الدولة الدينية

14 نوفمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬524 زيارة

الدولة الدينية

إشكالية المفهوم والفلسفة، والتباس الآليات والغاية

ترجمة: د. أحمد محمد اللويمي

المقالة I.                     1 ـ الدين أوسع من الفقه

أحاول معالجة مسألة (الحكومة الدينية)، لا من الزاوية الفقهية ـ القانونية، بل من زاوية أخرى. إن هذه المعالجة لا تعني التقليل من شأن الجانب القانوني للحكومة والسلطة، ولكن تركيز الدراسة على الجانب القانوني يحجب الرؤية عن جوانب غاية في الأهمية. إن أول ما يتبادر الى الذهن عند الحديث عن الحكومة الدينية هو تلك الحكومة التي تستند إلى آراء الفقهاء. إن المفهوم السائد حول الحكومة الدينية ينحصر في أن هذه الحكومة تسلتزم جملة من التعليمات والأنظمة التي لا يمكن إيجادها إلا في الفقه، وبما أن الفقهاء هم الأدرى بهذه التعليمات والأنظمة فالبحث الفقهي حول الحكومة الدينية يصبح طبيعياً، ومعالجته تتم من قبل الفقهاء، وأن المكان المناسب للحصول على الأجوبة هو البحث في حقل الفقه، إلا أن الحقيقة تنفي انحصار الدين في الفقه، وأن الحكومة ذات جانب قانوني فقط. وبناء على هذا فإن حصر هذه المسألة في هذا الجانب سوف يمنع معالجة القضايا المهمة، ويصبح فهمنا للحكومة الدينية فهماً ناقصاً ومعوجّاً. إن الفلاسفة المسلمين، كالفارابي والطوسي، عالجوا الحكومة في إطار أعم من <السياسة>، ولكن حديثهم لم يتعدَّ أبعد من حلقاتهم الداخلية، وحتى الفقهاء لم يولوا آراء الفلاسفة أي اهتمام. عندما نتجاوز عدم اهتمام المسلمين ـ بالمستوى الذي يعتد به ـ بالفلسفة السياسية نجد أن الحكمة اليونانية كانت على ثلاثة فروع، و(سياسة المدن) تعد أحد هذه الفروع. إن هذه الفروع الثلاث، ومن ضمنها سياسة المدن، لم تحظَ بأي اهتمام من قبل حكمائنا وفلاسفتنا، ولم تنتج أية أراء ناضجة في هذا المجال. إن ما كان يعرف عندنا بـ <بالفيلسوف> أو <الحكيم> هو ذلك الشخص الذي يهتم بأمور ما وراء الطبيعة والأمور العامة، ولذلك كان التبحر في الأمور الأخرى من مهام الفقهاء. وحتى علم الأخلاق لم يشاهد تقدماً كبيراً، وإن البحوث لم تتجاوز تلك التي اشتغل بها اليونانيون في مجال الفضائل والرذائل، وإن حقوق الإنسان لم تبحث بحماس في مجال فلسفة الحقوق خارج الدين. إن هذه البحوث بدأ التوجه لها عندما وفدت هذه المفاهيم علينا من الغرب. وبعبارة أخرى: إن لمفهوم <الحكومة> بحث أوسع من الفقه والدين، وإن بحث مسألة <ولاية الفقيه> يخضع لهذا الحكم أيضاً. إن الذين يذهبون إلى هذه النظرية يعتقدون أن ولاية الفقيه هي استمرار للإمامة، وأن كافة الحقوق والصلاحيات المتعلِّقة بأولياء الله (أعم من الأنبياء والأئمة) تتعلق بالفقيه بشكل مطلق. إذا كان هذا الرأي مقبولاً في نظرية ولاية الفقيه فمن الطبيعي أن يكون البحث حولها خارج دائرة الفقه ؛ لأن مسألة النبوة والأمامة هي إحدى المسائل الكلامية، وليست من مسائل الفقه. ونتيجة لهذا الاستنتاج فإن نظرية (ولاية الفقيه)؛ باعتبارها نظرية متعلقة بأمر الحكومة، لابد من مناقشتها واستعراضها في علم الكلام لا الفقه.

المقالة II.                   2 ـ ما هو الدين؟

النقطة التالية في مسألة (الدين والحكومة) هو التعريف والفهم الصحيح (للدين)، حتى يتسنى لنا تعريف مفهوم <الحكومة الدينية>. إن تعريف الدين له جوانب غامضة ومثيرة للجدل من الأفضل أن لا نقترب منه، ولكن بغض النظر عن هذه الجوانب الغامضة فإن الجميع يعتقد أن الانتماء للإسلام مبني على الإيمان والعمل. وبين هذين الركنين لا يتردد أحد في الركن الأول، أي قد يناقش أحد مفهوم <العمل>، ولكن لا يذهب أحدٌ إلى أن الذي ليس له إيمان وعقيدة يعد مسلماً، بينما ذهب البعض إلى أن الذي له إيمان وعقيدة يعد مسلماً ومؤمناً ولو لم يلتزم بالآداب والأعمال الشرعية، وهو يعد مذنباً، مما يعني أن العمل ذا طابع ثانوي وفرعي نسبةً إلى الإيمان والعقيدة، باستثناء بعض الفرق الإسلامية، مثل: الخوارج، التي تعتبر مرتكب الكبيرة كافراً، إلا أن مبدأهم لم يلاقِ الكثير من المؤيدين والمدافعين. والحقيقة المؤكدة أن من لم ترتبط روحه وقلبه بمبدأ لا يمكن اعتباره مؤمناً ومسلماً به. إن هذا <التسليم> يدفع بالمرء إلى مقام (العمل) ليجلي إيمانه، كما قال مولانا جلال الدين([1]): هذه الصلاة والصوم والحج والجهاد دلائل على العقيدة، القول والفعل يكشف ما في الضمير، أستدل بالاثنين على ما تكنه.

لذلك فإن إيمان الشخص منوط باعتقاده القلبي، فقد يتشابه العمل الخارجي للمؤمن وغير المؤمن، إلا أن عمل المؤمن مسبوق بالإيمان والعقيدة وغير المؤمن بأمور أخرى. يجب أن نقبل أن الجزء الأعظم من التدين يرجع للإيمان والعقيدة القلبية، وأن الحكومة الدينية تعد دينية لأنها تستند إلى العقيدة الدينية والإيمان، ومن ثم مستندة على العمل الخارجي للمؤمنين. إن الفن المرتبط بتعليم أحكام وفروع العمل الخارجي للمؤمنين هو فن <الفقه>، وأما المرتبط بالإيمان والعقيدة فهو الكلام أو العرفان الديني. إذاً الحكومة الدينية قبل أن تكون مستندة إلى التكاليف العملية للناس فإن جوهرها يستند إلى الإيمان والتجربة الدينية للناس، وعليه فإن الفقه وفروعه العملية لا تعتبر مائزاً للحكومة الدينية، وإنما الإيمان والعرفان. وبعبارة أخرى: إن الحكومة الدينية ليست الحكومة الفقهية. والنتيجة أننا نعرف الدين بـ <الإيمان> و<العمل>، وإن الإيمان مقدَّم على العمل. وفي رأينا أن الحكومة الدينية؛ باعتبارها دينية، هي أصلاً حكومة إيمانية، أي هي الحكومة التي تؤسَّس بواسطة المؤمنين بصفتهم الإنسانية والإيمانية وما يفضي إليه تحقيقهم. ونرى الحكومة الدينية ملزمةً بتوفير الفضاء الذي يحرس الإيمان الحر والواعي والتجربة الدينية للمؤمنين. ويظهر الفارق من هنا بين هذا الرأي والرأي الآخر الذي يذهب إلى أن الحكومة الدينية هي حكومة فقهية، وأن الحاكم فيها هو الفقيه، الذي يعمل بناء على تكليفه الشرعي في حراسة وحفظ وإجراء الأحكام والفروع الفقهية في المجتمع. وبعبارة أخرى: إن الشرع يفرض أحكاماً على الناس، وإن الحاكم الشرعي مكلَّف بإجراء وتطبيق هذه الأحكام، وإن اقتضت الضرورة التطبيق الإلزامي والقسري لها، وإن الإصرار على الإلزام في تطبيق الأحكام هو لأجل تحقيق السعادة الأُخروية، وإن هذه الحكومة منشأها التكليف الفقهي للفقيه أو المؤمنين لا الحق غير الديني لهم.

المقالة III.                3 ـ أهداف الدولة بين التدين الإكراهي والإيماني الحرّ

لنرَ ماذا تعني حراسة الإيمان؟ نعلم أن الإيمان لا يمكن فرضه بالإكراه، كما أشارت الى ذلك الآية الشريفة: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. إن الدين يقع في جنس الأشياء التي تطلب بالحب والوله. ومن الطبيعي أنّه لا يمكن إرغام أحد ليحب شيئاً بالإكراه؛ لأن الإجبار والقسر لا يجعل المحبة تستقر في قلب أحد. قد يكون من الممكن السيطرة على الجسد، إلا أن فتح الطريق بالإجبار إلى القلب لا يكتب له التوفيق إلا إذا أصبح أحد بمحض إرادته شَغِفاً بشيء ما؛ لذلك فإن {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} لها معنيان:

الأول: لا ترغموا الناس على الإيمان.

الثاني: إذا ما أرغمتم الناس، وأصبحوا في الظاهر مؤمنين، فإن ذلك الإيمان ليس إيماناً؛ لأن الإيمان ذو طابع منافٍ للإجبار. ولا يمكن إحلال الإيمان في قلوب الناس بالإجبار.

إذا كنا نؤيد مثل هذا الاستدلال فإن الحكومة الدينية في هذه الحالة هي تلك الحكومة المتوافقة مع طبيعة الإيمان الحر للناس، ومهمتها هي حراسة إيمان الناس. وبعبارة أخرى: تسعى هذه الحكومة لإصلاح البيئة الاجتماعية بطريقة تيسر لكل فرد من أفراد المجتمع بلوغ الإيمان الحر والطوعي، أي إن الفضاء المهيمن في المجتمع هو ذلك الفضاء الذي يوطِّد للاختيار الواعي والحر للدين. بينما يذهب الرأي الآخر الذي أشرنا إليه إلى أن الحكومة الدينية مكلفة بمراقبة الناس، حتى لا يُظهر أي أحدٌ مخالفة فقهية، أو يرتكب أيّ ذنب، خصوصاً في الخارج وأمام الناس، سواء أكان مؤمناً أم غير مؤمن، ويستند هذين الرأيين إلى أساسين.

