الحديث الشريف بين المصادر المذهبيّة والإسلاميّة

3 ديسمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
54 زيارة

الحديث الشريف بين المصادر المذهبيّة والإسلاميّة

قراءةٌ استدلاليّة في مرجعيّة الحديث الإسلامي

ـ القسم الأوّل ـ

الشيخ حيدر حبّ الله

تمهيد

نحاول في هذه الوريقات المتواضعة الجواب عن السؤال الرئيس التالي: هل سلامة العقيدة الدينية والمذهبيّة شرطٌ أو قيد في الأخذ برواية الراوي أو لا؟ هل الانتماء الديني أو المذهبي مدخلٌ رئيس لتكريس أو نفي مرجعية حديثية معيّنة في التراث الحديثي عند المسلمين أو لا؟ هل توجد حواجز حقيقيّة ذات مضمون جادّ تحول دون رجوع المسلمين لمصادر بعضهم الحديثيّة من حيث المبدأ أو لا؟ وما الذي تستدعيه القواعد العامّة في علوم الفقه وأصول الفقه والحديث في هذا المجال؟

يدفعنا هذا السؤال لطرح علامة استفهام تريد استكشاف الأمر، وهي تقول: لماذا لم نلاحظ في الاجتهادات الفقهيّة وغيرها عند المذاهب الإسلاميّة أيّ ملاحظة للمصادر الحديثية الموجودة عند الطرف الآخر؟ فقلَّما نجد فقيهاً شيعياً يستحضر في بحثه الفقهيّ روايةً من المصادر الحديثية السنية. وهكذا الحال في الوسط السنّي؛ إذ قلّما نجد مَنْ يراجع كتاب الكافي؛ لأخذ روايةٍ منه في موضوع فقهيّ، حتّى لو لم يكن هذا الموضوع من موضوعات الخلاف المذهبي، كزواج المتعة، أو المسح على القدمين في الوضوء، أو التأمين، أو التكتُّف، أو شهود الزواج والطلاق، أو… فإذا كانت العبرة بالوثاقة فلماذا لا يرجعون إلى كتب بعضهم بعضاً؛ للنظر في أسانيدها، بل يتعاملون وكأنَّها غير موجودةٍ إطلاقاً؟

ومن الواضح تاريخيّاً أننا لم نرَ فقيهاً أو غيره إلاّ نادراً ـ إذا كان ـ قد راجع كتب الحديث عند المذهب الآخر، وفنَّدها روايةً رواية، لتكون ضعيفة السند عنده، ثم ليكون ذلك هو السبب في إعراضه عنها. فهذا ما لا يظهر من سيرتهم ومصنَّفاتهم، بل الظاهر أنّ هناك موقفاً مبدئيّاً مسبقاً، هو الذي دفع إلى حصول هذه القطيعة المعرفيّة، وعدم شعور الباحث بالحاجة إلى السعي والبحث في مصادر الفرق الأخرى.

هذا البحث المختصر هو محاولةٌ لتحليل منطلقات هذه الظاهرة، ودراستها من زاوية معيارية؛ لرصد هذا الأداء، اعتماداً على قراءةٍ تقويميّة للبنيات التحتيّة الأصوليّة والفقهيّة والحديثيّة عند المسلمين، في ما يخصّ هذا الموضوع.

مداخل ضروريّة للموضوع

من هنا، لا بُدَّ من دراسة المنطلقات القَبْلِيّة والأدلّة المسبقة التي تمّ الانطلاق منها؛ لتحليلها ورصدها ومحاكمتها ومعرفة صوابها من خطئها. لكنْ قبل ذلك ـ ونظراً للأهميّة القصوى، مهما كانت النتيجة لهذا البحث الذي لم يُتطرَّق إليه في كتب أصول الفقه ـ من الضروري الإشارة إلى بعض النقاط المدخليّة، وهي:

أـ ضرورة تحييد الموضوع عن الخطاب التقريبي العام

النقطة الأولى: من المهم للغاية أن لا ننطلق في مثل هذا البحث من منطلقات التقريب بين المذاهب، فيكون هذا هو شعارنا الذي نَلِجُ به الموضوع؛ إذ إنّ ذلك سيحرف البحث عن مساره الطبيعي العلميّ المحايد؛ فالتقريب شيءٌ والبُعْد المعرفي شيءٌ آخر. فهذا البحث أسبق رتبةً من قضيّة التقريب؛ لأنّه يُعالج الجذر المعرفي لواحدٍ من منطلقات التقريب. فعلينا أن لا نتّهم ـ دوماً ـ مَنْ لا يؤمن بمصادر الحديث عند الآخرين بأنّه طائفيّ أو متعصِّب أو… وهذه هي مشكلة بعض دعاة التقريب في عالمنا الإسلاميّ عند المذاهب كافّةً، ولا سيَّما أنّ بعضهم ليس مستعدّاً للنظر في مبرّرات الطرف الذي يراه طائفيّاً. وهذا ما يقف على النقيض من البنيات المعرفيّة للتقريب نفسه، ويُدخل التقريبيين ودعاة الإصلاح في تناقضٍ داخلي.

ب ـ الحاجة لتحييد الموضوع عن الخلفيّات المذهبيّة الطائفيّة

النقطة الثانية: لا يصحّ في دراسة هذه المسألة المهمّة الانطلاق أيضاً من مواقف مذهبيّة مسبقة، ومن عُقَد طائفيّة؛ فلأنّ المصدر الحديثي الفلاني شيعيٌّ إذن لا نريد الرجوع إليه، ولأنّ المصدر الحديثي الآخر سنّيٌّ إذن لا نريد الرجوع إليه أيضاً، دون تقديم تبريرات منطقيّة ومُصاغة صياغة علميّة في هذا المجال؛ لأنّ معالجة مثل هذا الموضوع على أسسٍ من هذا النوع تغيِّب الروح الأكاديميّة المنصفة، وتعطِّل النشاط الفكري الحرّ بالمرّة.

ج ـ الحياديّة وتطابق المسافة مع جميع الأطراف

النقطة الثالثة: نسعى في هذا البحث لدراسة الأدلّة التي يقدِّمها الشيعي لرفض مصادر الحديث السنيّة، كما نتابع الأدلّة التي يقدِّمها السنّي لرفض مراجعة المصادر الحديثيّة الشيعيّة. فنحن في هذا البحث سنكون خارج الإطار الشيعيّ والسنّي معاً، لنرى هل موقف الشيعي صحيحٌ وفق معطياته أو لا؟ وهل هناك مبرِّر صحيح للموقف السنّي وفق معطياته أو لا؟ ولا نريد هنا أن نقول للشيعي: خُذْ بروايات أهل السنّة، ونسكت عن إعراض السنّي عن الأخذ بروايات الشيعة، كما لا نريد هنا أن نقول للسنّي: خُذْ بروايات الشيعة، ونسكت عن إعراض الشيعي عن الأخذ بروايات أهل السنّة، بل نحن نخاطب الطرفين معاً.

نعم، قد تكون النتيجة لزوم أخذ الشيعي بروايات السنّة، دون العكس؛ أو لزوم أخذ السنّي بروايات الشيعة، دون العكس؛ لأسباب ومبرِّرات معرفيّة. لكنّ هذا على مستوى النتائج، أما على مستوى البحث نفسه فنفترض تساوي الجميع في الرصد والمعالجة.

د ـ مرجعيّة مصادر الحديث بين البحث العلمي والجَدَل المذهبي

النقطة الرابعة: لا يُقصد من هذا البحث دراسة مسألة الرجوع إلى مصادر الفريق الآخر لتسجيل إشكالٍ نقديٍّ عليه من مصادره، عبر الاحتجاج عليه بما في مصادره؛ فهذا النوع من المحاججة صحيحٌ في باب الجَدَل لا غبار عليه، لكنّنا هنا لا نبحث على مستوى باب الجَدَل، وإنما على مستوى باب البرهان، أي جعل مصادر الحديث الإسلاميّة بمذاهبها مادّةً لرصد السنّة المحكيّة، في طريق استنباط الأحكام الشرعيّة والمفاهيم الدينيّة، بعيداً عن باب الاحتجاج والنقض وإفحام الخصم و…

هـ ـ بين مبدأ الرجوع إلى المصادر الحديثية للمذاهب ومبدأ الحجِّية

النقطة الخامسة: إنّ القول بعدم صواب الرجوع إلى مصادر الحديث السنّية مثلاً معناه عدم حجِّية الروايات الواردة في هذه المصادر. فإذا قام دليلٌ على عدم الرجوع من رأس كان معناه سقوط حجِّية هذه الروايات، أما إذا قام دليلٌ على لزوم الرجوع إلى هذه المصادر فإنّه لا يعني بالضرورة حجِّية تمام الروايات الموجودة، ولا حجِّية بعضها بشكلٍ ناجز، بل يمكن أن يعني ترقُّب وجود روايات حجّة في هذه المصادر بمقدارٍ عقلائي من الترقُّب. فهذ أشبه شيءٍ بالبحث عن الدليل أو عن المخصِّص، حيث يجب أن يكون السعي في المواضع التي يُترقّب فيها عقلائياً ومنطقيّاً وجود الدليل أو المخصّص، فقد نجده فنأخذ به، وقد لا نجده فنرجع إلى أصالة البراءة في الأوّل (الدليل)، وأصالة العموم في الثاني (المخصِّص)، فالإلزام بالرجوع معناه أو يكفي فيه ترقُّب الحجّة، لا ثبوت الحجّة بالضرورة؛ بوصف ذلك قضيّة مسبَقة مسقَطة، فليُنتَبَه جيّداً لذلك.

و ـ المسؤوليات اللاحقة لتكريس مبدأ مرجعيّة مصادر الحديث عامّة

النقطة السادسة: لا شَكَّ في أنّ النتيجة التي تقول بعدم لزوم الرجوع إلى مصادر الفريق المذهبي الآخر أكثر سهولةً ويُسْراً من النتيجة الأخرى؛ لإفضاء الثانية إلى توسيع نطاق عمل الفقيه والباحث وجهودهما. وهذا ما يصعِّب عمله جدّاً، لكنّه ليس مبرِّراً للرفض إذا قام الدليل عليه. فالمسألة مسألة وجوب الأمانة والإنصاف وبذل الوسع في البحث عن الدليل، وليس مهمّاً أن أجتهد في كلّ الفقه، بقدر ما أن يكون اجتهادي بمستوى المعرفة المطلوبة، ولو كان في بابٍ واحد من الفقه وحده.

نطاقات الجهود البحثية في هذا الموضوع

وبعد هذه الكلمات المقدّمية، نشرع في دراسة أصل الموضوع. وقد لاحظنا أنّ علم أصول الفقه لم يدرس هذا الموضوع من هذه الزاوية، إلاّ في ضوء بحثه في مسألة شرط الإيمان والعدالة والوثاقة. كما أنّ علم الفقه والحديث والرجال لم يعالج هذا الموضوع إلاّ بمقدارٍ بسيط نسبيّاً، كما سوف نرى. كلّ ما في الأمر أنّ هناك كلمات هنا وهناك متفرّقة، يستوحى منها إشارة في هذا الإطار أو ذاك. وقد وجدنا أنّ هذا الموضوع أثير على ثلاثة صُعُد، وبشكلٍ مختصر أيضاً في أغلبها:

الصعيد الأوّل: في الصراع الأخباري ـ الأصولي عند الإماميّة. فقد انتقد علماء الأخباريّة الشيعة ما اعتبروه تأثُّر العلاّمة الحلّي وأنصار مدرسته بأهل السنّة، لهذا طالبوا بقطيعة صريحة بين علوم الطرفين، وصرّحوا بأنّ علوم الشيعة غير علوم السنّة، بل قالوها بصراحة: إنّ هموم الفقيه الشيعي مغايرةٌ لهموم الفقيه السنّي، وأحاديثهم غير أحاديثهم، وفقههم غير فقههم، واعتقاداتهم غير اعتقاداتهم، حتّى عبَّر الأخباريون بتعابير مثل: إلههم غير إلهنا، ونبيّهم غير نبيّنا، و… وفي ثنايا كلمات الأخباريين وجدنا لفتات تطالب بمزيدٍ من هذه القطيعة؛ لبناء كلّ المنظومات الفكريّة السنّية على الباطل وخلاف الحقّ، الأمر الذي لا مبرِّر معه للتواصل الفكري معهم.

الصعيد الثاني: في السجال المذهبي. ففي إطار المساجلات المذهبيّة ظهرت مواقف هنا وهناك تتعلَّق بهذا الموضوع. فعلى الصعيد السنّي كانت دائماً الصورة النمطيّة المكوّنة عن الإنسان الشيعي حاكمة على العقل السنّي؛ ألا وهي صورة المنافق الوضّاع الدجّال الذي يعمل بالتقيّة، وهذا معناه أنّه لا يمكن أخذ شيءٍ منه، وكذلك على الصعيد الشيعي، حيث السنّي هو الموالي للسلطان الذي يضع الأحاديث لمصالح ومنافع. وفي هذا الإطار لم يعُدْ يمكن إحداث وصلة بين الفريقين. وسيأتي أنّ مثل الشيخ محمد حسن المظفَّر قال: إنّ أحاديث السنّة في مناقب أهل البيت^ حجّةٌ حقيقةً، لا من باب الجَدَل، أما في غير ذلك فهي ليست بذات قيمة أساساً.

الصعيد الثالث: وهو ما طُرح في بعض الكلمات في علم الحديث والأصول والرجال، من عدم الأخذ بروايات المبتدعة وأنصار بعض الفِرَق، وكذلك شرط الإيمان والإسلام في الراوي. وهذا موجودٌ عند الشيعة وأهل السنّة، كما سوف نرى بحول الله تعالى.

وعلى أيّ حال، سنقسِّم البحث إلى ثلاثة محاور:

أـ في بداية البحث نطرح نظريّة التواصل والدمج في مصادر الحديث، ومقتضيات القواعد العامّة في هذا المجال.

ب ـ ثمّ نتكلّم في المحور الثاني عن مبدأ شرط المذهبيّة في الراوي، وهو استكمالٌ للقاعدة العامّة.

ج ـ ثمّ نعقِّب ذلك كلَّه، في المحور الثالث، بالمحاذير أو العوائق التي تمنع عن الأخذ بروايات الفريق الآخر. وبهذا نجعل البحث في ثلاثة محاور:

المحور الأوّل: المقتضيات الأوّلية لقاعدة الدمج أو توحيد الحديث الإسلامي

نقصد بقاعدة التواصل والدمج الحديثي أنّ الباحث المسلم يلزمه ـ منطقيّاً وموضوعيّاً وأخلاقيّاً وشرعيّاً ـ النظر في مختلف مصادر الحديث الإسلاميّة عند المذاهب كافّة، قبل تكوين رؤيته في القضيّة الفقهيّة أو الكلاميّة أو التاريخيّة أو التفسيريّة أو غير ذلك، وله الحقّ بعد ذلك في نقد أيٍّ من هذه الأحاديث في موضوع بحثه، واختيار أيٍّ منها، وفقاً لمعالجاتٍ علميّة منطقيّة جادّة.

والحديث في مقتضى القواعد ـ بعيداً عن معوِّقاتها ـ يمكن صياغته على الشكل التالي:

تارةً نبني في باب الأخبار على نظريّة الوثوق أو اليقين؛ وأخرى نتبنّى نظريّة الوثاقة بالمعنى الأعمّ أو السند. فهنا افتراضان قبليّان:

الافتراض الأوّل: أن نبني على اليقين أو الوثوق. وهنا:

1ـ أمّا البناء على اليقين، كما لو أتى من التواتر أو القرائن الحافّة، فلا فرق فيه بين أن يكون الخبر صحيحاً من الناحية السنديّة أو يكون ضعيفاً؛ لأنّ بناء اليقين في مثل هذه الحالة على معطيات خارجيّة أو على حساب الاحتمال، ومقتضى القاعدة أن لا يميّز بين خبرٍ وآخر في إدخال هذا الخبر في حساب عناصر الاحتمال ما لم يقُمْ ما يعيق هذا الحساب، أو نجزم مسبقاً بكذب وعدم صدور جميع أخبار هذا المذهب بضرسٍ قاطع. نعم، أشكال الأخبار توجب تسريع حصول اليقين وعدمه؛ فإنّ عشرة أخبار تامّة السند تعطي نسبةً احتماليّة أكبر من عشرة أخبار لا سند لها، بل هي مرسلة جدّاً.

وعليه، فطبقاً لفرضيّة اليقين يفترض أخذ كلّ خبرٍ يحكي عن مصادر الدين والشريعة بالحسبان، ولا معنى لاستبعاد أيِّ خبر أو مجموعة أخبار من الحسبان، إلاّ إذا كان هناك عنصرٌ معيق، أو معطىً ما يلغي احتماليّتها من رأسٍ دفعةً واحدة، وإلاّ فمقتضى الحالة الطبيعيّة القواعديّة هو أخذ هذه الروايات بعين الاعتبار.

