الدين في عصر الفردانيّة واللامنطقيّة

2 فبراير 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
78 زيارة

الدين في عصر الفردانيّة واللامنطقيّة

حيدر حبّ الله(*)

الغوص في الذات والأنا، أسبابٌ ومبرّرات

يشعر الكثيرون اليوم باندفاع الإنسان نحو ميوله الباطنيّة وذاتيّاته ورغباته، وينظر الإيمان الديني إلى هذه الظاهرة الآخذة في الاتساع بالكثير من القلق؛ لأنّه يعتبر أنّ الذاتيّة الدنيويّة تقف على النقيض من الإيمان بالمتعالي.

والسؤال الأوّل الذي يواجهنا ونحن ندرس هذه الظاهرة: لماذا اتّجه الإنسان أكثر فأكثر نحو ذاته الداخليّة، مبتعداً عن المعايير الخارجيّة، بما فيها معيار أعلى يسمّى بـ (الله)؟ ولماذا بات يلجأ إلى خلق كلّ شيء من ذاته الفرديّة، وجعلها محور كلّ شيء، ورفض أن تصبح هذه الذات تابعةً لأحد، أو لمعايير خارجة عنها، مهما كانت، سواء كانت هي الأسرة أم المجتمع أم الدين أم غير ذلك؟

ثمّة أسبابٌ عديدة لذلك، يمكننا أن نطلّ على بعضها:

إحساس الإنسان عبر التجربة التاريخيّة أنّه تعرَّض لظلمٍ باسم المعايير الخارجيّة الموضوعيّة. فالظلم باسم الله أو الأيديولوجيا أو القضايا الشريفة المطلقة كان أكبر ممّا يمكن للفرد الإنساني أن يتحمّله عبر تاريخ القرون الماضيّة، لهذا بدأ الشعور بالرغبة في الانتماء إلى محورٍ آخر، يمكنه أن يحرِّر الإنسان ويخلِّصه من هذا الظلم، فلم يجِدْ سوى ذاته ملجأً يثق به، ويطمئنّ إليه. وبهذا نفسِّر هروبه من الخارج إلى الداخل.

انهيار عناصر الاتصال بين الذات الداخليّة الفرديّة والموضوع أو المحيط الخارجي. هذا الانهيار له قصّةٌ طويلة في تاريخ الفلسفة والعلوم. فمنذ عصر النهضة بدأت العلاقة بين الذات والخارج (الموضوع ـ المحيط) تتدهور، وازداد الشكّ بإمكانيّة بناء علاقة موثوقة من هذا النوع. لقد كانت المفاجآت في مجال المعرفة والعلوم كبيرة، دفعت الإنسان للشكّ في أن يكون لديه طريقٌ لمعرفة الواقع الخارجي، وبناء علاقة معه. فكلّ تاريخ هذه المعرفة تعرّض هذه المرّة لهزّةٍ عنيفة.

لقد حاول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت(1650م) أن يرمِّم الانهيار النفسي الذي حصل نتيحة تلاشي ما كان يُعتبر حقائق عن العالم الخارجي مع طبيعيّات أرسطو وفلكيّات بطلميوس. لكنّ معاول ديفيد هيوم(1776م)، ثمّ عمانوئيل كانط(1804م)، وصولاً إلى ما بعد الحداثة، أفقدت الإنسان الثقة بأنّ لديه سبيلاً يمكنه أن يربطه بالخارج المحيط، فلم يعُدْ يملك علاقةً وطيدة سوى بذاته. وهذه المرّة تعني الذات تلك الذات الفرديّة الخالصة فحَسْب، فالإنسان الكلّي الذي كان يتحدَّث عنه هيجل(1831م) بدأ بالتلاشي لصالح الإنسان الفرد؛ فالأنظمة الفلسفيّة الكلِّية تغيِّب الأفراد. وبقوّة نفوذ المدرسة الوجوديّة (Existentialism) في الغرب زاد الاعتقاد بأنّ الإنسان الفرد هو مَنْ يمكنه أن يصنع وجوده وهويّته باختياره.. هذه الرغبة الوجوديّة بالاختيار هي رغبةٌ مقابل القوانين الصارمة للاجتماع والسياسة والدين والأيديولوجيا، والتي تعيد تشكيل الإنسان بواسطة مقاييس خارجة عنه، بوصفه فرداً يتلقّاها صيغاً ناجزة، وأنّ عليه أن يتماهى معها. فالدين يتحدّث عن الإنسان الكامل الذي علينا أن نقترب من تمثُّله في الحياة، بينما الوجوديّة والليبراليّة هذه المرّة تلغي التنميط، وترفض الأنماط، وتبطل الصور الأنموذجيّة، وتدعو لاحترام تغاير الأفراد، وإنهاء عصر استنساخ النوع في الأفراد، كما يقول المفكِّر الليبرالي أشعيا برلين(1997م).

وبظهور الفلسفة النفعيّة الذرائعيّة الأداتيّة البراغماتيّة في بدايات القرن العشرين، حصل تحوُّل مهمّ، فهذه الفلسفة التي طرحها وليام جيمس(1910م) وجون ديوي(1952م) صارت ترى أنّ الفكر منذ عصر اليونان قد أضاع وقته بتتبُّع حقائق الأشياء، فيما الفلسفة الحقيقيّة هي التي تجعل الإنسان يتّخذ معرفته وسيلةً لتحقيق غايات يصل إليها عمليّاً. فالمعرفة أداة ووسيلة، وليست غاية، إنّما غايتها العمل والتجربة. فالفلسفة الذرائعيّة فلسفةٌ عمليّة تهدف إلى توظيف الدرس الفلسفي والعلمي في الحياة العمليّة، وإخراجهما من أُفق التنظير المتعالي. وهي بهذا تجعل كلّ المعلومات والأفكار والنظريات مجرَّد خطط عمل للوصول إلى نتائج ملموسة في الحياة. ولهذا السبب لا يهتمّ الذرائعيون البراغماتيّون لمدى كشف المعلومات أو الفكر عن الواقع، بل يهتمّون لقدرة الأفكار على خدمة الإنسان عمليّاً، سواء كانت مصيبة للواقع أم لا.

