الحظ، حقيقة أم خرافة؟

7 يناير 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: 2
10٬472 زيارة

الحظ، حقيقة أم خرافة؟

الشيخ رضا أخوي(*)

ترجمة: صالح البدراوي

 

مقدمة ــــــ

تعبّر التقاليد السائدة في أي بلد عن ثقافة الناس ومعتقداتهم في ذلك البلد. ومن أجل إصلاح الأجواء الثقافية والمنهج الفكري السائد في أي مجتمع يجب القيام أولاً بإصلاح التقاليد والعادات السائدة لدى الناس في ذلك البلد؛ إذ لو تم القيام بهذا العمل فإن ذلك سيؤثر تلقائياً في مستوى أفكارهم ومعتقداتهم. ولا شك في أن كلمة «الحظ» هي كلمة خرافية في ثقافتنا، تنتشر بمساعدة وسائل الإعلام، والبرامج الرياضية، ولعب الأطفال المتنوعة، وغيرها، وستبرز تأثيراتها الفكرية والعقائدية الناجمة عنها في الأجيال اللاحقة بشكل أكبر؛ بلحاظ الأجواء الثقافية السائدة في عالمنا المعاصر ومجتمعنا.

وهناك اعتقاد راسخ لدى الكثير من أفراد المجتمع اليوم بوجود الحظ، معتبرين إياه جزءاً من سبل النجاح والموفقية، ويعتقدون بأن الحظ يؤدي إلى تغيير حياة الكثير من الأفراد، وأنه السبب وراء الإخفاقات أو النجاحات غير المتوقعة.

وسوف نتطرق في هذه المقالة إلى مسألة الحظ، ونقوم بدراسة مدى صحتها وسقمها.

 

الحظ لغةً ــــــ

الحظ كلمة فرنسية بمعنى البخت، والنصيب، والنجم، والطالع، والإمكان، والمجال([1]). واستخدمت في اللغة الفارسية وأدبها الكثير من المصطلحات اللغوية التي تعبر بشكلٍ ما عن مدى استخدام كلمة الحظ والنصيب، أو البخت والطالع، من قبيل: فيروز بخت (السعد)، با بخت (ذو حظ)، برگشته بخت (حظ عاثر)، إقبال مساعد وسبز (نصيب جيد)، تيرة بخت (حظ سيّئ)، بد بخت (حظ سيّىء)، خوش بخت (حظ جيد)، بخت مساعد (حظ جيد)، سپيد بخت (ذو حظ أبيض)، سياه بخت (ذو حظ أسود أو عاثر)، شور بخت (ذو حظ مالح أو سيئ)، نگون بخت (سيء الحظ أو منحوس)، وغيرها([2]).

 

الحظ اصطلاحاً ــــــ

لعله يمكن تعريف الحظ بأنه الحدث الذي يؤدي إلى إفادة المجموعة أو الفرد (على افتراض حسن الطالع)، أو إلحاق الضرر بهما (على افتراض سوء الحظ)، بدون سبب ظاهر. وبعبارة أخرى: الحظ هو عبارة عن جملة من الآثار التي تحصل للفرد في الخير أو الشر، أو هو الحادثة الواقعة على أثر أسباب وعلل غير معلومة وغير متوقعة.

 

الحظ في الرؤية الإسلامية ــــــ

من أجل أن نفهم نظرية الحظ في الإسلام بشكل أفضل من الضروري التذكير بعدة نقاط:

الأولى: لا شك أن مبدأ العلّة العامة ونظام الأسباب والمسببات هو الحاكم والمهيمن على الكون، وعلى جميع الوقائع والحوادث في العالم. وكل حدث يكتسب ضرورته وحتمية وجوده، وكذلك شكله وخصوصيته الزمكانية، وسائر خصوصياته الأخرى، من علله المتقدِّمة. وهناك علاقة وثيقة لا انفصام لها بين ماضي أيّ موجود وحاضره ومستقبله وعلله المتقدمة.