إذا كان تطبيق الأحكام هو الهدف الأساس للحكومة فإن النتيجة الطبيعية ما أشرنا إليه أعلاه؛ وأما إذا اعتبرنا الإيمان هو الأساس والمقيِّد للحكومة فإن المجتمع الديني يصبح ذلك المجتمع الذي يختار إيمانه بحرية، ويمارس ما يترتب عليه من أعمال بكل حرية. وتأتي الأخلاق في هذا المجتمع من حيث الأهمية بعد الإيمان، ومن ثم الأعمال. إن النفاق والرياء والجبن والتعدي يعد منافياً للدين أضعاف ما يعدّ شرب الخمر والميسر؛ لكن في المنظور الفقهي تحتل الأعمال الظاهرية أهمية أكثر من الملكات القلبية. إن التباين في هذين الأساسين يتجلى في بداية كل نوع من هاتين الحكومتين. عندما تتولى زمام الحكومة النظرة الفقهية يصرف المجهود في البداية لإظهار وإبراز الصورة الشرعية للمجتمع، حيث تطبيق الحدود والديات وفرض الحجاب….إلخ، ولكن النظرة الإيمانية لا تبدأ من هذه المواقع، وإنما تؤجلها للمراحل النهائية، إنها تؤسس بداياتها على طريق الحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن؛ لتكون بدايتها الهيمنة على القلوب، ومن ثم يحين دور الأجساد.

ومن الطبيعي أن المجتمع الذي ليس له خيار الإيمان الحر والتجربة الدينية لا يمكن نعته بالمجتمع الديني، إلا أن ذلك المجتمع يمكن وصفه بالمجتمع <الفقهي> أو <محب للفقه>؛ إذ يمكن أن تستلطف دولة غير مؤمنة بالدين أحكامنا الفقهية، وتعمل على تطبيقها، فقد تصل مثل هذه الحكومة إلى قناعة مثلاً بأن الحجاب شيء جيد، أو أن تحريم شرب الخمر أمر صحيح، أو أن قطع يد السارق أمر مؤثِّر في الحد من السرقة، وفي هذه الحالة تلك الحكومة لا يمكن أن تكون حكومة متدينة ومسلمة، والمجتمع الذي تجرى فيه هذه الأحكام هو مجتمع غير ديني، ولكن (فقهي). إذاً المظهر الخارجي للمجتمع لا يمكن أن يكون ممثِّلاً لكون هذا المجتمع دينياً أو غير ديني. بفرض القوانين يمكن بناء حكومة دنيوية وفقهية؛ لإعطاء المجتمع مظهراً معيناً، لكن لا يمكن أن يكون مجتمعاً إيمانياً؛ لأن جوهر الدين وعروة التدين هو <الإيمان القلبي>، والحكومة ليست مكلفة أو غير قادرة على إلغاء ذلك أو الإكراه عليه، فالمجتمع بمحض إرادته ورغبته يصبح متديناً، وبوعي وحرية ينتحل الإيمان، وعند ذلك يختار المجتمع المتدين الحكام، ويشترط عليهم العمل على توفير الفضاء والبيئة الدينية، والعمل على حفظ حقوق المتدينين، وهذا هو معنى الحكومة الدينية.

ولكن من أين يحصل هذا الحاكم على حق الحكم؟

في النظرية الفقهية يحصل الحاكم الديني على حق الحكم من الله، ومسؤولية المجتمع عند ذلك هي الكشف عن المؤهَّل لهذا الحق. ويمكن لهذا الكشف أن يتحقق من خلال الانتخابات، التي تمثل الحد الأقصى من حقوق الإنسان الذي تعترف به الحكومة الفقهية. وبعبارة أخرى: إن صفات وشروط الحاكم تحدَّد سلفاً بواسطة الأحكام الفقهية، وواجب الناس هو أيضاً محدد بهذا الشكل، وعليهم قبول الحاكم الذي تنطبق عليه الشروط والمفروض من الأعلى. البيعة ـ أو الانتخاب ـ المقيدة بها الأعناق هي التكليف في جعل حق الحاكم المفروض واقعاً، ولا يوجد مخرج ثالث. والمهم في هذا الجانب هو أنه إذا اعتبرنا موضوع انتخاب الحاكم حقاً وتكليفاً دينياً وإلهياً للناس فسنواجه معضلة كبرى، ولمعالجتها لابد من الأخذ بنظر الاعتبار تحديد موقع لجملة من الحقوق غير الدينية والواجبات غير الحكومية للناس، والتأكيد على أن للناس في تعيين الحاكم والحكومة الدينية حقوق وواجبات غير دينية أيضاً.

المقالة IV.               4 ـ حق الحكم وطريقة ممارسة السلطة، مفهومان أساسيان

لمزيد من التوضيح نقول: إن الحديث عن الحكومة يواجه سؤالين مهمين:

الأول: من الذي له حق الحكم؟

الثاني: ما هي طريقة الحكم؟

وكلنا نعلم أن البحث حول (من الذي له حق الحكم؟) من البحوث القديمة، وهو مطروح منذ عهد أفلاطون، وما زال حتى وقتنا. وفي معرض الإجابة عن هذا التساؤل طرحت المدارس المختلفة أجوبة مختلفة؛ فقيل: إن حق الحكومة للحاكم العادل، أو الحاكم الحكيم، أو يعود للطبقة الكادحة، أو من حق الإمام المعصوم، أو الولي الفقيه وغيره، كل هذه الإجابات عن السؤال الأول.

وبجانب هذا السؤال يطرح سؤال آخر (كيف يمكن أن نحكم؟). وقد يتراءى بادئ الأمر أن ليس بين هذين السؤالين صلة، ويمكن أن يكون لكل واحد منهما إجابة مستقلة عن الآخر، ولكن الحقيقة أن السؤالين متصلين، والإجابة عن أحدهما تعتمد على الآخر. عندما تختار أسلوباً في طريقة الحكم فسوف يكون له تأثير مباشر في الإجابة عن السؤال (من الذي له حق الحكم؟)، وهذا الأمر يصدق على حد سواء على الحكومة الدينية أو غير الدينية. إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار في أسلوب الحكم ضرورة مراقبة الحكام فالإجابة عن التساؤل الأول تتطلب إجابة خاصة. على سبيل المثال: انظر إلى دستورنا الحالي([2])، ففي هذا الدستور بجانب الولي الفقيه ومجلس الشورى الإسلامي لدينا أيضاً مجلس الخبراء. ما هي مهمة مجلس الخبراء؟ بناءً على الدستور من مهام مجلس الخبراء الإشراف على مهام القيادة ـ ولاية الفقيه. إذاً إذا فقد القائد شروط القيادة؛ لسبب أو لآخر، فعلى الخبراء عزله، والخبراء بناءً على الصلاحيات المخولة لهم في الدستور لهم حق عزل القائد، هذا هو الرقابة غير المباشرة للناس على الحكومة، أي إن مجموعة من مرشحي الناس لهم حق الرقابة والمتابعة، وإذا ما تخلفت القيادة عن واجباتها لهم حق عزلها. إلى هذا فإن للمسألة مظهر معقول وديمقراطي؛ لأننا في طريقة الحكم أخذنا بأهميةٍ النظر في الرقابة على السلطة، وهذا أمر صائب. إن الحاكم مهما بلغ من العدل والتقوى يبقى إنساناً، والإنسان خطّاء، وعندما يصبح هذا الإنسان ذا نفوذ واسع وقدرة كبيرة تتصاعد قدرته على الخطأ. إن وسوسة القوة والثروة مجتمعة ليست وسوسة قليلة، ويمكن أن تكون سبباً لانزلاق أي أحد، إلا إذا كان معصوماً، أي إن قدرة حفظه وضبطه بيد الله لا بيده، وهذا له حكم آخر. عندما نبتعد عن منزلة المعصوم فإن سائر الناس لهم مراتب مختلفة من التقوى، وهم معرضون للانزلاق؛ ولذلك لابد من التفكير في وضع الإعدادات اللازمة والمناسبة، والاستعداد المسبق لها. وبالمناسبة إن هذا الأمر كان أحد المعوِّقات للنظرية الماركسية؛ إذ لم يفكر في السيطرة على القدرة، وهذا من الأمور الغريبة، فإذا ما نظرت إلى النظرية السياسية للماركسية تجد أن هذه النظرية من الرأس إلى القدم نظرية قدرة، وتريد أن تركز النفوذ بيد طبقة البروليتاريا (الطبقة الكادحة) وممثِّليها، إلا أنها لم تقترح أية وسيلة للسيطرة على القدرة، وهذا الأمر من نقاط الضعف الأساسية لهذه النظرية، ويرجع السر في هذا إلى أن الماركسيين بدأوا من (حق الحكومة)، والبدء في هذه المسألة من هذه النقطة يجعل حق الرقابة على الحكومة ثانوياً وباهتاً؛ إذ إن افتراض أن الحكومة من حق طبقة البروليتاريا يعني أن الحكومة والقدرة يجب أن لا تخرج من يد هذه الطبقة، وبهذا الافتراض لابد من التساهل في الرقابة والسيطرة. إن الجانب الإيجابي في دستورنا أنّه يستلهم من الديمقراطية في العالم الرقابة والإشراف على مؤسسة القيادة، وهو أمر مبارك ومحمود، ولكن على الجانب الآخر هناك آخرون في المجتمع، ومن بينهم الفقهاء والمسؤولون، يقولون: إن شرعية جميع مؤسسات الدولة تستمد شرعيتها من الولي الفقيه، وفي هذه الحالة نواجه معضلة أساسية وهي أنه ـ بناء على هذه الفرضية ـ فإنّ مجلس الخبراء لابد أن يستمد مشروعيته من الولي الفقيه، فعندما يريد هذا المجلس توجيه نقد للولي الفقيه، وبالمقابل ينقض الولي الفقيه مشروعية المجلس، فما هو محل الإعراب لهذا النقد؛ إن نقد أي شخص لا يمكن أن يكون مرتبطاً بإذنه، وإلا فإن هذا النقد لا يمكن أن يتحقق. بناءً على هذا فإن جميع مؤسسات الحكومة الدينية الناجحة، والمؤمنة بمراقبة الحاكم، لا تستطيع أن تستمد مشروعيتها مباشرة من رأس السلطة، وعلى الأقل يجب أن تكون هناك مؤسسة من المؤسسات تستمد مشروعيتها من مكان آخر، وهذا لا ينافي الحكومة الدينية؛ أما إذا كان من المفروض تأسيس جميع مؤسسات الدولة على أساس حق الحاكم، وتكاليف الحكومة، وأن تستمد مشروعيتها من الأعلى، ففي هذه الحالة يضيع حق الرقابة، وتصبح المؤسسات الرقابية غير قادرة على أداء مهامها، ونتساءل حينئذ: إذا كان مجلس الخبراء يُعَدّ مؤسسة للإشراف على الحاكم الديني فمن أيّة جهة يستمد حق الإشراف أو تكليف الرقابة؟