من هنا، يُفترض ـ قواعديّاً ـ الرجوع إلى مصادر أهل السنّة لتتبُّع الروايات عندهم؛ إذ قد تكون بعض الروايات لا تحصِّل تواتراً في عددها بحسب المصادر الشيعيّة، أمّا لو ضُمَّت إليها المصادر السنّية فيمكن أن يبلغ العدد والكمّ والكيف حدَّ التواتر. وهكذا الحال في خبر الشيعي بالنسبة إلى السنّي، والإباضي بالنسبة إلى الطرفين، وهكذا…

وهكذا الحال في الخبر المحفوف بالقرينة؛ فإنّ العبرة هنا بالقرينة أينما كان الخبر. نعم وجوده في هذا المصدر أو ذاك يساهم في قوّة القرينة. فمثلاً: ورود روايات توافق مذهب الشيعة في مصادر الحديث السنّية يُعدّ بنفسه قرينةً حافّة قد تدفع لتقليص احتمال الكذب، كما قال المظفَّر في روايات فضائل أهل البيت النبوي الواردة في كتب الحديث السنّية. فمقتضى القاعدة لزوم الرجوع إلى هذه المصادر للبحث فيها؛ إذ يُترقّب فيها وجود عددٍ لا بأس به من الأخبار المحفوفة بالقرينة المفيدة لليقين بالصدور.

والذي قلناه بعينه يجري مع السنّي في المصادر الشيعيّة؛ فإنّ هذه المصادر تساعد على تبلور التواتر في بعض الأحيان، كما تحتفّ في أحيان أخرى بقرينة القطع، أو تشكّل هي قرينة القطع تَبَعاً للموضوع. فمقتضى القاعدة لزوم التفتيش عن روايات الفرق الإسلاميّة كلّها؛ للنظر في التواتر أو القرائن الحافة. وما هو غير ذلك يحتاج إلى بيان ما يعطِّل هذه القاعدة، أو يعيقها عن العمل.

2ـ وأما البناء على الوثوق، بلا فرقٍ في تفسير الوثوق بأنّه الاطمئنان الشخصي أو النوعي، والظنّ الشخصي أو النوعي، فمن الواضح انطباقُ الكلام عينه هنا بشكلٍ أوضح منه في باب التواتر واليقين؛ لتوفّر حصول الاطمئنان والظنّ أكثر من حصول اليقين الجازم. وعليه فوجود الروايات في مصادر الفِرَق الأخرى يساعد ـ قواعديّاً ـ على حصول الاطمئنان أو الظنّ. ولمّا كانت العبرة بهما، مهما كان طريق الوصول إليهما، كان المفترض التفتيش عن كلِّ ما يُحتمل معه التأثير عليهما.

ومعنى ذلك كلِّه أنّ مقتضى القاعدة في بابَيْ: الوثوق؛ واليقين، هو لزوم أخذ روايات المسلمين جميعاً بالحسبان، ما لم يظهر ما يعيق ذلك. وحيث بنينا على الوثوق واليقين في باب الأخبار([1]) كان المفترض على نظريّاتنا الأخذ بالحسبان لتمام روايات المسلمين.

وعليه، لو فرضنا أنّ رواية في الإرث أو الطلاق منقولةٌ عند الشيعي في مصادره عن أهل البيت، ثمّ وجد مضمونها منقولاً عن النبيّ أو عن أحد أئمّة أهل البيت في مصادر الحديث السنّية، وكان يبني على نظريّة اليقين أو الوثوق، فلا شَكَّ في أنّ هذا الأمر يساعده في بحثه وتقوية يقينه، بل قد تحتوي الرواية في مصادر السنّة على قيد يرفع إبهاماً من الرواية في المصادر الشيعية، أو العكس، أو قد ترشد إلى سياق يساعد على فهم أفضل للرواية الواردة في مصادر الشيعة.

وحتّى لو أراد الشيعي مثلاً أن يرفض الرواية السنّية، على تقدير مخالفتها للرواية الشيعيّة، وله في ذلك مبرّره الخاصّ، فلا بأس، فهذا تفصيلٌ في آليات الرجوع والاستفادة. وهو لا يخلّ بالمبدأ، كما هو واضح. لكنْ ما دام يحتمل وجود عناصر تقوية وثوقيّة مثلاً للحديث الوارد عنده، أو يحتمل وجود عنصر دلالي مساعد هناك، فكيف يتسنّى له ردُّه لعدم حصول اليقين عنده منه في مصادره، مع أنّه ربما لو رجع لمصادر سائر المسلمين لأمكن تقوية يقينه في بعض الحالات، ورفع الخبر إلى مستوى الحجِّية على نظريّاته الخاصّة، وقد تؤثِّر روايات سائر المذاهب في حصول الشكّ عنده في روايته هو نفسه. وهكذا الحال على مستوى الاستعانة الفهميّة بروايات سائر المذاهب.

ويزداد هذا الأمر وضوحاً في ضرورته ومنطقيّته على مسالك اليقين والوثوق كلّما اقتربت المذاهب من بعضها عقديّاً وفكريّاً. فمثلاً: الأمر بين الزيديّة والإماميّة يفرض رجوع بعضهم بعضاً إلى مصادر بعضهم بعضاً في ما روَوْه عن أهل البيت النبوي. وهكذا عندما نكون بين المذاهب العقديّة والفقهيّة لجمهور أهل السنّة، كالمتصوّفة والماتريدية والحنفية والمالكية والشافعية والأشاعرة، وكذا المعتزلة، فكلّما ازداد التقارب قويت إمكانات الاستفادة من بعض الجهات، بل كلّما ابتعد كانت الاستفادة قويّةً من جهاتٍ أُخَر، كتحصيل التواتر بسبب تعدُّد الطرق غير المتداخلة أبداً.

إنّ تقوية الحديث وردّ بعض إشكاليات المستشرقين والناقدين عليه تستدعي توحيد الحديث الإسلامي؛ لأنّ ذلك يضاعف من إمكانات التصحيح بدرجةٍ مقبولة.

هذا كلُّه، فضلاً عن مثل النظريّة التي يُعْرَف بها السيّد البروجردي، والتي تقول بأنّ فهم نصوص أهل البيت متفرِّعٌ على فهم المواقف العامّة في تلك العصور عند الفقهاء وعامّة المسلمين، فإنّ هذا يفرض النظر في الروايات التي عند سائر المسلمين؛ لما لها من دورٍ عظيم في تحصيل هذا السياق العامّ المحيط بمجمل التجربة التي قدَّمها أهل البيت النبوي، فكأنّ الرجوع لسائر المصادر نوعُ تكوينٍ لأسباب الصدور ومناخاته.

هذا، وقد بُذلت محاولةٌ مؤخَّراً في جمع الأحاديث المرويّة عن أئمّة أهل البيت من مصادر الحديث السنّية، أي تلك الروايات المرويّة في كتب الحديث عند غير الشيعة، وتنقل حديثاً عن الإمام عليّ أو الصادق أو الباقر أو العسكري أو غيرهم. وهي محاولةٌ جيّدة ونافعة أيضاً في هذا السياق. وقد صدر منها عام 1421هـ المجلّد الأوّل، وحمل عنوان: أحاديث أهل البيت من طرق أهل السنّة، للسيّد مهدي الروحاني(1421هـ) والشيخ علي الأحمدي الميانجي(1421هـ)، وذلك عن جماعة المدرِّسين في مدينة قم في إيران. إلاّ أنّ الظاهر أنّ المشروع توقَّف، ولم يكتمل، بعد وفاة المؤلِّفَين ـ رحمهما الله ـ معاً، في نفس العام الذي صدر فيه الكتاب.

وهناك محاولةٌ أخرى قامت بها مؤسّسة دار الحديث في إيران، التي يشرف عليها الشيخ محمدي الريّ شهري، وهي جمع الروايات السنّية ـ ولو بشكلٍ غير موسّع وغير مستقصى ـ؛ لوضع كلّ مجموعة من الروايات طبقاً لأبواب كتاب تفصيل وسائل الشيعة، للحُرّ العاملي. فكلُّ كتابٍ من كتب الوسائل تُجْمَع الروايات التي تتَّصل به عند أهل السنّة، وتوضع في الباب المخصَّص لها، بحيث تكون الروايات السنّية بين يدي الباحث الذي يراجع كتاب الوسائل. وهذا عملٌ قيِّم لم يكتمل بعْدُ أيضاً، ويُتوقَّع صدوره في خمسين مجلّداً. وقد صدر منه أكثر من مجلَّد تحت عنوان: (مدارك فقه أهل السنّة على نهج وسائل الشيعة).

هذا، إلى جانب محاولات متفرِّقة أخرى صدرت عن دار الحديث أيضاً من جهةٍ، وعن مجمع التقريب بين المذاهب الإسلاميّة من جهةٍ أخرى، وغيرهما.

يشار هنا إلى أنّه صدر مؤخَّراً أيضاً كتاب (الجامع الكافي في فقه الزيديّة) في عشرة مجلّدات، تحقيق: العلاّمة عبد الله حمود العزّي. وقد اشتمل على ما يزيد عن 2000 رواية نبويّة، و2500 رواية علويّة، من مختلف مصادر الزيديّة.

الافتراض الثاني: أن نبني على السند والوثاقة والعدالة و… وهنا:

1ـ أما البناء على العدالة:

أـ فإنْ أُخذ الاعتقاد شرطاً أو جزءاً في العدالة كان من الصعب استفادة كلّ فريق من مصادر حديث الفريق الآخر، إلاّ لتحصيل تواترٍ أو يقينٍ واطمئنان؛ لندرة وجود سندٍ يحوي هذا الشرط في كتب كلّ واحدة من الفرق الإسلاميّة بالنسبة إلى غيرها. وهذا واضحٌ.

نعم، هناك رجالٌ شيعة في أسانيد أهل السنّة. وقد صُنِّف في هذا الأمر، مثل: ما ذكره السيد عبد الحسين شرف الدين في المراجعات من مائة راوٍ شيعي مذكورين في مصادر الحديث السنّية؛ ومثل: الكتاب المستقلّ الذي صنَّفه الشيخ محمد جعفر الطبسي تحت عنوان: (رجال الشيعة في أسانيد السنّة)، وجمع فيه مائةً وأربعين اسماً شيعيّاً متكرِّراً في مصادر وأسانيد الحديث السنّية. كما وهناك رجالٌ سنّة في مصادر الحديث الشيعيّة، كالسكوني وحفص بن غياث وغيرهما. إلاّ أنّ المشكلة في العثور على سندٍ كامل يكون رجالُه جميعاً من العدول، بحيث لا يكون فيه أيُّ راوٍ عنده خللٌ اعتقادي. ومن ثمّ فوفقاً لهذه النظريّة لا تقتضي قواعد الحجِّية مبدأ الدمج الحديثي أو توحيد الحديث الإسلامي بشكلها الموسَّع على نظريّة الوثوق أو اليقين.

لكنّ نظرية العدالة المأخوذ فيها شرط صحّة الاعتقاد لا تختصّ بمصادر الحديث عند الطرف الآخر، بل تشمل حتّى الروايات الموجودة في كتب الفريق نفسه، من حيث وجود أشخاص في السند أحياناً ليسوا على المذهب الحقّ، أو ليسوا عدولاً. فعلى هذا المبنى تنعدم ـ بشكلٍ كبير ـ فرص الاستفادة من مصادر الحديث الأخرى، لكنّها لا تزول بالمرّة، كما ألمحنا.

وتظلّ هناك منافع من وراء الرجوع إلى مصادر الحديث الإسلاميّة الأخرى، مثل: تحصيل بعض القرائن المحتملة التي تساعد الفقيه على فهم النصّ بشكلٍ أوضح؛ وكذلك مراكمة الأسانيد لرفع حجِّية الخبر الضعيف بناءً على صحّة ذلك؛ وكذلك تحقيق المناخ العامّ عند أهل السنّة لتطبيق قواعد التقيّة في التعارض عند مَنْ يلتزم بذلك؛ وغير ذلك من المنافع.

يُشار إلى أنّ الآيات القرآنيّة ليس فيها إشارةٌ مباشرة ـ أي من دون فكرة العدالة ـ لمذهب الراوي، إلاّ آية الأُذُن، فإنّها تشير للإيمان بمعنى الإسلام فيه، فإذا ثبت لها مفهومٌ، أو اقتصرنا على مفادها في منح الحجِّية، وبقي الباقي تحت أصل عدم الحجِّية، أفادت شرط الإسلام في الراوي، وإلاّ فسائر الأدلّة القرآنية لا تكاد تدلّ هنا على شيءٍ مستقلّ. لكنّنا حقَّقنا أنّ آية الأُذُن لا تدلّ على باب حجِّية الخبر. ولو دلّت فلا مفهوم لها لنفي حجِّية خبر الثقة أو العدل لو كان غير مسلم، بناءً على إمكان تحقُّق مفهوم العدالة في غير المسلم أيضاً إذا كان قاصراً.

ب ـ أما إذا لم يؤخذ الاعتقاد شرطاً في العدالة، على ما هو الصحيح، كما ستعرف، فإنّ مقتضى القاعدة الأخذ بروايات العدول الموجودة عند الطرفين؛ لأنّ الراوي السنّي العادل أو الراوي الشيعي العادل أو الراوي الإباضي العادل لا فرق في حجِّية روايته بين أن تأتي هذه الرواية في كتاب الكافي أو في صحيح البخاري أو في مسند الربيع بن حبيب الأزدي؛ فالعبرة بعدالة الراوي. فمقتضى القاعدة عدم التمييز في حجِّية الرواية بين مصادر الفرق الإسلاميّة.

وأمّا البناء على الوثاقة فالأمر فيه أوضح من مسألة العدالة؛ لعدم أخذ الاعتقاد في ذاته شرطاً في الوثاقة عند أحدٍ. وهذا معناه أنّ وثاقة الراوي إذا تحقَّقت كفت في حجِّية الخبر، بلا فرقٍ في الموضع الذي يأتي فيه الخبر، وفي أيِّ مصدرٍ كان.

والنتيجةُ التي نخرج بها من تحليل المقتضيات الأوليّة للقواعد هي أنّ القاعدة تقتضي الرجوع إلى مصادر الحديث الإسلاميّة كلّها؛ لأنّها مما يُترقَّب فيه وجود الخبر الحجّة أو المُعين على إثبات أو فهم الخبر الحجّة. نعم، هذه النتيجة تتضاءل بشكلٍ كبير جدّاً عند مَنْ يرى شرط العدالة آخذاً معها أو فيها قيد الاعتقاد، فإنّ حجم الروايات الحجّة سوف يكون عنده أقلّ نسبياً من غيره، إذا أُخذت مبانيه بعين الاعتبار.

هذا في مقتضيات القواعد وعمومات وأساسيات دليل الحجِّية. وقد تبيّن أنّها تؤسِّس في الغالب لقاعدة الدمج أو التوحيد الحديثي. ومعنى ذلك أنّ المحدِّث أو الباحث أو الفقيه المسلم يلزمه النظر في تمام مصادر الحديث الإسلاميّة قبل الشروع في البحث الاجتهادي، وأن يتّخذ موقفاً ميدانيّاً منها، لا موقفاً أوّلياً مسبقاً أو أصوليّاً. فالمصدر الحديثي الذي لا يثبت عنده أنّ له اعتباراً، أو العكس، وكذلك الرواية التي يثبت عنده عدم اعتبارها، أو العكس؛ نتيجة خصوصيّة هنا أو هناك، عليه أن يعمل بموجب ما توصّل إليه فيهما، وإلاّ بقي الأمر على حاله.

لكنْ لكي يكتمل بحث المقتضيات العامّة لا بُدَّ من دراسة مسألة دوران حجِّية الخبر بين وثاقة الراوي وعدالته، وتأثير ذلك في ما نحن فيه، وذلك قبل الانتقال إلى مرحلة الموانع والعوائق، كما قلنا من قبل.

المحور الثاني: نظريّة الحجِّية بين الوثاقة والعدالة

تعدّ هذه المسألة من المسائل المهمّة للغاية في نظريّة حجِّية خبر الواحد؛ إذ يُقصد بالوثاقة فيها أن يكون الراوي ثقةً لا يكذب في إخباراته، حتّى لو كان على غير المذهب الصحيح من المذاهب الإسلاميّة، أو كان غير مسلم أصلاً. فالمهمّ وثاقته في الخبر وأن لا يكذب فيه، كما أنّه ليس مهمّاً تديُّنه والتزامه العملي بالدين والشريعة، فحتّى لو كان فاسقاً عاصياً شارباً للخمر تاركاً للصلاة، لكنّه كان صادقاً في النقل والإخبار، كان خبرُه حجّةً. وهذا هو معنى حجِّية خبر الثقة هنا.

