الدين والاستيعاب التشريعيّ

21 نوفمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
117 زيارة

الدين والاستيعاب التشريعيّ

جولةٌ في بعض المنطلقات العقلانية والقرآنية لقاعدة

(ما من واقعةٍ إلاّ ولها حكمٌ)

ـ الحلقة الأولى ـ

حيدر حبّ الله

 

تمهيد

منذ قديم الأيّام كان هناك سؤالٌ أقلق المجتهد المسلم، وهو: كيف يمكن للنصوص المتناهية أن تحكم في الوقائع غير المتناهية؟ (راجع: الشهرستاني، الملل والنحل 1: 199).

وقد دفع ذلك ـ أحياناً ـ لتبنّي خيارات مكمّلة تسدّ النقص البادي بسبب هذا السؤال؛ فاختار بعض الفقهاء المسلمين القياس ـ مثلاً ـ؛ لكي يردموا من خلاله ثغرة تناهي النصوص، فيقومون باستنساخها في المتشابهات؛ كي يستوعب الدِّينُ تمامَ الوقائع؛ فيما لجأ فريقٌ آخر من الفقهاء والأصوليّين إلى نظريّة الثنائية التي تعتمد تارةً مبدأ العموم والإطلاق في النصوص؛ وأخرى مبدأ الأصول العمليّة، مثل: أصل البراءة والاحتياط والاستصحاب والتخيير، حيث قالوا بأنّ الأصول العمليّة تحدّد الوظيفة العمليّة للمكلّف في ظلّ غياب المعرفة بالوظيفة الواقعيّة القائمة في أصل الشرع، وإنّ هذه الأصول العمليّة الأربعة لها قدرة استيعاب تمام الوقائع؛ لأنّ تمام الوقائع تخضع لتقسيم عقلي حاصر تشتمله هذه الأصول الأربعة، يمكن مراجعته في كتب أصول الفقه الإمامي بالخصوص. (انظر: مرتضى الأنصاري، فرائد الأصول 1: 2).

لكنّنا لو تأمّلنا قليلاً سنجد هذا السؤال (حكم المتناهي على غير المتناهي) مبنيّاً على جوابٍ محدّد عن سؤالٍ آخر افتُرض مسلَّماً واضحاً في الخلفيّات المعرفيّة للمفكِّر المسلم، وهو: هل تستوعب الشريعة تمام وقائع الحياة بالفعل؟ وإذا كانت تستوعبها فما معنى هذا الاستيعاب؟

إذن، فنحن أمام سؤالين جوهريّين: أصل الاستيعاب؛ وكيفيّته. وما لم نجِبْ عن هذين التساؤلين فلن نستطيع الدخول في اجتهادٍ إسلامي يغطّي الحياة الإنسانيّة، بل سيكون الفقه الفردي والمجتمعي وفقه النظريّة و.. أمام تحدٍّ كبير.

والذي يظهر من ممارسة الفقيه والمفكّر المسلم أنّ شمول الشريعة لكلّ وقائع الحياة عبارة عن مصادرة قبليّة مفروغ منها بل افترضت مسلّمة معروفة بديهية (انظر: محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن: 230؛ والصدر، المدرسة الإسلاميّة: 144). لكنّ الملفت أنّنا لم نجد دراسةً مستقلّة لهذه القاعدة المتردّدة في الكتب أو على الألسن: «ما من واقعةٍ إلاّ ولها حكم»، لم نجد لها دراسةً مفردة تُذكر، لا في علم الكلام الإسلامي، ولا في علم أصول الفقه الإسلامي، ولا في الفقه نفسه، وإنّما كان يُشار إليها هنا أو هناك، مع أنّها من الأمور التي تحتاج إلى درسٍ واع في أصول الاجتهاد الإسلامي. ومن الغريب أن لا تُفرد مسألةٌ من هذا النوع بالبحث، مع أنّ نمطيّة علم الأصول والفقه تقوم عليها. وخاصّة أنّ هناك قولاً منسوباً بإنكار هذه القاعدة، بل يرى المحقق العراقي أن القول بالمعنى الواسع للتصويب يقوم على إنكار هذه القاعدة في الجملة (انظر: نهاية الأفكار 4 (القسم الثاني): 229 ـ 230).

ومن الضروري بدايةً أن أنبّه لأمرٍ مهمّ، وهو أنّ هناك فرقاً نسبيّاً بين موضوعين هنا: أحدهما: شموليّة الدين وتشريعاته؛ وثانيهما: ضرورة الدين والوحي والنبوّة. فقد تقول بضرورة الوحي، لكنّ هذا لا يعني شموليّته التشريعيّة، وقد يكون الوحي موجوداً وشاملاً، لكنّه لا توجد ضرورةٌ قهريّة له عقلاً، بل هو أمرٌ حَسَنٌ، لكنّه لو لم يقع لما ألحق ضرراً بشيء، ولما لزم من ذلك قبح على الله سبحانه. فهاتان المسألتان ينبغي التمييز جدّاً بينهما، وإنْ تداخلتا في بعض الحالات، فليُتنبَّه لهذا الأمر.