وبهذا صار العلم الذي فقدنا الثقة بقدرته على كشف الواقع مجرَّد وسيلة لخدمة الذات؛ فإذا خدمها فهو صحيحٌ؛ وإلاّ فلا قيمة له؛ لأنّه لا يمكنه أن يعرِّفنا الواقعَ بشكلٍ موثوق.

وحتّى أولئك الوجوديّين الإيمانيّين، وعلى رأسهم سورين كيركجارد (1855م)، أطلقوا الإيمان القائم على المخاطرة النفسيّة. لقد برهن كيركجارد على ضرورة بداية رحلة الإيمان من الذات، لتنتهي بالذات، عبر نقضه في براهينه الثلاثة المعروفة جدوائيّة الاعتماد على العلوم في إثبات الحقيقة المطلقة، ولا سيَّما التاريخ، الذي يملك مكانةً رفيعة في الأديان الإبراهيميّة. وهذه الحقيقة المطلقة هي الله أو النبوّة أو الصليب والفداء. ولهذا فضَّل أن يجعل الإيمان ساحةً أعلى من الأخلاق والقانون والقِيَم والحسّانية المؤمنة باللذّة، إنّها ساحة قفزة معنويّة روحية يتَّخذها الإنسان في أعماقه بقرارٍ شخصيّ منه، لا بضغط المنطق الذي تقدِّمه له الفلسفة والعلوم؛ فهذه العلوم قد أفقدت كيركجارد إمكان إثبات الأديان التاريخيّة.

إذن نحن هنا أمام فقدان ثقة بالعلم والمعرفة والفلسفة والميتافيزيقا، لصالح الثقة بالذات والمنفعة والمصلحة العمليّة. فالعلم له أُبَّهته اليوم؛ لأنّه يحقِّق مصالح الفرد، تلك المصالح التي تجعله يحيا سعيداً بالمفهوم الخاصّ للسعادة هذه المرّة، وهي السعادة المبنيّة على اللذّة، أو ما يُعْرَف بأخلاق اللذّة.

وقائع الحربين العالميّتين في القرن العشرين، وما أفرزتاه من شعور الإنسان بالفراغ المطلق، وانهيار كلّ الجدران التي كان يمكنه أن يحتمي بها أو يلجأ إليها. إنّ انشغال الإنسان بعد الحربين بنفسه؛ للخلاص من الجحيم الذي نزل به، عزَّز عنده أكثر فأكثر اقترابه من ذاته. لقد تداول اللاهوت اليهودي بعد الحرب العالميّة الثانية سؤال: أين هو الله الذي أخرجنا مع موسى عبر البحر؟ لو كان موجوداً بالفعل لفعل شيئاً لنا في هذا الزمان؟ كان وَقْعُ هذا السؤال على العقل الديني اليهودي والمسيحي معاً كبيراً جدّاً، لقد تحوَّل الله إلى صورةٍ جامدة غير متعاطفة مع الإنسان، وهو يراه مسفوك الدم متهاوياً في لعنةٍ أبديّة.

حتّى الله صار غير موثوق به؛ لأنّ خدماته مع البشر لم تمكِّنهم من تسكين آلامهم، بل غدا جافّاً في علاقاته معهم. ولهذا ازداد شعور الإنسان الفرد بأنّه ليس له في هذا العالم إلاّ ذاته الخاصّة، وأنّه لا يرجو أن يعينه أحدٌ في تسكين آلام هذه الذات إلاّ نفسه. فهذه الذات المتألّمة بات من حقِّها أن تنطلق وتتحرَّر من كلّ قيود المحيط، لتعبِّر عن نفسها بأيّ وسيلةٍ ممكنة. فكلّ تلك القيود والاعتبارات الدينية والاجتماعيّة والعرقية والقوميّة لم تجرّ على هذه الذات سوى الآلام، فعليها إزالة الألم بالانطلاق نحو تحقيق كلّ رغبةٍ، ليبدأ عصر الإحساس والعاطفة واللذّة والهوى والأنا الفرديّة المختارة في تشكيل ذاتها، وحتى هويّتها الجندريّة. وكأنّي بالإنسان شعر بأنّه يحتاج لفترة راحةٍ واستجمام تحرِّره من كلّ التزاماته.

لا أريد الآن أن أتكلَّم عن هل أنّ الدين ـ بوجوده التاريخي ـ كان سبباً في جرّ الإنسان نحو الفرار إلى داخل ذاته وملذّاته، أو أنّ ما أوصل الإنسان الحديث إلى ذلك هو بعض قِيَم عصر الأنوار والحداثة نفسها، وتنامي الداروينيّة الاجتماعيّة، التي يعتبر بعضهم أنّ لها دَوْراً عميقاً في الحرب العالميّة الثانية، ولو بمساعدة أفكار مثل: الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه(1900م)، بتركيزها على أخلاق السادة وأخلاق العبيد، وعلى الجنس الأفضل الذي يلزمه البقاء؛ لأنّه الأقوى وفقاً لقانون تنازع البقاء واختيار الأصلح.