وفي المقابل، طُرحت نظريّةٌ أخرى، وهي نظرية حجِّية خبر العادل أو العَدْل. وفُسِّرت هذه النظريّة بأنّ الراوي لا يمكن الأخذ بخبره إلاّ إذا كان عادلاً يعمل بالواجبات ويترك المحرَّمات، لا أنه يعمل بالصدق ويترك الكذب فقط، بل يتطوّر مفهوم العدالة عندما يؤخذ الاعتقاد الحقّ جزءاً من العدالة، ممّا يعني أنه لم يعُدْ يمكن للشيعي الإمامي مثلاً الأخذ بالروايات التي فيها ولو راوٍ واحد من أهل السنّة بمذاهبهم، بل ومن الشيعة غير الاثني عشريّة، كالواقفيّة والفطحيّة والكيسانيّة والناووسيّة والزيديّة والإسماعيليّة و… وهكذا الحال في روايات هؤلاء مع روايات الإمامي بالنسبة إلى السنّي، بل وروايات المتصوِّفة وغيرهم بالنسبة إلى السلفي… الأمر الذي قد يُطيح بأغلبيّة الروايات الموجودة بين أيدينا كمسلمين، سواء روايات الشيعة أم السنّة.

وقد ظهرت بوادر أولى لهذه النظريّة ـ على المستوى الإمامي ـ مع ابن إدريس الحلّي(598هـ) بشكلٍ جادّ، ثم تمّ تداولها في عصر المحقِّق الحلّي(676هـ)، لتشتهر بين القرنين الثامن والحادي عشر، ولتصل هذه النظريّة إلى ذروتها مع صاحب المعالم والمدارك المتوفَّيين مطلع القرن الحادي عشر. فيما بدأت نظريّة خبر الثقة بالتبلور والحضور بعد الحقبة الأخباريّة، لتصل ذروتها مع السيد أبو القاسم الخوئي(1413هـ).

وفي سياق معركة العدالة والوثاقة يُطرح التقسيم الرباعي للحديث، فإنّ علماء الشيعة، منذ العلاّمة الحلّي أو شيخه أحمد بن طاووس، قد قسَّموا الحديث إلى أربعة أقسام هي:

1ـ الصحيح، وهو الذي يرويه العَدْل الامامي عن مثله في تمام الطبقات، بلا إرسالٍ ولا قطع.

2ـ الحَسَن، وهو ـ كما هو معروف ـ ما يرويه إماميٌّ ممدوح لم يعدَّل أو لم يوثَّق، بحيث يكون أحد الرواة كذلك، ولو كان الآخرون إماميّين عدولاً، مع اشتراط الاتصال وعدم الإرسال والقطع.

3ـ الموثَّق، وسمّاه بعضُهم ـ وليس كلّهم ـ بالقويّ، وهو ما فيه ولو راوٍ واحد غير إماميّ، لكنّه موثَّق.

4ـ الضعيف وهو ما سوى هذه الثلاثة([2]).

فالقائل بشرط العدالة يفترض أن لا يعمل إلاّ بالصحيح؛ وبعضهم عمل بالحَسَن؛ لكفاية المدح عنده. وأما القائل بالوثاقة فيعمل بالأوّل والثالث، كما عملوا بالثاني رغم عدم التوثيق؛ لكفاية المدح. وهذا ما يغيِّر على أرض الواقع في التعامل مع الأحاديث كثيراً. ولهذا لا بُدَّ لنا من معرفة أيٍّ من هذه الأقسام الأربعة حجّة، وأيّها ليس بحجّة؟

والبحث في معيار حجِّية الخبر، هل هو الوثاقة أو العدالة؟ يقع في نقطتين أساسيّتين:

النقطة الأولى: هل المأخوذ في أدلّة حجِّية خبر الواحد شرط الوثاقة أو العدالة؟ وكيف يمكن الجمع بين هذه الأدلّة؛ للوصول إلى نظريّة في المقام؟

النقطة الثانية: على تقدير أخذ شرط العدالة، هل الاعتقاد الحقّ شرطٌ في العدالة أو لا؟ أي لو كان الراوي فاعلاً للواجبات تاركاً للمحرَّمات بحسب اعتقاده فهل يكفي هذا في نعته بالعدالة، أو يشترط في ذلك كونه عند الشيعي ـ مثلاً ـ شيعياً إمامياً يعتقد بالمذهب الاثني عشري؟

1ـ أدلّة الحجِّية، وشرط الوثاقة والعدالة

لا بُدَّ لنا من استعراض أدلّة الحجِّية، في المهمّ منها؛ كي نرى موقفها من الموضوع، فنقول:

1ـ أما دليل الكتاب فبصرف النظر عن آية النبأ هو لا يشترط الوثاقة، ولا العدالة، كما هو واضحٌ. وأما آية النبأ فسيأتي الحديث عنها بالتفصيل.

2ـ وأما دليل السنّة فالظاهر منه كفاية الوثاقة في مثل خبر العَمْري وأمثاله. نعم، بعض الروايات تشترط العدالة أو تحكي عن مقدارها. لكنّ السيد الصدر وأمثاله قالوا: إننا نأخذ بها ونثبت بها حجِّية خبر العَمْري، وبه نوسِّع الدائرة لمطلق الثقة([3]).

3ـ وأما دليل الإجماع فالمسألة مشكلةٌ؛ حيث الكلمات مختلفة في هذا الأمر، فيؤخذ فيه بالقدر المتيقَّن، وهو خبر العادل الإمامي، وإنْ كانت دراستنا في كتاب نظريّة السنّة تميل إلى عدم اشتراط العدالة عند المتقدِّمين، فليُراجع.

4ـ وأما دليل سيرة المتشرِّعة فحاله حال دليل الإجماع، طبقاً لأساسيّات نظرية حجِّية خبر الواحد. وأما طبقاً لما توصّلنا إليه فالعدالة ليست شرطاً، والشيعة كانوا عاملين ـ كما ينصّ الشيخ الطوسي ـ بأخبار غيرهم ممّا لم يكن عندهم خلافه، كالسكوني وحفص بن غياث و…([4]).

5ـ وأما دليل السيرة العقلائية فمن الواضح أنّ العقلاء لا يشرطون العدالة في العمل بالأخبار، بل المهمّ عندهم جانب الوثاقة والضبط المتعارف. وهذه سيرتهم قائمة على ذلك في جميع الأديان.

وبهذا يظهر أنّ مختلف الأدلّة لا تدلّ على شرط العدالة في حجِّية الخبر، إلاّ الإجماع وسيرة المتشرِّعة لو أُريد الأخذ بالقدر المتيقَّن منهما، ولم يُشكَّك فيه، فلا يبقى هناك إلاّ آية النبأ بوصفها الدليل العُمْدة هنا، والقادر على تقييد سائر الأدلّة.

وقفاتٌ مع دلالة آية النبأ من حيث الوثاقة والعدالة

إذن، المهمُّ هنا هو آية النبأ، فهي تواجه في منطوقها تمام أدلّة حجِّية خبر الواحد تقريباً؛ فمن جهةٍ هي تسقط خبر الفاسق، وهو إسقاطٌ عامّ يشمل حالة كونه ثقةً؛ فيما بعضٌ آخر من أدلّة الحجِّية يُثبت الحجِّية لخبر الثقة، ولو كان فاسقاً، فمركز التعارض خبر الثقة الفاسق، وإلاّ فخبر غير الثقة ساقطٌ عند تمام الأدلّة، وخبر الثقة العادل مشمولٌ للحجِّية فيها جميعاً، كما هو واضح.

وقد ادُّعي أنّ المشهور قد ذهب إلى اشتراط العدالة في الراوي، فيما الطوسي اكتفى بالتحرُّز عن الكذب([5]). وعمدة المستند هو آية النبأ، كما يظهر بمراجعة كلماتهم.

وقد تُطرح هنا حلولٌ في التوفيق أو الحسم بين آية النبأ وسائر أدلّة الحجِّية. وهذه الحلول هي:

الحلّ الأول: وهو أوّل الحلول تبادراً إلى الذهن، حيث يُقال: إنّ النسبة بين آية النبأ وسائر الأدلّة هي العموم والخصوص من وجه؛ ذلك أنّ مادة الاجتماع هي الفاسق الثقة، والآية تنفي حجِّية خبره، فيما تُثبتها سائر الأدلّة. وطبقاً لقواعد التعارض يُفترض هنا الحكم بتساقط كلّ الأدلّة، والرجوع إلى مقتضى الأصل. والأصل عند الشكّ في الحجِّية هو عدم الحجِّية، فتكون النتيجة لصالح القول بشرط العدالة في حجِّية الخبر تقريباً([6]).

وهذا الحلُّ نوقش بأنّ الآية لا تصلح رادعةً عن السيرة؛ لأنّ السيرة مستحكمة مستمرّة على العمل بخبر الثقة الفاسق حتّى بعد نزول الآية، ولا يُحتمل أنّ الآية نزلت ولم يرتدعوا، بل لو كانت هذه السيرة عقلائيّةً لتمّ ذلك أيضاً؛ لأنّ قوّتها واستحكامها مع وجود آية النبأ معناه أنّ الآية لا تكفي في الردع، فلو لم يرْضَ الشارع بهذه السيرة لقدَّم ردعاً متناسباً معها([7]).

وهذا الكلام يَرِدُ عليه:

أوّلاً: إننا توصّلنا في دراستنا التاريخيّة إلى أنّ المتشرِّعة لا يُعْلَم أنهم كانوا يعملون بخبر الثقة الظنّي، بل الأرجح عملهم بخبره الاطمئناني، الخارج عن دلالة آية النبأ. ومعه فالاستدلال بتقدُّم سيرة المتشرِّعة على آية النبأ غير دقيقٍ. وهذا إشكالٌ مبنائيٌّ. والأمر عينه سبق أن ذكرناه في السيرة العقلائيّة، التي شكَّكنا في انعقادها على العمل بأخبار الثقات الظنيّة أساساً([8]).

ثانياً: قلنا غير مرّةٍ: إنّ نزول آية قرآنية صريحة وواضحة في الردع عن سيرةٍ ما أمرٌ كافٍ عندما نلاحظ مدى تأثير القرآن الكريم في حياة المسلمين. هذا، إلى جانب جملةٍ من الروايات التي أخذت عنوان وروح العدالة في حجِّية الخبر، كما اعترف بذلك الصدر نفسه، مع إخراج مثل خبر العَمْري. وهذا كافٍ في الردع. وإذا لم يرتدع العقلاء فليس ذلك دليلاً على تقصير المشرِّع في الردع.

وعليه، فالصحيح في نقد هذا الحلّ الأوّل هو إبطال نسبة العموم والخصوص من وجهٍ المدَّعاة فيه، كما سيأتي في الحلّ الثاني.

الحلّ الثاني: أن نفترض تقدُّم دليل حجِّية خبر الثقة على آية النبأ، وذلك بالقول: إنّ آية النبأ معلَّلةٌ بقوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ... ﴾. وهذه الجهالة تحتمل:

أـ الجهالة العملية. والمقصود بها: كي لا ترتكبوا عملاً سفهياً غير عقلاني.

ب ـ الجهالة العلمية. والمقصود بها: كي لا تصيبوا شخصاً بأمرٍ عن جهلٍ وعدم علم.

ج ـ الجهالة المردَّدة بين العلميّة والعمليّة، بحيث لا يتميَّز المراد منها، هل هو الأوّل أو الثاني من الاحتمالين المتقدِّمين.

وهنا:

1ـ إذا قصد الجهالة العملية سقطت الآية في مواجهة دليل حجِّية خبر الثقة؛ لأنّ العمل بخبر الثقة الفاسق عملٌ عقلائي وغير سفهيّ. ومعه فعندما يُطلب تجنُّب خبر الفاسق؛ دفعاً لمحذور التورُّط في إصابة الآخرين بشكلٍ سفهي، فإنّه يؤخذ بالتعليل ويقدَّم على المعلَّل، فيُراد ترك الأخبار التي في الأخذ بها سفاهة وحماقة عمليّة. ومن الواضح عدم اندراج خبر الثقة الفاسق في هذا الميدان، فيؤخذ به دون أن تنهى عن العمل به آيةُ النبأ.

2ـ وأما إذا قصد الجهالة العلمية فإنّه وإنْ بدت النسبة بين الآية ودليل حجِّية خبر الثقة هي العموم والخصوص من وجهٍ؛ لأنّ الآية تنهى عن خبر الفاسق، سواء كان ثقةً أم غير ثقة، فيما دليل حجِّية خبر الثقة يعطي الحجِّية لخبره، سواء كان فاسقاً أم غير فاسق، إلاّ أنّ التأمُّل في تعليل الآية جيداً يجعل النسبة هي العموم والخصوص المطلق؛ وذلك أنّ التعليل في الآية ينهى عن كلِّ خبرٍ غير علميّ، فيؤخذ به. وعندما نقيس هذا التعليل الذي يمثِّل كبرى الآية وقاعدتها إلى دليل حجِّية خبر الثقة ستكون النسبة هي العموم والخصوص المطلق، كما هو واضحٌ. ومعه يتقدَّم دليل الحجِّية بملاك الأخصِّية. ولا يمكن هنا، بعد مجيء التعليل، الاستناد إلى المعلَّل في الآية، المأخوذ فيه وصف الفسق؛ لأنّ المفروض أنّ التعليل كشف لنا عن أنّ سبب النهي عن خبر الفاسق إنما هو لعدم كونه علميّاً، لا لذاته ونفسه وعنوانه، فلا نقف عنده بعد مجيء هذا التعليل، فتكون النسبة هي العموم والخصوص المطلق.

3ـ وأما إذا كانت الجهالة بالنسبة إلينا مردّدةً؛ فإما أن تكون علميّةً في الواقع، أو عمليّة. وقد تقدَّم الجواب لا أقلّ على احتمال الجهالة العمليّة.

ومعه، فعلى تمام التقادير يقدَّم دليل حجِّية خبر الثقة على آية النبأ. والنتيجة عدم اشتراط العدالة([9]).

وهذا الحلُّ جيّدٌ. غير أنّ بعض الملاحظات قد تُسجَّل عليه:

أوّلاً: إنّه قائمٌ على عدم دلالة آية النبأ على حجِّية خبر العادل؛ إذ لو بنينا على دلالتها فإنّ القائل بالدلالة يرى تقدُّم مفهوم الآية على تعليلها، لا تقدُّم التعليل على المفهوم، كما فصّلناه في بحوثنا حول حجِّية الحديث عند الكلام عن آية النبأ([10])، وإلاّ لم تعُدْ آية النبأ عنده دالّةً على حجِّية خبر الواحد، كما هو واضحٌ. وعلى هذا التقدير سيكون معنى الآية حجِّية خبر العادل، دون الفاسق، فيُستند إلى إطلاق المنطوق مباشرةً، فلا يمكن تتميم هذا الحلّ طبقاً لذلك.

ثانياً: إنّ هذا الحلّ يفترض الجهالة بمعنى السفاهة عقلائيّاً، ولم يذكر لنا شاهده على ذلك، فلعلّ المراد هنا السفاهة في إشارةٍ إلى سفاهة الاعتماد على خبر الفاسق، ولو كان ثقةً، فتكون الآية رَدْعاً عن البناء العقلائي في الاعتماد على خبر الثقة، ولو كان فاسقاً. فهذه النقطة لم يقدَّم جوابٌ عنها في هذا الحلّ.

إلاّ أنّ هذا الإشكال ربما يمكن الجواب عنه بأنّ لسان التعليل يشير إلى أمرٍ مرتكز في ذهن السامعين، فلا بُدَّ من فرض السفاهة مفهوماً مسبقاً منطبقاً في المقام.

ثالثاً: إنّ هذا الحلّ لا تصل النوبة إليه؛ لوجود حلٍّ جيّد يحسم الموقف من الجذور، وهو الحلّ الرابع الآتي.

الحلّ الثالث: ما ذكره الميرزا القمّي، وأوضحه النائيني، واستند إلى روحه بعض الرجاليّين؛ لتبرير البحث الرجالي شرعيّاً وأخلاقيّاً، من أنّ الآية تجيز العمل بخبر الفاسق بعد التبيُّن. ومن أنواعه: التبيُّن بملاحظة مضمون الخبر من حيث استناد المشهور له أو غير ذلك. كما أنّ من أنواعه: التبيُّن بملاحظة المخبِر من حيث الوثاقة والصدق والضبط. فإذا أحرزنا وثاقة الفاسق المخبر كان ذلك تبيُّناً عقلائيّاً في الخبر، فيمكننا العمل به بعد ذلك([11]).