 

قاعدة «كلّ واقعة لها حكمٌ»، رصدٌ موجز لبعض المنطلقات الاستدلاليّة

تفيد هذه القاعدة أنّ كلّ واقعةٍ أو حدث أو حالة أو أمر من أمور الحياة الإنسانية والبشريّة لها جوابٌ شرعي ديني، وهناك موقفٌ شرعي واقعي منها يشكِّل أحد الأحكام الخمسة التكليفيّة، ومعها ـ أحياناً ـ أحكامٌ وضعيّة، كالصحّة والبطلان و..

ونودّ هنا أن نتناول بالبحث المختصر جدّاً هذه القاعدة، من زاوية بعض المنطلقات العقلية والعقلانية والقرآنية التي نشأت منها. وسأشير بنحو العجالة إلى عيِّنات استدلاليّة من ذلك، وهي:

 

1ـ شمول الدين وخاتميّته، واستدعاء التقنين التفصيلي المستوعب

أوّل الأدلّة هنا هو ما ذكره بعض العلماء من أنّ الدين الإسلامي دينٌ شاملٌ، على خلاف الديانات الأخرى، ومقتضى شموليّته أنّ كلَّ حدثٍ في الحياة فله فيه موقفٌ إيجابيّ أو سلبيّ، سواء كان هذا الحدث مما تقتضيه الطبيعة البشريّة، كالأكل والشرب، أم لم يكن كذلك (انظر: محمد تقي الحكيم، الأصول العامّة للفقه المقارن: 230؛ وعبد الله نصري، الدين بين الحدود والتوقُّع: 72)، بل إن الخاتميّة تستدعي مفهوم الشمول التشريعي (انظر: جعفر السبحاني، مقدمة المهذب 1: 6؛ والصافي، مجموعة الرسائل 1: 174؛ ومكارم الشيرازي، مجلة فقه أهل البيت، العدد 4: 71 ـ 73).

إلا أنّ هذا الدليل ـ لو قصد قائلُه الاستدلالَ به ـ ليس سوى مصادرة على الموضوع؛ لأنّ كون الدين شاملاً تعبيرٌ آخر عن استيعاب أحكامه ومنظوماته لتمام وقائع الحياة، فما هو الدليل على شموليّته بهذا المعنى؟ فإنّ هذا هو محلّ التنازع في الموضوع. ولهذا أعتقد أنّ هذه المحاولة لا تعبِّر عن استدلالٍ أساساً، بل هي المسلَّمةُ المفروضة سَلَفاً.

 

2ـ حكم العقل بعدم خلوّ الوقائع، محاولة المحقِّق النراقي

ثاني الأدلّة على شمولية الشريعة هو ما ذكره المحقِّق النراقي، من أنّ العقل حاكمٌ بعدم تحقُّق واقعة إلاّ ولها حكمٌ (النراقي، عوائد الأيّام: 365؛ وأياد المنصوري، نظريّة التزاحم الحفظي: 77 ـ 79).

ولم يشرح لنا النراقي تقريب حكم العقل بذلك! وكيف كانت عملية الحكم العقل هنا! ولعلّ مراده أنّ أيّ حدثٍ من الحوادث لا يخلو إما أن يكون حَسَناً أو قبيحاً؛ أو يتساوى حُسْنه وقبحه، ولنقل: لا يخلو أيّ فعلٍ إمّا أن يكون راجحاً؛ أو مرجوحاً؛ أو تتساوى فيه الجهات، فلا هو بالراجح ولا بالمرجوح:

أـ وعلى الأوّل (رجحان الفعل) إمّا أن يكون رجحانه شديداً، بحيث يكون تركه قبيحاً، فهو الواجب، أو لا يكون كذلك، فهو المستحبّ.

ب ـ وعلى الثاني (مرجوحيّة الفعل) إمّا أن تكون مرجوحيّته شديدة، بحيث يكون الإتيان به قبيحاً، فهو الحرام، وإلاّ فهو المكروه.

ج ـ وعلى التقدير الثالث والأخير (التساوي) فهو المباح.

ولا توجد حالةٌ أخرى في علم الله تعالى. فلا بُدَّ من فرض موقفٍ إلهيّ في البَيْن، وليس إلاّ هذه، ومعه يكون الموقف الإلهيّ بالضرورة أحد الأحكام الخمسة التكليفيّة.

وهذا الدليل رغم وجاهته، بَيْدَ أنه يُغفل أمراً بالغ الأهمّية، وهو أنّنا لا نبحث في واقع صفة الفعل الخارجيّ، من حيث كونه راجحاً أو مرجوحاً أو غير ذلك، ولا في علم الله تعالى بالرجحان هذا أو المرجوحيّة، وإنّما في جعل الشارع سبحانه ـ بعد هذا العلم ـ تشريعاً يتعلَّق بعهدة المكلَّفين. فليست مرحلة الثبوت، بمعنى الملاك والإرادة، كافيةً هنا، دون أن يجعل الشارع حكماً نتيجتها، فمصبّ التنازع إنّما هو في وجود حكمٍ مجعول من قبل المولى، لا في علمه وحبّه فحَسْب.