خيارات الدين في مواجهة الواقع/المشكلة

إنّ البحث عمّا هو السبب في وصول الإنسان إلى هذه المرحلة هو بحثٌ تاريخي نفسي اجتماعي معمّق. وهو ـ رغم ضرورته ـ يخوض في الأسباب، فيبتعد عن العلاجات شيئاً ما. لكنْ ما أريد أن أسلِّط الضوء عليه هنا هو: كيف يمكن للدين اليوم أن يساهم في حلّ هذه المشكلة القائمة، ويرفع سوء التفاهم؟ ومن الطبيعي أنّني أفترضها مشكلةً، رغم أنّني لم أقُمْ بالبرهنة على ذلك، لكنّني سأعتبر هذا الأمر حالياً أصلاً موضوعاً مفروضاً؛ لأبني على الشيء مقتضاه.

في هذا الزمان، وضمن هذا السياق، يجب أن نعرف أنّ كل دينٍ يقدّم على شكل قوانين أو معايير خارجيّة صارمة تفرض ذاتها على الإنسان؛ ليشكّل هويّته من خلالها.. وكلّ دين يقدّم على أنّه سلطة مخارجة للذات الفرديّة، فهو على خصامٍ ـ شئنا أم أبينا، ومهما كان السبب، وعلى مَنْ تقع المسؤوليّة ـ مع الإنسان المعاصر في نزعته الفرديّة الرغبويّة. هذه في تقديري حقيقةٌ موضوعيّة قائمة، سواء أحببناها أم لا. ومن ثَمَّ لكي يلعب الدين دَوْراً اليوم يُفتَرَض تغييرُ قواعد اللعبة.

كثيرون اليوم يتكلَّمون عن استحالة الدين في العصر الحديث. فالله قد اختفى وذهبت شمسه خلف السحاب، على حدّ تعبير الفيلسوف الديني مارتين بوبر(1965م). ونحن نعيش اليوم في مدار الإنسان بعد قرون من العيش في مدار الله. فهل يمكن تخطّي الدين في هذا العصر لسؤال الإمكان في ظلّ هذا الوضع؟

لستُ أريد هنا أن أفكِّر ذرائعياً وبراغماتياً؛ فلست أريد أن أطوِّع الدين بالطريقة التي أتمكَّن من خلالها من الحفاظ عليه؛ فهناك صراعٌ طويل بين ثنائية القوّة والبقاء من جهةٍ والخلوص والصفاء من جهةٍ أخرى. فكثيراً ما نذهب نحو الحفاظ على قوّة الدين وبقائه على حساب خلوصه وصفائه؛ وفي المقابل كثيراً ما نضحّي ببقاء الدين وقوّته في الحياة؛ حمايةً لصفائه وعدم تغييره بفعل ضغط الواقع. هذا الصراع بين البقاء والصفاء ليس سهلاً على أيّ باحثٍ اليوم، وخاصّة في الغرب. لكنّني سأحاول أن أفكِّر بعيداً عن ضغط هذه الثنائيّة، آملاً أن أوفَّق لذلك بعونٍ منه سبحانه.

كيف يتمّ تحريف رسالة الدين؟

سأقتصر هنا على نقطةٍ من نقاط الحلّ في ظنّي المتواضع؛ نظراً لما يسمح به المجال. وسأشرع من مقولةٍ يذهب إليها الكثير من الباحثين في مجال تاريخ الأديان. فالأديان تتعرّض للتحريف ليس عبر حذف بعض مفاهيمها منها، أو إقحام مفاهيم غريبة عنها فيها بالضرورة، بل أحياناً أنت لا تقوم بإقحام أيّ مفهومٍ جديد، ولا تُحْدِث أيّ نقصٍ، بل التحريف ـ وهو الأخطر في تقديري ـ يقع عبر تغيير موقع الأحجار الصغيرة التي يتشكَّل منها الدين. فلو كان عندي لوحةٌ فنيّة فسيفسائيّة رائعة، صُنِعَت من أحجارها الصغيرة، فإنّ تحريف صورة اللوحة لا يكون بالضرورة عبر إخراج بعض أحجارها الصغيرة، والإتيان بأحجار أخرى، بل يكون عبر تغيير موضع بعض الأحجار نفسها… إنّ الصورة سوف تتعرَّض للتهشيم نتيجة ذلك.

عندما تتعرَّض الأديان لمثل ذلك فهذا ما نسمِّيه: إعادة مَوْضَعَة القضايا الدينيّة، ومن ثمّ إعادة رسم الأولويّات، وتغيير شكل الهرم. فالمسألة البسيطة في الدين، والتي تمثِّل فرعاً لغصنٍ فيه تتحوَّل إلى جَذْرٍ من جذوره، وأصلٍ من أصوله، وبالعكس تماماً، تتحوَّل أكبر وأهمّ جذوره إلى قضايا فرعية مهمَّشة، أو تُساوى بغيرها. إنّ هذه العمليّة تصنع ديناً جديداً بمعنى من المعاني، أو تكون بنفسها سبباً في ولادة مذاهب متعدِّدة داخل الدين الواحد.

مداخل لمعالجات أوّلية

بناءً على ذلك، أعتقد ـ وأنا أتكلَّم حالياً عن الإسلام بصفةٍ خاصّة ـ أنّ بعض الخطوات يمكن أن تساعدنا في إدارة الوضع القائم. ولستُ ممَّنْ يدَّعي أنّ هناك حلولاً نهائيّة لمشكلاتٍ عميقة من هذا النوع، بل هي محاولاتٌ لإدارة المشكلة على الأقلّ.