والجواب: أوّلاً: إنّ الظاهر من الآية تعلُّق التبيُّن بمضمون الخبر؛ حتّى لا يقع إصابة القوم عن غير علمٍ، وإلاّ لزم عدم وجوب التبيُّن في ما يخصّ ضبط الناقل ودقّته في النقل، بعد أن كان عادلاً. وهذا يخالف بناء العقلاء أنفسهم. فلا إطلاق لكلمة التبيُّن هنا، وإلاّ لزم إمكان ربطها بالتبيُّن بشيءٍ آخر خارج الخبر والمخبر معاً. وهو واضح الفساد. ولا أقلّ من الشكّ، فيؤخذ بالقدر المتيقَّن، وهو التبيُّن عن مضمون الخبر ومديات صحّته وثبوته. ودعوى أنّ التبيُّن عن أحوال الناقل للخبر نوع تبيُّنٍ في مضمون الخبر فيه تكلّفٌ ظاهر. فإذا أخبرك زيدٌ بخبر، فقلتُ لك: تبيَّنْ، أو تبيَّنْ الأمر، لم يفهم العُرْف هنا إلا محاولة التثبّت من تحقّق مفاد الأمر المخبَر عنه، فإذا كان تبيُّن حال الناقل يفيد اليقين فلا بأس؛ لحجِّية اليقين، وإلاّ فلا يفهم العرف شمول الأمر بالتبيُّن لحال الناقل.

ثانياً: لو صحّ هذا الفهم للزم الخلل في بيان الآية الكريمة؛ وذلك أنّها فرضت فسق الجائي بالخبر شرعاً، ومقتضى إطلاق هذا الفرض هو الشمول لحالة علمنا بوثاقته أو علمنا بعدم وثاقته أو عدم علمنا بوثاقته وعدمها، فيلزم من إطلاق الشرط في الآية إطلاق الأمر بالتبيُّن عن حال وثاقته، حتّى مع علمنا بوثاقته. وهذا فيه تنافرٌ واضح، قد يُرشد إلى أنّ المراد بالتبيُّن هو التحقُّق من مديات صدقه في هذا الخبر، لا من مديات كونه ثقة من حيث اتّصاف الإنسان بهذه الصفة. إلاّ إذا قيل بأنّنا نُخرج هذه الحالة من تحت الإطلاق بدلالة ضمنيّة.

الحلّ الرابع: ويقوم على ما ذكرناه في البحث اللغوي في مفردات آية النبأ من كتابنا (حجِّية الحديث)([12])، حيث قلنا: لا يُحرَز أنّ المراد من كلمة الفاسق في اللغة العربية المعنى الشرعيّ، بل يُقصد الإنسان الخارج عن الحدّ في سلوكه ومواقفه، سواء صدق الفسق الشرعي أم لا، وسواء سُمّي عادلاً شرعاً أم لا. ومعه لا دليل يُثبت إرادة العدالة والفسق بالمعنى الشرعيّ من الآية.

يُضاف إلى ذلك أننا لو قارنّا ما ذكرناه هناك في البحث اللغوي مع ما يقتضيه سياق الآية ومناسبات الحكم والموضوع فيها لوجدنا المراد الإنسان الذي خرج عن الحدّ بحيث لا يُوثَق بخبره؛ لأنّ السياق سياق باب الإخبارات، ولا أقلّ من أنّه لا دليل على ما هو أزيد من ذلك، ويكفينا التردُّد. ومعه فالآية لا علاقة لها بباب العدالة والفسق في الفقه الإسلامي، حتّى نجعلها في مواجهة سائر أدلّة حجِّية خبر الثقة، فهي تشير إلى الفسق الخبري، لا إلى الفسق الشرعي.

وحتّى لو دلّ مفهومها على حجِّية خبر العادل، على أساس القدر المتيقَّن في المنطوق يستدعي قدراً متيقَّناً في المفهوم، وهو فيه خصوص العادل الثقة، فهذا يعطي الحجِّية لخبر العادل الثقة، لكنّه لا يُعارض أدلّة حجِّية خبر مطلق الثقة، كما هو محلّ بحثنا؛ لأنهما مثبتان. فتأمَّلْ جيداً.

ونتيجة ما تقدّم أنّه لم يقم دليلٌ حاسم لصالح اشتراط العدالة في الراوي، بل يكفي فيه أن يكون إنساناً متَّزناً في إخباراته، يوثق بها، ويعتمد عليها. وهذا هو معنى الوثاقة الشاملة للضبط المتعارف. فالصحيح هو حجِّية خبر الثقة، حتّى لو لم يكن عَدْلاً، بناءً على قانون حجِّية خبر الواحد الظنّي، فضلاً عن مسالك الوثوق والاطمئنان.

 

2ـ شرط العدالة ومسألة الاعتقاد

لعلّ المشهور بين العلماء ـ بل قيل: لا يُطلق في الاصطلاح الأصولي إلاّ عليه([13]) ـ أخذ سلامة الاعتقاد وحقِّيّته شرطاً في العدالة. ولعلّه من هذا الباب ـ وأبواب أخرى ـ شرطوا في إمام الجماعة أن يكون شيعيّاً([14]). وكذا ما طرحه بعضهم في باب القضاء، وفي الشهادات، وفي التقليد والإفتاء، وفي ولاية الأمر والحكومة، حيث قالوا: إنّ اشتراط العدالة في هذه الأمور والموارد يُعَدّ بنفسه دليلاً على اشتراط الإماميّة الاثني عشرية؛ لعدم صدق العدالة بدونها.

وفي مقابل هذا القول، ذهب بعض الفقهاء إلى عدم الربط بين العدالة والاعتقاد، فيمكن وصف غير الإمامي بالعدالة مهما كان اعتقاده، ما دام نابعاً عن نظره، ولم يخرج عن الشرع في مذهبه.

ومن الواضح كم هو حجم تأثير كلٍّ من النظريّتين على الاستناد إلى الروايات الموجودة بين المسلمين. ومن الطبيعي أن يكون هذا البحث مبنيّاً على شرط العدالة في خبر الواحد، وإلاّ لو بنينا على كفاية شرط الوثاقة، فضلاً عن معياريّة الوثوق، كما هو الصحيح فيهما بحسبه، فلا موضوع لهذا البحث هنا.

والملفت للنظر أنّ كبار الفقهاء الذين تركوا لنا رسائل في العدالة، مثل: الشهيد الثاني والشيخ الأنصاري، لم يعقدوا فصلاً عن هذا الموضوع، لدراسته والاستدلال عليه، وإنما ورد في ثنايا متفرّقة للأبحاث الفقهيّة. حتّى أنهم عندما ناقشوا النظريّة التي تقول بأنّ العدالة هي الإسلام مع عدم ظهور الفسق، وانتقدوها، لم يعلِّقوا عليها برفض قيد الإسلام، واستبداله بقيد الإيمان، الذي بات يدلّ في الاصطلاح الفقهي الشيعي على التديُّن بالمذهب الإمامي الاثني عشري، مع أنّه كان من المناسب في مباحث العدالة، ولا سيَّما الدراسات المفردة فيها، الاهتمام بهذا الموضوع المبثوث في ثنايا الفقه الإماميّ. وهذا ما يرشد إمّا إلى وضوح عدم وجود دور لسلامة العقيدة في العدالة؛ أو إلى كون هذا الدور ثابتاً واضحاً مفروغاً عنه عندهم.

2ـ 1ـ تعريفات العدالة في الموروث الفقهي الإسلامي

من هنا، لا بُدَّ من رصد أبرز التعريفات التي عرفها الفقه الإسلامي للعدالة، مقدّمةً للموضوع؛ لأنّ بحثنا لا يدور ـ حاليّاً ـ حول هذه النقطة. وأبرز التعريفات التي طرحت للعدالة خمسة، هي:

التعريف الأوّل: ما حُكي عن ابن الجنيد، والشيخ المفيد، وهو ظاهر الشيخ الطوسي في بعض المواضع من كتبه، مدَّعياً عليه الإجماع([15])، من أنّ العدالة هي الإسلام وعدم ظهور الفسق. فالمسلم الذي لا تبدو عليه آثار الفسق ومعالمه عادلٌ، تترتَّب عليه أحكام العدالة في الشريعة الإسلاميّة.

ولعلّ مراد أنصار هذا التعريف هو تعريف العدالة ثبوتاً، أو ربما يفهم من بعض تعابيرهم تعريفها إثباتاً، وأنّ الإسلام مع عدم ظهور الفسق كافٍ في إثبات العدالة.

التعريف الثاني: وهو تعريفٌ مشهور جدّاً بين السنّة والشيعة، حيث يرى أنّ العدالة عبارة ـ على اختلاف تعابيرهم، وبقطع النظر عن الفَرْق بينها ـ عن مَلَكَةٍ أو هيئة راسخة أو كيفية باعثة على الطاعة، بالإتيان بالواجبات، وترك المحرَّمات.

التعريف الثالث: وهو قولٌ معروف أيضاً، ذهب إليه ابن إدريس والمجلسي والإصفهاني والخوئي و… وحاصله أنّ العدالة ليست مَلَكَة، بل هي عين الإتيان بالواجبات، وترك المحرَّمات.

التعريف الرابع: وهو تعريفٌ لاحَ من بعض الفقهاء المَيْلُ إليه، مثل: المحقِّق الآغا رضا الهمداني، ونسبه الشهيد الأوّل في ذكرى الشيعة إلى بعض الأصحاب. وحاصله أنّ العدالة عبارة عن حُسْن الظاهر.

ولعلّ مرادهم كاشفيّة حُسْن الظاهر، لا كونه عين العدالة.

التعريف الخامس: ما ذهب إليه مثل المحدِّث البحراني، من التمييز في تعريف العدالة بين الموارد؛ ففي إمام المسلمين والمفتي تُشترط العدالة بوصفها مَلَكَة؛ أما في غيرهما، كإمام الجماعة والشاهد، فيكفي حُسْن الظاهر([16]).

وبصرف النظر عن الصحيح في هذه التعاريف وغيرها، فإنّ الذي يبدو لنا منها أنها لم تأخذ قيد الاعتقاد في العدالة، باستثناء التعريف الأوّل الذي أشار إلى قضيّة إسلام الفرد الذي نريد وصفه بالعادل. ومعنى هذا أنّ الفقهاء إمّا لا يأخذون في العدالة أيّ قيدٍ اعتقادي، لهذا ركّزوا على حسن السلوك والحلال والحرام و…؛ أو أنّ القيد الاعتقادي مأخوذٌ هنا في بعض قيود هذه التعريفات، أو مفروضٌ مسبقاً كأن يُقال: إنّ العدالة لا يُبحث عنها إلاّ في حقّ المسلم أو الإمامي الاثني عشري أو السلفي أو غير ذلك.

فتعريفات العدالة في كلمات الفقهاء ليس فيها ـ سوى الأوّل منها ـ أيّ دورٍ صريح لقيد العقيدة، بل إنّ التعريف الأوّل يأخذ العقيدة الإسلاميّة، ولا يأخذ العقيدة المذهبيّة، إلاّ إذا قيل بكفر كلّ مَنْ كان على غير المذهب الحقّ.

2ـ 2ـ أدلّة نظريّة أخذ سلامة الاعتقاد في العدالة، وقفاتٌ وتأمُّلات

وعلى أيّ حال، فحاصلُ ما يمكن أن يكون دليلاً على أخذ الاعتقاد جزءاً أو قيداً أو مستبطناً في مفهوم العدالة، وشرطاً في الراوي، أمورٌ، أهمُّها نبيِّنه في وجوه:

2ـ 2ـ 1ـ نفي القاصر العقدي غير القاصر الطبيعي والسماعي، وقفاتٌ نقديّة

الوجه الأوّل: أن نذهب إلى النظريّة الكلامية ـ الأصوليّة القائلة بعدم وجود قاصر في القضايا الاعتقاديّة، سوى مَنْ كان عنده قصورٌ طبيعي، مثل: الصبيان والمجانين، فإنّ هؤلاء إذا دانوا بغير الحقّ كانوا جاهلين قاصرين، أما غيرهم فإنه لو دان بذلك لم يكن قاصراً، إلاّ في مثل القضايا السمعيّة التي لم تبلغه، كما لو كان يعيش في أدغال أفريقيا أو أمريكا الجنوبية، ولم يسمع أساساً بدعوة الإسلام أو بولاية أهل البيت، فإنه يكون قاصراً حينئذٍ، وأما غير هؤلاء فهم مقصِّرون، وإذا كانوا كذلك كانوا عصاةً؛ لأنّ التقصير في القضايا الاعتقاديّة معصية، وإذا كان ذلك معصيّةً كان فسقاً، فيخرجون بذلك عن إطار العدالة في تعاريفها المتقدِّمة.

وهذا الوجه يفترض عدم وجود قاصر في العقائد، إلاّ القاصر الطبيعي؛ والقاصر السماعي. وهي نظرية تمّ تداولها في التراث الكلامي الإسلامي منذ الجاحظ(255هـ) وحتّى العصر الحاضر. ولعلّها النظريّة المعروفة في أكثر الأوساط. وليس بحثنا هنا كلامياً حتّى نتوسَّع فيه، فقد عالجنا هذه المسألة في دراساتٍ أخرى، كما في كتابنا (التعدُّدية الدينيّة)، لكنّنا ـ سريعاً ـ نشير إلى ملاحظاتٍ نقديّة:

الملاحظة الأولى: إنّ الدليل الذي ساقه علماء أصول الفقه الإسلامي على حجِّية القطع ـ بما يشمل القطوعات الذاتيّة ـ لا يفرَّق في روحه بين أن يكون الموضوع المقطوع به عملياً أو اعتقادياً نظرياً فيه جانب ثواب وعقاب، فإذا كانت الحجِّية والمعذِّرية لازماً ذاتياً للقطع فهذا معناه أنها لا تنفكّ عنه؛ لأنّ هذا هو معنى اللازم الذاتي، وإلاّ لو انفكّت عنه في القضايا العقائدية أو غيرها لم تكن لازماً ذاتيّاً، فحجِّية القطع لا تمييز فيها بين العقيدة والفروع العمليّة.

وانطلاقاً من ذلك، لمّا كان غير الشيعي بالنسبة إلى الشيعي، وغير السنّي بالنسبة إلى السنّي مثلاً، قاطعاً ـ ولو قطعاً خاطئاً ـ بما يقول به فإنّ قطعه هذا يكون معذوراً فيه على تقدير عدم إصابة الواقع.

ولعلّ هذا هو ما أراده الإمام الخميني في استناده إلى حجِّية القطع لإثبات أنّ أكثر علماء وعوام أهل الكتاب والكفّار جهّال قاصرون، لا مقصّرون، فقد قال ما نصُّه: «فحكم العقل بالقبح وصدق الإعانة على الإثم فرع كون الإتيان بما ذكر إثماً وعصياناً. وهو ممنوعٌ، لا لكون الكفّار غير مكلَّفين بالفروع، أو غير معاقبين عليها، فإنّ الحقّ أنّهم مكلَّفون ومعاقبون عليها، بل لأنّ أكثرهم إلاّ ما قلّ وندر جهّال قاصرون، لا مقصِّرون. أما عوامهم فظاهرٌ؛ لعدم انقداح خلاف ما هم عليه من المذاهب في أذهانهم، بل هم قاطعون بصحّة مذهبهم وبطلان سائر المذاهب، نظير: عوام المسلمين. فكما أنّ عوامنا عالمون بصحّة مذهبهم، وبطلان سائر المذاهب، من غير انقداح خلافٍ في أذهانهم؛ لأجل التلقين والنشوء في محيط الإسلام، كذلك عوامهم، من غير فرق بينهما من هذه الجهة، والقاطع معذورٌ في متابعة قطعه، ولا يكون عاصياً وآثماً، ولا تصحّ عقوبته في متابعته. وأما غير عوامهم فالغالب فيهم أنّه بواسطة التلقينات من أول الطفوليّة والنشوء في محيط الكفر، صاروا جازمين ومعتقدين بمذاهبهم الباطلة، بحيث كلّ ما ورد على خلافها ردّوها بعقولهم المجبولة على خلاف الحقّ من بدوّ نشوئهم. فالعالم اليهودي والنصراني كالعالم المسلم، لا يرى حجّة الغير صحيحة، وصار بطلانها كالضروري له؛ لكون صحّة مذهبه ضروريّة لديه، لا يحتمل خلافه. نعم، فيهم مَنْ يكون مقصِّراً لو احتمل خلاف مذهبه، وترك النظر إلى حجّته عناداً أو تعصُّباً، كما كان في بدوّ الإسلام في علماء اليهود والنصارى مَنْ كان كذلك. وبالجملة: إنّ الكفار كجهّال المسلمين، منهم قاصرٌ، وهم الغالب، ومنهم مقصِّر…»([17]).

ولعلّ ذلك هو مستند الشيخ البهائي، الذي ذهب إلى أنّ مَنْ أخلص ثمّ بحث ووصل إلى غير الحقّ كان معذوراً، كما ينقل عنه ذلك الخوانساري في روضات الجنات، مشيراً إلى تسبُّب هذا الرأي عنده في إثارة القلاقل عليه([18]).

وقد مال إلى معذوريّة الباحث عن الحقيقة، لكنّه لم يصل إليها، جماعةٌ من العلماء، مثل: الشيخ محمد جواد مغنيّة، والشيخ حسين علي المنتظري، والسيد محمد حسين فضل الله. وهو المنسوب ـ كما في كلمات الغزالي والآمدي ـ إلى الجاحظ والعنبري([19]).