الثانية: كل شيء في الرؤية التوحيدية يعود إلى الله تعالى، وليس هناك من شيء خارج عن دائرة المشيئة والإرادة الإلهية، وعن قدرة الله وحكومته. وإرادة الإنسان ومشيئته هما في طول إرادة الله ومشيئته، بالرغم من كل ما يمتلكه من الحرية وحق الاختيار. هذا النمط من الرؤية والتفكير يمثل الإيمان والاعتقاد بالتوحيد الأفعالي، الذي يبيّن للإنسان أن مشيئته وإرادته وتفويضه ليست على النحو الذي تكون فيه خارجة عن إرادة الله تعالى ومشيئته. ومن هنا إذا أراد القيام بفعل أو عملٍ ما يجب أن يأتي مستنداً على إرادة الله ومشيئته، ومؤكدّاً لهما، وضمن هذا الإطار. ولهذا تم التأكيد كثيراً على أن الإنسان عندما يصمِّم على القيام بعملٍ ما عليه أن يقدّم إرادة الله على إرادته، وقد تكون الإرادة الإلهية شيئاً آخر. والحقيقة أن التأكيد اللساني على قول: «ما شاء الله»، أو «إن شاء الله»، يأتي بمعنى الإقرار بوجود المشيئة الإلهية الأوسع والأفضل، وهيمنتها على الوجود كلّه، وأنه لا ينبغي أن نرى أنفسنا مستقلّين عنها، ولا نتصوَّر العالم وقوانينه بأنها الحاكمة والمهيمنة على إرادته وقدرته تعالى.

يقول الله تعالى في سورة الكهف المباركة مخاطباً نبيه الكريم|: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً﴾ (الكهف: 23 ـ 24).

الثالثة: طبقاً للتعاليم الدينية لا تقع أية حادثة في هذا الكون عن طريق الصدفة، وكل شيء فيه يقع ضمن نظام دقيق متقن، وقائم على أساس سلسلة من علله. ولكن بما أن السبب الحقيقي للحوادث مخفيّ في أكثر الأحيان بالنسبة للإنسان يذهب الإنسان إلى الاعتقاد بالصدفة والحظ، ويصار إلى اللجوء لحسن الحظ أو سوء الحظ؛ في حين لو أزيح الستار عن سلسلة العلل فسيرى الجميع أن كل شيء لم يكن صدفة، ومن أجل معالجة هذه الإشكالية لابد من توسيع مدارك الأفراد تجاه العلل، والالتفات إلى العلل الروحية والمعنوية، بالإضافة إلى العلل المادية والظاهرية، وأن لا نغضّ الطرف عن أهمية تأثير الأجيال السابقة على الأجيال اللاحقة.

كما أن القرآن الكريم وروايات أهل البيت^ ترى أن أساس المشاكل والمعوقات واضطراب الأمور الحياتية تكمن في عدم طاعة أوامر الله تعالى، وتذكّر الإنسان بأن ما يصيبه من السوء والأذى ناجم من أخطائه وذنوبه، وأنه ما من ذنب مهما كان صغيراً إلا وهو في كتاب مبين. يقول الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (النساء: 79)، ويقول في آية أخرى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (الشورى: 30).

ويقول أمير المؤمنين علي×: «تَوَقّوا الذنوب فما مِن بليّة ولا نقص رزقٍ إلا بذنب، حتى الخدش، والكبوة، والمصيبة»([3]).

كما قال الإمام الباقر×: « ما من نكبةٍ تصيب العبدَ إلا بذنبٍ»([4]).

ونستنتج من هذه النقاط الثلاثة أنه لا تقع أية حادثة في الحياة الدنيا على أساس الحظ والبخت والطالع. وإذا حصل أن نُسب أمرٌ ما إلى الحظ والطالع فإنه يعبّر عن جهل الإنسان بالحقائق الخفيّة الموجودة وراء الكواليس، والتي لا يستطيع الأفراد العاديون مشاهدتها بالعين المجردة، وإن كانت هذه الخفايا مكشوفة عياناً لأهل المعرفة والربانيين.

 