تقوم فكرتي المتواضعة على:

أـ مَوْضَعَة العبادة بين الجوهر والصورة، وتأثير ذلك على الخطاب والتعليم الديني

إعادة موضعة العبادة ضمن ثنائيّة الجوهر والصورة، وأعني بذلك أنّ الجوهر العبادي في الدين هو ذلك الارتباط الروحي الحقيقي بالله، لكنّه ليس ارتباطاً اعتباريّاً، كأنْ أصلّي وأقصد القربة لله، أو أعتبر أنّ صلاتي هي لله، كما يفعل شخصٌ عاديّ مثلي على سبيل المثال، بل الارتباط الروحي هو ما كان الوجوديّون الإيمانيّون يسمّونه بالعلاقة المكوّنة لهويّةٍ. وعلى سبيل المثال: إنّ العلاقة بين الأمّ وولدها ليست مجرّد اعتبار أو مفهوم تستحضره الأمّ عندما تريد الاهتمام بأولادها، بل هو جزءٌ مكوِّن لهويّتها. فقبل الأمومة هي شيءٌ، وبعدها هي شيءٌ آخر؛ لأنّ طرفاً أساسيّاً دخل في كيانها، وهو الولد، ودخوله سبَّب إعادة تكوُّن حياتها الروحيّة والنفسيّة وكلّ شيء فيها، فكأنّها وُلدت بولادةٍ جديدة..

إنّ دخول الله على خطّ العبادة، بوصفه طرفاً في العلاقة العباديّة، التي تعيد تكوين هويّة الإنسان وولادته، يختلف كثيراً عن دخوله الافتراضي عند ممارسة العبادة.

إذا لم تتحوَّل العلاقات العباديّة إلى هذا النوع الروحيّ العميق فهذا يعني أنّنا أمام المشكلة الطقوسيّة. والإنسان الحديث لا يحبّ الطقوس التي تحوِّل حياته إلى صورةٍ نمطيّة مُسْقَطة، وليست نابعةً من ذاته. ولا أعني بذلك صيرورة كلّ الناس عرفاء، فقد تحدَّث الأخلاقيّون المسلمون عن صعوبة حضور القلب في تمام أفعال الصلاة، حتّى أنّ بعضهم جعل حضوره في تكبيرة الإحرام واجباً، وأسقط وجوبه عن غير ذلك، بل أعني أنّ الخطاب والتعليم والتوجيه والتبليغ واللغة الدينيّة في قضايا العبادات والصِّلات القربيّة بالمقدَّس يجب أن يصبح خطاباً علائقيّاً روحيّاً، فيما يكون الشكل الظاهري للعبادة مفهوماً تابعاً. وهذا يعني تقدُّم روح العبادة على شكلها. وفي المساجد لا تصبح الأولويّة لفقه العبادات، بل لعيش العبادات، وبهذا لا نحوِّل الجوهر إلى صورةٍ.

وفي مقابل ذلك، يحدث تضخيمٌ سلبيّ آخر، وهو الذهاب نحو الجوهر ونسيان الصورة. وهذه هي بعض النزعات الصوفية الانعزاليّة، التي غيَّبت الشريعة لصالح الطريقة، ولم تدرك أنّ المساهمة في تنظيم شؤون الاجتماع البشري تنظيماً أخلاقيّاً هو مقصدٌ من مقاصد الدين، وأنّ البشر ليسوا على مستوىً واحد من الأداء الروحي. لهذا فهم يحتاجون إلى بيئةٍ اجتماعيّة حاضنة لنموّ الحياة الروحيّة فيها، والطقوس في وجودها الأصليّ تمثِّل هذه البيئة الحاضنة.

ومن خلال هذا كلِّه نتفادى تحويل الجوهر إلى صورةٍ، والصورة إلى جوهرٍ، ونتفادى التضحية بهما أو بأحدهما. لكنّنا نميِّز بين الوسائل والمقاصد، وندرك أنّ الصورة الطقوسيّة للعبادات هي وسائل وضعها الدين للوصول إلى مقاصد، وأنّ المقاصد هي المطلوب الأصلي، دون أن يعني ذلك إمكان التخلّي عن الوسائل؛ إذ قد تكشف الشريعة أحياناً عن حصريّة الوسيلة المُفْضِية إلى المقصد.

هذا ما يُنتج لنا أنّ الفقه وعلوم الشريعة لم يَعُدْ يمكن تقديمهما بمعزلٍ عن التربية الروحيّة، والعكس صحيح. وإنّ ما نعيش الكثيرَ منه اليوم من فصل الشريعة عن الروح هو الذي يفضي إلى حصر الشريعة بمخاطبة الجَسَد، وتنظيم مادّيات الحياة. وهذا ما يتطلَّب إعادة تكوين العلاقة بين الأخلاق والفقه. فعلاقة الجفاء أو التجاهل النسبيّ القائمة بين الطرفين غير مفهومة.

وبناءً عليه إذا تحوَّلت العبادة في الدين إلى مفهومٍ روحيّ عميق، يستجيب لحاجات الإنسان الباطنيّة، ولتفريغ كلّ طاقاته السلبيّة بالجلوس بين يدي الله سبحانه، دون أن نهدر قيمتها الصوريّة التي يكفلها لنا الشرع الحنيف، فنحن بذلك نقدِّم صورة طقوسيّة إيمانيّة للدين أكثر قدرةً على النفوذ في حياة الفرد المعاصر.. إنّ هذه العبادة تسكِّن الآلام، وتفتح علاقةً حُبِّية مع الله سبحانه، وتستجيب لحاجات الفرد بالعشق؛ لأنّ العشق هو روح الحياة، وبدل أن يظلّ العشق إنسانيّاً ـ ولا مانع من الحبّ بين أفراد البشر أبداً، بل هو مطلوبٌ ـ هاهو الآن يدخل في علاقة بين الإنسان والوجود كلّه (الله).

هذا الحبّ المطلق هو الذي يصنع المعجزات. إنّه هو الذي يفسِّر لنا التضحيات التي تفوق الخيال، والتي صنعها الأنبياء والأولياء والقدّيسون والشهداء عبر التاريخ، وهو الذي يجعل الفرد يحسّ باللذّة في موقع آلامه الجسديّة ومعاناته الدنيويّة. لقد تغيّرت قواعد اللذّة هنا، فتسامت وحقَّقت استجابةً أكبر للفرد نفسه.