وعليه، فعلى نظريّة حجِّية القطع بشكل ذاتي مطلقاً، ولو كان قطعاً ذاتيّاً، لا يكون المخطئ في الاعتقاد مطالَباً بنتائج خطئه بمحض أن يكون قد أخطأ، بل يكون معذوراً، ومن ثمّ فلا معنى للحديث عن فسقه، وإلاّ لزم الحديث عن فسق جميع المختلفين مع بعضهم في الأحكام الشرعيّة داخل المذهب الواحد والدين الواحد.

الملاحظة الثانية: إنّ الإنسان إذا كان قاطعاً بدينٍ أو مذهب، ولو لنشوئه عليه وتربّيه في فضاءٍ اجتماعي على اعتقاداته، مهما كان منطلق قطعه ومبرِّره وصوابه أو خطئه، لا يُلزمه عقله العملي بالبحث عن مذهبٍ آخر؛ لأنّه يرى أنّه قد وصل إلى الحقيقة، فما هو الملزِم الأخلاقي الذي يدفعه للبحث عن الحقيقة؟

وإذا قلتَ له: لعلّ الحقيقة في المذهب الآخر فإنه سوف يقول لك: أنا قاطعٌ بأنها في مذهبي، فكيف أكون ملزَماً بالبحث عنها في مكانٍ أنا متأكّدٌ أنها غير موجودة فيه. فهذا أشبه شيءٍ بمَنْ أضاع قطعةً من ذهب، وهو في بيته، ثمّ قلنا له: ابحث عنها في أواسط المحيط الأطلسي أو على القمر، فإنّه لن يرى أنّ عقله العملي يُلزمه ـ ما دام متأكِّداً من خطأ هذا الاحتمال ـ بالبحث عنها هنا، بل سيرى عمله عبثاً لا محصَّل من ورائه. وفي هذه الحال هل يحكم العقل عليه بأنه مقصِّرٌ في البحث حتّى لو فرضنا أنّ معجزةً ما وضعت ذهبه على القمر واقعاً؟! وإذا لم يحكم العقل عليه بالإلزام بالسعي والبحث فكيف يمكن وصفه بالتقصير حينئذٍ. ولعلّ هذا هو مراد الإمام الخميني من كلامه المشار إليه آنفاً.

إلا أنّ هذه الملاحظة قد يُسجَّل جوابٌ نقديّ عليها، وهو أنها تنسجم مع القطع بالتعريف الأرسطي له، وهو الذي لا يحتمل الخلاف إطلاقاً، بل يراه مستحيلاً. أما اليقين بالتعريف الاستقرائي، وكذا تعريف الأخباريّين له، فهو يجامع الإمكان في الخطأ. ومعه فالقاطع على هذا التقدير يظلّ رغم قطعه يحتمل صواب الآخر، ممّا يدفع بعقله العملي بالإلزام بالبحث والسعي، وعدم الاتّكال على علومه.

وهذه المناقشة يمكن إيرادها على بعض أهل العلم والاختصاص ممَّنْ يمكن أنّ تظهر في أذهانهم مثل هذه القضايا، أما غالب الناس فهم بالرغم من عدم كون يقينهم أرسطيّاً، إلاّ أنهم لا يلتفتون إلى احتمال الخلاف رغم عدم جزمهم باستحالته. ولعلّه لهذا عبَّر الخميني بعدم انقداح الخلاف في إذهانهم، لا بانقداح استحالة الخلاف. فهذا الجواب النقدي غير صحيح على نحو الإطلاق.

الملاحظة الثالثة: بصرف النظر عما تقدَّم، وإذا التزمنا بأنّ العقل العملي يُلزم الإنسان بالبحث والسعي بمجرّد سماع اسم الحقيقة، كأنْ يسمع بوجود ديانةٍ اسمها الإسلام، مع ذلك ثمّة ما يمنع عن الأخذ بالتفعيل التنجيزي لحكم العقل هذا. فهذه الملاحظة مردُّها إلى وجود المانع في الجملة، فيما الملاحظتان السابقتان ترجعان إلى عدم وجود المقتضي في الجملة لحكم العقل بلزوم الفحص. وحاصل الملاحظة هنا أنّه لو ألزم العقلُ بالبحث لكان إلزاماً بغير المقدور؛ لأنّ احتمالات الحقيقة كثيرةٌ جدّاً، والإلزام بالبحث فيها أمرٌ صعب وشاقّ. فمثلاً: إذا سمعنا بوجود ديانة يهودية فإنّ موضوعيّة البحث وإنصافه لمعرفة صحّة هذه الديانة ستُلزمنا بدراستها من مصادرها، وقد يحوجنا ذلك إلى تعلُّم عدّة لغات، تماماً كمَنْ سمع بالإسلام فلا يحقّ له الحكم بصواب أو خطأ الإسلام لمجرّد كتابٍ قرأه بغير اللغة العربية، فإذا حسبنا هذا البحث المنصف سوف يحتاج إلى أعمار عديدة وقرون، كي يصل الإنسان إلى الحقيقة. هذا، فضلاً عن أنّ غالبيّة الناس ليس لها المقدرة على هذا البحث، وإلاّ لتوقَّفت الحياة وانشلَّت وتعطَّلت، فالقول: إنه بمجرّد أن تسمع باسم الديانة الحقّة يصبح البحث عنها لازماً، ومن ثم يتشكَّل علم إجمالي بالحقّ في ضمن محتملات كثيرة، فيكون ملزماً عقلاً بالبحث في الجميع… قولٌ بعيد عن واقع قدرات البشر، وهو يفترض لزوم البحث في الإسلام فقط، مع أنّ ذاك الطرف لم يعرف أنّ الإسلام هو الحقّ أو لا بعْدُ، حتّى يُلزم نفسه بخصوص البحث فيه، فالمفترض عقلاً سراية الإلزام إلى كلّ ديانةٍ و… يكون احتمال صوابها كاحتمال صواب الإسلام في ذهن ذاك الباحث عن الحقيقة، فلا يصحّ تنزيل الآخر منزلة الذات مع الفارق الكبير. وعليه، فالمفترض القول بحكم العقل بلزوم البحث قدر الإمكان، لا مطلقاً.

وإذا كان الأمر كذلك يلزمنا العمل على الظاهر. فمع وجود احتمال عدم التقصير في هذا السنّي أو الشيعي مثلاً لا يمكننا اتّهامه وإثباتُ فسقه، بل نُحسن الظنّ به، بل لعلّه سأل وحصل على أجوبةٍ غير مقنعة له، وصادف أنّ مَنْ أجابه من أبناء المدرسة الحقّة لم يكن موفَّقاً في إجاباته، والأصل عدم تورُّطه بمعصية أو جناية أخلاقيّة حتّى نُثبتها بدليل. ومن الواضح أنّ ترتيب الآثار الفقهيّة على إسلام شخص أو تسنّنه أو تشيّعه أمرٌ فقهيّ، تخضع له قواعد التعامل مع أبناء المذاهب والأديان. لكنّ هذا يغاير المعذورية وعدم التقصير وعدم التورّط في الفسق بينه وبين الله. فهو معذورٌ، لكنْ لا نرتِّب عليه آثار الإسلام أو التشيُّع في الدنيا.

الملاحظة الرابعة: إذا ألزمنا الطرف الآخر بالبحث، ثمّ بَحَثَ وحَقَّقَ؛ فإما أن نقبل نتيجته؛ أو نرفضها:

أـ فإذا قبلنا النتيجة التي توصّل إليها ـ مهما كانت ـ قبولاً تعذيريّاً، أي حتّى لو كانت على خلاف الحقّ في ديننا ومذهبنا، فمعنى ذلك وجود القاصر، ولو كان مفكّراً، أي عدم انحصار القصور بالضعف الطبيعي، كالصغر والجنون، فهذا معذورٌ حينئذٍ، ولا يتصف بالتقصير.

ب ـ وأما إذا رفضنا نتيجته على مستوى العذر؛ فهنا تارةً نرفض ما قام به من منطلق تقصيره في المقدّمات مباشرةً، بصرف النظر عمّا توصّل إليه؛ وأخرى ننطلق ممّا توصّل إليه لافتراض تقصيره. فهنا حالتان:

الحالة الأولى: أن ننظر إلى مقدّمات عمله بصرف النظر عن النتيجة، فنقول: إنه مقصِّرٌ، كما لو بحث عن الإسلام ولم يقرأ القرآن ولو لمرّةٍ واحدة، أو بحث عن المسيحيّة ولم يطالع الكتاب المقدَّس عند المسيحيّين، فهنا يكون مقصِّراً بلا شَكٍّ. لكنّ تقويمنا لتقصيره مستقلٌّ عن نتيجة بحثه. فمثلاً: لو كنّا مسلمين، ووجدناه بحث عن اليهوديّة فرفضها، ثمّ أسلم، ولم ينطلق في رفضه من مطالعة أيِّ كتابٍ يهوديّ أو يسمع أدلّتهم، فهنا نتَّهمه بالتقصير، لا أنه لمجرَّد أنّه أسلم لم يعُدْ مقصِّراً.

الحالة الثانية: أن لا ننظر إلى مقدّمات عمله، بل إلى نتيجة عمله، ونجدها تخالف ما نراه من الحقّ في الدين والمذهب، فننطلق من ذلك إلى افتراض تقصيره في المقدّمات؛ إذ لولا تقصيره لوصل. ونعزِّز هذا الكلام بأنّ ما نعتقده حقّاً هو أمور فطريّة ينبغي أن تكون حاضرةً عند الإنسان، فلولا تقصيره لحضرت عنده، فنخرج بنتيجةٍ تقضي بتقصيره، ولهذا نتَّهم هذا الشخص بالعصيان وعدم العدالة.

وهذه الحالة وهذا الاستنتاج في غير محلِّه إذا أُريد منه تقعيد قاعدة؛ وذلك:

أوّلاً: لا ملازمة بين الخطأ والتقصير، لا عقلاً ولا عرفاً ولا شرعاً ولا عادةً. فقد لا يقصِّر الحاكم لكنّه يخطئ، ولا يقصّر القاضي لكنّه يخطئ، ولا يقصّر الفقيه لكنّه يخطئ. فإذا عمَّمنا القاعدة لكلّ خطأ لزم الحكم بفسق تمام المجتهدين والفقهاء والمتكلّمين والفلاسفة والحكّام والقضاة و… وهو ما لا يقبله عقلٌ سليم، ولا يقرّه منطق قويم، وليس كلّ المسائل العَقْديّة من الأمور الفطريّة الواضحة.

ثانياً: إنّ الأمور الفطريّة ـ كما حُقِّق في محلّه ـ من القضايا التي قد تضمر في الإنسان نتيجة عوامل خارجيّة. وهذه العوامل ليست منحصرةً في التقصير، بل التقصير أحد أسبابها. وإلاّ فالتربية في بيئةٍ فاسدة منذ الطفولة يساعد على ضمور بعض الفطريّات. وأيُّ تقصيرٍ لهذا الشخص الذي خُلق في هذه البيئة؟! ولعلّ هذا هو معنى ما ورد في بعض الروايات([20]) من أنّ الإنسان يولد على الفطرة، وأنّ أبوَيْه ـ أي المحيط ـ هما السبب في انحرافه عنها، لا التقصير. ومعه لا دليل على حصر الانحراف عن الفطريّات بالتقصير، لا عقلاً ولا شرعاً ولا عادةً.

ثالثاً: إذا كان العذر وعدم العذر في بحثين متساويين في الكيف والكمّ هو مصادفة الحقّ فيلزم تعليق الثواب والعقاب على ما ليس بالاختيار، وهو باطلٌ.

ولكي أوضِّح هذه الفكرة نأخذ شخصين غير مؤمنين بدينٍ، ثمّ نطلب منهما استخدام طريقة بحثٍ واحدة، يدرسان فيها الديانتين: اليهوديّة؛ والإسلاميّة، أو المذهبين: الإمامي؛ والأشعري، ثمّ نراقبهما، فنجدهما يستخدمان الطريقة عينها، وهما في الأصل غير مسلمَين، ولا يهوديّين، ولا شيعيّين، ولا أشعريّين، وأنّ هذه الديانات والمذاهب سواء بالنسبة إليهما، وننظر، ونرى أن أحدهما يرى حقِّيّة الإسلام، فيما يرى الآخر حقِّيّة اليهوديّة؛ أو أحدهما يرى حقِّيّة التشيُّع، والآخر يرى حقِّيّة الأشعريّة، فهل نحكم هنا بالتقصير أو لا؟

فإذا لم نحكم بالتقصير فهذا معناه عدم وجود ملازمة مفترضة بين عدم إصابة الحقيقة وبين التقصير. فلا يمكن ادّعاء أنّ كلّ مَنْ نراه على غير الحقّ فهو مقصِّرٌ… وأما إذا حكمنا بالتقصير، وأنّ مَنْ توصّل إلى اليهوديّة معاقب وغير معذور، فيما الذي توصّل إلى الإسلام معذورٌ، بل مُثاب، لزم من ذلك ربط الثواب والعقاب والتقصير وعدمه بأمرٍ خارج عن اختيار المكلَّف؛ لأنّ المفروض أنّ الطرفين قاما بالخطوات عينها، ولأنّه صادف خطأ أحدهما استحقّ العقاب، فهنا نسأل: ما الذي جعله يستحقّ العقابَ فيما استحقّ الآخرُ الثوابَ؟

والجواب ـ طبقاً للمنطق عينه ـ: إنّه أصاب، وذاك أخطأ، رغم تشابههما في العمل والمقدّمات. فمصادفة الحقّ، وهي أمرٌ خارج عن الاختيار، تكون هي المعيار. ومن الواضح أنّ العقل يحكم بقبح العقاب على أمرٍ خارج عن اختيار المكلَّف، فلا معنى للقول بعدم عُذْره.

بل يُطرح هنا ـ عقلاً ـ تساؤلٌ جذري، وهو: لو قصَّر الباحث في البحث فوصل إلى الحقّ صدفةً، فيما لم يقصِّر آخر فوصل إلى الباطل كذلك، لزم من عدم تساويهما في الخلاص عند الله ظلمٌ واضحٌ بيِّن. وهذا موضوعٌ عقدي مهمّ في الثواب والعقاب، نترك تفاصيله إلى محلّه.

بهذه الملاحظات الأربع نتوصَّل إلى عدم وجود دليل على تقصير كلّ مَنْ لم يبلغ الحقّ والمذهب، حتّى لو لم يعانِ من قصورٍ طبيعي أو سمعي. فلا دليل يُثبت فسقه وتقصيره بناءً عليه. نعم، لا شَكَّ في وجود مقصِّرين ومعاندين، ومَنْ يعرف الحقيقة ثم ينكرها ويخفيها، ومَنْ يلعب بالحقّ ويتاجر به، ومَنْ لا يبالي بالبحث عن الدين فيما يضع كلّ عمره في البحث عن اللذّة والشهوة ومنافع الدنيا. إلاّ أنّ هذا لا يعني صيرورة كلّ مَنْ لم يبلغ الحقّ مقصِّراً عاصياً معانداً منكراً. فالقاعدة والأصل عدم التقصير والعصيان، حتّى يثبت بدليلٍ في حقّ زيد أو بكر أو خالد. فهذا الدليل على فسق غير الإمامي أو مطلق مَنْ لم يكن على المذهب الحقّ غيرُ صحيح عندما يُتَّخذ قاعدةً.

وتجدر الإشارة إلى أنّ العذر وعدم العذر هنا لا ربط لهما بترتيب آثار الإسلام أو التشيُّع، فيبقى هذا الشخص محكوماً بعدم الإسلام في الدنيا قانوناً، وتترتَّب عليه آثاره، وكذا بعدم التشيُّع أو التسنُّن، وتترتَّب عليه آثاره، لكنّ الكلام في عصيانه وعدمه بما يخلّ بصفة العدالة.

2ـ 2ـ 2ـ اختيار نظريّة كفر غير المعتقد بالمذهب الحقّ، تعليقٌ نقدي

الوجه الثاني: أن نستند لإثبات فسق مطلق غير الشيعي الإمامي إلى القول بكفره، ولا سيَّما بناءً على النظريّة القائلة بكفر منكر الضروري مطلقاً وبعنوانه، حتّى لو لم يستلزم تكذيب الرسول الأكرم‘. وأغلب الظنّ أنّ متقدِّمي فقهاء الإماميّة إنّما حكموا بفسق غير الشيعي؛ إمّا انطلاقاً من تقصيره، كما هو الوجه الأوّل؛ أو كفره، كما هو الوجه الثاني. هذا، ولعلّ الرأي الذي كان سائداً في الفقه الشيعي القديم هو القول بكفر أهل السنّة، أو كفر منكر الضروري بعنوانه، على أساس أنّ الإمامة من الضرورات التي يكفر منكرها، الأمر الذي أخذ بالضعف والتراجع عند متأخِّري المتأخِّرين.