والجواب: إن هذا الحق أو التكليف لم يأتِ من الأعلى، بل من الناس أنفسهم؛ لكونهم بشر، ولديهم هذا الحق سلفاً، أي إن هذا هو الحق غير الديني، أو التكليف غير الحكومي، الثابت للناس، في أن يراقبوا الحكام، سواءٌ كان الحاكم دينياً أو غير ديني، ويتابعوا نشاطهم السياسي باستمرار. إن الناس لا ينالوا هذا الحق من الحاكم، ولن يمارسوه بإذن منه. والنتيجة أن بناء حكومة ناجحة، دينية كانت أم غير دينية، لابد أن يأخذ بنظر الاعتبار الحقوق غير الدينية، أو التكاليف غير الحكومية، للناس. والمقصود من الحقوق غير الدينية حقوق الناس، لا بسبب تديّنهم، بل بسبب إنسانيتهم، والمقصود من التكاليف غير الحكومية هي تلك الحقوق التي يكسبها الناس لتدينهم، لا تلك التي تمنحهم إياها الحكومة، وبالاستناد إلى هذه الحقوق يستطيع الناس أن يؤسِّسوا جهازاً إشرافياً، دون حاجة إلى مشروعية الحاكم، بل ويحاكمه ويشرف عليه، وهذا ما تحتاج إليه الحكومة الدينية، وإلا فإن هذه الحكومة سوف تكون غير موفقة.

إن ما تم ذكره حتى الآن يكون مقبولاً إذا ما تم الاتفاق على أهمية ولزوم الإشراف الخارجي على السلطة؛ وأما عند عدم القبول بهذا الشرط، ونعتقد مثلاً بكفاية <الرقابة الداخلية>، وأن هذه العدالة الباطنية تمنع الحاكم من الخطأ، فقد تصبح الرقابة الخارجية لا محل لها.

و خلاصة الأمر أن الرأي الذي نتبناه في (شكل الحكم) يؤثر على رأينا في (من له الحق بالحكم؟). وعند القول بأن الأسلوب الناجح للحكومة هو الإشراف الخارجي على الحاكم لابد من اعتبار حقوق خاصة للناس، والناس بهذه الحقوق والتكاليف يتدخلون في نصب الحاكم أو عزله، ويستطيعون الإجابة على السؤال: (من له حق الحكم؟)، والشخص الذي يستطيع الحكم هو ذلك الذي نختاره، ويخضع لإشرافنا ونقدنا؛ لأنه عند القبول بهذا الحق، أي حق الإشراف والنقد والعزل، لا ينحصر الأمر عند هذا الحد، وتصبح هذه الثغرة أوسع وأوسع، وكل ما بيناه هو بداية، ومنشأ هذه الثغرة فاتحة لتدخل الحقوق غير الدينية للناس أو تكليفهم غير الحكومي، وعندما تفتح أبواب هذه الحقوق لا يوجد حد لتوقفها؛ لأن المسألة لا تنحصر في حق الإشراف؛ إذ عندما يكون لك حق الإشراف على السلطة يمكن أن تثبت حقك في الحكم بكل بساطة؛ إذ لا معنى لأن يكون لأحد حق عزل أحد من السلطة ولا يكون له حق تنصيبه في السلطة؛ لأن حق العزل أعلى من حق التنصيب، أي عندما تنال حق النقد تنال حق الفهم والتشخيص وحق التعيين. لذلك عندما يصادق أحد على حصة الناس في إدارة الحكومة يجب أن يعلم أن ذلك العمل لا يبقى منحصراً في ذلك المجال، وعندما يفتح المجال لذلك الحق سيملأ الفضاء كله. إن استقلال السطلة القضائية عن السلطة التنفيذية يرجع إلى هذا الأصل، ويمكن الاستنتاج عندئذ أن هذا ما يجعل الحكومة ديمقراطية؛ حيث إن أحد أركان الحكومة الديمقراطية هو أن الناس فيها أصل، أي إن الناس هم المؤسسون والناقدون والمشرفون على الحكومة. إن الناس مستقلون عن الحكومة، ولكن لدوافع ذاتية (غير حكومية) يشاركون فيها بتكليف شخصي، ويبدو أن مثل هذه الحكومة لا تتنافى مع طبيعة تديّن الناس، ولكن في الجوهر لا تشبه تلك الحكومة التي تجعل مشروعية جميع أجهزة الدولة مناطة بموافقة الحاكم، أو لا تذهب الى النظارة والرقابة الخارجة عن الحاكم.

إننا لم نبدأ البحث هنا من (حقوق الإنسان) أو (الحقوق الطبيعية والفطرية)، ولذلك استبعدنا المشاكل الناتجة من هذه المفاهيم، أما التاريخ الأوروبي فقد بدأ من (حقوق الإنسان) أو (الحقوق الطبيعية والفطرية)، وكذلك بدأ المرحوم مطهري في كتابه (نظام حقوق المرأة في الإسلام) من الحقوق الطبيعية والفطرية، وأكد على أن هذه الحقوق صحيحة ومتجانسة مع الأسس الدينية. طريقنا في هذا البحث كان الأسهل؛ لأننا بدأنا من القبول بأن السلطة المطلقة تعتبر خطراً، سواء كان الحاكم عادلاً أو غير عادل، ولذلك فإنّ انتخاب مجموعة مستقلة من خارج السلطة ضروري للإشراف عليها. وإذا ما تم قبول هذا القدر من الاشتراط فكل ما يتعلق بهذه النظرية يجعل من الحكومة بشرية، ومبنية على أساس الحقوق والتكاليف المستقلة للبشر، وكما ذكرت فإن هذا لا ينافي مفاهيم التديُّن. إن الإنسان؛ لآدميته، يملك حق مقاومة الظلم، كما أن له نفس الحق؛ لكونه متديناً. وإنه يكسب هذه الحقوق دون أن تمنح له من وسيط أو حكومة، وله الحق في مزاولتها مستقلاً.

طبعاً إن لسان الدين هو لسان التكليف، وبدل أن يتحدث عن حق الإشراف يشير إلى تكليف الإشراف، وهذا الاختلاف ـ والذي يعد اختلافاً مهماً ـ سوف لن يكون له تأثيرٌ على هذا البحث؛ إذ إن هذا الحق ونظائره هو من الحقوق الفطرية والإنسانية، التي لم يأتِ بها أي دين، ولكنّ دين الحق يؤيدها.

وبشكل عام حتى نتمكن من الحصول على حكومة دينية موفَّقة لابد من إشراك الحقوق غير الدينية للناس، وعندما نتمكن من ذلك تتبعها الحقوق المختلفة، وفي النهاية بدل أن تكون الحكومة مقتصرة على حقوق الحاكم تصبح ذات طابع منهجي، منهج لإدارة صحيحة للمجتمع ولخلق فضاء ملائم للإيمان والتجربة الدينية.

المقالة V.                  5 ـ الدولة الإسلامية بين الأهداف والآليات

يمكن أيضاً طرح سؤالين آخرين حول الحكومة:

السؤال الأول: ما هي الغايات والقيم التي يرجو المتدينون تحقيقها من خلال الحكومة؟

السؤال الثاني: ما هي السبل لتحقيق هذه القيم والغايات؟

والسؤال الأول يؤكد على (المبادئ)، بينما يؤكِّد السؤال الثاني على (الأساليب).

يبدو واضحاً أن التساؤل الثاني ينبع من أمر ذاتي غير ديني، ومبنيّ على الأسلوب. وهذا التساؤل هو عن أسلوب إدارة الحركة من النقطة ألف إلى النقطة باء. وإذا كانت النقطتان الف وباء على الأرض أو في الهواء فلابد عند البحث عن الإجابة مناقشة علم الميكانيكا؛ وإذا كانت هاتان النقطتان في المجتمع فلابد من الاستعانة بعلم الاجتماع وعلم النفس. الأسئلة العلمية ـ التجريبية بشكل عام ليست ذات طابع ديني، وبالطبع قد يقوم الدين بتعليم بعض هذه الأمور، ولكن إذا لم يقم بتعليمها فالناس بما يمتلكون من قدرات عقلية يمكنهم الاهتداء لها، وإذا ما قام الدين بتعليمها فهذا لا يعني أنها ذات أصل ديني. إن أسئلة الأساليب ـ أساليب الحكم ـ لا تختلف عن الأسئلة الطبية أو الهندسية أو المعمارية وغيرها، وعندما نريد أن نتعلم كيفية بناء البيت لا نذهب إلى الدين، بل نبني بيتاً موافقاً لموقعه في المدينة أو المنطقة، ويصدق هذا الأمر على كيفية بناء المجتمع. إن الإجابة عن هذا السؤال العلمي: ماذا نفعل للسيطرة على التضخُّم؟ ليست في الدين، وإنما يجب البحث عن الحل في العلم. وأيضاً إذا سألنا ماذا نفعل حتى تصبح أية حكومة حكومة موفقة؟ يتحول هذا السؤال إلى أسئلة، من قبيل: ما هو شكل التعليم والتربية؟ وما هو شكل الاقتصاد؟ وما هو شكل حياة وسكن وصحة الناس؟ وغير ذلك. إن آحاد هذه الأسالة علمية، والدين من حيث هو دين لا يتحمل مسؤولية الإجابة عن أسئلة الأساليب والإدارة، وإننا نرتكب خطأ بطرح هذه الأسئلة على الدين.

