواة نُقل تاريخياً أنهم وضعوا هذا العدد، ولا يعني ذلك وجود هذا العدد من الروايات لهم في مصادر الحديث اليوم. تماماً كما يقال: إنّ فلاناً جمع كتابه من أصل 600000 حديث، لكنّ الستّمائة ألف هذه لم تَعُدْ موجودةً اليوم. فلا ينبغي أن يؤخذ الإنسان بمثل هذه الأرقام، فيُفهم مراد العلاّمة الأميني خطأً.

التعليق التاسع: إنّ عندي ملاحظةً على دعوى الأميني والمظفَّر وغيرهما أنّ علماء الرجال السنّة ضعَّفوا بعضهم بعضاً، وهي أنّني وجدت أنّ أكثر المعلومات حول نصوص التضعيف قد أتَوْا بها من كلمات كلٍّ من: الذهبي(748هـ)، وابن حجر(852هـ). وهي نصوصٌ متأخِّرة جدّاً، لا أنها موجودةٌ في مصادر هؤلاء الرجاليّين أنفسهم، بل تفصلهم عنهم أربعمائة سنة وأقلّ أو أكثر، فكيف نعرف صحّة هذه المنقولات؟!

نعم، نحن لا نشكّ في وجود جَدَل حول عددٍ محدود من علماء الرجال السنّة. لهذا نحن لا نأخذ بمَنْ كانت هذه حاله كائناً مَنْ كان. لكنْ نظراً لكثرة عدد علماء الرجال السنّة الذين وصلتنا مؤلَّفاتهم في القرون الخمسة الهجرية الأولى فإنّ تضعيف عددٍ قليل منهم لا يضرّ. كما أنّ تضعيف النجاشي لأبي جعفر الكرخي، أحد الرجاليّين الشيعة المفقود كتابه، لا يضرّ أيضاً. وكذلك إسقاط بعض علماء الشيعة ـ كالسيّد الخوئي ـ لنسخة كتاب الغضائري، أو عدم قولهم بحجِّية قول المتأخِّرين، وهم يُعَدُّون بالعشرات، ولا سيَّما أنّ متأخِّري السنّة بعد القرن الخامس الهجري أغلب كلامهم نقلٌ عمَّنْ سبقهم وتحليلٌ وحَدْس واجتهاد تقريباً في حقّ الرواة الأوائل. ومعه إذا كانت حجِّية قول الرجالي من باب أهل الخبرة أو الظنّ أو الاطمئنان أو الوثاقة فأيّ فرق بين السنّي والشيعي إلاّ مَنْ وقع فيه كلام بخصوصه؟!

علماً أنّ نصوص علماء الشيعة في حقّ بعضهم ليست هيِّنةً أبداً. ولك مراجعة نصوص المرتضى والمفيد والنجاشي من باب المثال. بل هناك نصوصٌ لبعض العلماء من الإماميّة، تحدَّثنا عنها في بحوثنا الرجاليّة، تُعَدّ في غاية القسوة في حقّ الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق. ولنترك هذا الموضوع، ونطوي عنه كَشْحاً، فلا داعي للإطالة.

نظريّة المظفَّر في حجِّية روايات أهل السنّة، مداخلةٌ عابرة

ذهب الشيخ محمد حسن المظفَّر في (دلائل الصدق) إلى سقوط حجِّية روايات أهل السنّة؛ لكثرة الوضّاعين؛ ولتضعيف بعضهم بعضاً. وقد تقدَّم الحديث في هذا الموضوع. لكنّ النقطة الأخرى في نظريّته هي قوله بحجِّية روايات أهل السنّة الواردة في فضائل أهل البيت حجِّيةً حقيقيّة، لا من باب إلزام الخصم؛ والسبب أنّ مدح أهل البيت كانت عقوبته الموت، فمَنْ يروي إذن فهو مُضَحٍّ لا يُحتَمَل في حقِّه الكذب.