ولعلّ من أقدم النصوص الصريحة في ربط الخبر بعدالة الراوي، مع الإشارة إلى فسق غير الشيعي وكفره، ما ذكره ابن إدريس الحلّي في السرائر، حين قال: «…فلا خلاف بين مَنْ يعمل بها [أخبار الآحاد] أنّ من شرط العمل بذلك أن يكون راوي الخبر عَدْلاً، والفطحيُّ كافرٌ، فكيف يُعمل بخبره ويُخصَّص بخبره العموم المعلوم؟!»([21])؛ إذ من الواضح هنا أنّه انطلق من كفر غير الإمامي ليصل إلى فسقه، ومن ثم يُسقط خبرَه بوصفه خبر فاسقٍ، وليس بعادلٍ.

وعلى المقلب الآخر، قد نجد العديد من علماء أهل السنّة وجمهورهم يرَوْن كفر ـ ولو بعض ـ المبتدعة وأهل الانحراف في العقيدة، ومن ثمّ فلا يمكن العمل بأخبارهم؛ انطلاقاً من سلب صفة العدالة عنهم، وخاصّة في نظرة بعض السلفيّة للشيعة والصوفيّة بأغلب طرقهم ومذاهبهم، كما هو معلومٌ.

ولا نريد أن نبحث هنا في كفر غير الشيعي أو إسلامه، أو في كفر غير السلفي أو إسلامه؛ لأنّ هذا أصلٌ موضوع، وإنْ كنّا نرى إسلامهم ما داموا يشهدون الشهادتين؛ استناداً إلى الكثير من الأدلّة في الكتاب والسنّة التي تجعل معيار الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله؛ بل استناداً إلى السيرة النبويّة وسيرة الصحابة وأهل البيت على ذلك أيضاً، والتعامل مع جمهور المسلمين تعاملهم مع أهل مذهبهم. فالخلاف مع هذا الوجه مبنائيٌّ. وقد بحثنا في مواضع عدّةٍ إشكاليّة التكفير، فلا نُطيل هنا. هذا لو صرفنا النظر عن تأثير الكفر في العدالة بوصفها حُسْن سلوك أخلاقي، كما مرّ في الوجه الأوّل ومناقشاته.

يقول السيد عبد الحسين شرف الدين(1377هـ)، في كتاب الفصول المهمّة: «الفصل الرابع: في يسيرٍ من نصوص أئمّتنا^ في الحكم بإسلام أهل السنّة، وأنّهم كالشيعة في كلّ أثرٍ يترتَّب على مطلق المسلمين. وهذا في غاية الوضوح من مذهبنا، لا يرتاب فيه ذو اعتدال منّا؛ ولذا لم نستقصِ ما ورد عن هذا الباب؛ إذ ليس من الحكمة توضيح الواضحات…»([22]).

وأما قضيّة منكر الضروري فأوّل الكلام كون الإمامة من ضروريّات الدين التي يكفر منكرها. ولن أبحث في هذا الأمر هنا، إلاّ أنّني سأكتفي بالإشارة إلى نصّين دالّين في هذا المجال، وتحقيق البحث موكولٌ إلى محلّه.

وهذا النصّان هما:

النصّ الأوّل: ما يقوله الإمام الخميني في كتاب الطهارة من مباحثه الفقهية وهو: «إنّ الإمامة بالمعنى الذي عند الإماميّة ليست من ضروريّات الدين، فإنها [أي الضروريات] عبارةٌ عن أمور واضحة بديهيّة عند جميع طبقات المسلمين، ولعلّ الضرورة عند كثيرٍ على خلافها، فضلاً عن كونها ضرورة. نعم، هي من أصول المذهب، ومنكرها خارجٌ عنه، لا عن الإسلام»([23]).

النصّ الثاني: وهو للسيد محمد باقر الصدر، في كتابه (بحوث في شرح العروة الوثقى). وهذا نصّه: «…إنّ المراد بالضروري الذي ينكره المخالف، إنْ كان هو نفس إمامة أهل البيت فمن الجليّ أنّ هذه القضية لم تبلغ في وضوحها إلى درجة الضرورة، ولو سلّم بلوغها ـ حدوثاً ـ تلك الدرجة فلا شَكَّ في عدم استمرار وضوحها بتلك المثابة؛ لما اكتنفها من عوامل الغموض؛ وإنْ كان هو تدبير النبيّ وحكمة الشريعة على أساس افتراض إهمال النبيّ والشريعة للمسلمين بدون تعيين قائد أو شكلٍ يتمّ بموجبه تعيين القائد يساوق عدم تدبير الرسول وعدم حكمة الشريعة فإنّ هذه المساوقة؛ حيث إنها تقوم على أساس فهمٍ معمَّق للموقف، فلا يمكن تحميل إنكار مثل هذا الضروري على المخالف؛ لعدم التفاته إلى هذه المساوقة، أو عدم إيمانه بها»([24]).

ومن هذين النصّين، ولا سيَّما الثاني منهما ـ ونحن نوافقهما تماماً ـ، يُفهم أنّ الأمر الواضح البديهيّ عندي ليس من الضروري أن يكون بديهيّاً عند غيري، حتّى أتّهمه بالتقصير دوماً، أو الكفر والطمس للحقّ كذلك. فالانقسامات التي شهدها تاريخ الإسلام كانت أكبر بكثيرٍ من أن نبسِّطها، ونتجاهل كلّ تعقيداتها.

والأمر عينه نقوله لغير الشيعي في نظرته إلى الشيعة. فإنّ محاكمة الناس على أساس لازم القول، مع أنّهم غير ملتفتين لذلك أو ملتفتون ولكنّهم لا يرَوْن هذه الملازمة التي أنت تراها، هذه المحاكمة غير موضوعيّةٍ، ومن ثمّ فمَنْ يؤمن بقِدَم العالم لا يرى أنّ قِدَم العالم يساوق إنكار التوحيد أو الألوهيّة، كما ترى ذلك أنتَ، بل هو يدَّعي بأنّ قِدَم العالم يكرِّس مفهوم الربوبيّة، ويقوّي من فقر العالم لله تعالى. فواقعيّة إفضاء قوله للكفر من وجهة نظرك شيءٌ، والتزامه بالكفر (وهو تعدُّد الآلهة القدماء مثلاً)، بحيث نعتبره كافراً، شيءٌ آخر.

وهكذا مَنْ ينكر عدالة الصحابة، فهو لا يُنكر السنّة النبويّة، بل هو يرى أنّ بعض طرقها غير صحيح، وأنّ لديه طرقاً أخرى في المقام. فإذا كان إنكار عدالة الصحابة عندك يفضي لسدّ باب السنّة النبويّة فلا يعني ذلك أنّ منكر عدالة الصحابة ينكر السنّة النبويّة، فلا يمكن تحميل لوازم الأمور للآخرين، مع عدم التفاتهم لذلك، أو مع اعتقادهم بالعدم. وقد تعرَّضنا لهذا الموضوع في أكثر من موقعٍ، ليس آخرها ما أوردناه في كتابنا (رسالة سلام مذهبي)([25])، فليراجع.

وعليه، فالأساس هنا باطلٌ غير صحيح، وهو القول بكفر غير الإمامي أو غير السنّي، ومن ثم انعدام عدالته.

وبعيداً عن تقويمنا لنظريّة الشهيد الثاني، فقد ذهب، في كتاب حقائق الإيمان، ليس إلى إسلام سائر فرق الشيعة غير الإماميّة، بل إلى تشيُّعهم بما للكلمة من معنىً، حيث رأى أنّ التشيُّع عبارة عن الاعتقاد بأنّ هؤلاء الأئمّة من أهل البيت علماء يجب اتّباعهم، والأخذ عنهم، وبناء الدين على أقوالهم، حتّى لو لم يجْرِ الاعتقاد بعصمتهم، ولا بولايتهم التكوينيّة، ولا بعلمهم الغيبي، ولا بمثل ذلك، وهذا ما يوسِّع من دائرة الشيعي اتّساعاً نسبيّاً.

يقول الشهيد الثاني: «الأصل الرابع: (التصديق بإمامة الاثنا عشر صلوات الله عليهم أجمعين). وهذا الأصل اعتبره في تحقُّق الإيمان الطائفة المحقّة الإماميّة، حتّى أنّه من ضروريّات مذهبهم، دون غيرهم من المخالفين، فإنّه عندهم من الفروع. ثمّ إنّه لا رَيْب أنّه يشترط التصديق بكونهم أئمّةً يهدون بالحقّ، وبوجوب الانقياد إليهم في أوامرهم ونواهيهم؛ إذ الغرض من الحكم بإمامتهم ذلك، فلو لم يتحقَّق التصديق بذلك لم يتحقَّق التصديق بكونهم أئمّةً. أما التصديق بكونهم معصومين مطهَّرين عن الرجس، كما دلّت عليه الأدلّة العقليّة والنقليّة، والتصديق بكونهم منصوصاً عليهم من الله تعالى ورسوله، وأنّهم حافظون للشرع، عالمون بما فيه صلاح أهل الشريعة من أمور معاشهم ومعادهم، وأنّ علمهم ليس عن رأيٍ واجتهاد، بل عن يقين تلقّوه عمَّنْ لا ينطق عن الهوى، خَلَفاً عن سلفٍ، بأنفس قويّة قدسيّة، أو بعضه لدنيّ من لدُنْ حكيم خبير، وغير ذلك ممّا يفيد اليقين، كما ورد في الحديث أنّهم^ محدَّثون، أي معهم مَلَكٌ يحدِّثهم بجميع ما يحتاجون أو يُرْجَع إليهم فيه، أو أنهم يحصل لهم نَكْتٌ في القلوب بذلك، على أحد التفسيرين للحديث، وأنّه لا يصحّ خلوّ العصر عن إمامٍ منهم، وإلاّ لساخت الأرض بأهلها، وأنّ الدنيا تتمّ بتمامهم، ولا تصحّ الزيادة عليهم، وأنّ خاتمهم المهديّ صاحب الزمان×، وأنّه حيٌّ إلى أن يأذن الله تعالى له ولغيره، وأدعية الفرقة المحقّة الناجية بالفرج بظهوره× كثيرة، فهل يُعتبر في تحقُّق الإيمان أم يكفي اعتقاد إمامتهم ووجوب طاعتهم في الجملة؟ فيه الوجهان السابقان في النبوّة. ويمكن ترجيح الأوّل بأنّ الذي دلّ على ثبوت إمامتهم دلّ على جميع ما ذكرناه، خصوصاً العصمة؛ لثبوتها بالعقل والنقل. وليس بعيداً الاكتفاء بالأخير، على ما يظهر من حال رواتهم ومعاصريهم من شيعتهم في أحاديثهم^؛ فإنّ كثيراً منهم ما كانوا يعتقدون عصمتهم؛ لخفائها عليهم، بل كانوا يعتقدون أنّهم علماء أبرار، يعرف ذلك مَنْ تتبَّع سيرهم وأحاديثهم، وفي كتاب أبي عمرو الكشي& جملةٌ مُطْلعة على ذلك، مع أنّ المعلوم من سيرتهم^ مع هؤلاء أنّهم كانوا حاكمين بإيمانهم، بل عدالتهم»([26]).

وما أبعد ما بينه وبين ابن إدريس الحلّي في كلامه المتقدِّم!

2ـ 2ـ 3ـ فرضيّة الفسق بمخالفة الواقع دون الحكم الاعتقادي، قراءةٌ نقديّة

الوجه الثالث: إنّ غير الشيعي يرتكب بالتأكيد العديد من المعاصي المقطوع بعدم شرعيّتها في المذهب الإمامي، كالتأمين، والتكتُّف في الصلاة، والإخلال بالأذان والإقامة، وعشرات من الموارد الأخرى، ومع ارتكابه لهذه المعاصي كيف يمكن الحكم بعدالته؟!

والأمر عينه يمكن أن يطبِّقه غير الشيعي في حقّ المختلفين معه في المذهب، فيحكم ـ وفقاً لذلك ـ بفسقهم، وينفي عنهم صفة العدالة.

وقد أجاب الشهيد الثاني ـ في ما نقله عنه ولده ـ عمّا يتّصل بهذا الوجه، عبر القول بأنّ العدالة رهينة اعتقاد الحرمة أو الوجوب. فالذي يعتقد حرمة عملٍ ما، ثم يقوم بارتكابه، يكون عاصياً فاسقاً؛ أما إذا كان يعتقد حلِّية هذا العمل، فيُقْدِم عليه، فيكون هذا العمل حراماً واقعاً، فلا يكون عاصياً بذلك، بل معذوراً.

وقد رفض وَلَدُ الشهيد الثاني الشيخُ حسن صاحب المعالم هذا الربط الذي ذكره والده بين اعتقاد الحكم ومخالفته، فأصرّ على الفسق مع ارتكاب الحرمة([27]).

وهو منه غريبٌ؛ إذ الحقّ ما ذهب إليه الشهيد الثاني. فإنّنا نسأل هل المعيار في خروج الإنسان عن وصف العدالة هو ارتكاب الحرام الواقعي أو الحرام عنده؟ فإذا كان الثاني فإنّ غير الشيعي بفعله التأمين وغيره معتقدٌ بالجواز، فيكون الحكم الظاهري معذِّراً له، فلا يكون مخالفاً للطاعة والانصياع حتّى يكون فاسقاً؛ وأما إذا كان الأوّل، ورُبط الأمر بالواقع، فإنّ ذلك معناه صيرورة تمام الناس تقريباً فسّاقاً، وسيحكم الفقهاء على بعضهم بعضاً بالفسق لمخالفتهم ـ بنظر بعضهم ـ للحكم الواقعي، ولو مرّةً واحدة، بلا توبةٍ، بل كيف يكون المنقاد المثاب على انقياده فاسقاً عاصياً إلاّ إذا أُريد فصل مفهومَيْ الفسق والعصيان، فقد يكون المطيع فاسقاً، أو بتعبيرٍ أدقّ: المنقاد فاسقاً، وهو أمرٌ مخالف للمرتكزات المتشرِّعيّة.

هذا، مضافاً إلى أنّه لو تمّت هذه النظريّة لشملت بعض الشيعة الذين يُحْرَز مخالفتهم للأحكام الواقعيّة، ولو بنحو العلم الإجمالي، إنْ لم نقُلْ: كلّ الشيعة. فلماذا نأخذ بروايات كلّ شيعيّ فيما نترك روايات كلّ سنّي أو غير إمامي، رغم أنّ العلم بحصول المخالفة الواقعيّة من الجميع حاصلٌ. ولا فرق في الحصول بين العلم الإجمالي والتفصيلي؛ لأنّهما معاً يثبتان حصول الفسق الواقعي، حتّى لو لم نحرز بالتفصيل سبب الحصول معيّناً. وعليه فهذا الوجه لعدم الأخذ بروايات غير الإماميّ غير واضح.

وما قلناه هنا يجري بعينه في حقّ الإمامي بالنسبة إلى غيره، فلا نعيد.

يقول ابن حزم الأندلسي: «وأما مَنْ قدم على ما يعتقده حلالاً، ممّا لم يقُمْ عليه في تحريمه حجّةٌ، فهو معذورٌ مأجور، وإنْ كان مخطئاً. وأهل الأهواء، معتزليّيهم ومرجئيهم، وزيديّيهم وأباضيّيهم، بهذه الصفة، إلاّ مَنْ أخرجه هواه عن الإسلام إلى كفرٍ متَّفق على أنّه كفر…»([28]).

نتيجة البحث في الوثاقة والعدالة

خلُصنا ممّا تقدَّم إلى أنّ أدلّة حجِّية خبر الواحد تُثبت حجِّية خبر مطلق الثقة في النقل، المأمون فيه، بلا فرقٍ بين أن يكون عادلاً من الناحية الفقهيّة أو غير عادل.

كما توصّلنا إلى أنّه لا يوجد دليلٌ حاسم يُقحم مسألة الاعتقاد بمفهوم العدالة والفسق، إلاّ من حيث إنّ المعتقد بغير المذهب الحقّ والدين الحقّ لو قصّر في المقدّمات، أو كان معانداً يتبع مصالحه الذاتية، ويعارض الحقّ، ويصدّ عنه عناداً وبغياً، ففي هذه الحال يحكم بفسقه بشكلٍ واضح. إلاّ أنّ الكلام في تعيين هذا الأمر بالنسبة إلينا نحن البشر. والمفروض أنّ أصالة عدم مخالفته للشرع والأخلاق هي المحكَّمة، وخاصّة لو قلنا بأنّ المأخوذ في حجِّية الخبر هو عدم فسق الراوي، لا عدالة الراوي، أو بعبارةٍ أخرى: قلنا بمانعيّة الفسق عن قبول خبره، لا بشرط العدالة في قبول الخبر، وذلك بمقتضى الجمع بين أدلّة الحجِّية مع منطوق آية النبأ، بل حتّى لو قلنا بشرط العدالة، وفسَّرناها بأنّها نفس ترك الحرام، فإنّ جريان الأصل هنا ينقِّح تركه للحرام، فنُثبت عدالته.