الفرق بين الحظ والتوفيق ــــــ

إنه لا يوجد في الإسلام شيء باسم الحظ، ولكن هناك حقيقة أخرى لعلها تعطي حلاًّ لبعض الإبهامات التي تكتنف مسألة الاعتقاد بالحظ؛ لأنه يحدث في بعض الأحيان أن فرداً يريد ـ على سبيل المثال ـ أن يؤدي عملاً معيناً يستغرق عدة أيام، ولكن نجد أن الأمور تتضافر وتتيسر خلال فترة قصيرة، وبشكل متصل، بحيث إن كلّ مَنْ يطّلع عليها سيربطها بالحظ بشكل لا إرادي، ويقول: «ياله من رجل محظوظ!». أو في بعض الأحيان تُحلّ مشاكل الإنسان بشكل يسير وسلس تباعاً، وبأقل المتاعب، أو يحصل العكس من ذلك، بحيث تتوالى المشاكل، وتبرز الكثير من التعقيدات، في الأعمال ومجريات الحياة اليومية، بحيث لا يطلقون عليها أية تسمية أخرى غير الحظ. وهنا يأتي السؤال: لو لم يكن ذلك من الحظ فما هي التسمية المناسبة التي يمكن أن نطلقها على هذه الحالات؟ نقول في الإجابة عن ذلك: لا شكّ أن هذه الحالات قد حصلت في حياة الكثير من الأفراد، وهي تعبّر عن حقيقة أخرى غير الحظ، تُدعى التوفيق وعدم التوفيق، بمعنى أن الشخص المتمسّك بواجباته الشرعية والتزاماته الدينية، ويعمل بها، ولا يغفل أيضاً عن الرموز الظاهرية للتوفيق، فإن نجاحاته تزداد، وتتيسر أعماله، كما يقال عرفاً، وتُزال المشاكل من طريقه؛ إذ قيل: «بالتوفيق تكون السعادة»([5]).

وبعبارة أخرى: يحصل النجاح بتوفيق من الله تعالى، وبسببه، وعلى الإنسان أن يبذل ما في وسعه ليكون جديراً بالتوفيق الإلهي، من خلال قيامه بأداء الأعمال الحسنة. وبحصول التوفيق سيتحقق النجاح أيضاً. والملفت أن التوفيق يحصل طبقاً للعلل الطبيعية، ولا شيء فوقها، أي إن الله تعالى ينظر بلطفه إلى الشخص المؤمن العامل بواجباته في إطار العلة والمعلول، والسبب والمسبب، ويرفع عنه المشاكل والمصائب. يقول القرآن الكريم: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾(عبس: 20).

وكما هو معلوم لدينا فإن التوفيق من فصيلة الموفقية، ومن مادة «وفق» و«وفاق»، والذي يفسَّر بمعنى التطابق والملازمة وانسجام أعمال الإنسان. وبناء على ذلك فالتوفيق يعني تيسير الأمور وظهور التلازم والتناغم وتوافق الأسباب مع ميول الشخص. والتوفيق الإلهي يعني الموافقة التي ينعم بها الله على الإنسان، ويسخِّر بموجبها الأسباب والعلل لإرادته.

 

نظرية الشهيد المطهري ف05ي مسألة الحظ ــــــ

بعد أن يرفض الأستاذ الشهيد مطهري القول بالبخت والسعد، وأسباب التمسك بها، يقول: «ليس لدينا أكثر من مصدرين للإلهام: أحدهما: الدين؛ إذ كان الشعراء يستلهمون أحياناً من الآيات المباركة، ومن كلمات الرسول الأكرم| والأئمة الأطهار^؛ والمصدر الآخر: هو العقل والعلم والفلسفة.

ولم نشاهد في القرآن والروايات ذكراً للبخت والحظ. كما أن الكتب الفلسفية كلما تطرقت للبخت والصدفة منذ القدم أشارت إليه كأمر وهمي»([6]).

وفي حديث آخر له اعتبر الحظ فكرة شيطانية، ويقول: «لا شك أن لكل فرد محبوب معين. وحلمُ الوصول إلى ذلك المحبوب يجعل قلبه حياً على الدوام، ويدور في خلده دائماً نوع الطريقة التي ستعينه ليوفق في الوصول إلى محبوبه. ويختلف الأفراد في تحديد هذه الطريقة؛ فالذين لا يمتلكون أي قدر من الواقعية في تفكيرهم ورؤيتهم يريدون حل القضايا بالوهم والخيال، ويتصورون أن الشيء الوحيد الذي يجب أن يبادر إلى مساعدة الشخص، ويمنحه الظفر والموفقية، هو البخت والصدفة. ويظنون أن كل شخص يضع أقدامه على أعتاب هذه الحياة الدنيا ببخت وحظ خاص؛ فإن ولد سعيداً لا يستطيع أي شيء أن يجعله شقياً، وعليه أن ينام مرتاح البال؛ لأن حظّه وسعده يقظان؛ وأما لو ولد شقياً سيّئ الحظ فلا يستطيع أي شيء أن يجعله سعيداً محظوظاً، لا العلم، ولا الإيمان، ولا العمل، ولا الأخلاق والملكات الفاضلة، وأينما يولّي وجهه يلاحقه ذلك الفأل السيّئ المظلم كالظل، ولن يدعه يصل إلى النتيجة التي يتمنّاها مهما كان ذلك الطريق سليماً وسوياً. وقيل: لو بنى سيّئ الحظ مسجد الجمعة فإما أن يسقط سقفه؛ أو تكون قبلته منحرفة!