يقول المظفَّر: «إنّ عامّة أخبارهم التي نستدلّ بها عليهم حجّة عليهم؛ لأمرين: [الأمر] الأوّل: إنّها إمّا صحيحة السند عندهم، أو متعدِّدة الطرق بينهم؛ والتعدّد يوجب الوثوق والاعتبار، كما ستعرفه في طيّ مباحث الكتاب. الأمر الثاني: إنّها ممّا يقطع عادةً بصحّتها؛ لأنّ كلّ رواية لهم في مناقب أهل البيت ومثالب أعدائهم محكومةٌ بوثاقة رجال سندها وصدقهم في تلك الرواية، وإنْ لم يكونوا ثقاتٍ في أنفسهم، ضرورة أنّ من جملة ما تُعْرَف به وثاقة الرجل وصدقه في روايته التي يرويها عدمَ اغتراره بالجاه والمال، وعدمَ مبالاته في سبيلها بالخطر الواقع عليه، فإنّ غير الصادق لا يتحمَّل المضارّ بأنواعها لأجل كذبةٍ يكذبها لا يعود عليه فيها نفعٌ، ولا يجد في سبيلها إلاَّ الضَّرَر. ومن المعلوم أنّ مَنْ يروي في تلك العصور السالفة فضيلة لأمير المؤمنين× أو منقصة لأعدائه فقد غرَّر بنفسه، وجلب البلاء إليه، كما هو واضحٌ لكلّ ذي أذن وعين»([36]).

ونحن نقبل ـ من حيث المبدأ ـ مثل هذا التحليل. لكنَّنا نورد عليه بأنّ نظريّته ليست بجامعةٍ، ولا مانعة:

أـ أما أنّها ليست بجامعة فلأنّه إذا كان هذا هو المعيار، وهو ظهور علائم الصدق، فهو لا يختصّ بروايات فضائل أهل البيت؛ إذ الروايات التي تنادي بالثورة على الحاكم أو عدم التعاون مع النظام الفاسد فيها هذا الشقّ أيضاً. وكذلك العديد من الروايات التي فيها هذه الخاصّية. فلماذا اختار المظفَّر شيئاً واحداً وترك سائر الأقسام؟ أليس رواية روايات في قدم القرآن ـ بصرف النظر عن المعارض ـ في عصر حكم المعتزلة فيه ذلك، والعكس صحيح في ظرف حكم الحنابلة؟!

ب ـ وأما عدم المانعيّة فلأنّه كما صحَّ لأهل البيت وأنصارهم في فترة انهيار الحكم الأموي وصعود العبّاسيّين أن يرووا آلاف الروايات؛ فلماذا في هذه الفترة لا يصحّ لأيّ كاذبٍ أن يروي في الفضائل مع عدم وجود بُعْد التضحية المذكور؟!

يُضاف إليه فترة الحكم البويهي (321 ـ 447هـ)، التي ظهرت فيها كتبٌ سنّيةٌ كثيرة في الحديث، فإنّ رواية فضائل أهل البيت فيها موجِبٌ للمدح، لا للعقاب. وكذلك ظهرت في العصر العباسي، وهو عصر تدوين الحديث والموسوعات الكبرى عند أهل السنّة، عدّة دول شيعيّة مهمّة لم تكن تمارس قمعاً على مَنْ يروي في فضائل أهل البيت، مثل: الدولة الحمدانيّة (317 ـ 399هـ)، والدولة الفاطميّة (358 ـ 567هـ)، وغيرها،. على أنّ رواية فضائل عليٍّ في العصر العباسي لم يكن فيها عقوبةٌ إذا ضمّ لها الراوي فضائل سائر الصحابة. وهذه كتب الحديث السنّية ـ بما فيها الصحيحان ـ زاخرة بمدح أهل البيت، وقد اُلّفت في العصر العباسي، ولم يتعرَّض أصحابها لمضايقات تُذْكَر، فلم يحصل مع سائر العلماء ما حصل مع الإمام النسّائي مثلاً.

