الحق الجنسي للزوجة

10 مارس 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: 1
2٬227 زيارة

الحق الجنسي للزوجة

اتجاهات ومواقف

الشيخ ذو الفقار عواضة(*)

 

مقدّمة

من أهم المسائل المثيرة للجدل، والتي شغلت حيِّزاً كبيراً من اهتمام الباحثين على صعيد حقوق الإنسان، المسائل التي لها علاقة بقضايا المرأة، وخاصة ما يرتبط منها بتحديد حقها الجنسي. فكثر المنظِّرون والمطالبون بحقها من علماء الاجتماع والأخلاق والنفس في القرن الماضي، ونخصّ بالذكر منهم: سيغمون فرويد، الذي جعل الكبت الجنسي الأساس في الأعراض النفسية والتصرفات غير السويّة. وقد بالغوا في ذلك إلى حدّ الإفراط، فصوّب بعضهم أصابع الاتهام تجاه الإسلام، بدعوى أنه دين الرجل، الذي جاء التشريع في خدمته، وأن المرأة تعيش على مائدته؛ فإذا كان لا يقوى على تنظيم الحياة الزوجية أنّى له أن ينظِّم حياة البشريّة ككلّ، ومع هذا هل يصحّ إطلاق الدعوى بأنه دين قانوني كامل، جاء ليعيّن الواجبات ويوزّع الأدوار انطلاقاً من ملاكات الأحكام التي يطّلع عليها الشارع المقدّس، وهي عبارة عن المصالح والمفاسد. وممّا يزيد الأسف أن أقوالهم هذه لاقت بين مثقَّفينا أبواقاً تروّج لها وتردِّد صداها.

وينبغي الإشارة إلى أن إشكالاتهم هذه لم تنشأ من العدم، وإنما هناك بعض الأقوال الفقهية والأفكار الدينية التي شكّلت لهم مادة خصبة في حملتهم على الإسلام؛ للنيل من قيمه السامية.

 لذلك كان لا بدّ من تحديد رؤية الإسلام والموقف الفقهي تجاه هذه الشخصية الحقوقية؛ ليدرك المكلَّف وظيفته العملية في حياته الزوجية، التي هي محلّ ابتلاء في المجتمع.

 ونحن بدورنا سنتناول القضية على ضوء الأدلة المتوفرة لدينا، لا أكثر ولا أقلّ.

وكان الحافز وراء اختياري لهذا الموضوع دون غيره هو طبيعة هذه المسألة، ومدى حساسيتها وتأثيرها على المجتمع. هذا مضافاً للفضول العلمي للوقوف على طبيعة الأدلة التي استند إليها الفقهاء في نفي الحقّ الجنسي للمرأة، أو تحديده بمدة معيّنة. فهل هي على مستوى النص الذي لا يقبل الدغدغة في مدلوله، أو على مستوى الظهور، أو لا هذا ولا ذاك؟

وقد انقسم الفقهاء في مقام إثبات الحق الجنسي للزوجة ونفيه إلى اتجاهين أساسيين: نافٍ له؛ ومثبت. كما أن المثبتين بدورهم ذهبوا إلى مواقف متعدِّدة، تختلف بينها سعةً وضيقاً من حيث الفترة الزمنية. وسنتعرّض لجميع هذه الاتجاهات والآراء، مع أدلتها العلمية، والمناقشة في كلٍّ منها.

عرض المواقف الفقهية والتطور التاريخي للمسألة

ولا بدّ قبل الدخول في صلب الموضوع من عرض المواقف الفقهية، ورصد التطور التاريخي الفقهي للمسألة في الفقه السني والشيعي. ولذا فالكلام يقع في مقامين:

أـ فعلى مستوى الفقه السني يوجد أقوال متعددة ومتباينة، ويمكن حصرها بما يلي:

1ـ إنّه لا حق لها أصلاً في المواقعة، ولكن الأولى إحصانها. وهذا ما ذهب إليه الإمام الشافعي. وقال القاضي: لا يجب أيضاً، إلا أن يتركها للإضرار بها.

2ـ إن لها الحق مرة واحدة في كل أربعة أشهر. وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل.

3ـ إن لها الحق مرة واحدة في كلّ طهر. وهذا ما ذهب إليه ابن حزم الأندلسي الظاهري.

4ـ إن لها الحق مرة واحدة في كل أربع ليال. وهذا ما ذهب إليه الإمام مالك، والثوري.

 5ـ إن لها الحق مرة واحدة طوال الحياة الزوجية، وإن كان يستحبّ له أن يعفّها. وقد نقل هذا الرأي عن أبي حنيفة.

6ـ إن لها الحق في الوطء بالمقدار الذي يرفع به حاجتها. وهذا مختار ابن تيمية.

7ـ إن لها الحق، ولكنه ليس مقيَّداً بزمان، وإنما المناط هو تحقيق عنوان الإحصان والاكتفاء. وهذا ما ذهب إليه أبو حامد الغزالي، وبعض الباحثين المعاصرين في الفقه السني، كالدكتور وهبة الزحيلي([1]).

ب ـ وأما على مستوى الفقه الشيعي فمن خلال تتُّبعي لكلمات الفقهاء ظهر لي أن الشيخ الطوسي ـ في «نهايته» ـ هو أوّل من أشار إلى تحديد حق الزوجة بأربعة أشهر، دون أن يستعرض الأدلة على هذه النظرية، ودون أن يذكر التفريعات في المسألة([2]). وبقي الحال كذلك مع الفقهاء الذين جاؤوا من بعده إلى عصر العلامة الحلي، فاستدلّ بدوره عليها بصحيحة صفوان([3]). وجاء الشهيد الثاني فأضاف إليها دعوى الإجماع، وذكر بعض التفريعات([4])، إلى أن تبلورت أخيراً وبشكل تامّ على يد الفاضل الهندي، فحشد عليها الأدلة، خاتماً لها بالتمسك بأدلّة الإيلاء([5]).

وأما الفقهاء الذين تعرضوا لهذه المسألة فمنهم: القاضي ابن البراج([6])، وابن إدريس([7])، والمحقق الحلي([8])، والعلامة الحلّي([9])، وابنه([10])، وقطب الدين البيهقي الكليدري([11])، وابن فهد الحلّي([12])، والفاضل الآبي([13])، والشهيد الأوّل([14])، والشهيد الثاني([15])، والسيد محمد العاملي([16])، والفيض الكاشاني([17])، والمحقق الكركي([18])، والمحدّث البحراني([19])، والشيخ الأنصاري([20])، والفاضل الهندي([21])، والمحقِّق النجفي([22])، والمحقِّق النراقي([23])، والحر العاملي([24])، والسيد اليزدي([25])، والسيد الحكيم([26])، والسيد الخوئي([27])، والإمام الخميني([28])، ومعظم المتأخِّرين.

وينبغي الإشارة إلى أن فقهاء الإمامية الذين تعرضوا لهذه المسألة اتفقوا على وجوب وطء الزوجة في الجملة مرة واحدة كل أربعة أشهر. نعم، ظهرت في الآونة الأخيرة نظرية جديدة تساوي المرأة في حقها الجنسي بالرجل([29]).

ومن الملاحظ أن الفقهاء كانوا يجرون أصالة البراءة عن وجوب الوطء في كل مورد يشك في وجوبه على الرجل، وذلك عند تعرضهم لتفريعات المسألة، مثل: شمول الأدلة للمرأة الكبيرة، والتي غاب عنها زوجها، ممّا يعني ذلك عدم وجود عموم فوقاني يلجأ إليه عند عدم توفّر الأدلة الخاصّة.

الاتجاهات الفقهية وأدلتها العلمية

ذكرنا أن هناك اتجاهين متباينين تجاه هذه الموضوعة الحقوقية، تمثّلا في موقف رافض لثبوت حق الزوجة في الوطء على الإطلاق؛ وموقف آخر في المقابل يثبت لها ذلك، ولكنه لم يتخذ موقفاً موحَّداً، وإنما ذهب مذاهب متعددة.

الاتجاه الأول: الاتجاه النافي لحق الزوجة

وهي النظرية التي تنفي أن يكون للمرأة حق جنسيّ على الإطلاق. ويعتبر الإمام الشافعي من أهم المنظِّرين لهذه النظرية. ولكنني لم أعثر على طبيعة الأدلة التي ينطلق منها في دعواه هذه، باستثناء ما نسب إليه من توجيهات صرّح بها الفقهاء في كتبهم، ونحن بدورنا سنناقشه طبق ما نقل عنه.

 ذهب الشافعي إلى عدم وجوب الوطء على الرجل مطلقاً، كما نقل عنه عبد الرحمن بن قدامة([30])، وعبد الله بن قدامة([31])، والعيني([32])، وغيرهم، فقالوا: «وقال الشافعي: لا يجب عليه؛ لأنه حقٌّ له، فلا يجب عليه، كسائر حقوقه».

وأما وجه هذا القول فقد ذكره الفقهاء في كتبهم الفقهية([33])، ومفاده أن عقد النكاح واقع على المرأة بالخصوص، دون الرجل؛ فالمرأة هي المعقود عليها، أي على الانتفاع ببضعها؛ لأنها هي التي تقول للرجل: زوَّجتُك نفسي، والرجل يقبل به، ويترتب على ذلك أنه ليس للمرأة الحق في مطالبته بالوطء، وإجباره عليه؛ لأن الوطء حقٌّ له، فلا يجبر عليه، كسائر حقوقه. فكما أنه لو كان له حقٌّ في ذمّة الآخرين فلا يجبر على استيفائه منهم؛ لأن الأمر يعود إليه، فكذلك في المقام. وفي المقابل له الحق في مطالبتها به؛ وذلك بمقتضى العقد. ومن أجل تتميم الدليل نضيف إلى ما ذكروه هذه التتمة: وحيث لم يتوفّر لديه دليل على وجوب الوطء فتجري أصالة البراءة عن احتمال وجوبه؛ لكونه شكاً بدويّاً. وقد أضاف محيى الدين النووي([34]) وجهاً آخر، وهو أن الداعي إلى الاستمتاع الشهوة والمحبة، فلا يمكن إيجابه عليه.

وقد ذكروا في مقام الرّد عليه عدّة أجوبة:

أولاً: يدل على وجوبه ما ورد في بعض الروايات، ومنها:

1ـ ما روي عن كعب بن سوار حين قضى بين الرجل وامرأته قال: إن لها عليك حقّاً يا بعل، تصيبها في أربع لمن عدل، فأعْطِها ذاك ودَع عنك العلل. فاستحسن عمر قضاءه ورضيه([35]).

2ـ ما رواه عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، أن سلمان الفارسي قال لأبي الدرداء: إن لجسدك عليك حقّاً، وإن لأهلك عليك حقّاً، أعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، صم وأفطر، وقم ونم، واتِ أهلك. فأخبر أبو الدرداء بذلك رسول الله’، فقال له رسول الله’ مثل قول سلمان([36]).

فقول كعب: إن لها عليك حقّاً، وقول سلمان: وإن لأهلك عليك حقّاً، واتِ أهلك، صريحان في الدلالة على المدَّعى، وخاصة أن الرسول الأكرم’ قد أقرّ سلمان على ذلك.

ثانياً: إنه لو لم يكن الوطء حقاً لها لما وجب استئذانها في العزل عنها، كالأمة؛ وذلك لوجود الملازمة بين الأمرين. فكلما انتفى حق الوطء انتفى وجوب الاستئذان في العزل، والعكس صحيح. فثبوت الاستئذان وعدمه كاشف عن ثبوت حق الوطء وعدمه. وبما أن الزوجة الحرّة يجب استئذانها فيكشف ذلك عن كون الوطء حقاً لها، فيتمّ المطلوب([37]).