إنّ العقل قد لا يمكنه أحياناً هنا أن يفهم سلوك العاشقين، الذي قد يبدو له جنونيّاً؛ لكنّ العشق الذي يطلبه الإنسان الحديث اليوم؛ لأنّه يخلق فيه سكرةً ونشوةً، هذا الحبّ يتجلّى بأعلى صوره في محبّة الله سبحانه. لكنّ المؤسف أنّ بعضَ تربيتنا الدينيّة وبعضاً من خطابنا الديني لا يقوم على الحبّ لله سبحانه، بل على طاعته بوصفه أباً كبيراً آمراً.

لستُ أريد أن أتجاهل مكوّنات الصفات الإلهية من الجلال والجمال معاً، بقدر ما أريد عدم تجاهل صفات الجمال الإلهيّة، وعدم تجاهل العلاقة الحُبِّية مع الله سبحانه.

الدين والاغتراب، نحو إنتاج مفهوم الطاعة الحُبِّية

ولكي أجلي فكرتي أكثر هنا أودُّ الحديث عن موضوع الاغتراب. فنحن نعرف أنّ هيجل(1831م) رُبَما يكون أوّل فيلسوف في العصر الحديث استخدم مفهوم الاغتراب بما يتضمَّنه من انعزالٍ وانفصال، ويعني عنده تضييع الإنسان لشخصيّته الأولى الحقيقيّة لصالح شخصيّةٍ مزيَّفة تُصنع له صنعاً. ثمّ جاء كارل ماركس(1883م) ليطبِّق هذا المفهوم في سياقه الاجتماعي ـ الاقتصادي، عندما اعتبر أنّ استغلال الطبقة العاملة من قِبَل البرجوازيّة يجعل العامل في نوعٍ من الاستلاب والاغتراب؛ لأنّه يعمل لتحقيق غايات غيره، فيفقد بذلك ذاته، ويصبح وجوداً هَشّاً.

القضيّة هنا تكمن في أنّ الإنسان (الفرد أو الجماعة) عندما يغترب فهو يقوم بممارسة سلوكٍ أو الإحساس بوضعٍ يبدو فيه أنّه غير منسجم. فهو يفعل ما يريده الآخرون، وهو يكوِّن هويّته ـ بالمفهوم الوجودي ـ التي يريدها الآخرون، فهو متشظٍّ غير منسجم في ذاته، وهو متكثِّر غير متَّحد. وبهذا يتلاشى وينتهي؛ لأنّه يحقِّق الهويّة التي يراها الآخرون فيه. فكأنّ الإنسان يعايش ذاتاً غريبة عنه هي التي ينحتها الآخر له، فلا يبدو منسجماً مع ذاته، ولا متوالماً أو متصالحاً معها، بل ذاتُه مُصادَرةٌ تماماً.

وثمَّة الكثير من القراءات حول كون الاغتراب قَدَراً يواجه الإنسان، أو هو أمرٌ قابل للمواجهة. كما ثمَّة الكثير من المواقف في أنّ العصر الحديث هل عزَّز اغتراب الإنسان أو أنقصه؟ لكنّ الشيء المؤكَّد أنّ حياة الإنسان المعاصر بدأت تشعر بالكثير من الضغط تجاه قضيّة الاغتراب، واتّجه الإنسان لكي يحقِّق ذاته بذاته، وينهي الانفصام الذي يعيشه.

وسؤالي هنا: هل يمكن للدين اليوم أن يساعد على رتق الفتق وردم الهوّة وتخفيف الاغتراب، دون أن يضحّي بالفقه والقانون الشرعيّين، مع قناعتي بأنّ الخروج من كلّ أشكال الاغتراب تماماً أمرٌ غيرُ مقدورٍ للإنسان في هذه الدنيا، إلاّ مَنْ رحم الله؟ هل يمكن لنا أن نقدِّم حلاًّ ممكناً؟

في تقديري هذا ممكنٌ، وذلك عبر:

إحياء معنويّة (الحبّ والتسليم)، وأعني بها صناعة التديُّن القائم على عشق الله تعالى، وفي الوقت عينه التسليم له. ولكنّ هذا التسليم هنا ليس استلاباً في وعي المؤمن العارف، بل هو إحساس الفرد بتكامله الحقيقي، في ظلّ الاندماج مع الوحدة المطلقة لله تعالى..، وعودة الكثرة إلى هذه الوحدة. فهذا الاندماج يحقِّق الرضا والطمأنينة بالقضاء التكويني والتشريعي لله سبحانه، وهو اندماجٌ مستبطَن في مفهوم (الإسلام)، الذي ركَّز عليه القرآن الكريم.

إنّ السير نحو الله عبر مفهوم الطاعة الحُبِّية يصل بالإنسان للتسليم المطمئن، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7). فالإيمان فعلٌ حُبِّي، والابتعاد عن الكفر انبعاثٌ باطنيّ ناتج عن كُرْهٍ، ولهذا كان الاتّباع متفرِّعاً على الحُبّ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31). وكانت غاية الإيمان تحصيل أعلى مستوى من الحبّ في القلب، وهو حبّ الله، فلا حبَّ أعلى في قلب المؤمن من حبِّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ…﴾ (البقرة: 165)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24).