الحقيقة أن هذا الجانب من الحكومة ذو جانب عقلي، أي إن عقلاء المجتمع يتعاونون مجتمعين في إدارة الحكومة، ويعملون على إصلاح شأنها، كما هو الحال عند تنظيم إدارة الأمور المتعلقة بالصحة والعلاج، وبالطبع فإن سلامة تنظيم الأمور تخضع لميزان المستوى العلمي للعصر، أي إن الجهلاء من الناس سوف تكون لهم حكومة فاشلة وغير ناضجة، وتدبيرهم العقلي سوف يكون ناقصاً، وبلا شك فإن البشر من العقلاء والحكماء والباحثين سوف يكون تدبيرهم العقلي أكثر نضجاً.

ونرجع للأسئلة ذات الطابع القيمي، في نطاق القيم هناك مجموعة تعد من الدرجة الأولى، وهي مقبولة من كافة العقلاء ومطلوبة من قبل كافة البشر، ولا يختلف عليها من حيث المبدأ أحد. مثلاً: لا يخالف أحد (العدالة)، ولا ينفي أحد مناهضة الظلم، ولا يخالف أحد المجتمع المتمدِّن والواعي. والواقع أن هذه المعايير دليل على أحقية الدين، فالدين الذي لا يسوق الناس إلى العدالة يشك في أحقيته، والدين الذي يدعو الناس للظلم يشك في أحقيته. إن هذه القيم عامة، وليس لها جوهر ديني، ولكن الأديان تستند عليها، وتتقوم أحقيتها وديمومتها بها. وبعبارة أخرى: إذا ما خالف دينٌ هذه القيم يصبح ديناً باطلاً. إن الأديان تعلِّم هذه القيم العامة وذات الدرجة الأولى للناس، ويعتبر من مهامها الرئيسة. يتقبل عامة الناس هذه القيم بشكل أفضل عند أخذها من الدين، ويعتمدون بشكل أقل على تحكيمهم العقلي، أو فقُلْ: لا يجهدون عقلهم بالتحكيم؛ لأن استقبال قلوبهم لخطاب السماء أكثر صدقاً وتقبلاً. إن دعوة الدين الناس إلى العدل والإيثار والإحسان ومقارعة الظلم أكثر استقبالاً واستحساناً من الذين يدعون إليها بدوافع إنسانية وأخلاقية. فعلى الرغم من عدم اتصاف هذه القيم بالجوهر الديني إلا أن الأنبياء عملوا على توجيه الناس إليها ولفت انتباههم. إن الأنبياء أطباء بلا أجرة، ومعلمون بلا مقابل، لا ينحصر خطابهم بين الحكماء والفلاسفة، بل يتجاوز إلى عامة الناس، حيث يعلم الأنبياء الناس الكثير من الأمور التي لا يستطيعون التوصل إليها بمفردهم. لهذا يُقال: إن الدين يعد بمثابة سند لهذه القيم الأخلاقية؛ لأن هذا الخطاب مصدره السماء، ويستقبله الناس بشكل أفضل، مما يعزِّز ويُرسِّخ هذه القيم في قلوب الناس. إن تدين الكثير من المجتمعات يعود بدرجة كبيرة إلى أن الناس في هذه المجتمعات عارفين وعاملين بهذه القيم، ولكن ـ منطقياً ـ هذه القيم أوسع من الدين، ولهذا السبب علّمت الأديان كلها هذه القيم، وإذا لم يحصل ذلك فالنقص والخلل في عملهم، لا في القيم نفسها. وإذا ما تجاوزنا هذه القيم العامة نجد أن هناك قيماً ذات مرتبة ثانية أو ثالثة، والتي قد تكون مشتقة من تلك القيم المتقدمة، مثل: حسن القناعة، وقبح التكبر؛ أو منبعثة من روح التدين، وذات جوهر ديني، مثل: التوكل، والرضا بقضاء الله، وشكر النعمة، وحرمة الربا، و…؛ أو الأحكام العملية والجسدية، كحرمة شرب الخمر، ووجوب الحجاب على المرأة، والتي تعد بعضها في الأديان المختلفة مختلفة، أو قد تكون مشتقة من القيم العالية. إن المجموعة الأخيرة هي الأحكام الفقهية التي سوف نتحدث عنها في ما بعد.

أما القيم العامة، كالعدالة، فهي مرتبطة بوجود الحكومة، لا دينية الحكومة. الحكومة التي تريد طريق النجاح لابد لها من السير في طريق القسط، وبالطبع الدين يؤيد الحكومة العادلة، لكن عدالة الحكومة لا تستقي من الدين. نعم، إن الله قد أمر بالعدل، إلا أن الأمر الإلهي لا يعرف أو يحدد جوهر العدالة، وكذلك الخمر وقتل النفس والفحشاء لا تستمد تعريفها من الأمر والنهي في الدين، ولهذا السبب فإن ماهية العدل في المجتمع الديني وغير الديني واحد، وما يعمل عليه الدين كحد أقصى هو الكشف عن العدالة، وليس إيجادها أو تأسيسها، وأما قيم الدرجة الثانية والثالثة (القناعة، التوكل، التواضع، شكر النعمة، والعبودية….) فهي ما تقتضيه روح الإيمان والتجربة الدينية، وتقوم الحكومة الدينية على خدمتها، وحراستها، ودعم الفضاء الاجتماعي لإنتاجها واستشرائها الحر، وهذا ما يتطلع إليه المؤمنون، وسوف نتحدث في ما بعد عن الأسلوب غير المباشر لتدخل الدولة في هذا الإنتاج والتحقق. والنتيجة أن للحكومة جانبان: الأول: الجانب الإداري والمنهجي، وهو غير ديني تماماً، وذو طابع أشمل من الدين؛ والثاني: القيمي، الذي له جوهر ديني، والحكومة تعمل على خدمة كلا الجانبين.

المقالة VI.                                         6 ـ الإسلام الفقهي الدنيوي والإسلام الروحي الأخروي، تجاذبات أمام الدولة الدينية

يؤكد الموضوع السابق على ضرورة طرح هذا التساؤل: (الحكومة الدينية أصلاً خادمة لديننا أم لدنيانا؟). في العادة يرى العاشق تجلي الكمال التام في معشوقه، وتجاوز منزلة العشق إلى منزلة التعقل أمر غاية في الصعوبة، والجمع بينهما أمر صعب.

يصعب على المخمور مراعاة الأدب ليس عجباً في الغائب عن ذاته([3]).

العاشق مخمور والعاقل من أهل الأدب ومعلم له، والجمع بين هذا وذاك أمر عسير. والتدين هو منزلة من منازل العشق، نعم، إن شيئاً من الآفات المتعلقة بالتدين هي من هذا العشق والعاشقين. وبالطبع فإن النظر إلى المتدينين من هذه الزواية لا يجعلهم في موقع الذم، إلا أن مهمة الدين أعظم من ما يمارسه العاشقون. إن الحاجة هنا أيضاً للعقلاء؛ إذ عندما تنظر لشيء ما بنظر العاشق لا يمكن أن تلاحظ عيوبه، ولا يمكن أن ترى الواقع بشكل صحيح، وعندما يكون المرء عاشقاً للدين سيطلب له من الشمولية ما قد يفوق ما يتمكن منه الدين. يتوقَّع الكثير من المتدينين أن يصلح دينُهم دنياهم كما يصلح آخرتهم، أي يتوقع من الدين أن يعالج جميع المسائل، الصغيرة منها والكبيرة، الدنيوية منها والأخروية، ولكن هذا التوقع ليس له عليه دليل عقلي أو شرعي، والدليل الوحيد على ذلك بين المتدينين هو عشقهم للدين، ولرغبتهم في بلوغ معشوقهم مراتب الكمال. وإذا كان هذا التوقع مقبولاً بين العاشقين فهو مرفوض بين العقلاء، ولابد من السعي لتصحيحه، فهل يتحمل واقعاً الدين هذه الأمور المكلفة والثقيلة؟ وما هو الحد الأقصى الذي نطلبه من الدين؟