وهذا الجواب ليس تاماً؛ باعتبار أنه لا يوجد ملازمة بين الأمرين؛ لأننا أمام حكمين مختلفين ومتغايرين؛ حيث من الممكن أن يكون الوطء في ذاته مباحاً، وليس حقاً لها ابتداءً، ولكن مع ذلك يجب استئذانها في العزل عند الدخول بها، فيكون الشارع قد أخذ الدخول في موضوع الحكم بوجوب الاستئذان في العزل.

ثالثاً: إن الزواج قد شُرّع لتحصين كُلٍّ من الزوجين، ودفع الضرر عنهما، وهذا ما يكشف عن وجوب الوطء على الزوج، وكونه حقّاً لها، فيجبر عليه من هذه الجهة، وإلا انتفى الغرض من تشريعه، ونقض الغرض قبيح من المولى؛ لأنه خلاف الحكمة.

ويلاحظ على هذا الجواب:

أـ لم يثبت كون الإحصان علّة تامة لإمضاء الشارع لعقد الزوجية كي يقال: إن مقتضى ذلك وجوب الوطء، فلعله حكمة، لا علّة يدور الحكم مدارها نفياً وإثباتاً، بل يحتاج إثبات ذلك إلى ما يدلّ عليه، وهو منتفٍ في المقام، ولا يعدو أكثر من كونه مجرّد تخمين، لا أكثر ولا أقل.

ب ـ لو سلَّمنا بكون الإحصان علّة تامة لتشريع العلقة الزوجية فمع ذلك لا يثبت المدّعى؛ فإن غاية ذلك أنه يجب على الزوج وطؤها عند تعرّضها للزنا والضرر، لا أنه حقٌّ ثابتٌ لها ابتداءً.

رابعاً: إنه لو لم يكن الوطء واجباً على الزوج لم يصِرْ باليمين على تركه واجباً، كسائر ما لا يجب، فكما أن اليمين على ترك الأفعال المكروهة لا يصيّرها واجبة فكذلك الأمر بالنسبة للحلف على ترك الوطء، وأيُّ فرقٍ بين الأمرين؟ فهما على حدّ سواء ومن باب واحد.

والجواب عليه: إنه من الممكن أن يكون الوطء مباحاً في نفسه؛ لأن الرجل لا يتركه عادة، فاتّكل الشارع على الدوافع الغريزية الموجودة لديه، ولكن يجب عليه إذا حلف على تركه؛ للحدّ من هذه الظاهرة المبغوضة من قبل الشارع، وذلك لضمان استمرار النسل مثلاً، فما المانع من ذلك؟ وخاصّة أن الحلف آنذاك كان بمثابة الطلاق لدى أهل الجاهلية، كما صرّح المحقِّق النجفي([38]). مضافاً إلى أن وجوب الوطء عند الحلف على تركه لا يستلزم أن يكون ذلك حقّاً لها. ولهذا مثيلٌ في الشريعة الإسلامية، فالاعتكاف في نفسه فعلٌ مستحبٌّ، ولكنّه يصير واجباً بالعرض، كالنذر، أو عند الشروع فيه وانتهاء اليومين الأولين، فيجب عليه حينئذ إتمام اليوم الثالث. وببيان مختصر: إن العرف يحتمل الخصوصية في الوطء، لذا لا مجال لمقايسته بالأمور الأخرى.

خامساً: ويمكن أن نجيب على الوجه الأخير، وهو (أن الداعي إلى الاستمتاع الشهوة، فلذا لا يؤمر به)، بأنه صحيح أن الداعي إلى الاستمتاع هو الشهوة والمحبة، ولكن ذلك لا يمنع من الأمر به؛ لأنهما ليستا علتين تامتين محركتين إلى الوطء، بل لا يعدوان كونهما مجرّد داعيين إليه بحسب العادة لا أكثر، فيمكن للرجل أن يقدم على الوطء مع انتفائهما متى كان قادراً عليه من غير علّة شرعية أو عقلية في طول الزمن، لا في وقت محدّد، وخير دليل على الإمكان الوقوع، وهو كثير.

سادساً: ما ذكره الجصّاص في تفسير الآية الكريمة: {فَلا تَمِيلُواْ كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ} (النساء: 129) من أنه يستفاد من قوله تعالى: {فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ} وجوب وطء الزوجة. وهذا ما يستظهر أيضاً من كلمات القرطبي([39])، والسيوطي([40])، في تفسيريهما، حيث فسّرا الميل كلّ الميل بما يشمل الميل بالجماع.

ويلاحظ عليه: إن ما ذكره لا يخرج عن كونه مجرّد دعوى على المدّعى، فهو يحتاج إلى شاهد؛ إذ من الممكن أن يدّعى في المقابل بأن العرف لا يرى صدق عنون المعلّقة على المرأة التي لا يطؤها زوجها مطلقاً، أو يدّعى الشك في صدق هذا العنوان عليها على الأقل.

 والصحيح في المسألة أنه لا بدّ من تنقيح عنوان ومفهوم «الزوجة المعلّقة» في نظر العرف، فالتعليق ينطبق على ترك النفقة والمبيت، ولكن يبقى السؤال عن انطباقه على الزوجة التي لا يطؤها الزوج مطلقاً وعدم انطباقه؟ والمختار هو إمكانية انطباقه عليها؛ فإن العرف يرى ذلك. والشاهد على هذه الدعوى أن ترك الوطء مطلقاً ليس بأقل أهمية وخطراً من ترك النفقة على الزوجة والمبيت عندها. وممّا يؤيد ذلك ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس في تفسير الآية: «يعني الجماع والمحبة»([41]).

سابعاً: الدليل العقليّ، وهو ما قد يقال بأن مقتضى خلق الله الشهوة للمرأة تشريع حقٍّ لها في إشباعها، وإلاّ لكان ذلك عبثاً أو نقضاً للغرض، وكلاهما قبيح. فكما أنّ لكل إنسان الحق الطبيعي والفطري في الاستفادة من نور الشمس والتنفس من الهواء فكذلك للمرأة الحقّ في ذلك. وهذا النوع من الاستدلال اعتمده المحقِّق العراقي في اختصاص الرجل بالقضاء والمرجعية دون المرأة؛ لـتأثُّرها بالأحاسيس والمشاعر، ولضعفها التكويني، قياساّ مع الرجل، فإن ذلك يمنع من تقلّدها المناصب الخطيرة والمهمة([42]).

ويلاحظ عليه: إن ما ذهب إليه العراقي ليس من هذا القبيل، فإنه من باب وجود المانع، وأما ما نحن في صدده فمن باب وجود المقتضي، ومن أين نعلم بعدم وجود مانع يحول دون تشريع حقٍّ لها في الوطء؟ بل قد يقال: إن غاية ذلك أن لها أن تشبع شهوتها في الجملة، ولو في حال إقبال الرجل عليها، ولكنه لا يثبت وجوب الوطء عليه ابتداءً.

 وخلاصة الجواب: إن أصالة البراءة عن وجوب الوطء إنما تجري عند انتفاء الدليل الفقاهتي، وفي المقام يوجد عدّة أدلة على ذلك. وعليه فلا تصل النوبة إلى جريانها. وأما قوله: «إنه لا يجبر عليه لأنه حقٌّ له»، فالأمر يعود إليه، كما لو كان له دين في ذمّة الناس، فهو صحيح من هذه الجهة، ولكن بما هو حقٌّ للمرأة يمكن أن يجبر عليه؛ لكونه حقّاً لها، ولا بدّ أن يؤدّيه إليها، وهو خارج عن يده، كسائر حقوق الناس التي تشتغل بها ذمته.

الاتجاه الثاني: الاتجاه المثبت لحق الزوجة الجنسي

ذكرنا أن هناك عدة مواقف في تحديد الحق الجنسي للمرأة من حيث الزمن، وسنتعرّض لها على التوالي بالتفصيل، مع المناقشة في كلٍّ منها.

الموقف الأول: التحديد بالمرة الواحدة في كل الحياة الزوجية

وقد ذهب إلى هذا الرأي أبو حنيفة، كما صرّح أبو بكر الكاساني وكثيرون([43]). ولكني لم أعثر على الأدلة التي استند إليها صاحب هذا القول، رغم قيامي بالاستقراء شبه التام في مظانّ وجوده. نعم، يمكن أن نذكر له هذا التوجيه، وهو أنّه من المحتمل أن أبا حنيفة يرى وجوب الوطء في أصل الشريعة، بمعنى أنه أمرٌ مرتكزٌ في أذهان المتشرّعة، وحيث لا يوجد ما يدلّ على لزوم تكراره فيكتفى بامتثاله مرّة واحدة، بدعوى أن الارتكاز دليل لبّي لا إطلاق له لنثبت من خلاله وجوب تكرار الفعل.

إلا أن هذا الوجه ليس تاماً؛ لما سيأتي من الأدلة على لزوم ما هو أكثر من ذلك لدى الفريقين من العامة والخاصّة.

الموقف الثاني: التحديد بالمرة كل أربعة أشهر

 ذكر فقهاء السنة والشيعة وجوهاً متعددة في مقام الاستدلال على تحديد حق الزوجة بالمرة الواحدة في كل أربعة أشهر. وهذا ما سنتعرَّض له تباعاً بالتفصيل، مع المناقشة في كلٍّ منها:

الوجه الأول: وهو عبارة عن مجموعة من الروايات التي تختلف ألسنتها، مضافاً لاختلافها في الاعتبار السندي من حيث القوة والضعف، وهي:

1ـ رواية جعفر بن محمد، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله×، قال: «من جمع من النساء ما لا ينكح فزنى منهنّ شيء فالإثم عليه»([44]).

وبيان الاستدلال بها أن تحمّل الزوج إثم زنا الزوجة لا ينسجم إلا مع كون وطئها حقّاً لها، وواجباً عليه، وتقصيره في أداء حقها.

ولكن يمكن أن يرد على الاستدلال بها عدة إيرادات:

أولاً: إن هذه الرواية ضعيفة سنداً؛ لكونها مرسلة، فقد رواها جعفر بن محمد عن بعض رجاله. وعليه تكون ساقطة عن الاعتبار من هذه الجهة.

ثانياً: إن غاية ما تثبته تحمّل الزوج الإثم متى ما زنت الزوجة، ولكنها لم تتعرض لتحمُّله الإثم في حالة عدم وقوعها في الزنا لو أنها صبرت واحتسبت؛ نتيجة لإيمانها وعفتها، فإنها ليست في مقام البيان من هذه الجهة.

ولكن هذا الإيراد ليس تاماً؛ لأن العرف يرى أن هناك ملازمة بين تحميله إثمها وبين كونه مقصِّراً في أداء واجب عليه في المرتبة السابقة على تلك المرحلة، وقبل صدور الزنا منها، أو فقل: إن ذلك ليس إلا كناية عرفية عن مؤاخذته على ترك الواجب تجاهها، وإلا فلا معنى لتحمُّله إثمها عند وقوعها في الزنا مرّة واحدة؛ إذ من المعلوم أن الإثم الذي يتحمله ليس هو إثم الزنا؛ لأنه لم يصدر منها بعدُ، كما هو مدلول الرواية. نعم، يرد على الاستدلال أنها تدل على أنه ترك واجباً عليه في الجملة، وليست في مقام بيان طبيعة هذا الواجب، من كونه حقّاً لها، أو كونه واجباً عليه، من باب دفع الضرر عنها، أو لأنه لم يطلِّقها، فإنه ينسجم مع هذه الاحتمالات كلّها. هذا فضلاً عن تحديد ذلك الحق بفترة زمنية محدّدة.

ثالثاً: ما ذكره السيد الخوئي& من أن هذه الرواية ظاهرة في خصوص الزوجة التي لم يقرب منها زوجها، ولم يطأها أصلاً، بل يذرها كالمعلقة، وليست ناظرة إلى من لم يقربها بالمقدار الذي يكفيها. وعليه لا علاقة لهذه الرواية بمحل البحث، لا من قريب ولا من بعيد([45]).