إنّ هذا كلَّه معناه أنّ الإنسان بات يشعر بأنّ تسليمه لله سبحانه ـ لا غير ـ هو في نفسه يحمل مصلحةً سلوكيّة، بمعنى أنّ السلوك التسليمي نفسه يحمل مصلحة، ويعطيه ترقِّياً وتسامياً وجوديّاً، وبهذا يصبح الإنسان في تسليمه الحُبِّي متّحداً بالله سبحانه، وليس تسليمه تسليم متمرّدٍ مقهور. إنّه تسليم طاعةِ عاشقٍ، إنّه بذاته انتماءٌ واكتسابٌ لهويّةٍ، وليس تسليم مقهورٍ مغلوبٍ على أمره، منفصم في شخصيّته، كما قال سبحانه: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: 65)، وكما جاء في الحديث عن الإمام عليّ بن أبي طالب× أنّه قال: mإلهي كفى لي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً…n([1]). إنّ الإيمان ليس اعتقاداً ذهنيّاً، بل هو فعلٌ روحي. إنّه تسليمٌ لا ينفصل فيه الجسد المطيع عن النفس، فالنفس وهي تسلِّم لا تجد حَرَجاً في أعماقها، بل هي منسجمةٌ تماماً. إنّه تسليم يجد الإنسان فيه ذاته، فيفتخر ويشعر بالعزّة، ولا يفقدها، لكنّه يجدها واعياً لها، لا واهماً. بل بهذه الوحدة مع الله المنبثقة من التسليم الحقيقي يولد الإنسان ولادةً جديدة إلهيّة، تسمح له بأن يكون مهيمناً على الأشياء المحيطة. فهو زاهدٌ فيها زهد المستغني، سواء امتلكها ملكيّة الغنيّ، أو فقدها فقدان الفقير. وبهذا تصبح المصائب محبوبة أكثر من اللذائذ، وليست قاهرةً للعبد، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (يوسف: 33).

وبهذا يتحرَّر الإنسان أيضاً من الخوف والقلق الدائمَين القابعين في أعماقه، حتى وهو يملك ملذّات الدنيا كلّها، خوف من المستقبل ومن المتغيِّر، وتحلّ الطمأنينة القائمة على تجلّي جمال الله في قلبه وما يحيط به، وهو يعيش حُسْنَ الظنّ بالله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28). أليس هذا ما يريده الإنسان المعاصر؟!

نعم، هنا نفهم بعض مغازي الحديث المنسوب إلى الإمام أبي جعفر الباقر×، حيث يقول لأبي عبيدة زياد الحذّاء: mيَا زِيَادُ وَيْحَكَ، وَهَلِ الدِّينُ إِلاَّ الْحُبُّ؟! أَلاَ تَرَى إِلَى قَوْلِ اللهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾؟! أَوَلا تَرَى قَوْلَ اللهِ لِمُحَمَّدٍ|: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾؟! وَقَالَ: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾. فَقَالَ: الدِّينُ هُوَ الْحُبُّ، وَالْحُبُّ هُوَ الدِّينُn([2]).

وبما تقدَّم، يتمكَّن الدين من منح الحياة معناها؛ لأنّها تصبح رحلة وجوديّة عميقة نحو نقطة البداية الحقيقيّة للإنسان، الذي سيعود في المآل إلى الله: ﴿…وَإلَيْهِ تُرْجَعُوْن﴾ (يس: 83)، ﴿…وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (الشورى: 15). والمعنى هنا هو صيرورة كلّ الأشياء ذات مغزى، وذات قدرة على إيصالي للهدف، ولن يعود هناك شيءٌ معيق عن تحقيق هويّتي؛ لأنّ هويّتي في أعماقي، وليست في جسدي وقدراته على تحقيق شيء، ولن يتمكَّن أحدٌ من سلبي هويّتي العميقة؛ لأنّ الخيرات المادية تساوي المعضلات الماديّة عندي في أنّها ليست سوى وسائل وفرص لتحقيق الطاعة الحُبِّية واختبار قدرة الذات على تحقيق ذاتها المترقِّية، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: 35).

هذه الصورة هي وظيفة الدين اليوم. ومسؤوليّةُ الجميع تحقيق انبعاث هذا الدين الذي يجعل السلوك الفقهي الشرعي تجلّياً للروح المعنويّة هذه، وليس مفروضاً. فالأنبياء كانوا يعيدون تكوين أصحابهم ويولِّدونهم ولادةً باطنيّة عميقة، ولا يعيدون ضبط السلوكيّات الخارجيّة دون نفوذ إلى الأعماق. ولهذا كانوا سلاطين الأرواح. فهم لا يغيِّرون الباطن، بل يجعلون الإنسان يغيِّر باطنه بإرادته.

هذا هو الفاصل بين إيمان الفيلسوف والمتكلِّم وإيمان العارف. فإيمان الفيلسوف والمتكلِّم هو تحويل الحقيقة الوجوديّة العميقة إلى مجرَّد قضيّة خبريّة مستهْدَفة بالاستدلال، بينما إيمان العارف يحافظ على الحقيقة الوجوديّة (بمفهوم المدرسة الوجوديّة Existentialism) للإيمان، ويحوّله إلى تجربةٍ. فأن تكون لديك معلومات عن لعبة كرة القدم شيء، وأن تعيش هذه اللعبة بكلّ وجودك ـ كما يحصل مع عشّاق هذه اللعبة ورجالاتها الكبار في ساحات الملاعب ـ شيءٌ آخر. إنّ المعرفة لا تغيِّر شيئاً في الهويّة الباطنيّة، بينما الإحساس هذا يغيِّر كثيراً ويقلب حياتك وروحك تماماً: ﴿…إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: 24). فالإيمان بناء علاقة، وليس تكوين معرفة، كما كان يقول أمثال: اللاهوتي هانس بالتازار(1988م).