إن ما أريد استعراضه هو أنه إذا ما أردنا بناء حكومة فقهية، كما يذهب إليها الفقهاء، وننظر للدولة بنظرة حقوقية، أي ننظر للدولة بمنظار الجهة المنفِّذة للأحكام؛ أو نبني حكومة دينية، بمعنى توفير الفضاء المساعد للانتخاب الواعي والحر للدين والتجربة الدينية، ففي كلتا الحالتين يجب أن تكون توقعاتنا الدينية والدنيوية من الحكومة الدينية والفقهية في الحد الأدنى، وإن إصلاح دنيانا وديننا يجب أن يكون من طرق أخرى. ولنفرض أن الحكومة الدينية هي الحكومة الفقهية، وكي تتضح أبعاد وحدود الحكومة الفقهية لابد من التنقيب في جوهر وطبيعة الفقه، وسوف أوضح هذا الأمر بشكل مختصر بالاستفادة من آراء الإمام محمد الغزالي: يتكفل الفقه بالأعمال الظاهرية أو ظواهر الأعمال، كالعبادات والمعاملات، وهو في مجال الأعمال العبادية الفردية والمعاملات والعلاقات الاجتماعية لا يتعدى حد الظواهر، وفي الأساس لا تتعدى رؤية الفقيه حد الظاهر، عندما ننظر مثلاً إلى (اعتناق الإسلام) فالدخول للإسلام من الجانب الفقهي هو قول: أشهد إن لا اله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله. إن ذكر هذه الجملة على اللسان في نظر الفقيه كافية لاعتناق الإسلام، ولا يهم الفقيه ما يدور في داخل قلب ذلك الفرد، ولا يستطيع أن يكون مطَّلعاً على ذلك. هذا النوع من اعتناق الإسلام يصلح للدنيا أي إن الفرد بمحض تلفظه للشهادتين ينضمّ لطائفة المسلمين، ويمكن تزويجه أو الزواج منه، وعند الوفاة يدفن في مقابر المسلمين، وغير ذلك، ولكن هل مثل هذا الإسلام صالح للآخرة؟ وهل التدين ينحصر في لفظ الشهادتين باللسان؟ إذاً الإسلام الفقهي هو الإسلام الظاهري، وينحصر في هذا. ولننظر إلى مثال ثانٍ، وهو الصلاة، فمن الجانب الفقهي لابد للفرد قبل الصلاة وخلال أداء الصلاة من مراعاة بعض الآداب الخاصة، مثلاً: لابد من إجراء الوضوء بشكل خاص، ويقف مستقبلاً الكعبة، ويقرأ سور خاصة، ويجري حركات معينة. إذا ما قام المرء بالصلاة بشكل مطابق لآدابها وشروطها، ولكن من بدء الصلاة إلى انتهائها كان ذهنه مشغولاً بالبيع والشراء، فصلاته من الجانب الفقهي صحيحة، ولا إشكال فيها، أي إن الفقيه يحكم بصحة صلاة هذا الفرد، ولا قضاء عليه. هذه هي الصلاة النموذجية المطابقة للفقه، ولكنها ليست الصلاة الحقيقية، والفقه لا يطالب أو يتعدى إلى أكثر من الظاهري منها، أي أنه لا يطالب إلا بالحد الأدنى من الصلاة، لا بمعنى أنه مخالف للصلاة الأفضل والأعمق، ولكن الجانب العميق في الصلاة غير مرتبط بفن الفقه؛ لأنه لا يتحدث إلا عن الظواهر. وينطبق هذا الحكم على<الخمس> و<الزكاة>. وينقل الغزالي عن أبي يوسف، الذي يعتبر أحد كبار الفقهاء، ومن تلاميذ أبو حنيفة، أنّه كان يتهرب من دفع الزكاة، وذلك بوهب أمواله عند بدء السنة إلى زوجته، وبذلك لا يوجد لديه شيء ليدفع زكاته، وبعد مضي سنة يقول الفقيه لزوجته: هبي ذلك المال لي، وبهذا الشكل لا تتعلق بذمته أية زكاة، عندما ذكروا هذا الأمر لأبي حنيفة أجاب: ذلك من فقهه، أي لأنه فقيه وعلى دراية بالأمور الدقيقة، ذلك من فقهه، لكن من فقه الدنيا، فهذا الفقه فقه دنيوي، ويحقق للمرء غايته الدنيوية، لكن ليس له ثواب الآخرة؛ لأن الزكاة هي لتطهير القلب من حب المال([4]).

هربتم من دفع الزكاة بالأساليب الفقهية بعدما قبضتم، ولكن ماذا نفعل بهذه الرذائل الأخلاقية، كحب المال؟

نعم، إن الحيل الشرعية تعبر بشكل جيد عن الجانب الدنيوي للفقه، أي عدم قدرته على توفير السعادة الأخروية. إن العوام يجهلون هذه الحيل، لكن الفقهاء يعلِّمون الناس. إن الناس يجهلون الأمور الفقهية المعقَّدة للهروب من التكاليف، وهذه الأمور الدقيقة يحيط بها الحقوقيون. تعلم الرسائل العملية الناس ـ على سبيل المثال ـ وبشكل صريح الوسائل التي من خلالها يتجاوزون الإشكال الشرعي في التعاطي مع الربا، أي تعلم الناس عند الاقتراض أو الإقراض أن يعملوا العمل الكذائي، ويتلفظوا بالصيغ الكذائية، حتى يصبح تعاطيهم للربا حلالاً، بل لا يُسمى ذلك ربا، ويصدق عليه البيع مثلاً. بشكل عام يتكفل الفقه بيان صحة أو فساد ظواهر الأعمال، ويهتم بالعمل الظاهري، ولا يخطو أكثر من ذلك للأمام. وعليه فالإسلام الفقهي لا يعتبر الإسلام الواقعي. وبمعنى آخر: الفقه يقتنع بالإسلام الظاهري، ولا ينظر إلى خلوص الإيمان أو عدم خلوصه؛ والكفر الفقهي لا يعتبر كفراً واقعياً، أي كل من لم يكن مسلماً (الكافر الفقهي) هو معاند للحقيقة وناكر لله، وبذلك يستوجب العقاب، أو كل من لم يتلفظ بالشهادتين هو الكافر. إن الصلاة الموافقة للفقيه ليست الصلاة الواقعية، وإن الصوم الموافق للفقيه ليس الصوم الواقعي، وأنا لا أنكر إمكانية جمع هذه الظواهر بالحقائق الباطنية، ولكني أريد التأكيد على أن الحقيقة الباطنية ليس لها مكان في الفقه، ولا تعتبر شرطاً في صحة العمل، وبإمكانك أداء صلاة دون حضور القلب، لكنها ليست الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وبإمكانك أداء الصلاة بحضور القلب، والصوم بتمام الشروط المعنوية والباطنية، وبإمكانك أن تقضي تمام نهارك في الغيبة والكذب، ومع ذلك تمتنع عن المفطرات الفقهية. إن النوع الثاني من الصوم صحيح فقهياً، ولكنه ليس الصوم الذي ينشده الدين؛ لذلك لابد من التمييز والبحث بين حدود الأعمال المناسبة للفقه والمناسبة للدين.

وتتضح المسألة هذه بشكل أوضح في المعاملات حيث يظهر الفقه على هيئة علم دنيوي كامل العيار، ويطرح ويعالج أنواع الحيل لحل المشكلات الحقوقية، ويظهر مرونة فائقة في ذلك.

وبالنظر إلى القضايا السالفة إذا اعتبرنا الحكومة الدينية حكومة فقهية، أي حكومة قائمة على أساس تكاليف الناس، ومشتقة أو مستخرجة من الأحكام الفقهية، ومكلفة بإجراء الأحكام الشرعية، ففي هذه الحالة نستطيع تحديد حدود ومجال هذه الحكومة.

محتوى الحكومة الفقهية ديني من جانب؛ لأنها مبنية على الفقه، وبما أن الفقه في ذاته لا يتعدى حدود الظواهر يجب أن لا نتوقع منه أكثر من حفظ ظاهر الدين. وبعبارة أخرى: في دائرة الحكومة الفقهية ليس بالضرورة أن يضعف أو يقوى إيمان الناس، وما يحفظ هو الظواهر التي تصلح للدنيا، وليس بالضرورة للآخرة. هذا من جانب إصلاح أمر الآخرة، أما في ما يصلح الدنيا فالفقه يتناول حل المشاكل الحقوقية، وليس كل المشاكل؛ لأن الفقه ليس علماً في التخطيط؛ ولذلك في إصلاح أمر الدنيا يعمل بالحد الأدنى، أي إنّ الحكومة الفقهية تُصلح الحد الأدنى من أمر الناس الدنيوي والأخروي. تبقى أمور أخرى ضرورية لإعمار الدنيا والآخرة خارجة عن حدود وتصرف وشؤون الحكومة الفقهية([5]).

قد نظرنا هنا بقوة إلى شبهة المصطلح، وأحطنا بالكامل بمفهوم الحكومة الفقهية، أي كل ما يتوقعه الفقهاء من الحكومة الدينية في المجتمع قد أخذ بنظر الاعتبار، ولنفترض إمكانية تنفيذ كامل مطالب الفقهاء في الحكومة الدينية، وتنفيذ كافة الأحكام الفقهية في المجتمع، فإن الحكومة الفقهية من حيث إنها فقهية لا تتجاوز قوتها أكثر من حفظ الظواهر، وتستطيع فقط أن تصلح أمور الناس الدنيوية التي تحفظ فيها الظواهر الفقهية، وأما إعمار الدنيا فذلك أمر آخر. وما هو مؤكَّد أن ما يقع في الخارج لا يمثل تطابقاً كامل العيار مع تلك الصورة التي يُنشدها الفقه؛ لذلك وبالنظر إلى طبيعة الفقه يجب تصحيح تطلعاتنا من الحكومة الدينية ـ الفقهية.

وإذا ما افترضنا من طرف آخر أن هناك حكومة دينية، ومصدرها إيمان الناس، وهي حارسة لهذا الإيمان؛ لأن الإيمان ذاتاً أمر حر، وحراسة إيمان الناس هي حراسة الشروط التي توفر إمكانية هذه الحرية، كما نعلم أن إيمان الناس بشكل عام من مسؤولياتهم. إذا كنت تظن أن الإيمان هو لنيل السعادة الأخروية فإن ذلك من اختيارك الحر، ولا تستطيع الحكومة أن تفرضه عليك لتصبح سعيداً في الآخرة، فإن الإيمان بالجبر ليس إيماناً، وما نريد قوله: إن الحكومة الحارسة لإيمان الناس ليس لها تدخل في آخرة الناس. وبعبارة أخرى: دورهم في إيمان الناس هو الحد الأدنى؛ لأن السعادة الأخروية هي ضمان الإيمان الحر، وإن الإيمان الحر لا يتولد بالفرض أو التلقين من قبل الحكومة. وما تقوم به الحكومة هو توفير الفضاء المناسب والمساعد لحرية الإيمان، كما سيأتي الحديث عنه. إذاً الحكومة الدينية بما أنها دينية لا تتدخل كثيراً في آخرة الناس، وإذا أرادت أن تقوم بأي عمل فهو لدنيا الناس.

المقالة VII.             7 ـ الدولة الدينية خادمة الدنيا في طريق الآخرة

بلغنا هنا إلى ما تقوم به الحكومة الدينية لدنيا الناس الذي ينقسم الى قسمين:

الأول: الاحتياجات الأولية، كالصحة، والسكن، والدواء، والغذاء، والملبس، والأمن، والنظام، وأمثال ذلك.

الثاني: الاحتياجات الناعمة، كالفن، والدين، والمعنويات، ونظائرها.

يقول مولوي: الإنسان في الأول حريصٌ على الخبز؛ لأن الخبز عمود النفس وقوتها، ولكن عندما استغنى عن الخبز أصبح عاشقاً لمدح الشعراء([6]).