وحسب اعتقاد هؤلاء الأشخاص فإن أية قوة في العالم لا تستطيع أن تجعل المحظوظ سيئ الحظ، ولا سيء الحظّ محظوظاً؛ لأنه يقال (بالمعنى):

ومن نُسج بساطه بخيط أسود لن يبيض بماء زمزم وكوثر

والمؤسف أن هذا النمط من التفكير هو السائد بين الكثير من الناس. ولاشك في أن الإنسان لو كان واقعياً بعض الشيء، ويفهم علاقات العلة والمعلول للأحداث وقضايا العالم، ولو تأمل قليلاً في مسائل العالم بشكل علمي، واستعان قليلاً بعقله وفكره، سيفهم أن مسألة الحظ ليست سوى خيالاً ووهماً شيطانياً، فلا العقل يعترف بالحظ والبخت، ولا الدين.

ولم يخلق الله تعالى أحداً محظوظاً أو سيئ الحظ بالذات. ولم يُنسج بساط البخت لأي شخص بنسيج أبيض على النحو الذي لا يجعله عرضة لأن يصبح أسوداً، ولا أسوداً على النحو الذي لا يجعله قابلاً لأن يصبح أبيضاً، بل إن بساط البخت لأي شخص هو صفحة روحه ومرآة قلبه. وهذه الصفحة من الممكن أن تصبح بيضاء ناصعة، أو سوداء مكدّرة.

فالعلم والمعرفة، والإيمان والتقوى، والاستمرار في القيام بالأعمال الصالحة، هي التي تجعل هذه الصفحة بيضاء ناصعة ونورانية. والجهل والخرافات والعصبيات والفسق والفجور تحيلها سوداء مظلمة. يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (الإنسان: 12). وبناء على ذلك توجد في بني آدم جميع أنواع الإمكانيات والقابليات. وجميع السبل في هذه الدنيا مفتوحة أمامه. وقد خُلق حرّاً ومختاراً، وهو الذي يجب أن يشخّص السبيل الصحيح، ويعمل صالحاً، ولا يسقط في الهاوية»([7]).

 

أسباب التمسك بالحظ ــــــ

وبعد أن قمنا بدراسة مسألة الحظ من زاوية الدين ننتقل الآن إلى الإجابة عن التساؤل القائل: إذا كان العالم الخارجي لا يحتوي على شيء يدعى الحظ والسعد والبخت كحقيقة واقعة فلماذا يجري الحديث عنه بهذا الكم الهائل، وأصبح ورداً يذكر على لسان العام والخاصّ؟ لابد من القول: إن هذا التمسك بالحظ له أسباب متعددة، وأبرزها:

 

1ـ عدم الإلمام بالحقائق ــــــ

من أهم أسباب الإيمان بالحظ والخرافات بشكل عام هو جهل الناس وعدم إلمامهم بالحقائق؛ اذ إن الكثير من الانتهازيين قاموا على مر التاريخ باستغلال الناس عقائدياً ومالياً، مستفيدين من هذا العامل، وروجوا لعقائدهم وأفكارهم الباطلة، وحققوا أرباحاً هائلة لأنفسهم. والحظ هو الآخر من ضمن هذه المقولة.

يقول الشهيد المطهري: «بشكل عام لا وجود للصدفة في العالم، والأمور التي نصطلح عليها بالصدفة نسبية، بمعنى أنها صدفة من زاوية (ظاهرية وبنظرة أولية)، ولكن لو نظرنا إليها من زاوية أشمل، وبرؤية أكثر شمولية، فلا وجود لأية صدفة، والأشياء التي نتصور أنها صدفة ليست بصدفة. وعلى سبيل المثال: لو فكرنا ملياً عندما يقع حادث اصطدام لسيارة لوجدنا أن ذلك كان ضمن الخطة والهدف، والقول بالصدفة ناجم عن جهلنا بالأمر، فعندما نجهل شيئاً ما نقول: إنه صدفة»([8]).