فنظريّة الشيخ المظفَّر صحيحةٌ من حيث المبدأ، غير أنّها ليست جامعةً، ولا مانعة. ولا شَكَّ في أنّ وجود روايات المدح لأهل البيت في مصادر أهل السنّة موجِبٌ لتقوية الوثوق بها نوعاً ـ على تفصيلٍ ـ كما لا يخفى. لكنْ إذا كان هؤلاء يضحّون لأجل الرواية في مدح أهل البيت ألا يوجب ذلك مَدْحاً لهم أو توثيقاً أو تعديلاً أو شيئاً من هذا القبيل، ومن ثم يمكن الاستفادة من سائر رواياتهم في غير هذا المجال، ولو في الجملة؟!

نتائج البحث في المصادر الحديثيّة غير المذهبيّة

والنتيجة: إنّنا بعد أن كانت العبرة بالوثوق أو الوثاقة، لا العدالة ولا شرط الإيمان، لم نَرَ فَرْقاً في لزوم الرجوع بين مصادر الحديث عند المسلمين جميعاً، مع اعتقادنا بوجود تفاضلٍ بينها، كما هو واضح، وبضرورة ممارسة نقدٍ داخلي فيها بشكلٍ متوازٍ. من هنا دعَوْنا إلى تأسيس موسوعة حديثيّة إسلاميّة عامّة تكون مرجعاً حديثيّاً لكافّة المسلمين، ودعونا لموسوعةٍ رجاليّة إسلاميةّ عامّة كذلك، وكذلك أيّدنا طرح العلاّمة الشيخ محمّد مهدي شمس الدين في العمل على فقهٍ إسلاميّ عامّ، كما هي عادة القدماء، يجمع بين العموميّة، ويحترم لكلّ فقيهٍ ما عنده من الهويّة المذهبيّة.

والذي يبدو أنّ سيرة علماء الإماميّة وأمثالهم قد انعقدت على هذا التواصل، لهذا تجدهم يرجعون في علم التفسير والتاريخ واللغة والنحو والصرف وأسباب النزول والفلسفة والكلام والعرفان و… إلى كتب سائر فرق المسلمين، بل وغير المسلمين أحياناً، كالفلسفة، ثم يبحثون فيها، ويأخذون ما يرَوْنه الصالح منها، وينتقدون ما يعتقدونه الباطل.

الهوامش

([1]) راجع: مقباس الهداية 1: 312، 320 ـ 321.

([2]) المصدر السابق 1: 312، 320.

([3]) انظر: حيدر حب الله، دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 4: 337 ـ 391.

([4]) انظر: حيدر حب الله، إضاءات في الفكر والدين والاجتماع 1: 337 ـ 338، 405 ـ 407، 470 ـ 479.

([5]) الشيخ حسن، معالم الدين: 200.

([6]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: علي الخليلي النجفي، سبيل الهداية في علم الدراية: 107.

([7]) انظر: الرامهرمزي، المحدث الفاصل: 574 ـ 575.

([8]) قناعتي الشخصيّة أنّ نفس تفكيكهم في الجملة في المذاهب المختلفة بين رواية المخالف في المذهب في كتبهم وروايته في كتب مذهبه دليلٌ على أنّهم لم ينطلقوا من تأسيسٍ شرعي عامّ لهذا الموضوع، وإنّما جاءت القضيّة على خلفيّة الثقة والوثاقة والاطمئنان والخوف ونحو ذلك من السياقات النفسية والاجتماعية والتاريخيّة التي خضعت لطبيعة الأنماط العلائقيّة بين المسلمين تاريخيّاً.

([9]) انظر: رجال الطوسي: 17.

([10]) انظر: المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلاميّة 1: 19؛ ومحمد رضا الجلالي، المنهج الرجالي والعمل الرائد في الموسوعة الرجاليّة للسيد البروجردي: 116 ـ 119.