إن هذه أقوال حكيمة يؤيدها أصحاب الفكر اليوم. نحن البشر في أسر احتياجاتنا الأولية؛ لأنها شرط البقاء، وبتعبير مولوي (عمود النفس)، وإن بقاء وديمومة الحياة مرهون بها، وعندما تحل هذه المطالب الأولية نتفرغ للأمور اللطيفة؛ فإن المبتلى بطلب الخبز والسكن، أو الذي يعاني من فقدان الأمن الوظيفي والسكن، غافل عن الفنون الجميلة، ويقال عندنا في الأمثال: (البطن الجائعة لا تفهم الدين والإيمان)، أو (البطن الجائعة لا تفهم معنى الحب)، فليتوجه الناس إلى القيم، والمعنى أنه لابد من تخليصهم من قبضة الاحتياجات المادية. إن الصوفيين ظنوا أن ترك الدنيا يدفع الإنسان إلى المعنى، ولكنّ الحقيقة أن الإنسان يتحرر من المشاكل الدنيوية بحل المشاكل، لا بالهروب منها. ويؤكد أحد العظماء أنه لابد من إعطاء حصة للجسم حتى نتمكن من التفرغ لأرواحنا، لابد من إرضاء وإقناع الجسم وليس قتله. إننا منظومة من الجسم والروح، وإن حياتنا منظومة من الدنيا والآخرة، ولذلك لا نستطيع غض النظر عن أحدهما، ولابد من تلبية حصة الجسم، وإعطائه حقه حتى يهدأ، لنلبي احتياجاتنا الروحية. وبمعنى آخر: إن التوجه للمعنويات لا يتحقق إلا بتوفير الاحتياجات الأولية، والتمتع بالحد الأدنى من الكفاف، مثل: الصحة، والسكن، والطعام، واللباس، والنظام، والأمن، والعدالة، وبعد تجاوز هذه المرحلة يتوجه الإنسان للاحتياجات اللطيفة، مثل: حرية التعبير، والإبداع الفني. إنّ حرية التعبير مثلاً تطرح بشكل جاد للذين تجاوزوا معالجة أمورهم واحتياجاتهم الأولية، ولذلك قيل: إن الديمقراطية هي النظرية السياسية للمجتمعات المتقدمة، أما المجتمع النامي فيتعامل مع الديمقراطية وحرية التعبير بجدية؛ لأن هناك من الاحتياجات ما هو أولوية، ويجب السعي لمعالجتها، وعندما يستغني البشر عن الخبز يطلبون مدح الشعراء، أي يتوجهون للاحتياجات اللطيفة.

والمسألة الأساسية والمهمة هي أن الدين من الاحتياجات اللطيفة للناس، والذين يأخذون بالتفكير في الله والآخرة وما وراء الطبيعة على محمل الجد هم أولئك الذين فرغوا من همّ الطبيعة. إذاً بلوغ ما وراء الطبيعة يتم من خلال عبور سلم الطبيعة، وكما أسلفنا القول: إن التخلي عن الطبيعة ليس بمعنى التصوف وترك الدنيا، وإنما بمعنى حل مسائل ومشاكل الدنيا، فمن لم يحرر يديه ورجليه من قيود الطبيعة لا يستطيع أن يطير في عالم ما وراء الطبيعة بقلب مستعد، ولا يستطيع مثل هذا أن يذكر الله، وهو يعاني من فقرٍ جدارُه ملاصقٌ لجدار الكفر (كاد الفقر أن يكون كفراً). إن من يتوجه لله بنية الطمع في نيل حاجاته الدنيوية لا يمكن أن يكون عابداً حقيقياً، وبالطبع لا نستطيع إلقاء اللوم والعتب على مثل هؤلاء الناس؛ إذ إن الله غاية تبرر كل الأعذار لتوجُّه الناس إليه، حتى لو كان بحجة الخبز، ولكن طلب الله للخبز وحوائج الدنيا ليس طلباً لله، كما يقول سعدي:

الصديق للمصلحة يعني النظر إلى إحسانه       أنــت في أســــــر نفســــــــك لا الــصـــــديــــــــق

فيعني عندما نريد الله لحاجاتنا الأولية فنحن في الواقع نطلب أنفسنا ونقصدها، ونستفيد في ذلك من الله. إن هذا العمل متفق مع المنطق الرؤوف للدين، وإن الله ـ الرحيم ـ لا يطرد مثل هؤلاء العباد، بل يقبلهم بكرمه، ولكن الوقوف عند هذا الحدّ، وعدم التقدم للأمام، لا يفي بشرط العبودية.

عنــــــــدمــــــا تقبـــــــل يــــد الملـــــك            تستحق الذنب بفعل تلك القبلة([7])

إن التدين في شكله الرفيع جزءٌ من الاحتياجات اللطيفة للإنسان، ويصبح أمراً جاداً عندما ينتهي من احتياجاته الأولية تماماً، أي بعد حل إشكال الماء والخبز والسكن والصحة، هناك يستطيع أن يتوجه لله بشكل حقيقي، ويضع القضايا المعنوية نصب عينيه؛ ليبلغ بوجوده تحقيق إيمان العارفين والعباد الحقيقين، ويحرر إيمانه من الاستضعاف والأسر في دائرة الخبز والماء والطعام. من هنا نستطيع التفرغ للإجابة على ما تستطيع أن تقوم به الحكومة الدينية للناس، فالحكومة الدينية هي حكومة لمجتمع المؤمنين، والتي تقوم بحل ومعالجة احتياجاتهم الأولية؛ ليتمكنوا من التفرغ والتصدي لاحتياجاتهم الثانوية، وبالطبع إن أحد هذه الاحتياجات اللطيفة هو الاحتياجات الدينية. وبمعنى آخر: إن خدمة دنيا المؤمنين هي في الواقع خدمة لآخرتهم، وبهذا المعنى تصبح روح الحكومة دينية، بالرغم من أن الحكومة ليس لها شكل وجسد محدد، وتتخذ في كل عصر شكلاً معيناً، وبهذا المعنى تتحقق حراسة حرية الإيمان؛ لأن أسير الماء والخبز

والسكن لا يشعر بالأمان، ولا يعتبر حراً، ومثل هذا لا يمكنه الحصول على الإيمان الحر. إن خدمة الدنيا هي بالحد الأدنى؛ لأن الاعتبار الديني للحكومة لا يتطلب أكثر من رفع ما تسببه الدنيا من متاعب، ولكن ما هي المتاعب الواجب رفعها؟ وماهي الإجراءات الناجعة؟ والتساؤل الثاني هو الذي يمثل الحد الأكثر. إن مهمة الحكومة الدينية هي إزالة أغلال الطبيعة من أيدي وأرجل روح البشر المتطلعين للتدين فقط، لكن شتّان بين إزالة القيود والهرولة المملوءة بالشوق. الحكومة الدينية هي دينية منهجية، إنها تعمل بالحد الأدنى في إعمار دنيا المؤمنين، وليست مكلفة باقتياد الناس مكبَّلين إلى الجنة، ومهامها تنحصر في تحرير المؤمنين من قيود الخبز والدواء والمأوى والاحتياجات الأولية؛ لتوفير الفضاء للتأمل، والغوص في احتياجاتهم الثانوية من الإيمان المرهف، ومن خلال هذا الطريق يؤمِّنوا ـ باختيارهم ـ سعادتهم الأخروية. والحكومة الدينية تصبح بهذا نظير المعالج. ليس لدينا طب ديني، وإذا كان لدينا ذلك فمعناه لا يتجاوز أكثر من علاج جسم المؤمنين؛ لتحرير أرواحهم، ويصبح في متناول أيدي المتدينين السير في عوالم المعنى، لذلك فالطب الديني ـ على فرض وجوده ـ لا يتعدى أكثر من علاج جسم المؤمنين، وبعبارة أخرى: علاج غير مباشر، من خلال خدمة المؤمنين تكون خدمة الدين. ولا يعني العلاج هنا تغيير طبيعة الطب لاستخراج أدوات ووسائل خاصة ومختلفة لمزاولتها، أو استخراج مفاهيم طبية من النصوص الدينية. إذاً الحكومة الدينية هي الحكومة التي تخدم ـ بشكل غير مباشر ـ دين المؤمنين عن طريق خدمة مجتمعهم، ولا يعني هذا تبدل معنى الحكومة، أو استخراج طرق جديدة للحكم من الدين؛ ولذلك فإن الحكومة الدينية ليس لها معنى إلا في مجتمع المؤمنين الذين تعمل على خدمتهم. ولكن الحكومة هي حكومة، ولها ماهية واحدة، سواء في المجتمع الديني أو غير الديني، ولا يؤثر على مضمونها أن تكون دينية أو غير دينية، باستثناء أن الحكومة تصبح ذات صبغة دينية في مجتمع المتدينين، والطب والعلاج من تلك الجهة لا يقدم شيئاً سوى إزالة المرض. إن الإنسان المعافى وإن استمرت حاجته للطب يجب أن لا تنحصر قناعته بإزالة المرض، ولكن لأجل تحقيق التطور والازدهار في مجال السياسة والتجارة والعلوم والصناعة يجب أن لا يجعل مصيره بيد الأطباء، وإنما الازدهار في هذه الحقول منوط بعزمه.

المقالة VIII.          8 ـ الدولة الدينية وغير الدينية، ظاهرتان مختلفتان أم ظاهرة واحدة!

كما جاء في الحديث السابق فإن الحكومة الدينية بالإضافة إلى أنها دينية فهي حكومة، ولذلك فالحكام يجب عليهم الحكم، يعني الإجراءات الإدارية، ولا شيء آخر. ليست الحكومة تلك التي يدور في خلدها أهواء تقليد الأنبياء أو الآلهة، أو الظهور بمظهر فوق الطاقة البشرية، أو معاملة الناس كالخدم، أو إرغامهم على مدحها، وغير ذلك. إن الحكومة الدينية في ذاتها وأصلها حكومة بشرية لا أكثر ولا أقل، ويجب أن تكون مثل سائر الحكومات، وإنما كان الجانب الديني أحد سماتها لأن تلك السمة هي قيام الجهاز الحكومي على خدمة مجتمع المؤمنين. ومن الممكن أن نتساءل ـ بناءً على التصور الذي تم إعلاه عن الحكومة الدينية ـ: ما هي الفوارق التي يمكن أن تكون بين الحكومة الدينية والحكومة غير الدينية؟ في الواقع يجب أن لا يتوقع وجود فوارق واضحة بين الحكومة الدينية والحكومة غير الدينية؛ إذ ليس من المتوقع أن يمشي العقلاء على رجلين ويمشي المتدينون على رؤوسهم، فما هو الإشكال في بلوغ المجتمعات إلى فهم شكل الحكومة الصحيح والمطابق لفهمنا للحكومة الدينية؟ لماذا يخطر ببالنا أنه إذا حصلنا على خطوط وأسس الحكومة الدينية فالنتائج يجب أن تختلف عن تلك التي يتم التوصل اليها عن طريق التعقل والحوار والتشاور؟ أذكر هذا الأمر من باب الاستغراب والاستنكار لبعض الأمور التي يذكرها القرآن، والتي يذكرها أيضاً الكثير من العلماء والفلاسفة.