ولكن هذا الإيراد ليس تاماً؛ والوجه في ذلك أنّ قوله× في الذيل: «فزنى منهنّ شيء فالإثم عليه» مسوقٌ مساق التعليل، وأنّ العلّة والمناط في ثبوت الإثم ترك النكاح المؤدي للزنا. ومن الواضح أنّ العلّة تعمّم وتخصّص، فمقتضاها شمول الرواية لترك النكاح الكافي لمنع الوقوع في الزنا، وإن لم يتركه أصلاً. نعم، غاية مفادها لزوم نكاحها بالمقدار المانع من الزنا، الذي يختلف باختلاف طبائع النساء، لا أن الوقت محدَّد بأربعة أشهر.

2ـ ما رواه عبد الله بن عمر، حيث قال: «خرج عمر بن الخطاب فسمع امرأة تقول:

تطاول هذا الليل واسودّ جانبه
فوالله لولا الله أني أراقبه
وأرقني أن لا حبيب ألاعبه
لحرّك من هذا السرير جوانبه

فقال عمر لحفصة: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس الجيش أكثر من هذا»([46]).

ويلاحظ على هذا التوجيه عدة أمور:

أولاً: إن عمر ليس له حقّ التشريع؛ لكونه خارجاً عن متناول يده. وهذا ما يراه ويتبناه بعض علماء العامة أيضاً. وهذا إشكال مبنائي.

ثانياً: يظهر أن عمر ليس في مقام تشريع وتقنين عام لحقّ المرأة في المواقعة، وإلا لكان عليه أن يقوم بعملية استفتاء بين المناطق؛ لاختلافها من جهة الحرارة التي تؤثِّر في أحوال النساء، ولما اكتفى بسؤال حفصة؛ فإنها ليست عالمة بأحوال النساء جميعاً، حتى التي لا توجد في المدينة. هذا مضافاً إلى أنه لو كان كذلك فلابُدّ أن يفصّل بين المرأة الشابة وغيرها؛ لاختلافهن في ذلك. وبعبارة مختصرة: إن ما قام به هو إصدار حكم ولايتي، ومن باب الجمع بين الحقوق والوظائف، فلأجل الجمع والتنسيق بين وظيفة الجهاد على الرجل والحيلولة دون وقوع المرأة في جريمة الزنا وفسادها أخلاقياً قام بوضع هذا الحكم.

ثالثاً: هناك رواية أخرى يحدّد فيها عمر حق المرأة الجنسي بالمرة الواحدة في كل طهر، كما تقدّم مع ابن حزم، مما يؤكِّد ما ذكرنا.

3ـ صحيحة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله×، قال: «إذا غاضب الرجل امرأته فلم يقربها من غير يمين أربعة أشهر استعدت عليه([47])، فإما أن يفيء([48]) أو يطلق، فإن تركها من غير مغاضبة أو يمين فليس بمؤولٍ»([49]).

والاستدلال بها بدعوى ظهورها في أن لها الحق في الوطء كل أربعة أشهر، حتى في غير صورة المغاضبة، وأن لا حق لها في المطالبة دون ذلك وقبل انقضاء تلك المدة؛ وذلك لأنّ ظاهر قوله×: «فلم يقربها من غير يمين» ليس بياناً للمغاضبة، فلا موضوعيّة للمغاضبة، وإنّما المدار على أن لا يقربها من دون مبرّر شرعي.

وهذه الصحيحة قاصرة في دلالتها على المدَّعى؛ لما يلي:

أولاً: أقلّ ما يمكن أن يقال فيها إنها واردة في خصوص صورة المغاضبة، بمعنى أنّ أصالة الاحتراز تقتضي أن يكون للمغاضبة موضوعية في الجزاء، أما هل أن لها الحق الجنسي في غير هذه الصورة، حيث يعمّ الوئام بين الزوجين أم لا؟ وما هو مقداره؟ فهي أجنبية بالكلية عن ذلك. وهذا عين ما أورده المحقق السبزواري([50])، والسيد محسن الحكيم([51]).

ثانياً: إن الرواية ظاهرة في ترتيب آثار الإيلاء على صورة المغاضبة مع عدم اليمين، فهي تنزلها منزلة الإيلاء حكماً، بحيث يخيّر الزوج بين الفيء والطلاق. وإن شئت قلت: إن الرواية نفسها تكفَّلت ببيان وتوضيح المعنى المراد منها من خلال المنطوق والمفهوم التي صرحت به في ذيلها، وهو قوله×: «فإن تركها من غير مغاضبة أو يمين فليس بمؤولٍ»، فإن غاية ما تريد إثباته أنه متى يكون الرجل مؤولاً من غير يمين ومتى لا يكون مؤولاً؟ أي متى تترتب آثار الإيلاء ومتى لا تترتب؟ وهذا ما أورده المحقق النجفي([52])، وآخرون أيضاً.

ثالثاً: إنه ينقض عليهم بما أفاده السيد الخوئي من أن بداية الأشهر في الإيلاء إنما تكون من حين رفع الزوجة أمرها إلى الحاكم الشرعي، في حين أن ذلك قد يكون بعد انقضاء مدة طويلة من آخر وطء، فيزيد حينئذ مجموع المدتين عن أربعة أشهر([53])، فلعله لذلك جعله بعض العلماء مؤيِّداً للمدعى، لا دليلاً عليه، ومنهم: المحقق العراقي([54]).

4ـ صحيح صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرضا×، أنه سأله عن الرجل يكون عنده المرأة الشابة فيمسك عنها الأشهر والسنة لا يقربها، ليس يريد الإضرار بها، يكون لهم المصيبة، يكون في ذلك آثماً؟ قال: «إذا تركها أربعة أشهر كان آثماً بعد ذلك»([55]).

وهذه الصحيحة تعتبر العمدة في أدلتهم. وتقريب الاستدلال بها على قول المشهور ـ الذي ذهب إلى أنه ليس للمرأة الحق في الوطء إلا مرّة واحدة كل أربعة أشهر، ومتى ما وطأها مرّة سقط عنه الوجوب أصلاً، ولا يجب عليه أن يستجيب لها مرّة أخرى، سواء طلبت منه أم لا ـ هو أن قوله×: «إذا تركها أربعة أشهر كان آثماً» جملة شرطية، دلّت على ترتّب الإثم إذا ترك الزوج مواقعة زوجته أكثر من أربعة أشهر، وبمقتضى مفهومها نستفيد أنه لو لم يتركها أربعة أشهر، بل تركها أقل من ذلك، لم يكن آثماً؛ وذلك لأن الإمام في مقام بيان تقنين عام لحقّ المرأة، وأما القيود التي ذكرها الراوي فلم يتعرَّض لها الإمام في جوابه، بل ساقه مساق الكبرى.

ويمكن أن يسجَّل على الاستدلال بالرواية المذكورة عدّة مفارقات:

 أولاً: قد ناقش فيها من جهة السند الشهيد الثاني في «مسالك الأفهام»، ورماها بالضعف، قائلاً: «هذا الحكم موضع وفاق، وبه حديث ضعيف أن صفوان بن يحيى…»([56]).

ولكن هذه المناقشة ليست تامة؛ لأن لكلٍّ من الشيخ الطوسي والصدوق طريقاً إليها، وفي كليهما صفوان بن يحيى، إلا أن في طريق الشيخ، الذي ذكره في «تهذيب الأحكام»([57])، أحمد بن أشيم، وهو مجهول، فيسقط عن الاعتبار من هذا الجهة، بينما لا مشكلة في طريق الصدوق في «من لا يحضره الفقيه»([58]) من هذه الجهة؛ لخلّوه منه.

والذي يظهر أن الشهيد الثاني قد استند إلى رواية الشيخ في «التهذيب»، والدليل على ذلك أنه ذكر في ذيلها «إلا أن يكون بإذنها»، وهذه الزيادة لا توجد إلا في رواية «التهذيب»، التي يشتمل سندها على أحمد بن أشيم، عنه، وهو مجهول كما ذكرنا، مما يعني أنه لم يكن ناظراً إلى رواية الصدوق.

ثانياً: إن مفادها أن الزوج المنصرف عن زوجته لمانع عقلائيّ له أن يترك وطأها إلى ما قبل تمام أربعة أشهر لا أكثر، ويستفاد منه بالأولوية حرمة ترك وطئها أربعة أشهر في فرض عدم المانع العقلائيّ، ولكن هل يجوز له الاقتصار على وطئها مرّة واحدة في كل أربعة أشهر في الظروف الطبيعية، كما يراه المشهور؟ والحق عدم دلالة الرواية عليه؛ لوجهين:

أـ إن القدر المتيقن في مقام التخاطب يمنع من استفادة الإطلاق في الرواية الواردة في مقام الإفتاء، كما في هذه الرواية؛ فإن قوله: «فيمسك عنها الأشهر والسنة»، وقوله: «يكون لهم مصيبة»، يستفاد منه أن السائل يسأل عن حالة استثنائية وخاصة، وهي ما لو كان عند الرجل مصيبة وحزن يمنعانه من الميل إلى النساء، وذلك للحالة النفسية التي تؤثر عليه سلباً، كأن يفقد الإنسان عزيزاً على قلبه، كالولد مثلاً، فلذلك راعى الشارع ظروفه النفسية، ومنحه تلك الفرصة ريثما يعود إلى حالته الطبيعية، وفي المقابل على المرأة أن تراعي ظروفه وتصبر، وإلا ففي الحالات الطبيعية ليس للزوج أن يترك زوجته طيلة تلك المدة، مما يعني أنه لا يريد أن يسأل عن جواز ترك حق المرأة مطلقاً، وفي الظروف العادية. ومما يقوّي هذا المعنى قوله: «ليس يريد الإضرار بها»، فهو لا يريد إضرارها وترك حقها، وإنما لمانع حال دون ذلك.

ب ـ قد يقال: إن كلمة المصيبة ذكرت في كلام السائل، ولم يتعرّض لها الإمام× في جوابه، وإنما ساق كلامه مساق الكبرى.

ولكن أقول: إنما يتمّ ذلك لو قال الإمام×: إذا ترك الرجل امرأته أربعة أشهر كان آثماً، أو لا يجوز للرجل أن يترك زوجته أكثر من أربعة أشهر، وإنما قال: إذا تركها…، فالضمير يعود إلى الرجل الذي يمسك عن زوجته الأشهر والسنة مع عدم قصد الإضرار بها، ولكن لمصيبة نزلت به، وحالت دون القيام بأداء حقها، وإنما المدّعى أن العرف يحتمل خصوصية لتلك القيود، واحتمال الخصوصية ـ كما هو معروف ـ يمنع من انعقاد أصل الظهور في الإطلاق، وبالتالي لا مجال للتعدي في الحكم إلى سائر الموارد الأخرى؛ لأنها لو لم تصيّرها ظاهرة في خصوص هذه الحالة فإنها تمنع من انعقاد الإطلاق، فإن هذا من قبيل احتمال قرينية الموجود على المقصود، فيقتصر في هذه الموارد على القدر المتيقَّن، وهو الحالة الخاصة، وأما في الظروف العادية فلابدّ من دليل آخر لتحديد ذلك. وهذا ما يمكن أن يستفاد من عبارة السيد علي الطباطبائي، حيث قال: «للصحيح: عن الرجل يكون…إلى آخر الحديث، وبضميمة الإجماع يتم المطلوب»([59])؛ فقوله: «وبضميمة الإجماع يتم المطلوب» يعني أنه بدون الإجماع لا يتم المطلوب، وهذا يكشف عن شيء في نفسه تجاه دلالة الحديث، وإلا فلا مشكلة في سنده؛ لوصفه إياه بالصحيح. فكأنه يرى أن دلالة الرواية على عدم جواز ترك الوطء أربعة أشهر في الرجل المصاب يفيد عدم جواز ذلك في الرجل الطبيعي؛ لقيام الإجماع على عدم الفصل.