ولتقريب الفكرة نأخذ الأحكام العقليّة العملية، حيث وقع خلافٌ بين علماء أصول الفقه الإسلامي في أنّه بعد حكم العقل بحُسْن العدل هل يجب أن يحكم المولى سبحانه بوجوب العدل أو لا؟ فذهب بعضهم إلى عدم الوجوب، بل إلى عدم وجود داعٍ ومبرِّر لهذا الحكم الشرعي بعد محرِّكيّة العقل نفسه؛ فيما ذهب آخرون إلى خلاف ذلك (انظر ـ لمزيدٍ من الاطّلاع ـ: الصدر، دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة، القسم الأوّل): 429)، وهذا معناه أنّ العبرة ليست في حُسْن الشيء في ذاته بقدر ما هي في صدور حكم شرعي متعلّق به، بعد كونه حَسَناً أو قبيحاً. ومن ثمّ فمن الممكن أن يرى الله الفعل حَسَناً، لكنّه لا يُشرِّع فيه حكماً، بل يترك للبشر أن يُحاولوا اكتشاف هذا الحُسْن وهذا الرجحان في هذا الفعل، والانقياد لعقولهم فيه.

 

3ـ مفهوم كمال الدين، محاولة السيد السيستاني

الدليل الثالث هنا هو ما يلوح من كلمات مثل: السيّد السيستاني، من الاستناد إلى أدلّة كمال الشريعة في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (المائدة: 3)، فإنّه لو لم يكن لهذه الشريعة قدرة الشمول لتمام وقائع الحياة لم تكن كاملة، وهذا ما يقع على النقيض من نصوص كمالها. (السيستاني، قاعدة لا ضرر ولا ضرار: 292).

وكان الدكتور عابد بن محمد السفياني قد استند بشكل مركّز على آية إكمال الدين هنا في كتابه الذي طبع قبل عقود (انظر له: الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية: 136 ـ 147).

ولكنّ الاستدلال بكمال الشريعة هنا يعاني هو الآخر من مشكلة، وذلك أنّ كمال الشريعة مفهومٌ له معنيان:

المعنى الأوّل: أن تكون الشريعة مغطيةً لجميع وقائع الحياة، فيكون كمالها بالنسبة إلى الواقع، فهي كاملةٌ لأنها تستوعب الواقعَ كلَّه، وهذا هو الكمال الذي ينتج هنا ـ أوّلياً ـ قاعدةَ: ما من واقعةٍ إلاّ ولها حكم.

المعنى الثاني: أن يراد وصولها إلى نقطة الغاية المرادة لها، فتكون قد كمُلت، بمعنى أنّ هناك مجموعة عناصر تكوِّن هذه الشريعة وهذا الدين، فعندما تلتئم بأجمعها يحصل كمالُ الدين، سواء كان الدين هذا يغطي كلَّ وقائع الحياة أم أُريد له من البداية أن يغطّي مساحةً محدَّدة منها؛ لمصلحةٍ في ذلك.

ولو نظرنا إلى الآية القرآنيّة المشار إليها وأمثالها لم نجد لها دلالةً واضحة على المعنى الأوّل، بل هي أقرب إلى المعنى الثاني؛ لأنّها ظاهرة في إكمال الدين، فهي تريد أن تقول: إنّني أكملت اليوم لكم الدين، فالدين بالأمس لم يكن قد كمُل بالنسبة إليكم، واليوم قد حظي بكماله، لا أنّه لم يكن قد كمُل في ذاته بالنسبة لوقائع الحياة واليوم قد كمُل بهذه الملاحظة.

وبعبارةٍ أخرى: لو فرضنا أنّ الدين الإلهيّ يغطّي مساحة 90% من مجموع وقائع الحياة، والقرآن والسنّة كانا يبرزانه ويظهرانه، ثمّ نزلت هذه الآية تفيد أنّنا أكملنا لكم الدين، فإنّ معنى ذلك أنّ التسعين في المائة هذه قد كمُلت لكم، فتصدق الآية الكريمة في هذه الحال أيضاً، ومعه لا يكون فيها ظهور في الكمال بالمعنى الأوّل المطلوب.

هذا، وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين ـ وهو الباحث الأستاذ مصطفى كريمي ـ، تَبَعاً للشيخ صادق لاريجاني، تقديمَ صيغةٍ استدلاليّة أخرى؛ للانطلاق من مفهوم كمال الدين الوارد في الآية الكريمة إلى مفهوم شموليّة الشريعة والدين، نؤجِّل التعرُّض له ومناقشته إلى الحلقة الثانية إنْ شاء الله تعالى.

ـ يتبع ـ