والجواب: لا يوجد اختلاف، وهل من المتوقع أن يقع تناقض بين العلم والدين؟! إن مسيرتنا يجب أن تتجه للتقريب بين هذين الاتجاهين، حتى تصبح بالتدريج الآراء العلمية الواردة في الدين والاكتشافات العلمية متطابقة وغير متناقضة؛ لذلك يجب أن لا نستغرب أو نستنكر أن نرى تقارب الطرق البشرية والإلهية. ولا يوجد أي إشكال في بلوغ العقل إلى ذلك المكان الذي بلغه الدين، أو يستطيع البلوغ إليه، وناهيك عن عدم الإشكال فهو أمر ممدوح. ما ندعيه أن الحكومة الدينية بالتعريف والشرح الذي بيناه ليس فيها فارق عن حكومات العقلاء من البشر، من حيث الشكل، ومن حيث كونها حكومة، وإن الفارق الجوهري بين الحكومة الدينية وغير الدينية ليس في الشكل، وإنما في الغاية، فإن الحكومة الدينية تصلح دنيا المؤمنين بكل وعي وهدف؛ ليتمكنوا من إصلاح آخرتهم، وهذه هي غاية الحكومة الدينية. إن إعمار الدنيا هو على حد سواء في كلا النوعين من الحكومة، ومن البديهي أن هذه الغاية أو هذه الروح لا يمكن أن تكون حية إلا في مجتمع مؤمن، أي إن المؤمنين الجادين في إصلاح آخرتهم يحلقوا إلى الله إذا ما تحرروا من أغلالهم، ولهذا السبب فإن الحكومة الدينية لا تتحقق إلا في مجتمع متدين، وخدمة دنياهم هي خدمة لآخرتهم. والفرق الآخر للحكومة الدينية وغير الدينية، والناتج من التفاوت السابق، هو أن الحكومة الدينية قد تأسست بواسطة المؤمنين والحكومة غير الدينية ناتجة من مجتمع غير ديني. إن الحكومة لا تمنح للناس شيئاً سلفاً، وإنما الحكومة ناتجة من المجتمع، وما تظهره هو ما عند الناس. فكل عرق ونبض للحكومة هو من المجتمع، والحكومة ليس لها وجود أكبر من المجتمع، وإنما هي جزء لا يتجزأ منه، وتتشخص بقدر ما يصب المجتمع فيها، فإذا صبّ المجتمع في الحكومة قيماً عالية فالحكومة تعكس هذه القيم وتدافع عنها؛ وإذا صب فيها القيم الدنيئة فالحكومة تعكس أيضاً تلك القيم. إذاً الحكومة الدينية وغير الدينية تنبع من اختلاف المجتمع الذي تتأسَّس فيه، والاختلاف الجوهري بين المجتمع الديني وغير الديني هو في إيمان الناس والعمل المسبوق بهذا الإيمان، فالمجتمع المتديِّن له غايات دينية، وهو يبحث عن الله بروح محلقة في ما وراء الطبيعة؛ لذلك عندما تلبي الحكومة احتياجاته الأولية ـ شاء أم أبى ـ سوف يبادر للبحث عن حاجاته اللطيفة؛ أما إذا كان المجتمع غير متديِّن فحكومته تصبح غير دينية، والناس يؤمِّنون احتياجاتهم الأولية والثانوية (ما عدا الدين) بكلّ رضا.

المقالة IX.                9 ـ دور المفكِّر في المجتمع والحياة

دور المفكِّر في المجتمعات ـ ورجال الدين بالخصوص في المجتمع الديني ـ يتضح هنا، فدور المفكرين تأمين الاحتياجات الثانوية، وهم من ينتج الفكر والفن والنقد والرأي؛ ولذلك فإن طريقهم منفصل عن الحكومة التي توفر الاحتياجات الأولية، وليس بالضرورة أن يكونا متناقضين. بالطبع الحكومة تستفيد من المفكرين، وبالتالي لا مناص من أن يكون لها أساس فكري، ولكن في الأصل والأساس هي جهاز خادم وبيروقراطي له سند من طبقات المجتمع، ويجب أن يتداخل ذلك مع المهام الفكرية التي ليس لها منافع طبقية. ولا بأس من الاستفادة في هذا المقام من ذلك الحديث المعروف: <إذا رأيت العلماء على أبواب الأمراء فبئس العلماء وبئس الأمراء>. إذاً يجب حفظ استقلال كلا الجانبين، فالحكومة يجب أن لا تهيمن على المفكِّر، وتجعله موظَّفاً لديها، وعند ذلك يصبح الفكر المدعوم بالسلطة فكراً ممسوخاً ومعوجّاً. إن استقلال الأمراء عن العلماء لا يرتبط بالحكومات الجائرة، بل إن طبيعة الفكر والتفكر يقتضي الاستقلال عن السلطة، وإن سلامة وصحة الاحتياجات الثانوية لا تتحقق إلا بهذا الاستقلال. إن السلطة الثقافية للمجتمع يجب أن تبقى مستقلة عن السلطة السياسية، وعند الضرورة تعمل على تقويم السلطة السياسية، وبالإضافة إلى ذلك يضمن وعي الأمة وهمتها المعنوية العالية، ومفكر السلطة ليس مفكراً.

المقالة X.                  10 ـ الدين بين الدنيا المذمومة والدنيا المنشودة

لقد أسلفنا الحديث عن إعمار الدنيا، ولأجل إكمال وختم الحديث أود الإشارة إلى هذه النقطة حول المعارف الدينية التي يكثر فيها ذم الدنيا. لقد أفرط المتصوِّفة في ذم الدنيا إلى درجة أنهم رجَّحوا الدنيا التي يعمها الخراب على الدنيا التي يعمها العمران، والموت على الحياة. وبالطبع إن مثل هذا التفكر لا يتفق مع أية حكومة، ولهذا لم ينبت علم ولا سياسة على تربة المتصوفة. ولابد من فهم معنى (الدنيا المذمومة). ذم الدنيا في ظني ـ كما جاء في الروايات ـ له معنيان: الأول: الابتلاء بآفة الفقر؛ والآخر: الابتلاء بآفة القوة. وترك الدنيا بهذا المعنى أن يتحرر من أسر الدنيا، بمعنى التخلص من الفقر أو الثروة؛ فإن الذي يصبح ـ بسبب أو بآخر ـ أسيراً للدنيا والحياة لا يمكن له بلوغ المعنى. والإسارة للحياة لها معنيان: الأول: أن يصبح مفتوناً بالدنيا وعدم القدرة على النظر إلى الغيب؛ والآخر: الحرمان من الدنيا، والاثنان مخلان بالتديُّن، فكما يحرم الفقر تحليق الروح كذلك يفعل البطر والترف، ولذلك لابد من وضع حدٍّ لذلك. إن المهمة الصعبة للحكومات الدينية هو في التوفيق بين جعل بيئة المجتمع ملائمة لتحليق الروح، وبين إصلاح أوضاع المجتمع بشكل لا يضر بالروح، ولا يتسبب في اعوجاجها. إن ظلم الفقر لا يقل عن الظلم الناشئ عن الغنى والترف، فكلاهما مثير للسخط والسقوط، ولا يمكن تحمل أي منهما لأجل الدين. وكذلك هو استشراء بعض الذنوب المخلة بالتوجه إلى الله، والتي يجب أن يتخلص المجتمع منها؛ لينال خفة الروح (العروج) المطلوبة.

المقالة XI.                خلاصة ونتيجة

النقطة الأولى: للحكومة جانبين: قيمي؛ وإداري، والذي له جانب علمي وعقلي، وليس له جانب ديني أو غير ديني. ويمكن أن يكون للجانب القيمي جانب ديني وغير ديني، وإن كان أصل بعض القيم، مثل: العدل، غير ديني، لكنّه يعد من الأصول الحقة في الدين. وإذا ما أرجعت القيم للمصالح الاجتماعية، وأصبح اعتبارها وقيمتها هو في حفظ توازن المجتمع وبقائه لا ينظر لها بالقيمة الأخلاقية، وإنما مادة للدراسة من قبل علماء الاجتماع والاقتصاد.

النقطة الثانية: لقد تم طرح سؤالين مهمين حول الحكومة:

أ) الحكومة حق من؟

ب) ما هو الأسلوب الملائم للحكم؟

وقد أسلفنا الحديث عن الأسلوب الذي يرجع للجانب الإداري، والذي له جانب علمي وتجريبي وعقلي، ولابد من الاستفادة من حصيلة تجارب الآخرين، كما قال الإمام علي×: <العقل حفظ التجارب>. وأما حق الحكم فيمكن تحقيقه من مصدرين: الله؛ والناس، إلا أن حق الحكومة لا يمكن أن يكون إلهياً خالصاً؛ لأنه في معرض نقد السلطة ومراقبتها لابد للناس ـ وبشكل مستقل، ودون إذن أحد الذين يظنون أن الحكومة هي منصب إلهي ـ من نقد أهل السلطة، والعمل على الحد من تسلطهم. وإذا ما أصبح النقد بحاجة لإذن أهل السلطة فإنه سيفقد وجوده الخارجي، وبالتالي فإن الإشراف على السلطة هو من حق الناس، وهو حق مسبق، ودون إذن أو وساطة أية قوة أو مصدر. وقد يقال: إن الإشراف والرقابة على السلطة يجب أن تتم من خارجها، وإن الإشراف والرقابة أحد الأساليب الصحيحة في الحكومة؛ ويذهب آخرون إلى الاكتفاء بالعدالة الداخلية، وأنها كفيلة بحفظ عدالة الحاكم والحكومة، ولا يعتبرون أي دليل لمشروعية وحق الرقابة الخارجية. ويتضح من هذا أن حق الحاكم وطريقة الحكم لا يمكن الفصل بينهما، وعلى حسب أسلوب الحكم يختلف دور الناس في عزل أو نصب الحاكم. الديمقراطية التي هي شكل من أشكال الحكومة، والتي تضمن حق الناس في الإشراف على الحكام، وتعتبره حقاً إنسانياً لا دينياً، تعتبر هذا الإشراف واجباً وضرورياً لتصحيح عمل الحكام. وعليه يتضح أن الديمقراطية تستند إلى ركنين مهمين، وهما: حق الحكم؛ وأسلوب الحكم، ولا يمكن فصلهما، وأي تغيير في أحدهما يتأثر به الآخر؛ لذلك لا يمكن الجمع بين المنهج الديمقراطي للحكومة مع الحق المسبق للحكام ومشروعيتهم على جميع الأجهزة الحاكمة، وعدم الاعتراف بالحقوق للناس، وبناء حكومة دينية ديمقراطية. إن هذا الأمر بحاجة إلى تأمل وإعادة نظر في ركني الحكومة الدينية: حق الحكم؛ وأسلوب الحكم.