 وفي النتيجة نقول: إن أقصى ما تدلّ عليه الصحيحة هو رأي المشهور من جهة طرف القلّة، أي عدم جواز ترك وطء المرأة أكثر من أربعة أشهر، أي في الظروف الاستثنائية التي يكون المكلّف معذوراً فيها عرفاً، فضلاً عن عدم جواز تركه في الظروف العادية التي لا يكون معذوراً فيها؛ فإن عدم الجواز فيه من باب أولى، ولكن لا دلالة فيها على ما يراه المشهور من طرف الكثرة، وهو مقدار الوطء الواجب، فمن المحتمل في الظرف الطبيعي أن يحرم ترك وطئها تلك المدة، ومن المحتمل أيضاً أن يكون أقل من ذلك. وببيان آخر: إن أقصى ما تدلّ عليه هو أن للمرأة الحقّ على مَنْ لا عذر له في ترك الوطء في الجملة.

 ومع احتمال الخصوصية تصبح هذه الصحيحة قاصرة دلالة عن إثبات المدعى، وكونها في مقام تقنين وتشريع عامٍ لحقّ المرأة في المواقعة في سائر الحالات؛ وذلك لعدم انعقاد الظهور أصلاً في ذلك.

الوجه الثاني: التمسك بأدلة الإيلاء. وأدلة الإيلاء بعضها من الكتاب؛ وبعضها الآخر من السنة. فمن الكتاب: قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (البقرة: 226)؛ ومن السنّة: صحيحة عمرو بن أذينة، عن بكير بن أعين وبريد بن معاوية، عن أبي جعفر وأبي عبد الله’، أنهما قالا: «إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته فليس لها قولٌ ولا حقٌّ في الأربعة أشهر، ولا إثم عليه من كفّه عنها في الأربعة أشهر»([60]).

وتقريب الاستدلال بها على مدَّعى المشهور دلالتها على أمرين: أولهما: عدم ثبوت حق الوطء للزوجة أكثر من أربعة أشهر. والوجه في ذلك أن يقال: إن الشارع المقدَّس أجاز أن يؤلي الرجل زوجته، وقد أمهله المدة المذكورة، وخيَّره بعد انقضائها بين الفيء والطلاق، فلو كان الوطء حقّاً لها أكثر من مرّة في الأربعة أشهر لما انعقد الإيلاء أصلاً؛ لأنه حلف على ترك الواجب وأداء حق الغير، وهو فعلٌ محرَّمٌ، ومن المعروف أن من شروط انعقاده أن لا يكون على فعل مرجوح، فضلاً عن أن يكون على ترك واجب. وثانيهما: عدم جواز ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر؛ وذلك لأن مقتضى مفهوم التحديد لهذا النص ثبوت حقٍّ لها في عدم ترك وطئها أكثر من أربعة أشهر، بمقتضى الدلالة الالتزامية العرفية.

ويمكن تقريب الاستدلال على ذلك بالصحيحة بنحو آخر، حيث إنها تشتمل على خصوصية ليست موجودة في الآية، وهي خصوصية كونها جملة شرطية.

وتقريب الاستدلال بها يكون بأحد وجهين:

أولهما: إن قوله×: «في الأربعة أشهر» دالٌّ بالدلالة الالتزامية العرفيّة على أنّ الحق الأوّلي للمرأة في الوطء كلّ أربعة أشهر. والوجه في ذلك التعبير بالألف واللام، حيث قال: «في الأربعة أشهر»، ولم يقل: أربعة أشهر, ممّا يشير إلى زمنٍ معهود واحد ومعلوم، وليس هو إلاّ زمن الوطء، ولذلك يتربص بالرجل أربعة أشهر فقط، ويطالب بعدها بالفيء أو الطلاق.

ثانيهما: إنّ مقتضى مفهوم الشرط ثبوت الحق في فرض عدم تحقق الإيلاء.

هذا وقد استند إلى أدلة الإيلاء كلٌّ من الفاضل الهندي([61])، والسيد علي الطباطبائي([62])، والإمام أحمد.

إلا أن الاستناد إلى أدلة الإيلاء يواجه إشكالات عديدة:

أولاً: إن هذه الأحكام واردة في خصوص صورة الإيلاء، ولا مجال لتسريتها إلى موضوع آخر، وهو الحق الجنسي للمرأة؛ لوجود الاختلاف بين المفهومين. بل لا يمكن أن يستفاد منها وجوب الوطء، فضلاً عن أن يكون حقّاً لها؛ حيث إنه من الممكن أن يأخذ الشارع في موضوع وجوب الوطء بعد انقضاء الأربعة أشهر خصوصية الإيلاء، فالوطء مباح أو مستحب إلا أن يؤلي الرجل زوجته. وهذا الإشكال يرد على الاستناد إلى الآية، دون الصحيحة؛ لعدم كونها شرطية.

ثانياً: ما ذكره السيد الخوئي& من أن المعروف فقهيّاً أن مدة الإيلاء، وهي الأربعة أشهر، تبدأ من اليوم الأول لرفع الزوجة أمرها إلى الحاكم الشرعي، في حين أن المرافعة قد تكون بعد مدة طويلة من آخر مرة جامعها فيها، وعليه فتزيد المدة التي لم يجامعها فيها على الأربعة أشهر، وهذا مخالف لمدعاهم من أن حقها مرة في الأربعة أشهر([63]).

ثالثاً: إن غاية ما تدلّ عليه ثبوت الحقّ للزوجة في الأربعة أشهر، ولكنها لا تشير إلى كونه مرّة واحدة أو أكثر؛ لكونها ليست في مقام البيان من هذه الجهة، فإنه قد يكون مرة أو أكثر، فهي دالة على رأي المشهور من طرف الأقلّ، دون الأكثر، أما ذكر الأربعة أشهر فهو نابع من خصوصية في نفس الإيلاء لا غير([64]).

الوجه الثالث: وهو دعوى الإجماع. فقد بلغت دعوى الإجماع على عدم جواز ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر في كلمات الفقهاء حدّ الاستفاضة، ولم نعثر على مخالف منهم أصلاً، ولو على مستوى من لا يعتدّ به، فهذا يعني أن هذا الإجماع تعبُّدي، وقد تلقوه يداً بيد، وكابراً عن كابر، وطبقة عن طبقة، عن الجيل المعاصر لأصحاب الأئمة^، الذين تلقّوه بدورهم منهم بالمباشرة. وقد جاءت دعوى الإجماع بتعابير مختلفة. فقد قال الشهيد الثاني في «مسالك الأفهام»: «هذا الحكم موضع وفاق»([65]). وقال السيد محمد العاملي في «نهاية المرام»: «هذا هو المعروف من مذهب الأصحاب»([66])، وكذلك قال السيد علي الطباطبائي([67])، والفيض الكاشاني([68]).

وبما أن حجية الإجماع ليس ذاتية، بل ترتبط بمقدار كشفه عن الارتكاز المتشرعي المعاصر للمعصومين، كان لا بدّ من الوقوف على المضعِّفات التي من شأنها التأثير سلباً أو إيجاباً في كاشفيته عن الارتكاز المدّعى، فنقول:

أولاً: لا نسلِّم بوجود إجماع في المقام؛ حيث من الملاحظ أن المتقدمين من الفقهاء لم يتعرضوا لهذه المسألة، في حين أنهم يشكِّلون حلقة الوصل بعصر المعصوم، والذي تتقوَّم بهم كاشفية الإجماع. فالشيخ الصدوق ـ مثلاً ـ لم يتعرّض لها أصلاً في «المقنع» و«الهداية». نعم، رواها في كتابه الحديثي «من لا يحضره الفقيه»([69])، ولكن هذا لا يعني أنه تبنى ذلك؛ لاحتمال أنه أراد التفسير المقابل لهذا القول، كما سيأتي. وكذلك الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، الذي كثيراً ما يدّعي الإجماع، وابن حمزة، وأبو الصلاح الحلبي، وسلاّر الديلمي، وابن الجنيد الإسكافي، والحسن بن أبي عقيل العُماني والجعفي. بل ظهرت هذه الدعوى على يد الشهيد الثاني (911 ـ 965هـ)، وهو من المتأخرين، بل من متأخِّري المتأخِّرين. فمع هذا الفاصل الزمني الكبير بينه وبين الشيخ الطوسي وغيره من الفقهاء المتقدِّمين كيف تكشف دعواه الإجماع عن وجود هذه النظرية في تلك الآونة؟! ممّا يقوّي في النفس أن شهادته لم تكن شهادة عن حسّ. فكيف وهذه الحقيقة يقرّ بها بعض العلماء الذين يفتون بنفس الحكم، كما يفهم من كلماتهم؟! فنرى الفاضل الهندي في «كشف اللثام» يصرّح بذلك، حيث يقول: «لا يجوز للرجل أن يترك وطء امرأته أكثر من أربعة أشهر، ذكره أكثر الأصحاب»([70]). ويقول المحقق النراقي في «مستند الشيعة»: «ولا يجوز ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر على الحقّ المشهور»([71]). فالتعبير بالأكثر يعني أن هناك من يتبنى القول المقابل، وهذا هو مقتضى المقابلة بين كلمة الأكثر وغيرها. وقول المحقق النراقي بأنه المشهور يفهم منه أن القول الآخر أيضاً يوجد من يقول به، ولا يضرّ في ذلك عدم العثور على من ينتمي إلى القول الثاني، بل يكفينا اعتراف هؤلاء الأعلام بتلك الحقيقة.

ثانياً: إن هذا الإجماع ـ على فرض تحقُّقه ـ محتمل المدركية، فمن المحتمل أن منشأه هو الأدلة التي استند إليها الفقهاء في هذا الحكم، من آية الإيلاء والروايات، وخاصة أنه يوجد مقتضٍ لذلك، وهو أن منها ما هو معتبر من جهة السند، وهي صحيحة صفوان مثلاً. فمع وجود هذه الأدلة، واحتمال استنادهم إليها، يسقط الإجماع عن الحجية؛ لأن الملاك والمناط في حجيته هو كاشفيته عن الارتكاز، وهذا غير متوفِّر في هذا المقام، فلذلك نبقى مع الروايات والآية.

الوجه الرابع: التمسك بقاعدتي نفي الضرر والحرج. وذلك بأن يقال: إن عدم وطء الزوجة يوجب وقوعها في الضرر الجسدي والنفسي، أو أنه يسبِّب لها الحرج الشديد على الأقل. ومن هذا المنطلق يجب على الزوج وطؤها مرة واحدة كل أربعة أشهر، من باب دفع الضرر والحرج. ولم أجد من استدل بهاتين القاعدتين على المدّعى، باستثناء المحقِّق النجفي، الذي ذكرهما كمؤيِّد لا غير([72]).

وقد أورد على الاستدلال بهاتين القاعدتين عدة إيرادات، منها:

أولاً: ما أفاده السيد الخوئي([73]) من أن قاعدة «لا ضرر» أو «لا حرج» إنما ترفعان الضرر والحرج الشخصيين، ولا نظر فيهما إلى الضرر النوعي؛ بلحاظ ظهور العناوين في الفعلية، فظاهر عنوان الضرر والحرج أن الرافع للحكم هو الضرر الفعلي، وإنّما يتصوّر ذلك في الضرر الشخصي. وعليه فلا معنى لتقييد الحكم بأربعة أشهر في حين نجد من النساء من تتضرَّر وتقع في الحرج بترك وطئها شهراً واحداً أو أقل من ذلك أو أكثر، وفي المقابل نجد من لا تتضرر بتركه سنةً أو أكثر.

ثانياً: إن دليل نفي الضرر والحرج لا يتكفَّل بإثبات الحكم؛ لأن لسانه لسان النفي لا الإثبات، وإنما غاية ما يتكفَّله هو نفي الحكم الضرري والحرجي في الإسلام. والمتحصّل أنه لا يجب على الزوج دفع الضرر والحرج عن زوجته، بل هو غير محتمل في المقام، وإلا لوجب التزويج من النساء اللاتي لا أزواج لهنّ دفعاً للضرر عنهن، ولا قائل به. فهذا ما يستفاد من هاتين القاعدتين في نظره.