وبهذا كلِّه نكون قد انتهينا من مقتضى القواعد الأوليّة، وأنّها تساعد على قانون الدمج الحديثي أو توحيد الحديث الإسلامي، وأنّ معيار حجِّية الخبر ليس العدالة، بل الوثوق أو الوثاقة. بل لو فرضت خبر العادل هو موضوع حجِّية الخبر لم يكن الاعتقاد شرطاً أو قيداً في العدالة، ما لم يثبت التقصير في المقدّمات البحثية العقديّة.

وعليه، فالمهمّ هنا ـ بعد هذه المرحلة ـ رصد معوِّقات الأخذ والرجوع إلى روايات الفرق الأخرى، لنرى هل تعطِّل اقتضاءات قواعد الحجِّية العامّة فيها، بحيث تُخرجها من الأوّل عن أن تكون ممّا يُترقَّب فيه وجود الدليل الحجّة أو المخصِّص الحجّة أو نحو ذلك أو لا؟

المحور الثالث: معوِّقات الرجوع إلى المصادر المذهبيّة الحديثيّة الأخرى

وفي سياق استعراض معوِّقات الرجوع إلى مصادر الحديث المذهبيّة الأخرى يمكننا ذكر عدّة معوِّقات وموانع، أبرزها:

1ـ حاجز الثقة العام

المانع الأوّل أو العائق الأوّل أمام توحيد الحديث الإسلاميّ أو قاعدة الدمج والوصل هو ما نسمّيه حاجز الثقة العام، حيث يقال: إنّه لا يمكن حصول وثوق بروايات الفرق الأخرى، ولا نعرف شخصاً من هؤلاء يمكن عدُّه من الثقات، فهم مشكوكٌ فيهم، أتباع السلطان وصنّاع رواياته، أو أتباع الغلوّ وصنّاع روايته.

فكيف يمكن للشيعي أن يثق بالبخاري الذي لم يورد عن أئمّة أهل البيت إلاّ رواياتٍ محدودة جدّاً، رغم جلالتهم ووثاقتهم في الأمّة، فيما روى عن بعض الخوارج؟! إنّ مثل هذه المواقف من هذا الرجل تفقدنا الوثوق به. كما أنّ انحيازهم المذهبي لا يجعلنا نثق بما يروونه في هذه القضايا.

وهكذا الحال في رؤية السنّي لمصادر الحديث الشيعيّة، حيث يرى أنّ تعصُّب الكليني وأمثاله بلغ حدّاً أنّه لم ينقل ولا رواية واحدة عن مصادر الحديث السنّية التي أُلِّفت قبله، ورواياته كلّها مشحونة بالغلوّ والتطرُّف المذهبي، فباب الإمامة عنده أكبر من باب العقل والجهل والتوحيد وغيرها من أبواب العقائد، ففي الإمامة (كتاب الحجّة) يوجد 129 باباً، أي أكثر من التوحيد والمعاد، وقد روى الكليني عن الغلاة الذين ضعَّفتهم الطائفة الشيعيّة، ولم يَرْوِ حديثاً من صحاح السنّة، ولا عن بعض الصحابة الكبار، مثل: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن العاص، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم؟!

تعليقات حول حاجز الثقة، جولةٌ في منبِّهات ضروريّة

لا شَكَّ في أنّ الصراع المذهبي الممتّد أكثر من ألف وثلاثمائة عام لا يمكن محوه بجوابٍ عن إشكال؛ فمَنْ فقد الثقة لا يرى في أبناء المذهب الآخر مَنْ هو صادقٌ متديِّن مخلص لله ولرسوله، غاية الأمر أنّه مشتبهٌ. كيف يمكن أن نُقنع السنّي بأنّ في الشيعة صادقاً، وهو يرى فيهم منافقين يستخدمون التقيّة، فلا يمكن تصديقهم بشيءٍ؟!

فالحلّ الوحيد لتحديد مدى صواب هذه الثقة أو عدم الثقة يكمن في التواصل الاجتماعي، الذي سيكون كفيلاً بفهم الآخر عن كثبٍ، لا عن بُعْد.

كما يكمن بشكلٍ أكبر في تفكيك مبرِّرات عدم الثقة، والخروج من حالتها في اللاوعي إلى تحويلها لأمرٍ يخضع للوعي والترجمة والبيان؛ كي تتمّ مناقشة كلّ مفردة من مفرداته التي كوّنت هذه الحالة العامّة من فقدان الثقة. وإلاّ فبناء موقفٍ بهذا الحجم من أممٍ كبيرة من الناس يحتاج للكثير من التريُّث ومجاهدة النفس والتقوى، وعدم الاكتفاء بما تربّى الإنسان عليه منذ طفولته، واعتاد سماعه من منابر أهل ملّته؛ كي تفرغ ذمّته أمام الله تعالى، ويقدر على تقديم أجوبةٍ مقنعة لمواقفه الكبيرة هذه؛ وليرى أنّ مراوغة هذا العالم الشيعي هنا، أو السنّي هناك، أو خطؤه الكبير هنا أو هناك، هل تختصّ به، أو يوجد مثل ذلك عند علمائي، وأقوم بحمله على الأحسن أو تأويله، فيما لا أسمح لنفسي ـ لأجل الخلاف العقدي ـ بذلك في حقّ الآخرين.

وبعبارةٍ موجزة: إنّ حاجز الثقة يجب أن يكون معلولاً للمعطيات المبرِّرة له، ومن ثم يجب دراستها لتكوينه تكويناً واعياً، وليس هو العلّة لاتّخاذ المواقف أو ردّ مبرّرات عدمه.

لهذا؛ ولكي نسجِّل ملاحظات على هذا المانع، نؤكِّد سَلَفاً أنّها منبِّهات وجدانية تحاول إحداث انزياح وحلحلة في الصور النمطية المرسومة، تلك الصور التي ترى كلَّ سنّي ناصبيّاً، وكلَّ شيعي مغالياً يؤلِّه عليّاً وآل عليّ.

وأبرز هذه المنبِّهات هو التالي:

المنبّه الأوّل: هناك فرقٌ في المحدِّث والمؤرِّخ بين أن يُنقص حقّاً أو أن يزيد باطلاً. وهذه نقطةٌ جوهريّة جدّاً. فكثير وربما جميع مؤرِّخي العالم لم يذكروا كلّ ما عرفوه، ربما لخوفٍ أو مصالح وقتيّة أو اعتباراتٍ ما ذات تبريرات دينيّة أو سياسية أو… فرُبَّ رواية تضرّ بالمصالح المذهبية لا يذكرها المحدِّث لذلك، ورُبَّ حديث تاريخي لا يتناسب مع اعتقادات المؤرِّخ فيحذفه كذلك، أو يكون في ذكره عليه مضرّة أذية السلطان فيكفي نفسَه شرَّه، فيحذف ذلك من كتابه. إنّ هذا ما يحصل كثيراً في التوثيق التاريخي، وما يزال حتّى عصرنا الراهن. فاليوم يوجد كثير ممَّنْ يملكون معلوماتٍ مهمّة عن حقبةٍ زمنية سابقة عاشوها لا يبوحون بأسرارها؛ لمصالح أو اعتبارات.

ونحن ـ كما أشرنا في دراسةٍ أخرى حول كتابة التاريخ الإسلامي([29]) ـ لا نحبِّذ استخدام هذه الطريقة في تدوين التاريخ، إلاّ في حالاتٍ نادرة جدّاً، لكنّه لا يمكن عدّ أصحابها غير ثقات في ما ينقلونه، إلاّ عندما ينقلون قصّةً، ويتعمَّدون حذف مقطع منها له علاقة بدلالات القصّة الأخرى؛ فإنّ هذا ما يعبِّر عن نوعٍ من أنواع الكذب في النقل. فإذا كنّا نرى عدم وثاقة مَنْ لا يذكر في كتابه بعض الروايات؛ لأنّها خلاف معتقده أو…، فسيكون ذلك مشكلةً؛ لأنّه لا العُرْف ولا العقلاء يعتبرونه كاذباً. نعم قد لا يصوِّبون فعله أو يذمُّونه، لكنّ الذمّ على فعلٍ ما لا يعني عدم الوثاقة. فحتّى يخرج الإنسان عن أن أثق به لا بُدَّ أن أشكِّك في صدق نقله، لا أنّه بمجرّد عدم ذكر بعض الأخبار يصبح غير ثقة، إلاّ إذا تعهّد بنقل تمام الأخبار التي يعتقد بها والتي لا يعتقد بها، وشهد بأنّه ينقل كلَّ ما هو صحيح السند عنده، ثمّ يحذف بعضه، فهذا فيه مشكلةٌ، وإنْ كان قد يُحمل على تعديل نظره. فمثلاً: الشيخ الطوسي في مقدّمة الفهرست وعد ببيان التوثيق والتضعيف([30])، لكنّه لم يَفِ بوعده، كما قيل، وهذا لا يعني اتّهامه بالكذب. كما أنّ الشيخ الصدوق وعد بأن لا يورد إلاّ ما هو حجّةٌ بينه وبين ربّه في كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه، فإذا صحَّتْ عنده رواية سنداً لكنّه رآها باطلة المضمون؛ لمخالفتها للمسلَّم عنده عقائدياً، فإنّ حذفه لها ليس خيانةً، ما دام قد جعل اعتقاده هو المعيار في اختيار الأحاديث، من حيث قضيّة نقد المتن الحديثي.

إذن، كما حقَّ للصدوق حذف ما لا يعتقد به كذا يصحّ للبخاري حذف ما لا يعتقد به. والعكس صحيحٌ؛ لشيوع أساليب نقد المضمون في تلك الفترة. ومن الواضح أنّ نقد المحتوى يقوم بالدرجة الأولى على الخلفيّات المعرفيّة للمحدِّث نفسه، ولا يمكن فصل هذه الخلفيّات عن اختيار الأحاديث. فانتقاء الأحاديث تَبَعاً للخلفيّات المسبقة، ولو في الجملة، أمرٌ فعله كلُّ محدِّثي الإسلام، إلاّ مَنْ شذّ وندر. نعم، لو ذكر المحدِّث تعهّده برواية كلّ ما وصل إليه فهذه خيانةٌ، لكنّنا أشرنا إلى أنّه ليس لازمها الكذب في النقل.

وعليه، لا يمكننا تضعيف رواية في الكافي لعدم رواية البخاري لها. لكنّه لا يمكن تكذيب البخاري لعدم روايته لهذه الرواية. والعكس صحيحٌ.

هذا، فضلاً عن أنّ البخاري بعدم نقله عن الصادق قد ينطلق من كون الإمام الصادق عنده مجتهداً، وغالب ما يقوله هو آراؤه الاجتهاديّة، وغالب ما ينقله عن النبيّ لعلّه يراه مرسلاً لا سند له؛ لأنّ كثيراً من روايات أئمّة أهل البيت عن شخص النبيّ لا يُذكر فيها السند على شكل رواية. فلعلّه اعتبر ذلك إرسالاً. فالمبرِّرات المحتملة موجودة.

وهكذا الحال في عدم نقل الكليني روايات عن بعض الصحابة؛ فإنّه على عقيدته لا يرى هؤلاء ثقاتٍ. وإذا اختلف السنّي معه في هذا الاعتقاد فلا يعني أنّه يحقّ له اتّهامه بالخيانة أو الكذب؛ لكون عمله الحديثي جاء على وفق قناعاته الشخصيّة، تماماً كأغلب المحدِّثين المسلمين يكون عملهم الحديثي منطلقاً من قناعاتهم.

هذا، وقد تعرّضتُ لإشكاليّة سياسة التعصُّب والانحياز عند المحدِّثين في موضعه([31])، فليُراجع.

المنبّه الثاني: من الطبيعي في النقاط الخلافيّة المذهبيّة التي ثار جدلٌ فيها بين المذاهب أن يكون احتمال الجعل في الفريق الآخر وارداً. فداعي الكذب موجودٌ بنسبة جيّدة. لهذا فإنّ النقاط الخلافيّة الساخنة، حتّى في المجال الفقهي، مثل: (حيّ علي خير العمل)، وزواج المتعة، وغير ذلك، يحقّ لكلّ فريقٍ أن لا يرى روايات الفريق الآخر موجبةً للوثوق أو للموثوقيّة الناشئة عن الوثاقة عنده. ولعلّ هذه النقاط هي التي عمَّمت فقدان الموثوقيّة، فيما داعي الكذب في الأمور الأخرى ليس على الوتيرة نفسها، بحيث يتميَّز المحدِّث المنتمي إلى مذهبي عن غيره فيها، بل هما متساويان في ذلك. فإذا وردت رواياتٌ في البخاري والكافي تتعلّق بمسألة الإمامة فمن الطبيعي أن يضعُف الوثوق أو الموثوقيّة بروايات الكافي عند السنّي، وروايات البخاري عند الشيعي؛ لأنّ داعي الكذب في أحد الرواة يرتفع حينئذٍ؛ لوجود مصالح مذهبية. أمّا لو وردت روايات في موضوع استحباب ذكر الله تعالى في المصدرين المذكورين، فإنّ هذا الداعي المنبعث من التحيُّز المذهبي يتلاشى بنسبةٍ كبيرة جدّاً، فأيُّ مبرِّرٍ لتعميم هذا الداعي لسائر الأبواب الفقهيّة والأخلاقيّة والتفسيريّة والتاريخيّة وغيرها؟!

والتفكيك في الداعي بين المجالات صحيحٌ، وفاقاً للسيد الصدر.

المنبّه الثالث: إنّ وجود رواياتٍ عديدة مشتركة في المضمون على الأقلّ في مصادر الفرق الإسلاميّة المختلفة، وتشكِّل نسبة تعدّ بآلاف الروايات، يؤكِّد أن هناك نظرة منصفة عند الآخر تسمح بالركون إليه بدرجةٍ ما. فعندما تشترك آلاف الروايات في مئات الموضوعات فهذا يؤكِّد وجود صادقين عند الطرفين بنسبةٍ جيدة. وانطلاقاً من ذلك يتبلور تصوُّر مختلف عن الفريق الآخر حينئذٍ، إلاّ إذا أصرّ إنسانٌ وقال بأنّ كلّ ما عند الآخر، ممّا هو صدقٌ وصحيح، إنّما هو سرقةٌ ممّا عندنا، مع تركيب سندٍ آخر له!

وهي دعوى لو صحّت في موضعٍ أو اثنين، لكنّه لا يمكن تصحيحها بمجرّد تشابه المتون، وإلاّ لزم إسقاط جميع الروايات التي يكون مضمونها موجوداً في كتب الديانات السابقة!

المنبّه الرابع: إنّ وجود روايات كثيرة جدّاً في مصادر أهل السنّة يمكن للشيعي أن يستفيد منها دليلٌ على أنّ السنّي لمّا روى لم يكن دائماً متعصِّباً، وإلاّ لحذف فضائل أهل البيت^، وهو يعرف أنّ الشيعي يستفيد منها، حتّى لو كان هو نفسه يؤوِّلها.

فوجود حديث الغدير والثقلين والمنزلة والمباهلة وعشرات الأحاديث في مدح أهل البيت وإبراز مناقبهم في مصادرهم الحديثية يرفع من مستوى الصورة الإيجابيّة، وإلاّ فلماذا لم يحذفوها من كتبهم، حتّى لو كنّا نعتقد أنهم حذفوا الكثير، بل ووجود الكثير من الأحاديث في الطعن على بعض الصحابة وذكر مثالب لهم هو الآخر يعزِّز من هذه المصداقيّة على الصعيد المذهبي، وأنّ الصورة ليست سوداء تماماً.

طبعاً لا نستبعد الحذف عند الفرقاء كافّة؛ انطلاقاً من قناعاتٍ تارةً أو من ميول وتعصُّبات أخرى. وهذا شيء نحتمله في موضوعات متعدِّدة. وقد احتملناه في روايات عرض الحديث على القرآن، وقلنا بأنّه من الممكن أن يكون للموقف السلبي عند المحدِّثين السنّة من هذه الروايات دورٌ في هجرانهم لها، وبالتالي موتها تدريجياً في التراث الحديثي السنّي. وليس هذا أمراً غريباً، فابن الجنيد الإسكافي، الفقيه والعالم الشيعي المعروف، ينقل النجاشيُّ أنّ له كتاباً اسمه: كتاب إظهار ما ستره أهل العناد من الرواية عن أئمّة العترة في أمر الاجتهاد([32])، فإنّ هذا العنوان يشي بأنّ ابن الجنيد يتّهم المعارضين للاجتهاد بأنّهم ستروا روايات شرعيّته، ومن ثمّ ولهذا السبب لم نعُدْ نجد هذه الروايات في كتب الشيعة اليوم من وجهة نظر ابن الجنيد. كيف وابن الجنيد نفسه اختفَتْ كتبه، حتّى قال الطوسي عنه بأنّه كان جيّد التصنيف حَسَنَه، إلاّ أنّه كان يرى القول بالقياس، فتُركت لذلك كتبه، ولم يعوَّل عليها([33])؟!