ب ـ الدين بين الهويّتين: الفرديّة؛ والاجتماعوسياسيّة

المشهد الآخر الذي يؤدّي إلى تغيير الصورة، ويعيق قدرة الدين على مخاطبة الإنسان الحديث، هو ثنائيّة الاجتماع والفرد. فمن جهةٍ نحن نلاحظ مبالغة واضحة في تكريس الإسلام السلطوي الذي يجعل الدين برمّته هو الحضور في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة فحَسْب، وبهذا يتمّ تقليص الدين ليكون مجرَّد إدارة دنيويّة للحياة، فلا يشعر الفرد بأنّه يحظى بأولويّة في هذا النظام الديني، بل هو مجرَّد حجر من أحجار لعبة الشطرنج الكبيرة. وهذا ما يقف على النقيض تماماً من حاجات الإنسان الحديث في الاستجابة لقضاياه الفرديّة والباطنيّة.

ومن جهةٍ أخرى تتجه العديد من التيّارات الدينيّة الحديثة إلى تقليص الدين كي يخاطب الجانب الفردي الباطني من الإنسان، بسحبه تماماً من التداول الاجتماعي والبيئي. ولهذا نجد نزوعاً رهيباً خلال العقود الأخيرة نحو الدين الباطني، حتّى أنّ الدين قد يظهر أحياناً هنا مجرّد وسيلة من وسائل بعث الطمأنينة النفسيّة. وهذا ما يهدِّد ثلاثيّة الشريعة والعقيدة والتاريخ في الدين؛ لأنّها سوف تصبح ثلاثية مهمَّشة، لصالح العلاقة الروحية العائمة. ولهذا نجد أنّ بعض التيارات اليوم في العالم عندما انتبهت إلى أنّ الدين لا يريد سوى بعث السكينة والطمأنينة والسلام الداخلي برَّرت لنفسها التخلّي عنه بوسائل يمكن أن تحقِّق هذا المقصد من وجهة نظرها. وبهذا صرنا نلاحظ اليوم تيارات كبيرة باتت تُعْرَف بـ (العرفان بدون الله)؛ لأنّ الصورة الفرديّة الباطنية للدين تحوَّلت إلى مجرّد ممارسة رياضة (اليوغا)، التي تستهدف بعث السكينة واكتساب الطاقة الإيجابيّة، تمهيداً لقيام الإنسان بأنشطته اليوميّة مسروراً سعيداً.

هذا الخطأ المتقابل الذي وقع (أعني تقليص الدين إلى هويّة اجتماعيّة سياسيّة، وتقليصه إلى هويّة فرديّة علاجيّة نفسيّة) يمكن أن تكون له مردوداتٌ سلبيّة كبيرة. فنحن محتاجون اليوم بشكلٍ فاعل إلى الروح الباطنية في الدين. فهذا الجانب الباطني من حياة الإنسان يمكن للدين أن يخاطبه، كما يخاطب العقل المجرَّد، لكنّ الدين الحريص على الإنسان لا يمكنه أن يترك البيئة الحاضنة التي توفِّر له سلامةَ التجربة الروحية؛ فإذا لم يكن للعقل رقابةٌ، ولم يكن للوحي إرشادٌ وتوجيه، فمن الممكن أن تذهب التجارب الروحيّة والمعنوية نحو نتائج خاطئة، ومن ثمّ لن نتمكَّن من التمييز لاحقاً بين الحقيقة والخرافة، وسنجعل الدين والتجربة الدينيّة عرضةً للخرافة والأساطير. وهذا ما لن يخدم الإنسان الفرد، ولا الإنسان بوصفه جماعة.

إنّ الطريقة الفاعلة هنا هي بتحويل العقيدة إلى معايشة، وعدم إبقائها مجرّد سلسلة من الجمل الخَبَريّة التي تهدف إدراك واقعٍ موضوعي خارجي. فالقرآن الكريم عندما جاء مخاطِباً مشركي العرب بالكفّ عن الشرك لم يفتح كلّ هذه المعركة الفكريّة والحضارية لكي يتصارع مع الآخرين على أرقام، فهل الله واحدٌ أو هو اثنين أو ثلاثة؟ المسألة ليست مسألة أرقام، إنّما هي مسألة نمط عيش وحياة وتجربة روحيّة؛ لأنّ التوحيد ـ كما يقول العلاّمة الطباطبائي ـ لو فصَّلناه فهو الإسلام كلّه، ولو اختصرنا الإسلام فهو التوحيد. فالعبادة والعلاقة بين الفرد والله وبين الفرد ومخلوقات الله هي علاقة توحيديّة، وليست المسألة مسألة صراع أرقام وحسابات رياضيّة. وبهذا يمكن للدين اليوم أن يحوّل المعرفة الماورائيّة إلى نَمَطٍ من العيش، بَدَل أن يجعل القضايا العقديّة مادّةً للتنازع غير المنتج.

دعوني أؤكِّد اليوم على فكرةٍ: لسنا بحاجة في هذا الزمان، وخاصّة بالنسبة إلى المجتمعات التي دخلت فضاء ما بعد الحداثة، أن نستخدم ونتعب أنفسنا بالتشييد البرهاني للعقيدة. نحن بحاجة للتشييد التبريري لها. يكفي أن نقدِّم عقيدةً تحظى بانسجامٍ داخلي، وبقدرة على الإنتاج الإيجابي؛ لكي نقوم بتبريرها عبر ذلك. فالمعرفة في الدين معبرٌ لتغيير الحياة، وهي إنتاجٌ جديد للإنسان نفسه. ولهذا ورد في بعض النصوص الحديثيّة الكلام عن علومٍ لا تنفع؛ لأنّ مراكمة المعلومات ليست هدفاً، بل الغائيات والمقاصد من وراء المعرفة هي الهدف، وقدرة المعرفة على إنتاج الترقّي الحقيقي هو الهدف.

والنتيجة: إنّ إعطاء البُعْد الفردي في الدين حجمَه الحقيقي، وإعطاء البُعْد الاجتماعي حجمَه كذلك، ووقف طغيان أحدهما على الآخر، هو مدخلٌ مقبول لمعالجة مشكلة علاقة الإنسان الحديث مع الدين.