وهذه المسألة تختلف باختلاف المباني، فهناك من يذهب إلى خلاف ذلك، ويرى أن قاعدة لا ضرر كما تشمل الأحكام الوجودية فإنها تشمل الأحكام العدمية؛ حيث إن الظاهر من سياقها كون مفادها عدم تسبيب الشارع إلى إضرار المكلّف، ومقتضى ذلك رفع الحكم الضرري عنه، كوجوب الوضوء الضرري، وجعل الحكم الرافع للضرر عنه كالحكم بأن للزوجة أو للحاكم الشرعي الولاية على طلاقها عند إحراز إضرار الزوج، إذ لو لم يجعل الشارع الولاية لغير الزوج في هذا الفرض كان عدم جعله تسبيباً منه للإضرار بالمرأة، وهو منفي بـ «لا ضرر»، فهي تتكفل بإثبات حكم شرعيّ، كما ذهب إليه السيد الشهيد محمد باقر الصدر([74]). وهذا ما اخترناه وأثبتناه في محلّه في الجملة، وخاصة في مثل هذه الموارد المنشأة من قبل العقلاء أنفسهم، بلحاظ أن احتفافها بالأحكام الارتكازية العقلائية قرينة على ظهورها في جعل الأحكام الرافعة للضرر.

وكيف كان فإن التمسك بهاتين القاعدتين لا فائدة فيه، حتى بعد التسليم بذلك؛ فإن غاية ما تثبتانه حكم ثانويٌّ واستثنائيٌّ وفي بعض الحالات، أي وجوب الوطء عند تحقق الضرر والحرج. وهذا لا ينفع في المقام؛ لأننا في مقام تأصيل حقٍّ لها بالعنوان الأولي، بعيداً عن ذلك وفي الحالات العادية.

وقد خلصنا مما تقدّم إلى ثبوت حقٍّ للمرأة بعدم ترك وطئها لأكثر من أربعة أشهر، وأمّا في الأربعة أشهر فالظاهر عدم تمامية نظرية التحديد الزمني، بجميع أدلتها، بما فيها الإجماع، وصحيح صفوان، وأدلة الإيلاء. لذا ينفتح الباب أمام نظرية أخرى، وهي نظرية المساواة بين الرجل والمرأة في الحقّ.

الموقف الثالث: التحديد بالمرة في كل طهر

 ذهب ابن حزم الأندلسي (456هـ) إلى أن الله فرض على الزوج أن يجامع زوجته، وجعل أدنى ذلك مرّةً في كلّ طهر، ولكنه مشروط بالقدرة عليه، وإلا كان عاصياً. واستدل على مدّعاه بوجهين([75]):

 الأول: قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} (البقرة: 222).

وبيان الاستدلال بالآية أن صيغة الأمر، وهي قوله: «فاْتُوهُنَّ» ظاهرة في الوجوب، ولكن الوجوب مقيد بالطهر من الحيض، كما هو مقتضى الشرط. وهذه الفتوى تقوم على مبنى أصوليٍّ له، ذكره في كتابه الأصولي المسمّى بـ «الإحكام»([76])، وخلاصته: إنه بعد أن قسّم مراتب الأحكام إلى خمسة: حرام؛ ومكروه؛ وفرض؛ وندب؛ وإباحة، قال: وإذا نسخ الحظر نَظَرْنا؛ فإن جاء نسخه بلفظ الأمر فإنه يدل على الوجوب، إلا إذا دلّ دليل آخر من الخارج على عدم الوجوب، فحينئذ يحمل على الإباحة. فمثلاً: قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} أمرٌ بعد الحظر، ولكن بما أن النبي’ أحلّ من ثوب الإحرام، ولكنه لم يصطد، استفدنا من ذلك أن المقصود من الأمر الإباحة لا غير. وأما قوله تعالى: {فَاْتُوهُنَّ} فهو فعل أمر، ونحن نعلم بوجوب الوطء، ولا يوجد ما يدلّ على إباحة الترك، فنستفيد من الأمر وجوب الوطء على الرجل في كل طهر مرّة واحدة على الأقلّ.

ولكن هذا الاستدلال غير صحيحٍ؛ لبطلان المبنى الذي استند إليه، كما قرّر في محله؛ لأن الأمر بعد توهُّم الحظر لا يدلّ على الوجوب، وإنما يدلّ على الإرشاد إلى جواز الفعل وإباحته. والدليل عليه أنّ سبق فعل الأمر بالحظر أو توهُّمه قرينة على ظهوره في رفع الحظر السابق، أو دفع توهُّمه، أو أن سبق الحظر مانع من ظهوره في الإلزام. وهذا ما يساعد عليه الفهم العرفي. فلو قال المولى لعبده: لا تخرج من الدار، ومن ثمّ قال له: اخرج من الدار، فإن العرف لا يفهم إلا إباحة الخروج لعبده.

 الثاني: ما روينا من طريق أبي عبيد بن يزيد بن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: إنا لنسير مع عمر بن الخطاب بالقرب من جمدان إذ عرضت له امرأة من خزاعة شابّة، فقالت: يا أمير المؤمنين، إني امرأة أحبّ ما تحب النساء من الولد وغيره، ولي زوج شيخ، والله ما برحنا حتى نظرنا إليه يهوي، شيخ كبير، فقال لعمر: يا أمير المؤمنين، إني لمحسن إليها، وما آلوها، فقال له عمر: أتقيم لها طهرها، فقال: نعم، فقال لها عمر: انطلقي مع زوجك، والله إن فيه لما يجزي، أو قال: يغني، المرأة المسلمة».

 وهذه الرواية تامة من حيث الدلالة على المطلوب، كما لا يخفى؛ لأن عمر في مقام بيان حقّ المرأة التي جاءت تطالب به، فقوله لزوجها: «أتقيم لها طهرها» يدلّ على أن حق الزوجة على زوجها أن يقيم لها طهرها، وهذا يتحقق بإتيانها مرة واحدة في كل طهر على الأقل.

ولكن يمكن أن نسجل بعض الملاحظات على الاستدلال بها:

أولاً: إن عمر ليس مشرِّعاً. وإنه من المحتمل أنه إنما يلزم بذلك من جهة كونه حاكماً وصاحب سلطة.

ثانياً: من خلال تتبُّعي للكتب الفقهية السنّية لم أجد من عمل بهذه الرواية، ممّا يؤكد إعراض مشهور الفقهاء عن العمل بها. وحيث إن دليل حجية خبر الثقة هو بناء العقلاء على الأخذ به فإنه لا يحرز بناؤهم على العمل بما قام الأكثر على الإعراض عنه. وكذلك الأمر في المقام، فإن إعراض المشهور كاشف عن خلل ما؛ إمّا في الصدور؛ أو في الجهة؛ أو في المضمون، خصوصاً مع صراحة الرواية ووضوح دلالتها. وأمّا إذا قلنا: إنّ موضوع الحجية هو الوثوق فالأمر أوضح؛ لأنّ إعراض المشهور مانعٌ من الوثوق.

 نعم، يحتمل حملها على خصوص طلب الولد؛ لوروده في كلام السائل، فيجبر عليه ليحبلها. وهذا ما جعله عبد الرحمن الجزيري معقولاً، متعجِّباً من سبب ترك الفقهاء العمل به([77]). إلا أن هذا الاحتمال لا مصير إليه؛ لأنه لم يكن وحده منفرداً مورداً للسؤال ومتعلّقاً له، فقد أضافت إليه شيئاً آخر، وهو المتعة، حيث قالت: «إني أحب ما تحبّ النساء من الولد وغيره». هذا مضافاً إلى أن الجواب جاء مطلقاً، ولم يلحظ فيه تلك الدواعي.

ونخلص مما تقدم إلى أن كلا الوجهين اللذين استدل بهما ابن حزم على حصر حق المرأة في المواقعة مرّة في كل طهر ليس تامّاً؛ وذلك لضعف المبنى الذي استند إليه، ولإعراض المشهور عن العمل بالرواية على فرض كونها صريحة في ذلك، فيدور الأمر بين ضعف سندها أو وجود قرائن خارجية على بطلانها على نحو مانعة الخلو.

 الموقف الرابع: التحديد بالمرة الواحدة كلّ أربع ليال

وهذا الرأي هو مختار مالك، كما صرّح الإمام علاء الدين بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، الملقب بملك العلماء (587هـ)([78])، وغيره من الفقهاء. وأما مستنده في ذلك ـ كما ذكر هو وغيره أيضاً ـ فهو ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن مالك بن مغول، عن الشعبي، قال: «جاءت امرأة إلى عمر، فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك، فقال كعب بن سوار: لقد اشتكت، فقال عمر: اخرج من مقالتك، فقال: أترى أن ينزل منزلة الرجل له أربع نسوة، فله ثلاثة أيام ولياليها، ولها يوم وليلة»([79]).

وأضاف السرخسي والبهوتي وآخرون أن هذه القصة انتشرت ولم تنكر، فصارت إجماعاً([80]). فنزّل من له امرأة واحدة منزلة من له أربع نساء، فجاز التأخير إلى هذا الحدّ.

ولكن هذه القصة لا تصلح أن تكون مستنداً لهم في ذلك؛ لعدة أمور:

أولاً: إن كعب بن سوار ليس مشرِّعاً حتى يعتمد كلامه، ويتعامل مع كلامه كما يتعامل مع الروايات. هذا فضلاً عن استحسان عمر الذي يجهل الحكم أصلاً.

ثانياً: إنه قضاء في واقعة، أو في خصوص فرض التنازع.

 ثالثاً: لعلّ جهة القياس في كلامه حقّ المضاجعة، لا حقّ الفراش؛ لأنّ الثابت في مَنْ له أربع نسوة أن لكلّ واحدة منهنّ حقاً في المضاجعة في ليلة من أربع، وأمّا تنظير حق الفراش بحق المضاجعة فهو قياس لا شاهد على حجيته.

رابعاً: إن تحديد الحق بهذه المدة مطلقاً، بحيث يشمل هذا الحكم جميع الرجال، كباراً وشباباً، ليس صحيحاً على إطلاقه، بل لا بدّ من التفصيل في الحكم؛ لاختلاف القدرة عليه لكلٍّ منهم.

الموقف الخامس: المساواة في الحق بين الرجل والمرأة

تقوم هذه النظرية على أن حق المرأة يساوي حق الرجل في المواقعة. فكما أنه يجب على المرأة أن تمكن زوجها من نفسها متى شاء، وفي كل زمان ومكان، كما دلت على ذلك الروايات المعتبرة سنداً في مصادر الشيعة والسنة، حيث ورد فيها: «وإن كانت على ظهر قتب([81])، أو على التنوري([82])، وإلا كانت مأثومة ومضيّعة لحقه، إلاّ إذا كانت معذورةً عقلاً أو شرعاً، كما لو كانت مريضةً أو على حيض، وأشباه ذلك، فكذلك يجب على الرجل أن يمكِّن زوجته من نفسه متى أرادت، وفي أيّ زمان ومكان، وإلاّ كان عاصياً لله تعالى.

ثم إن صاحب هذه النظرية، بعد أن ناقش أدلة المشهور القائلة بتحديد حقها بأربعة أشهر، استعرض أدلته على مدّعاه([83]). ونحن بدورنا سنعرض سائر الوجوه التي ذكرها، مع المناقشة فيها.