إن القول بنسبية الصدفة يعني أن هذه الحادثة تعتبر صدفة بالنسبة إلى الشخص الذي يجهل تفاصيل الأحداث والقضايا، وأما بالنسبة إلى المطّلع على حقيقة الأحداث وتفاصيلها، وله إلمام بجميع الأوضاع والظروف، فهي ليست صدفة بأي شكل من الأشكال. ولهذا السبب يقال: «يقول الاتفاق جاهل الأسباب»، بمعنى أن ما يسمى صدفة يتعلق بالجاهل بأسباب الاتفاق والصدفة، وليس بالعالم والمحيط بتفاصيل الأحداث([9]).

عندما يرى الناس أن بعض الأفراد يوفّقون بمجرد قيامهم بأي عمل، وفي المقابل يجدون البعض الآخر يعانون دائماً من المصاعب المتوالية، والبعض الآخر يتحول التراب إلى ذهب في أيديهم، بينما البعض الآخر، على العكس من ذلك، أينما يولّوا فالسبل والطرق كلها مؤصدة في وجوههم، فإن لم يكن بمقدورهم الوقوف على حقيقة الأمور، وما يجري خلف الكواليس ـ وهم في أكثر الأحيان لا يستطيعون ذلك ـ، فإنهم يلجؤون إلى بعض المقولات، من قبيل: الحظ والسعد والبخت وما إلى ذلك، في حين أنه لن يقع أي حادث بدون سبب، وكل شيء إنما هو في كتاب، ويتدرج ضمن نظام خاصّ. ولاشك في أن نجاح البعض وعدم نجاح البعض الآخر يرتبط بالكثير من العوامل المادية والمعنوية، والتي لا نعلم الكثير منها. وواضح أن عدم علمنا بها ليس دليلاً على عدم وجودها فعلاً.

 

2ـ السعي إلى عدم اتهام أنفسنا ــــــ

إحدى إجابات علماء الاجتماع على السؤال القائل: لماذا يؤمن الناس بالبخت والسعد؟ قولهم: إن الإيمان بالبخت والسعد ينتشر على الأكثر بين الذي ينظرون إلى الحياة نظرة سطحية عاطفية، ويبذلون جهداً أقل من غيرهم، ومن أجل دفع التهمة عن أنفسهم يتشدّقون ببعض الحجج، من قبيل: البخت والسعد.

وكما نعلم فإن الأشخاص ليسوا سواء في تصديهم لمواجهة مصاعب الحياة؛ فقابلية البعض منهم على التحمّل متدنية، وعند ظهور أدنى مشكلة في طريقهم تنهار معنوياتهم؛ والبعض الآخر يرون أنفسهم أقل قدرة من الآخرين، ويفقدون ثقتهم بأنفسهم، وغير ذلك.

وفي هذا النوع من الحالات، بدلاً من أن يقوم هؤلاء الأفراد بمواجهة حقائق الحياة، والوقوف على أسباب هذه الإخفاقات وحالات الفشل، نجد أنهم يلقون تبعات كل شيء على عاتق حظهم وطالعهم، ويبرِّئون أنفسهم، في حين أنهم يعلمون فعلاً ما هي حقيقة الأمر، وما هو سبب مشاكلهم.

والحقيقة أن الإيمان بالحظ هو تبرير جاهل للهروب من النظام الذي عليه الوجود، وخلق أعذار غير واقعية وغير علمية لحوادث الحياة. إن الإيمان بالحظ مجرد عذر للتغطية على حالات الكسل والفوضى وسوء الإدارة والتصرف. ووفقاً لرؤية القائلين بالحظ فإن جميع اللصوص والكسالى هم مبرّأون، ويقع الذنب على عاتق الحظ السيّئ.

وما أجمل قول أمير المؤمنين علي×: «إذا قويت نفس الإنسان انقطع إلى الرأي، وإذا ضعفت انقطع إلى البخت»([10]).

 

3ـ مشاهدة التمييز والتفرقة في المجتمع ــــــ

لا شك في أن المجتمعات التي توجد فيها المزيد من حالات الخيبة، أو عدم تكافؤ الفرص الاجتماعية، وبعبارة أخرى: المجتمعات التي يعاني فيها الأفراد من عدم توفر الفرص المتكافئة للتنافس والمشاركة في الحياة، يلاحظ فيها إقبال أكبر على الحظ والبخت والطالع.