ج ـ مآلات المخاطرة في نزعة اللامنطقيّة

نعرف جميعاً أنّ عصرنا اليوم ينادي باللامنطقيّة، فهناك الكثير ممَّنْ بات يعتقد أنّ الحياة لا ينبغي بل لا يمكن أن تُبنى على المنطقيّة؛ لأنّ منطقيّة التفكير لا تستلزم صحَّتَه. وهو أمرٌ بدأت أولى طلائعه من نهايات القرن الثامن عشر، وخاصّة مع الفيلسوف الألماني كانط.

إنّ اللامنطقيّة هذه يمكن أن تكون نافعةً في مكانٍ، لكنّها قد تلحق أكبر الضرر بالإنسان الفرد والجماعة؛ لأنّ الكائن الإنساني لا يعيش لوحده، ومن ثمّ فإذا لم يخضع لقوانين الطبيعة والاجتماع والتاريخ، ولو في إطار سعيه لتغييرها حيث يتسنّى ذلك، فإنّه سوف يصطدم بالواقع. لا يمكنني أن أبني عالمي الخاصّ، أو أن أفسِّر العالم من حولي على أنّه عالمي، ولا يوجد شيء غير ما أنا أشعر به، إنّ هذا المنطق الظاهراتي والهايدغري يمكن فهمه في سياقٍ فلسفيّ، لكنّه في سياقٍ سلوكيّ إنسانيّ لن يؤدّي إلاّ إلى تهديد الإنسان نفسه على وجه البسيطة.

إنّ المبالغة في التركيز على الإنسان الفرد يمكن أن تطيح بمنجزات البشر في ما يخصّ حقوق الإنسان نفسها؛ إذ ما دمنا نعطي الذات وميولها مطلق الحقّ، أو نعطيها الأصالة، فمن الممكن فيما بعد أن نصل إلى تشكيكٍ في جدوائيّة وضع معايير إنسانيّة لحياة البشر، وبهذا نكون مساهمين في ابتلاع الإنسان لنفسه واقتضامه لأبعاضه.

لا يمكن تحرير الحياة الفردية من العقلانيّة، وكذلك من الشبكة الاجتماعيّة العلائقيّة، مهما أُصبنا بخيبات أملٍ من محاولات التعقيل، ومن طرق مسدودة للوصول إلى المنطقيّة المطابقة للواقع. فإذا لم نختَرْ المنطقيّة الذهنية؛ بوصفها الأقرب إلى المنطقية الواقعيّة، فليس بأيدينا حلٌّ أفضل يمكن أن يعالج المشكلة. وهذا أمرٌ خطير جدّاً؛ لأنّ التخلّي عن المنطقيّة العقليّة يحمل قَدْراً كبيراً جدّاً من المخاطرة.

وبكلمةٍ أخيرة

لا يمكن إعادة الدين إلى حياة الإنسان المعاصر إلاّ:

بإصلاح رؤيتنا للدين نفسه من جهةٍ، وامتلاك جرأة هذا الإصلاح، وخاصّة أنّ الوقت لا يجري لصالحنا.

إنّنا ـ وبأملٍ ـ نتطلّع في ذلك إلى المفكِّرين والعلماء والفقهاء المسلمين، بل وعموم رجالات الأديان في العالم، أن يتخطّوا قضاياهم الجزئيّة والمناطقيّة، ليتطلَّعوا إلى ما يأتي به المستقبل من ولادة عصرٍ جديد، إنْ لم نسابق الوقت فيه فلن يكون لنا وجودٌ قطّ، وخاصّة في ظلّ عالَمٍ يشهد أكبر عمليّة تنميط في تاريخه منذ شروع العصر الحديث للعولمة، وما باتت تعنيه هذه الكلمة من إبادة الهويّات المختلفة في العالم.

وبنقد أصول التفكير الفلسفي المعاصر من جهةٍ ثانية، والانتباه الدقيق إلى أنّ الكثير من الأفكار التي تتسرَّب في مختلف العلوم والفنون، والتي نتشرَّبها ـ من حيث لا نشعر ـ عبر مختلف وسائل الإعلام والتواصل، وخاصّة عبر المنجزات الفنّية والعالميّة في السينما والتلفاز والمسرح والموسيقى وغيرها..، إنّ الكثير من هذه الأفكار ليس سوى ترجمةٍ لرؤية فلسفيّة عميقة، بِتْنا نأخذ بها دون تفكير، بل دون انتباهٍ لجذورها. ولا أريد أن أعادي العصر برفضها، بل أريد أن أعطي لنفسي الحقّ في التنقيب والبحث فيها قبل أخذها دون وعيٍ مسبق. فأكبر المخاطر على الإنسان الحديث هي مخاطر الاغتراب والتعليب؛ إذ يتمّ تكوينه عبر هذا الأخطبوط المهول، دون أن يشعر هذه المرّة أنّه بات مستلباً.

عسانا بهاتين الخطوتين المتقابلتين نحقِّق ذواتنا بأنفسنا ووَعْينا، ونخدم قناعاتنا وإيماننا، ونبقى رساليّين بكلّ معنى الكلمة، إنْ شاء الله تعالى.

 

 

الهوامش

(*) نصّ الورقة التي شارَكَتْ في المؤتمر الخامس والثلاثين للجماعة الإسلاميّة في أمريكا وكندا، والذي انعقد في 22 ـ 26/12/2018م في مدينة شيكاغو في الولايات المتَّحدة الأمريكيّة، ثمّ نشرت هذه الورقة في العدد 48 ـ 49 من مجلّة الاجتهاد والتجديد في بيروت، عام 2019م.

([1]) الصدوق، الخصال: 420.

([2]) البرقي، المحاسن 1: 263.