الوجه الأول: ويقوم هذا الوجه على أن الهدف من تشريع الزواج التحصين الأخلاقي لكلٍّ من الزوجين الرجل والمرأة، بحيث يشبع كل منهما غرائزه ضمن مؤسسة الزواج المقدَّسة. وهذا يتوقف على مساواة المرأة في حقها الجنسي بالرجل. فكما يجب على الزوجة أن تلبي طلب الزوج في كل زمان ومكان فكذلك عليه في المقابل وبنفس المستوى أن يلبي طلبها كلّما دعته إلى نفسها؛ لأنها تعيش مع زوجها في جوٍّ من الإغراء الذي تستيقظ فيه غرائزها، ولا ينفعها الانتظار أربعة أشهر، ولا يكفيها مسمى الدخول([84])، أو مجرد الدخول دون الإتيان بسائر المقدمات، فإن ذلك لا ينفعها، بل يزيد الأمر سوءاً، ويلحق الضرر بها. وهذا بخلاف المرأة غير المتزوجة، والتي لم تعِشْ هذه الأجواء، فيمكن لها أن تصبر، باعتبار أن هذا هو وضعها الطبيعي([85]).

ولا بدّ من الإشارة إلى أن المقصود من التحصين في هذا التوجيه هو التحصين الأخلاقي، كما يفهم من كلامه، لا الإحصان بالمصطلح الفقهي، الذي يلحظ في إقامة الحدّ على الزاني، وهو حفظ الفرج عن الأجنبي، بل المقصود ما هو أعمّ من ذلك، بحيث يشمل حتى النظرة إلى الأجنبي بشهوة، وغير ذلك من الأمور غير الأخلاقية، أو فقل: هو الإشباع الجنسي.

والجواب عن هذا الوجه أنه لا شك ولا ريب في أن أحد أهم الأهداف الأساسية من تشريع الزواج هو تحصين كلٍّ من الزوجين، كما تشير السنة والكتاب، فإن أحداً لا ينكر ذلك، ولكنه لا يثبت المدّعى، سواء قلنا: إن المراد من الإحصان حفظ الفرج عن الزنا لا غير أو إشباع الشهوة؛ فعلى الأول فواضح؛ وأما على الثاني فيردُ عليه إشكالات ثلاث:

 1ـ لا يوجد دليل على لزوم تحقيق الغايات من عقد الزواج ما لم تكن شرطاً لفظياً أو ارتكازياً ضمن العقد.

2ـ إن هذه الغايات حكمة، لا علّة يدور مدارها العقد، نظير: الإنجاب، فإنه هدف أساسي للزواج، لكنه ليس واجباً.

3ـ لو فرضنا أنه علّة تامة لعقد الزوجية إلاّ أن هذا لا يقتضي ثبوت المدعى، وهو أن تتساوى المرأة في حقها الجنسي مع الرجل؛ وذلك لأن تحصين المرأة لا يتوقف على أن يستجيب لها الرجل في كلّ مرة، بل يتحقق إحصانها ولو مع تخلُّف الرجل بعض المرّات. فمفهوم التحصين مفهوم مشكِّك، له درجات ومراتب متعددة، تختلف من حيث القوة والضعف، ولكنها تشترك في كونها محصِّنة للمرأة عن الانحراف الأخلاقي.

نعم، إن غاية ما يثبته هذا الوجه أن الترك المطلق لتلبيتها، الذي يفضي إلى الانحراف، مخالفٌ للهدف الذي أراده الشارع أن يتحقق من خلال الزواج. وبعبارة أكثر وضوحاً: المهم أن لا يتحقق عنوان الانصراف عنها، والاستغراق في أموره الخاصة، وعدم المبالاة بها، بأن يقال: إنه لا يبالي بها ومنصرف عنها. وإن شئت قلت: لا يجوز له أن يجعلها في موقع حاجة تدعوها إلى الخروج من حصن الزواج.

 وخلاصة هذا الجواب: إنه لا يوجد أية ملازمة بين أن يكون الهدف من تشريع الزواج تحصين الزوجة وبين مساواتها بالرجل في حقها الجنسي، فإن غاية ما يثبت هو الحق لها بالمقدار الذي يحصِّنها، بحيث لا يؤدي إلى نقض الهدف الإلهي. وهذا لا يتوقف على مساواتها به، بل يحصل بما هو أقل من ذلك.

نعم، هناك رأيان آخران قريبان من نظرية المساواة:

الأول: ما اختاره ابن تيمية، وهو وجوب الوطء بالمقدار الذي يرفع به الحاجة عن الزوجة. قال: «يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف، وهو من آكد حقّها عليه، وأعظم من طعامها. والوطء الواجب قيل: إنه واجب في كلّ أربعة أشهر مرّة، وقيل: بقدر حاجتها وقدرته، كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته، وهذا أصحّ القولين»([86]). فالزوجة لها رغبات وحاجات كالرجل، فلذلك يجب على الرجل أن يطأها بالمقدار الذي يشبع حاجتها. وفي مورد آخر قال: «ويجب أن يطأها بالمعروف، كما ينفق عليها بالمعروف، وليس بمقدَّر بقدر…، إلى أن يقول: بل المرجع في ذلك إلى العرف، كما دلّ عليه الكتاب في مثل قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ} (البقرة: 228).

ويلاحظ على ما أفاده: أولاً: إن المتعارف هو أكثر ممّا ادعاه من رفع الحاجة، حيث من المتعارف أن يستجيب الزوج لزوجته حتى لو لم يكن لديها حاجة ملحّة إلى الوطء، وذلك كأن تدعوه لنفسها لمجرّد طلب اللذة والمتعة. وعليه فلا معنى لحصره بتلك المرتبة التي ذكرها.

 ثانياً: لا مجال للمصير إلى قياس حقها الجنسي على حقها في الطعام؛ لاحتمال الخصوصية في كلٍّ منهما؛ إذ لا مانع من أن يتفاوتا من حيث الكمية والمقدار، والله وحده العالم بملاكات الأحكام.

الثاني: ما اختاره الغزالي([87])، وبعض الباحثين، كوهبة الزحيلي، وآخرون([88])، ويمكن أن يكون له أنصار بين الفقهاء أيضاً، وهو أن لها الحق بالمقدار الذي يحقق لها الإحصان. وقد جعل بعضهم الغزالي في عداد القائلين بوجوب الوطء في كلّ أربع ليال مرّة. وهذا اشتباهٌ منه في ذلك، وخلاف مضمون كلامه. قال الغزالي: «وينبغي أن يأتيها في كلّ أربع ليال مرّة، فهو أعدل؛ إذ عدد النساء أربعة، فجاز التأخير إلى هذا الحد، ثم ينبغي أن يزيد أو ينقص بحسب حاجتها في التحصين، فإن تحصينها واجب عليه، وإن كان لا يثبت المطالبة بالوطء فذلك لعسر المطالبة والوفاء به».

فما يدلّ على المدعى قوله: «ثم ينبغي أن يزيد أو ينقص بحسب حاجتها»، فلو كانت تلك المدة هي المرادة له لما جوّز للرجل الزيادة عن ذلك، بمعنى أنه يجوز له ترك مقاربتها أكثر من ذلك؛ إذ إن فيه تفريطاً بحق الزوجة بحسب الفرض. نعم، منشأ الاشتباه هو أنهم قصروا النظر على الجملة الأولى، دون أن يلحظوا ما تبقى من كلامه، الذي هو قرينة متصلة لتحديد مقصوده الجدّي، ممّا يكشف عن أنه لم ينعقد لكلامه ظهور بعد. ويمكن أن يلاحظ على ما أفاده عدّة ملاحظات:

الأولى: قد استشكل ابن عابدين في القول بوجوبه على الرجل مع عدم كونه حقّاً لها، مدعياً وجود الملازمة بين الأمرين، كما يفهم من كلامه([89]).

 إلاّ أن هذه الملاحظة ليست صحيحة؛ باعتبار أنه لا يوجد أيّة ملازمة في البين؛ إذ يمكن التفكيك بينهما، فما المانع أن يكون الوطء واجباً عليه ولكنه ليس حقاً لها؟! بل غاية ما يثبت فيما لو امتنع عنها الحرمة التكليفية. وهذا أمر متصوَّر، وله نظائر، وإثبات كونه حقاً لها يحتاج إلى تخريج فني وصناعي.

 الثانية: إن ما ذكره من التعليل في عدم ثبوت المطالبة لها بالوطء محلّ نظر وتأمّل؛ لأن عسر المطالبة بالتحصين لا يسقط الحق لها في مطلق المطالبة بها. نعم، تسقط المطالبة إذا كان الوفاء بها أمراً عسيراً، ولكن ذلك لا يحول دون ثبوتها لها عند إمكان الوفاء بها، وبالمقدار الذي يستطيع ويطيق. إذاً لابدًّ من الالتزام بالتفصيل بين الفرضين، وهما: القدرة؛ وعدمها.

الثالثة: إنّ هذا الرأي لا دليل عليه. وإذا كان مدركه الآيات الكريمة التي تعرّضت للإحصان ومدحت المحصنين من الأزواج فلا يكفي أيضاً؛ لأن تلك الآيات ليست في مقام بيان إثبات حق الزوجة، بل هي في مقام مدح المحصنين. فالإحصان مطلوب على كل حال، ولكن لا يثبت حقاً للمرأة على الزوج. وعلى فرض إثباته فهو على نحو اللابشرط من حيث الزيادة، وهذا لا ينافي ثبوته لها بما يحقِّق الإحصان وزيادة بدليل آخر.

الوجه الثاني: الاستناد إلى قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ} (النساء: 19)([90]). ووجه الاستدلال بها أن يقال: إن عنوان العشرة بالمعروف يتوقف على ثبوت الحق الجنسي لها بالمقدار الذي يتساوى مع الرجل، وإلا خرجنا عن العشرة بالمعروف([91]).

وهذا الوجه ليس تاماً؛ لأنه يقوم على اعتبار عنوان العشرة بالمعروف رتبة واحدة، وهي مساواة حق المرأة الجنسي بالرجل، في حين أنه مفهوم مشكِّك، له مراتب متعددة، أكملها تلك التي حمل الآية عليها، والأمر بالمعاشرة بالمعروف جاء مطلقاً، فيكفي في الامتثال أدنى مراتبه. والمقصود من المعروف هو ما عدّ في نظر الناس والعرف العقلائي معروفاً، أو فقل: هو الأمر الذي يعرفه الناس في مجتمعهم في مقابل عنوان آخر، وهو سوء العشرة، وما عُدَّ منكراً وضارّاً لها. إذاً فالمطلوب معاشرته بالعشرة المعروفة بين الناس. وهذا ما ذهب إليه ابن إدريس([92])، والعلامة الحلي([93])، والسيد محمد العاملي([94])، والعلامة الطباطبائي([95]). ولا مجال لحدّه من حيث الكمّية قلةً وكثرةً، فالمطلوب العشرة الحسنة إلى الحدّ الذي لا يخرجه عن الحسن. فالعدد لا يكون مقياساً عاماً يشمل جميع الأفراد، وإنما المسألة تختلف باختلاف الظروف التي يعيشها الرجل والمرأة، من حيث العمر، والشهوة، والعمل، والحضور، والسفر. فالشارع لم يتدخل في إيجاد نوع معين من المعاشرة بين الزوجين، وإنما أراد أن يشير إلى الحالة المعروفة بين الناس، التي يعيشونها بحسب فطرتهم وسليقتهم، التي تنسجم مع استمرار الحياة الزوجية السليمة والمستقرّة، والتي تضمن بقاء الأسرة في جوّ من المودة والرحمة.