ويقول الشهيد المطهري& لدى دراسته لأساس ظهور فكرة الحظ والبخت: «تظهر هذه الأفكار في مجتمع يقضي فيه الأفراد قسماً كبيراً من حياتهم في الجد والاجتهاد والعمل، ولكنهم يعيشون في حرمان مدقع. وفي المقابل يرون العاطلين مرفَّهين وأعزاء دون مبرِّر. وكل ما يشاهدوه هو أن الوضيع صار عزيزاً، والعاقل ذليلاً. وكل ما يشاهدوه عدم وجود صلة بين الفن والكفاءة والخبرة مع الحظ والحقّ والنصيب؛ لأن كل ما شاهدوه في مجتمعهم كان على هذا النحو. وشيئاً فشيئاً اتخذ هذا الأمر المأخوذ من مظاهرهم الاجتماعية المشهودة شكل نوع من الفلسفة تدعى بفلسفة البخت. وأسموا جميع هذه المظاهر غير المنتظمة والمظالم الاجتماعية بالبخت، من حيث يعلمون أو لا يعلمون. وفي بعض الأحيان اعتبروها من الأمور الفاسدة. نظرية البخت وفلسفة البخت ليس لها أي سبب سوى المظالم والمصاعب وفقدان العدالة الاجتماعية. والملهم لهذه الفكرة الشيطانية هو الفوضى وفقدان العدالة الاجتماعية»([11]). وليس هناك من شيء يغذّي هذا الفكر الشيطاني سوى السياسات الفوضوية، والتخبُّط غير المبرر، وإعطاء الأولويات بلا استحقاق. وكلما اهتزت قواعد العدالة الاجتماعية، واضمحلت، ولم تراعَ الاستحقاقات وحقوق الآخرين، ولعبت العلاقات الشخصية والمحسوبية والواسطة دوراً مؤثِّراً في تقسيم الأعمال، كلما تأصلت نظرية البخت والحظ وأمثالها أكثر فأكثر، وتأخذ بالانتشار؛ لأن البخت يعني في الحقيقة أنه ليس هناك أي شرط لأي شيء. وشتان بين مَنْ يعترف بتأثير السعي والجد والاجتهاد ويؤمن بأنه ﴿لَّيْسَ للإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَى﴾ (النجم: 39) وبين من يقول: ما تبذله من جهد فهو خسارة لك، ولا شرط لأي شيء. وشتان بين الإيمان بـ ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) وبين الإيمان بالبخت([12]).

 

4ـ الدور الإعلامي لوسائل الإعلام ــــــ

من المعروف أن الوسائل الإعلامية لأي مجتمع من المجتمعات تمثل بشكل وآخر حقائق ذلك المجتمع. ولو ألقينا نظرة على وسائل الإعلام وبرامجها لتبين لنا تزايد عدد الوسائل الإعلامية التي ارتبطت بشكل ما مع حسن الحظ والطالع للناس. ويشمل هذا الإعلام شبكة واسعة من الحملات الدعائية للبنوك، وأجهزة الهاتف المحمول، وغيرها من الشركات، وصولاً إلى استهلاك أنواع المنتجات اللبنية، وحتى السيارات والأدوات الفنية والإلكترونية الجيدة. وتؤدي هذه الإعلانات بوعودها العجيبة، وآمالها الخيالية أحياناً، إلى إشاعة روح الإيمان بالحظ بين أفراد المجتمع. كما أن هذه الإعلانات بوعودها في الحصول على مقادير كبيرة من المال فجأة، بدون «عمل»، وعلى أساس قاعدة «الحظ» فقط، إنما تعزز ثقافة الكسل والمجانية، وتوقع الحصول على المال دون عناء، حتى أنه يصار اليوم إلى إنتاج وتوفير الكثير من لعب الأطفال وأفلام الكارتون الجميلة الساحرة من أجل ترسيخ فكرة الحظ والسعد في أذهان الأطفال، حيث إنها لا تؤدي في نهاية المطاف سوى إلى إشاعة كلمة «الحظ» وبثها في أذهان الأطفال والأحداث.