([11]) انظر: محمد محسن الطهراني، الدرّ النضيد في الاجتهاد والتقليد والمرجعيّة (تقرير: السيد محمد حسين الطهراني لبحوث الشيخ حسين الحلّي، مع تعليقات: السيد محمد محسن الطهراني): 340؛ حيث يقول محمد محسن الطهراني في سياق حديثه عن ضرورة الاطّلاع على فقه غير الإماميّة من المسلمين: «هناك أحاديث رائجة بين أهل السنّة ينبغي على المجتهد أن يلتفت إليها، ويعمل بها إذا كان سندها صحيحاً موثوقاً»؛ وانظر أيضاً: حسين الخشن، أصول الاجتهاد الكلامي: 23 ـ 25.

([12]) انظر: الطباطبائي، رياض المسائل 12: 464؛ والشهيدي، هداية الطالب إلى أسرار المكاسب 3: 454؛ والنجفي، جواهر الكلام: 2: 30، 38.

([13]) انظر: مسالك الأفهام 6: 92.

([14]) الحدائق الناضرة 18: 381.

([15]) الشهيدي، هداية الطالب إلى أسرار المكاسب 3: 454.

([16]) انظر: أنوار الفقاهة (الحدود والتعزيرات): 391.

([17]) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية: 148 ـ 149؛ وانظر: ضعفاء العقيلي 1: 8؛ ومقدّمة ابن الصلاح: 90 ـ 91.

([18]) وإنْ كنّا نرى أنّ الداعي إلى بدعته ينبغي التحفُّظ ـ على أبعد تقديرٍ ـ في رواياته التي تمسّ ما ينتصر له ويدعو إليه ويتحمّس له، وليس مطلقاً، ما لم يكن مستحلاًّ للكذب بشكلٍ عامّ في القضايا الدينيّة، وخصوصيّة دعوته لما ينتصر إليه وضعف القوّة الاحتمالية في خبره هناك يتساوى فيها هو ومَنْ يدعو للحقّ، فقد يبتليان في هذه القضيّة معاً، وإلاّ فهل هناك آية أو حديث تعطي حكماً خاصاً في القبول بشهادة مَنْ يدعو لبِدْعته؟! إنّما هي مقارباتٌ شخصيّة منهم.

([19]) الكفاية في علم الرواية: 154 ـ 160.

([20]) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية: 153 ـ 154؛ وانظر: الرازي، المحصول 4: 396 ـ 397؛ والبصري، المعتمد 2: 618.

([21]) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية: 157.

([22]) لا أدري ما الفرق بين الشيعي والرافضي في قبول خبر هذا دون ذاك؟! فإذا كان نفس العقيدة فكلاهما عقيدته باطلة عند الذهبي، فلماذا يُعْذَر هذا ولا يُعْذَر ذاك؟! هذا يحتاج لتبرير علمي، وليس عاطفيّاً أو شعاريّاً يدغدغ قناعات وعواطف جمهور أهل السنّة. وإذا كان الموقف من بعض الصحابة فلماذا كان هذا الموقف موجباً لردّ الرواية، دون ذاك الموقف؟ ولماذا كان اجتهاد هذا معذوراً فيه دون ذاك، مع كون الاجتهادين معاً خاطئين؟! وهل في ذلك آيةٌ كريمة أو حديث شريف خاصّ؟! إنّني أعتقد أنّ هذا بأجمعه ناتجٌ عن المواقف العقديّة، ومنطق التفسيق والتكفير، وعن حدّة الانقسام، لا عن مبرّرات موضوعية في عالم الرواية ومجال نقل الحديث. نعم، قول الإمام الذهبي بعد ذلك بأنّه ليس فيهم ثقةٌ جيّدٌ. وهذا حقُّه، وإنْ كنّا نختلف معه فيه. أمّا لو فُرض أنّهم ثقات، ومع ذلك لا نأخذ بحديثهم؛ لأنّهم يرَوْن هذا الموقف من الشيخين مثلاً، فهذا يحتاج لتبريرٍ في موضوع حجّية الأخبار، غير مجرّد المنطلقات العاطفيّة العامّة، إلاّ إذا قيل بالتكفير.