ولا يخفى أن مفهوم العشرة بالمعروف ليس عنواناً وجودياً أو عدمياً على نحو مانعة الخلو، كما قد يتوهم، بل تارة يكون عنواناً عدمياً؛ وتارة أخرى يكون عنواناً وجودياً، ولا معنى لحصره في أحدهما، حيث إن هناك مَنْ يرى أن المراد من المعروف ما ليس منكراً. وعليه فغاية ما يستفاد من الآية حرمة معاشرتهنّ بالمنكر، لا وجوب معاشرتهن بالنحو المتعارف. وهذا ليس صحيحاً؛ إذ إن من المعروف أن يترك الرجل مضارة زوجته وإلحاق الأذى بها، ومن المعروف أيضاً أن يحسن إليها بمعاملة حسنة، بهدية يقدمها إليها، أو أن يبادرها بالكلام الطيب، أو أن يطأها. إذاً فالمعروف عنوان يستوعب حيثيات وجودية وعدمية على حدّ سواء.

وكيف كان ـ أي سواء أريد من المعروف المعنى الوجودي، أو العدمي، أو كليهما؛ نتيجة لاختلاف مصاديقه، كما هو المختار ـ فلا يثبت المطلوب، أي مساواة حقّ المرأة الجنسي بالرجل.

الوجه الثالث: الاستناد إلى قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُواْ كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ} (النساء: 129). ووجه الاستدلال بها أن هذه الآية تنهى عن أن يترك الرجل الزوجة كالمعلَّقة، وتوجب عليه أن يؤدّي إليها حقوقها، من النفقة، والوطء، وغيرهما. وعنوان التعليق يتحقَّق إذا امتنع الزوج عن مواقعة زوجته عند طلبها، ولو لمرة واحدة([96]).

ولكن هذا الوجه ليس تاماً؛ إذ حتّى لو سلمنا بأن الآية تدلّ على كون عنوان المرأة المعلَّقة أمراً مبغوضاً في حدّ ذاته من قبل الشارع المقدس، وأن العرف يفهم من التعليق أن لا تستوفي الزوجة حقوقها كلّها، بما فيها الوطء، وهذا ما يذهب إليه بعض المفسرين، فإنه لا يثبت مساواتها في الحقوق الجنسية بالرجل، بل غاية ما تفيده أن العدل بين النساء في المودّة والوطء غير مقدور للرجل، فلذلك لا يؤمر به، ولا يؤثم على تركه، وإنما الواجب عليه أن لا يهجر الزوجة الأولى، ويميل إلى الزوجة الثانية بحيث يترك الأولى، فإن ذلك كالتعليق، فإن عنوان التعليق لا يتحقق بمجرّد عدم الاستجابة للزوجة ولو لبعض المرات، فالآية الكريمة تكفلت بنفسها بيان وتوضيح المراد من التعليق في قوله تعالى: {فَلا تَمِيلُواْ كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ}، فقد جعلت التعليق هو الميل كل الميل، أو ما هو قريب منه، عن الزوجة، بحيث يصدق عنوان المعلَّق بين أمرين مختلفين: المطلَّقة؛ وغير المطلَّقة، فلا هي مطلَّقة حتّى تتزوّج من غيره، ولا هي متزوِّجة حتى تستوفي حاجتها، بحيث إنه لم يتغيَّر عليها شيء. بل إن الآية عندما تتناول عنوان التعليق فإنما تتناوله باعتباره مفهوماً عرفياً. وعليه فإن عدم تعرّضها لبيان حدود المفهوم وموارد صدقه ظاهرٌ في إمضاء المفهوم العرفي له، والعرف لا يفهم منه إلا ما ذكرناه.

الوجه الرابع: وهو التمسك بقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة: 228). ووجه الاستدلال بها أنها تدل على أن حق المرأة مثل حق الرجل في الكمية وكيفية الأداء. فكما يجب عليها أن تستجيب للرجل كلّما دعاها، وفي كلّ زمان ومكان، فكذلك في المقابل يجب عليه أن يستجيب لها كلّما دعته إلى نفسها، وهذا لا يعني إلا المساواة في الحق بينهما. نعم، إلاّ ما خرج بدليل خاص، كالطلاق، والقيمومة([97]).

وقبل الشروع في مناقشة هذا التوجيه لا بدّ من الإشارة إلى أنه يوجد احتمال آخر في تفسير الآية، وقد ذهب إليه معظم الفقهاء([98]) والمفسرين([99]) على اختلاف مذاهبهم، وهو أن المراد منها المماثلة في أصل الواجب والحقّ. فكما أن عليها حقوقاً فإن لها حقوقاً أيضاً، أي إن لكل واحد منهما مثل ما عليه، من حيث الوجوب والأداء والاستحقاق، أو فقل: المراد تشبيه أصل الحقوق بالحقوق، وليس المراد المساواة من حيث الكمية والكيفية؛ وذلك لوجود الاختلاف بينها، فلهنّ حقّ الكسوة، والنفقة؛ وللرجال حقّ التمكين، والاستمتاع، والطاعة، والطلاق.

والمعنى الأقرب في تفسير الآية هو ما ذكرناه فعلاً عند عرض آراء المفسرين؛ بمقتضى الفهم العرفي. ولو سلمنا بأن المراد منها هو أنّ لهنّ مثل الذي عليهنّ من الحقوق كمّاً وكيفاً لا يثبت المدَّعى، وهو المساواة في أداء الحق، أيضاً؛ لأن الآية صرّحت وقيّدت الكيفية بالنحو المعروف، والمراد من المعروف ما يراه الناس معروفاً وحسناً عندهم، بحيث لا ينكر لديهم، ولا يجهل من قبلهم، وما هو معروف لديهم يشمل التخلّف في بعض المرات عن الاستجابة للمرأة، باختلاف ظروف الرجل والمرأة، فالمعروف في حقّ الرجل قد يختلف عن المعروف بالنسبة للمرأة. فالمسألة لا ترتبط بعدد المرات بقدر ما هي مرتبطة بصدق عنوان المعروف على الاستجابة والرفض. والمقصود من المعروف هنا هو نفس المعنى المقصود من المعروف في موارد أخرى، مثل: قوله: {عَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ} و{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}، حيث إن هذه الآية ترددت بهذا العنوان والمعنى مرّات عديدة في القرآن.

الوجه الخامس: وهو مجموعة من الروايات التي يمكن أن تلقي الضوء على هذه النظرية، من خلال تركيزها على طبيعة المرأة الجنسية وطاقتها الغريزية التي تفوق طاقة الرجل بكثير([100]):

الرواية الأولى: ما رواه الكليني، عن أبي عبد الله×، في حديث عن رسول الله أنه قال: «أيها الناس، إن جبرائيل أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إن الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر، إذا أدرك ثمارها فلم تُجتنَ أفسدته الشمس، ونثرته الرياح، وكذلك الأبكار إذا أدركن ما يدرك النساء فليس لهنّ دواء إلاّ البعولة، وإلاّ لم يؤمن عليهن الفساد؛ لأنهنّ بشر…»([101]).

الرواية الثانية: خبر عبد الرحمن بن سيّابة، عن أبي عبد الله×، قال: «إن الله خلق حوّاء من آدم، فهمّة النساء الرجال…»([102]). ونحوها أخبار أخرى تشترك معها في المضمون، وهي: ما رواه الواسطي([103])، وابن جمهور عن أبيه مرفوعاً([104])، ووهب([105])، وغياث بن إبراهيم([106]).

الرواية الثالثة: ما رواه الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين×: «خلق الله عزّ وجل الشهوة عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء في النساء، وجزءاً واحداً في الرجال، ولولا ما جعل الله عزّ وجلّ فيهنّ من الحياء على قدر الشهوة لكان لكلّ رجلٍ تسعة نسوة متعلّقات به. ونحوها: أخبار أخرى متعددة، وهي: خبر ضريس([107])، وإسحاق بن عمّار([108])، وأبي بصير([109])، ومسعدة بن صدقة([110]).

مناقشة الاستدلال بهذه الروايات

ويمكن مناقشة الاستدلال بهذه الروايات من جهة الدلالة والسند معاً.

 فإن أغلب هذه الروايات ضعيفة سنداً؛ فالخبر الأول ضعيف بكلا طريقيه؛ فطريق الكليني([111]) مرسل، حيث قال: سقط عني إسناده؛ وطريق الشيخ في «التهذيب»([112]) ضعيفٌ؛ بصالح بن راهويه؛ وأخبار ابن جمهور، وإسحاق، وأبي بصير، كلُّها أخبارٌ مرسلة؛ وخبر الواسطي وخبر وهب ضعيفان؛ بهما؛ وأما خبر غياث فتامٌّ سنداً؛ فإنه وإنْ كان مردّداً بين كونه ابن إبراهيم أو ابن أبي إبراهيم ولكنّ الظاهر أنه الأول؛ لانصراف العنوان للفرد المشهور. لذا فلا مشكلة فيه من هذه الناحية؛ وأما خبر الأصبغ بن نباتة، وخبر مسعدة بن صدقة، فهما معتبران سنداً أيضاً، بناءً على أن الأصبغ من المعاريف([113])، وأن مسعدة هو ابن زياد الموثَّق في كلام النجاشي([114]).

وأما من جهة الدلالة فهذه الروايات لا تصلح دليلاً على إثبات الحق لها، فضلاً عن كونها في مقام إثبات المساواة. وهذا ما يقرّ به صاحب هذه النظرية، لذلك جعلها مؤيِّداً لا غير؛ فالرواية الأولى واردة في مقام الإرشاد إلى أن دواء الأبكار هو البعولة، وإلا كانت معرَّضة للفساد الأخلاقي؛ لحاجتهن إلى الرجال، ولذلك يستحب التعجيل في تزويجهنّ، كما صرّح الفقهاء بذلك، وبالتالي فلا تكفي معرفة نوع الدواء ليتناول المريض الدواء كلما أراد ليتحقق الشفاء، بل لا بدّ من بيان خاصّ يثبت المقدار الذي يجب أن يتناوله.

 وأما الرواية الثانية فإن غاية ما يستفاد منها أن همّ النساء هو الرجل، وأنها أكثر ما تميل إليه وترغب فيه، لا أكثر ولا أقلّ.

وأما الرواية الثالثة فإنها لا تزيد عن سابقاتها. نعم، تختلف عنها في أنها حتى لو لم تكن في ذلك الصدد ولكنها أكثر ما تنسجم مع نظرية المساواة، وتبتعد عن نظرية المشهور؛ لأنها أظهرت تفوُّق حاجتها الجنسية على الرجل.

 والصحيح أن مجرّد تفوُّق المرأة على الرجل جنسياً لا يعني أنها تعيش الرغبة للعمل الجنسي ابتداءً، بل لعلّ المراد من الرواية أن المرأة إذا أثيرت من جهة جنسية فهي أشدّ شهوةً من الرجل. وبالتالي يكون مفاد الرواية أن المطلوب من الرجل إشباع شهوتها إذا قاربها، لا أنه يجب عليه المقاربة ابتداءً بالمقدار المساوي. مضافاً إلى أن الرواية في مقام بيان خصائص التكوين، لا في مقام بيان جهات التشريع، فشدّة شهوتها مقتضٍ لإشباعها، لكن لعلّ هناك مانعاً ملزماً يوجب المصير إلى كون حقّها مرّة من كلّ أربعة أشهر، أو وطئها بالمقدار المتعارف في مجتمعها. والعمدة في الجواب أن ملاكات الأحكام مجهولة لدينا، فبيان بعض النصوص لملاك معيّن لا يفيد أنّه ملاك تامّ لا يزاحمه ملاك آخر يقتضي تحديده بنحوٍ آخر.

وخلاصة القول: إن جميع هذه الوجوه التي حشدت في البين لم تنهض في إثبات المدَّعى؛ لكونها قاصرة في دلالتها.

خلاصة واستنتاج

قد ظهر لك ممّا تقدم بطلان الاتجاه النافي لحق الزوجة في الوطء، مضافاً للاتجاه المثبت الذي يتبنى التحديد الزماني، بجميع أطيافه، بما فيه قول المشهور، الذي قيدّه بالمرة الواحدة في الأربعة أشهر؛ وذلك لعدم نهوض أي دليل على مدّعى كلٍّ منها، بما فيه صحيحة صفوان، التي كانت العمدة في أدلتهم.