 

5ـ ضعف الإيمان ــــــ

مَنْ كان يؤمن بالله تعالى، ويرى أن مقاليد كل شيء بيده وتحت إرادته، لن يبقى مكتوف الأيدي بانتظار الحظ والصدفة أبداً، بل ينطلق إلى ممارسة حياته، متوكِّلاً على الله تعالى، ويتحرك مستعيناً بعقله وقدرته نحو مستقبل أفضل، في ظل الاعتماد والتوكل على قدرة الخالق. فهو يعلم أن أي شيء في هذا الوجود لايمكن أن يحدث بدون سبب، وبدون حكمة الله وإرادته. وإذا حدث ولم يحصل على شيء في موضع ما ـ مثل: عدم فوزه بالقرعة التي تقوم بها المصارف وأمثال ذلك ـ فإنه يعلم يقيناً أن ذلك لا يمثل إرادة الله، أو أنه شخصياً صدرت منه بعض الأخطاء، كارتكابه للذنب المؤدّي إلى إلحاق بعض الحرمان به، لذا فعليه أن يبادر إلى إصلاح نفسه؛ ليكون عند حسن ظن الله تعإلى به مرة أخرى.

وبدلاً من استخدام الجمل والعبارات التي تنمّ عن الاستسلام والضعف الفكري لدى الإنسان، وضعف إرادته، والتفاؤل المفرط، وانغماسه في عالم الأوهام والتخيلات، على الإنسان المؤمن أن يلجأ إلى استخدام بعض الألفاظ والعبارات، من قبيل: عدم وجود المصلحة، عدم النصيب والرزق، أو أن الله لم يُرِدْ ذلك، وغيرها؛ ليضفي على نفسه الهدوء والسكينة، ولا ييأس من الحياة، وأن يجعل نصب عينيه عبارة القرآن الكريم: ﴿لَّيْسَ للإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَى﴾، ويتخذ منها عنواناً للحركة والسعي وبذل الجهد؛ لتحقيق النجاحات والتوفيق.

 

النتائج السلبية للإيمان بالحظ ــــــ

1ـ العيش في عالم الوهم والخيال ــــــ

لعلكم تعرفتم على هذا النمط من الأفراد، الذين تراهم يشاركون في كل مسابقة وسحبة يانصيب، على أمل الفوز والحصول على جوائز نفيسة وقيّمة؛ لعلهم يغيرون حياتهم من خلال هذا الطريق. وبالرغم من أن هذا النوع من الأفراد يتضررون مالياً فإنهم يتضررون من الناحية العاطفية والنفسية أيضاً، وبدلاً من مواجهة الحقائق يواصلون السير قدماً في عالم الأوهام والخيال، ويزجّون بأنفسهم في خدعة الوعود المتكرِّرة للفوز بالقرعة الجديدة.

والمؤسِف أن هذا النمط من الأفراد كثيراً ما نلاحظهم في مجتمعنا. وما أكثر الشباب والأفراد الذين ينامون ليلهم على أنغام الوعود الإعلامية لعلهم يحققون آمالهم في عالم الأحلام، وتتحقَّق رؤياهم. وسوف ينتبهون ذات يوم إلى أنهم قد أضاعوا شبابهم وحياتهم في هذه الأوهام، وخسروا الفرص الأخرى للحياة أيضاً، في حين لو أنهم بادروا منذ البداية إلى الجد والاجتهاد والسعي، بدلاً من هذه الاوهام، فلعلهم كانوا تمكنوا من إحالة هذه الأوهام والتخيلات إلى حقائق ماثلة على أرض الواقع.

 

2ـ اليأس والتشاؤم ــــــ

بما أن الشخص المؤمن بالحظ يؤسِّس حياته على أساس الحظ والبخت فإنه على أثر حالات الفشل التي تلحق به في حياته تستحوذ عليه حالة التفكير السلبي، والإيمان بنظرية الجبر الخرافية، والحتمية في خصوص المآل وعاقبة الأمور، والاعتقاد بعدم إمكانية تغيير ما كتب على الجبين منذ اليوم الأول للولادة. ويحبس نفسه في سجن من هذا النمط من الأفكار، ويصرّ على الفكرة القائلة: إن حظي كان عاثراً منذ اليوم الأول، ولن يتغيّر.