بل نحن نجد أنّ المحدِّث قد يترك نقل الروايات؛ لأسباب دينيّة، رغم أنّه قد يرى هذه الروايات صحيحةً. يقول الشيخ الصدوق، في مباحث رؤية الله من كتاب التوحيد، ما نصّه: «والأخبار التي رويت في هذا المعنى، وأخرجها مشايخنا رضي الله عنهم في مصنَّفاتهم، عندي صحيحةٌ، وإنّما تركت إيرادها في هذا الباب؛ خشية أن يقرأها جاهلٌ بمعانيها فيكذِّب بها، فيكفر بالله عزَّ وجلَّ وهو لا يعلم. والأخبار التي ذكرها أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره، والتي أوردها محمد بن أحمد بن يحيى في جامعه، في معنى الرؤية، صحيحةٌ، لا يردّها إلاّ مكذِّبٌ بالحقّ، أو جاهل به، وألفاظها ألفاظ القرآن، ولكلّ خبر منها معنى ينفي التشبيه والتعطيل، ويثبت التوحيد، وقد أمرنا الأئمّة صلوات الله عليهم أن لا نكلِّم الناس إلاّ على قدر عقولهم»([34]).

المنبّه الخامس: لا يُراد من الرجوع إلى مصادر الفريق الآخر التوصّل إلى حجِّية تمام رواياته، بل المقصود ولو صحّة خمسة في المائة من هذه الروايات. وهذا كافٍ.

وهذا المقدار هل هو مستبعدٌ حقّاً؟ فهل يوجد داعٍ لتكذيب هؤلاء الرواة حتّى في خمسة في المائة من الروايات، أي لا يزيد عدد الروايات الصحيحة التي نريد العمل بها من مجموع كتب السنّة على بضع مئاتٍ مثلاً من أصل ما يقارب عشرين ألفاً أو خمسين ألفاً أو أكثر مثلاً؟ هل القول بصحّة هذا العدد مبالغةٌ في التصديق؟ وهل رفض هذا العدد إنصافٌ في النقد؟

وإنّما نقول ذلك لأنّنا بعد الرجوع إلى تلك المصادر سوف نُعمل النقد فيها سنداً ومتناً، ونحن مطمئنّون إلى ضعف أكثر الروايات على هذا الصعيد. فعلى طرائقنا في النقد لمصادر الحديث الشيعي لم تثبت الحجِّية لآلاف الروايات، بل وأكثر، فكيف بالإعمال في مصادر الحديث السنّية؟ وهكذا الحال بالنسبة للسنّي، فإنّ حركة نقد الحديث عنده أودَتْ بآلاف الأحاديث، أفهل من المعقول بحساب الاحتمال أن يكون الشيعة قد كذبوا في ما يقرب من خمسين ألف رواية موجودة في مصادرهم كلِّها؟ فبعد إجراء النقد السندي والمضموني، وحذف قضايا الاختلاف المذهبي، هل يصحّ التعامل مع سائر الروايات بالمنهج نفسه عقلائيّاً؟!

بل إنّ الكثير من علماء السنّة قريبون جدّاً من الشيعة، حتّى وفق قول الشيعة أنفسهم، مثل: النسائي والشافعي ومالك والحاكم النيسابوري وغيرهم، فلماذا لم يكن هذا الحاجز النفسي مرتفعاً في حقّ هؤلاء، لو فرضنا وجوده في حقّ مثل البخاري أو ابن حنبل أو غيره؟! والعكس صحيحٌ. بل لماذا لم يكن هناك تقارب حديثي بين أبناء الخطّ الواحد، مثل: الزيدية والإماميّة؟! هل يُعقل أن يكون حاجز الثقة إلى هذا الحدّ؟

وكلامي هنا في أئمّة الحديث الموسوعيّين، وإلاّ فالكلام يجري أيضاً في كبار الرواة السابقين عليهم زمناً.

المنبّه السادس: لا يُراد هنا من الشيعي أن يجعل قوّة الكشف في الرواية السنيّة مطابقةً لقوّة الكشف في الرواية الواردة في المصادر الشيعية، ولا نطلب من السنّي ذلك. فمثلاً: مع التعارض يمكن تقديم المصدر الحديثي المذهبي، وهكذا. لكنّ المقصود أصل وجود الحدّ الأدنى من الحجِّية؟ فهل يعقل عدم وجوده في تمام هذه المصادر؟ وإذا كنت أحرز في مصادر الفريق الآخر وجود أكاذيب فأنا أحرز في مصادري وجود أكاذيب أيضاً، كما أنّه إذا كان في مصادر الفريق الآخر روايات ضعيفة فهي كذلك في مصادري، وهكذا. فالمقصود جامع الحجِّية، حتّى لو تفاضلت المصادر، فهذا شيءٌ طبيعي.

ونكتفي بهذه المنبِّهات؛ لأنّ إعادة تقويم الثقة بالآخر تتبع المطالعات المحايدة المسبقة، وتطالب بالكثير من مطالعة الموروث بهذه الطريقة.

 2 ـ الاستغناء وعدم الحاجة للمصادر غير المذهبيّة، قراءةٌ نقديّة

المانع الثاني: وهو عدم الحاجة؛ إذ يطرح كلّ فريق عادةً مقولةً تقول: لسنا بحاجة إلى المصادر الروائيّة عند الفريق الآخر؛ لأنّ ما عندنا من روايات يكفينا في ممارسة الاجتهاد الكلامي والفقهي و… فلماذا نسعى خلف روايات فريقٍ آخر كثير منها مشكوك في أمره؟

وتتعزّّز هذه الفكرة عند الشيعة، كما عند السنّة؛ لأنّ الروايات الشيعية الأصلية كثيرة للغاية، وبعشرات الآلاف، كما هي الحال عند السنّة. وهي عند كلّ فريق ممتدة على امتداد موضوعات الفكر الإسلامي، ففي أيِّ موضوع يجد الشيعي والسنّي إجابات في القرآن، وفي ما عنده من رواياتٍ. فهذا التراث الغنيّ يكفي كلاًّ من الطرفين، ممّا لا يعوزه بعد ذلك إلى التفتيش في المصادر الأخرى.

وهذه تجربة التاريخ خير شاهد على صحّة هذا الكلام. فقد استطاع الشيعة والسنّة ـ كلّ فريقٍ على حِدَة ـ أن يبنوا نظاماً فقهياً شاملاً، وتراثاً واسعاً، بالاعتماد على مصادرهم، دون أن يجدوا حاجةً للذهاب إلى هذا المصدر أو ذاك. فهل المهمّ تكثير المصادر، وإتعاب النفس في ذلك، أو المهمّ الوصول إلى نتيجةٍ في البحث، ولو بطريقٍ مختصر؟ بل قد يزداد الأمر وضوحاً عند السنّي، وهو يرى من وجهة نظره أنّ فقه الشيعة كان هامشاً على فقهه، وأنّ السنّة هم الأصل في الثورات العلميّة في تاريخ الإسلام، فما الذي يحوجهم إلى اللهث وراء مصادر فريقٍ هامشيّ، مثل: الإماميّة، لا يعتدّ به، كي يبنوا نظامهم الفقهي وغيره عليه؟!

يقول الحُرُّ العاملي: «اللازم بعد التسليم هو النظر في كتبهم لتحقيق مسألة خاصّة قد وردت فيها أحاديث مختلفة، مع عدم حسن الظنّ بهم، لا مطالعة جميع الكتاب، وإنّما ننظر مذهبهم بقصد مخالفته، لا لأجل الاستفادة من ذلك الكتاب، ومع ذلك فإنّ مطالعة كتبهم مفاسدُها كثيرة مشاهَدَة، أقلُّها حسن الظنّ بهم في ما لا يعلم أنّه موافقٌ للإماميّة أو مخالفٌ لهم»([35]).

لكنّ هذا المانع لا يصحّ الاعتماد عليه؛ وذلك أنّه قد تقرَّر في علم أصول الفقه الإسلامي أنّه لا يمكن إجراء أصالة البراءة إلاّ بعد اليأس من الظفر بدليلٍ. وكذلك الحال لا يصحّ العمل بالعامّ إلاّ بعد اليأس عن الظفر بالمخصِّص. فهنا نسأل: هل يحصل يأسٌ عن الظفر بدليلٍ عندما أستبعد من حسابي دفعةً واحدة أكثر من خمسين ألف رواية مثلاً موجودة في مصادر أهل السنّة، أو خمسين ألف رواية موجودة عند الشيعة؟ إذا كانت عند الشيعي خمس روايات ضعيفة السند ألا يحتمل وجود عشرين رواية ـ ولو ضعيفة السند ـ عند أهل السنّة في الموضوع عينه، قد يحصل له بضمِّها إلى روايات الشيعة اطمئنانٌ بالصدور؟ هل يكون الإعراض منسجماً مع لزوم البحث عن الدليل؟ وهل يكون ترك هذه المصادر يأساً عن الظفر بدليلٍ؟ وهكذا الحال في السنّي عندما تكون لديه روايات ضعيفة السند.

هل يمكن للفقيه الشيعي مثلاً اليوم أن يكتفي بالروايات الفقهيّة التي في الكتب الأربعة، ويقول بأنّه غير معنيّ بأيّ روايةٍ خارج هذه الكتب؛ لأنّ الكتب الأربعة تكفيني، إذا لم تكن لديه نظريّةٌ ميدانية في سائر الكتب غير الكتب الأربعة؟ هل له إطلاق عنوان عامّ بالاستغناء بهذه الطريقة، وفي الكتب الأربعة أكثر من عشرين ألف رواية تقريباً؟ هل يمكن للفقيه السنّي الاكتفاء بما في الصحيحين وترك سائر كتب الحديث للبيهقي والنسائي وابن حِبّان والطبراني وابن أبي شيبة وابن ماجة وأبي داوود والترمذي وغيرهم؟!

يُضاف إلى ذلك، أنّه إذا وُجدت روايتان متعارضتان عند الشيعة والسنّة داخل كتبهم المذهبيّة ألا يمكن أن يكون وجود عشرة روايات لصالح إحدى الروايتين مقوِّياً لها، وموجباً للترجيح، أو لا أقلّ موجباً لترجيح الرواية المعارضة لأهل السنّة، بناءً على نظريّة الأخذ بما خالفهم؟ أليس هذا معناه لزوم الرجوع إلى تلك المصادر كي يتّضح الموقف بشكلٍ أكثر جلاءً؟ وكيف تفرغ الذمّة البحثيّة دون ذلك؟

إنّ مجرّد اعتياد الفقهاء على بناء نظامٍ فقهيّ قائم على مصادرهم المذهبيّة لا يعني عدم وجوب السعي خلف ذلك؛ لأنّ هذا ليس اكتفاءً، بل وصولٌ إلى نتيجة من خلال أحد المصادر. وهو ما يمكن تطبيقه في مواضع أخرى. أليس الأخذ بكتاب البخاري ومسلم يكفيان أيضاً إذا أردنا؟ وأليس التهذيب والكافي يكفيان كذلك؟ فلماذا السعي خلف سائر المصادر إذن؟ ليس هكذا يكون حساب الأمور في تقديري.

وأمّا الكلام عن الخوف من تسرُّب الضلال، فلو صحّ للزم الخوف من تسرُّب الضلال من مراجعة كتب الحديث كلِّها؛ للجزم بوجود الموضوع وغير المطابق للواقع فيها، فلماذا لا يكون الحقّ مع القرآنيّين الذين يذهبون لترك الحديث مطلقاً؛ لما فيه من مفاسد ومشاكل. علماً أنّنا نتكلَّم هنا مع مختصِّين نقّاد علماء في الحديث وأهل خبرة به، لا مع عامّة الناس لكي يتسرَّب إليهم (الضلال).

ـ يتبع ـ

الهوامش

([1]) تعرّضنا بالتفصيل لمسألة معيار الحجِّية في الأخبار في كتابنا (حجِّية الحديث)، فليراجع، فهو مخصَّص برمَّته لذلك.

([2]) انظر حول التقسيم الرباعي وتعريفاته وتاريخه ومسيرته والجدل حوله: حيدر حب الله، نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي: 185 ـ 195 و…

([3]) الصدر، مباحث الأصول (القسم الثاني) 2: 577 ـ 578.

([4]) انظر: الطوسي، العدّة في أصول الفقه 1: 149 ـ 150.

([5]) انظر: القمّي، قوانين الأصول: 459.

([6]) انظر: الصدر، مباحث الأصول (القسم الثاني) 2: 578.

([7]) الصدر، مباحث الأصول (القسم الثاني) 2: 580.

([8]) انظر: حيدر حب الله، نظريّة السنّة في الفكر الإمامي: 33 ـ 64؛ وحجِّية الحديث: 585 ـ 631.

([9]) انظر: الصدر، مباحث الأصول (القسم الثاني) 2: 579 ـ 580؛ وبحوث في علم الأصول 4: 424.

([10]) انظر: حيدر حب الله، حجِّية الحديث: 372 ـ 388.

([11]) القمّي، القوانين المحكمة: 458؛ وانظر: النائيني، أجود التقريرات 2: 109؛ والمامقاني، تنقيح المقال 1: 175، 176 (حجري)؛ والكجوري، الفوائد الرجاليّة: 72؛ والجيلاني الرشتي، رسالة في علم الدراية، ضمن رسائل في دراية الحديث 2: 233 ـ 234؛ والسبحاني، كلِّيات في علم الرجال: 40.

([12]) انظر: حيدر حب الله، حجِّية الحديث: 320 ـ 327. يُشار إلى أنّ الميرزا النائيني في أجود التقريرات 2: 109 ـ 110، والسيد الصدر في بحوث في علم الأصول 4: 424، ذكرا شيئاً مثل هذا الحلّ. وقد اطَّلعت عليه بعد تدوين ملاحظتي هذه، فاقتضى التنويه.

([13]) الفضلي، دروس في أصول فقه الإماميّة 1: 282.

([14]) لاحظ ـ على سبيل المثال ـ: الشهيد الأوّل، ذكرى الشيعة 4: 392 ـ 393.

([15]) انظر: الطريحي، جامع المقال: 24؛ والطوسي، الخلاف 6: 217 ـ 218؛ والاستبصار 3: 13 ـ 14؛ والتبيان 1: 171؛ والحلّي، تحرير الأحكام الشرعية 1: 193؛ ومختلف الشيعة 3: 88؛ والشهيد الأوّل، ذكرى الشيعة 4: 391؛ والبحراني، الحدائق الناضرة 10: 18؛ والقزويني، رسالة في العدالة: 24.

([16]) البحراني، الحدائق الناضرة 10: 58.

([17]) الخميني، المكاسب المحرمة 1: 200.

([18]) الخوانساري، روضات الجنات 7: 67.

([19]) انظر: الخواجوئي، الرسائل الاعتقاديّة 2: 252؛ والغزالي، المستصفى: 394؛ والآمدي، الإحكام 4: 478؛ والمنتظري، من المبدأ إلى المعاد في حوار بين طالبين: 105؛ وفضل الله، من وحي القرآن 3: 179. ولمزيد من التفصيل في بعض الإشكاليّات التي ترد على رأي هؤلاء الذي نوافقهم عليه، وهي إشكاليّات واضحة الضعف لا حاجة للإطالة بها، يمكن مراجعة: حسين الخشن، أصول الاجتهاد الكلامي، دراسة في المنهج: 166 ـ 197؛ حيث كفانا مؤونة هذا البحث في الردّ على إشكالاتهم.

([20]) انظر: الصدوق، كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه 2: 49؛ وصحيح البخاري 2: 97 ـ 98؛ وصحيح مسلم 8: 52.

([21]) السرائر 2: 675 ـ 676.

([22]) شرف الدين، الفصول المهمة: 18.

([23]) الخميني، كتاب الطهارة 3: 441.

([24]) الصدر، بحوث في شرح العروة الوثقى 3: 315.

([25]) انظر: حيدر حب الله، رسالة سلام مذهبي: 79 ـ 82.

([26]) حقائق الإيمان: 149 ـ 151.

([27]) منتقى الجمان 1: 5.

([28]) ابن حزم، الإحكام 1: 132 ـ 133.

([29]) انظر: حيدر حب الله، مسألة المنهج في الفكر الديني: 384 ـ 385.

([30]) انظر: الطوسي، الفهرست: 3 ـ 4.

([31]) انظر: حيدر حب الله، المدخل إلى موسوعة الحديث النبوي: 609 ـ 629.

([32]) انظر: رجال النجاشي: 387 ـ 388.

([33]) الفهرست: 209.

([34]) الصدوق، التوحيد: 119 ـ 120.

([35]) الحُرّ العاملي، الفوائد الطوسيّة: 251.