النقطة الثالثة: الشرط اللازم للحكومة الدينية هو تدين الناس.

النقطة الرابعة: إذا كانت نشأة الحكومة الدينية قائمة على الدين والتدين لحفظ وجودها فلابد أن تحفظ الدين، وأن لا تعمل على هدم نفسها، ولذلك فالجانب الجبري في الحكومة المؤسسة على الدين هو التعهد بوظيفة حفظ الدين.

النقطة الخامسة: يقسم الدين إلى فرعين رئيسين: الإيمان والعقيدة؛ والعمل الأخلاقي والفقهي، ولذلك فإن حفظ الدين يعني حفظ هذين الفرعين. وإذا مالت الكفة في تعريف الدين إلى العمل يصبح عمل الحكومة الدينية حفظ أعمال الناس وتعليم أخلاق لهم ومراقبتهم في عدم ارتكاب الذنوب، وعند ذلك تؤسَّس حكومة فقهية، التي تعتبر مهمتها الأساسية ومهمة الناس هو التكليف، وإجراء الأحكام، وينحصر منظورها الديني في هذا الإطار. وأما إذا اعتبرنا تدين الفرد والمجتمع مرتبطاً بالدرجة الأولى بالإيمان، والإيمان أمر اختياري، ولا يمكن إكراه أحد عليه، فعند ذلك يصبح حفظ الدين مرتبطاً بحفظ الإيمان، أي إن الحكومة ملزمة بجعل البيئة بيئة للدعوة والاختيار. إذاً التعريفان للدين والمجتمع الديني يفضيان إلى نوعين من الحكومة الدينية الحافظة للدين: إذا كان الدين الحقيقي يعادل الإيمان الواقعي الطوعي يصبح المجتمع متديناً؛ لإمكانية اختيار الدين، وتعتبر الحكومة الدينية هي التي تحفظ في المجتمع هذا الاختيار، أي حراسة انتخاب الإيمان الطوعي وتجربة تذوق الإيمان؛ وأما إذا كان التدين يعادل العمل بالأحكام، وتدين المجتمع يعرف من خلال الأحكام الفقهية، فعند ذلك تكون الحكومة الدينية مبنية على أساس التكليف الفقهي، وحافظة للصورة الفقهية للمجتمع؛ وإذا اعتبرنا الدين مساوياً للجمع بين الإيمان والعمل فلابد من تحديد أنّ الأولوية للعمل أو للإيمان؟

وبشكل عام الحكومة الدينية تنشأ من مفهوم التدين وحفظ التدين، وكل الحديث في معنى التعريف الحقيقي للدين. والحكومة هي أعم من كونها فقهية أو غير فقهية، وهي في النهاية منحصرة في حكم الأجساد.

وبالإضافة إلى ذلك في الحكومة الفقهية:

أولاً: الفقه يقوم بوضع التعليمات الحقوقية لا التخطيط.

ثانياً: في حقل الحقوق الفقه حكم لا مصدر، أي لا يستطيع أن يحصل على جميع القواعد اللازمة من الخارج، وتكون تلك القواعد منسجمة مع الفقه.

النقطة السادسة: إن الفقه من رأسه إلى قدمه علم دنيوي؛ لأنه كفيل ببيان صحة أو فساد العمل الظاهري، وثانياً: فيه الكثير من الحيل، وهو شأن أي نظام بشري حقوقي، ولذلك فإن الحكومة الفقهية هي دنيوية كاملة، ولا يمكن بحجة ضمان الآخرة غض الطرف عن المشاكل الدنيوية؛ لأنه لم يصمم للدنيا فحسب، وعند عجزه في الدنيا فالنتيجة الأولية أنّه عاجز عن العمل في الآخرة.

النقطة السابعة: الحكومات تلبي الاحتياجات الأولية للناس، حتى يتمكن الناس من الوصول للاحتياجات اللطيفة والمعنوية، ولا يصبح طلب الخبز والسكن واللباس والدواء عائقاً. والدين من الحاجات اللطيفة لروح الإنسان؛ ولذلك فإن الحكومة الدينية هي تلك الحكومة التي تضمن دنيا المؤمنين؛ لكي يتفرغوا لممارسة الدين، أي ليتمنكوا من التأمل في أسرار الخلق والفهم الأفضل لله، والاستعداد للمعاد، وتحقيق القيم الأخلاقية العالية، كالإيثار، والإحسان. إن الناس المبتلين بطلب الخبز إِلاهُهم هو الذي يجلب الخبز والماء، وشتان بين هذا ورب العارفين والأنبياء. إذاً المهمة الأصلية للحكومة الدينية هو إزالة الأغلال من الروح لكي تحلق؛ وذلك بتلبية حصة الجسم، حتى لا يزاحم الروح. وبعبارة أخرى: إعمار نهار المتدينين حتى يتمكنوا من التهجد في الليل، وليس التهجد في الليل حتى يكونوا في النهار طلاب الرزق، والتجار معلمون طيبون.

النقطة الثامنة: إن التدخل الأصلي والأوّلي للحكومة هو في تأمين الاحتياجات الأولية للناس؛ ليتمكنوا من طلب الاحتياجات الثانوية (العلم، الفن، والدين…)، بحماس والسعي في تحقيقها. ومن هنا تبدأ الطرق بالافتراق؛ فمنهم من يرى أن الاحتياجات الثانوية لا تتحقق إلا من خلال الاحتياجات الأولية (النظرية التي تذهب إلى تأسيس البناء على الأساس….)؛ وآخرون ذهبوا إلى استقلال الاحتياجات الأولية عن الاحتياجات الثانوية. الفرقة الأولى سوف تكون ذات منحى شمولي، والفرقة الثانية ذات منحى غير شمولي. إن المجتمع الذي تحدد فيه الحكومة مصير الفن والعلم، وحتى الناس، لا وجود للديمقراطية فيه. إن الديمقراطية تؤسَّس على الاستقلال الذاتي للاحتياجات الثانوية عن الاحتياجات الأولية.

إن الحكومة الدينية ليست تلك التي منهجها الإداري ديني؛ لأن المنهج الإداري لا يمكن أن يكون دينياً. الحكومة الدينية ليست تلك التي تطبق الأحكام الفقهية؛ لأن العمل المجرد ليس ملاكاً للتدين. الحكومة الدينية ليست تلك التي تعتبر وجودها تكليفاً للمؤمنين، وحقاً شرعياً للحكام، وإنما يجب أيضاً أن تقوم الحكومة أيضاً على الحق غير الديني للناس. الحكومة الدينية ليست تلك التي تفرض الإيمان بالقوة في القلوب؛ لأنّه لا إكراه في الدين. الحكومة الدينية لا تختلف في جوهرها عن الحكومات الأخرى؛ لأن جوهر الحكومات واحد. الحكومة الدينية لا تترك احتياجات جسم المؤمنين وتهتم بروحهم؛ لأن سلامة الروح مرتبطة ومسبوقة بسلامة الجسم. الحكومة الدينية لا تقود الناس إلى الجنة بالقوة؛ لأن الذهاب للجنة مرتبط بنية ورغبة الإيمان الباطني للناس. إذاً الحكومة الدينية لابد أن تكون مشتقة من الحق غير الديني أو التكليف غير الحكومي للمؤمنين لإدارة ونقد السلطة. ومهمة الحكومة الأولى تأمين الاحتياجات الأولية للناس (بالأساليب العقلية والتجريبية)؛ ليتخلصوا من الضائقة المالية، ويتفرغوا للقيم والاحتياجات المعنوية واللطيفة، ومن ثَمّ البلوغ الحر للإيمان، وبالتالي جعل المحيط الاجتماعي ساحة للدعوة للدين، وبيئة للاختيار الحر للإيمان.

الهوامش

(*) مفكر إيراني معروف، وأشهر منظِّري الإصلاح الديني في إيران، طرح سلسلة من النظريات المعرفية منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي، منها: نظرية القبض والبسط، وبسط التجربة النبوية، والتعددية الدينية و…، وقد أثارت نظرياته جدلاً واسعاً.

([1]) جلال الدين الرومي، المثنوي، الكتاب الثاني، الأبيات 236 و183.

([2]) يشير إلى دستور الجمهورية الإسلامية في إيران.

([3]) من أشعار مولانا جلال الدين الرومي في المثنوي، الكتاب الثاني، البيت 1394.

([4]) هذا هو الحد الأدنى من خواص الزكاة وآثار الزكاة والتي تذهب بهذه الحيلة الفقهية. وإذا اعتبرنا الزكاة ضريبة حكومية مائة بالمائة، ولا نرتب عليها أي أثر أخلاقي، فالحكم على دنيوية الزكاة يصبح أوضح وأعمق.

([5]) تمت الإشارة سابقاً وبشكل أكثر تفصيلاً إلى الحد الأدنى للفقه، واختلاف الأحكام الفقهية عن البرامج العملية. انظر إلى (خدمات الدين وحسناته)، وأيضاً (ما كان باسم بازرگان لا بصفته) في مجلة كيان، في العددين 23 و26.

([6]) المثنوي، الكتاب الرابع، الأبيات 1191 و1189.

([7]) المثنوي، الكتاب الأول، البيت 1768.