وبالإضافة إلى قضائه على روح السعي والجد والاجتهاد لديه، فإن الاعتقاد بالحظّ يؤدي في الواقع إلى أن يتعرض الفرد إلى ضربة قاصمة عند الفشل، ويعاني من الضعف الروحي والمعنوي، ولكن عليه أن يعلم أن هناك عوامل أخرى دخيلة في هذا الأمر، قد لا تكون لها حقيقة تذكر، ولكنْ لو أن نفس ذلك الفرد حقق نجاحاً ما سيعتبر العامل الوحيد وراء نجاحه هذا هو حظه. وبشكل عام يرى هؤلاء الأفراد بأنهم في القمة مع أي نجاح يحققونه، ولكن سرعان ما يتملكهم اليأس مع كل فشل يصيبهم.

 

3ـ ركود الذهن وضمور الطاقات ــــــ

يشهد التاريخ بأن الأفراد الناجحين إنما حققوا نجاحاتهم بالاستفادة من العوامل الحقيقية، من قبيل: السعي، والتخطيط، ومعرفة القابليات، وغيرها، في حين أن القدرة على تقييم العوامل الحقيقية للفشل والنجاح مأخوذة من المؤمنين بالحظ. فبدلاً من تحديد العوامل الحقيقية يتمسكون بجملة من العوامل الوهمية وغير المعروفة، ويبعدون الحياة عن سياقها المتعقل والعلمي. وبدلاً من الاستفادة من العقل والطاقات الذاتية ومعرفة نقاط النجاح في الحياة والاستفادة منها نرى أن هؤلاء الأفراد ينتظرون حصول عمل إعجازي خارق للعادة يغير مجرى حياتهم، في حين أنهم قادرون على تحقيق النجاح والتوفيق بالاستفادة من العقل والإمكانيات الذاتية التي أودعها الله تعالى فيهم.

والنتيجة المتمخضة عن هذه الأفكار هي ركود الفكر والذهن وتوقفهما، وهما نفس الفكر والذهن اللذان كانا قادرين على تحقيق النجاح له لو أحسن استخدامهما.

 

4ـ التخلف عن ركب التقدّم والتطور ــــــ

إن الاعتقاد بالحظّ هو السبب في إحداث الإرباك الداخلي والخارجي للذين يؤمنون بالعمل والسعي. الحظ هو المانع الحقيقي للعمل. وفي أي موضع يتواجد الحظ فالعمل والنجاح يغطّان في نوم عميق. والمجتمعات التي تؤمن بالحظ تخلَّفت في الجانب العملي. وأينما برز الحظ يبادر قبل كل شيء إلى توجيه سهامه إلى العمل. وبالرغم من أن الاعتقاد المفرط بالحظ والبخت ينتهي بالمجتمع إلى الكسل والركود والإحباط فعندما يؤمن بعض الأفراد بالحظ بطريقة مَرَضية نجد أنهم يشاركون بشكل مفرط في بعض النشاطات التي توفِّر لهم ظروفاً مشابهة، وعندما لا يحصل لهم ذلك الأمر يكونون قد أمضوا زمناً طويلاً من حياتهم على أمل الوصول إلى صدفة أو حدث نادر، وفي النهاية لا يحصلون على نتيجة تذكر، ويتسبَّب لهم هذا الموضوع بالإحباط، وسيحرمون من فرصة التطور والنجاح.

الهوامش:

(*) باحث وأستاذ في الحوزة العلمية، متخصّص في المجال التربوي وعلم الأديان المقارن.

([1]) معجم دهخدا اللغوي 2: 134؛ المعجم الوسيط، دهخدا 2: 1764.

([2]) المصدر نفسه.

([3]) الصدوق، الخصال: 616، تحقيق: علي أكبر غفاري، قم، جامعة المدرسين؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة 15: 301، قم، مؤسسة آل البيت^، ط 2، 1414هـ.

([4]) وسائل الشيعة، 15: 301.

([5]) ابن شعبة الحراني، تحف العقول: 83، تحقيق: علي أكبر غفاري، قم، جامعة المدرسين، ط2، 1363.

([6]) مأخوذ من كتاب بيست گفتار (العشرين مقالة)، للشهيد مطهري: 75، نشر صدرا، طهران.

([7]) مجموعة آثار شهيد مطهري 22: 170 ـ 171.

([8]) المصدر نفسه 4: 83.

([9]) مأخوذ من كتاب مجموعة آثار شهيد مطهري 1: 522.

([10]) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 2: 274، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار إحياء الكتب العلمية.

([11]) بيست گفتار: 74.

([12]) المصدر نفسه.