 كما اتضح مختارنا في المسألة، من خلال مناقشتنا لنظرية مساواة المرأة في حقها الجنسي بالرجل. وخلاصته: إنه لا يمكن تحديد الحق الجنسي للمرأة من حيث الزمن، بل المرجع في ذلك إلى ما يراه العرف العقلائي معروفاً وحسناً، بمعنى ما هو مقابل العشرة السيئة والمنكرة، والذي يشمل إزالة مبررات الانحراف الأخلاقي من الزنا وغيره، وهذا لا علاقة له بالكثرة والقلة، فقد تكون مقاربة قليلة حسنة ومقاربة كثيرة سيئة، نتيجة للكيفية التي يأتي الزوجة بها، فيجوز للرجل التخلّف بالمقدار الذي لا يصدق عليه عنوان سوء العشرة. لذا فالمسألة تختلف باختلاف الزمان والمكان، وظروف كلٍّ من الرجل والمرأة، من حيث كونها شابة أو كبيرة، شبقة أو عادية، ومن حيث غياب الرجل وحضوره، فهذه الأمور وغيرها تلعب دوراً كبيراً في تحديد كل من هذين المفهومين. ويمكن أن نسمي هذا النظرية بمرجعية العرف في تحديد الحق الجنسيّ للزوجة.

الهوامش

(*) باحث في الحوزة العلمية، من لبنان.

([1]) الفقه الاسلامي وأدلته 9: 6599؛ الجزائري، الفقه على المذاهب الأربعة 4: 309.

([2]) نهاية الأحكام 7: 412.

([3]) تذكرة الفقهاء 2: 577.

([4]) مسالك الأفهام 7:66.

([5]) كشف اللثام 7: 270 ـ 271.

([6]) المهذّب 2: 223.

([7]) السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي 2: 606.

([8]) شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام 2: 496؛ المختصر النافع: 172.

([9]) تحرير الأحكام 3: 426.

([10]) إيضاح الفوائد 3: 126.

([11]) إصباح الشيعة: 431.

([12]) المهذب البارع 3: 210.

([13]) المهذب البارع 3: 481.

([14]) اللمعة الدمشقية: 16.

([15]) مسالك الأفهام 7: 66 ـ 67.

([16]) نهاية المرام 1: 61.

([17]) مفاتيح الشرائع 2: 29.

([18])جامع المقاصد 12: 109.

([19]) الحدائق الناضرة 23: 89.

([20]) كتاب النكاح: 75.

([21]) كشف اللثام 2: 54.

([22]) جواهر الكلام 29: 115.

([23]) مستند الشيعة 16: 77.

([24]) وسائل الشيعة 20: 14.

([25]) العروة الوثقى 2: 810.

([26]) مستمسك العروة الوثقى 14: 73.

([27]) التنقيح في شرح العروة الوثقى 32: 115.

([28]) تحرير الوسيلة 2: 216.

([29]) جعفر الشاخوري، كتاب النكاح (تقريرات أبحاث السيد محمد حسين فضل الله) 1: 33.

([30]) الشرح الكبير 8: 137، وهو حنبلي المذهب.

([31]) ابن قدامة، المغني 8: 141، وهو حنفي المذهب.

([32]) العيني، عمدة القاري 20: 188 ـ 189.

([33]) انظر: النووي، المجموع 16: 417؛ الفقه على المذاهب الأربعة 4: 5؛ وهبة الزحيلي، الوجيز في الفقه الإسلامي 3: 113.

([34]) المجموع 16: 412.

([35]) استدل بها كلٌّ من العيني (المصدر السابق)، وعبد الرحمن بن قدامة (المصدر السابق أيضاً)، وابن حزم في المحلّى 10: 39 ـ 40.

([36]) استدل بهذه الرواية العيني (المصدر السابق).

([37]) هذا الرد ذكره كلٌّ من: عبد الله وعبد الرحمن ابني قدامة، والعيني (المصدر السابق)، وكثير من الفقهاء. وأجاب أيضاً بهذه الأجوبة البهوتي في كشف القناع عن متن الإقناع 5: 192.

([38]) جواهر الكلام 33: 297.

([39]) تفسير القرطبي 5: 407.

([40]) الدر المنثور 2: 233.

([41]) البيهقي، السنن الكبرى 7: 297.

([42]) القضاء شرح تبصرة المتعلمين: 306 ـ 309.

([43]) الكاساني، بدائع الصنائع 2: 331؛ ابن عبدين، حاشية ردّ المختار 3: 222؛ الفقه على المذاهب الأربعة 4: 6.

([44]) الوسائل 20: 141، باب 71 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، ح 2.

([45]) التنقيح في شرح العروة الوثقى 32: 115.

([46]) كنـز العمال 16: 573، ح 45917.

([47]) استعدت عليه: طلبت التعدية والمعونة، كما في الصحاح 6: 2421، حيث جاء فيه: العدوى طلبك على والٍ ليعديك على من ظلمك، أي ينتقم منه. يقال: استعديت على فلان الأمير، فأعداني عليه، أي استعنت به عليه، فأعانني عليه. والاسم منه العدي، وهي المعونة.

([48]) فاء: الفاء والهمزة مع معتلّ بينهما كلمات تدلّ على الرجوع. يقال: فاء الفيء إذا رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، وكلّ رجوع فيء، قال الله تعالى: {حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ}، أي ترجع. وفاء إلى الأمر يفيء وفاءه فيئاً وفيوءاً: رجع إليه (معجم مقاييس اللغة 4: 435). وفي المقام فإما أن يفيء المولي أو يطلق، فإن جامعها في الأربعة أشهر فقد فاء، أي رجع عمّا حلف عليه من أن لا يجامعها إلى جماعها.

([49]) وسائل الشيعة 22: 341، كتاب الإيلاء والكفارات، باب1 من أبواب الإيلاء، ح1.

([50]) كفاية الأحكام 2: 88 ـ 89.

([51]) مستمسك العروة الوثقى 14: 73 ـ 74.

([52]) جواهر الكلام 29: 116 ـ 117.

([53]) التنقيح في شرح العروة الوثقى 32: 115 ـ 116.

([54]) مستند الشيعة 16: 78.

([55]) الوسائل 20: 140، باب 71 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، ح 1.

([56]) مسالك الأفهام 7: 66.

([57]) التهذيب 7: 419، ب 36، ح 50.

([58]) من لا يحضره الفقيه  3: 405، ح 4415، باب حدّ المدة التي يجوز فيها ترك الجماع. وأما إسناد الصدوق إلى صفوان فقد ذكره في مشيخته تحت رقم 156، فقال: وما كان فيه صفوان بن يحيي فقد رويته عن أبي، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى  (انظر: خاتمة الوسائل 30: 61).

([59]) رياض المسائل 10: 82 ـ 83.

([60]) وسائل الشيعة 22: 342، كتاب الإيلاء والكفارات، باب 1 من أبواب الإيلاء، ح2.

([61]) كشف اللثام 7: 270.

([62]) رياض المسائل 10: 82 ـ 83.

([63]) التنقيح في شرح العروة الوثقى 32: 115 ـ 116.

([64]) انظر: مجلة فقه أهل البيت^، العدد 21: 101 ـ 102، مقالة للشيخ حيدر حب الله.

([65]) مسالك الأفهام 7: 66.

([66]) نهاية المرام 1: 61.

([67]) رياض المسائل 10: 82 ـ 83.

([68]) مفاتيح الشرائع 23: 300.

([69]) من لا يحضره الفقيه 3: 405، باب حدّ المرأة الشابة التي يجوز فيها ترك الجماع لمن عنده.

([70]) كشف اللثام 7: 27.

([71]) مستند الشيعة 16: 77.

([72]) جواهر الكلام 29: 115.

([73]) التنقيح في شرح العروة الوثقى 32: 116.

([74]) بحوث في علم الأصول 5: 491 ـ 496؛ اليزدي، العروة الوثقى 6: 115، ملحقات العروة، مسألة 33.

([75]) المحلى 10: 39 ـ 40، المسألة 1885.

([76]) الإحكام 3: 319 ـ 320.

([77]) الفقه على المذاهب الأربعة 4: 185.

([78]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 2: 493.

([79]) العيني، عمدة القاري 20: 188، باب 89 (لزوجك عليك حق).

([80]) السرخسي، المبسوط 5: 220؛ والبهوتي، كشف القناع 5: 216.

([81]) السنن الكبرى 7: 292، باب ما جاء في بيان حقه عليها؛ الكليني، الكافي 5: 506 ـ 507، ح1. والقتب رحل صغير على قدر السنام، وجمعه أقتاب، كما جاء في الصحاح 1: 198.

([82]) تحفة الأحوذي 4: 272.

([83]) كتاب النكاح 1: 33 ـ 38، 164 ـ 174.

([84]) كما في المسالك 7: 66؛ والمجموع 17: 324.

([85]) كتاب النكاح 1: 33.

([86]) مجموع الفتاوى 18: 138.

([87]) إحياء علوم الدين 2: 109، باب 3 في آداب المعاشرة وما يجري في دوام النكاح.

([88]) الوجيز في الفقه الإسلامي 3: 113.

([89]) حاشية ردّ المختار 3: 222.

([90]) وقد ذكر بعض المفسرين لها معنى آخر. فمثلاً: في تفسير مجمع البيان، للشيخ الطبرسي 3: 48، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيّان الأندلسي النووي 1: 144، أن المراد من العشرة بالمعروف هو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول. وذكر السمعاني في تفسيره 1: 410 أنها الإجمال في القول والمبيت والنفقة. وأضاف الألوسي 4: 243 على ما ذهب إليه السمعاني قوله: وقيل: المعروف أن لا يضربها، ولا يسيء الكلام معها، ويكون منبسط الوجه لها، وقيل: هو أن يتصنّع لها كما تتصنَّع له.

([91]) كتاب النكاح 1: 171.

([92]) السرائر 2: 655.

([93]) مختلف الشيعة 7: 321.

([94]) نهاية المرام 1: 417.

([95]) تفسير الميزان 4: 255.

([96]) كتاب النكاح 1: 168. وقد ذكر في بعض التفاسير أن المراد من الميل كلّ الميل إظهار تفاوت الميل القلبي في الفعل والقول، كما في تفسير الرازي 11: 68.

([97]) المصدر السابق 1: 33.

([98]) منها: كتاب الأم، للشافعي 5: 93؛ المجموع، للنووي 16:412؛ إعانة الطالبين، للدمياطي 3: 421؛ المبسوط، للطوسي 4: 324؛ المهذب البارع، لابن البراج 2: 225؛ مسالك الأفهام، للشهيد الثاني 8: 306؛ زبدة البيان، للمحقِّق الأردبيلي: 589؛ الحدائق الناضرة 24: 587؛ جواهر الكلام 31: 147.

([99]) انظر من باب المثال: تفسير الواحدي 1: 170؛ أحكام القرآن، لمحمد بن إدريس الشافعي 1: 204؛ تفسير الصافي، للكاشاني 1: 257؛ تفسير كنـز الدقائق 1: 542.

([100]) كتاب النكاح 1: 34.

([101]) وسائل الشيعة 20: 61، باب 23 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، ح2.

([102]) المصدر السابق، ح4.

([103]) المصدر السابق، ح5.

([104]) المصدر السابق، ح6.

([105]) المصدر السابق، باب 24، ح1.

([106]) المصدر السابق، باب 24، ح5.

([107]) المصدر السابق، ح8.

([108]) المصدر السابق، ح9.

([109]) المصدر السابق، ح11.

([110]) المصدر السابق، باب 23، ح11.

([111]) الكافي 5: 336، ح1.

([112]) التهذيب 7: 397، ح1588.

([113]) الخوئي، معجم رجال الحديث 14: 132.

([114]) معجم رجال الحديث 19: 148ـ 153، تحت رقم 12304.