([23]) الذهبي، ميزان الاعتدال 1: 5 ـ 6.

([24]) انظر: ابن حِبّان، مشاهير علماء الأمصار: 269؛ والمزّي، تهذيب الكمال 9: 277.

([25]) ابن قدامة، المغني 12: 29 ـ 30.

([26]) ثمّة وجهة نظر ـ شهدت تنامياً نسبيّاً عند الإماميّة في العصر الأخباري (القرنان 11 ـ 12هـ) ـ تقول بأنّ المراد من المرجئة في بعض الروايات عن أهل البيت هم عموم أهل السنّة، وأنّ المرجئة عنوان يطلق على مَنْ أرجأ علياً، ويُطْلَق على المذهب المعروف أيضاً. وبعد المراجعة لم يظهر لي وجهٌ مقنع لهذا الكلام على صعيد نصوص أهل البيت، إلاّ في رواياتٍ محدودة، يحتاج فيها الأمر لقرينةٍ. وتوجد شواهد على عكسه في بعض الروايات الأخرى. فدعوى أنّ هذه الكلمة تنصرف عند الإطلاق إلى عموم غير الشيعة تحتاج لمزيد بحث، نتركه الساعة.

([27]) انظر: أحمد الماجد البحراني، توثيق رواة الصحاح: 20 ـ 28، 46 ـ 56.

([28]) حاول الكاتب أحمد الماجد البحراني، في كتابه الذي خصَّصه لهذا الموضوع، جَمْعَ عددٍ من الرواة المعتمدين في كتب حديث أهل السنّة، ممَّنْ رووا عنه، من الخوارج والنواصب، فانظر له: توثيق رواة الصحاح: 57 ـ 251.

([29]) انظر، الأميني، الغدير 5: 298 ـ 464.

([30]) المظفَّر، دلائل الصدق 1: 7 ـ 286.

([31]) راجع: حيدر حبّ الله، المدخل إلى موسوعة الحديث النبويّ عند الإماميّة: 385 ـ 648.

([32]) بهذه الطريقة حصل لنا شخص غير إمامي موثّق، فيطبّق قانون الأخذ بتوثيقاته على اختلاف المباني في حجّية قول الرجالي، وقد قبلوا بالأخذ بتوثيقات غير الإمامي الموثَّق، فانظر: مقباس الهداية 1: 364.

([33]) يحسُن في هذا المجال مراجعة ما صنَّفه العلاّمة محمد بن عقيل العلوي الحسيني الحضرمي، من كتابٍ ماتع وهو: العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل، ولكنّه رغم كل النقد الذي يوثِّقه يلتمس للمتقدِّمين عذراً في ما سلكوه من تضعيفٍ أو غمز أو تجاهل لأهل البيت وللرواة المنتمين إليهم، ويرى أنّ القرون المظلمة بالجور والعسف في زمن الأمويين والعباسيين تصلح عذراً لهؤلاء العلماء، ولو في بعض الحالات وغير ذلك، ذاكراً بعض الشواهد على هذا الأمر، فانظر له: العتب الجميل: 171 ـ 179.

([34]) التعليقة على معالم الأصول 7: 229.

([35]) مثل: شيخ الشريعة الإصفهاني، والعلامة الأميني، والشيخ محمد حسن المظفَّر، والسيد هاشم معروف الحسني، والسيد علي الميلاني، والسيد محمد رضا الجلالي، وأمثالهم. وغالبهم ـ بصرف النظر عن خلفيّاتهم البحثية، وطريقة تناولهم للموضوعات، ممّا فيه الكثير من المناقشات التي أشرنا إلى بعضها في كتاب المدخل لموسوعة الحديث النبوي ـ غالبهم ظهروا في العصر الحديث، أمّا قبله فلا تكاد تعثر على شيءٍ مهمّ في هذا الصدد.

 ([36]) انظر: المظفَّر، دلائل الصدق لنهج الحقّ 1: 7.